إسلام ويب

ولا تنازعوا فتفشلواللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الخلاف اليوم بين المسلمين قد اتسع أفقه, والاتفاق والاتحاد بين أعدائهم قد قوي صلبه.

    وفي هذا الدرس محاولة لمعالجة هذه الفرقة الموجودة بين المسلمين, وذلك بعدة أمور منها: الرجوع إلى العلماء, ومعرفة قدرهم وفضلهم, ومنها: معالجة قلوبنا من الحسد والضغينة والأحقاد.

    كما ذكر الشيخ أدب أهل العلم مع بعضهم عند الخلاف, وتعرض لقاعدة الموازنة بين الحسنات والسيئات, وذكر كلام محمد بن مهدي في صفة أهل السنة عند الخلاف. كما كان هناك كلمة تعقيبية للشيخ الدكتور سعيد بن زعير.

    1.   

    ترحيب الشيخ الطريري بالشيخ عائض

    اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالقرآن، ولك الحمد بالعافية في المال والأهل والولد.

    لك الحمد ربنا على كل نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث، أو سر أو علانية، أو حاضر أو غائب.

    لك الحمد ربنا حتى ترضى, ولك الحمد إذا رضيت.

    وصلوات الله وسلامه وبركاته على نبينا محمد النبي الصادق الأمين, وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين, وخلفائه الراشدين, وسائر الصحابة أجمعين, ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    ومع الحلقة الثانية عشر تعود إليكم دروس الوعي وتعودون إليها والعود أحمد، أهلاً بكم مع قضية من أكثر القضايا إلحاحاً على واقعنا، ففي حين يشكو الناصحون المشفقون على هذه الصحوة؛ من فقدان اللياقة في الاختلاف، أو يشكون من غيبة أدب الحوار، أو الحساسية من النقد، مما حول الخلاف إلى تنازع يعقبه فشل: وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا [الأنفال:46].

    فإنه في الوقت ذاته نرى خلطاً غريباً عجيباً في أحيان كثيرة حين تعرض هذه القضية عرضاً نراه يفضي إلى تغييب الولاء والبراء في عتمة تعدد وجهات النظر، أو إخفائه تحت مظلة حتمية الخلاف، ويراد من ذلك أن ننظر إلى الخلاف بين الإسلام والعلمنة، أو بين السنة والبدعة كنظرنا إلى الخلاف بين الصحابة رضوان الله عليهم في صلاتهم العصر في بني قريظة.

    وربما مرر ذلك على عبارات يساء وضعها أو يساء فهمها، فهل كل اتفاق نتعاون فيه؟ وهل كل اختلاف نتعاذر فيه؟ وهل كل اختلاف رحمة؟ وهل كل اختلاف لا يفسد للود قضية؟ وهل يقبل شرعاً أو يليق أدباً مع محمد صلى الله عليه وسلم, أن يُستقدم إلى ثرى جزيرة العرب , جزيرة الإسلام، ومهده وملاذه, هذه الجزيرة التي كانت في وجدان محمد صلى الله عليه وسلم وهو يودع الدنيا فلحقت نفسه بالرفيق الأعلى وهو ينادي: (ألا لا يجتمع في جزيرة العرب دينان) هل يليق أن يستقدم إلى ثراها حداثيٌ مغموز عليه بالنفاق؟! أو شيوعيٌ من أفراخ الشيوعية المفلسة، ثم ترفع لهم المنابر، وتبوأ لهم المنصات؛ ليطرحوا طروحهم المشبوهة تحت مظلة حتمية الاختلاف، ويسكت الصوت المقابل تحت شعار: "أدب الخلاف".

    إن الحاجة جد ماسة إلى تجلية هذه القضية، وتبيين معالمها؛ حتى تعصم جماعة المسلمين من شرذمة التفرق، وبوادر التنازع، وبوار الفشل، وشؤم الخلاف، وحتى يعصم المجتمع المسلم أن تتنفس فيه رئة الباطل بمقولة علمنة، أو تنفث فيه فرقة زائغة بنفث بدعة، هذه القضية سيبين سواها ويلحم سداها, شيخنا وحبيب قلوبنا وقرة عيوننا أبو عبد الله الشيخ عائض بن عبد الله القرني، والذي لا يسعني أن أثني عليك، فقد أثنت عليك فعالك، ولا يسعني أن أمدحك فقد مدحك موقفك وعطاؤك.

    وكنت الجريء النفس في كل موقف      تلفت فيه الحق لم يلق حاميا

    وكنت على الأفواه سيرة مجمل      وكنت حديثاً في المسامع عاليا

    لكن يسعنا أبا عبد الله أن نحييك، فحياك الله بكل تحية من عنده مباركة طيبة، حياك الله كلما خطت لك قدم بحب، أو نظرت إليك مقلة بشوق، أو أصغت لك أذن بلهف، ويسعنا أن نكافئك بما لا نملك أن نكافئك إلا به ألا وهو الدعاء، فأسأل ربي بأسمائه المباركة الحسنى أن يبارك في عمرك، وينسأ في أجلك، ويبلغك من الخير مرادك، وأن يقر عينك بعز الإسلام وظهور المسلمين: إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [يوسف:100].

    وأدعكم مع أبي عبد الله فليتفضل مشكوراً مأجوراً.

    1.   

    مع من يكون الحوار؟

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    اللهم إني أسألك في هذا الموقف الكريم، من على هذا المنبر الكريم، في هذا الجمع الكريم وأنت الكريم, أن تصلح الراعي والرعية، اللهم إن زرع الباطل قد سمبل، وشوك الكفر قد حنظل، فنريد منك حاصدة لا تبقي له بقية.

    أبتهل إلى الله في أول هذا الدرس, كما ابتهل رسوله إليه عليه الصلاة والسلام في جنح الظلام وهو يقول كما في صحيح مسلم: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل, فاطر السماوات والأرض, عالم الغيب والشهادة, أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون, اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة:213].

    أما أخي إمام هذا الجامع والخطيب المفوه الشيخ: عبد الوهاب الطريري فالحقيقة أنني اعتذرت له كلما أثنى، ولم أجد له هذه الليلة عذراً إلا الحب، فإن أثنيت ورددت عليه اتهمت بأنني أحبه، وهذا سرٌ أفشيه في هذا المجلس، وإن سكت ولمته فما أدري

    أحبك لا تسأل لماذا لأنني     أحبك هذا الحب رأيي ومذهبي

    واعلموا -حفظكم الله- أن لهذه المحاضرة سبباً ونسباً، أما سببها فهو الحوار المعلن الذي فوجئت به جزيرة العرب، جزيرة محمد عليه الصلاة والسلام وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، الجزيرة التي جدد توحيدها الشيخ محمد بن عبد الوهاب من على هذا التراب الطيب الطاهر تفاجئ بحوار، ولكن:

    والله لو لاقيتني خالياً لآبي أقوانا مع الغالب

    وتخالفنا طائفتان: طائفة لا لقاء بيننا وبينها حتى تترك ما اعتقدت وما حملت، وليس كلامنا في هذا الدرس عنها.

    وطائفة تريد أن تجعل نقاط الحوار: الكتاب، والسنة، والكعبة، والمصحف، والصلاة. فتعرضها للحوار أمام الملأ وكأننا في شك من ديننا، وهؤلاء لنا معهم كلام.

    وإنه يؤسفنا أن يبوءوا -كما تفضل الشيخ- المنابر، وأن يسمع لهم، وتحتفل بهم الأمة، وتحشد لهم الحشود ثم لا يمكن دعاة الحق وأهل الحجة الدامغة والحجة البالغة التي يحملونها, وهم أولياء الله عز وجل، الذين يحملون قال الله وقال رسوله عليه الصلاة والسلام أن يتكلموا ويسمعوا الناس أصواتهم، ويتكلم أولئك للناس ويسمع حوارهم وصوتهم.

    وأنا أقول: هنا عدة قضايا:

    القضية الأولى: لا يجوز أن يسمع لهم أصلاً بوجود أهل العلم، والفكر، والرأي، ولو أنه يحصل بعض المداخلات، لكن هذه لا تشفي العليل، ولا تروي الغليل.

    القضية الثانية: الواجب أنهم يسمعوا لنا، فإن الله يقول لرسوله عليه الصلاة والسلام: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [التوبة:6] يسمع هو لا أن تسمع أنت؛ لأن الحق تحمله أنت، فما نحمله من حق الواجب أن نسمعه غيرنا ولا نسمع منهم الباطل, وسوف أعرج على هؤلاء.

    1.   

    ضرورة الائتلاف بين أفراد وجماعات الصحوة الإسلامية

    أما الحديث في هذا الدرس فهو مع من اختلفنا معه اختلافاً يمكن تداركه والالتقاء بعده، وعدم الضغينة أو الحقد من ورائه، وهذا ليس إلا خلافاً فرعياً يحصل في الملة، وقد حصل في أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، فسوف أتحدث إلى أولئك وأناديهم أن نعتصم، وأن نكون جبهة موحدة تحمي لا إله إلا الله محمد رسول الله: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً [آل عمران:103].

    ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في هذا الصف المؤمن: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10] ويقول جلت قدرته عن هؤلاء: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:63] ولقد سعى عليه الصلاة والسلام في توحيد القلوب وتأليف الأرواح إلى درجة أنه أجلس بلالاً الحبشي مع أبي بكر القرشي، وصهيباً الرومي مع عمر بن الخطاب، وسلمان الفارسي مع علي، وعماراً مع عثمان، فأي إخاء تريدونه بعد هذا الإخاء؟!

    إن يختلف ماء الغمام     فماؤنا عذب تحدر من غمام واحد

    أو يفترق نسب يؤلف بيننا      دين أقمناه مقام الوالد

    وحب الألفة على الحق مبدأ إسلامي يعشقه المؤمنون، ويدعو إليه الصالحون في كل زمان ومكان.

    أحب المسلمون عبد الله بن المبارك رضي الله عنه وأرضاه؛ لأنه كان يحب الائتلاف والاتفاق, ويتناسى الخلاف الفرعي، وكان ينشد في طلابه:

    وإذا صاحبت فاصحب ماجداً      ذا عفافٍ وحياءٍ وكرم

    قولـه للشيء لا إن قلت لا      وإذا قلت نعم قال نعم

    وكان يقول:

    إذا صاحبت قوماً أهل ود      فكن لهم كذي الرحم الشفيق

    ولا تأخذ بزلة كل قوم      فتبقى في الزمان بلا رفيق

    أيها الأحبة: نحن بحاجة ماسة إلى أن نجمع شملنا، ونوحد كلمتنا، وأن نتناسى تلك الضغائن التي جعلها الشيطان بيننا من إملائه وتسويفه، وعند أحمد في المسند عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب , ولكن بالتحريش بينهم).

    فالشيطان يئس أن يُسجد للأصنام أو الأنداد، لكنه يحرش بين الصف الإسلامي، فيذر الجهود مبددة، والألسنة الحداد تتكلم في الأعراض، ثم اعلموا -حفظكم الله- أن من القضايا التي أريد أن أذكرها في أول هذه المحاضرة: هي اجتماع المسلمين على الكتاب والسنة ضرورة يمليها الشرع والواقع، وقد اجتمعت الأمم على ملل محرفة وعلى أطروحات باطلة، وتسعى الآن الهيئات لجمع نفسها -لأن الاجتماع أصبح ضرورة- على مصالح مشتركة، ووفاق دولي، وأخوة إنسانية، وعمل اقتصادي، وتنظير سياسي، إلى غير ذلك من أطروحات البشر، أفلا نجتمع نحن أهل الإيمان أمام هذا الزحف الكافر؟! إنها ضرورة!

    ضرورة إنكار الوضع الخاطئ

    القضية الثالثة: إنكار الوضع الخاطئ ليس إثارة للفتنة، بل إطفاء للفتنة, فإن أصل الفتنة هو ترك الخطأ، وترك الباطل والمنكر, أما من ينكره فهو المصيب، ولو سكت عليه الصلاة والسلام عن الجاهلية وما أثارها ووقف ضدها لكانت الفتنة إلى اليوم، فكيف يعتبر من يرد الرأي الخاطئ هو الفاتن المفتن؟ لا. بل الذي أتى بالفتنة هو الذي يتولى كبرها.

    ونحن نعلم أن الأمم الآن تعيش حواراً إلا بلاد الإسلام, فهم ممن اختلفوا، لكنهم متفقون على حرب الإسلام, بل العجيب: أنهم على حوارهم وسماع الرأي والرأي الآخر أكثر استقراراً وأمناً وهدوءاً، ولا تسمع القنابل، ولا الحجارة والجراح، والسياط، ولا المشانق، والزنزانات إلا في هذا المشرق.

    لماذا يفتح المجال لأهل الباطل؟

    القضية الرابعة: إن مما يمزق الأمة ويفرق كلمتها أن تترك أبواب الشر مفتوحةً على مصراعيها، ثم يغلق على أهل الحق أن يبدوا كلمتهم، فإن الحجة البالغة هي حجة أهل الحق، ويقول بعض الفضلاء: أجلسوني مع الشيطان لأحاوره، واتركوا لي وقتاً كوقت الشيطان فسوف أغلبه، لأن الشيطان يحمل باطلاً، أما أن تأتي بالشيطان وأذنابه، وتسلم لهم المنبر، ثم تجبر الناس على سماعهم ولا تعترض عليهم فهذا ظلم، وهذا منتهى ما يصل إليه الإنسان من شر وإجحاف وحيف.

    فنقول: لا بد أن نسمع الناس صوتنا، وأن نبلغ -إن شاء الله- رسالتنا بالأدب، لأن حجتنا بالغة ومبادئنا أصيلة، ولا بد عند التنازع من الرجوع إلى الكتاب وسنة المعصوم عليه الصلاة والسلام، لا إلى فكر آخر، أو أطروحة، أو تقاليد، أو أعراف تعارفنا عليها أو آراء، أو أمور سجلها البشر وقيدوها, بل إلى الكتاب والسنة، وإلى راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، ومبدأ أهل السنة والجماعة , وهذا أمر هام يجب ألا نغفل عنه.

    فليس لأحد أن يقطع في مسألة إلا إذا كان معه دليل من المعصوم عليه الصلاة والسلام، وليس لأحدٍ أن يتدخل برأيه ليفرضه على الناس، ويزعم أن رأيه هو الصحيح ورأي غيره خطأ, فهذا من الظلم.

    لا يمكن الوفاق مع من لم يدن بدين الحق

    القضية الخامسة: الذين يدعون للوفاق معنا وهم لا يدينون دين الحق، على أي مائدة نتفق؟! وكيف نلتقي معهم؟ أتحت أطروحات الماركسية والعلمانية والنصرانية المحرفة واليهودية المرتكسة، ونجلس معهم على وفاق؟! ثم يصفوننا إذا لم نوافقهم بالتزمت والتطرف والأصولية والتشدد؟! سبحان الله! أهذا هو الإنصاف؟! أمعنى أن نوافقهم أن نتنازل عن الحق الذي منحنا الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى إياه: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الزخرف:43].

    بل والله ثم والله! لقد زاد تمسكنا بحقنا يوم رأينا النظريات المفلسة وهي تنهار وتحترق، ورأينا صرح أهل الباطل وهو يهوي تحت الأرجل: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام:110].

    إن من الحقوق التي يدعو إليها العلماء والمصلحون أن يسمع صوتهم، وأن يفتح المجال لهم حتى يسمعوا الناس صوتهم، أضرب مثالاً بسيطاً: قبل ثلاثة أسابيع كتب كاتب في جريدة الندوة يسمى الدمنهوري دهوره الله في النار، يطالب هذا بتأديب طائفة من العلماء والدعاة والمصلحين، يقول: إنهم تعدوا الخط الأحمر، ما هو الخط الأحمر؟ ومن الذي رسمه؟ ومن ترك المجال لمثل هذا وأمثاله يعترض على أمة لا تقوم إلا بعلمائها ودعاتها ومصلحيها؟!

    وأنا أريد أن أرد عليه، أو غيري من طلبة العلم، فأين نرد؟! وكيف؟! وبأي لسان؟! وبأي قلم؟! وفي أي مجال؟! فهذا من الحيف، وعدم الإنصاف أن يترك المجال لمثل هؤلاء ينقمون على الشريعة وعلى حملتها، ولا يترك المجال للرد على هؤلاء.

    إن الحوار الذي تعيشه الأمم عندهم معناه: سماع الرأي والرأي الآخر، أو معناه: أن يفتح الرأي -بغض النظر عما يحمل من دين- سواء كان خيراً أو شراً, وأما في بعض البلاد فإنه يفتح المجال للشر فحسب.

    أيضاً أيها الإخوة! صاحب الرأي الصحيح لا يسمى مخالفاً، بل هو الذي على الحق، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {إنما جعل الإمام ليؤتم به, فلا تختلفوا عليه} فإن الإمام هنا لا يسمى مخالفاً لمن خالفه، بل الذي خالفه هو المخالف, أما الإمام فهو على الحق، فالعلماء أو الدعاة -ونحن من طلبة العلماء لا من العلماء وأتكلم عن نفسي- لسنا مخالفين لهؤلاء، بل هم الذين خالفونا لأننا على بصيرة من ربنا: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108].

    شروط السماع للمخالف

    الخامسة: من حقوق صاحب الرأي، وصاحب القلم، وصاحب الفكر أن يسمع أو يستمع له لكن بشرطين -كما أسلفت-:

    الشرط الأول: أن يحمل حقاً.

    الشرط الثاني: ألا يخالف في مسائل الأصول.

    1.   

    أحوال أهل العلم عند الخلاف فيما بينهم

    وأدخل الآن إلى الطائفة المنصورة أهل السنة والجماعة لأتحدث لهم مباشرة حياً على هواء الحب والرضا والود، وأقول لهم: الآن أتكلم معكم وأترك العلمانيين لفرص أخرى, وأشكر الذين حضروا فراغموهم، والدين مبني على المراغمة والمجاهدة.

    وأشكر الذين كثروا سواد المؤمنين وجاءوا يراغمون أهل الباطل ويداخلون بكلماتهم، ويزحفون بتكبيراتهم، لأنه حفاظ على دار الإسلام، ودار القبلة، وعلى شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام.

    يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله رحمة واسعة- في الرياض الناضرة قال: حالة أهل العلم مع أهل العلم عند الخلاف على ثلاثة أحوال:

    حال أهل الإحسان

    الحال الأولى: حال أهل الإحسان، وهم الذين يذكرون المحاسن ولا يذكرون المثالب، فأنت تخالفني وأخالفك في جزئيات وفرعيات، فالواجب إذا أردت أن تحسن إلي وأحسن إليك أن تعاملني بالحسنى، أن تذكر محاسني وأذكر محاسنك, ولا تذكر مثالبي ولا أذكر مثالبك، وهذه لا يفعلها إلا قلة نادرة من أمثال ابن المبارك رحمه الله، والإمام الشافعي، فقد صح عن الشافعي أنه قال: "والله ما ناظرت أحداً إلا وددت أن يكون الحق معه، وإني أدعو له بالصواب والتسديد" أو كما قال، فأين من يفعل ذلك؟

    إن الكثير منا إذا اختلف مع الآخر في مسائل جزئية أو فرعية -ويجوز الخلاف فيها شرعاً وقد اختلف فيها الصحابة- فإنه يتمنى له العثرات ويستحل عرضه، ويتكلم فيه ويسري بعداوة له، ويتفقده في كل ما يمكن أن يخطئ فيه ليشهر بهذا الخطأ.

    حال أهل الإنصاف

    الحال الثاني: حال أهل الإنصاف: وهو أن تصفني فتذكر محاسني ومساوئي, وأذكر محاسنك ومساوئك، فهذا حال أهل العدل،وعموم العلماء.

    حال أهل الظلم

    الحال الثالث: حال أهل الظلم والحيف، وهم الذين يذكرون الأخطاء ويتركون الحسنات فلا يذكرونها، وقد قال ابن تيمية رحمه الله: "بعض الناس كالذباب لا يقع إلا على الجرح" فتجده يترك المحاسن في الكتب والأشرطة والمحاضرات والدروس والمؤلفات، ويأتي إلى طالب علم أو داعية أو عالم فيقول: أخطأ في كذا، ثم يشهر به، ويرد عليه في أشرطة، ثم يقتفي أثره ويغتابه ويستحل عرضه، فأين الإسلام؟ وأين الإيمان من هذا؟

    لماذا لا تذكر الحسنات؟

    قال عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله وهو من علماء الحديث ومن علماء أهل السنة: " أهل السنة يذكرون ما لهم وما عليهم، وأهل البدعة لا يذكرون إلا ما لهم " وهذا من الظلم.

    وأنا رأيت ردوداً وسمعت أشرطة لا تذكر إلا الأخطاء، ولا تذكر لهذا الداعية، أو العالم، أو طالب العلم حسنة واحدة لا في جودة الأسلوب, أو في الغيرة لله عز وجل، أو في سعة العلم، أو في الخيرية التي فيه!

    فأقول: أين العدل؟ وأين تقوى الله عز وجل؟ وأين مخافته؟ شارب الخمر عند الرسول عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح، يشربها أكثر من مرة، فيسبه أحد الصحابة، فيقول له صلى الله عليه وسلم: {لا تكن عوناً للشيطان على أخيك، فوالذي نفسي بيده! ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله} أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    ورأيت بعض الفضلاء يقول: أحسن المعتزلة في إدخالهم الملاحدة إلى الإسلام، ولكنهم أساءوا يوم أوقفوهم في الاعتزال وما أدخلوهم في مذهب أهل السنة.

    لماذا لا يعترف بعضنا لبعض بما فيه من إيجابيات، وبما فيه من خير؟ لماذا بسبب أخطاء لا يخلو منها البشر؛ تطمس حسنات الرجل؟ وقد قال عليه الصلاة والسلام: {إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث}.

    1.   

    محاولة لمعالجة الخلاف في الأمة

    خطاب مفتوح في نقاط لحملة السنة، ولطلبة العلم، وللصالحين، وللأخيار، وللذين يريدون الله والدار الآخرة، أقولها بشكل مسائل:

    ضرورة الاهتمام بالعدو الأكبر

    أولاً: لماذا ننسى عدونا الأكبر ونختصم فيما بيننا؟ هل انتهينا من حرب النصرانية العالمية، واليهودية، والعلمانية، وهي تفرخ وتعشعش في عقر دارنا، هل وقفنا ضدها؟ أين أهل هذه الردود من الصولات والجولات التي تعرفونها من أولئك؟ أين أصواتهم؟ أين تكبيراتهم؟ أين كتبهم؟ أين محاضراتهم؟ أين أشرطتهم مع أناس تربوا في وكر الماسونية، وفي مخادع الماركسية، وعلى موائد العلمنة؟ فأين هم لا نراهم إلا على الدعاة وطلبة العلم في مسائل فرعية، أو في إشغال للأمة بجزئيات يجوز فيها الاختلاف؟!

    هل هجر مالك الليث؟ أو هجر أحمد الشافعي لأنه خالفه؟ لقد اختلفوا في فروع، وصلى بعضهم وراء بعض، ودعا بعضهم لبعض، بل قال الإمام أحمد لـابن الشافعي: "أبوك من السبعة الذين أدعو لهم وقت السحر" فبالله كيف نحاكم هؤلاء الذين اشتغلوا بالصالحين، وطلبة العلم والعلماء، يلقطون عليهم كلمات محتملة عامة، مائعة أحياناً أو عائمة، ثم يأخذون منها نقداً ويضخمونها، ويبرزونها، ويوغرون صدور الجيل الناشئ الذين يريدون صفو الكتاب والسنة, كيف نحاكمهم؟

    أقول لهم: أين أنتم عن الصولات والجولات، هل لكم كتب في الردود على هؤلاء؟ هل لكم محاضرات أو كتب ضد اليهودية والماسونية والعلمانية والماركسية أم لا؟!

    أتى رجل إلى جعفر الصادق فاغتاب مسلماً عنده، فقال له: اسكت، هل قاتلت الروم؟ قال الرجل لا. قال: هل قاتلت الفرس؟ قال: لا. قال: هل قاتلت الترك -يوم كانوا مشركين-؟ قال: لا. قال: يسلم منك الروم والترك وفارس ولا يسلم منك أخوك المسلم!!

    سبحان الله! أين جهاد هؤلاء؟! أين المواقف المشهودة التي يقفها هؤلاء؟! والله! إن موقفاً واحداً لداعية أمام فروخ العلمنة الذين أتوا بالأفكار الغربية، يتكلمون بألسنتنا، ويشربون ماءنا، ويستنشقون هواءنا، وهم مشحونون بآراء كافرة ملحدة من الداخل, إن وقوف داعية أمامهم أحسن من مؤلفات هؤلاء ومئات أضعافها وأشرطتهم، بل أحسن ربما من كثير من دروس تشتت شمل الأمة وهذا قطعاً لا شك فيه.

    لكني أقسم من باب:

    حلفت فلم أترك لنفسك ريبة      وليس وراء الله للمرء مذهب

    حرمة اتهام النيات

    المسألة الثانية: لماذا نتهم النيات فيما بيننا؟

    نسمع بعض الفضلاء يلقي محاضرات وما قصده إلا الخير، وإلا كيف يتصور أن ينهك نفسه من أجل الدعوة ومن أجل الحق، ويؤلف، ويحاضر، ويدرس، ويربي، ويعلم، ثم تأتي أنت من ورائه تستخرج وتنقب من كلامه وتقول: إنه يريد الإساءة للإسلام والمسلمين؟! ويريد الهدم لدين الله عز وجل؟! وإنه يريد الوقيعة بـ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]؟!

    فأقول: اتقوا الله، من يسمع كلامي هذا ومن يبلغه، وأقول لكم ولنفسي: لنتق الله جميعاً، فلا نتهم النيات، إذا كان للكلام محملان حسن وسيئ، نحمله على الحسن، لكن هؤلاء لا يحملونه إلا على السيئ، وإذا قلت لهم: إنه لا يريد هذا القصد، قال: أنت لا تعرفه نحن نعرفه، له تصرفات وله حركات ودلت عليه حيثيات، وعليه دلائل وبراهين ويجمعون كلامه، حتى إني سمعت شريطاً, أخذوا كل ما يمكن أن يحمل فيه على محمل أو عثرة مما يقارب خمسين شريطاً ووضعوه في شريطٍ واحد، فهل هذا عدل؟! وهل هذا إنصاف؟!

    احتمال وجود الحق عند المخالف

    المسألة الثالثة: لماذا نحن ندعي لأنفسنا الصواب ولغيرنا الخطأ؟

    بعض الناس نصب نفسه أنه من أهل السنة وغيره ليس من أهل السنة، فيحاكم الناس إلى نفسه وكتبه، ومحاضراته، ودروسه، حتى سمعت بعضهم يقول: وقد ذكرت ذلك في موطن من كتبي! وقد ذكرت هذا الفصل في أحد أشرطتي! وقد وضحته في بعض محاضراتي!

    فكأن هذا العلامة شيخ الإسلام في هذا العصر وهو مرجع الأمة، وكأنه المرجعية الكبرى لـأهل السنة، فيقول: أنتم ما راجعتم كتبي! وأنتم ما رأيتم ماذا قلت في المسألة! ولو راجع كلامي هذا ما أخطأ، لكن العيب فيه أنه ما راجع كلامي!

    ومن أنت يا حجة الإسلام حتى نرجع إليك؟! أنت مثلي وأنا مثلك، والواجب إذا اختلفت أنا وأنت أو تنازعنا أن نرجع إلى الكتاب والسنة, لا أن نرجع إلى كلامك.

    ضرورة الانتباه لدوافع النقد

    المسألة الرابعة: لماذا نتشهى بتبديع الناس وتضليلهم؟ فالكلام قد يحتمل الصحة, لماذا لا نجعل لأنفسنا فسحة ليتوب الله علينا سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، ويعفينا من أخطاء الناس ومن ذنوبهم، ولا نبدع, فنقول: نستغفر الله, يمكن أنه أراد غير ما قال؟ قالوا: لا، إذا لم تبدعه فأنت مبتدع. وهذا يسمى: التركيب في الفتيا والتركيب في الأحكام، فمن لا يبدع المبتدع فهو مبتدع، ومن لا يكفر الكافر فهو كافر، وقد يكون الثاني صحيحاً عند بعض أهل العلم، لكن قصدي إن هؤلاء يسرع بعضهم في تبديع الناس.

    حتى إنه كلما وجد محملاً لكلمة سارع إلى نقدها أو أخذها، فما أدري ما هي الدائرة الضيقة التي يتعامل من خلالها مع الناس ومع طلبة العلم والناشئة؟ وفي أي جو يستطيع أن يعيش هذا إذا أخذ محمل تبديع الناس وتضليلهم ولم يتلمس لهم أعذاراً ما دام أن لهم أعذاراً، وما دام أنهم لم يشهروا ببدعتهم أو يثبت عليهم ثابت؟

    ضرورة العودة إلى العلماء

    القضية الخامسة: لماذا لا نعود إلى العلماء؟

    ربما يوجد هناك ناشئة لا يرون للعلماء قدراً، حتى كبار العلماء, ويرون أن هؤلاء العلماء ليسوا أهلاً أن يعاد إليهم، وبعضهم صرح بما في نفسه، وهذا -والعياذ بالله- غواية من هؤلاء، وعلامة على أنهم لم يربوا تربية صحيحة، طالب في السادسة أو الخامسة عشرة من عمره يأتي إلى عالم في الثمانين أو أكبر، يحمل علم الكتاب والسنة، فينتقده، ولا يرضى قوله، ولا يعود إليه، ولا يسأله، ويقول: أنا أعرف بالواقع منه، وعندي خلفيات أخرى، والعالم هذا فيه أمور لكن لا أذكرها تورعاً.

    يكفيك ذنباً أنك لم تسأل هذا العالم ولم تعد إليه، فإن طلبة العلم يعودون للعلماء، قال عمر في قوله تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83] قال: [[أنا من الذين يستنبطونه]] ويستنبطونه أي: يجيدون فقه الكتاب والسنة.

    ضرورة سعة الصدر وطول النفس لطالب العلم

    القضية السادسة: أين سعة الصدر وطول النفس والحلم الذي نطالب به الناس في الخطب والمحاضرات والدروس، قال ابن مسعود: [[فقهاء إذا ما تكلموا]] أي: أنهم إذا كانوا على المنبر فهم فقهاء، لكن في حياتهم وواقعهم وتعاملهم، تجد الشراسة، حتى تجد بعضهم يهجر أخاه المسلم وهو يلتقي بأهل البدع، أو أحياناً بالكفار وهو مسالم معهم, حتى إذا قلت له: يا أخي! لماذا لا تشتغل بالرد على العلمانيين؟ قال: معنا أناس أخطر من العلمانيين، وقد قالوها صراحة، وتكلموا بها بوضوح، وهذا هو الخطر العظيم، والله عز وجل يرسل موسى إلى فرعون فيقول: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44] ونحن بيننا مسلمون، مصلون، قائمون بأمر الله في الجملة، ومع ذلك لا يلين أحدنا كلامه لأخيه المسلم، فأين العدل والإنصاف؟ وأين سعة الصدر؟ وأين الحلم؟ وأين دائرة العلم الواسعة التي يمكن أن نتخاطب منها مع الناس حتى نوضح للناس منهج الله أو يوضحوا لنا هم منهج الله حتى نكون وإياهم على كلمة سواء؟

    إنني أطالب نفسي وإخواني بالحلم، وعدم العجلة بإصدار الكلمات الفضة الغليظة التي تشتت الشمل، وتذهب البركة من هذا العلم، حتى تجد أحد الناس يطلب علم الحديث، لكنه وجه الجرح والتعديل إلى جرح واغتياب الناس، فإذا قلت: لا تغتاب هذا العالم، قال: هذا من باب الجرح والتعديل عند أهل السنة والجماعة، فيأكل لحوم الناس تحت هذه المظلة، وهذا محرم ولا يجوز له.

    ضرورة التماس العذر للمخالف

    المسألة السابعة: لماذا لا يتلمس بعضنا لبعض العذر؟

    فقد يكون وهم في المسألة، ولعله أراد كذا فأخطأ، لماذا لا نبدي أولاً حسن النية؟ يقول أحدهم لـابن السماك: غداً نتعاتب، قال: بل غداً نتغافر. يقول: غداً أنا وإياك نلتقي ونتعاتب وأحاسبك، قال: لا. غداً نتغافر, ألقاك فتقول: غفر الله لك، وأقول لك: غفر الله لك, هذا هو منطق الإيمان.

    أيها الإخوة: لا بد أن نلتمس الأعذار للمسلمين من أهل السنة، الذين أخطئوا في مسائل، لأن الخطأ منهم هو ناشئ إما من الوهم، أو أن الدليل ما وصلهم، أو سبق لفظ، أو أرادوا شيئاً ما فهمناه، وكان اللازم أن نسألهم قبل أن نشهر بهم في الأشرطة والكتيبات ومن على المنابر، لماذا لا نقف معهم ونحاورهم كما فعل أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام؟

    ذكر صاحب كنز العمال: "أن أبا سفيان بن حرب طرق الباب على علي بن أبي طالب في الليل، بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد أخذ أبو بكر الخلافة, وهو من بني تيم من أسرة صغيرة ضعيفة، وعلي بن أبي طالب من أسرة بني هاشم، ومنطق الجاهلية يرى أن الخلافة ليست إلا في علي؛ لأنه من أسرة كبرى، وأما أبو بكر فمن أسرة صغيرة.

    فخرج علي سيد الشجعان في ظلام الليل وعليه إزار، قال أبو سفيان: يا علي! إن كنت تريد الخلافة، فو الله! لأملأن عليك المدينة خيلاً جرداً، وشباباً مرداً -يعني: مقاتلين- حتى يسلموا لك الخلافة بالقوة، فأخذ علي بتلابيب أبي سفيان وهزّه، وقال: [[يا أبا سفيان! إن المنافقين غششة، وإن المؤمنين نصحة]] إن الذي يسعى بالدس والغش بين الناس فيه نوع من النفاق، أما المسلم فناصح، ولذلك يقول الشافعي:

    تعمدني بنصحك في انفراد      وجنبني النصيحة في الجماعة

    فإن النصح بين الناس نوع      من التوبيخ لا أرضى استماعه

    ونخشى -والعياذ بالله- من سوء النيات، لأن من يريد الرد على بعض الذين برزوا في العلم، والدعوة، والفكر، والرأي، والأثر الطيب، والبلاء الحسن؛ يريد أن يشتهر، وبعضهم يريد أن يتسلق على أكتاف العظماء، أو الفطناء أو الألباب حتى يظهر هو وبئس ما فعل! وبئس ما حصل عليه، ويا خسارتاه!

    ضرورة إعطاء المسائل الفرعية حجمها

    المسألة الثامنة: نحن نتفق في مسائل الأصول التي أجمع عليها أهل العلم، فلماذا تعطى هذه المسائل الخلافية أكبر من حجمها؟ ما هو الخلاف الآن بين أهل السنة؟ أما آمنوا بالله واليوم الآخر؛ وأثبتوا والصفات؟ أما اعتقدوا ما اعتقد أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام؟ ما هو الخلاف الآن المزعوم والمفتعل، والحروب الهوائية المفتعلة والمختلقة، والمعارك الوهمية التي يحدثها بعض الناس؟!

    وماذا يريدون من ورائها؟!

    أنا أسألهم: ما هي النقاط التي اختلفنا فيها حتى نعود على بصيرة؟ ما تسمع منهم إلا عموميات وتعميماً للقضايا، وإدخال كلام بعضه في بعض، وهذا ظلم وحيف لا بد أن نحذر منه.

    الصدق في النصيحة

    المسألة التاسعة: النصح. النصيحة معناها: محبة الصواب للآخر، والفضيحة: التشهير بخطئه، وأنا إذا أردت أن أنصح أحداً من الناس، فمعناه: أني أحب أن يصيب الحق، ويقوم عليه، ولا أحب أن يستمر في خطئه، لكن إذا عرضت خطأه للناس وشهرت به، فمعنى ذلك أيها الفضلاء: أنني أريد أن يستمر في خطئه، وأريد أن أنتقم منه لأمور الله أعلم بها.

    الموازنة بين الحسنات والسيئات عند التقويم

    المسألة العاشرة: نلغي حسنات من أخطأ وننسى ما فيه من خير، وقد أسلفت هذا كما قال الله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8] فأين حسنات الناس؟ وأين ما فيهم من خير؟ انظر الآن إلى أهل السنة إذا تكلموا عن رجل, مثل: الذهبي -أضرب لك مثلاً- ترجم لـقتادة بن دعامة السدوسي , المحدث, راوية البخاري ومسلم في الصحيحين، فذكر ما فيه من بدعة القدر، فقال: وكان رأساً في الزهد العبادة، ورأساً في التفسير والحديث، هذا ولا ننسى بدعته، وكذلك لا نطرح من حفظه.

    فالمسألة مسألة ميزان، أن توازن بين الخير والشر في الإنسان، وأن تكون شاهداً لله على نفسك أو على الأقربين، وهذه هي الشهادة الحقة التي سوف يسأل عليها العبد: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:86] وفي حديث يرويه ابن أبي خيثمة وفيه مقال أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لرجل وأشار إلى الشمس: {على مثلها فاشهد} فأين البينة؟: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ [الأنعام:148] والله يقول: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:111].

    أيضاً لماذا يصر كل منا على أن رأيه صحيح، ورأي غيره خطأ، إن هذه كارثة، لأنه اعتقاد بعصمة كلامه وعمله، فهذه مهلكة من المهالك، قرأت في فتح الباري في كتاب الرقاق: أن رجلاً سأل عبد الله بن المبارك فقال: رأيت مسلماً قتل مسلماً، فقلت لنفسي: أنا خيرٌ منه، قال ابن المبارك: "أمنك على نفسك أشد من جريمة قتله للمسلم".

    وفي الصحيح أيضاً: {أن رجلاً قال: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله عز وجل: من الذي يتألى علي؟! أشهدكم أني قد غفرت لهذا وأحبطت عمل هذا} أي: حبط عمل العابد لأنه أعجب برأيه.

    فأنت تدعوني إلى رأيك وتزعم أنك أنت المصيب، وأنا المخطئ فإلى متى؟!

    فلا بد لنا من أن نتحاكم وإياك إلى الدليل، ثم ترضى بما حكم الله ورسوله عليه الصلاة والسلام.

    أيضاً: احذر أن يكون هناك شيء من الحسد بين الأقران، فإن أهل السنة يقولون: كلام الأقران يطوى ولا يروى، ومرض المقارنة مرض مزمن، ومرض المعاصرة مرض قديم، ولذلك حصل كلام بين مالك رحمه الله مع ابن إسحاق , ومحمد بن مندة مع أبي نعيم، وابن جرير مع أبي داود، وغيرهم، فالحذر من أن يكون بين الأقران شيء من الحسد ثم يتحول إلى حرب افتعالية وانتقام وتشفي بالكلمات, حتى تجد ذنب هذا أنه برز، حتى يقول أحدهم:

    إذا محاسني اللاتي أدل بها      كانت ذنوباً فقل لي كيف أعتذر

    أي: إذا كان ذنبي عندك أنني برزت، وتكلمت ونفعت وأفدت فكيف أعتذر منها وهي محاسني؟

    ويقول الآخر:

    وشكوت من ظلم الوشاة ولم تجد     ذا سؤدد إلا أصيب بحُسَّدِ

    لا زلت يا صدق الكرام محسداً      والتافه المسكين غير محَسَّدِ

    أي: دائماً المرموقون محسَّدون، وأقول: لا بد أن ننزع الحسد وعداء الأقران من بيننا، ونتقي الله عز وجل، فإن الله تعالى قال في أوليائه:وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر:47] وقال عنهم: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10].

    {أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام عن رجل دخل عليه المسجد أنه يدخل الجنة ثلاث مرات, فتبعه ابن عمر ورأى عمله، فوجد عمله كعمل المسلمين، فسأله فقال: إنني لا أنام وفي قلبي غلٌ لأحد من المسلمين}وهذه قمة الأخلاق، وقمة الرقي والتقوى ومحاسبة النفس.

    الخلاف الشرعي لا يتحول إلى خلاف شخصي

    المسألة الحادية عشرة: لا يجوز للخلاف أن يتحول إلى خلاف شخصي وعداوة.

    فمثلاً: بعض الناس قد يختلف معك في مسألة ما: مثلاً: في تحريك الإصبع، أو مثلاً: في جلسة الاستراحة، فيترك جلسة الاستراحة وتحريك الإصبع ويصمد إليك، ويجرحك، ويتكلم فيك بما ليس من أدب الخلاف، فإن الخلاف إذا كان في مسألة ما فلا تنقلها وتجعلها خلافاً شخصياً وعدائياً, فالهجوم الشخصي هذا ليس بصحيح، حتى إن بعضهم يقول: وهذا الرجل شرس الخلق، حاد الطباع، بخيل, فيه كل عيب! فما علاقة هذا كله في المسألة المختلف فيها؟!

    ولا نريد أن تعاد الواقعة التي حصلت بين الإمامين الجليلين السيوطي والسخاوي رحمهما الله تعالى حتى ألف السيوطي كتاباً اسمه: الكاوي لدمغ السخاوي وذاك يكتب كتاباً في الرد عليه, وتنتقل المسائل الخلافية الشرعية إلى شخصية، حتى إنه يقول في كتابه: وكان عاقاً لأمه، فتركها وهجرها، ولم يزرها في القاهرة! فما علاقة هذه المسألة في أمه؟! وهذا مثلما يفعله كثير من الناس -وأعوذ بالله وأسأل الله أن يعافيني وإياكم أن نكون منهم- يتركون مسألة الخلاف ويأتون إلى الهجوم الشخصي، والسلوكي, والهجوم في الطباع والصفات، ويتركون المسألة التي اختلف فيها.

    ضرورة توحيد الصفوف أمام العدو المشترك

    المسألة الثانية عشرة: لماذا لا تبرز ردود أهل الحق في وحدة ائتلافية حتى نصمد أمام عدونا المشترك؟ ثم لماذا لا نأخذ قدم صدق ننصر بها دين الله عز وجل؟ وأنا أدعوكم إلى هذه القضية المهمة؛ لأن الحقوق تؤخذ ولا تعطى، وقد قال بعض الفضلاء في مثل كتاب المسار، وهو الصحيح: الآن أنت إذا تركت الباطل يمرغ الحق، ثم وقفت وتقول: ما أتيحت لي الفرصة، ومن يتيح لك الفرصة؟ أليس ربك، ثم جهدك وحرصك، وغيرتك.

    فأنا أطالب بالمراغمة, أن تحضر أنت في الأندية، خاصة إذا كنت من أهل الفن -أعط السهم راميها- فتأخذ وتعطي مع هؤلاء، وإني أشكر أصحاب الفضيلة الذين راغموا كثيراً من دعاة الباطل، في بعض المواقف المشهورة المحمودة من أصحاب الفضيلة مثل: الدكتور سعيد بن زعير، وفضيلة الدكتور أحمد التويجري، والدكتور سعود الفنيسان، والشيخ عبد الوهاب الطريري، والدكتور ناصر رشيد، والدكتور الهويمل، وغيرهم كثير وكثير، أشكرهم على ما فعلوا؟

    وهذا هو الجهاد، وأيهما أفضل؟ رجل يتنفل نافلة ويصلي في زاوية في المسجد, ورجل وقف هناك يراغم الأعداء ويقف ضدهم ويذب عن الشريعة، ويدافع عن محمد صلى الله عليه وسلم؟

    إن هذا أعظم أجراً عند الله، وعسى الله أن ينفعهم بهذه المواقف المشهودة، فإنها مواقف أهل الإيمان الذين دافعوا الباطل, فلماذا أنت لا تدافع؟: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ [المؤمنون:96].. وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [البقرة:251].. وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً [الفرقان:31].

    وفي الحديث الصحيح: { أخرج الرسول صلى الله عليه وسلم سيفاً، فقال: من يأخذ هذا السيف؟ فامتدت أيادي الصحابة كلهم يريد أن يأخذ السيف، فقال صلى الله عليه وسلم: بحقه، فخمدت الأيدي ونزلت الأصابع، وبقيت يد أبي دجانة مرفوعة، قال: ما حقه يا رسول الله؟ قال: حقه أن تضرب به الكفار حتى ينحني، فأخرج عصابته الحمراء وعصب بها رأسه, وكانت تسمى عصابة الموت، وأخذ يقول:

    أنا الذي عاهدني خليلي      ونحن بالسفح لدى النخيل

    ألا أقوم الدهر في الكيول      أضرب بسيف الله والرسول

    ثم مضى متبختراً لمراغمة أهل الباطل، فقال صلى الله عليه وسلم: إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن}.

    فلك أن تحضر، وتكثر سواد المؤمنين وتدخل في هذه الأندية بكتيبة إيمانية معك من شباب الدعوة، أهل الصلوات الخمس وهم في محفل وفي جمع كبير يكبرون ويهللون، فهذا هو نصر الإسلام، أحسن من أن تبقى ترد في بيتك على دعاة الإسلام وعلمائه، في نقاط اختلف فيها السلف، وكثر فيها الخلاف، وسوف يبقى الخلاف حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يضرنا أن يختلف فيها أهل العلم.

    وبعض المسائل قد ذكر فيها الحافظ ابن حجر وغيره ثلاثة وأربعين قولاً، وما ضر ذلك أهل الأمة الإسلامية، ساعة الاستجابة في الجمعة في أي ساعة؟ قالوا: ثلاثة وأربعين قولاً. جلود الميتة هل تستخدم أم لا؟ ثمانية أقوال، وهل توقف العالم الإسلامي ومسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم على جلود الميتة وساعة الاستجابة في الجمعة؟! قل القول الذي أدى إليه اجتهادك، لكنك لا تتتبع الصالحين في أقوالهم وفيما غلطوا فيه مما يسعهم الخلاف فيه.

    أيضاً: لا يجوز أن نفرح بأخطاء المسلمين، فإن بعض الناس يتشفى بذلك، يريد أن يتعثر صاحبه ويخطيء، حتى إني سمعت: أن بعضهم خصص بعض طلبة العلم لجرد كثير من الأشرطة؛ ليسمع الأخطاء فيها ويسجلها في دفتر.

    سبحان الله!! لماذا لا يشغل نفسه بما فيه صلاح له في الدنيا والآخرة؟ ولماذا لا يوفر على نفسه الجهد، ويرد على أعداء الله عز وجل، وإذا قلت له: اتجه نحو اليهود والنصارى والعلمنة، قال: أولئك أخطر من اليهود والنصارى والعلمنة: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ [الأنعام:46].

    أيضاً: الواجب أن نسعى إلى وحدة الأمة، فإن هذه الأمة الإسلامية متحدة في الأصل، وكان مجتمعه صلى الله عليه وسلم هو المجتمع الأصل، وكذلك مجتمع بني أمية فيه مجتمع السنة على الأصل، ومجتمع بني العباس فيه المجتمع المثالي على الأصل، وكان الشذاذ هم الجهمية، والمعطلة، والخوارج، والقدرية، وهذه الطوائف المبتدعة, ولذلك لا يسمون الجماعة، وليسوا من أهل الجماعة، بل قال ابن مسعود: [[الجماعة من كان على الحق ولو كنت وحدك]].

    وقيل لأحد الفضلاء: من هم الجماعة؟ قال: محمد بن أسلم المروزي جماعة، وبعضهم قيل له: من الجماعة؟ قال: الفضيل بن عياض هو الجماعة، فالجماعة ليست بكثرة السواد الأعظم, فإن الله تعالى يقول: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116] فالواجب علينا: أن نسعى إلى وحدة الشمل، ووحدة الكلمة، وإذا رددت على الباطل، أو بينت المنكر، أو رددت على أعداء الله عز وجل فإنك لست بذلك مثيراً للفتن، ولا شاقاً للصف، بل أنت تسعى لوحدة المسلمين الذي دعا إليها سُبحَانَهُ وَتَعَالَى, كما قال موصياً أولياءه: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:105] ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:46].

    احذر من كلام من لا يحسن الكلام

    المسألة الثالثة عشرة: احذر من كلام من لا يحسن أن يتكلم، يقول بعض أهل السنة: إنما وقع الخلاف لأنه تكلم من لا يحسن الكلام، فالآن الفتوى أصبحت شذر مذر، وكل شيء له تخصص إلا هذه الشريعة، فقد أصبحت مرعى وحمى مفتوحاً لكل أحد، فتجدهم يقولون: يحق لكم أن تتكلموا في أصول الفقه، وأفتوا وشرعوا، وناقشوا أهل الفقه، وصححوا وضعفوا في الأحاديث! وإذا تكلمت في تخصصهم, قال: احترم التخصص!

    أحرام على بلابله الدوح      حلال للطير من كل جنس

    إن الحداثة العلمية لا تبرر لصاحبها أن يناطح العظماء، والأشاوس الذين تمكنوا في العلم الشرعي، حتى يقول جرير:

    وابن اللبون إذا ما لز في قرنٍ      لم يستطع صولة البزل القناعيس

    فهؤلاء أعجبتهم أنفسهم فتكلموا وهرفوا بما يعرفون وما لا يعرفون، وردوا على الكبار وعلى الصغار، فنسأل الله أن يحسن الحال، وأن يجمع الكلمة، وأن يزيل الأمراض منا جميعاً.

    ضرورة القول السديد في الرد على المخالف

    المسألة الرابعة عشرة: إن علينا أن نتقي الله في الألفاظ عند الردود والكتابة، فإن الحكام والمحدثين وقفوا على شفير جهنم، فهؤلاء في الدماء وأولئك في الأقوال، فيقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71] والقول السديد: هو الحكم الحق، والقول الذي لا يلحقك من الله عز وجل عليه تبعة، وإن الكتابة التي يكتبها صاحبها بدون بينة ولا برهان، أو يكتبها لانتقام أو تشفٍ هي من القول غير السديد الذي يحاسب عليه.

    والقول السديد: هو الحق والصواب، وقيل: القول السديد: هو قال الله وقال رسوله، وقال بعض المفسرين: القول السديد: لا إله إلا الله، وهي أم القول السديد، ولكن كل ما يندرج تحت لا إله إلا الله هو القول السديد، ولا تصح الأعمال إلا بإصلاح الأقوال، حتى إنك تجد أن من يتشفى بأغلاط الناس ويتتبعها, يشهر به الله عز وجل.

    تجد بعض العلماء الذين نكتوا على بعض العلماء ولاحقوهم وسخروا منهم، ألحق بهم الله من يسخر منهم, حتى قالوا في ترجمتهم: وكان الجزاء من جنس العلم.

    وأضرب مثلاً -على أني أسأل الله أن يغفر له وأن يجمعنا به في دار الكرامة، لكن هذا مجرد مثل- الإمام ابن حزم على ذكائه وقدرته وعبقريته، لكنه يسمى منجنيق المغرب، كان يرمي كل أحد، ولا يهاب أحداً، حتى العلماء الكبار والصغار، وليس عنده إلا سور الصحابة، فقد وقف عند سور الصحابة ولم يتجاوزه لكن كبار أهل المذاهب والعلماء، وكبار المحدثين ما سلم منه إلا القليل رحمه الله, فماذا كان الجزاء؟ هو نالهم باللسان فنالوه بالأيدي، أخذوه المالكية، فحرقوا كتبه في البادية وضربوه وشردوه عن أوطانه، ثم ردوا عليه الردود, فكان الجزاء من جنس العمل.

    لكن من يحترم الأعراض -أعراض المسلمين- ومن يداري عنهم بالكلمات يحمي الله عرضه، وأضرب مثلاً بسيطاً ولا أريد به محاباة ولا مجاملة، ولكن أحتسبه عند الله عز وجل، عالم الأمة سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز , انظر كيف وقرت الألسن جلالته وسماحته، وتحامت الأقلام أن تناله، لأنه في مكانه لا ينال أحداً ويريد الإصلاح، وجمع الشمل، ويدفع الأمور بالتي هي أحسن، فجازاه الله عز وجل بأن نشر له الثناء الحسن، والقبول الحسن، فتجد حتى فسقة الناس يحمون جنابه، ويقدرونه، ولسان حالهم يقول: من تقمص قميصاً ألبسه الله ذاك القميص، وبعضهم يقول: من تطوق برداء طوقه الله بردائه، فالجزاء من جنس العمل.

    فتجد الذين يحرصون على الردود والتشهير والمخالفة تسرع إليهم السهام من كل جهة، لأن الله سبحانه وتعالى يحاسبهم بما فعلوه: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً [الأنعام:115] صدقاً في الأقوال، وعدلاً في الأحكام.

    أيها الإخوة: نحن الآن لسنا في جزيرة نائية منقطعة عن العالم, بل أصبحنا نعيش في أتون العالم، وأصبحنا في كون ممتلئ بالشرور والأفكار المخالفة الكافرة والأطروحات الملحدة، وأصبح علينا لزاماً أن نجتمع جميعاً وننجو بأنفسنا، وإلا فإن المد الكافر سوف يلحقنا، ونحن نختصم فيما بيننا في جدل عقيم بيزنطي لا ينفعنا في الدنيا ولا في الآخرة.

    أنا أدعو الأقلام التي ضيعت أوقاتها، وضيعت مدادها في الرد على أولياء الله؛ أن ترد على أعداء الله، وأنا أدعو أصحاب الأصوات التي شحبت وهم يتكلمون على إخوانهم؛ أن يتقوا الله في إخوانهم، وأن يتوجهوا لهؤلاء الذين انحرفوا عن منهج الله سبحانه وتعالى.

    أيضاً: أنا أعتبر أن من يشغل إخوانه عن جهاد الكفرة، وجهاد هؤلاء الأحزاب الضالة بأنه مثبط، وفيه نفاق، والله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى قال عن المنافقين والملحدين ومن على شاكلتهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً [النساء:50] أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً [النساء:52].

    فأسأل الله عز وجل أن يحفظنا وإياكم وأن يجمع شملنا على الحق.

    1.   

    كيفية جمع شمل أفراد الصحوة

    وجمع الشمل ألخصه في مسائل:

    الأمر الأول: أن نتفقه في علم الكتاب والسنة ونتبحر في العلم الشرعي بحسب الطاقة والمستطاع.

    الثاني: أن نعود إلى العلماء.

    الثالث: أن يدعو بعضنا لبعض، إن كنا نريد الله والدار الآخرة.

    الرابع: أن تكون أمورنا أو مسائلنا فيما بيننا، إلا رجلاً أصر على بدعة أو استحوذ عليه نفاق داخلي، أو انغمس في كفر -والعياذ بالله- فلنا منه موقف آخر.

    أما الطائفة الثانية المنحرفة المنحلة عن منهج الله والتي شهرت السلاح، وسجلها معروف، وملفاتها معروفة، فلها موقف آخر:

    لبث قليلاً يشهد الهيجا جمل      لا بأس بالموت إذا حان الأجل

    أيها الإخوة: ما بقي من وقت فللأسئلة وأسأل الله أن يحفظنا وإياكم وأن يؤيدنا وإياكم بكلمته، وأن يرعانا وإياكم برعايته، وأن يجمع أمر المسلمين، وأن يصلح ولاة الأمر، وأن يهديهم سواء السبيل، وأن يخرجهم من الظلمات إلى النور.

    1.   

    الأسئلة

    تعليق على الأحداث في الجزائر

    السؤال: وردت أسئلة كثيرة تطلب الحديث الشافي في أحداث الجزائر، هذا السؤال خلاصة أسئلة كثيرة تواردت إلى الشيخ حفظه الله؟

    الجواب: الحمد لله, الجزائر وأحداثها:

    دم الثوار تعرفه فرنسا      وتعلم أنه صدق وحق

    وللحرية الحمراء باب     بكل يد مضرجة يدق

    الجزائر حديثها وأحداثها طويلة، ولكن حق على أهل العلم والدعوة، أو من يحمل ميثاقاً أن يبين، وألا يخشى في الله لومة لائم: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [البقرة:159] وأحب أن أعرض المشكلة في الجزائر في مسائل:

    أولها: المسلمون والدعاة والعلماء الذين يقومون بالدعوة إلى الله اليوم في الجزائر هم من أهل السنة والجماعة، من مدرسة الإمام عبد الحميد بن باديس التي تلقت مشربها من مدرسة الإمام أحمد بن حنبل، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم , والشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولا نأخذ أخبارنا من وسائل أخرى فقد غسلنا أيدينا منها، بل نأخذ أخبارنا من أهل العلم، من الثقاة، والدعاة، ومن كتبهم الذي ألفت ومن أشرطتهم.

    الثاني: لماذا ضحى الجزائريون بمليون من شهدائهم وأكثر؟! ألتترأس هذه الأنظمة العلمانية الأمة؟! ألتقودها إلى النار؟! ألتؤسس الجريمة في الأرض؟! ما الفرق بين فرنسا وبين عملائها الموجودين الآن؟ فلماذا إذاً قاتلوا؟ ولماذا دفعوا دماءهم؟

    ثمن المجد دمٌ جدنا به      فاسألوا كيف دفعنا الثمنا

    الثالثة: لماذا ألغيت الانتخابات؟

    أناس يزعمون أنهم هم أهل الديمقراطية، ويتبجحون بها، ديمقراطية ولكن عند المسلمين والدعاة: لا، وقام المشرق والمغرب تحت مظلة: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120] وكما قال الشيخ عبد الوهاب الناصر: الديمقراطية سلم رسمت درجاته بحيث لا يصعدها إلا هؤلاء المتهالكون من الماركسيين والشيوعيين، ولا يستطيع الإسلاميون والمسلمون الصعود إليها.

    وهذا هو الواقع, ديمقراطية لكن إذا وصل الإسلام, قالوا: لا.

    الأمر الرابع: لقد أثبتت الأحداث في الجزائر والتصويت بأغلبية ساحقة أن الشعوب تريد الإسلام، وقد ملت الكذب على الله وعلى كتابه وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام وعلى المؤمنين، وقد نفرت كل النفرة من هذه الزمرة التي جوعتها وآذتها، وصادرت حريتها وكرامتها، وتعبدتها لنفسها، وفصلت بينها وبين خالقها وربها.

    ولو أجري تصويت في العالم الإسلامي لكان تسعون في المائة من هذه الشعوب تريد حكم الله، نظرت فيلماً للجزائر لمسيرة جبهة الإنقاذ , هل رأيت البحر إذا اشتد موجه؟ هل رأيت السيل إذا تدافع؟ هم أقوى وأدهى، تصور في بعض المسيرات سبعمائة ألف امرأة محجبة مسلمة، يخرجن في مسيرة بعد صلاة الجمعة يردن الحجاب، أليس هذا هو الواقع الذي فرض نفسه عن أمة تريد الله والدار الآخرة؟ بلى.

    ثم أسأل سؤالاً في أحداث الجزائر , يقولون: إن قصدهم بالدين التستر، يعني: أن الجزائريين وأمثالهم يتسترون بالدين ولا تقع المقارع أصلاً إلا في رءوس المسلمين، وأصلاً لا يتهم إلا الإسلاميون، ولا يسجن ولا يعذب ولا يشنق إلا هم، فيتسترون بالإسلام.

    وأصلاً غطاء الدين مكشوف في العالم، وهو متهم، ولو وقعت قذيفة من كافر ما وقعت إلا في صدر مسلم.

    ثم ما هي المكاسب المادية والدنيوية التي يحصل عليها من يتقلد الدين؟

    إنه لا يعين في البلاد الإسلامية إلا في أرخص الوظائف، ولا يتاح له تحريك القرار، ولا الصدارة، ولا مكانة تشريف، وإنما يبقى بكسرة خبز وبهندامه، وبجوعه, وفقره، وبدمعه في جفونه يحمل لا إله إلا الله، وهم المستضعفون في الأرض.

    ولذلك جاء عليه الصلاة والسلام للمستضعفين، وأحبه المستضعفون، وعشق دعوته بلال، وعمار، وسلمان، وذهبوا في كتيبته، يقول هرقل: أشرفاء الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ قال: ضعفاؤهم، قال: أولئك أتباع الرسل. وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف:28].

    أيضاً أقول: لا يحزنكم ما يقع من أحداث سيرها الله وأرادها سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فالله غالب على أمره، وله حكم تخفى علينا، يمكن أن الأمة ما نضجت إلى الآن، وما استحقت أن تتقلد حكم الله في الأرض، فأراد ربك أن يؤدبها ويحاسبها، وأن يرفع منزلتها، ويلقنها دروساً.

    أيضاً: لسنا بأغير من الله عز وجل على عباده، فله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى الحكمة المطلقة، وهو الغيور سبحانه، أغير من رسوله على الأمة الإسلامية، ورسوله أغير من الصالحين عليها.

    أيضاً: أقول وأختم هذا الكلام: الإسلام هو الآن الحل الحضاري البديل في الساحة، فقد انهارت كل المزاعم الباطلة والكاذبة، وأخرج الله اللعنات على وجوه أصحابها، وأحرقت، وبقي الإسلام: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد:17] فالآن المهندسون الذين كانوا يسيرون الذرة تحت الأرض في مناجم في أذربيجان وجورجيا خرجوا بلحاهم المحمدية السنية، ويقولون: لا إله إلا الله، كانوا في سور حديدي يضربون بالمقارع، ويعاملون كما تعامل الدواب، ومع ذلك أدخل الله الإيمان في قلوبهم، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {والذي نفسي بيده! ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه} والحديث طويل وطويل، وأختمه بأن أقول: أين الولاء؟: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71].

    وأما المنافقون فهم كالبهائم: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ [التوبة:67] أجزاء مترابطة، أما الولاية والشعار والحب فللمؤمنين.

    آخر قصيدة للشيخ عائض

    السؤال: مجموعة من الأسئلة تطلب آخر القصائد التي قلتها، وترجو أن تتحفنا بها الليلة؟

    الجواب: على كل حال هذه آخر القصائد وهي بنت اليوم أو أمس، وسمها ما شئت, هي سهام من سهام الحق, إما شعراً منثوراً أو نثراً مشعوراً، أو حراً أو عبداً إنما: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17] عنوانها: "تباركت يا ذا الجلال":

    تباركت يا ذا الجلال

    وربك ذو السلطة القاهرة قلوب من الحب ينسجها

    محمد في بردة طاهرة

    ويغمسها في سناه

    رؤاه بها بل علاه

    تعيش برياه في آصره

    تباركت صوت الرعاة

    وهمس السواني حداء الجلال

    لك الحمد دنيا وفي آخرة

    تباركت ترسل دمع المحب على وجنته

    لك الحب صفواً أردت لنا يا إله

    جنىً ما درى قاطفوه بأن لنا

    في جنادريتنا قصة الأذكياء

    عباقرة نحن ننتج غرباً

    ودلواً من الجلد في معمل الكيمياء

    بعيراً نسيره للأنام

    كمركبة في الفضاء

    تراث من الجيل

    والخزف النائم في غرف الأقوياء

    نحفظ أنشودة البدو سكان روما

    ونسأل أصحابنا في جنيف

    ألم تجدوا الناقة الحائرة؟

    فلا بدر لا زمزم لا أبو بكر

    نعرضه في القديم

    لأن التراث جديدٌ

    ونحن نحب الجديد

    سوى الدلو والغرب والجرة العامرة

    صواريخنا أرض جو من الرقصات

    على ضربات الزير في الهاجرة

    نسينا مع العرض صوت بلال

    وجبة سعد

    ودرة فاروقنا الظافرة

    سنخبر كل العوالم أن لنا

    من المجد كبرى المشاة مع قاطرة

    قديم هو القيروان مع بيت لحم

    مع الأزهر الراقد في القاهرة

    فلا تدخلوا في النوادي

    مالك والشافعي

    فقد حُنِّط القوم في الحافرة

    وصلى الله على محمد.

    كلمة للشيخ/ سعيد بن زعير عن الحوار مع العلمانية

    إن بقي من الوقت فأنا أستميح فضيلة الشيخ/ عبد الوهاب الطريري ليتحفنا الشيخ الجليل والأديب والمفكر الدكتور سعيد بن زعير ليكمل ما بقي من وقت ولا نريد أن يطيل: {من صلى بالناس فليخفف}.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    لولا أني أحرجت من الشيخ عائض قبل هذه المرة حيث طلب مني مثل هذا الطلب ورفضت، ووعدته ألا أرفض مرة أخرى لفعلت، وفي الحقيقة أن ما سمعنا من فضيلة الشيخ لا تعليق عليه، ولا حاجة في الواقع للتعليق لحسن الإعداد ولحسن العرض، ولكن كنت أسجل لنفسي نقاطاً من حديثه, كانت مدار صراع وحوار خلال الأسبوع الماضي في عدد من الندوات الثقافية التي كانت في مهرجان الجنادرية.

    ووجدت تقارباً في القضايا التي عرضت مع اختلاف في منهج العرض وفي النتائج، وأعلق قليلاً على بعض ما سمعت هنا وما سمعت هناك.

    من الأشياء التي عرضت وتكاد تكون محل إجماع في معظم منتديات العرب والمسلمين اليوم: أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم في واقعها الحضاري اليوم، تكاد تكون في آخر الركب، وهي أمة متخلفة: سياستها ليست على الهدى، واقتصادها بعيد عن منهج الله، وتربية أبنائها ضعيفة، وإعلامها غير راشد، وإنتاجها في معظم شئون الدنيا هزيل ضعيف، تعيش على موائد غيرها. هذه حقيقة ينبغي أن نعترف بها, وهي محل إجماع من أبناء العرب والمسلمين المهتدين والضالين، فهذه حقيقة لا نختلف فيها.

    فهذا التخلف الذي هو محل إجماع, يتحدث الكثيرون كيف ننعتق منه؟ وكيف تنهض الأمة؟ وفي قضية نهضة الأمة تختلف الأطروحات، وليست هذه قضية جديدة، الطرح مبكر، وهذا الطرح المبكر المتعدد، جعل في تراث النهضة في بلاد العرب والمسلمين أشكالاً من التصورات، وما تعرفون من الحزبية القائمة في بلاد العرب والمسلمين ومبررها التي نشأت عليه: أن كل صاحب فكرة يدعي لنفسه أنه الذي سينهض بالأمة من خلال تصوره ومن خلال حزبه، فامتلأت المكتبات بهذه الأطورحات المتفاوتة.

    وفي العصر القريب وفي الأيام القريبة، والأسابيع القريبة، والأشهر القريبة، طرح ما يسمى بالحوار، الحوار بين من؟ بين أصحاب هذه التصورات في النهضة بالأمة، الذين يقولون: إن الإسلام هو الحل، والذين يقولون: إن أحزابهم وحكوماتهم هي الحل، والذين يقولون: لا حل إلا أن نقلد الذين نهضوا من الغرب وننهج نهجهم, والذين يقولون: نلفق من كل مكان ونطرح أشكالاً متنوعة، الحدث هو الحوار, نسمعه في الإذاعات، ونقرؤه في الصحافة، ونسمعه في المنتديات، لماذا لا نتحاور؟ لماذا لا يكون بيننا حوار؟

    والشيخ طرح جانباً من الحوار وهو الحوار بين المهتدين، بين علماء الأمة، وفقهائها، والملتزمين بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما ينبغي فيه من أدب في الاختلاف، وهذا أيضاً موضوع قديم، بل ألف فيه ومن ذلك: رفع الملام عن الأئمة الأعلام كتاب لـابن تيمية ذكر فيه التعدد ووجهات النظر، وأن هذا أمر فيه سعة.

    ولكن الحوار القائم الآن في منتديات العرب والمسلمين، هو حوار بين الحق والباطل، حوار بين العلمانية بفصائلها وبين -مع الأسف الشديد المؤلم- الإسلاميين بفصائلهم أو تجمعاتهم أو أشكالهم.

    إنها قضية كبرى, وأتصور أنها أكبر ما يعرض الآن في الساحة، الحوار بين العلمانية وبين الإسلام، في الشهرين الماضيين عقد منتدىً كبير -في أكبر بلاد العرب عدداً- بين العلمانية والإسلام.

    وقبلها بسنتين أيضاً عقد حوار بين العلمانية والإسلام، وانتقلت تلك الصراعات إلى كل الصحافة العربية تقريباً، وإلى المهرجانات العربية، يطرح أمر الحوار وأدبه، الخلل يراد أن يكون بين العلماء المسلمين, والأدب والضوابط والقيم في الخلاف إنما يراد لها أن تكون بين المسلمين والكافرين, فيقولون: لماذا لا تتعدد الآراء؟ لماذا لا نقبل بالرأي الآخر؟ لماذا لا يعرض الرأي الآخر؟ لماذا تكرهون الناس على آرائكم؟ وهذا الكلام يقال ما دمنا في دائرة الإسلام، أما وأن الحوار بين الإسلام والكفر، فأي تنازل، إن الحوار مع الكفر نوع آخر خارج دائرة التعدد في الآراء، خارج دائرة. لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256] إذا كان خارجاً هناك: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون:6].

    القضية الخطيرة في الحوار: على ماذا نتحاور؟ حتى إن هذا المبدأ يكاد يكون محل تسليم عند الكثيرين من الناس، أو على الأقل نسبة كبيرة من كتابنا يسلمون به، هذا المبدأ يقولون: إن تلاقح الآراء، والأفكار، وصراع الأفكار يخرج من خلاله الحق، هذه تكاد تكون مسلمة، وهي جزء من النظرية الشيوعية، التي قامت على الجهل, وأصلاً لا علم عندهم لأنهم مقطوعي الصلة بالله، ويقولون: إن الحقائق تأتي من الصراع، تتصارع الآراء ومن الصراع تخرج الحقيقة, وهذه تطرح بيننا المسلمين، يقولون: إن الصراع بين الأفكار يثمر الحقيقة وتظهر الحقيقة من خلاله، وهذه ليست من بضاعتنا، بل هي بضاعة أولئك الذين لا يعرفون الحقيقة، أما نحن فإن الحقيقة عندنا، إن عرفناها وإن لم نعرفها، إذا كنا لا نعرف الحقيقة فليس الطريق في معرفتها الصراع، وإنما بالبحث العلمي، بفهم القرآن والسنة، وفهم مشكلات الناس وتنزيل الحكم عليها، وإذا كانت عندنا قضايا لا نعرف الحق فيها، فهل نتصارع حتى نعرف الحق أو نعود إلى كلام الله وكلام رسوله، ونبحث في آيات الله، وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    ثم كيف يطرح الحوار؛ ليأتي مثقف، أو مفكر، أو أديب، أو شاعر، أو موسيقي، ليأتي من كل الثقافات ويتصارعون ويقولون: إن هذا الصراع هو الذي يأتي بالحق، أعوذ بالله من هذا الكلام.

    إن هذا -والله- لا يأتي بالحق، بل هذا يأتي بالفرقة والشتات، والبعد عن الحق.

    إن الحق: هو العودة إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ممن يعرفون الكتاب والسنة، من علماء الأمة، أما هؤلاء الرعاع ممن يسمون بمثقفين، وثقافتهم أتدرون ما هي؟ موسيقي, كاتب شعر, ناقد، كاتب نثر, دنيوي, طبال, زمار, فنان في الرقص! هؤلاء هم مثقفون والفنانون التشكيليون, يجتمعون ويقولون: نتحاور لنصل إلى الحقيقة، حقيقة من؟ أحقيقة الشيوعيين؟! هم يتصارعون لأنه لا يوجد حق عندهم، وإنما يعرفون الحق بكثرة الأصوات.

    أما نحن في الحق حتى لو لم نعرفه فإننا نعود إليه ونبحث عنه في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    نقطة أخرى وهي من أخطر النقاط التي تطرح في مسألة الحوار:

    إذا قيل لهم: لا حوار بيننا ولا نريده, لأن الحوار لا يأتي بالحقيقة، قالوا: لماذا؟ ألستم أصحاب الحق, والإسلام قوي؟ فلماذا لا تحاورون؟

    لنقل جدلاً: سوف نحاور، نسأل سؤالاً: لِمَ الحوار؟ يقول: للوصول إلى الحقيقة، فنسأله سؤالاً آخر: وماذا تريد بالحقيقة؟ يقول: لنعمل بها. كلام منطقي، أنت تحاور للوصول إلى الحقيقة، فإذا حاورت ووصلت إلى الحقيقة عملت بها، نريد أن نختبر مصداقية هذا التسلسل، ونريد أن نجرب صدقك في هذا.

    فنقول له: قبل البحث إن عندنا حقائق قطعية الثبوت والدلالة، هل تلتزم بها؟ هاه! يسأل نفسه. الذين يطرحون الحوار اليوم من المثقفين العرب والمسلمين على الساحة العربية نقف قبل الحوار معهم، ونقول: إن الحوار الذي تقولون: إنه وسيلة للوصول إلى الحقيقة, لو سلمنا به جدلاً فنقول: لماذا لا تعملون بالحقائق البينة الآن؟

    النصوص القطعية الثابتة لماذا لا تعملون بها؟ هل عندكم شك في أن الشرع لازم ا لتطبيق؟ هل عندكم شك في أن الربا حرام؟ هل عندكم شك في أن الحدود ملزمة؟

    إن هؤلاء العلمانيون الذين يحكمون في كثير من بلاد المسلمين يريدون الحوار للوصول إلى الحقيقة، وعندهم أكبر الحقائق ثباتاً في الدين يرفضونها.

    إذاً هم يقولون: الحوار للوصول إلى الحقائق, وهذا كذب، لو كانوا يريدون الحق للعمل به لعملوا بالموجود، ثم يعملوا بالذي لم يوجد ولكنهم ينكشفون، فإذاً حوارهم هذا وصراعهم لإلهاء الأمة بحوارٍ غير منضبط.

    ثم نقطة ثالثة وأخيرة: لو فرضنا أننا نتحاور, في أي شيء نتحاور؟ نتحاور في الأمور غير الواضحة؟ يقولون: نعم. إن الأمور الثابتة لا تحتاج إلى حوار، نحن نتحاور في الأمور التي تتغير أو المتغيرات، نسأل: ما هي الثوابت وما هي المتغيرات؟ وما هي الأمور الثابتة؟ يقولون: الثوابت هي ما ثبت في القرآن والسنة، وعندما يحاورون يبدءون في إعادة النظر في الثوابت, فتراهم يشككون في الآيات والأحاديث، ويشككون في الأدلة القطعية.

    إنهم يحاورون لإلهاء الأمة ولتشكيكها، وقد حصل لهم كثير من ذلك، أنه يعرض من خلال الندوات، ومن خلال ما يكتب في الصحافة، يعرض غثاء من الضلال الذي شكك الناس في دينهم، وشكك من لم يعرفوا الحق من شباب الأمة، ممن هم في سن التعليم، وممن هم في سنن التقويم، وشككوا بهذا الحوار.

    إذاً الحوار ليس للوصول إلى الحقائق، وإنما لتشكيك شباب الإسلام في الحقائق، وذلك مقصد أعداء الدين، وقد حققوه في غفلة من السذج من المسلمين، أو في حضور أعداء الدين، وأعداء الأمة وتنفذهم في وسائل الإعلام، أو في وسائل التثقيف العامة.

    إن هذا القضايا التي تعرض ينبغي أن نعيها ونفهمها وأن نراغم أعداءها.

    وبعض المحاورين، والمداخلين، والمتحدثين لا يلتزمون بشيء من ثوابت هذا الدين، بل يناقشون في كل شيء، بل يناقشون في الأمور المستقرة عندنا من أمر الدين، وأمر النظام السياسي الذي استقر، ويرفضون ما نحن عليه من نظام سياسي واجتماعي, كل ما عندنا يكاد أن يكون مرفوضاً، وكأنهم -بما يسمونه الصراع- يريدون أن يهدموا كل ما عندنا، ثم يؤسسوا على أنقاضنا شراً وباطلاً مما يأتون به.

    لكن العقول لا تعي، وإلا فهذه الأطروحات العلمانية بكل فصائلها في العالم العربي الإسلامي هي ساقطة الآن، بل إن الذي أسست عليه ساقط.

    نسأل الله أن ينور بصائرنا، وأن يرزقنا العمل النافع، وأن يفقهنا في الدين، وأن يثبتنا على الحق، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم, وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2741883275

    عدد مرات الحفظ

    684648529