إسلام ويب

صفة العالم والمتعلمللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • صفات أخذت من ثلاثة أحاديث بينت صفات العالم وكيف، ومتى، وماذا يفعل؟

    فالمعلم فطن ذكي حليم رحيم رشيد، والمعلم عابد زاهد تقي، وهناك علوم يجب أن يتعلمها، فإذا أردت معرفتها فافتح هذه المادة واقرأ، وكن عالماً أو متعلماً ولا تكن الثالث فتهلك.

    1.   

    حكم تعلم العلوم العلمية والنفسية

    الحمد لله نحمده ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أمَّا بَعْـد:

    ونسأل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى الذي جمعنا في أشرف مكان في الدنيا أن يجمعنا في أشرف مكان في الآخرة، وأن يجمعنا بهذه الوجوه الطيبة الغالية في دار الكرامة، قال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:54-55] وقبل أن نبدأ في درس هذه الليلة أحب أن أشير إلى بعض النقاط التي لابد من الإشارة إليها.

    ورد في الدرس الماضي التعرف على بعض العلوم، ومقام المسلم من بعض العلوم التي لم تكن عند السلف كعلم التاريخ، والجغرافيا، والطب والتربية، والنفس، ويقول عمر رضي الله عنه وأرضاه لما كتب لـأبي موسى وهو في العراق قاضٍ: [[فراجع الحق، ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس أن تعود عنه في اليوم، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، والحق قديم]].

    وبعد مشاورة ونصيحة وتوجيه من بعض دعاة الإسلام والأحباب والأخيار قبلتها على العين وعلى الرأس، ورجعت إلى تدارس بعض النصوص، فوجدت أن الحق جانب بعض الكلام الذي في الدرس الماضي، فالحق أن المسلم يؤجر على كل علم يتعلمه يريد به وجه الله، ويريد به أن ينصر هذا الدين، ويريد به أن يعلي كلمة الله تبارك وتعالى، سواء كان تربية، أو علم نفس، أو علم جغرافيا، أو تاريخاً، أو طباً، أو هندسة.

    والنظرية التي تقول: " إن المسلمين ليسوا بحاجة إلى تربية " نظرية خاطئة، فإن التربية فرضت نفسها، ولا يمكن أن نقول: إنه لا يوجد عندنا تربية، كيف وتربيتنا في القرآن والسنة، بل نقابلهم بعلم من عندنا.

    ولذلك يقول ابن تيمية في مجال العلوم التي توجد عند المسلمين: فمن جاءنا بعلم جئنا له من كتابنا وسنتنا بعلم يكافئ ذاك العلم.

    ثم اعلموا أن علم النفس يؤخذ كذلك من القرآن، قال تعالى: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:7-8] ويترك هذا لأهل التخصص.

    كلكم على ثغرة من ثغور الإسلام

    وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلف زيد بن ثابت أن يتعلم لغة اليهود، فتعلمها في خمسة عشر يوماً فأتقنها، وترجم للرسول ما يمكن أن يكيدوا به هذا الدين.

    والمقصود: أن بعض الناس وهو من أهل الصلاح يتعلم هذه العلوم، فتأخذ وقته، فهو مأجور ومشكور من الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وهو عابد لله عز وجل، وأعلم وتعلمون من يمضي الساعات الطويلة في الليل والنهار في علم الكيمياء والأحياء، فهو عابد بلا شك، وهو مأجور على هذا الصنيع الضخم.

    وكلكم على ثغرة من ثغور الإسلام، فالله الله لا يؤتى الإسلام من قبلك، فأسأل الله تعالى لمن يخصص جهده في هذه العلوم، ويبذل وقته وعرقه، وكل ما يملك لنصرة هذا الدين أن يرفع الله رأسه يوم القيامة، ويبيض وجهه، ويعلي حظه.

    واعلموا بارك الله فيكم أننا بحاجة إلى هذه العلوم والآداب، ولا يخفى عليكم أن الساحة رمتنا بكل كبير وصغير، وبكل تالد وطريف، فالأدب والشعر الذي في الساحة ليته كان شعراً ومقامات وحسب، كنا سكتنا، لكنه يحمل الفكر الإلحادي ويبثه في مجتمعاتنا، ونحن لا نجيد للناس إلا حدثنا وأخبرنا، وأما هذا الأدب فإنا لا نجيده، ولذلك فإنهم سوف يأخذون علينا الساحة كما يفعلون الآن، ويدمرون علينا الأفكار، ويستغلون علينا الأجيال، ويطردوننا في الأخير، فجزى الله خيراً من جعل وقته لهذا الجانب، وهو مأجور ومشكور، بل هو الرأي الصحيح من كلام أهل العلم وقبل ذلك من نصوص الكتاب والسنة، فشكراً لمن أهدى لي هذه النصيحة، وبصرني لهذا الأمر.

    وأنا قلت لكم: إننا ما اجتمعنا في هذا المكان إلا لتبادل الآراء ولأخذ الرأي الصائب؛ لأن فيكم من هو أعلم من المتكلم وأفضل، وأتقى وأخشى لله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، ولا يمنع ذلك فإن الصحابة كان يجلس الشاب منهم ويتكلم وعمر يستمع.

    فأقول لكم: من عنده نصيحة، أو توجيهات أو اقتراحات فأنا أقبلها على العين والرأس، وأدعو له، ولقد دعوت والله لمن نصحني بظهر الغيب.

    المرأة والتعلم

    والقضية الثانية أن المرأة مظلومة في بعض النواحي، ومن هضم المرأة أن تترك بعيدة عن ندوات الخير، وعن مجالس العلم، وحلقات الذكر لأنها شريكة الرجل، وهي معه، ولذلك ذكرها الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في الكتاب، وذكرها صلى الله عليه وسلم، بل ثبت في الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم خصص يوم الإثنين من كل أسبوع للنساء، ليجلس معهن صلى الله عليه وسلم، وقد اقترح علي بعض الإخوة، وكان معنا مسجد بجانب هذا المسجد للنساء قالوا: هذا بعيد، وفيه بعض الارتباك، فنرى آخر المسجد لمن أراد أن يأتي بأهله ليستمعوا الذكر، ولو كانوا لن يستفيدوا إلا الرحمة والأجر والمثوبة لكفى، نسأل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن ينفع وأن يتقبل.

    والمقصود أن مجيئكم إلى هذا المكان، وحضوركم لأي درس يعقد يعتبر نصرة لهذا الدين ولو أنكم أعلم وأفقه وأفهم، لكنكم تؤيدون دعوة الله عز وجل، وتؤيدون طريق الاستقامة وهذه الصحوة التي يعيشها شباب الإسلام.

    وعلى العكس من ذلك فإن أهل النفاق لا يريدون هذا؛ بل يريدون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، ولذلك يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:19] يعلم من هو المخلص، ومن هو المجتهد ومن يريد النصرة لله ولكتابه ولرسوله وللمسلمين أجمعين.

    1.   

    حديث: (متى الساعة)

    لا نزال نعيش مع هذا السفر العظيم الذي هو كما يقول ابن تيمية: ما أعلم تحت أديم السماء أفضل، ولا أفيد، ولا أنفع من صحيح البخاري بعد كتاب الله لمن عقل ما فيه، وتدبر معانيه.

    ويكفي أن نجتمع فقط، وأن نعيش هذه اللحظات مع المصطفى صلى الله عليه وسلم، فإن ذكره لا يمل عند من يريد الله والدار الآخرة.

    والحديث الذي معنا -وهو الحديث الأول في هذه الجلسة- هو:

    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم، جاءه أعرابي فقال له: متى الساعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال، فكره ما قال، وقال بعضهم بل لم يسمع حتى إذا قضى حديثه، قال: أين أراه السائل عن الساعة؟ قال: هأنذا يا رسول الله، قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة).

    لا يهمنا أن نعرف اسم هذا الأعرابي ونسبه وإلى أي قبيلة؛ فليس وراء ذلك طائل، والمهم أن نعرف العبر من هذا الحديث.

    مجمل الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم جلس في مجلسه يحدث الناس، يشرح لهم أصول العقيدة، ويفيض عليهم مما أفاضه الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى عليه، فلما جلس صلى الله عليه وسلم وأصبح في وسط حديثه يندفع، وإذا بأعرابي جاء متأخراً يقطع على رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث، كما يقول المثل: " أحشفاً وسوء كيلة " أي: أنه أتى في آخر الجلسة ففاته العلم، مثل الطالب يبقى خارج الفصل يدور في الممرات ويتمشى ويفطر ويتغدى، ثم يأتي في آخر لحظة فيدخل ويطرق الباب، فيقطع الدرس على الأستاذ، ثم يأتي يجلس ولا يدري ماذا شرح على السبورة وماذا قال الأستاذ؟

    وأين وقف؟

    وماذا رد عليه الطلبة؟

    فيرفع إصبعه ويقول: عندي سؤال، من أين يسأل في هذه القضايا؟!!

    وكيف يسأل؟!!

    وهل يحق له أن يسأل أم لا؟!!

    وهذا الحديث تربوي، وسوف تعلمون ماذا يقول أهل العلم في هذا الحديث، وما استنبطوا فيه من قضايا تفيد العالم والمتعلم، والمفيد والمستفيد:

    صفة العالم والمتعلم

    أول قضية نستفيد منها في الحديث صفة العالم مع المتعلم: فالعالم له صفات:

    أولها: أن يخلص بعلمه وعمله لوجه الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، لا يريد رياء ولا سمعة؛ لأنه إذا لم يخلص فسوف يذهب عمله هباءً منثوراً.

    ثانيها: أن يتحبب إلى طلابه، فإن سلطان الحب سلطان قوي، ولا يمكن أن يسيطر على القلوب إلا بالحب، فلا يستخدم العنف ما استطاع للحب سبيلاً.

    ثالثها: ألا يهدر أعظم المصالح، كأن يكون في مثل هذه الجلسة نفر كثير يكلمهم ويردون عليه، ثم يأتي إنسان متأخر ويسأل سؤالاً، ومن أين له أن يسأل سؤالاً وقد قطع الفائدة عن الجميع؟! فالرسول صلى الله عليه وسلم لما كان يعلم الصحابة وفيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، والأخيار، والشهداء، ورؤساء الناس يأتي هذا الأعرابي متأخراً فيقطع عليه الحديث، هل من الحكمة أن ينصرف صلى الله عليه وسلم ويقول له: ماذا تريد؟ وجواب سؤالك كيت وكيت، ويترك هؤلاء الذين معه من الصباح؟! فمن الحكمة: تقديم أهل الفضل في فضلهم ومعرفة أهل المنازل في منازلهم، ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم كما رواه أبو داود وعلقه مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: قال صلى الله عليه وسلم: {أنزلوا الناس منازلهم} فمن إنزال الناس منازلهم أن تعرف لأهل الحق حقهم.

    والقضية الثانية التي تستفيدها من هذا الحديث وقد تعرضنا لها:

    تقديم أعظم المصالح: فلا يحق لك أن تترك النفر الكبير من أجل شخص واحد، وليس هذا الشخص مستفيداً معك، لكنه أتى متأخراً فحمل بعض النقص فتعطيه بنقصه.

    حكم تكلم الإمام مع المأموم

    المسألة الثالثة التي أخذها أهل العلم: قطع الخطبة، هل يحق للإمام إذا كان يخطب الناس ويتكلم إذا دخل عليه داخل وقاطعه الحديث هل له أن يقطع خطبته؟ والمسألة فيها تفصيل:

    إن كان السؤال وجيهاً وفي غير خطبة الجمعة فله أن يقطع الخطبة كهذا الدرس، كمن يسأله من يأتي من البادية يتعلم العقيدة أو يقول: أنا مسافر ذاهب ومستعجل، أريد أن تعلمني الصلاة الآن، وسوف أسافر الآن، فله أن يقطع الدرس؛ لأن التعليم هذا نافلة، وتعليم الجاهل فريضة، وفي صحيح مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم علم معاوية بن الحكم وغيره وقطع الحديث صلى الله عليه وسلم.

    ولذلك يقول عمرو بن عبسة: {أتيت الرسول صلى الله عليه وسلم فوجدته يتحدث للناس على كرسي من حديد، فقلت: يا رسول الله! رجل يسأل عن دينه، فما دينه؟ فتبسم صلى الله عليه وسلم وترك الناس ونزل من على كرسيه، وأتى إلى قربي وعلمني} هل هناك أخلاق بعد هذه الأخلاق سيد البشر صلى الله عليه وسلم؟ ينزل ويترك كرسيه ومكانه أمام الجموع، ويأتي إلى السائل ويجلس بجانبه.

    ولذلك إن كان السؤال خطيراً ومهماً في غير خطبة الجمعة فقد قال الإمام أحمد: أرى أن يقطع كلامه ويجيب السائل.

    لأن بعض الناس إن لم تجبه سافر وترك الجواب، فهو ليس حريصاً على الجواب، حتى ولو كانت القضية أكبر من أي قضية، وبعضهم يتذمر حتى من الشيخ ويقول: إما أن تجيب على سؤالي وإلا سأذهب وأسافر الآن، فلذلك من المصلحة أن يتلطف ويخبره.

    وأما في خطبة الجمعة فقال أهل العلم: للإمام أن يتكلم وللمأموم أن يتكلم معه لكن لا يقاطعه كأن يأتي الإمام بحديث ويقول: رواه الترمذي، فيأتي المأموم ويقول: لا. أصله في الحاكم، ورواه ابن ماجة بسند جيد، ورد عليه الألباني، وقال الشيخ عبد العزيز بن باز كذا وكذا، فهذا يؤدب، إنما الأصل أن يرد عليه بقضية هامة أو أن لها علاقة بالناس، وسوف آتي بالأحاديث أو الأدلة، ثم أنتم بفهمكم تأخذون الدلالة في ذلك.

    فقضية تكلم الإمام مع المأموم دليله ما جاء: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما دخل سليك الغطفاني المسجد، فجلس فقال صلى الله عليه وسلم وهو يخطب: {أصليت؟ قال: لا يا رسول الله، قال: قم فصلِّ ركعتين خفيفتين وأوجز} أي: خفف.

    لأن من الحاجة تعليم السنة في هذا المكان، وهي من الواجب أن يقولها الخطيب؛ لأنه لو تركها صلى الله عليه وسلم لربما نسيها هو، وربما الناس جميعاً، ولربما ظن من في المسجد أن هذا إقرار على فعله فيأخذونها فتصبح في أدمغتهم وهي خطأ.

    ومنها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يتخطى الرقاب وهو يخطب الجمعة، فقال للرجل: {اجلس فقد آذيت} فهذا منكر يتمثل في أن هذا الرجل يتخطى رقاب الناس، ويتعدى الصفوف فقال: {اجلس فقد آذيت} فأجلسه صلى الله عليه وسلم.

    المقصود: أن للإمام أن يتكلم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي القضايا التي تهم الناس ويمكن أن يفهمها الناس خطأ.

    وللمأموم أيضاً أن يتكلم في حالات كما في حديث أنس في الصحيح: {أن أعرابياً دخل وقال: يا رسول الله! جاع العيال، وضاع المال، وتقطعت السبل فادع الله أن يغيثنا}.

    ومنها: أن عمر رضي الله عنه تكلم للناس وهو يخطب الجمعة وقد كسا الصحابة ثوباً وكان يكسو الناس ويوزع عليهم الهدايا والثياب، حتى يقال في السيرة أنه إذا وزع الدقيق على الأسر وعلى البيوت أخذ الأواني كلها فجعل آنيته وصحنه في آخر الصحون، ويوزع الدقيق رضي الله عنه وأرضاه ويوزع الزيت في الصحن، فيترك صحنه إلى الأخير، ثم يقول: خذ يا أسلم أوصل هذا إلى أهل عمر، فأتت زوجه عاتكة بنت زيد فأخذت كل ما وصل إليها من دقيق وأبقت منه شيئاُ قليلاً حتى جمعت عندها دقيقاً، وأرسلت جارية من جواري الجيران حتى لا يعلم عمر أنهم أبقوا دقيقاً وقالت للجارية: اذهبي إلى أمير المؤمنين عمر في بيت المال واشتري منه حلوى -الحلوى كانت قطعاً طويلة كالسكر تباع وهي أحسن شيء للحامل- فذهبت هذه الجارية، وكان عمر ذا فراسة رضي الله عنه، حتى يقال: كأنه ينظر إلى الغيب من ستر رقيق، ويقول ابن عمر في صحيح البخاري: [[كنا نتكلم أن السكينة تنطق على لسان عمر]] حتى يأتي الولاة يحاسبهم فينسون بعض الحساب ويرتبكون لأنه وراءهم رضي الله عنه بالدرة.

    لذلك يقول عمرو بن العاص: لما حسبت ميزانية مصر وقدمت بها إلى عمر وقد حسبتها في الطريق فوجدتها قد نقصت ما يقارب عشرة آلاف درهم -ومن يمنعه من عمر رضي الله عنه لا بد أن يخرجها من البر أو البحر - قال: فتحيلت ماذا أفعل، فقلت: ليس معي إلا أن أتركها حتى يشتغل بالولاة، إذا جلس يحاسب ولاة الأقاليم أدخل أنا في الربكة معهم حتى يحاسبني عجولاً ثم أخرج، فأتى دور معاوية، فلما انتصف الحساب مع معاوية رضي الله عنه وأرضاه، دخل عمرو بن العاص وقال: يا أمير المؤمنين! عندي سفر وأريد أن تحاسبني الآن، قال: اصبر، أو لا تستعجل، فقال: يا أمير المؤمنين! لا صبر لي، وهذا ثابت في سيرتهم رضي الله عنهم، قال معاوية: إن هذا نكد يا أمير المؤمنين! يقطع علي حديثي، قال: أنت النكد فتقاتلا بين يدي عمر رضي الله عنه، فقال عمر: أعطني المال الذي عندك واصرف عنا وجهك، يقول لـعمرو بن العاص وأثبت ذلك أهل السير وهم بشر، لكن الدهاء قد ينفع في بعض المواقف، فأخذ عمر رضي الله عنه المال، فقال عمرو بن العاص: ووالله ما أظن أنني قدرت على عمر إلا في تلك المرة، ولا يفهم من ذلك أن الصحابة يتحيلون على بعض، أو يخادعون الله ورسوله والمؤمنين، لا والله، لكن قد ترتبك بعض حسابات البشر، أو ينسون، أو يغفلون، وعمر لا يعرف الارتباك، ولا يعرف الغفلة.

    ولذلك أتت الجارية إلى عمر وقالت: أعطنا حلوى من بيت المال، قال: من أين هذا الدقيق؟ قالت: من عند أهلي، وأخذ بأذنها رضي الله عنه وفركها -فرك أذنها- فقال: الصدق! قالت: عاتكة امرأتك هي التي أرسلتني بالدقيق، قال: هيه! أطفال المسلمين يموتون جوعاً، وعاتكة تدخر، والله لا تذوق حلوى، ووالله لا يعود لها الدقيق، فذهبت:

    لقد ذهب الحمار بأم عمرو      فلا رجعت ولارجع الحمار

    ولذلك يقول حافظ إبراهيم:

    لما اشتهت زوجه الحلوى فقال لها     من أين لي ثمن الحلوى فأشريها

    قل للملوك تنحوا عن مناصبكم     فقد أتى آخذ الدنيا ومعطيها

    قد كنت أعدى أعاديها فصرت لها     بفضل ربك حصناً من أعاديها

    الذكي يعرف سؤاله

    الفائدة الرابعة: حسن السؤال، أن يكون الإنسان عاقلاً في السؤال، فإذا كان المدرس في التاريخ فلا ينبغي أن يسأله في التربية، أو يشرح في الحديث في صحيح البخاري فلا ينبغي أن يسأله في الجغرافيا، ولذلك بعض الأسئلة تدل على سفه أصحابها، وإنما يعرف الأذكياء من الناس بحسن السؤال، والأعرابي دل عليه سؤاله، فقال أهل العلم: لقد كان عاقلاً حين قال هذا السؤال خلافاً لما فعله أعرابي آخر وهو رجل قالوا له: إن الرسول صلى الله عليه وسلم يحدث الناس في المسجد قال: سوف أعلم أهو يعلم الغيب أم لا، فذهب وأخذ ناقته وخرج بها من المدينة وذهب وربطها في وادٍ في ضواحي المدينة ثم عاد وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث الناس فقطعه وسط الخطبة وقال: {يا رسول الله! أين ناقتي؟ -وهل الرسول صلى الله عليه وسلم مسئول عنه وعن ناقته؟! وهل يعلم الغيب؟!- فغضب صلى الله عليه وسلم حتى اشتد غضبه فقال عمر: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً، فسكت هذا الأعرابي}.

    ولذلك يقولون: نص السؤال نصف العلم، ويقول ابن عباس رضي الله عنهما: [[رضي الله عن أصحاب محمد ما كان أتقاهم لله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى -أو أخشاهم لله- ما سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم إلا في مسائل]] يسألونك عن الخمر، يسألونك عن الأهلة، يسألونك عن المحيض، وهي مسائل معدودة في كتاب الله عز وجل.

    ومن حسن السؤال أن يعرض السؤال موجزاً على العالم، وأن يتوخى به وقتاً مناسباً، لا يترك الإنسان وهو في درسه ثم يعرض السؤال عليه، وهو مغضب، أو قلق، أو يكلم أحداً من الناس، أو وهو نائم يأتي إليه ويطرق بابه وسط الليل -الساعة الثانية من الليل- ويقول: كيف أمسح على الخفين؟! فلذلك أيضاً ينبغي تحري أوقات عرضها على العالم.

    الاهتمام بالأسئلة

    الفائدة الخامسة التي تستفاد من الحديث: الاهتمام بالأسئلة؛ فإنه قد لا تفهم القضية من عرضها على الناس، وإنما تفهم بالسؤال، ولذلك ضيع الرسول صلى الله عليه وسلم السائل، واستمر في خطبته، وأعرض عنه، فانقسم الصحابة قسمين:

    قسم قالوا: سمع ما قال فكره ما قال، لأنك تعرف من لمحات الشخص، ومن حركاته وسكناته أنه سمع أو لم يسمع.

    وقسم قالوا: لا، بل لم يسمع، ولو سمع لأجاب، فلما انتهى صلى الله عليه وسلم قال: {أين أراه السائل عن الساعة؟} أين أراه: أي ليخرج نفسه، ويرى سؤاله ويعيد ما قال، فسأل فأعطاه صلى الله عليه وسلم العلامة، قال: متى الساعة يا رسول الله؟

    قال: {إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة} وهذا جواب الحكيم عند أهل البلاغة؛ وجواب الحكيم أن يسألك بسؤال فتجيبه بجواب آخر لا يريده لكن فيه نفعه، الصحابي هذا البدوي يريد أمراً عجباً، يريد أن يخبره الرسول صلى الله عليه وسلم متى تقوم الساعة؟

    لكن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره بشيء أنفع له وكأنه يقول: أنت لا يهمك هذا، سل عما يهمك، ثم رده إلى الأمانة، وكأنه يقول: عليك بالأمانة، ومن أعظمها أمانة الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وهي العقيدة التي في القلوب، قال تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا [الأحزاب:72] يقول أهل العلم: الأمانة ليس هي أن يستودعك إنسان خمسين ريالاً فتكون عليها أميناً وأنت في الوقت نفسه لا تصلي، بل إن أعظم الأمانة الصلوات الخمس في جماعة، قبلها حفظ الله عز وجل في كل وقت، فهي الأمانة العظمى.

    وقد ورد في القرآن شبيه بذلك فقد سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الهلال قالوا: يا محمد! كيف يبدو الهلال ضئيلاً ثم يكبر ثم يصغر؟ وهل هذا سؤال يستحق العرض؟! وما الفائدة منه؟ يقولون: كيف يبدأ كبيراً ثم يصغر؟ فأنزل الله قوله: يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ [البقرة:189] والجواب: قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة:189] لماذا لم تسألوا عن فائدة الأهلة، وعن منافعها؟ وسؤالهم مثل أنفسهم.

    فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: {إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة}.

    وضياع الأمانة كما قال أهل العلم: من علامات الساعة المتحققة في الناس أن تضيع الأمانة، قال الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي رحمه الله رحمة واسعة:

    وإن من علامة القيامة     إضاعة الأمة للأمانة

    والأمانة تضيع، عندما يذكر الأمناء في الناس يدل على ندرتهم، فيقال: في مدينة كذا في حي كذا رجل أمين، يعني: أن الآخرين بمفهوم المخالفة ليسوا أمناء، ولذلك فهذا مدح بما يشبه الذم، كأن تقول: في الفصل الفلاني أو المدرسة الفلانية رأيت خمسة منهم يصلون، يعني: أن البقية بمفهوم المخالفة مذمومون بكونهم لا يصلون، ولذلك يقول حذيفة في الصحيح: [[ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلماً رده علي الإسلام وإن كان نصرانياً رده علي ساعيه -رده عليه أي: السمسار الذي يبيع ويشتري- أما الآن فوالله ما كنت أبايع إلا فلاناً وفلاناً]] أي أنه ينتقي من الناس فلاناً وفلاناً؛ فضياع الأمانة من أكثر علامات قيام الساعة كما علم في هذا الحديث.

    1.   

    وقفات مع حديث: (إن من الشجر شجرة)

    الحديث الثالث نقدمه على الحديث الثاني لبعض الحكم:

    لأنه أشد ارتباطاً في مجال العلم، ثم نعود إلى الحديث الثاني إن شاء الله.

    عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المؤمن، فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله بن عمر: ووقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: هي النخلة) رواه البخاري وعقد على هذا باب عرض الإمام المسألة ليختبر ذكاءهم.

    وعرض المعلم على الناس الأسئلة هو المطلوب، ولذلك يقولون: يختلف ذكاء وفهم المتعلم من الطالب وغيره على حسب فهمه للسؤال، ويذكر صاحب كليلة ودمنة إن كان صادقاً وأورده بعض أهل العلم عندما نقلوا أن علياً لما ذكروا له قتل عثمان رضي الله عنه، قال: [[أكلت يوم أكل الثور الأبيض]] فإن عثمان رضي الله عنه لما قتل علم أنه سوف يقتل هو بعده وفعلاً فعل ذلك، فذكر صاحب كليلة ودمنة حادثة الثور الأبيض والثور الأسود أنهما كانا شريكين، يأكلان من ضاحية، ويشربون من غدير، فأتى الأسد إليهما، فلما رأيا الأسد اجتمعا عليه فنطحوه فولى، فأتى إلى الثعلب الداهية وقال له: هنا في الوادي ثوران لم أستطع أن آكلهما، لأنهما ينطحاني إذا اجتمعا علي، قال: أرى أن تمني أحدهم حتى يباعد الآخر، وتثير بينهم العداوة فتأكل الأول، ثم تأكل الثاني، فأتى إلى الأسود فقال: أنت رفيقي وشقيقي وأخي وكذا، فدعنا نأكل هذا الذي أكل عليك المرعى، وشرب عليك الماء، قال: كله لا رده الله، فأتى الأسد فأكل الأبيض فلما انتهى أتى إلى الأسود فأكله.

    فأورد الذهبي في سير أعلام النبلاء وابن كثير - أن علياً لما مات عثمان قال: [[أكلت يوم أكل الثور الأبيض]] يعني ما دام عثمان قتل رضي الله عنه، فمن يواجه هؤلاء المبتدعة، ولذلك يذكر صاحب كتاب كليلة ودمنة في باب اختلاف الناس في فهم السؤال، يقول: أتى الأسد فعرض فكاهة على الحيوانات، فضحك كل من حضر من الحيوانات في الحال إلا الحمار، فلما جاءوا في اليوم الثاني إذا به يضحك، قالوا: مالك يا أبا صابر؟! قال: ما فهمت الفكاهة إلا اليوم، فهو قد فكر أربعاً وعشرين ساعة، وفي اليوم الثاني فهم الفكاهة، فكل واحد يضحك على قدر فهمه.

    فالمقصود من الحديث أن من فطنة العالم وذكائه أن يعرض السؤال ليرى أفهام الناس، والرسول صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في سؤال النخلة.

    وقصة النخلة: أنه صلى الله عليه وسلم أتي بجمار، وهو قلب النخلة، وهو شيء أبيض يؤكل، وهو كالقماش الأبيض، فأتي به صلى الله عليه وسلم، والناس جلوس، لكن ابن عمر لمح هذا الجمار الذي وضع عند الرسول صلى الله عليه وسلم، وبقية الصحابة لم يلمحوا هذا الجمار ولم يروه أو أنهم رأوه لكنهم لم ينتهوا، فلما جلسوا وسكتوا، ومضى شيء من الوقت؛ لأن من الحكمة أن تباعد السؤال عن القرائن، أما الأستاذ الذي يأخذ الطبشورة بيده، ويقول: ما هو الشيء الأبيض الذي إذا كتبت به على السبورة كتب؟

    سوف يعرفون أنها الطبشورة، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم أخذ هذا الجمار ووضعه في الأرض عليه أفضل الصلاة والسلام، فلما سكت الناس واستمر الحديث التفت إليهم وقال: إن من الشجر شجرة مثلها مثل المسلم حدثوني ما هي- ابن عمر كان صغيراً، والصحابة فيهم أبو بكر عمر وعثمان وعلي كبار قادة الإسلام وفاتحو الدنيا، والذين بنوا العدالة في المعمورة، فقال صلى الله عليه وسلم: (إن من الشجر شجرة مثلها مثل المسلم حدثوني ما هي؟ قال ابن عمر: فوقع الناس في شجر البوادي) بعضهم يقول: الطرفاء، وبعضهم يقول: السمر، وبعضهم يقول: السلم، وبعضهم يقول: الأثل، وبعضهم يقول: الخمط، قال ابن عمر: (ووقع في نفسي أنها النخلة) قال الحفاظ: فهم من الجمار الذي أتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنها النخلة، قال ابن عمر: (فاستحييت أن أتكلم) لأنه بين يدي أبي بكر وعمر وعثمان وعلي؛ لا يستطيع أن يقول: هي النخلة فيقول صلى الله عليه وسلم: نعم، بارك الله فيك، لكن من العلم الذي علمهم صلى الله عليه وسلم ومن الأدب الذي أدبهم أن يتأدبوا مع الكبير، ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: (كبر كبر).

    وسبب هذا الحديث أنه أتى عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة لما قتل أخوهم في خيبر فأتوا يتكلمون فقام الصغير فتكلم، قال صلى الله عليه وسلم: (كبر كبر) فتكلم محيصة قبله، فهو من أدبهم ألا يتكلم إلا الكبير.

    فقال ابن عمر: (فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت) فسكت الناس أي: أنهم عجزوا عن الجواب، فقالوا: (حدثنا ما هي يا رسول الله، قال: هي النخلة) عليه الصلاة والسلام.

    يؤخذ من هذا الحديث فضل النخلة، ونحن لا نقول: فضل النخلة قضية تكليفية نتعبد بها، لكن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى وصف الكلمة الطيبة بالنخلة، وورد حديث عند البزار بسند جيد: ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم قرأ في حديث أنس: مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ [إبراهيم:24] قال: أتدرون ما هي؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: هي النخلة).

    أوجه الشبه بين المسلم والنخلة

    ووجه الشبه بين المسلم والنخلة أمور قالها أهل العلم:

    1/ ثبات الأصل: فالنخلة ثابتة الأصل والمسلم ثابت الأصل، تعاليمه سماوية، لا يأخذ تعاليمه من البشر، ولا من أفكارهم ولا من خرافاتهم فهو ثابت في الأرض؛ لأن مبدأه ثابت وعميق في الأرض، يعتمد على (لا إله إلا الله) ويعتمد على قرآن من الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وعلى سنة من المعصوم صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، والنخلة ليس على وجه الأرض مثلها فالحنظلة -مثلاً- لو مرت شاة وأكلت منها اقتطعتها واقتطعت عروقها، أما النخلة فإنها تقاوم الإعصار، فهي مثل المسلم بثبات الأصل، هذا وجه شبه بين المسلم والنخلة.

    2/ كثرة المنافع: يقول أهل العلم: يؤخذ من طلع النخلة بسر وبلح ورطب وتمر ودبس، ويؤخذ منه نبيذ، ثم عدد ما شئت، هذا من التمر قالوا: ويؤخذ من سعفها الحصير، ويؤخذ منه مكاتل وبسط وفرش، وتستخدم جذوعها في السقف، والمؤمن كذلك منافعه أكثر من أن تحصى، إذا أردته في مجلس ذكر أعانك على الذكر، وإذا أردته في الجهاد وهب نفسه للجهاد، وإذا أردته أن يشارك في مسألة أعطاك ما يمكن أن يشاركك به، وإن كان عنده مال واحتجت له، شارك بماله، وإن كان عنده وقت وبقي له وقت شارك بوقته، يزورك إذا مرضت، ويشمتك إذا عطست، ويشيعك إذا مت، فهو دائماً معك، فمنافعه أعظم من منافع النخلة، لكن وجه الشبه كثرة المنافع بين الجانبين.

    3/ ارتفاع القامة وعلو الهمة، فالنخلة هامتها مثل هامة المسلم، أما ترى النخلة قوية مرتفعة، ولذلك إذا هب الإعصار فإنه لا يأتي إلا على أعالي الشجر، فالمسلم همته عالية، دائماً يفكر في معالي الأمور، ويفكر دائماً في الجنة، وفيما يقربه إلى الله، وهمته مثل علو النخلة، ولذلك أنزل الله تعالى: وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ [ق:10] قال بعض الأعراب: صليت المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعته يقرأ: وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ [ق:10] فوالله ما علمت ولا أدري ما قرأ بعدها، ولأنني وقفت عندها، ولذلك يقول الزمخشري في التفسير: وإنها لآية عجيبة حقاً، انظر لاختيار الكلمات: النخل باسقات، لم يقل طويلات، جمع باسقة والباسقة الطويلة، قالوا: ومع طولها امتداد قامتها؛ لأن بعض الناس طويل لكنه منحنٍ مكسور الظهر،فمن ارتفاع همة المسلم أنه مثل النخلة في ارتفاع الهمة، فلا يفكر إلا في معالي الأمور.

    ولذلك يقال: سل الإنسان فيم يفكر؟ سوف تعلم أي همة يهتم بها، من اهتم بأمر المسلمين أو بإصلاح بيته فهمته من أعلى الهمم، ومن اهتم بغير ذلك فهمته توصله إلى ذلك، يقول ابن القيم في مدارج السالكين: إن الله ينظر إلى همم الناس وإلى نياتهم ولا ينظر إلى صورهم سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ولا إلى هياكلهم ولا إلى أموالهم، فالهمة هي العظيمة؛ ولذلك يقول ابن الجوزي في صيد الخاطر: والله لقد رأيت أناساً في المعمورة، فتعجبت من سقط هممهم، ويظنون أنهم بلغوا الثريا بالهمم، سمعت قول المتنبي في الهمم:

    ولكل جسم في النحول بلية      وبلاء جسمي من تصاعد همتي

    يقول: كل جسم مريض أما مرض جسمي فهو من تعالي همتي، ماذا فعل؟! كان يمدح كل سلطان في كل مكان ويريد الإمارة، ثم مات بلا إمارة ولا دين ولا شيء، كفقير اليهود لا دين ولا دنيا.

    فيقول ابن الجوزي: فعدت إلى نفسي فوجدت همتي والحمد لله، لأنه يتحدث عن نفسه كثيراً فهي من أعلى الهمم، أريد أن أحقق العبادة، أن أنفع الناس، وأصلح أهلي، وأترك ورثة يعبدون ويذكرون الله، فهمة المسلم أعظم همة.

    4/ ومن أوجه الشبه بين المسلم وبين النخلة: دوام الاخضرار، يقولون: إن النخلة دائماً لا يسقط لها ورقة في الشتاء، ولذلك المؤمن على كلمة واحدة، يقول الحسن البصري رحمه الله: [[تلقاه العام بعد العام وهو على كلمة واحدة، وعلى نية واحدة وعلى عمل واحد أما المنافق فيتلون]] أي: إذا رأى المصلحة معك فهو معك، وإذا رأى أنك لم تقدم له شيئاً فإنه ليس معك، إن أركبته في السيارة ذكرك وأحبك، يوم أن غديته أحبك لكنه حبٌ وقتي للطوارئ، أما المؤمن فهو معك دائماً.

    ولذلك يقولون: دوام اخضرار المؤمن في عمله الصالح، فهو على كلمة واحدة، هل هناك مؤمن في الشتاء يزيد إيمانه وفي الصيف ينقص، وزيادة الإيمان مطلوبة، لكن في الشتاء تلقاه بوجه، وفي الصيف تلقاه بوجه، فالمؤمن واحد في الليل والنهار، وكذلك النخلة لا تسقط ورقها في الشتاء، فهي دائمة الخضرة، وهذا من أوجه الشبه.

    5/ ومن أجه الشبه ومن اللطائف التي يقولها الغزالي في الإحياء وهي لطيفة مثل الزهرة تشم ولا تعك (لأن الزهرة تشمها بأنفك، أما أن تأخذها بيديك تعكها وتعصرها فليست بعصير).

    يقول: وجه الشبه بين المؤمن وبين النخلة أن المؤمن إذا آذيته رد عليك كلاماً طيباً، والنخلة إذا رجمتها ردت عليك رطباً، وهذا شيء جميل.

    وقفات مع السلف في حسن أخلاقهم

    ورأيت في ترجمة عيسى عليه السلام في بعض الكتب أنه كلمه رجل فأبذى عليه ذاك الرجل -سبه وشتمه- فقال: سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص:55].

    فقال الحواريون لعيسى: يا نبي الله! كيف يتكلم عليك وترد هذا الرد، قال: كل ينفق مما عنده، ثم يقول: إن مثلي ومثلكم يا أيها الحواريون، كالنخلة إذا رجمت بالحجارة أنزلت على من رجمها رطباً.

    وقد تفنن الشعراء في ذلك والله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أرسى هذا المبدأ في كتابه حيث قال: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً [الفرقان:63] قال أبو عبيد القاسم والأصمعي: سلاماً في القرآن بمعنى سلامة لكن أتت بألف الإطلاق بدل الهاء؛ أي أنهم إذا خاطبهم الجاهلون، وتكلموا عليهم قالوا: سلاماً، أي: أبشروا بالسلامة، لا يأتيكم منا أذى، ولذلك إذا أجبت الشرير بالشر زاد عليك، فبدل أن تكون لطافة وكلاماً سهلاً يردون عليك بالمشاعيل نسأل الله السلامة من المشاعيل!

    والمقصود أن حسن الجانب واللين يطفئ ثائرة الضغينة، ويقولون: ما رأينا أقتل للشرير من السكوت.

    إذا نطق السفيه فلا تجبه      فخير من إجابته السكوت

    جاء رجل إلى أبي بكر فقال: والله لأسبنك سباً يدخل معك في قبرك، قال أبو بكر: [[والله لا يدخل معي وإنما يدخل معك أنت في قبرك]].

    وجاء رجل إلى عامر الشعبي -وسوف يمر معنا في أذكياء الناس في الأسئلة- أتاه وهو يفتي الناس -وأورد ذلك الذهبي وغيره- فقال: يا أبا فلان يقصد الشعبي وهو عالم من علماء المسلمين: ما اسم زوجة إبليس؟ انظروا إلى هذا السؤال الخطير، فرفع الشعبي رأسه، وكان لا يتلعثم وكانت فيه دعابة، قال: لم أحضر الزواج كان عندي شغل يوم وليمتهم، لأنه ما دعي، وما وجهت له دعوة ولو وجهت له دعوة، فهو مشغول.

    الشاهد أن الشعبي رحمه الله وقف رجل فسبه أمام الناس، فقال الشعبي: إن كنت صادقاً فغفر الله لي، وإن كنت كذاباً فغفر الله لك.

    هل وراء هذا السؤال شيء أعجب من هذا الجواب؟ ماذا يقول بعدها؟ سوف ينعصر ذاك خجلاً ويموت كمداً، ثم يأخذ حذاءه ويقول: السلام عليكم.

    ولذلك أفضل ما يمكن أن تقتل به السفيه أن تسكت مهما تكلم ومهما قال، أن تسكت وتقول سلاماً، وتبتسم.

    ويذكر في ترجمة عمر بن عبد العزيز -وذكرها صاحب البداية والنهاية - أنه ذهب ليقوم الليل في مسجد بني أمية، وكان خليفة فذهب، فأخذ حذاءه بيسراه ودخل المسجد، وإذا برجل نائم في المسجد فوطئه برجله في الظلام، فقام النائم فزعاً فقال: من هذا الحمار الذي وطئني؟ وهذا موجود في ترجمته، قال عمر بن عبد العزيز: أنا عمر بن عبد العزيز، ولست بحمار والحمد لله، فذهب ذاك الرجل يولول ويتأسف ويخبر الناس، فقالوا: من الخلفاء الراشدين رضي الله عنه وأرضاه.

    فالشاهد من هذا هو أهمية الرد الجميل وكذلك اختلاف الناس في الفهم، والله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى جعل أفهام الناس بالتفاوت حتى يقولون: بين الناس تفاوت كما بين السماء والأرض، ولا تظنوا أن فضل الناس عند الله على حسب الذكاء، وأن الذي يحفظ جدول الضرب عن ظهر قلب هو أفضل من الذين لم يحفظوا جدول الضرب، لا فإن هذه وسائل دنيوية قد يستخدمها الإنسان في طاعة الله، وقد يستخدمها في المعصية، لكن الميزة عند الله هي التقوى.

    ولذلك الذين اكتشفوا القنبلة الذرية هم من أذكياء الناس بلا شك ولو كانوا كفاراً، ولا تقولوا: الكفار ليسوا بأذكياء بل منهم الأذكياء، لكن الواحد منهم أنجس من الكلب والخنزير، فذكاؤهم لا ينفعهم عند الله؛ لأنه لم يرفعهم عند الله ولم يستخدموه فيما يقربهم منه سبحانه وتعالى.

    قصص تدل على ذكاء المسلمين

    وهنا سوف أذكر ذكاء أهل الإسلام، فمن أذكى الناس علي رضي الله عنه ولقد كانت جواباته من أذكى جوابات الناس، حتى جمع بعض أهل العلم فصولاً في جواباته، مثل ابن عبد البر جمع له جوابات: سأله سائل كم بين العرش والأرض يا أمير المؤمنين هل علي رضي الله عنه قاس المسافة؟ هل عرفها بالأميال والكيلو مترات؟ لا. بل قال علي رضي الله عنه: [[دعوة مستجابة]] بين الأرض وبين العرش دعوة مستجابة.

    ولذلك يقول ابن أبي الحديدابن أبي الحديد متهم، عنده ملعقتين من التشيع في التاريخ، ولذلك يتهم في ذاك الجانب -لكنه يقول: بهت علي الناس بذكائه وفطنته رضي الله عنه وأرضاه، ولذلك أتى سبعة أناس شاركوا في قتل رجل عند علي، وقد قال صلى الله عليه وسلم: {أقضاكم علي} شارك السبعة في قتل رجل، فقال علي: عليَّ بالسبعة جميعاً، فأتوا فأدخلهم في صيوان عنده رضي الله عنه وأرضاه، فقال لجنوده: أمسكوا كل رجل عند سارية من السواري، فأخذوا كل رجل وجعلوه عند سارية، فأتى إلى الأول فقال: أنت قتلته؟، قال: لا والله ما قتلته، قال علي: الحمد لله الله أكبر، فتوهم الستة أن هذا اعترف، فقالوا: فضحنا، فأتي بالثاني، فقال: ماذا فعلت؟ قال: قتلته، أتوا بالثالث، قال: قتلته وشاركت في قتله، فاعترف الستة، فلما انتهى رضي الله عنه قال للأول وقد جحد: إما أن تعترف وإما والله لأقتلنك فإنهم قد شهدوا عليك، فاعترف.

    يقول صلى الله عليه وسلم: {أقضاكم علي.

    ومن الأذكياء عند الناس شريح ولذلك يقول الناس: ما سمعنا في قضاة المسلمين أذكى من شريح رضي الله عنه، فـشريح القاضي من أذكياء الناس، دخل عليه رجل وامرأتان، فكانت المرأتان متحجبتين فتكلمت إحداهما، ثم تكلمت الثانية، ثم تكلم الرجل، فقال: قوما عني، فجمع مستشاريه والجلاس معه، قال: أما امرأة منهم فهي ثيب، وأما الثانية فإنها بكر، وأما هذا الرجل فإنه رضع من كلبة، وذكر ابن كثير أنهن ثلاث نسوة، وأما الثالثة فإن صوتها ضعيف وإنها حامل بولد، قالوا: كيف عرفت؟ قال: أما الثيب فهي جريئة تتكلم وتنظر في وجوه الرجال، وأما البكر فإنها خجولة تنكس رأسها، وأما هذه الحامل فإني أسمع زفيرها وعلمت أنها حامل بولد، وأما هذا الرجل: فإنه اضطرب وأصابته قشعريرة حتى انتفض شيء من وجهه فعلمت أنه رضع من لبن كلبة، فسألوهم فوجدوا هذه ثيباً، وهذه بكراً، وهذه حاملاً وأتت بولد، وقالوا للرجل: نسألك بالله هل رضعت من لبن كلبة؟ قال: ماتت أمي وأنا صغير ونحن في البادية وقد ماتت الأغنام من القحط ومن الجدب، فما وجدوا إلا كلبة تدر فأرضعوني منها مرة واحدة.

    ومن القضايا التي تؤخذ من حديث النخلة: تقديم الأكابر أهل الصلاح، ولا يقتضي تقديم الأكابر أن تقدم الكبير ولو كان خواجة، لا، بل تقدمه إذا كان مسلماً يقوم بالفرائض ويؤدي ما افترض الله عز وجل، ويحترم حدوده، أما الفاسق فلا تقدمه ولو كان عمره ثلاثمائة سنة، بل تؤخره مثلما أخره الله.

    ولا يقتضي التقديم دائماً أن نقدم الكبار دائماً، بل نقدم أهل الفضل من الكبار وغيرهم.

    وعمر بن عبد العزيز اجتمع بالناس، وقام غلام من أهل الشام أو من أهل العراق فتكلم بين يديه، فقال عمر: اجلس ففي المسلمين من هو أولى في هذا الموقف منك، قال: يا أمير المؤمنين، لو كان الأمر بالسن لكان في المسلمين من هو أولى منك بالخلافة، فتبسم عمر رضي الله عنه وقال:

    تعلم فليس المرء يولد عالماً     وليس أخو علم كمن هو جاهل

    فدعا له رضي الله عنه وأرضاه وقدمه من أجل ذلك.

    ويقول ابن عباس في الصحيح: كان عمر يقدمني -كما في صحيح البخاري - مع أشياخ بدر يستشيرني معهم، فقال الصحابة الكبار: إن لنا أبناء مثل هذا فكيف يقدمه ويترك أبناءنا، فلما علم عمر أنهم وجدوا في أنفسهم دعاني ودعاهم، فعلمت أنه ما دعاني إلا ليريهم فضلي، فقال لهم بعد أن استمعوا: ماذا تقولون في قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً [النصر:1-3] فسكتوا إلا بعضهم تكلم، قالوا: إن الله يأمر رسوله إذا فتح الله عليه ونصره أن يكثر من الاستغفار والتسبيح، قال: أعندكم جواب غير هذا؟

    قالوا: لا، قال: وأنت يـابن عباس؟ قال: هذا أجل الرسول صلى الله عليه وسلم نعي إليه، أخبره الله بأجله، فتبسم عمر، وقال: والله ما أعلم منها إلا ما تعلم منها أنت، فأقر له الصحابة بالعلم والفضل، وقدمه عمر بذلك رضي الله عنه، فتقديم الأكابر أمر مطلوب إذا كان فيهم صلاح، وما زال المسلمون في خير ما احترموا كبيرهم ورحموا صغيرهم.

    القضية الخامسة: طرح الأسئلة على المتعلمين.

    أخذت من هذا الحديث وقد أسلفت الكلام عنها، ولكن ليعلم أن من أحسن الأسئلة ما دار حول الدرس المشروح، أو ما دار حول القضية المطروحة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لما طرح عنده الجمار، سأل الصحابة في ذلك وقد تعزب على المعلم أن يمهل الناس، أو يمهل الطلبة، له أن يعطيهم يوماً فيتفكرون ويتدبرون في ذلك.

    وقالوا: إن الهيبة الشديدة ترهب الطلبة، أو تربك المتعلمين، فإذا كان العالم دائماً مهاباً لا يقتربون منه، حتى ورد في كتب الحديث وأورده الذهبي في سير أعلام النبلاء قال: كان من المعلمين محدث كبير وكان مهاباً، ولا يستطيع الناس أن يعطسوا في مجلسه، إذا أردت أن تعطس عنده فعليك أن تأخذ حذاءك وتخرج لتعطس خارج المسجد ثم تعود، قالوا: وإذا سمع قرقعة الأوراق غضب، وطرح الكتاب، وخرج ودخل بيته.

    فأتى رجل فكظم أنفاسه أراد أن يعطس، فما استطاع أن يكتم أنفاسه فعطس، وقال: تكفي مرة ولكنها لم تكفه، عطس مرة ثانية، وأتبعها بثالثة، لما احمر وجه العالم وغضب، فالتفت هذا التلميذ وقال: أو نحن جلوس عند رب العالمين؟!

    فيقول الذهبي: إن من الحكمة أن يتلطف المعلم مع تلاميذه حتى لا يجدوا حرجاً في سؤاله وفي استشارته وفي عرض مشاكلهم عليه، لأنه إذا كان مهاباً جداً خافوا منه، حتى إذا ذهب الإنسان منهم يريد أن يسأله صلى ركعتين، وقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، وقرأ المعوذتين ثم سأله، وربما يجيبه أو لا يجيبه، وأكثر الأحيان بعض الناس يجعل الله فيهم جبلات وفطر، بعضهم لا يتحمل السؤال أبداً.

    ولذلك يقولون: الأعمش كان لا يُسأل رحمه الله هو جائع حتى يتغدى، ولا يسأل وهو غاضب حتى يرضى، ولا يسأل وهو واقف حتى يجلس، حتى سأله رجل في الطريق من الحاكة الذين يحيكون الثياب، سأله رجل منهم، فقال: يا أبا محمد! هل تجوز الصلاة وراء الحائك؟ وهذا سؤال مستفهم مسكين يظن أنه عندما يكون في هذه الصنعة لا يجوز إمامته.

    قال: نعم تجوز بلا وضوء.

    قال: وهل تجوز شهادتنا؟

    قال: نعم، تجوز مع شاهدي عدل.

    القضية السادسة التي في الحديث:

    أن على الداعية أن يضرب الأمثال للناس، فإن الله عز وجل ضرب القصص والأمثال للناس وطرحها ليتفكروا ويتدبروا: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ [إبراهيم:24] (مثلاً ما بعوضة) وضرب الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بالذباب مثلاً، وضرب الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بالعنكبوت وبالبعوضة مثلاً، فللمسلم أو الداعية أو العالم أن يضرب الأمثال للناس حتى يستفيدوا من ذلك.

    1.   

    حديث: (ويل للأعقاب من النار)

    أما الحديث الثالث: وفيه قضايا، وهو من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -الزاهد العابد- قال: (تخلف عنا النبي صلى الله عليه وسلم في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة أي: أدركتنا وتغلبت علينا وتضايق الوقت ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى صلى الله عليه وسلم بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار، مرتين أو ثلاثاً).

    استحباب رفع الصوت بالعلم

    بوب البخاري رحمه الله لهذا الحديث (باب من رفع صوته بالعلم) وأخذ من هذا الحديث ملاحقة النبي صلى الله عليه وسلم بالتربية والتعليم لأصحابه في كل شأن، كبير وصغير، ويقول العباس بن عبد المطلب عم الرسول صلى الله عليه وسلم: [[والله، والله، والله ما رجل معه قطيعة من الغنم يحدب عليها ويهش عليها من الشجر، ويظلها من الشمس ويكفها من المطر بأحرص من محمد صلى الله عليه وسلم على أمته]].

    قيل لـسلمان: علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء؟ قال: {والله ما ترك لنا من شيء حتى ما من طائر يطير بجناحيه إلا أعطى منه خبراً}.

    كان عليه الصلاة والسلام يعلم الناس، ولذلك يقول ابن تيمية رحمه الله: لا بد للمسلم أن يولد في الإسلام ولادتين، مرة يوم أتت به أمه، ومرة يولد في هذه الشريعة، ثم يقول رحمه الله: وأرض لم تشرق عليها شمس الرسالة أرض ملعونة، وقلب لم يشرق عليه هذا الدين قلب مغضوب عليه، ويقول في قراءة أبي "وأزواجه أمهاتهم"، قال: قرأ أبي: وهو أب لهم.

    كان يعلم الناس مثلما يعلم الأب أبناءه، بل والذي نفسي بيده لهو أحرص على تعليم الناس من الأب على تعليم أبنائه، يأتي إلى الناس فيعلمهم قضاء الحاجة هل هناك معلم في البشر، أو زعيم من الزعماء، أو عظيم من العظماء وقف أمام أمته وأخبرهم كيف يقضون الحاجة، هذا عليه الصلاة والسلام علمهم كيف يقضون الحاجة، بل يقول أهل العلم: فيها أكثر من عشرة أحاديث صحيحة -وأيضاً- وما يقارب العشرة فيها ضعف، علمهم ألا يستقبلوا القبلة، ولا يستدبروها، علمهم كيف يجلس الإنسان، وماذا يقول إذا دخل الخلاء، وماذا يقول إذا خرج، ومتى يرفع ثوبه، وكيف يقضي حاجته، وهل يذكر الله، وهل يرد على الذي يسلم عليه، وأن يرتاد مكاناً رخواً، ثم علمهم شعيرة السواك، فأتى بالأحاديث وهي ما يقارب الثمانية كلها صحيحة، فهل هناك معلم وراء هذا التعليم؟!!

    ولذلك والله ما مات حتى ما ترك خيراً إلا دلنا عليه، وما ترك شراً إلا حذرنا منه، فعليه أفضل الصلاة والسلام، كل مسلم في عنقه يد بيضاء للرسول صلى الله عليه وسلم، وكل داعية يقوم أو عالم يتكلم أو طالب علم يريد أن يفهم مسألة أو مؤذن يؤذن في منارة أو إمام يؤم الناس فهو إصبع من يد محمد صلى الله عليه وسلم وهو ورقة من دوحته المنيفة:

    المصلحون أصابع جمعت يداً      هي أنت بل أنت اليد البيضاء

    فعليه أفضل الصلاة والسلام.

    وبعد فترة إن شاء الله سوف نعايش في مسائل وأحكام قضايا المرأة، قضايا الحيض والنفاس، فهو يعلم المرأة ويفهمها عليه أفضل الصلاة والسلام ويفقهها في الدين بروية وتمهل في كل مسألة تخصها جليلاً كان أو حقيراً، كبيراً كان أو صغيراً.

    الاستعداد للعبادات قبل دخول وقتها

    يقول ابن عمرو {تخلف عنا النبي صلى الله عليه وسلم} ومن هديه صلى الله عليه وسلم في السفر أنه كان يتخلف عن الناس، يأتي في آخرهم فيزجي الضعيف، ويدعو له، ويحمل ما ترك الناس من متاع على جمله ذلك.

    كان عليه الصلاة والسلام أحن من الأب على أبنائه -كما أسلفت- أتى في آخر الجيش، والناس قد تقدموا عليه صلى الله عليه وسلم، فأدركهم، وهو يقول: أرهقتنا الصلاة أي: عاجلنا وقت الصلاة، فأخذ الصحابة يتوضئون وضوء المستعجل، والمستعجل إذا قام يتوضأ مثل الذي يستعجل في الصلاة يترك أشياء، حتى يدخل مع الإمام في الركعة الأولى ولكيلا يضيع الوقت في المسجد فيأتي يتوضأ فلا تنفتح له الجبة، فيحاول أن يرفعه هكذا وهكذا، فيغسل ما وصل إليه ثم يخرج ساعته ويضعها في جيبه وسواكه في الجيب الآخر وأقلامه في الجيب الثالث، فيدخل المسجد كالمجنون -نسأل الله العافية- هذا حال المتخلف يترك الحذاء بين الواحدة وبين الأخرى ثلاثة أمتار ويأتي سعياً فلا يدري يدخل في اليمين أو في اليسار أو يسحب واحداً أم لا، ثم يقف وإذا كبر أخذ يخرج الساعة وينظم هندامه، ولذلك يقال: إن الإرهاق في العبادة ليس بمطلوب.

    قال ابن القيم في مدارج السالكين: من الأدب الاستعداد للعبادة.

    إذا علمت أنه سوف يؤذن للظهر فلتتوضأ وتتجهز لصلاة الظهر وهكذا بقية الصلوات، فتعرف أنه فجر، أما أن يجلس الإنسان في بيته وعنده أضيافه وسماره، فإذا أتى وقت صلاة العشاء -مثلاً- يقول: سبحان الله! صلاة الآن، إذا أنت مسلم تصلي فنعم صلاة الآن، وأورد ابن الجوزي صاحب صفة الصفوة قال: بلغ من حرص السلف على التهيؤ للعبادة أن النجار منهم في العبادة مثل أعبد عبادنا الآن وأزهد زهادنا، كان النجار عنده مطرقة ينجر بها، فإذا سمع الله أكبر لم يستطع أن يردها بعد أن يرفعها، بل يسقطها وراء ظهره.

    وتقول عائشة في صحيح مسلم لما سألها الأسود بن يزيد النخعي كيف يقوم صلى الله عليه وسلم إذا سمع الصارخ؟ قالت: {كان يثب وثباً} قال: وعلمتم ماذا تريد من كلمة يثب وثباً، أي أنه: من حرصه صلى الله عليه وسلم على الصلاة يثب، وهي ليست بصلاة الفجر لكنها صلاة الليل وما قالت: يقوم قياماً، ولا يقف وقوفاً، ولكن يثب كالأسد وثباً صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله وصف المنافقين بقوله: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى [النساء:142].

    تقول عائشة رضي الله عنها وأرضاها: {كان صلى الله عليه وسلم معنا في مهنة أهله} يقطع معهم اللحم، ويخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويحلب شاته: {فإذا سمع الله أكبر قام من بيننا كأننا لا نعرفه ولا يعرفنا}.

    أجل هذا هو الإسلام، بهذه الحرارة، وهذا التوقد، وهذه الحركة، وهذا التقدم إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ [المدثر:37] هل الإسلام حفظ محاضرات ومعلومات؟ أو أن يجعل الذهن سلة مهملات ثم إذا أتى داعي الله فإذا الإنسان كتلة هامدة ميتة لا حراك فيها، لا، ليس هذا المطلوب.

    إذاً يؤخذ من هذا الحديث أنه لابد من الاستعداد للعبادة قبل دخولها، فهو من الأدب معه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، أما الصحابة في هذا الحديث فإنهم يعذرون لأنهم في سفر رضي الله عنهم وأرضاهم.

    قال: {أدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أرهقتنا الصلاة -أي أرهقنا وقتها، وضايقنا وقت الصلاة، حتى دخل علينا- ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا} والمسح هنا: هو الغسل، ليس المسح المعروف أن تمسح؛ لأنه ما ذكر الخف هنا، فالمسح معناه الغسل، وفهمه الشيعة أنه المسح.. وما أدراك ما فهم الشيعة!! هم أجهل خلق الله! لا يفهمون شيئاً حتى يقول ابن تيمية: هم أجهل الناس بالمنقولات، وأضل الناس بالمعقولات، ويقول الشعبي: قاتل الله الرافضة، لو كانوا من الحيوانات كانوا حمراً -كانوا حميراً- ولو كانوا من الطيور كانوا رخماً -يعني أنهم ليس عندهم عقول، نعم عندهم عقول ويأكلون ويشربون لكن النصوص فسروها ولووا أعناقها، وأبطلوها بسبب نحلتهم التي انتحلوها في الدين، فيقولون: معنى نمسح أي: نمسح بأيدينا، فهم الآن يمسحون، ويرون المسح لكن العجيب أنهم لا يرون المسح على الخفين، المسح على الخفين الذي ثبت بأحاديث لا يقبلونه والمسح على الأرجل مباشرة يقبلونه، انظروا إلى هذا الفقه الأعوج.

    ولكن ما هو الرد عليهم؟ وهل هم صادقون؟

    ظاهر الحديث أن المسح على الأرجل وارد، لكن يستدل بقوله أهل العلم: {فنادى بأعلى صوته ويل للأعقاب من النار} فلو أنه كان مسحاً لظاهر القدمين لما قال صلى الله عليه وسلم: {ويل للأعقاب من النار} لأن العقب في آخر القدم، فأقبل صلى الله عليه وسلم يقول: ويل لأعقابكم إن لم تغسلوها بالماء، فتأكدوا من غسل أعقابكم، فلو كان يكتفى بالمسح، لسكت صلى الله عليه وسلم لأنهم مسحوا، لكن ليس هذا هو المسح، المسح كما يقول ابن حزم والشوكاني وغيرهما من أهل العلم، يطلق على الغسل، ويطلق على المسح المعروف، لكن كيف نعرف الغسل من المسح المعروف؟ نعرف ذلك بسياق الحديث وبالقرائن، فقال صلى الله عليه وسلم: {ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثاً}.

    في هذه المسألة رفع الصوت بالعلم، وعقد له البخاري (باب: من رفع صوته بالعلم) ويقول جابر في صحيح مسلم: {كان صلى الله عليه وسلم إذا خطبنا رفع صوته واشتد غضبه، واحمرت عيناه حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم} وذلك حتى تصل إلى القلوب، أما أن يميت الإنسان القضية كأنه يأتي بقضية جهادية ثم يتحدث بضعف فإنه يميت الخطبة ولو كان وراءها إخلاص، إذ لا بد للإخلاص من قوة في الأداء وقوة في التأثير، ولا بد له من وسائل فالإخلاص بلا وسائل ضعف، يقول بعضهم: يكفيني إخلاص! وليس عنده علم ولا تأثير، وهذا لا يكفي، ووسائل بلا إخلاص معناه الدمار والفشل نسأل الله العافية.

    ولقد رأت عائشة شباباً يمشون متماوتين، فقالت: [[من هؤلاء؟ قالوا: عُبَّاد، قالت: كان عمر رضي الله عنه أنسك لله وأخشى لله منهم، وكان إذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع، وإذا مشى أسرع]].

    فالمطلوب أن يرفع الإنسان صوته على قدر الحاجة، إذا كان في غضب ووقت تأنيب في الفصل، أو في أهله، أو في مجتمعه ورأى ما يخل بالأدب، أو ما يخالف الشريعة فله أن يرفع صوته ليكون هذا لهم تأديباً، كأن يأتي الأستاذ فيرى الطلبة صلوا جميعاً الظهر إلا أحدهم لم يصل هل يقول: ما لك -بارك الله فيك وفتح الله عليك- لم تصل معنا؟!

    هل يلقي عليه محاضرة؟! لا، هذا لا بد له من تعزير، برفع صوت وتشهير، حتى يعرف الناس أنه ارتكب جريمة، لأنه إذا هدأ المسألة وتركها فسوف يقول الطلبة: يمكن أن الشيخ وجد في بعض المسائل أنه يجوز ترك صلاة الظهر، فيترك بعضهم لهذا الأمر، فالمسألة بحسب المقام، يقول أهل العلم: رفع صلى الله عليه وسلم صوته هنا لاقتضاء المقام أن يرفع صوته لوجود المخالفة في مسائل التكليف.

    والمسألة الثانية: التكرار، والتكرار يفهم به العلم لذلك يقول أهل الأندلس:

    كرر العلم يا كريم المحيا      وتدبره فالتدبر أحلى

    وأنصح نفسي ومن يريد أن يذاكر مسألة أو باباً من أبواب العلم أن يكرره، ولا يمل منه، وليست المسألة كثرة كتب، بل يكفيك خمسة كتب، أو ستة كتب وتكررها حياتك، وتستقي منها علمك، أما أن يجمع الإنسان مكتبة كثيرة الكتب ويقول: سوف أمر بها وأفهمها، فمن أين سوف يفهم؟! قد يأخذ من كل بحر قطرة! لكنه لا يحوي عليها؛ فالتكرار أحسن طرق العلم.

    يقول الذهبي في ترجمة أبي إسحاق الشيرازي -هذا العالم الكبير والزاهد لله عز وجل- في سير أعلام النبلاء لما ذكر سيرته قال: كان عنده ثوب واحد وعمامة ماملك بيتاً ولا ادخر مالاً، ولم يكن عنده من الدنيا شيء، فقال الذهبي: فهذا والله هو الزهد، نحل جسمه من كثرة العبادة، يقول: كنت أكرر الدرس قبل أن أشرحه لطلابي مائة مرة -يقول: هذا وهو عالم الدنيا- كنت لا أشرح الدرس لطلابي حتى أكرره مائة مرة، يعني يلخص الدرس ثم يكرره فيفهمه، ويقول الذهبي عنه كذلك: كنت أكرر كل قياس من أقيسة المنطق ألف مرة.

    وفي سير أعلام النبلاء للذهبي في المجلد التاسع عشر في ترجمة القرطبي الجد، قال: كررت والحمد لله صحيح البخاري سبعمائة مرة، فالذي يرى أنه سوف يقرأ بلوغ المرام مرة أو مرتين وسوف يفهمه، لن يفهمه بهذا؛ لكن يفهمه بعد أن يقرأه عشر مرات أو خمس عشرة مرة، أو عشرين مرة ليفهم قضاياه؛ لأن هذا العلم عبادة، والتكرار عبادة، وإذا أجهدت نفسك في مرضاة الله فهي عبادة، هذه هي قضية التكرار وما أتى فيها، فكان صلى الله عليه وسلم إذا سلم سلم ثلاثاً بحسب المجلس، أو بحسب بركة ما يقوله صلى الله عليه وسلم أو لأمور أخرى.

    يدخل المجلس ويقول: السلام عليكم ورحمة الله، فإذا مضى قليلاً، قال: السلام عليكم ورحمة الله، فإذا انتهى إلى المجلس قال: السلام عليكم ورحمة الله، وكان يكرر اسم الشخص إذا أراد أن ينبهه على أمر عقدي، أو أمر تكليفي ينبهه ثلاثاً يقول: يا معاذ! قال: لبيك وسعديك يا رسول الله، فيسكت صلى الله عليه وسلم، فيقول: يا معاذ! فيقول: لبيك وسعديك يا رسول الله، فيقول: يا معاذ! قال: لبيك وسعديك يا رسول الله، فأصبح معاذ متهيئاً، وكل ذرة فيه جاهزة لما يلقى عليها، أما أن تأتي إلى الطالب أو إلى المتعلم وتقول: يا فلان وهو مستعجل وهو يشتري شيئاً أو يبيع أو يتكلم في شيء، فتقول: إن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يقول كذا وكذا، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول كذا وكذا، فإنه لن يفهم ما قلته فعليك بالتكرار لأنه مطلوب.

    ومن القضايا التي يستفاد من الحديث -وقد سبقت معنا- شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى نبياً عن أمته.

    ونسأل الله تبارك وتعالى الذي بيده مفاتيح القلوب أن يفتح علينا وعليكم، وأن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا يجعل منا ولا فينا ولا بيننا شقياً ولا محروماً، إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير، ونسأله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى الصلاح في الباطن والظاهر.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.