مكتبتك الصوتية

مستخدم جديد

الاشتراك

كلمة السر أو رمز التفعيل

اسم المستخدم

كـلمـــة الســــر

الأكثر استماعا لهذا الشهر

1

سورة يوسف

849601

عبد الباسط عبد الصمد
2

ماذا بعد رمضان

8142

محمد حسان
3

دعاء ختم القرآن الكريم..

6130

4

قصص الأنبياء - قصة ابر..

2855

طارق السويدان
5

تكبيرات العيد وتلبية ا..

2620

(...)
6

خطبة عيد الفطر المبارك

1542

محمد المنجد
7

دعاء ختم القرآن الكريم..

1500

8

دعاء ختم القرآن الكريم..

1477

9

قراءة متن الشاطبية

1446

مشاري راشد العفاسي
10

خطبة عيد الفطر

1416

سعد البريك

إن من أعظم النعم؛ نعمة الحماية والأمن والاستقرار، ولا بد من شكر هذه النعمة بتحكيم شرع الله في الأرض وبالرجوع إلى طاعة الله، وكثيراً ما يرفع الطغاة شعارات كاذبة من أجل استعطاف الناس، وكثير من الناس من يضحي من أجل عقيدته، سواءً كانت حقاً أو باطلاً.

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً:

يا رب حمداً ليس غيرك يحمـد     يا من له كل الخلائق تصمدُ

أبواب كل مملكٍ قد أوصـدت     ورأيت بابك واسعاً لا يوصدُ

الصالحون بنور وجهك آمـنوا     عافوا بحبك نومهم فتهجدوا

وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [آل عمران:123] لمن الخطاب؟ لمحمدٍ عليه الصلاة والسلام الذي حمل النصر الحقيقي للأمة، الذي رفع رأسي ورأسك ورأس أبي وأبيك، ورأس جدي وجدك، بنى المنائر والمنابر، وبنى المعاهد والجامعات بلا إله إلا الله:

دعها سماويةً تجري على قـدرٍ     لا تفسدنها برأيٍ منك منكوسِ

عنوان هذه المحاضرة: واجب الأمة بعد زوال الغمة.

ولها عناصر:

الأول: نعمة الحماية والاستقرار، وأثرها على الناس.

الثاني: من الناصر؟ من الذي نصرنا؟ من هو هذا الذي أيدنا وخذل عدونا؟

الثالث: شكر المنعم تبارك وتعالى بماذا يكون؟

الرابع: إقامة شرع الله في الأرض، جزاء تمكينه ونصره تبارك وتعالى.

الخامس: البناء العقدي المتين.

السادس: دروسٌ من الأزمة والغمة.

ليست الغمة أن تقاتل الشعوب من أجل مبادئها ومن أجل نصرة أفكارها الحقة، فذلك فريضةٌ في القرآن وواجبٌ في السنة، وليست الغمة أن تدفع الأمة أبناءها ليقدموا أرواحهم، ويقدموا جثثهم قرابين لله الواحد الأحد، فعلى جثث حمزة ومصعب وخبيب قامت لا إله إلا الله.

وليست الغمة أن نقف في وجه الكافر، وفي وجه المعتدي والظالم، ونقول له: قف؛ فقد وقف صلى الله عليه وسلم في وجه أبي جهل، وأبي لهب، ووقف موسى في وجه فرعون، ووقف إبراهيم في وجه النمرود!!

وليست الغمة أن نخوض المعارك، فنحن أبناء المعارك ولدتنا كابراً عن كابر:

فإن الماء ماء أبي وجدي     وبئري ذو حفرت وذو طويتُ

وما يخوض المعارك إلا نحن، ومن علم الناس القتال إلا نحن؟ ومن الذين سكبوا دماءهم رخيصةً في سبيل الله تعالى إلا نحن؟! وليست الغمة أن تشدخ رءوسنا تحت الدبابات، وتقطع أكتافنا تحت المجنزرات.

ولكن الغمة ما هي؟

الغمة: أن تحيد الأمة عن مبادئها وتعيش خواءً عقدياً، والغمة أن تنطمس: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] من نفوس الأمة!

والغمة: أن تنحرف الأمة عن ولائها لله وتبرئها من أعداء الله!

والغمة: أن تعيش الأمة ذاهلةً ضائعة لا تدري أي طريقٍ مستقيم رسمه محمد عليه الصلاة والسلام.

والغمة: أن تقدم الأمة شبابها إلى الملاهي والمنتديات الحمراء والمقاهي عباداً للمعصية وعشاقاً للنزوة، مصفقين للعبة!!

هذه هي الغمة. ولكن لنستمر في مسلسل هذه المحاضرة، والله المستعان وعليه التكلان.

يا رب هب لي بياناً أستعين به     على قضاء حقوقٍ نام قاضيها

من الذي يحيمنا؟ أي جيش يحمينا إذا أراد الله ألا نحمى؟ أي قوةٍ تمنعنا وتحرسنا؛ إذا أراد الله أن يخذلنا؟: وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [القصص:57].

أما مكننا في الحرمين؟ أما أصبحت ثمرات العالم تجبى إلينا من أنحاء الأرض، من الصين، وفرنسا، وبريطانيا، والدنمارك؟! ألسواد عيوننا؟ ألدعاياتنا العالمية؟ ألحبهم لنا؟ لكن لدعاء شيخنا في العقيدة، وأستاذنا في المبادئ، إبراهيم الخليل عليه السلام الذي يقول: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [إبراهيم:37].

فما دام أنا مقيمون على هذا العهد والميثاق فأبشروا بالاستقرار والأمن والسكينة، فإذا أخلفنا كان الخلف جزاء ما فعلنا، وكان النقض جزاء ما أبرمنا.

ويتخطف الناس من حولهم. انظر إلى الشعوب وإلى المدن: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنْ الْقُرَى [الأحقاف:27] أما تخطفوا؟!

أما عاشوا الذلة؟!

أما عاشوا التشتت؟!

أما أصبحوا ينامون على زمجرة الصواريخ ويستيقظون على أزيز الطائرات؟!

أما قتلوا بالألوف؟!

أما عاشوا الجفاف والمجاعة التي ما ذقناها؟!

لماذا؟

لأسرارٍ سوف أذكرها:

فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش:3-4] من هو رب هذا البيت؟

الواحد الأحد الذي أطعمهم من جوع، أي صحراء صحراؤنا؟ لا ترى فيها بساتين ولا حدائق، صحراء قاحلة، لا أنهار! لا مروج ولا بحيرات، صحراء يموت فيها الظليم، صحراء يهلك فيها النعام، ولكن أغاث الله أهلها! وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النور:55].. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ [الحج:41].

وهذا وعدٌ من الله وقسم: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ [الحج:41] أي: جعلناهم متمكنين قائمين على خيرات الأرض وثرواتها، واقفين على أوامرها، متمكنين منها ومن أهلها، ماذا يفعلون؟ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج:41]

وهذه هي مواصفات العباد الصالحين الموحدين، أما أن تعكس الآية بعد التمكين إلى أمة تجعل من النصر طرباً ولهواً ولعباً، ومن التمكين في الأرض مظاهرات صاخبة يختلط فيها الرجال بالنساء، وتنتهك فيها الحرمات، وتضيع فيها حدود الله، فهذا ليس بشكر المنعم تبارك وتعالى.

وقد أخبر عليه الصلاة والسلام -كما في الحديث الصحيح- أنه رأى رؤيا في المنام، حيث رأى أن الأرض زويت له، المشرق والمغرب وهو نائم، ورؤيا الأنبياء وحي، فعلم أن ملك أمته يبلغ ما زوي له عليه الصلاة والسلام، وهذا قد وقع، وقد دخل أتباعه يصلون في قرطبة، ويعبدون الله في السند والهند ويكبرون على ضفاف الفرات والنيل، ثلاثة أرباع الدنيا فتحت بلا إله إلا الله:

وأينما ذكر اسم الله في وطـنٍ     عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني

بـالشام أهلي وبغداد الهوى     وأنا بـالرقمتين وبـالفسطاط جيراني

وأخبر عليه الصلاة والسلام -في الصحيح- لـعدي بن حاتم (أنه سوف تمر الظعينة من صنعاء إلى حضرموت لا تخاف إلا الله والذئب على غنمها) وبالفعل يرتحل المرتحل من الجزيرة ولا يخاف، يحمل الذهب والفضة، بل يحمل روحه، ولا يخاف قتلاً ولا سلباً ولا نهباً بنعمة لا إله إلا الله.

 من هو الناصر؟

من الناصر؟ من الذي نصر؟ وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ [آل عمران:123] ما ينصر إلا الله، وهذا الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، يقول: ما هو عددكم في بدر؟ أي سلاحٍ كنتم تحملونه؟ أي قوةٍ كنتم تحملونها؟ لا شيء. لكن نصركم الواحد الأحد في بدر وفي غيرها وأنتم أذلة، الكفار ثلاثة أضعاف المؤمنين ومع ذلك انتصر رسول الهدى عليه الصلاة والسلام، لماذا؟ لأن القائد الأعلى للقوات المسلحة في بدر أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، وتحت قيادته جبريل عليه السلام، يقول حسان في أشرف بيتٍ قالته العرب:

وبيوم بدر إذ يصد وجوههـم     جبريل تحت لوائنا ومحمدُ

قال الأصمعي: أجزم جزماً أن هذا أشرف بيتٍ قالته العرب، يقول: يا عرب! يا دهر! يا تاريخ! قواتنا المسلحة في بدر، قائدها محمدٌ عليه الصلاة والسلام، وتحت لوائه من القادة جبريل عليه السلام، فأروني قيادةً في الدنيا كهذه القيادة؟ لا أحد.

وقف صلى الله عليه وسلم في بدر، والجيش الإسلامي قد نام تلك الليلة، يقول علي كما في السيرة لابن اسحاق: {نظرت ليلة بدر فما رأيتُ إلا نائماً إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني رأيته مستقبلاً القبلة يدعو ويبكي حتى أصبح الصباح}.

نامت الأعين إلا مقلة     تذرف الدمع وترعى مضجعك

ماذا كان يقول في الليل؟

يقول: {اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم نصرك الذي وعدتني} هو يتحرى نصر الله ليفتح ثلاثة أرباع الكرة الأرضية؛ لأصلي أنا وإياك ونرفع سباباتنا بلا إله إلا الله!

وسقطت بردته من على منكبيه، فجاء أبو بكر وقال: {يا رسول الله! كفاك مناشدتك لربك} وكان الرسول عليه الصلاة والسلام أعلم بالله، وكان متيقناً أنه لا ينال ما عند الله إلا بكثرة الإلحاح والمسألة وصدق اللجوء والضراعة والشكوى، كما قال موسى فيما يصح عنه، وهو يسجد ويبكي: {اللهم إليك المشتكى، وأنت المستعان، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك}.. وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186].

وهذه الدقائق الحارة، دقائق النصر، الدقائق التي تقف فيها بين لحظة وأخرى تتحرى النصر، اسمها ساعة الصفر: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل:62] من الذي يجيب المضطر إذا دعاه؟ هناك آيات لا يشاركها أوصاف للواحد الأحد، لا يشاركه فيها أحدٌ من الناس: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل:62] وهذه تسمى ساعة الصفر.

واسمحوا لي أن أخرج عن المحاضرة بعض اللحظات.

جئت مع بعض الإخوة اليوم من أبها ولما اقتربنا من الرياض، تعطلت بعض أجهزة الطائرة فلم نستطع الهبوط في المطار وبقينا ساعة في سماء الرياض، وكلما أتينا المدرجات -تسع مرات- عاد بنا الكابتن وأعلن أنه لا يستطيع الهبوط، أتدرون في أي شعورٍ كنا؟ أما النساء اللواتي معنا فانهمرت دموعهن بالبكاء، وأما نحن فأصبحنا في عالم القبر: من ربك؟ وما دينك؟ وما نبيك؟ وتيقنا من الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وكتبنا بعض الأسماء في ورقة، تعريف بنا؛ لأننا نسينا تعريفاتنا في الحقائب، فكتبناها حتى يجدنا الناس إذا أصبحنا جثثاً على الأرض، فنحن في الصباح ارتحلنا من أبها، ثم أصبحنا في مصيبة لا يعلمها إلا الله، وذقنا طعم التوحيد الحار هذا اليوم، وعرفنا مقدار لا إله إلا الله! وعرفنا من الذي ينجي من الكرب: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل:62] وعرفنا قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [العنكبوت:65].

فتجردنا إلى الله وسألناه كما سأل أهل الغار ربهم، وما وجدنا معنا إلا التوحيد!!

هذا هيامي وتقصيري وأعمالي     فقلتُ عم صباحاً أيها الطلل البالي

ونزلنا بعد أن ظننا أننا من أهل الآخرة، ولكننا عرفنا أن التوحيد ينتصر في هذه الوقفات، وعرفنا أن كارل ماركس ملعون، وأنه خان الله ورسوله والمؤمنين، وأن (لا إله والحياة مادة) تحترق في هذه الدقائق الغالية.

 الرسول والصحابة في ساعة الصفر

الرسول عليه الصلاة والسلام والصحابة عاشوها: وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا [الأحزاب:10] إذا كان أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، يظنون بالله الظنون إلى درجة أنهم ظنوا أن الله لا ينصرهم، فكيف بنا؟!

يحفر صلى الله عليه وسلم فيقدح الشررُ من الآلة التي يضرب بها، ويقول: رأيت قصور كسرى وسوف يفتحها الله عليَّ، فيقول المنافقون: ما شاء الله! لا يجرؤ أحدنا أن يبول من الخوف، ويفتح الله له قصور كسرى وقيصر}

وبالفعل صدق الله ورسوله، وهذا هو الصحيح الوارد الثابت في التاريخ والكتاب والسنة.

يقول صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس بعد انتصاره في الفتح: {الحمد لله وحده، نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده} وأثبت الله هذه القضية، وأنها تغيب عن كثيرٍ من الناس، فينسبون النصر لغير الناصر تبارك وتعالى، ونصرنا بآل فلان وآل علان وهذا كذب ودجل: إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ [آل عمران:160].

إذا خذلكم الله من ينصركم؟ كان العدو ليس سهلاً، مليون مقاتل، يا أخي! مليون جندي! مليون يحملون السلاح الفتاك، ألوفٌ من الدبابات، والمجنزرات والآليات، ولكن دعاء الصالحين أسكته وبكته وفضحه، دعاء أهل الحرمين، ودعاء القنوت في المساجد، الأكباد الحرى، الدمعات الحارة، الدعاء الصادق إلى ذي العرش والجلال والجبروت، إلى من على العرش استوى، كم من مسلم دعا: اللهم اخذله، اللهم أسقطه، اللهم اقصم ظهره، فقل لي: لعلها دعوةٌ واحدة قبلت والملايين رفضت، فقصم الله ظهره، فضيحةٌ ما بعدها فضيحة، وعارٌ ما بعده عار:

فمن في كفه منهم قناةٌ     كمن في كفه منهم خضابُ

وتولوا خاسرين نادمين حقيرين، ولنا عودةٌ في هذا الموقف، يقول سبحانه: وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:10].

وترى التوحيد يهتز عند بعض الناس بما يسمعون ويقرءون، خاصةً إذا فصلوا عن قال الله وقال رسوله عليه الصلاة والسلام، فينسبون النصر لغير الناصر، وينسبون الشكر لغير المنعم، وينسبون الجميل لغير المتجمل، فتعالى الله ما نصرنا إلا هو وحده فله الحمد وله الثناء الحسن دائماً وأبداً ليلاً ونهاراً.

خرج صلى الله عليه وسلم في اثني عشر ألف مقاتل من المسلمين، وكان هذا من أكبر الجيوش فيما أعلم في تاريخ الدعوة المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام، فخرجوا إلى حنين وكان العادة أنهم من المئات إلى الألف فما دون، فالتفت بعض الصحابة فرأى الجيش ضخماً مسلحاً عرمرماً، فتبسم وقال: [[لن نغلب اليوم عن قلة]] فأراد الله أن يخبر الصحابة أنه ليس النصر بكثرة الجيش أو بقلته، ولما بدأت ساعة الصفر وابتدأت المعركة وأتى أهل هوازن مع مالك بن عوف، وأطلقوا السهام، فرَّ الجيش جميعاً ما بقي إلا ستة.

أين الكثرة؟! أين الكتائب؟! أين الميمنة والقلب والميسرة؟! لا شيء.

ونادى عليه الصلاة والسلام في الناس، ورجعوا وانتصروا فأنزل الله: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [التوبة:25].

فمن الذي نصركم؟ إنه الله. فلله الحمد.

كان عليه الصلاة والسلام يقول قبل المعارك: {اللهم منزل الكتاب، مجري السحاب، هازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم} فينتصر عليه الصلاة والسلام.

وهذا سليمان عليه السلام رأى جيشه فقال: هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل:40].

يوم ننتصر نقول: الحمد لله، ونشهد أن لا إله إلا الله، أما هذه الإشارة فإنها من كيس ريجول الفرنسي، وهي لاغية في عهد محمد عليه الصلاة والسلام لا حظ ولا دخول لها في بلاد المسلمين، نحن إذا أشرنا أشرنا بالوحدانية: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:1-4].

من الفكاهات الإسرائيلية التي وضعت يقولون: طارق عزيز بعد ما هزم جيش العراق، دخل على صدام حسين، فأشار إليه بالسبابة والوسطى -يعني: علامة النصر- فظنها علامة النصر وتبسم وقال: انتصرنا، قال: لا. بقي أنا وأنت. وسندها معلول، قال سبحانه: وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ [الصافات:173].

 نصرة الله لموسى عليه السلام

ولما حضر موسى عليه السلام، قال بنو إسرائيل لما اقتربوا من البحر: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:61-62] أي: معي قوةٌ لا تغلب، وهذه قضية سوف أقررها في العنصر الرابع، ولا أستفيض فيها هنا، حتى نعرف أنحن أم غيرنا الأقوياء؟ والقوي مع من؟ ومن الذي ينبغي له أن يخاف ويقف دائماً على أعصابه؟ ومن الذي يجب عليه أن يطمئن بنصر الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى؟ قال: كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62].

تدرون كم كان مع فرعون؟! يذكر ابن جرير: أن جيش فرعون ألف ألف، وقيل: ستمائة ألف، فالتفت بنو إسرائيل إلى جيش فرعون -وهذا في تاريخ ابن جرير - قالوا: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61] وأنا أنسبها لـابن جرير وهي على عهدته وذمته ومن أحيل على مليء فليحتل، فقال الله عز وجل لموسى: اضرب البحر، وكان متأخراً في آخر الجيش، فقال لهارون: اضرب البحر يا هارون! فأخذ هارون العصا وضرب البحر، قال البحر: من هذا الجبار الذي ضربني، فقال الله عز وجل: أنت -يا موسى- اضرب البحر، اليد غير اليد والعصا غير العصا:

وإن تفق الأنام وأنت منهم     فإن المسك بعض دم الغزال

فضرب البحر فنجاه الله، وفي آخر لحظة قال فرعون: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:90].

 الطغاة يتعلقون بالإسلام وقت الهلاك

وهذا مثل دجاجلة العرب. العجيب أنهم في ساعات الصفر ووقت الهلاك يتعلقون بالإسلام!

يتعلقون تعلقاً     يوم الرزية والحساب

بمعالمٍ فيها عروش     قد بنوها من خراب

فإذا أحسوا بالرزية     تعلقوا بالانتساب

أتاتورك لما خاف من ثورة الأتراك تعلق بالإسلام والجهاد، والخميني ظهر فنادى بالجمهورية الإسلامية وآية الله، وحجة الإسلام، وروح الله والكتاب والعدل، ثم ذبح الدعاة والعلماء وسحق الإسلام وابن بلا، في الجزائر كان يذبح المسلمين، فلما أنزله أبو مدين، وأدخله السجن بدأ يحفظ القرآن وخرج ينادي الشعب في الجزائر يقول: أعيدوني للحكم؛ لأعيد لكم حكم الله، كذلك رجل العراق لما أحس بساعة الصفر نادى بالجهاد ويقول: أنتخيك يا رب، يقول: أدعو نخوتك، سبحان الله! فهذه أمة دائماً على هذا الطراز وما اتخذت درساً، كل يومٍ وهي تراوح مكانها: أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ [الذاريات:53].

قال تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7].

بما يشكر النصر؟ نحن ما نصرنا أنفسنا، نصرنا الله لأن الله أراد لنا النصر، والله لو اجتمعت قوات الدنيا على أن تنصرنا ما نصرتنا! لكن الذي أمره في كلمة كن فيكون نصرنا سبحانه، ما جزاء النصر؟ أن نفعل كما فعل صلى الله عليه وسلم، حيث دخل يوم الفتح فخفض رأسه وبكت عينه عليه الصلاة والسلام ودخل متواضعاً لله وكان إذا فتح عليه الفتوح يسجد سجود الشكر، وقد عقدها أهل العلم أبواباً في كتب الأحكام، باب سجود الشكر: وكان صلى الله عليه وسلم إذا أتاه خبرٌ يسره، سجد لله شاكراً.

فالشكر لا يكون بالحفلات الحمراء، حفلات اختلاط الرجال بالنساء وتضييع المبادئ وتضييع لا إله إلا الله، وحفلات التعدي على حدود الله، وحفلات يهيم بها الشعب يصفق ويغني ويطبل ويرقص وينسى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].

فهذا كفرٌ بالمنعم سُبحَانَهُ وَتَعَالى، وهي حرامٌ في دين الله أن تحدث، فعلى من نصرهم الله أن يشكروه ويثنوا عليه ويحمدوه كما فعل عليه الصلاة والسلام، قال سبحانه: وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ [آل عمران:145].

وما هو معنى الشكر؟ له معانٍ ثلاثة:

1- أن نعلن الشكر بألسنتنا، وأن نردد: والحمد لله رب العالمين دائماً وأبداً.

2- أن يظهر الشكر على جوارحنا في عباداتنا وسلوكنا وأخلاقنا ومعاملاتنا.

3- أن نحمل الشكر معتقداً في القلب، فنحمل معتقد التوحيد الذي أتى به رسول الهدى عليه الصلاة والسلام.

 من شكر المنعم إقامة شرع الله في الأرض

المقصود من تمكين الإنسان في الأرض؛ ليكون خليفة، والخليفة هو من يحكم بما أنزل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ [ص:26].

فمن لا يحكم بما أنزل الله فليس له حق الخلافة في الأرض ولا التمكين ولا الاستقرار في الأرض، وهو ظالمٌ وعميلٌ ودجالٌ ودخيلٌ لا حق له في البقاء، ولا حق له في العيش والاستقرار على وجه الأرض: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30].. رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ [القصص:17] فمن كان ظهيراً للمجرمين فما شكر نعمة المنعم.

قال سبحانه: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [الحج:41].

فجزاء التمكين في الأرض؛ إقامة الشرع: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [المائدة:50] فلا لا للعودة إلى الدستور، ولا للعودة إلى القوانين الوضعية، ولا للعودة إلى خزعبلات البشر، فهذا حرام وهو نقض للميثاق وكفرٌ بالنصر واعتراض على الناصر تبارك وتعالى.

جربنا أنفسنا في الأزمات، فوجدنا أننا نحتاج إلى جرعات من العقيدة، من لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأنا أدري وأنتم تدرون أننا ندرس ونحفظ قوله عليه الصلاة والسلام: (واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك) ولكن إذا حصحص الحق ضاعت هذه الكلمات، نحفظها في الأذهان ولا نبرهن عليها في الأعيان، ويقول عليه الصلاة والسلام، فيما صح عنه: (واعلموا أنه لا تموت نفسٌ حتى تستوفي رزقها وأجلها) هل سمعتم أن أحداً قتل قبل أن يقدر الله قتله؟ هل سمعتم أن أحداً ذهب إلى الله ولم يستكمل أكل رزقه؟ لا. قال سبحانه: قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ [التوبة:51] وهذا هو الصحيح، وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً [آل عمران:145].

هل اعترفنا بهذا؟ إن هذا لا يعرفه إلا مثل علي بن أبي طالب.

 علي بن أبي طالب والعقيدة

يقول أبو الحسن: [[والله لو كشف الله لي الغطاء فرأيت الجنة والنار، ما زاد على ما عندي من إيمان مثقال ذرة]] وهو لم يتعلم درساً لا زرع ولا طه والطبلة، وإنما تعلم: طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى [طه:1-3].

علي بن أبي طالب أنزل الدرع الذي عليه في صفين ومعنى تصرفه هذا أنه إن كتب الله له أن يموت فلا يغني الدرع، وإن كتب الله له الحياة فلماذا يلبس الدرع؟ وأخذ الأسباب وارد، والرسول صلى الله عليه وسلم لبس الدرع وبارز فيه، ويقول: {اعقلها وتوكل} كما صح عنه عليه الصلاة والسلام، لكن هكذا علياً أراد أن يلقن الأمة درساً، فقال له ابنه محمد بن الحنفية: يا أبتاه! تبارز بلا درع؟،قال:

أيّ يومي من الموت أفر     يوم لا قُدِّر أم يوم قُدِرْ

يوم لا قُدِّرَ لا أرهبـه     ومن المقدور لا يُغني الحذر

فهذه أبياتٌ في التوحيد: أي يومي من الموت أفر: متى أفر؟ يوم لا قدِّر أم يوم قُدِرْ: يوم لا قدر: يعني الموت؛ لا أرهبه، وإذا ما جاء لا يغني الحذر.

يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ [الفرقان:58] فاسمع إلى الصفات، صفتان عظيمتان: الحي الذي لا يموت وغير الله يموت: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ [الفرقان:58] ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:36].

فلا بد أن نقف طويلاً مع هذه الآية، ولا بد أن نجعلها تعيش معنا في دمنا ذرةً ذرة، وأن ندخلها قلوبنا وأسماعنا وعيوننا وأبصارنا!

أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [الزمر:36] وكل ما غير الله فهو دونه، انظر إلى الكيانات؟ والسلاطين والدنيا؟ كلها دون الله، لكن من يعرف هذا؟ إن هذا يعرفه مثل علي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، وشيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنهم يدرسون العقيدة واقعاً ويدرسونها منهجاً ربانياً.

علي بن أبي طالب كان جالساً تحت جدارٍ يقضي بين خصمين من أهل الكوفة، فمرَ رجلٌ فقال: يا أمير المؤمنين! احذر الجدار أن يسقط عليك، قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فلما انتهى من القضية بين الرجلين قام وخرج بهم، فلما مضى عن الجدار انهد الجدار مكانه. فحسبنا الله ونعم الوكيل مبدأ كبير يجب أن نحمله فعلاً وقولاً وحياة: الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران:173-174].

فإذا فاجأك الخبر، فقل: حسبنا الله ونعم الوكيل، ومهما أبرم الناس، ووضعوا من العراقيل، ودرسوا المكائد والخيانات، فإن حسبنا الله ونعم الوكيل تقصمها بإذن الله؛ لأن الله معك، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النمل:70].. إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128].

 ابن تيمية وتضحيته من أجل العقيدة

ذكر ابن عبد الهادي تلميذ شيخ الإسلام: أن ابن تيمية رحمه الله لما وصل إلى الاسكندرية، خرج الناس يريدون القصاص من ابن تيمية، لماذا؟ ألأنه سرقهم؟ هل أخذ أموالهم؟ هل سفك دماءهم؟ لا. بل كان يريد أن يقيم لا إله إلا الله في الأرض، فكل شيء يهون عند ابن تيمية إلا (لا إله إلا الله) يمكن أن يتفاوض على أمور الدنيا، أما أمور الدين فلا.

فتجابه مع البطائحية، وجابه الغلاة والزنادقة، وجابه المعطلة والجهمية، وجابه النصيرية والمعتزلة والأشاعرة، فكلهم خصومه:

وقفتَ وما في الموت شك لواقفٍ     كأنك في جفن الردى وهو نائم

تمر بك الأبطال كلمى هزيمة     ووجهك وضاحٌ وثغرك باسمٌ

ولو تحدث ابن تيمية عن التيمم والمسح على الخفين وبيع العينة ستين سنة لما اعترض عليه أحد، لكن ابن تيمية تحدث عن معلومات أخرى يجب أن يفهمها الناس، وعاش ابن تيمية لتعيش لا إله إلا الله، فعاش في أذن الدهر، وفي لسان التاريخ، وعلى منبض الدنيا لتعيش لا إله إلا الله، كان دائماً يعيش لتعيش مبادؤه.

يقول: فلما خرج له الناس، قال ابن عبد الهادي: يقول التلاميذ: الناس يريدون قتلك، فنفخ في يديه، وقال: والله كأنهم الذباب أمامي؛ لأنه لا يقطف الرأس إلا من ركبه، فهذه الصناعة الإلهية، وهذا الجثمان إذا لم يكتب الله أن يقطف فلا يقطفه أحد من الناس: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلا [آل عمران:145].

الكفار نصبوا كميناً حول بيت الرسول عليه الصلاة والسلام، خمسون شاباً تقطر سيوفهم دماً يريدون قتله، وأراد الله ألا يقتل، ليس عنده حراسة إلا حراسة الله، يقول أحمد شوقي:

وإذا العناية لاحظتك عيونها     نم فإن الحوادث كلهن أمانُ

فلاحظته عناية الله، وأجرى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى نصره له، وقال لـأبي بكر في الغار: {لا تحزن إن الله معنا }

فهذه قضايا التوحيد وهذا البناء العقدي المتين، الذي نريد أن نعيشه في الأزمة، وقبل الأزمة، وبعد الأزمة.

ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: قُلْ هَلْ تَتَربَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ [التوبة:52].

 احرص على الموت توهب لك الحياة

يذكر في السيرة -وفي هذا شيء من المبالغة، ولكن ذكروه- أن خالد بن الوليد رحمه الله ورضي عنه وأرضاه، خاض ما يقارب مائة معركة، ومع ذلك ما قتل وإنما مات على الفراش؛ لأن الواحد الأحد كتب له أن يموت على الفراش وألا يقتل في المعركة.

ورأيت بعض العلماء كما في البداية والسير وغيرها ذكر أن أحد الصالحين ترك أكل الأرز، وقالوا له: لِمَ؟ قال: لأني أخاف أن أجد فيه عظماً فينشب في حلقي فأموت. فأتى ابنه في آخر حياة هذا الرجل، فأتى بأرز وصفاه من العظام، وقال: يا أبتاه! كُل الأرز فإني قد نقيته من العظام، كل من فضل الله عز وجل، قال: باسم الله، فنشب في حلقه عظمٌ فمات.

وبعض الناس عنده تحفظ إلى درجة الوسوسة، ولو وثق برعاية الله مع أخذ الأسباب وتوكل على الله، ما يهمه شيء.

يقولون: فلان من الناس لا يركب السيارة خوفاً من الحوادث، وعنده حمار، في الصباح، يقف بالحمار عند الإشارة، وتجده ذاهباً وراجعاً بحماره، لماذا؟ قال: خوفاً من هذا الحديد، كأنه ما بقي في الدنيا إلا هذه النفس النفيسة أن تموت، قالوا: وأرسل الله عليه سيارة فتصدمه وحماره، فمات:

لقد ذهب الحمار بأم عمرو     فلا رجعت ولا رجع الحمارُ

فالمقصود: أن بعض الناس تبلغ بهم الوسوسة في بعض القضايا حتى يأتيهم خوف من البشر. وهذه قضية موجودة في الرأي العام، ونستقرئها ونعيشها في أنفسنا: أننا كثيراً نخاف من البشر أكثر من خوفنا من رب البشر. فالآن تصور أن الناس إذا أرادوا أن يتحدثوا عن بعض القضايا، وهم في المجلس فإنك ترى الواحد منهم وهو ينظر إلى النافذة، وينظر في وجوه الجالسين، وينظر في الأجهزة التي أمامه، وينظر عن يمينه وخلفه، ولكن وأنت تغتاب أما نظرت إلى الله؟! وأنت تنم وتشهد الزور وتعصي الله عز وجل أما خفت من الله وهو الرقيب سبحانه؟! وهو الذي معك أينما كنت: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ [المجادلة:7].

 غير المسلمين يضحون من أجل مبادئهم الباطلة

ويوجد في غير المسلمين -حتى من شباب الصحوة- من يضحي أكثر من المسلمين من أجل مبادئهم، والآن ينتشر شباب الاشتراكية، وشباب الماركسية:

ماركسيون والجماهير جوعـى     فلماذا لا يشبع الفقراء

وحدويون والبلاد شظايا     كل جزء من جسمها أجزاءُ

فهذا واقع الأمة.

ولذلك تجد الاشتراكيين والبعثيين يضحون تضحيات، لماذا يشدخون بالدبابات في العراق والكويت؟ إن هذا من أجل مبادئهم.

آمنت بـالبعث رباً لا شريك له     وبالعروبة ديناً ما له ثاني

لكن تجد في الصالحين من يخاف خوفاً عظيماً حتى يدخله الوسوسة، فتجده يخاف من البشر، ويخاف من أن يقول كلمة الحق! وما هي أسوأ الاحتمالات؟ أن يذهب رأسه!!: وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [آل عمران:157].

وهذا مقصد نبيل.

 لا بد من الابتلاء

يقول المسلم الأول:

وليس على الأعقاب تدمى كلومنا     ولكن على أقدامنا تقطر الدما

تأخرت أستبقي الحياة فلم أجـد      لنفسي حياة مثل أن أتقدما

رأيت في ترجمة لـأبي الأعلى المودودي رحمه الله، المؤلف الباكستاني الشهير أنه سجن كثيراً في سجن أيوب خان، يقول أحد الشعراء وقد طرد من دولة عربية إلى ميونخ في ألمانيا

في قصيدة يقول فيها:

نفسي فدتك أبا الأعلى وهل بقيت     نفسي لأفديك من أهلٍ ومن صحب

أما استحى السجن من شيخٍ ومفرقه     نورٌ لغير طلاب الحق لم يشبِ

يقول: ألا يستحي السجن منك يا أبا الأعلى، تسجن وأنت في الثمانين!!

وقد قام العلماء في العالم الإسلامي وكتبوا لـأيوب خان برقيات وأنذروه وخوفوه بالله عز وجل، فقدم عرضاً لـأبي الأعلى وهو في السجن وقال: يا أبا الأعلى! اكتب لنا تنازلاً واعتذاراً حتى نمسك ماء وجهنا أمام العالم الإسلامي، فوصلت الورقة إلى أبي الأعلى، فشقها ورماها في السلة، وقال: إن كنتُ سجنتُ بحق فأنا أصغر من أن أعترض على الحق، وإن كنتُ سجنت بباطل، فأنا أكبر من أن أستخذي للباطل وبقي حتى أخرجه الله عز وجل.

وهذا هو عالم التضحيات، أمام المد البعثي والماركسي والنصراني واليهودي لا يثبت أحد إلا ويجعل أمامه: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:36].

يقول الحجاج لـسعيد بن جبير: والله لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى، قال: لو علمت أن ذلك إليك، لاتخذتك إلهاً. وهذه عقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله.

والله لا يبعث نبياً ولا رسولاً من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، حتى يبتليهم بالمصائب والكوارث والمحن والفتن إلى درجة أن يعلم الواحد منهم أنه لا إله إلا الله، ولا نافع ولا ضار ولا محيي ولا مميت إلا الله، ولذلك أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19].

فهذه قضيةٌ كبرى، فتجد بعض الأخيار يريد أن يدعو ولكن بشرط ألاَّ يمس، ويريد أن يدعو ولكن بشرط ألاَّ يبتلى، ويريد أن يدعو ولكن لا يهضم شيء من حقه، وهذا خلاف سنة الله عز وجل في الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.

دروسٌ من الغمة التي مرت بالمسلمين:

 وجود خواء عقدي في الأمة

الأمر الأول: اكتشفنا خواءً عقدياً في الأمة، وقلة توكل، وأمة لا تتوكل تخاف الموت، وأنا أعرف أناساً في قرىً بعيدة يبعدون عن المعركة ما يقارب ألف ميل، ويكاد أحدهم أن يموت هناك، في مسجد في جدة كنت أتحدث في وقت الحرب -خطر ممنوع الاقتراب- فكان الحديث من أول الليل إلى آخر صلاة العشاء عن التوكل والصمود والشجاعة والبذل والعطاء، والناس جمعٌ حافل، فمرت سيارة فانفجر إطارها وسمعنا له دوياً فكاد الناس يخرجون من الأبواب الأخرى، قلنا: وما هي فائدة المحاضرة من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء، وأين الشجاعة؟ وكيف لو كان غير انفجار الإطار.

المقصود: أن الأمة اكتشفت أنها تعيش ضعفاً في التوكل، وأنت تجد أن الشعوب المحاربة لا تخاف ولو كانت وثنية لأنها تعودت.

 ولي المؤمنين هو الله

الأمر الثاني: أن علينا أن نعلم أن ولينا هو الله عز وجل: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [محمد:11] فعلينا أن نوثق الصلة به سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، ونسأله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن يمد بيننا وبينه حبالاً من الرحمة والكرم والجود، وأن يجعلنا أقرب الناس إليه.

 لابد أن تعرف عدوك

الأمر الثالث: علينا أن نعرف عدونا، ولا تكن مواقفنا حسب المزاج أو المصالح، فمواقفنا مع: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] فإن هؤلاء الذين كانوا أصدقاء لنا بالأمس أظهروا عداوتهم؛ لأنهم لا يحملون لا إله إلا الله، فكانوا أفتك الناس وأحقدهم وأبغضهم، وأقول: فعل البعثيون بـالكويت ما لم تفعل إسرائيل بـفلسطين، فأين إخوان العروبة؟ وأين الوحدة والاشتراكية؟ وأين الدم العربي؟ وأين القروي؟ وقوله:

هبوا لي ديناً يجعل العرب أمة     وسيروا بجثماني على دين برهمِ

فيا حبذا كفر يؤلف بيننـا     وأهلاً وسهلاً بعده بجهنمِ

وتركوا لا إله إلا الله، وتوحدوا على دم العروبة؛ فماذا نفعتهم العروبة؟ فهذا العربي يفعل بالعربي ما فعل!! قتل للنساء وسحق للأطفال، وهتك للحرمات، واستعداءٌ ينبي أن وراءه حقداً مريراً لا يعلمه إلا الله، فأين العروبة؟

العرب بلا إسلام أصفار، وما أنتجوا شيئاً في التاريخ إلا بهذا الدين، كما قال عمر: [[نحن قومٌ أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله]].

 الدعوة إلى الله تحتاج إلى أفعال

الأمر: أن علينا ألا نبقى دعاة كلامٍ للناس، بل مع كلامنا نقدم خدمات للعالم وللناس، وهذا نقصٌ نعيشه جميعاً، فالرسول عليه الصلاة والسلام لم يؤلف الله عليه قلوب الناس بكلامه وخطبه ومحاضراته فقط، بل بأخلاقه وتعامله. ولعلك تجد صالحاً في حيٍ من الأحياء، يقف سلبياً عن مشاكل الحي وحوائجه ومتطلباته، ثم يأتي يوم الجمعة، فيلقي عليهم خطبةً عصماء، فلا يتقبلونها؛ لأنهم ما وجدوا له أيادٍ بيضاء قدمها إليهم، مثل ماذا؟ زيارة المريض، الوقوف مع الناس في مناسباتهم: تفقد الجار إطعام المحتاج، زيارة المسكين، السؤال عن الغائب عن المسجد، الوقوف مع المنكوبين، فهذه تساوي آلاف المحاضرات.

الأمر الثاني: اكتشفنا سلبيةً يعيشها كثير من الناس حتى من الصالحين، مثل ماذا؟ تجد أن عنده عواطف، حباً لله ولرسوله وللمؤمنين، لكنه لا يقدم شيئاً، يفرغ هذه العاطفة في خطب رنانة مشحونة بالإبداع وبالكلام المسجوع، وبالأسلوب الضخم، والغضب، والتفجر، ثم يخرج فلا ينتج شيئاً، ولو أنه حبس هذه الكلمات، واقتصد في هذه الألفاظ، وفرّغ طاقته في عملٍ منتج ودعوة، أو إهداء شيء طيب من الكتيبات والأشرطة، أو القيام على أحوال الناس، أو بأي وسيلةٍ تنفع الإسلام لكان خيراً من هذا الزبد: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد:17]

واكتشفنا أن الكفر ملةٌ واحدة، وأنهم أعداءٌ لنا جميعاً، وأنه يجب علينا أن نؤاخي من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأما الناس فمهما ناصروا فلمبادئهم ولمصالحهم والله أعلم، لكننا نحن لا بد أن نحمل الولاء، وأن نعرف أن هذه الأمة مقدسة، قدسها الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بالتوحيد الذي أنزله على رسوله عليه الصلاة والسلام، ثم علينا كذلك أن نعد أنفسنا للموت، وألا نخاف من شبح الموت، فنعد الطفل وهو صغير للأيام الحاسمة والساعات المهلكة، ونعلمه كيف يستقبل الموت برحابة صدر.

يقول أهل السير: كانت فاطمة أم علي بن أبي طالب وهو طفل وتقول:

بأبي وأمي حيدره     كليث غاباتٍ كريه المنظره

وحيدرة الأسد، فكانوا يقولون وهو طفل: إذا سقط على الأرض ووقع على رأسه فإنه لا يبكي!!

ولكن تجد بعض الأطفال في الثانية عشرة لا يستطيع أن يخرج بعد صلاة العشاء من البيت، خوفاً من شبح الموت، فـعلي رضي الله عنه يحضر المعارك دائماً ويقول:

أنا الذي سمتني أمي حيدره      كليث غاباتٍ كريه المنظره

أكيلكم بالسيف كيل السندرة

وهذه هي التي عاشها أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، وإنما نحن نعيش شبح الموت.

وقد شارك في ذلك بعض الوسائل فخوفونا من بعض الناس ورسموا له أنياباً وضروساً وعيوناً، حتى رأيناه في المنام، فخاف الأطفال والنساء والكلاب والقطط من هذا المخلوق وهو ضعيف لا يساوي شيئاً.

فعلينا أن نبني أنفسنا على ألا نخاف الموت.. وأن نعرف أننا أبناء الحروب، ورثناها كابراً عن كابر، وأن من أجدادنا خالداً، وسعداً وصلاح الدين وطارقاً.

 الموالاة والمعاداة من أجل الله فقط

ومن الدروس المستفادة أيضاً: أنه يجب أن تكون مواقفنا واحدة لا تتغير، نوالي من والى الله، ونعادي من عادى الله، وبذلك نرتاح ونريح أنفسنا وضمائرنا وعالمنا من التذبذب والتردد.

 الطغاة من حكام المسلمين يشوهون الإسلام

واكتشفنا كذلك: أن الغرب يفهمون عنا أن الإسلام هو إسلام أتاتورك وإسلام ابن بلا، وإسلام الخميني وصدام حسين، ولذلك الأمريكان والبريطانيون والفرنسيون أظنهم يحجمون عن دخول الإسلام بسبب هؤلاء الرموز، فهم يظنون الإسلام هؤلاء الأربعة وهم ما علموا أن الإسلام هو أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأحمد، وأبو حنيفة، ومالك، ونور الدين، وصلاح الدين، وعمر بن عبد العزيز:

من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم     مثل النجوم التي يسري بها الساري

أولئك آبائي فجئني بمثلهم     إذا جمعتنا يا جرير المجامعُ

ملكنا بأقطاب السماء عليكمُ     لنا قمراه والنجوم الطوالعُ

أما هؤلاء فبراء من الإسلام، وهؤلاء شوهوا سمعته ووجهه وسيرته ولموعه، فالإسلام منهم بريء، وهم منه برآء، ويجب علينا أن نبرئ الإسلام من هؤلاء، وأن نخبرهم بإسلامنا ونقدمه واقعاً عملياً، لأننا نتكلم بالإسلام على المنابر، ولكن الإسلام في دنيا الواقع قليل من يطبقه ويعلنه، وقليل أن يخبر به الناس فيسمعون مبادئ ربانية وكتاباً خالداً، وسنةً مطهرة، وينظرون إلى أحوالنا فإذا نحن في وادٍ والإسلام في واد، فينكصون ويتركون الدين، ويعودون على أدبارهم مرتدين.

ثم أختم هذه المحاضرة بحمد الواحد الأحد، فأحمده على مسائل لا تعد ولا تحصى، منها: أنه كسرَ ظهر البعث، ولله الحمد، واللهِ لقد سرنا أن يمرغ وجهه بالتراب!

ما ربع ميَّة معموراً يطيف به      غيلان أبهى ربى من ربعها الخرب

لما رأت أختها بالأمس قد خربت     كان الخرابُ لها أعدى من الجربِ

رمى بكَ الله جنبيها فحطمها     ولو رمى بكَ غير الله لم يصبِ

فلله الحمد، ففي الأمس انكسرَ ظهر الشيوعية في أفغانستان، واليوم ينكسر البعث في الكويت، فما أحسنه من خبر! وقد سرنا كثيراً، وبيض وجوهنا، وهذه نقولها بشماتة ونحن نشمت مثلما فعل بعض الصالحين، زاروا أحمد بن أبي دؤاد وهذا أحمد أهل البدعة، الذي كان سبباً في جلد الإمام أحمد بن حنبل، فدعا عليه الإمام أحمد فقال: اللهم عذبه في جسمه، فشلَّ نصفه وبقي نصفه حياً، فكان يتعذب ولا ينام الليل، قالوا: كيف تراك يا أحمد بن أبي دؤاد؟ قال: أما النصف هذا فلو وقع عليه ذبابٌ فكأنما القيامة قامت، وأما نصفي هذا فلو قرض بالمقاريض ما أحسست به، فزاره بعض الصالحين من وجهاء السنة، وقالوا: يا أحمد بن أبي دؤاد! والله ما زرناك مسلمين ولا عائدين ولا داعين، ولكن شامتين.

فنحن نقول: الحمد لله الذي لطخ وجه البعث بالتراب، ونسأل الله أن يكسر ظهور البقية وأن يبقي هذا الدين، وإنني أتصور -بإذن الله- أن هذا هو فجر الإسلام، وهذا هو المستقبل لهذا الدين، أن ينفر عبابه البحار والمحيطات، ليعيد لنا أمجاد عقبة بن نافع، وصلاح الدين، وطارق:

رفيق صلاح الدين هل لك عودةٌ     فإن جيوش الروم تنهى وتأمرُ

رفاقك في الأغوار شدوا سروجهم     وجيشك في حطين صلوا وكبروا

تغني بك الدنيا كأنك طارق على بركات الله يرسو ويُبْحِرُ

تناديك من شوقٍ مآذن مكة وتبكيك بدر يا حبيب وخيبر

ويبكيك صفصاف الشام ووردها     ويبكيك نخل الغوطتين وتدمر

فهذا مجدنا: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [مريم:40] وإن شاء الله أنه مستقبلٌ خالد، وانتصارٌ ساحق، وغداً ينكسر ظهر اليهودية العالمية، والصليبية العالمية، وتبقى لا إله إلا الله في الأرض؛ لأن مصير الأرض للا إله إلا الله، والذي خلق الأرض هو الذي أنزل لا إله إلا الله، فاعلم أنه لا إله إلا الله، نسألك نصراً أكيداً، ومجداً مجيداً، وتوحيداً خالصاً، وعبادةً حقة.

اللهم اجمع شملنا، ووحد كلمتنا، وارفع رايتنا، ولمَّ شعثنا، وأخسئ عدونا، وكبد شيطاننا، وثقل ميزاننا، وفك ارتهاننا، يا أرحم الراحمين!

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 لا نرى عودة إلى الله من قبل الناس

السؤال: فضيلة الشيخ: نسمع من بعض المتعجلين أننا لم نرَ بعد تغيراً في سلوك الناس ورجعةً إلى دين الله، وقد فاتهم أن سنة التغيير لا تأتي بين عشيةٍ وضحاها، حبذا لو وجهتمونا وإياهم إلى الواجب على الجميع تجاه ذلك.

الجواب: الحمد لله:

أولاً: عمر الصحوة التي نعيش فيها قليل وقصير، وما لها إلا سنواتٍ معدودة، فأنت قبل سنوات لا تجد هذه الجموع، ولا هذه الوجوه الغالية، ولا هذه القلوب الحارة الصافية، ولا هذه الطلعات والسجدات.

ثانياً: البناء صعب والهدم سهل.

أرى ألف بانٍ لم يقوموا لهادم      فكيف ببانٍ خلفه ألفُ هادمِ

فالبناء صعب، خاصةً في هذا العصر لأسباب منها: ضعف البُناة، والدعاة فيهم ضعف ما دام أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقوى البُناة، وأقوى من بنى، ومع ذلك استمر يعلم الناس ثلاث عشرة سنة؛ لا إله إلا الله، فكيف بنا وبأمثالنا من الدعاة الضعفاء، إذا ألقيت كلمة، تشيد فيها بلا إله إلا الله، ألقيت بعدك ألف أغنية ومسلسل، وألف مجلة خليعة وألف مقهى، وألف ليلةٍ حمراء:

أرى ألف بانٍ لم يقوموا لهادمٍ      فكيف ببانٍ خلفه ألف هادمِ

ثالثاً: أن في الناس خيراً، ومن سنن الله في الكون ألا يصلح الناس جميعاً: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام:112].. أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس:99].. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ [الغاشية:22].. وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ [الأنعام:107] فمن حكمة الله عز وجل أن يبقى الصراع: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ [البقرة:251].

إذاً فالصراع لابد منه، وقضية أن يعيش المسجد بلا مقهى، وأن يعيش الصالح بلا طالح، وأن يعيش القرآن بلا قانون وضعي؛ غير ممكنة فهكذا الصراع، والدين هذا يعيش مع الصراع، والله أنزله ليصارع به الأديان الوضعية، والعاقبة للمتقين، ولو كانت تفض الساحة فارغة لفرغت للرسول عليه الصلاة والسلام، وسوف تسمعون غداً المعاناة التي عاشها في أهله وفي نفسه وقلبه، وفي سمعته وعرضه، وفي جيشه ومبادئه، وفي منبره وكتبه وفي سنته..إلخ. تلك المعاناة التي ما عاشها أحد من البشر أبداً.

إذاً فالناس فيهم خير والحمد لله، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: صلى الله عليه وسلم {من قال: هلك الناس فهو أهلكهم} ضبطت عند الحفاظ كـالخطيب البغدادي وغيره أهلَكُهم بالرفع، وأهلَكَهم بالنصب، فإن ضبطت بالرفع، فمعنى ذلك: أشدهم هلاكاً؛ لأنه معجب بنفسه، وإن ضبطت بالنصب، فمن باب المصدر معناه: أنه هو الذي أهلكهم بفعله هذا أو أنه فعل ماضي، فأهلكهم بفعله، لأنه كلما قال: هلك الناس؛ هلك الناس ووقعوا في الخطايا.

قال عثمان رضي الله عنه: [[ودت الزانية أن تزني بنات الناس، وودَّ السارق أن يسرق الناس]].

 التكاسل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

السؤال: فضيلة الشيخ: كثيرٌ من الناس يرون منكراً ولا يغيرونه، وهذا يدل على عدم تنفيذ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من رأى منكم منكراً فليغيره} فما هي نصيحتكم لهم، وجزاكم الله خيراً؟

الجواب: من أكثر ما منيت به الأمة الإسلامية موت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حياتها، وميزة الأمة ومن خصائصها العظيمة التي تتميز بها بين الأمم، أنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110].

وعند ابن حبان من حديث أبي ذر مرفوعاً قال: {أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن أقول الحق ولو كان مراً} والحق مُر، قد يذهب بالرءوس، وقد يزهق النفوس، وقد يضايق في رزقه، وقد يضيق على العبد، ولكن قل الحق ولو كان مُراً، لكن في قالبٍ من اللين: وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].

وقد عاشت الأمة إهمالاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتولت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقوم به فئة من الناس، والآخرون ينظرون كأنه ليس لهم سوقٌ وليس لهم مكانة ولا وزن ولا عليهم مسئولية فانهدت سمة الأمة وضاعت مبادئها، وتردى حالها والعياذ بالله.

وكيف نعود للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

أولاً: له آداب، من آدابه كما يقول شيخ الإسلام في المجلد الثامن والعشرين من الفتاوى: آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مفصلة، وهي من أحسن ما كُتب، قال: ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف ونهيك عن المنكر بلا منكر، ويجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون بصيراً بما يأمر به وبصيراً بما ينهى عنه: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي [يوسف:108].

قال أهل التفسير: على بصيرة؟! أي: على علم. وقيل: على إيمان، وقيل: على إخلاص، والظاهر -والله أعلم- أن على علم أحسن الكلمات. إذاً يجب على الداعية أمور:

أولاً: أن يعلم ماذا يدعو إليه ويعلم المعروف ويعلم المنكر.

ثانياً: أن يكون عمله خالصاً لوجه الله عز وجل، لا يريد إلا أن تكون كلمة الله هي العليا، وقصده من هذا الكلام والغضب والتغيير؛ أن تكون كلمة الله هي العليا، فإن بعض الناس يتشفى في المدعوين؛ لدخائل في نفسه فينهاهم ويأمرهم، ففي الظاهر أنه يريد إقامة الدين، وفي الباطن يريد أن يتشفى هو، فلا يجعل الله له قبولاً.

ثالثاً: أن يكون ليناً: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44].

دخل رجل على هارون الرشيد فقال: يا هارون! قال: نعم. قال: اسمع مني كلاماً شديداً، قال: ولـمَ الشديد! والله لا أسمع، والله لا أسمع، والله لا أسمع، أرسل الله من هو خيرٌ منك، لمن هو شرٌ مني فقال له: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44].

رابعاً: أن يتدرج الداعية والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر فيما يأمر به وينهى عنه، فإن بعض الناس يركز على صغار المسائل قبل كبارها، ويعطي المسألة أكبر من حجمها، بل البعض -مثلاً- يجعل من تربية اللحية، كأنها مسألة الساعة، وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما بعث إلا ليربى الناس لحاهم، فتجده يطيل المحاضرة والكلمات والخطب ويتكلم دائماً عن تربية اللحية وفضل تربية اللحية وما جاء في عقاب من حلق لحيته ويتباكى ويبكي، وهذا قد أعطاها أكبر من حجمها وأكثر من حقها:

ووضع الندى في موضع السيف بالعـلا     مضرٌ كوضع السيف في موضع الندى

فالمسألة لها حجمٌ يليق بها، ولإسبال الثوب حجمٌ يليق به، وللسواك، ولجلسة الاستراحة قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً [الطلاق:3] وهذا منهج القرآن أن يأتي بالمسألة في حجم، وأختها في حجمٍ آخر، والرسول صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين أرسل معاذاً فقال: {ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله} ثم تدرج بالمدعوين، إلى أن أوصلهم إلى آخر أركان الإسلام، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

وبقيت مسألة أختتم بها هذا الكلام، ربما يفهم من كلامي أني أهون من شأن بعض المسائل في الإسلام، وهذا خطأ. وأنا أظن أن الصحيح هو الوسط، فلا إلى أقصى اليمين ولا إلى أقصى الميسرة، فبعض الناس يجعل من هذه القضايا قضايا كبرى في حياة الناس، فلا يتكلم إلا عن هذا، بل تجد أن بعضهم يذهب إلى أناس لا يصلون، فيأمرهم بتربية لحاهم وبتقصير ثيابهم وبخصال من السنة وهم لا يصلون، يقول ابن تيمية: إن الطبيب إذا اشتكى المريض من جسمه مرضين مختلفين داوى الأخطر. فالسرطان قبل الزكام، وهذا أمرٌ معلومٌ عند العقلاء.

الأمر الثاني: أن بعض الناس يقولون: هذه قشور.. اللحى قشور.. والثياب قشور.. والسواك قشور.. نريد اللباب. وهم القشور أنفسهم، فليس في الإسلام قشور بل كله لباب، ولكن تعطى المسألة حجمها والحمد لله: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [البقرة:269].

 حكم مصاحبة العاصي

السؤال: لي صديقٌ أحبه في الله، لكنه يفعل بعض المعاصي، وقد نصحته مراراً فيقول لي: إني لا أفعل المعاصي، فما قولك -يا شيخ- فيَّ وفيه، وما لنا من توجيهٍ منك؟

الجواب: أولاً أحبكم الله الذي أحببتمونا فيه، وأقول لكم كما قال ابن القيم رحمه الله:

أما والذي شق القلوب وأوجد الـ     ـمحبة فيها حيث لا تتصرم

وحملها جهد المحبة وإنه ليضعف     عن حمل القميص ويألم

لأنتم على بعد الديار وقربها     أحبتنا إن غبتمُ أو حضرتمُ

أما ما ذكر الأخ، فأنا لي معه ثلاث وقفات:

الوقفة الأولى: ما دام أن الله ثبته أو حفظه سبحانه وتعالى، فعليه ألا يعجب بنفسه، ولا ينظر إلى العاصي هذا بنظرة احتقار، فإن هذه متلفة ومهلكة لهذا الداعية ويخشى عليه، وعليه خطرٌ كبير، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام: {أن رجلاً من العباد من بني إسرائيل كان يمرٌ به فاسق فيقول: يا فلان! اتقِ الله - خف الله.. تُب إلى الله- قال: دعني وربي، أبعثت عليَّ رقيباً؟ فقال له مرةً ثانية: خف الله.. قال: دعني وربي، وفي الثالثة، قال: يا فلان! خف الله، قال: دعني وربي، قال: والله! لا يغفر الله لك، فقال سبحانه: من الذي يتألى عليَّ؟ -من الذي يحكم؟ من الذي يقبل ويرد؟ من الذي يعافي ويشافي؟ من الذي يتوب على من تاب؟ إنه الله، أتحلف وتغلق طريقاً فتحه الله وتقطع حبلاً أمده الله!!- من الذي يتألى عليّ؟ أشهدكم أني غفرت لهذا، وأحبطت عمل هذا} فليستأنف العمل!!

فلا ننظر إليهم بازدراء للمعاصي؛ لأننا لا ندري ماذا يختم لنا ولهم، ولا ندري هل قبلت أعمالنا أم لا، ولا ندري ما مطويات نياتهم، ولو أننا نحكم بما ظهر.

الوقفة الثانية: أن عليك أن تدعوه بينك وبينه، ولا تفضحه ولا تخدش حياءه أمام الناس، يقول الشافعي:

تعمدني بنصحك في انفرادٍ     وجنبني النصيحة في الجماعه

فإن النصح بين الناس نوعٌ     من التوبيخ لا أرضى استماعه

فإن خالفتني وعصيت أمري     فلا تجزع إذا لم تعط طاعه

فحاول ألا يشعر الناس أنك تنصحه، وحاول أن تهدي له النصح، في ثوبٍ من الستر.

الوقفة الثالثة: أنت ما بعثت عليه رقيباً، فلا تدخله بالقوة والجبروت والهرواة في الاستقامة: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية:22] إنما أنت منذر. ما عليك إلا البلاغ، فقدم له الهداية فإن قبلها فبها ونعمت، وإلا فالله المستعان! فالهادي هو الله: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص:56].

 ضرورة التعرف على صفات المنافقين

السؤال: نرجو من فضيلتكم تنبيه المسلمين للرجوع إلى الكتاب والسنة في التعرف على صفات المنافقين، الذين يمتطون مذاهب شتى، ويضللون الناس ليل نهار، حتى يفرق الناس بين الناصحين والخادعين؟

الجواب: العودة إلى الكتاب والسنة مطلب الجميع، وهي كلمة ثابتة، وهذه هي التي نتذاكر بها دائماً وهي تدخل في عموم قوله سبحانه تعالى: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131] فمن أعظم ركائز تقوى الله العودة إلى الكتاب والسنة.

ثانياً: لا بد للناس من صراع، ولابد للحق من أعداء، ولابد للناصحين من أنداد،وهذه سنة الله تعالى كما سلف، فلابد مع آدم من إبليس، ومع موسى من فرعون، ومع إبراهيم من نمرود، ومع محمد صلى الله عليه وسلم من أبي جهل، حتى يرث الله الأرض ومن عليها: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً [الفرقان:20] ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنْ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً [الفرقان:31].

 العلماء والأحداث

السؤال: أين هي كلمة العلماء -أهل الحل والعقد- وأين صوتهم في هذه المسألة وفي هذه الأزقة، لتعرف الأمة المخطئ من المصيب؟

الجواب: القضايا التي يشير إليها الأخ وقد فهمتها:

أولاً: نطالب علماءنا في البلاد؛ أن يقضوا بقضاءٍ يسألهم الله عليه يوم القيامة في هذه المسائل، أن يقولوا كلمتهم، فالأمة تتحرى ماذا يقول علماؤنا؟ فقد قالوا في مسائل أصغر منها، وقد قالوا في مسائل أبعد منها، فعليهم أن يقولوا كلمتهم، إما على هؤلاء أو هؤلاء؛ لأنهم أهل الذكر وأهل الحل والعقد: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43].

وهذا طلب باسمي وباسمكم أرفعه إلى كبار العلماء بأن يقولوا كلمتهم الصحيحة الواضحة في هذه المسألة: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران:187] وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:159-160].

ثالثاً: لابد في هذه المسائل، أن يكون أحد المتخاصمين والمتضادين مخطئاً، فإنه يستحيل أن يكون كلٌ منهم مصيباً؛ لأنه كلٌ يتكلم في طرف القضية، فلا بد أن نفهم من هو المخطئ؟ ومن هو المتجني على الأمة؟ ومن هو الذي يريد بالأمة محقاً وخسارة؟ ومن هو الذي يريد بالأمة مستقبلاً عقيماً؟ أو منهجاً ضالاً؟ لابد أن يكشف ويبين.

وهذا الذي عندي في هذا المسألة، مع العلم أني أسأل الله أن يرد ضال المسلمين، وأنا أعلم أنه ليس للدعاة مع غيرهم عداوات شخصية، فليس هناك جورٌ في قسمة ميراث بين الدعاة وبين غيرهم، وليس هناك ثروات ومناصب وممتلكات، ومتشاكسون فيما بينهم، لا. بل هذا من أجل لا إله إلا الله محمد رسول الله:

إن كان سركم ما قال حاسدنا     فما لجرحٍ إذا أرضاكم ألمُ

 معنى المائلات المميلات

السؤال: ورد في الحديث المائلات والمميلات، فالرجاء منكم الإيضاح من هن المائلات والمميلات، وما المقصود بهذا، هل هو المتشبه في ربطة الشعر أم غير ذلك؛ أفيدونا جزاكم الله خيراً؟

الجواب: هذا الحديث كما تعلمون في صحيح مسلم، وقد أخطأ ابن الجوزي رحمه الله خطأً بيناً، حيث أخذ هذا الحديث ووضعه في الموضوعات، ولامه أهل العلم، بل هو صحيح كالشمس، ولأهل العلم كلام في معنى المائلات المميلات، ولكن الذي يظهر والله أعلم أن من أقرب المعاني أن المائلات: النساء اللواتي يملن رءوسهن فتنةً ودلالاً وإغراءً لقلوب الرجال وإظهاراً للفتنة، ومميلات لغيرهن أو لقلوب الرجال، هذا الذي يظهر من المعاني، مميلات بأنفسهن مائلات لقلوب الناس إليهن، وهذا مصدر الفتنة، فإن أول الحديث يشرح آخره.

وهذا وجد في هذا العصر، فإنه وجد التشبه بالكافرات في صف النساء: تلفيف الشعر وتكويمه على الرأس كأنه أسنمة البخت. والإمالة في المشية، وهذا ما يسمى مشي الكعاب، ومشي التبختر، ومشي التبجح، ومشي العهر -والعياذ بالله- وإمالة قلوب الرجال، كل مفتونٍ وفاسق، وقد تم هذا وحدث وهو من علامات الساعة، وقد نظمها بعض أهل العلم في بعض المنظومات، وأما المعاني الأخرى، فيكفينا من هذا المشهور حتى يحفظ.

 أدعية في السجود، وقضايا الإيمان

السؤال: ما هو أفضل ما يدعو به الإنسان في السجود في منتصف الليل؟ وبعضنا يقول: والله، فهل هذا حلف أم لا؟ وفي بعض الحالات تحلف الأم على ابنها بقولها: والله العظيم، فهل هذا حلف يجب تنفيذه من الأم على ابنها، وتقول: أقسم بالله -مثلاً- فهل هذا من أنواع الحلف؟ وهل يجب فيه عند الحنث التكفير، أفيدونا أفادكم الله؟

الجواب: أما أفضل الدعوات التي يدعى بها الله في السجود وغيره، فهو ما علمنا به معلم الخير عليه الصلاة والسلام من الكلمات الجوامع التي كان يدعو بها ويترك ما سواها، ومن أعظمها وقد نص عليهاأنس في الحديث الصحيح: {كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو بهذا الدعاء كثيراً، ويعلمه أصحابه: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} والدعاء الذي في مسند أحمد من حديث العباس بن عبد المطلب أن الرسول عليه الصلاة والسلام علمه أن يقول: {اللهم إني أسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة} فالعفو والعافية من أحسن ما يسأل، ومثل ما صح عنه عليه الصلاة والسلام، أنه كان يقول في السجود: {اللهم يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك، ويا مصرف القلوب والأبصار! صرف قلبي إلى طاعتك} أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فهذه الدعوات من أجمل ما يكون وهي أربع جمل أو خمس، ويدعو الإنسان بما أعجبه إذا كان دعاء شرعياً لا إثم فيه ولا قطع رحم ولا تعدٍ وإساءة.

أما قول السائلة، أنها تقول: والله.. فإن كان قصدها القسم والمنع من شيء أو الحث عليه، فهذا يرجع إلى نيتها وعليها إذا لم تفعل ذلك الكفارة فقد حنثت، وأما إن كان قصدها لغو يمين، لا والله وبلى والله، في معرض كلامها وما قصدت شيئاً أن تحضره، ولا شيئاً أن تحرضه أو تمنعه فهذا كما فسرت عائشة اللغو وهو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، وهو لغو يمين وليس عليه كفارة.

وأما أقسم بالله فهو يمين، وكثير من العلماء يرى في هذه الجمل مثل: يعلم الله عز وجل أنه يمين، وأنه من أغلظ الإيمان، لأنه نسب علماً إلى الله عز وجل، وهو في نفسه مفترٍ على الله عز وجل لأنه تقول على الله عز وجل بما لا علم له، ثم إن هناك جملاً تجدونها منتشرة بين الناس، ولو أن كبار العلماء قد بينوا هذه المسائل، مثل: الطلاق، إذا قصد به اليمين، ولا يقصد به تطليق الزوجة فقد أفتى شيخ الإسلام وابن القيم، والشوكاني، وابن عبد البر وغيرهم كثير أن فيه كفارة مثل: الحرام الذي يمنع به أو يحنث به ففيه كفارة، إلى غير ذلك.

 حكم اقتناء التلفاز

السؤال: يوجد لدي تلفزيون ومحافظ عليه المحافظة التامة من أن يشاهد فيه تمثيليات أو يسمع فيه أغاني، إنما أسمع فيه الأخبار وبعض الأحيان يشاهد الأطفال أفلاماً كرتونية، فهل هذا حرام؟ وهل هذه الأفلام مضرة على الأطفال أم لا. أفدني جزاك الله خير الجزاء؟

الجواب: أولاً: أشكرك على محافظتك المحافظة الطيبة على هذا الجهاز، ونسأل الله أن يحفظك قائماً وقاعداً على جنبك.

الثاني: هذا الجهاز مركب من أدوات وحديد وخشب وأجهزة، ولا يحكم على هذه الأمور، إنما يحكم على ما يعرض فيه، ولكنه لما كثر ما فيه مما لا يحمد، ومما يسيء كالأغاني التي أفسدت: {فما أسكر كثيره فقليله حرام} والمسلسلات المهدمة، والتمثيليات الغير هادفة، وهذه مما جرب أنها تهدم الأخلاق والمعتقد وأنها تفسد البيوت وخيره قليل بل نادر، فأنا أنصحك بالابتعاد عنه من باب النصيحة؛ لأني أرى أنه مضيعة للوقت، إلا أن يوجه توجيهاً سليماً، ويكون فيه ندوات مفيدة، ومحاضرات قيمة، ويعرض فيه التوحيد الخالص الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم، والعلم النافع، وحلقات العلم، ويعرض فيه برامج تنفع الأمة في دينها ودنياها، فذاك الوقت فيه كلام إن شاء الله، لكن هذا ما تبرأ به الذمة.

 مشكلة القسوة في القلوب وحكم ركوب المرأة مع السائق

السؤال: أنا أشكو من قسوةٍ في قلبي فبماذا تنصحني؟

وما حكم الركوب مع السائق في داخل المدينة، ومعنا طفلٌ لما يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، أفيدونا وجزاكم الله خير؟

الجواب: أما دواء القسوة، فقد ذكر في كتبٍ كثيرة، ومن أحسن من ذكرها صاحب مدارج السالكين رحمه الله، فمما يعالج به من قسوة القلب: الاستغفار والتوبة من الخطايا التي تقسي القلب، والإقلال من المباحات، وزيارة القبور، وتذكر الموت، والجلوس مع الصالحين، وتدبر كتاب الله عز وجل، وكثرة الذكر من تهليلٍ وتكبيرٍ وتحميد، والصيام، فإنه يخلي المعدة ويخلي القلب للتفكر، فهو من أحسن ما يكون، ثم توفيق أرحم الراحمين، والجلوس في السحر في الثلث الأخير لمسائلة الله عز وجل، في وقت الإجابة، فعسى الله عز وجل، أن يلين قلوبنا وقلوبكم لذكره.

أما ما ذكرت من مسألة الركوب مع السائق، فإذا كان معها طفل لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، فإن كان فوق العاشرة وهو عاقل مميز، فأرى أنه أصبح محرماً ولها أن تركب مع وجود مثل هذا؛ لأن في الخامسة عشرة ونحوه ليس بطفل، بل قد أصبح فتىً وشاباً، ومثله محرم والحمد لله، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، وفي البخاري: {ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما} وهنا ما حصلت الخلوة والحمد لله.

 قضية مهمة في الولاء والبراء

السؤال: أيها الشيخ الحبيب إلى القلوب! أنا من إحدى الدول العربية المقيمين هنا، ونحن نحب الشعب السعودي، ونحب هذا البلد -بلد التوحيد- ولكن نتعرض للغمز واللمز والإساءة -أحياناً- من بعض الناس، وذلك لمواقف دولنا السياسية، فيا حبذا لو كلمةً توجيهية لإخواننا هؤلاء؟

الجواب: أيها الإخوة الكرام: هذه مسألة خطيرة، ويجب التنبيه عليها، ويجب بيانها للناس؛ لأنه وقع كثيرٌ من الناس في ذنوبٍ عظيمة بسبب بعض تصرفاتهم الغير مسئولة، ماذا يربطنا بالناس؟ ما هي علاقتنا بهم؟ ما هي الأواصر التي جمعتنا بالشعوب؟ هي لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

أتى محمدٌ عليه الصلاة والسلام ونحن شذر مذر، شعوباً وقبائل، فجمع صهيباً الرومي إلى سلمان الفارسي إلى بلال الحبشي إلى أبي بكر القرشي، فجعلهم تحت مظلة لا إله إلا الله، من الذي أتى بـسلمان من أرض فارس، ولسان حاله يقول: {سلمان منَّا آل البيت} وترك أبا جهل وأبا لهب يدخلون النار؟

إذاً فالقرابة لا تقرب، والبعد لا يبعد إذا اقتربت القلوب من لا إله إلا الله: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:62-63].

أولاً: الذي يجمعنا بهذه الشعوب هي العقيدة الإسلامية، فمن حملها وأجاد حملها، فهو أخونا وحبيبنا ولا ننظر إلى أيّ مواقفٍ أخرى، فإن علاقتنا بهم هي علاقة هذا الدين، نكرمهم ونحييهم ونستقبلهم ونقوم معهم، وإن انصرفوا عن منهج الله وعن هذه العقيدة انصرفنا عنهم وهجرناهم وأبغضناهم، فموقفنا مع الإسلام أينما دار الإسلام درنا.

ثانياً: المسيء يقال له: أسأت، والمحسن يقال له: أحسنت، ولا يعمم على الناس، وإن من أعظم الفرية أن تحمل القبيلة ذنب شاعر أو ذنب قائل، فيحمل الناس أخطاء بعض الناس: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الإسراء:15] في الناس صالحون وفي الناس طالحون، فالصالح نحييه ونقول: أحسنت، والطالح نبغضه ونقول: أسأت.

ثالثاً: ليس بيننا حدود جغرافية ولا أقاليم:

وأينما ذكر اسم الله في بلـدٍ     عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني

وهذه هي مملكة محمد عليه الصلاة والسلام، كان المسلم ينادي الله أكبر في بغداد، فيجيبهم من كابل وطنجة، وقرطبة، والسند، وصنعاء، والرياض، ومكة، فالمملكة مملكة محمد عليه الصلاة والسلام، كتب على علمها لا إله إلا الله، ووثيقتها: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].

فلا دماء، ولا أعراف، ولا لغات، ولا ألوان، وإنما هذا هو الدين:

إن كِيْد مطِّرف الإخاء فإننا      نغدو ونسري في إخاء تالدِ

أو يختلف ماءُ الغمام فماؤنا     عذبٌ تحدر من غمامٍ واحدِ

أو يفترق نسبٌ يؤلف بيننا     دينٌ أقمناه مقام الوالدِ

وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:103].

ونسأل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن يكتب النصر لأوليائه وأن يرفع كلمته وأن يُؤيد دينه.

وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

نسخة نصية للطباعة , واجب الأمة بعد زوال الغمة للشيخ : ( عائض القرني )

إحصاءات الموقع
عدد مرات الاستماع
2698090149
عدد مرات الحفظ
682399312

المركز الأول في فئة المحتوى الإلكتروني - مسقط 2009