اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , ولا تنازعوا فتفشلوا للشيخ : عائض القرني


ولا تنازعوا فتفشلوا - (للشيخ : عائض القرني)
الخلاف اليوم بين المسلمين قد اتسع أفقه, والاتفاق والاتحاد بين أعدائهم قد قوي صلبه.وفي هذا الدرس محاولة لمعالجة هذه الفرقة الموجودة بين المسلمين, وذلك بعدة أمور منها: الرجوع إلى العلماء, ومعرفة قدرهم وفضلهم, ومنها: معالجة قلوبنا من الحسد والضغينة والأحقاد.كما ذكر الشيخ أدب أهل العلم مع بعضهم عند الخلاف, وتعرض لقاعدة الموازنة بين الحسنات والسيئات, وذكر كلام محمد بن مهدي في صفة أهل السنة عند الخلاف. كما كان هناك كلمة تعقيبية للشيخ الدكتور سعيد بن زعير.
ترحيب الشيخ الطريري بالشيخ عائض
اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالقرآن، ولك الحمد بالعافية في المال والأهل والولد. لك الحمد ربنا على كل نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث، أو سر أو علانية، أو حاضر أو غائب. لك الحمد ربنا حتى ترضى, ولك الحمد إذا رضيت. وصلوات الله وسلامه وبركاته على نبينا محمد النبي الصادق الأمين, وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين, وخلفائه الراشدين, وسائر الصحابة أجمعين, ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.ومع الحلقة الثانية عشر تعود إليكم دروس الوعي وتعودون إليها والعود أحمد، أهلاً بكم مع قضية من أكثر القضايا إلحاحاً على واقعنا، ففي حين يشكو الناصحون المشفقون على هذه الصحوة؛ من فقدان اللياقة في الاختلاف، أو يشكون من غيبة أدب الحوار، أو الحساسية من النقد، مما حول الخلاف إلى تنازع يعقبه فشل: وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا [الأنفال:46].فإنه في الوقت ذاته نرى خلطاً غريباً عجيباً في أحيان كثيرة حين تعرض هذه القضية عرضاً نراه يفضي إلى تغييب الولاء والبراء في عتمة تعدد وجهات النظر، أو إخفائه تحت مظلة حتمية الخلاف، ويراد من ذلك أن ننظر إلى الخلاف بين الإسلام والعلمنة، أو بين السنة والبدعة كنظرنا إلى الخلاف بين الصحابة رضوان الله عليهم في صلاتهم العصر في بني قريظة.وربما مرر ذلك على عبارات يساء وضعها أو يساء فهمها، فهل كل اتفاق نتعاون فيه؟ وهل كل اختلاف نتعاذر فيه؟ وهل كل اختلاف رحمة؟ وهل كل اختلاف لا يفسد للود قضية؟ وهل يقبل شرعاً أو يليق أدباً مع محمد صلى الله عليه وسلم, أن يُستقدم إلى ثرى جزيرة العرب , جزيرة الإسلام، ومهده وملاذه, هذه الجزيرة التي كانت في وجدان محمد صلى الله عليه وسلم وهو يودع الدنيا فلحقت نفسه بالرفيق الأعلى وهو ينادي: (ألا لا يجتمع في جزيرة العرب دينان) هل يليق أن يستقدم إلى ثراها حداثيٌ مغموز عليه بالنفاق؟! أو شيوعيٌ من أفراخ الشيوعية المفلسة، ثم ترفع لهم المنابر، وتبوأ لهم المنصات؛ ليطرحوا طروحهم المشبوهة تحت مظلة حتمية الاختلاف، ويسكت الصوت المقابل تحت شعار: "أدب الخلاف".إن الحاجة جد ماسة إلى تجلية هذه القضية، وتبيين معالمها؛ حتى تعصم جماعة المسلمين من شرذمة التفرق، وبوادر التنازع، وبوار الفشل، وشؤم الخلاف، وحتى يعصم المجتمع المسلم أن تتنفس فيه رئة الباطل بمقولة علمنة، أو تنفث فيه فرقة زائغة بنفث بدعة، هذه القضية سيبين سواها ويلحم سداها, شيخنا وحبيب قلوبنا وقرة عيوننا أبو عبد الله الشيخ عائض بن عبد الله القرني، والذي لا يسعني أن أثني عليك، فقد أثنت عليك فعالك، ولا يسعني أن أمدحك فقد مدحك موقفك وعطاؤك.وكنت الجريء النفس في كل موقف تلفت فيه الحق لم يلق حاميا وكنت على الأفواه سيرة مجمل وكنت حديثاً في المسامع عاليا لكن يسعنا أبا عبد الله أن نحييك، فحياك الله بكل تحية من عنده مباركة طيبة، حياك الله كلما خطت لك قدم بحب، أو نظرت إليك مقلة بشوق، أو أصغت لك أذن بلهف، ويسعنا أن نكافئك بما لا نملك أن نكافئك إلا به ألا وهو الدعاء، فأسأل ربي بأسمائه المباركة الحسنى أن يبارك في عمرك، وينسأ في أجلك، ويبلغك من الخير مرادك، وأن يقر عينك بعز الإسلام وظهور المسلمين: إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [يوسف:100].وأدعكم مع أبي عبد الله فليتفضل مشكوراً مأجوراً.
 

مع من يكون الحوار؟
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.اللهم إني أسألك في هذا الموقف الكريم، من على هذا المنبر الكريم، في هذا الجمع الكريم وأنت الكريم, أن تصلح الراعي والرعية، اللهم إن زرع الباطل قد سمبل، وشوك الكفر قد حنظل، فنريد منك حاصدة لا تبقي له بقية.أبتهل إلى الله في أول هذا الدرس, كما ابتهل رسوله إليه عليه الصلاة والسلام في جنح الظلام وهو يقول كما في صحيح مسلم: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل, فاطر السماوات والأرض, عالم الغيب والشهادة, أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون, اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة:213].أما أخي إمام هذا الجامع والخطيب المفوه الشيخ: عبد الوهاب الطريري فالحقيقة أنني اعتذرت له كلما أثنى، ولم أجد له هذه الليلة عذراً إلا الحب، فإن أثنيت ورددت عليه اتهمت بأنني أحبه، وهذا سرٌ أفشيه في هذا المجلس، وإن سكت ولمته فما أدري أحبك لا تسأل لماذا لأنني أحبك هذا الحب رأيي ومذهبي واعلموا -حفظكم الله- أن لهذه المحاضرة سبباً ونسباً، أما سببها فهو الحوار المعلن الذي فوجئت به جزيرة العرب، جزيرة محمد عليه الصلاة والسلام وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، الجزيرة التي جدد توحيدها الشيخ محمد بن عبد الوهاب من على هذا التراب الطيب الطاهر تفاجئ بحوار، ولكن: والله لو لاقيتني خالياً لآبي أقوانا مع الغالب وتخالفنا طائفتان: طائفة لا لقاء بيننا وبينها حتى تترك ما اعتقدت وما حملت، وليس كلامنا في هذا الدرس عنها. وطائفة تريد أن تجعل نقاط الحوار: الكتاب، والسنة، والكعبة، والمصحف، والصلاة. فتعرضها للحوار أمام الملأ وكأننا في شك من ديننا، وهؤلاء لنا معهم كلام.وإنه يؤسفنا أن يبوءوا -كما تفضل الشيخ- المنابر، وأن يسمع لهم، وتحتفل بهم الأمة، وتحشد لهم الحشود ثم لا يمكن دعاة الحق وأهل الحجة الدامغة والحجة البالغة التي يحملونها, وهم أولياء الله عز وجل، الذين يحملون قال الله وقال رسوله عليه الصلاة والسلام أن يتكلموا ويسمعوا الناس أصواتهم، ويتكلم أولئك للناس ويسمع حوارهم وصوتهم.وأنا أقول: هنا عدة قضايا:القضية الأولى: لا يجوز أن يسمع لهم أصلاً بوجود أهل العلم، والفكر، والرأي، ولو أنه يحصل بعض المداخلات، لكن هذه لا تشفي العليل، ولا تروي الغليل.القضية الثانية: الواجب أنهم يسمعوا لنا، فإن الله يقول لرسوله عليه الصلاة والسلام: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [التوبة:6] يسمع هو لا أن تسمع أنت؛ لأن الحق تحمله أنت، فما نحمله من حق الواجب أن نسمعه غيرنا ولا نسمع منهم الباطل, وسوف أعرج على هؤلاء.
 

ضرورة الائتلاف بين أفراد وجماعات الصحوة الإسلامية
أما الحديث في هذا الدرس فهو مع من اختلفنا معه اختلافاً يمكن تداركه والالتقاء بعده، وعدم الضغينة أو الحقد من ورائه، وهذا ليس إلا خلافاً فرعياً يحصل في الملة، وقد حصل في أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، فسوف أتحدث إلى أولئك وأناديهم أن نعتصم، وأن نكون جبهة موحدة تحمي لا إله إلا الله محمد رسول الله: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً [آل عمران:103].ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في هذا الصف المؤمن: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10] ويقول جلت قدرته عن هؤلاء: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:63] ولقد سعى عليه الصلاة والسلام في توحيد القلوب وتأليف الأرواح إلى درجة أنه أجلس بلالاً الحبشي مع أبي بكر القرشي، وصهيباً الرومي مع عمر بن الخطاب، وسلمان الفارسي مع علي، وعماراً مع عثمان، فأي إخاء تريدونه بعد هذا الإخاء؟!إن يختلف ماء الغمام فماؤنا عذب تحدر من غمام واحد أو يفترق نسب يؤلف بيننا دين أقمناه مقام الوالد وحب الألفة على الحق مبدأ إسلامي يعشقه المؤمنون، ويدعو إليه الصالحون في كل زمان ومكان. أحب المسلمون عبد الله بن المبارك رضي الله عنه وأرضاه؛ لأنه كان يحب الائتلاف والاتفاق, ويتناسى الخلاف الفرعي، وكان ينشد في طلابه:وإذا صاحبت فاصحب ماجداً ذا عفافٍ وحياءٍ وكرم قولـه للشيء لا إن قلت لا وإذا قلت نعم قال نعم وكان يقول:إذا صاحبت قوماً أهل ود فكن لهم كذي الرحم الشفيق ولا تأخذ بزلة كل قوم فتبقى في الزمان بلا رفيق أيها الأحبة: نحن بحاجة ماسة إلى أن نجمع شملنا، ونوحد كلمتنا، وأن نتناسى تلك الضغائن التي جعلها الشيطان بيننا من إملائه وتسويفه، وعند أحمد في المسند عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب , ولكن بالتحريش بينهم).فالشيطان يئس أن يُسجد للأصنام أو الأنداد، لكنه يحرش بين الصف الإسلامي، فيذر الجهود مبددة، والألسنة الحداد تتكلم في الأعراض، ثم اعلموا -حفظكم الله- أن من القضايا التي أريد أن أذكرها في أول هذه المحاضرة: هي اجتماع المسلمين على الكتاب والسنة ضرورة يمليها الشرع والواقع، وقد اجتمعت الأمم على ملل محرفة وعلى أطروحات باطلة، وتسعى الآن الهيئات لجمع نفسها -لأن الاجتماع أصبح ضرورة- على مصالح مشتركة، ووفاق دولي، وأخوة إنسانية، وعمل اقتصادي، وتنظير سياسي، إلى غير ذلك من أطروحات البشر، أفلا نجتمع نحن أهل الإيمان أمام هذا الزحف الكافر؟! إنها ضرورة!
 شروط السماع للمخالف
الخامسة: من حقوق صاحب الرأي، وصاحب القلم، وصاحب الفكر أن يسمع أو يستمع له لكن بشرطين -كما أسلفت-:الشرط الأول: أن يحمل حقاً.الشرط الثاني: ألا يخالف في مسائل الأصول.
أحوال أهل العلم عند الخلاف فيما بينهم
وأدخل الآن إلى الطائفة المنصورة أهل السنة والجماعة لأتحدث لهم مباشرة حياً على هواء الحب والرضا والود، وأقول لهم: الآن أتكلم معكم وأترك العلمانيين لفرص أخرى, وأشكر الذين حضروا فراغموهم، والدين مبني على المراغمة والمجاهدة.وأشكر الذين كثروا سواد المؤمنين وجاءوا يراغمون أهل الباطل ويداخلون بكلماتهم، ويزحفون بتكبيراتهم، لأنه حفاظ على دار الإسلام، ودار القبلة، وعلى شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام.يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله رحمة واسعة- في الرياض الناضرة قال: حالة أهل العلم مع أهل العلم عند الخلاف على ثلاثة أحوال:
 حال أهل الظلم
الحال الثالث: حال أهل الظلم والحيف، وهم الذين يذكرون الأخطاء ويتركون الحسنات فلا يذكرونها، وقد قال ابن تيمية رحمه الله: "بعض الناس كالذباب لا يقع إلا على الجرح" فتجده يترك المحاسن في الكتب والأشرطة والمحاضرات والدروس والمؤلفات، ويأتي إلى طالب علم أو داعية أو عالم فيقول: أخطأ في كذا، ثم يشهر به، ويرد عليه في أشرطة، ثم يقتفي أثره ويغتابه ويستحل عرضه، فأين الإسلام؟ وأين الإيمان من هذا؟لماذا لا تذكر الحسنات؟ قال عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله وهو من علماء الحديث ومن علماء أهل السنة: " أهل السنة يذكرون ما لهم وما عليهم، وأهل البدعة لا يذكرون إلا ما لهم " وهذا من الظلم. وأنا رأيت ردوداً وسمعت أشرطة لا تذكر إلا الأخطاء، ولا تذكر لهذا الداعية، أو العالم، أو طالب العلم حسنة واحدة لا في جودة الأسلوب, أو في الغيرة لله عز وجل، أو في سعة العلم، أو في الخيرية التي فيه!فأقول: أين العدل؟ وأين تقوى الله عز وجل؟ وأين مخافته؟ شارب الخمر عند الرسول عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح، يشربها أكثر من مرة، فيسبه أحد الصحابة، فيقول له صلى الله عليه وسلم: {لا تكن عوناً للشيطان على أخيك، فوالذي نفسي بيده! ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله} أو كما قال عليه الصلاة والسلام.ورأيت بعض الفضلاء يقول: أحسن المعتزلة في إدخالهم الملاحدة إلى الإسلام، ولكنهم أساءوا يوم أوقفوهم في الاعتزال وما أدخلوهم في مذهب أهل السنة.لماذا لا يعترف بعضنا لبعض بما فيه من إيجابيات، وبما فيه من خير؟ لماذا بسبب أخطاء لا يخلو منها البشر؛ تطمس حسنات الرجل؟ وقد قال عليه الصلاة والسلام: {إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث}.
محاولة لمعالجة الخلاف في الأمة
خطاب مفتوح في نقاط لحملة السنة، ولطلبة العلم، وللصالحين، وللأخيار، وللذين يريدون الله والدار الآخرة، أقولها بشكل مسائل:
  ضرورة القول السديد في الرد على المخالف
المسألة الرابعة عشرة: إن علينا أن نتقي الله في الألفاظ عند الردود والكتابة، فإن الحكام والمحدثين وقفوا على شفير جهنم، فهؤلاء في الدماء وأولئك في الأقوال، فيقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71] والقول السديد: هو الحكم الحق، والقول الذي لا يلحقك من الله عز وجل عليه تبعة، وإن الكتابة التي يكتبها صاحبها بدون بينة ولا برهان، أو يكتبها لانتقام أو تشفٍ هي من القول غير السديد الذي يحاسب عليه.والقول السديد: هو الحق والصواب، وقيل: القول السديد: هو قال الله وقال رسوله، وقال بعض المفسرين: القول السديد: لا إله إلا الله، وهي أم القول السديد، ولكن كل ما يندرج تحت لا إله إلا الله هو القول السديد، ولا تصح الأعمال إلا بإصلاح الأقوال، حتى إنك تجد أن من يتشفى بأغلاط الناس ويتتبعها, يشهر به الله عز وجل.تجد بعض العلماء الذين نكتوا على بعض العلماء ولاحقوهم وسخروا منهم، ألحق بهم الله من يسخر منهم, حتى قالوا في ترجمتهم: وكان الجزاء من جنس العلم. وأضرب مثلاً -على أني أسأل الله أن يغفر له وأن يجمعنا به في دار الكرامة، لكن هذا مجرد مثل- الإمام ابن حزم على ذكائه وقدرته وعبقريته، لكنه يسمى منجنيق المغرب، كان يرمي كل أحد، ولا يهاب أحداً، حتى العلماء الكبار والصغار، وليس عنده إلا سور الصحابة، فقد وقف عند سور الصحابة ولم يتجاوزه لكن كبار أهل المذاهب والعلماء، وكبار المحدثين ما سلم منه إلا القليل رحمه الله, فماذا كان الجزاء؟ هو نالهم باللسان فنالوه بالأيدي، أخذوه المالكية، فحرقوا كتبه في البادية وضربوه وشردوه عن أوطانه، ثم ردوا عليه الردود, فكان الجزاء من جنس العمل. لكن من يحترم الأعراض -أعراض المسلمين- ومن يداري عنهم بالكلمات يحمي الله عرضه، وأضرب مثلاً بسيطاً ولا أريد به محاباة ولا مجاملة، ولكن أحتسبه عند الله عز وجل، عالم الأمة سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز , انظر كيف وقرت الألسن جلالته وسماحته، وتحامت الأقلام أن تناله، لأنه في مكانه لا ينال أحداً ويريد الإصلاح، وجمع الشمل، ويدفع الأمور بالتي هي أحسن، فجازاه الله عز وجل بأن نشر له الثناء الحسن، والقبول الحسن، فتجد حتى فسقة الناس يحمون جنابه، ويقدرونه، ولسان حالهم يقول: من تقمص قميصاً ألبسه الله ذاك القميص، وبعضهم يقول: من تطوق برداء طوقه الله بردائه، فالجزاء من جنس العمل.فتجد الذين يحرصون على الردود والتشهير والمخالفة تسرع إليهم السهام من كل جهة، لأن الله سبحانه وتعالى يحاسبهم بما فعلوه: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً [الأنعام:115] صدقاً في الأقوال، وعدلاً في الأحكام.أيها الإخوة: نحن الآن لسنا في جزيرة نائية منقطعة عن العالم, بل أصبحنا نعيش في أتون العالم، وأصبحنا في كون ممتلئ بالشرور والأفكار المخالفة الكافرة والأطروحات الملحدة، وأصبح علينا لزاماً أن نجتمع جميعاً وننجو بأنفسنا، وإلا فإن المد الكافر سوف يلحقنا، ونحن نختصم فيما بيننا في جدل عقيم بيزنطي لا ينفعنا في الدنيا ولا في الآخرة.أنا أدعو الأقلام التي ضيعت أوقاتها، وضيعت مدادها في الرد على أولياء الله؛ أن ترد على أعداء الله، وأنا أدعو أصحاب الأصوات التي شحبت وهم يتكلمون على إخوانهم؛ أن يتقوا الله في إخوانهم، وأن يتوجهوا لهؤلاء الذين انحرفوا عن منهج الله سبحانه وتعالى. أيضاً: أنا أعتبر أن من يشغل إخوانه عن جهاد الكفرة، وجهاد هؤلاء الأحزاب الضالة بأنه مثبط، وفيه نفاق، والله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى قال عن المنافقين والملحدين ومن على شاكلتهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً [النساء:50] أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً [النساء:52].فأسأل الله عز وجل أن يحفظنا وإياكم وأن يجمع شملنا على الحق.
كيفية جمع شمل أفراد الصحوة
وجمع الشمل ألخصه في مسائل:الأمر الأول: أن نتفقه في علم الكتاب والسنة ونتبحر في العلم الشرعي بحسب الطاقة والمستطاع.الثاني: أن نعود إلى العلماء.الثالث: أن يدعو بعضنا لبعض، إن كنا نريد الله والدار الآخرة.الرابع: أن تكون أمورنا أو مسائلنا فيما بيننا، إلا رجلاً أصر على بدعة أو استحوذ عليه نفاق داخلي، أو انغمس في كفر -والعياذ بالله- فلنا منه موقف آخر.أما الطائفة الثانية المنحرفة المنحلة عن منهج الله والتي شهرت السلاح، وسجلها معروف، وملفاتها معروفة، فلها موقف آخر:لبث قليلاً يشهد الهيجا جمل لا بأس بالموت إذا حان الأجل أيها الإخوة: ما بقي من وقت فللأسئلة وأسأل الله أن يحفظنا وإياكم وأن يؤيدنا وإياكم بكلمته، وأن يرعانا وإياكم برعايته، وأن يجمع أمر المسلمين، وأن يصلح ولاة الأمر، وأن يهديهم سواء السبيل، وأن يخرجهم من الظلمات إلى النور.
  ضرورة القول السديد في الرد على المخالف
المسألة الرابعة عشرة: إن علينا أن نتقي الله في الألفاظ عند الردود والكتابة، فإن الحكام والمحدثين وقفوا على شفير جهنم، فهؤلاء في الدماء وأولئك في الأقوال، فيقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71] والقول السديد: هو الحكم الحق، والقول الذي لا يلحقك من الله عز وجل عليه تبعة، وإن الكتابة التي يكتبها صاحبها بدون بينة ولا برهان، أو يكتبها لانتقام أو تشفٍ هي من القول غير السديد الذي يحاسب عليه.والقول السديد: هو الحق والصواب، وقيل: القول السديد: هو قال الله وقال رسوله، وقال بعض المفسرين: القول السديد: لا إله إلا الله، وهي أم القول السديد، ولكن كل ما يندرج تحت لا إله إلا الله هو القول السديد، ولا تصح الأعمال إلا بإصلاح الأقوال، حتى إنك تجد أن من يتشفى بأغلاط الناس ويتتبعها, يشهر به الله عز وجل.تجد بعض العلماء الذين نكتوا على بعض العلماء ولاحقوهم وسخروا منهم، ألحق بهم الله من يسخر منهم, حتى قالوا في ترجمتهم: وكان الجزاء من جنس العلم. وأضرب مثلاً -على أني أسأل الله أن يغفر له وأن يجمعنا به في دار الكرامة، لكن هذا مجرد مثل- الإمام ابن حزم على ذكائه وقدرته وعبقريته، لكنه يسمى منجنيق المغرب، كان يرمي كل أحد، ولا يهاب أحداً، حتى العلماء الكبار والصغار، وليس عنده إلا سور الصحابة، فقد وقف عند سور الصحابة ولم يتجاوزه لكن كبار أهل المذاهب والعلماء، وكبار المحدثين ما سلم منه إلا القليل رحمه الله, فماذا كان الجزاء؟ هو نالهم باللسان فنالوه بالأيدي، أخذوه المالكية، فحرقوا كتبه في البادية وضربوه وشردوه عن أوطانه، ثم ردوا عليه الردود, فكان الجزاء من جنس العمل. لكن من يحترم الأعراض -أعراض المسلمين- ومن يداري عنهم بالكلمات يحمي الله عرضه، وأضرب مثلاً بسيطاً ولا أريد به محاباة ولا مجاملة، ولكن أحتسبه عند الله عز وجل، عالم الأمة سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز , انظر كيف وقرت الألسن جلالته وسماحته، وتحامت الأقلام أن تناله، لأنه في مكانه لا ينال أحداً ويريد الإصلاح، وجمع الشمل، ويدفع الأمور بالتي هي أحسن، فجازاه الله عز وجل بأن نشر له الثناء الحسن، والقبول الحسن، فتجد حتى فسقة الناس يحمون جنابه، ويقدرونه، ولسان حالهم يقول: من تقمص قميصاً ألبسه الله ذاك القميص، وبعضهم يقول: من تطوق برداء طوقه الله بردائه، فالجزاء من جنس العمل.فتجد الذين يحرصون على الردود والتشهير والمخالفة تسرع إليهم السهام من كل جهة، لأن الله سبحانه وتعالى يحاسبهم بما فعلوه: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً [الأنعام:115] صدقاً في الأقوال، وعدلاً في الأحكام.أيها الإخوة: نحن الآن لسنا في جزيرة نائية منقطعة عن العالم, بل أصبحنا نعيش في أتون العالم، وأصبحنا في كون ممتلئ بالشرور والأفكار المخالفة الكافرة والأطروحات الملحدة، وأصبح علينا لزاماً أن نجتمع جميعاً وننجو بأنفسنا، وإلا فإن المد الكافر سوف يلحقنا، ونحن نختصم فيما بيننا في جدل عقيم بيزنطي لا ينفعنا في الدنيا ولا في الآخرة.أنا أدعو الأقلام التي ضيعت أوقاتها، وضيعت مدادها في الرد على أولياء الله؛ أن ترد على أعداء الله، وأنا أدعو أصحاب الأصوات التي شحبت وهم يتكلمون على إخوانهم؛ أن يتقوا الله في إخوانهم، وأن يتوجهوا لهؤلاء الذين انحرفوا عن منهج الله سبحانه وتعالى. أيضاً: أنا أعتبر أن من يشغل إخوانه عن جهاد الكفرة، وجهاد هؤلاء الأحزاب الضالة بأنه مثبط، وفيه نفاق، والله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى قال عن المنافقين والملحدين ومن على شاكلتهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً [النساء:50] أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً [النساء:52].فأسأل الله عز وجل أن يحفظنا وإياكم وأن يجمع شملنا على الحق.
الأسئلة

 كلمة للشيخ/ سعيد بن زعير عن الحوار مع العلمانية
إن بقي من الوقت فأنا أستميح فضيلة الشيخ/ عبد الوهاب الطريري ليتحفنا الشيخ الجليل والأديب والمفكر الدكتور سعيد بن زعير ليكمل ما بقي من وقت ولا نريد أن يطيل: {من صلى بالناس فليخفف}.وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.لولا أني أحرجت من الشيخ عائض قبل هذه المرة حيث طلب مني مثل هذا الطلب ورفضت، ووعدته ألا أرفض مرة أخرى لفعلت، وفي الحقيقة أن ما سمعنا من فضيلة الشيخ لا تعليق عليه، ولا حاجة في الواقع للتعليق لحسن الإعداد ولحسن العرض، ولكن كنت أسجل لنفسي نقاطاً من حديثه, كانت مدار صراع وحوار خلال الأسبوع الماضي في عدد من الندوات الثقافية التي كانت في مهرجان الجنادرية.ووجدت تقارباً في القضايا التي عرضت مع اختلاف في منهج العرض وفي النتائج، وأعلق قليلاً على بعض ما سمعت هنا وما سمعت هناك. من الأشياء التي عرضت وتكاد تكون محل إجماع في معظم منتديات العرب والمسلمين اليوم: أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم في واقعها الحضاري اليوم، تكاد تكون في آخر الركب، وهي أمة متخلفة: سياستها ليست على الهدى، واقتصادها بعيد عن منهج الله، وتربية أبنائها ضعيفة، وإعلامها غير راشد، وإنتاجها في معظم شئون الدنيا هزيل ضعيف، تعيش على موائد غيرها. هذه حقيقة ينبغي أن نعترف بها, وهي محل إجماع من أبناء العرب والمسلمين المهتدين والضالين، فهذه حقيقة لا نختلف فيها. فهذا التخلف الذي هو محل إجماع, يتحدث الكثيرون كيف ننعتق منه؟ وكيف تنهض الأمة؟ وفي قضية نهضة الأمة تختلف الأطروحات، وليست هذه قضية جديدة، الطرح مبكر، وهذا الطرح المبكر المتعدد، جعل في تراث النهضة في بلاد العرب والمسلمين أشكالاً من التصورات، وما تعرفون من الحزبية القائمة في بلاد العرب والمسلمين ومبررها التي نشأت عليه: أن كل صاحب فكرة يدعي لنفسه أنه الذي سينهض بالأمة من خلال تصوره ومن خلال حزبه، فامتلأت المكتبات بهذه الأطورحات المتفاوتة.وفي العصر القريب وفي الأيام القريبة، والأسابيع القريبة، والأشهر القريبة، طرح ما يسمى بالحوار، الحوار بين من؟ بين أصحاب هذه التصورات في النهضة بالأمة، الذين يقولون: إن الإسلام هو الحل، والذين يقولون: إن أحزابهم وحكوماتهم هي الحل، والذين يقولون: لا حل إلا أن نقلد الذين نهضوا من الغرب وننهج نهجهم, والذين يقولون: نلفق من كل مكان ونطرح أشكالاً متنوعة، الحدث هو الحوار, نسمعه في الإذاعات، ونقرؤه في الصحافة، ونسمعه في المنتديات، لماذا لا نتحاور؟ لماذا لا يكون بيننا حوار؟ والشيخ طرح جانباً من الحوار وهو الحوار بين المهتدين، بين علماء الأمة، وفقهائها، والملتزمين بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما ينبغي فيه من أدب في الاختلاف، وهذا أيضاً موضوع قديم، بل ألف فيه ومن ذلك: رفع الملام عن الأئمة الأعلام كتاب لـابن تيمية ذكر فيه التعدد ووجهات النظر، وأن هذا أمر فيه سعة. ولكن الحوار القائم الآن في منتديات العرب والمسلمين، هو حوار بين الحق والباطل، حوار بين العلمانية بفصائلها وبين -مع الأسف الشديد المؤلم- الإسلاميين بفصائلهم أو تجمعاتهم أو أشكالهم. إنها قضية كبرى, وأتصور أنها أكبر ما يعرض الآن في الساحة، الحوار بين العلمانية وبين الإسلام، في الشهرين الماضيين عقد منتدىً كبير -في أكبر بلاد العرب عدداً- بين العلمانية والإسلام.وقبلها بسنتين أيضاً عقد حوار بين العلمانية والإسلام، وانتقلت تلك الصراعات إلى كل الصحافة العربية تقريباً، وإلى المهرجانات العربية، يطرح أمر الحوار وأدبه، الخلل يراد أن يكون بين العلماء المسلمين, والأدب والضوابط والقيم في الخلاف إنما يراد لها أن تكون بين المسلمين والكافرين, فيقولون: لماذا لا تتعدد الآراء؟ لماذا لا نقبل بالرأي الآخر؟ لماذا لا يعرض الرأي الآخر؟ لماذا تكرهون الناس على آرائكم؟ وهذا الكلام يقال ما دمنا في دائرة الإسلام، أما وأن الحوار بين الإسلام والكفر، فأي تنازل، إن الحوار مع الكفر نوع آخر خارج دائرة التعدد في الآراء، خارج دائرة. لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256] إذا كان خارجاً هناك: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون:6].القضية الخطيرة في الحوار: على ماذا نتحاور؟ حتى إن هذا المبدأ يكاد يكون محل تسليم عند الكثيرين من الناس، أو على الأقل نسبة كبيرة من كتابنا يسلمون به، هذا المبدأ يقولون: إن تلاقح الآراء، والأفكار، وصراع الأفكار يخرج من خلاله الحق، هذه تكاد تكون مسلمة، وهي جزء من النظرية الشيوعية، التي قامت على الجهل, وأصلاً لا علم عندهم لأنهم مقطوعي الصلة بالله، ويقولون: إن الحقائق تأتي من الصراع، تتصارع الآراء ومن الصراع تخرج الحقيقة, وهذه تطرح بيننا المسلمين، يقولون: إن الصراع بين الأفكار يثمر الحقيقة وتظهر الحقيقة من خلاله، وهذه ليست من بضاعتنا، بل هي بضاعة أولئك الذين لا يعرفون الحقيقة، أما نحن فإن الحقيقة عندنا، إن عرفناها وإن لم نعرفها، إذا كنا لا نعرف الحقيقة فليس الطريق في معرفتها الصراع، وإنما بالبحث العلمي، بفهم القرآن والسنة، وفهم مشكلات الناس وتنزيل الحكم عليها، وإذا كانت عندنا قضايا لا نعرف الحق فيها، فهل نتصارع حتى نعرف الحق أو نعود إلى كلام الله وكلام رسوله، ونبحث في آيات الله، وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ثم كيف يطرح الحوار؛ ليأتي مثقف، أو مفكر، أو أديب، أو شاعر، أو موسيقي، ليأتي من كل الثقافات ويتصارعون ويقولون: إن هذا الصراع هو الذي يأتي بالحق، أعوذ بالله من هذا الكلام.إن هذا -والله- لا يأتي بالحق، بل هذا يأتي بالفرقة والشتات، والبعد عن الحق. إن الحق: هو العودة إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ممن يعرفون الكتاب والسنة، من علماء الأمة، أما هؤلاء الرعاع ممن يسمون بمثقفين، وثقافتهم أتدرون ما هي؟ موسيقي, كاتب شعر, ناقد، كاتب نثر, دنيوي, طبال, زمار, فنان في الرقص! هؤلاء هم مثقفون والفنانون التشكيليون, يجتمعون ويقولون: نتحاور لنصل إلى الحقيقة، حقيقة من؟ أحقيقة الشيوعيين؟! هم يتصارعون لأنه لا يوجد حق عندهم، وإنما يعرفون الحق بكثرة الأصوات.أما نحن في الحق حتى لو لم نعرفه فإننا نعود إليه ونبحث عنه في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.نقطة أخرى وهي من أخطر النقاط التي تطرح في مسألة الحوار: إذا قيل لهم: لا حوار بيننا ولا نريده, لأن الحوار لا يأتي بالحقيقة، قالوا: لماذا؟ ألستم أصحاب الحق, والإسلام قوي؟ فلماذا لا تحاورون؟لنقل جدلاً: سوف نحاور، نسأل سؤالاً: لِمَ الحوار؟ يقول: للوصول إلى الحقيقة، فنسأله سؤالاً آخر: وماذا تريد بالحقيقة؟ يقول: لنعمل بها. كلام منطقي، أنت تحاور للوصول إلى الحقيقة، فإذا حاورت ووصلت إلى الحقيقة عملت بها، نريد أن نختبر مصداقية هذا التسلسل، ونريد أن نجرب صدقك في هذا.فنقول له: قبل البحث إن عندنا حقائق قطعية الثبوت والدلالة، هل تلتزم بها؟ هاه! يسأل نفسه. الذين يطرحون الحوار اليوم من المثقفين العرب والمسلمين على الساحة العربية نقف قبل الحوار معهم، ونقول: إن الحوار الذي تقولون: إنه وسيلة للوصول إلى الحقيقة, لو سلمنا به جدلاً فنقول: لماذا لا تعملون بالحقائق البينة الآن؟النصوص القطعية الثابتة لماذا لا تعملون بها؟ هل عندكم شك في أن الشرع لازم ا لتطبيق؟ هل عندكم شك في أن الربا حرام؟ هل عندكم شك في أن الحدود ملزمة؟ إن هؤلاء العلمانيون الذين يحكمون في كثير من بلاد المسلمين يريدون الحوار للوصول إلى الحقيقة، وعندهم أكبر الحقائق ثباتاً في الدين يرفضونها.إذاً هم يقولون: الحوار للوصول إلى الحقائق, وهذا كذب، لو كانوا يريدون الحق للعمل به لعملوا بالموجود، ثم يعملوا بالذي لم يوجد ولكنهم ينكشفون، فإذاً حوارهم هذا وصراعهم لإلهاء الأمة بحوارٍ غير منضبط.ثم نقطة ثالثة وأخيرة: لو فرضنا أننا نتحاور, في أي شيء نتحاور؟ نتحاور في الأمور غير الواضحة؟ يقولون: نعم. إن الأمور الثابتة لا تحتاج إلى حوار، نحن نتحاور في الأمور التي تتغير أو المتغيرات، نسأل: ما هي الثوابت وما هي المتغيرات؟ وما هي الأمور الثابتة؟ يقولون: الثوابت هي ما ثبت في القرآن والسنة، وعندما يحاورون يبدءون في إعادة النظر في الثوابت, فتراهم يشككون في الآيات والأحاديث، ويشككون في الأدلة القطعية. إنهم يحاورون لإلهاء الأمة ولتشكيكها، وقد حصل لهم كثير من ذلك، أنه يعرض من خلال الندوات، ومن خلال ما يكتب في الصحافة، يعرض غثاء من الضلال الذي شكك الناس في دينهم، وشكك من لم يعرفوا الحق من شباب الأمة، ممن هم في سن التعليم، وممن هم في سنن التقويم، وشككوا بهذا الحوار.إذاً الحوار ليس للوصول إلى الحقائق، وإنما لتشكيك شباب الإسلام في الحقائق، وذلك مقصد أعداء الدين، وقد حققوه في غفلة من السذج من المسلمين، أو في حضور أعداء الدين، وأعداء الأمة وتنفذهم في وسائل الإعلام، أو في وسائل التثقيف العامة.إن هذا القضايا التي تعرض ينبغي أن نعيها ونفهمها وأن نراغم أعداءها.وبعض المحاورين، والمداخلين، والمتحدثين لا يلتزمون بشيء من ثوابت هذا الدين، بل يناقشون في كل شيء، بل يناقشون في الأمور المستقرة عندنا من أمر الدين، وأمر النظام السياسي الذي استقر، ويرفضون ما نحن عليه من نظام سياسي واجتماعي, كل ما عندنا يكاد أن يكون مرفوضاً، وكأنهم -بما يسمونه الصراع- يريدون أن يهدموا كل ما عندنا، ثم يؤسسوا على أنقاضنا شراً وباطلاً مما يأتون به.لكن العقول لا تعي، وإلا فهذه الأطروحات العلمانية بكل فصائلها في العالم العربي الإسلامي هي ساقطة الآن، بل إن الذي أسست عليه ساقط. نسأل الله أن ينور بصائرنا، وأن يرزقنا العمل النافع، وأن يفقهنا في الدين، وأن يثبتنا على الحق، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم, وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , ولا تنازعوا فتفشلوا للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net