إسلام ويب

حي على الجهادللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحدث الدرس عن معنى الجهاد وأهميته وبقائه إلى يوم القيامة، وعن الطائفة المنصورة، ثم ذكر أدلة على سعة مفهوم الجهاد وأنه أقسام باعتبارات عدة منها أقسامه باعتبار من يقع عليهم وأقسامه باعتبار الآلة باليد وبالمال، وأقسامه من حيث المرحلية: كَفُّ، وإِذْنٌ، وقتال المقاتل، وقتال المشركين كافة، وأقسامه باعتبار الحكم: فرض كفاية إلا إذا أغار العدو أو أمر السلطان تعين على من عَيَّن السلطان، ثم ذكر واقع الأمة اليوم وتركها للجهاد وسقوط الخلافة وأثره في الجهاد، ثم ختم بأنه لا بد من إقامة حركة إسلامية جهادية. ثم أجاب على الأسئلة.

    1.   

    الاستعداد للجهاد

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    أما بعــد:

    سمعتم عنوان هذه المحاضرة أيها الأحبة وهو (حي على الجهاد) فما أدري: هل أنتم مستعدون للجهاد؟

    من قال حي على الجهاد تجبه صيحات الدماء لو كنت أشلاء ممزقة بأنحاء الفضاء

    لم آل جهداً في كفاح مناصب الدين العداء

    وإذا كنتم مستعدين، فلابد أن نطبق معكم ميزان يوشع بن نون عليه الصلاة والسلام.

    جعل الدنيا تحت القدمين مع استخدامها

    روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {غزا نبي من الأنبياء، فقال لقومه: لا يتبعني رجل بنى أو ملك بضع امرأة ولما يدخل بها -يعني رجل عقد على امرأة ولما يتزوجها بعد هذا ينسحب-، ولا رجل اشترى إبلاً أو غنماً وهو ينتظر ولادها ونتاجها، ولا رجل بنى بيتاً ولما يرفع سقفه، فانفض عنه جمع غفير من هؤلاء.

    ثم مضى بمن بقي من الجيش، فلما اقترب من القرية التي كان يريد أن يغزوها كان عند صلاة العصر، فقال للشمس أنت مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علي شيئاً، -يعني جزءاً من الوقت تتوقف الشمس- أو تعود له حتى ينتهي من قتال هذه القرية.

    فحبسها الله تبارك وتعالى حتى غزا هذه القرية، وانتصر على أهلها، ثم جمعوا الغنائم في صعيد، -وكان من عادة الأمم السابقة أنهم إذا غنموا غنيمة لا يصيبونها، بل يجعلونها في صعيد، فتأتي نار من السماء فتحرقها- فلما وضعوا هذه الغنائم في الصعيد، انتظروا أن تأتي النار، فجاءت النار ولم تحرقها.

    فقال لقومه: فيكم غلول، -فيكم من أخذ من الغنيمة شيئاً-.

    ليبايعني من كل قبيلة رجل، فبايعه من كل قبيلة رجل، فلصقت يده بيد رجل، فقال: فيكم الغلول -في قبيلتك الغلول- لتبايعني قبيلتك رجلاً رجلاً، فبايعته القبيلة رجلاً رجلاً، فلصقت يده بيد رجلين أو ثلاثة، فقال: فيكم الغلول ائتوا به، فذهبوا وأحضروا له مثل قرن الثور من الذهب -قد أخذوه وغلوه- فأخذه ووضعه في الغنيمة، ثم جاءت النار من السماء فأحرقتها}.

    من كان سيستجيب لنداء (حي على الجهاد) فإنه يحتاج إلى أن يجعل الدنيا تحت قدميه، لا مانع أن يستخدمها، لكن لا يكون عبداً وخادماً لها، وفرق بين من يخدمها، وبين من يستخدمها.

    مدلول كلمة الجهاد

    أحبتي الكرام: الجهاد بحد ذاته كلمه ذات مدلول عميق، وهي من الشعائر العظيمة التي جاء بها دين الإسلام، ولو رجعنا يسيراً الى المعنى والمدلول اللغوي لكلمة (جهاد) لوجدنا أنها مشتقة أصلاً من كلمة (جهد)، و(جهد) تدل على بذل الجهد، واستفراغ الوسع والطاقة في أمر من الأمور، فأنت تقول: فلاناً أجهد فلاناً يعني اتعبه، وفلان اجتهد في كذا يعني بذل جهده وغايته، فإذا أضفنا إلى أصل معنى كلمة (جهد) لفظ (الجهاد) أو (المجاهدة) الذي يدل على مفاعلة بين طرفين، بأن يبذل شخص جهده ضدك وأنت تبذل جهدك ضده، هذه مثل المقاتلة، فرق بين أن تقول: فلان قتل فلاناً، أو فلان قاتل فلاناً، وفقتله يمكن أن تكون بمعنى أن يجده نائماً -مثلاً- فقتله بالسيف، لكن عندما تقول: قاتله، معناه أن هذا كان معه سيف، وهذا كان معه سيف، فالتقيا، ومازال كل واحد منهما يكر ويفر ويميل يمنة ويسرة على الآخر حتى أمكن منه فقتله.

    إذاً (جاهد) تدل على أن هناك طرفاً آخر يقاتل المسلمين، ويؤذيهم، ويحاربهم، والمسلمون مطالبون بأن يواجهوا هذا بالجهاد، مثل قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا [آل عمران:200] فقوله (اصبروا) يدل على أن الإنسان يصبر على ما يناله، وما يصيبه، لكن لما قال: وَصَابِرُوا [آل عمران:200] معناه أنه لا يكفي الصبر، بل لابد من المصابرة، بمعنى أنكم ستلقون أعداء يصبرون كما تصبرون، فصابروا، أي: اصبروا صبراً فوق صبرهم.

    قيل لبعض الشجعان في الجاهلية، وأظنه عنترة بن شداد قيل له: كيف كنت شجاعاً باسلاً؟ وكان عنترة عبداً ليس له قيمة، وفي يوم من الأيام أغار الجيش على قومه، فأمره سيده بأن يوقد النيران ويقاتل، فإن انتصر فهو حر، وهكذا، المهم قيل له: بماذا صرت شجاعاً يشار إليك بالبنان؟ قال: إنني أجد من الألم كما يجد غيري، ولكنني في كل لحظة أصبر نفسي، وأقول: أنتظر ربما تكون هذه اللحظة هي اللحظة التي ينهزم فيها عدوك، فأنتظر لحظة، وهكذا أصبر نفسي حتى يعلن عدوي هزيمته وانتصر أنا، وإلا فأنا أجد من الألم ومس العذاب مثلما يجد غيري.

    ولذلك كان من حكمة الله أنه جعل اسم هذا الأمر الذي شرعه لنا من قتال الأعداء وغيره، جعل اسمه (الجهاد) حتى تكون الكلمة بحد ذاتها معبرة، حتى لو لم ترد نصوص صريحة في هذا الباب فإن مجرد هذه الكلمة -كلمة (الجهاد)- ذات دلالات عميقة، كما سيتضح من خلال هذا الحديث العابر.

    1.   

    ثبات الجهاد واستمراره

    ومن أعظم الدلالات التي يدل عليها هذا الاسم الكريم المبارك لهذه الشعيرة العظيمة الجهاد: قضية ثبات الجهاد، ودوامه، واستمراره، وهذه قضيه أعتبر أنها من أعظم وأخطر القضايا التي تحتاج أن نبرزها في هذا العصر، وعندنا نصوص كثيرة، -فضلاً عن مدلول كلمة الجهاد نفسها، التي تدل على دوام المجاهدة، ومقاتلة الأعداء إلى قيام الساعة- فعندنا نصوص نبوية صريحة تدل على ثبات الجهاد، وبقائه إلى يوم القيامة، أذكر منها بعض الأمثلة:-

    حديث الطائفة المنصورة

    من الأمثلة لهذه النصوص: الأحاديث المتواترة الواردة في شأن الطائفة المنصورة، فقد ورد عن أكثر من عشرين صحابياً، أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر بوجود طائفة منصورة باقية إلى قيام الساعة، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ضمن هذه الأحاديث، في مهمات الطائفة المنصورة أنهم يقاتلون أعداءهم، ظاهرين على من ناوأهم.

    بل ورد في بعض الأحاديث الواردة، كما في حديث النواس بن سمعان وغيره: {أن أناساً جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، أذال الناس الخيل، ووضعوا السلاح، وقالوا: لا جهاد -أي أنه في بعض المعارك لما حصلت هدنة بين المسلمين والكفار، المسلمون وضعوا السلاح، وأذالوا الخيول وآذلوها أي: وتركوها، وأهملوها، وقالوا: لا جهاد، انتهى الجهاد- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كذبوا! الآن جاء القتال -أي من الآن بدء القتال- ولا يزال الله عز وجل يزيغ قلوب أقوام، ويرزقهم منهم إلى قيام الساعة}.

    إذاً فالأحاديث الواردة في الطائفة المنصورة الباقية إلى قيام الساعة، وهي أحاديث متواترة، قطعية الثبوت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تؤكد أن شعيرة الجهاد، شعيرة محكمة، باقية إلى قيام الساعة، أي: أن الجهاد مستمر شرعاً، وواقعاً.

    أما من ناحية الشرع، فإن من المعلوم بالضرورة في دين الإسلام، أن الجهاد شعيرة وشريعة، أي لا يمكن أن يأتي شخص ويقول: الجهاد منسوخ، هل يمكن أن يقول أحد: إن الجهاد منسوخ -مثلاً- بآيات الصبر؟ لا يقول أحد ذلك، قد يقول العكس إن آيات الصبر منسوخة بالجهاد وآيات السيف، وهناك من يقول: ليس هناك نسخ، بل هذه في حين، وهذه في حين آخر، لكن لم يوجد ولن يوجد -بإذن الله تعالى- من يقول: إن الجهاد منسوخ ولو قال مسلم ذلك، لكان كافراً مرتداً عن دين الله سبحانه وتعالى.

    فقضيه الإقرار بشرعية الجهاد، هذه قضية مفروغ منها في الدين، ومسلمة، وهي من القضايا المعلومة من الدين بالضرورة، لو أنكرها إنسان لكان يُعلم في ذلك، فإن أصر، فإنه يكون مرتداً، فيقتل مرتداً، فهذا من حيث الشرع هو ثابت، لكن أيضاً من حيث الواقع، حديث الطائفة المنصورة يؤكد أن الجهاد باق، فليس الجهاد أمراً وقتياً كان موجوداً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي زمن الخلفاء الراشدين، ثم انتهى، كلا، بل هو باق إلى قيام الساعة.

    حديث ( ولكن جهاد ونية )

    صنف ثان من الأدلة التي تدل على بقاء الجهاد، واستمراره، ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا}.

    فقوله عليه الصلاة والسلام: {لا هجرة بعد الفتح} أي: أن الهجرة من مكة إلى المدينة بعد فتح مكة صارت غير واجبة، لأن مكة صارت دار إسلام بفتحها، فلم يعد واجباً على أهل مكة أن يغادروها إلى المدينة، بل يبقوا في مكة.

    {ولكن جهاد ونية} وما بعد (لكن) مغاير لما قبلها في الحكم، فلما بين صلى الله عليه وسلم بأنه لا هجرة بعد الفتح، بين أن الأمر الباقي قبل الفتح وبعد الفتح: هو الجهاد في سبيل الله والنية.

    فدل الحديث على أن الجهاد باق، باق من ناحية الشرع -كما أسلفت- وباق من ناحية الواقع، كما أن الهجرة نسخ وجوبها من حيث الشرع، ونسخ وقوعها من حيث التاريخ، فإننا نعلم أن المؤرخين إذا قالوا: إن فلاناً من المهاجرين، مثلاً: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأبو عبيدة إلى غير ذلك، يقولون: هؤلاء من المهاجرين، هل معنى ذلك أنهم هاجروا قبل فتح مكة.

    ولذلك قال الله عز وجل: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد:10] فإذا قيل: فلانٌ مهاجري، فالمقصود: أنه هاجر قبل فتح مكة، أما بعد فتح مكة فليس هناك هجرة، ومن خرج من مكة إلى المدينة لا يسمى مهاجراً حينئذٍ.

    إذاً قوله: { لا هجرة بعد الفتح} يعني: لا هجرة شرعية من مكة، ولا هجرة واقعية أيضاً، ولكن الجهاد باق شرعاً، وكذلك هو باق من حيث الواقع، لا يمكن أن تفقده الأمة في عصر من العصور.

    حديث ( الخيل في نواصيها الخير )

    ومن الأحاديث الدالة أيضاً على بقاء الجهاد إلى قيام الساعة، قوله صلى الله عليه وسلم: { الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة} كما رواه الشيخان، عن ابن عمر، وروياه -أيضاً- عن عروة بن أبي الجعد البارقي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر، والمغنم}.

    ولماذا كانت الخيل بهذه المثابة؟ لأنه معقود في نواصيها الأجر والمغنم، والمغنم: هو ثمرة من ثمرات الجهاد، وكذلك الأجر: إنما هو ثمرة من ثمرات الجهاد، والخيل: إنما هي آلة من آلات الجهاد أو كانت آلة من آلات الجهاد فيما مضى، في عهود قتال المسلمين الأولين كانت الخيل من أعظم وسائل الجهاد.

    كذلك في الحروب المستقبلية التي تكون قبل قيام الساعة، والملاحم الكبرى التي حدث عنها النبي صلى الله عليه وسلم تستخدم فيها الخيول، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في قتال المسلمين مع الروم في دمشق، وفتحهم للقسطنطينية، قبل خروج الدجال، والملاحم الكبرى التي ورد الخبر عنها، فيها ذكر الخيل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن الفوارس الذين يقاتلون، قال: {إني لأعرف أسماءهم، وأسماء آبائهم، وألوان خيولهم، هم خير الفوارس على وجه الأرض يومئذ أو من خير فوارس الأرض يومئذ } فذكر صلى الله عليه وسلم الخيول، وأنه معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة.

    إذاً، قتال الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الأولين كان بالخيول، والملاحم الكبرى التي قبل قيام الساعة ستكون بالخيول، وهذا لا يلزم أن يكون الجهاد بالخيل دائماً: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60] فليس صحيحاً أن عدونا يواجهنا بالصاروخ، والمدفعية، والدبابة، وغيرها من وسائل الحرب المتقدمة، ونحن نواجهه بالسيف، والخنجر، والخيل، كلا، بل نعد له القوة التي تتناسب مع القوة التي يواجهنا، ويحاربنا بها.

    حديث: { الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة } حديث متواتر، رواه أكثر من عشرين صحابياً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحاديث بعضهم في الصحيحين وغيرهما -كما ذكرت- حديث ابن عمر، وعروة بن أبي الجعد البارقي.

    ويقول الإمام أحمد، كما ذكر الترمذي: "فقه هذا الحديث أن الجهاد ماضٍ مع البر والفاجر إلى يوم القيامة".

    والبخاري -أيضاً- بوب على هذا الحديث في صحيحه، "باب الجهاد ماضٍ مع البر والفاجر".

    فالإمام أحمد، والبخاري، والترمذي، والبيهقي، وغيرهم من العلماء، فهموا أن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: { الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة} أن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، لأنه إنما كانت الخيل كذلك للحاجة إليها في الجهاد، فمعنى هذا أن الجهاد باقٍ إلى قيام الساعة.

    1.   

    معاني ودلالات بقاء الجهاد

    هذه القضية نأخذ منها معاني ودلالات كثيرة فإننا فهمنا من مجموع هذه الأحاديث ومن غيرها ومن أصل كلمة الجهاد، أن الجهاد باق إلى قيام الساعة، نأخذ من ذلك عدة أمور:

    طبيعة الكفر واحدة

    أول هذه الأمور: أن طبيعة الكفر واحدة، فالكفر الذي واجهه موسى عليه السلام، والذي كانت لهجته مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ [غافر:29] وكانت لهجته لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء:29] وكانت لهجته إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ [غافر:26] هذا الكفر: هو الذي واجهه إبراهيم عليه السلام، والذي كان قومه، يقولون: ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ [الصافات:97] هذا الكفر هو الكفر الذي واجهه عيسى عليه السلام، وهو الكفر الذي واجهه محمد صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:254].

    هذا حكم إلهي على الكافرين، ويقول جل وعلا: وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا [البقرة:217] ويقول: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء:89] ويقول: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم:9] ولو أسرد لكم الآيات القرآنية التي تبين طبيعة الكفر؛ لانتهى المجلس قبل أن نكمل هذه الآيات.

    قد يتخيل بعضكم أن هذه قضيه بديهية، وهي كذلك قضية بديهية، لكن المؤسف أننا في هذا العصر أصبحنا بحاجة إلى التركيز على البديهيات، حتى يفهمها الناس ولا يقبلوا فيها أي تراجع.

    وقد وقع في يدي عدد من الكتب التي كتبها -مع الأسف- بعض الفقهاء، وبعض المفكرين المعاصرين، فوجدت أنهم يطرحون قضية الجهاد طرحاً ميتاً متماوتاً، مخذولاً مهزوماً، يقول لك: الأصل المسالمة مع الكفار، والأصل أننا ندعو وننشر الإسلام بالحكمة، والموعظة الحسنة، وبالسلم، وبالدعوة السلمية، أصبح كثير -لا أقول من عامة المسلمين بل من دعاة الإسلام في هذا العصر- يتصورون أنه من الممكن عن طريق الدعوة السلمية، والوسائل السلمية، أن أمريكا تسلم، ثم بريطانيا، ثم فرنسا، ثم ألمانيا، ثم روسيا.

    والحمد الله رب العالمين، وتنتهي هذه القضية، ولا نحتاج إلى رفع راية الجهاد، ولا نحتاج إلى حمل السيوف للقتال، يتصور بعض البله والمغفلين مثل هذا الأمر، والواقع أن الذي يقرأ القرآن الكريم قراءة واعية، لا يحتاج إلى كلام، ولا إلى بيان خلاف ذلك، مثل من يتصورون -أيضاً- أنه قد يوجد في كل بلد من بلدان العالم أحزاب تنادي بالإسلام، ثم تطرح برنامجها في الإصلاح الزراعي، وبرنامجها في الإصلاح الإداري، وبرنامجها في الإصلاح السياسي، وبرنامجها في الإصلاح الاقتصادي، ثم تستقطب الناس شيئاً فشيئاً، ثم تطرح نفسها بالترخيص الرسمي لها، فتدخل البرلمانات والمجالس النيابية، وغير ذلك، وتبدأ شيئاً فشيئاً تطرح الإسلام، حتى تفرض الإسلام من خلال المجالس النيابية، ومن خلال القنوات الرسمية -كما يقولون- وبهذا نستطيع -كما يتصورون- أن نفرض الإسلام على أمريكا، وبريطانيا، وألمانيا، وفرنسا، وغيرها من بلاد العالم.

    هذا في الواقع سذاجة كبيرة، وقد لاحظتها ولمستها على بعض الذين يعايشون الكفار في أوروبا، وأمريكا، يقولون هؤلاء الكفار سذج، ما عندهم شيء، وليس عندهم عداء صريح للإسلام.

    الولاء والبراء عند عوام المسلمين

    أقول أيها الأحبة: حتى لو أنك أتيت إلى جمهور المسلمين -اذهب إلى أي بلد إسلامي- إلى الجمهور فقط، لا تذهب إلى العلماء، والفقهاء، والمختصين، اذهب إلى العامة -العوام- اجلس معهم، انظر إلى كثير من هؤلاء، قل لهم: ما رأيكم في النصارى؟ ما رأيكم في اليهود؟ ما رأيكم في الشيوعيين؟ تجد كثيراً من عوام المسلمين اليوم، أصبحوا يجهلون وجوب عداوة الكفار والبراءة منهم، والولاء والبراء لا يعرفونه.

    بل قد تجد المسلم يعيش إلى جنب اليهودي، وإلى جنب النصراني، والمشرك، والشيوعي، سواء بسواء، وتحت سقف واحد، يأكلون طعاماً واحداً، ويشربون ماءً واحداً، وبينهم من الألفة والمودة الشيء العظيم، كأنهم إخوة، حتى عوام المسلمين اليوم ضاعت منهم معاني الولاء والبراء، وفقدوا إحساسهم بالتميز بالدين، فلا عبرة بكون عوام النصارى -مثلاً- في أمريكا، وأوروبا وغيرها، أصحبوا لا يحملون عداوة صارخة واضحة للمسلمين، هذا صحيح، فقد يوجد في طبقات منهم، لكن العبرة بأمور:

    أولها: أن هناك قيادات مستفيدة، تحرك هؤلاء الناس، مثلما كان القسس والرهبان يحرضون أوروبا، أيام الحروب الصليبية، ويحركونها لتأتي لغزو المسلمين، كذلك يوجد في كل عصر، وفي كل زمان، وفي كل مكان زعماء دينيون، وزعماء سياسيون، وزعماء اجتماعيون، إذا جاء وقت الحاجة حركوا عواطف الناس، وحرضوهم وجمعوهم على العداء، والكراهية، والبغضاء للمؤمنين والمسلمين، هذا جانب.

    الجانب الثاني: أن هؤلاء الدهماء والعوام من الناس، وإن كان عداؤهم وبغضهم للإسلام مستخفياً، إلا أنه قابل للتحريك في أي وقت.

    ولذلك قد تجد -بالنسبة للمسلمين- مسلماً لا يصلي، ولا يصوم، ولا يحج البيت الحرام، وليس عنده خوف من الله عز وجل، لكن لو حصلت حرب بين قبيلة من المسلمين الذين يعيش بينهم، وبين قبيلة أخرى من الكفار، تجده يخوض المعركة مع قومه من المسلمين، إما بالحمية، وإما بالعصبية لقومه، من هذا الباب وليس من باب العصبية لله ورسوله، ولذلك {جاء رجل يسأل الرسول عليه الصلاة والسلام عن الرجل يقاتل حمية، والرجل يقاتل شجاعة، والرجل يقاتل ليرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله}.

    أحياناً إنسان تحركه الحمية لقومه والعصبية لدينه وإن لم يكون متمسكاً بهذا الدين، فهكذا بالنسبة لأولئك النصارى، واليهود، وإن كان بغضهم للإسلام مستتراً، مستخفياً، إلا أنه قابل للتحريك والإثارة في أي وقت من الأوقات.

    العداء للإسلام يبرز في كل وقت

    فمن البلاهة والسذاجة بمكان، أن نتصور أن هؤلاء سيصبحون غنيمة باردة للمسلمين، بل نحن نجد أن العداء للإسلام يبرز في كل وقت، وفي كل مناسبة، يبرز بشكل واضح، ما هو الذي حرك فرنسا كلها؟! من أجل ثلاث فتيات مغربيات أردن دخول المدرسة بحجاب، وهو نوع من الحجاب الشرعي، وليس فيه غطاء الوجه.

    لكن حجاب بغطاء الشعر، فرفض مدير المدرسة، وتطورت القضية إلى مدير التعليم، ثم إلى وزير المعارف، ثم إلى مجلس الوزراء، ثم إلى رئيس الدولة، وصارت قضية صحفية، بدأت ولم تنته، وفي النهاية لم تمكّن هؤلاء الفتيات من دخول المدرسة بالحجاب الشرعي، إما أن تخلع الحجاب، وتكشف عن شعرها، وإما أن تحرم من دخول المدرسة، واضطرت هؤلاء الفتيات الثلاث إلى أن يدخلن المدرسة، ويخلعن الحجاب عن شعرهن، ما هو الذي حرك فرنسا الدولة الصليبية من أقصاها إلى أقصاها! كانوا يقولون: إن فرنسا أم الحرية، وفرنسا بلد، العري فيها مباح، حتى في أجهزة إعلامهم، وفي أسواقهم، وفي كل مكان تواجه المرأة العارية، البلد الذي يبيح حرية التعري، أصبح يغضب ويثور وتتحرك أجهزته كلها: الإعلامية، والإدارية، من أجل ثلاث فتيات أردن دخول المدرسة بغطاء الرأس، لماذا كل هذا؟! ما هو الذي جعل بريطانيا تتحرك، وتثور من أجل قضية سلمان رشدي وهو شخص واحد وليس قضية سياسية، ولا يمثل جهة سياسية، لكن لأنه تحدى مشاعر المسلمين، وأهانهم، وانتهك حرمات الأنبياء والمرسلين، وأساء إلى الصحابة، وإلى أمهات المؤمنين، وجرح شعور كل مسلم، أثاروا هذه القضية على أوسع نطاق، وجعلوها ضربة لازمة على المسلمين، وتحركت أجهزة كثيرة: سياسية، وصحفية، واستغلت هذا الحادث أبشع استغلال.

    ما هو الذي يجعل روسيا -الآن- تعامل الجمهوريات النصرانية معاملة، وتعامل الجمهوريات الإسلامية معاملة أخرى؟! فالجمهوريات النصرانية، يأتي رئيس الدولة ويقال له نرحب بك كرئيس دولة صديقة، ويجلس للمحاورة والمشاورة والمداورة معهم.

    ثم الدول الغربية كلها تقف إلى صفها، وتهدد روسيا إذا استخدمت القوة في حقها، في حين أن حركة المسلمين تسحق بالقوة والدبابات، ولا أحد يتحرك، لقد عامل الروس النصارى معاملة غير معاملة المسلمين، والقوة الغربية كلها تحركت من أجل النصارى، ولم تتحرك من أجل المسلمين، بل هي تساند هذه الخطوات.

    الإسلام لا ينتصر بالدعوة السلمية

    إذاً: من السذاجة بمكان، أن نتصور أن الطبيعة التي حكاها الله عز وجل عن الكفار، واليهود والنصارى والمشركين في القرآن الكريم، أنها يمكن أن تتغير ويمكن في يوم من الأيام، أن نفرض الإسلام عليهم، عن طريق السِلْم، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، والبرلمان، والمجالس، ثم إذا بهم بقدرةِ قادر يتحولون إلى مسلمين! هذه سذاجة وبلاهة يطول منها العجب!!

    ولست أعجب أن تنطلي على سذج ومغفلين، ولكنني والله أعجب أن تنطلي على مفكرين، ويقال لهم فقهاء، ويكتبونها في كتب وتنشر في دوريات، ونشرات، وقد آلمني هذا جداً.

    إن طبيعة الكفر -أيها الأحباب- واحدة، فالكفر الذي واجهه الأنبياء هو الكفر الذي نواجهه الآن وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ [الفرقان:31] فإذا قامت للإسلام دعوة حقيقية، ورفعت راية الجهاد في سبيل الله، والدعوة الصادقة إلى الله عز وجل، إن كانت صادقة فإن الله سبحانه وتعالى يقول: بأنه لا بد وأن يكون لها أعداء من المجرمين، وهؤلاء الأعداء بطبيعة الحال لا أعتقد، ولا يعتقد معي عاقل، ولا مجنون أنهم سوف يقفون مكتوفي الأيدي، هؤلاء الأعداء شأنهم كما ذكر الله عز وجل: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام:112].

    فهم يمكرون، ويكيدون، ويتآمرون، ويخططون، ولم يجلسوا، بل على العكس نحن الجالسون، أما هم لا يزالون يكيدون مع أن المسلمين شبه نائمين، إلا أن أعداءهم يكيدون لهم كيداً، خشية أن يستيقظوا من غفوتهم ونومهم، فما بالك لو استيفظ المسلمون فعلاً، واستردوا بعض عافيتهم، لوجدنا العداوة الصريحة المعلنة، ووالله إن كل هذه العبارات التي أصبحوا يدندنون بها الآن، ويرددونها في أجهزتهم، وصحافتهم: قضية حقوق الإنسان، وحرية الإنسان، وكرامة الإنسان، وميثاق الأمم المتحدة، ومثل هذه العبارات الرنانة، هذه -والله- كلها حبر على ورق، والدليل على ذلك أنه لم يلتزم بهذه القضايا إلا المسلمون.

    الآن قضية ميثاق الأمم المتحدة الذي يمنع الجهاد، ويحرمه -ومع الأسف- يوقّع عليه المسلمون، وهو يعتبر أن الجهاد نوع من القرصنة الإقليمية، والاعتداء على حقوق الآخرين، وأن المنازعات بين الدول يحب أن تحل بالطُرق السِلْمِية، لأن النـزاع يهدد الأمن والسلام والدوليين كما يقولون.

    الإسلام دين الجهاد

    إن الذين التزموا بالامتناع عن الجهاد، والقتال، بل وحتى الدفاع عن أنفسهم هم المسلمون فحسب، أما الدول الكافرة ومن يدور في فلكها، وأعداء الإسلام، واليهود وغيرهم، فإنهم يمارسون ما يريدون في قضية قتال الأمم المسلمة، ونهب أراضيها، والاعتداء عليها، ويعلنون ذلك صراحة، وما تفعله إسرائيل مثلاً أمر لا يحتاج إلى بيان، بكل بساطة في رحلة آمنة هادئة.

    الطيارات الإسرائيلية تضرب العراق، ثم تذهب مرة أخرى، لتضرب في تونس، ثم تضرب في لبنان، وقد تهدد أي بلد عربي بكل سهولة، ويعتبرونها رحلة للمتعة، هذا لا يستنكرونه ولا يستغربونه، ولا يرون فيه بأساً، لماذا؟

    لأن الذين قاموا به ليسوا من المسلمين، ولا يُعْتَبرُ هذا إخلال بمواثيق الأمم المتحدة في نظرهم وفي مقاييسهم.

    فرنسا حين تخوفت من انتصار الإسلام في الجزائر، هدد رئيس الدولة بأنه في حال انتصار الإسلام في الجزائر، أن فرنسا قد تتدخل بصورة مباشرة. أين مواثيق الأمم المتحدة، وحقوق الإنسان، والحدود الدولية، وعدم التدخل في شئون الآخرين، أين هذا كله؟!

    الآن في السودان حيث يُوجد حكم يُعلن بعض الجوانب الإسلامية، ويخشون أن يكون هذا الحكم له جذور إسلامية، أصبحنا نجد حرباً عالمية معلنة على هذه الدولة، أين حقوق الإنسان؟!

    وأين مواثيق الأمم المتحدة؟!

    وأين قضية عدم التدخل في شئون الآخرين؟!

    كل ذلك ذهب أدراج الرياح، هذا خاص بالمسلمين.

    إذاً: من السذاجة أن نتصور أن الإسلام ينتصر، وينتشر عن طريق الدعوة السلمية فقط، الدعوة السلمية لا بد منها، وهذا صحيح، وحتى في القتال فإن المسلم مطالب بأن يدعو هؤلاء إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم، كما في حديث بريدة في صحيح مسلم : {إذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال، فأيتهن ما أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم وذكر الإسلام، ثم الجزية، ثم القتال}.

    فنحن نقول: لسنا نقاتل الناس حتى ننهب أموالهم، لا،بل نحن ندعوهم حتى يكونوا مسلمين، نعرض عليهم الإسلام، لكن نعلم من دين الله وشرعه، ونعلم من حقائق التاريخ وتجارب الواقع أن هذا الدين لا يمكن أن يستقر أمره إلا عن طريق الطائفة المنصورة التي تحمل راية الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى.

    لا بد من قتال الكفار وأهله

    أودُّ أن أشير إلى استدراك أخشى أن يفهم من كلامي، حين تحدثت عن قضية البرلمانات، والمجالس، وغيرها، يوجد في بعض البلاد الإسلامية برلمانات، ومجالس أمه، ومجالس نيابية، وما أشبه ذلك، ويكثر السؤال عنها يجوز، أو لا يجوز؟

    أود أن أقول: إنني لا أقصد مثل هذا النوع، ولا أتحدث عنه لا تحريماً ولا تحليلاً، هذه قضية يبحثها المختصون، ويقولون فيها رأيهم وكلمتهم، لكن أقصد أن هذا الأسلوب حتى حين نقول أنه يجوز، ليس المعنى أننا نعتمد هذا الأسلوب للدعوة إلى الله عز وجل ونعتقد أن هذا الأسلوب يغني عن القتال، أريد أن أؤكد أن أعداء الله عز وجل وهو أصناف من اليهود، والنصارى والمشركين، والشيوعيين، والوثنيين، إلى غيرهم، كل هؤلاء لا يمكن إلا أن يقاتلونا، حتى وإن لم نقاتلهم فإنهم سوف يقاتلوننا، فلابد من الجهاد في سبيل الله عز وجل، هذه قضية مهمة وإن كانت نظرية إلى حدما، ولكن أحببت أن أتحدث عنها؛ لأني لا حظت فيها انحرافاً كبيراً وخطيراً عند كثير من الشباب، وفي كثير من الكتب والداراسات.

    1.   

    ضيق مفهوم الجهاد عند الناس

    في موضوع الجهاد، وحي على الجهاد، قضية أخرى، حين يسمع بعض الشباب هذا العنوان، (حي على الجهاد) يتصورون أن المقصود الجهاد في أي بلد؟ في أفغانستان، وهذا يؤكد أنه حصل في مفهوم الجهاد ضعف وتحجر، مثلما حصل في مفاهيم الإسلام الأخرى، فعندما تأتي إلى مفهوم العبادة تجد انحرافاً في مفهوم العبادة، بحيث ضيقوها وصاروا يظنون أن العبادة: هي الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج فقط، مع أن المفهوم أوسع من ذلك.

    وهناك مفاهيم كثيرة في الإسلام تجدها ضيقت، كذلك مفهوم الجهاد أصبح كثيرٌ من الناس يظنون أن الجهاد هو القتال، مع أن القتال صورة واحدة فقط من صور الجهاد، ثم تحجر الجهاد -فجأه- فأصبح الجهاد في مفهوم كثير من الشباب هو الجهاد في أفغانستان لا غير، وهذا غلط كبير، تجد أحياناً يرد سؤال يقول: ما حكم الجهاد؟

    السائل يريد أن يقول ماذا ترى في الجهاد في أفغانستان، هل هو فرض عين، أم فرض كفاية؟ وفي ذهنه أن الجهاد يعني: الجهاد في أفغانستان، أو فلان ذهب للجهاد يعني الجهاد في أفغانستان، وهذا خطأ وخطر يجب استدراكه، الجهاد أوسع من ذلك بكثير، ولنستمع إلى هذه النصوص:

    المعركة الداخلية

    عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: {ألا أخبركم بالمؤمن، قالوا: بلى يا رسول الله، قال المؤمن: من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، ألا أخبركم بالمجاهد، قالوا: بلى يا رسول الله، قال المجاهد: من جاهد نفسه في ذات الله عز وجل، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب} وحديث فضالة هذا رواه الإمام أحمد في مسنده وسنده صحيح: {المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله تعالى} فهذا نوع من الجهاد، وإنما بينه النبي صلى الله عليه وسلم، وحصر وقصر الجهاد فيه، في هذا الحديث، لعظمتة وأهميته، ولأن جهاد الأعداء يفتقر إلى جهاد النفس، فالذي ينهزم في معركته الداخلية مع نفسه؛ ينهزم في معركته الكبرى مع العدو.

    المعركة الخارجية

    خذ مثلاً آخر -ولم أرد إلا التمثيل فقط بأحاديث في صلب الموضوع-: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم، وألسنتكم} وهذا الحديث، رواه أبو داود والنسائي والحاكم وصححه الحاكم والذهبي والنووي وغيرهم من أهل العلم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بجهاد المشركين بالمال، وبالنفس، وباللسان.

    إذاً، الجهاد مفهومه أوسع مما يتصور الكثيرون.

    1.   

    أقسام الجهاد

    ولذلك أشير إشارة سريعة -بقدر ما يتسع الوقت- إلى قضية أقسام الجهاد حتى ندرك أن الجهاد شامل -كما ذكرت- فالعلماء أحياناً يقسمون الجهاد بحسب من يقع عليه الجهاد، فيقولون مثلاً:

    أقسام الجهاد باعتبار من يقع عليهم الجهاد

    الجهاد ينقسم باعتبار من يقع عليهم الجهاد إلى أقسام:

    أولاً: جهاد النفس: بتعلم العلم، والعمل به، والدعوة إليه، والصبر على ذلك، أربع مراحل: العلم، ثم العمل، ثم الدعوة، ثم الصبر، وكل مرحلة من هذه المراحل تحتاج إلى تربية، وجهود، هذا نوع.

    النوع الثاني: جهاد الشيطان: بعصيان وسوسته، ومخالفة أمره.

    النوع الثالث: جهاد الكفار، وهذا ظاهر.

    النوع الرابع: جهاد الفساق والظالمين: وهذا يكون بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله عز وجل فهو نوع من الجهاد.

    النوع الخامس: جهاد المنافقين: وهذا يكون بكشف ألاعيبهم، وفضحهم وبيان مؤامراتهم؛ لأنهم يبغون في المسلمين غائلة السوء، ويخططون، ويتآمرون للقضاء على الإسلام، فلابد من جهاد المنافقين فهذه نماذج من أنواع الجهاد باعتبار من يقع عليه.

    فهل يصح أن نتجاهل جهاد المنافقين، ونتفطن إلى جهاد الكفار؟ مع أن جهاد الكفار هو في موقع واحد أو موقعين أو ثلاثة، لكن جهاد المنافقين في كل مكان، أستطيع أن أقول لكم: لا يكاد يوجد في العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، لا بلد، ولا مدينة، ولا قرية، بل ربما أحياناً ولا مؤسسة، إلا ويوجد فيها منافقون يسعون لتوجيه هذا البلد، أو هذه الدولة، أو تلك المؤسسة، أو المدرسة إلى الوجهة التي تخدم أغراضهم، فيخططون، ويتآمرون، وهذا أمر ملموس، فمن لهؤلاء المنافقين، كيف نتجاهل هذه الثغرات المفتوحة في كل مكان؟!

    مثلاً: جهاد المنافقين من خلال أجهزة الإعلام في العالم الإسلامي، فإنهم أجهزة الإعلام في العالم الإسلامي فيها جهاد الكفار وفيها جهاد النافقين، نستطيع أن نقول ذلك، فجهاد الكفار من أبرز صوره -مثلاً- ما يمكن أن يسمى اليوم -بما يعبرون عنه- بالبث المباشر؛ لأنه عبارة عن بث من قبل الدول الكافرة إلى البلاد الإسلامية، فهو يعني جهد إعلامي من الكفار يحتاج إلى مقابلة من المسلمين، لكن هذا الجهد حتى الآن لم يحدث بصورة واضحة، صحيح إنه يقال أنه يوجد في بعض دول المغرب العربي، لكنه لا يزال حتى الآن خوف وقلق أكثر منه حقيقة واقعية، إنما الحقيقة الواقعة منذ عشرات السنين هي أن المنافقين في كثير من بلاد العالم الإسلامي، استطاعوا أن يتسللوا إلى أجهزة الإعلام، ويجعلوا منها أبواقاً لحرب الإسلام، كم من مسرحية -مثلا- قدموها للاستهزاء بالمشايخ والعلماء، أو ما يسمونهم بالملالي جمع ملا، ورجال الدين كما يعبرون، وتصويرهم بأنهم عبارة عن مجموعة من الدراويش، والجهلة، والأغبياء، وفي نفس الوقت يقدمون الفنانين، والمطربين، وأهل الرياضة، وغيرهم على أنهم هم القدوة، وهم الأبطال، الذين يقتدي بهم الجيل.

    وكم من منافق تسلل من خلال هذه الأجهزة، ليسمع المسلمين والمسلمات كلام الفحش، والزور، والخنا، ويربي شباب المسلمين وفتياتهم على عبارات العشق والغرام، وبحيث يصبح لا هَمّ لهم، إلا ترديد مثل هذه الكلمات، والحديث عن قضية اللقاء، وحسرة الوداع، وصفات المحبوبة، وكيفية اللقاء بها، وإلى غير ذلك، حتى مسخوا الأنظمة الموجودة في بلاد المسلمين، وغيروا أوضاع المسلمين، وقلبوها رأساً على عقب.

    أصبح في كثير من البلاد لا مانع للمرأة أن تخرج بمفردها، وتسافر بمفردها، أو تخرج مع رجل أجنبي، وتكشف شعرها، أو جزءاً من بدنها، أصبح هذا أمراً عادياً، وقد رأيناه في بلاد المسلمين، وقد رأيت بعيني في بلد إسلامي هائل، فيه أكثر من مائه مليون مسلم، الولد يلبس بنطلوناً تحت الكعب، والبنت تلبس ثوباً إلى الركبة، هذا لباس رسمي يذهبون به إلى المدرسة، عدا الأشياء العادية، العجب من هذا اللباس الرسمي فالولد يذهب إلى المدرسة بالبنطلون تحت الكعب، والبنت تلبس ثوباً إلى الركبة، فإن كانت من الورعات، أو كانت من بنات الناس الذين يقال إنهم من أهل الخير، فتنـزل الثوب إلى نصف الساق، هذا رأيناه بأعيننا في بلاد الإسلام، مئات الملايين تربت على هذه التقاليد والأخلاق.

    إذاً: من لهؤلاء المنافقين الذين تسللوا إلى كل بيت، وإلى كل عقل ومخ، وإلى كل قلب، وإلى كل أسرة، وإلى كل مكان؟!

    من لهم؟!

    أين نحن؟!

    كيف نتفطن إلى قضية جهاد الكفار عن طريق -مثلاً- ما يسمى بالبث المباشر، ونغفل أو ننسى قضية جهاد المنافقين والفاسقين الذين هم منذ سنين طويلة يهيمنون على مثل هذه الأجهزة في بلاد الإسلام، ويبثون منها، ومن خلالها ما شاءوا.

    ومن الغريب والطريف أن بعض الحلول لما يسمى بالبث المباشر أنه تربط القنوات العربية بعضها ببعض، بحيث تصبح القنوات العربية، كلها يمكن أن يتاح للإنسان أن يشاهدها في كل مكان، والواقع أن كثيراً من القنوات العربية فيها أسوأ مما في البث المباشر، لماذا؟

    لأنه إن أتينا في مجال الصورة -مثلاً- وهي من أخطر الأشياء لأن الشباب يفتتن بها، فالواقع أن الإنسان إذا رأى صورة امرأة بلباس النوم أحياناً، فقد تكون الإثارة أكثر من لو رأى امرأة عارية، فالخطر لا يقل، وإن أتينا من حيث مسخ التقاليد الإسلامية، فهو موجود، وإن أتينا من حيث الشبهة فهي موجودة.

    على كل حال، فأنا لا أقلل من خطورة البث المباشر، وليس هو موضوع المحاضرة، لكن قصدي أن أقول: إنه -أحياناً- نحن نتفطن إلى خطر، ونغفل عن خطر آخر لا يقل عنه، أو نتنبه إلى أمر ونغفل عن أمر لا يقل عنه، فمثلاً نتفطن لقضية جهاد الكفار في فلسطين، أو في أفغانستان، أو في إرتيريا، أو في الفلبين، وهذا واجب لا يشكك فيه أحد، لكن -أيضاً- يجب أن نتفطن إلى جهاد المنافقين الذين يوجدون في كل زاوية وشارع، وفي كل بيت ومدرسة إلا من رحم الله، نتفطن لجهاد المنافقين، نتفطن للفاسقين، فهذه ألوان من أنواع الجهاد باعتبار من يقع عليهم الجهاد.

    أقسام الجهاد باعتبار الآلة

    هناك تقسيم آخر للجهاد، وهو تقسيم الجهاد باعتبار الآلة، هناك جهاد اليد، وجهاد اليد: يكون بحمل السيف، أوالبندقية، أو المدفعية، أو الرشاش أو غيرها، وهناك أيضاً جهاد اللسان: يكون بالكلمة الطيبة، بالنصيحة، بالدعوة، بالأمر بالمعروف، بالنهي عن المنكر، بالإصلاح، بالتوجيه، بقدر ما يستطيع الإنسان، وهناك الجهاد بالمال.

    أ/ دعم الجهاد بالمال:

    ومع الأسف حين نقول الجهاد بالمال ماذا يفهم الإنسان؟! يفهم الجهاد بالمال أنه يدفع تبرعات للمجاهدين، وهذه صورة لا أقلل من شأنها، يجب دفع الزكاة وغيرها للمجاهدين في أفغانستان، والمجاهدين في كل مكان، ويجب دعمهم، وحين يصاب المسلمون المجاهدون في أفغانستان، أو غيرها بهزيمة، بسبب قلة ما في اليد، فإننا جميعاً --ممن يستطيع- مؤاخذون بهذا الأمر ومطالبون به، والآن من أخطر القضايا التي تهدد المجاهدين في أفغانستان قضية المجاعة، أصبح المجاهدون في بعض المناطق يلقون سلاحهم ويستسلمون لأنهم لم يجدوا لقمة العيش التي يأكلونها، -ومع الأسف- تجد كثيراً منا يتقلبون في ألوان النعيم، لو حسبنا وجبة -الطعام الغذاء والعشاء التي تقدم لنا- تجد أن الوجبة لا تقل عن عشرة أنواع، أو خمسة عشر نوعاً، وقد نلقي بها في الزبالة إذا انتهينا منها، وفي بعض المناسبات يحمل الطعام الكثير، ويلقي به أكواماً في الشوارع، أو في البيارات، في الوقت الذي هناك الكثير من المسلمين المجاهدين، من الذين يقاتلون بالنيابة عنا، يموتون جوعاً. ولذلك أقول: من أعظم ألوان الجهاد الجهاد بالمال، ومن الجهاد بالمال، أن تدفع المال للمجاهدين في أفغانستان، أو فلسطين، أو في الفلبين، أو في غيرها، متى وجدت السبيل الذي تطمئن إن شاء الله إلى أنه يوصل المال فعلاً إلى هؤلاء، لكن، ليس هذا هو المجال فقط.

    ب/ دعم المشاريع الإسلامية:

    إلا تعلم أخي الكريم، أنه يوجد لا أقل مئات، ولا أقول ألوف، بل ربما أقول: عشرات الألوف وقد وقفت بنفسي على أشياء كثيرة، من هذا القبيل، من المشاريع الإسلامية العظيمة، لا يحول بينها وبين أن تقوم وتثمر وتؤدي دورها إلا قلة المال، كم من مدرسة في العالم الإسلامي، وفي الجاليات الإسلامية، في البلاد الغربية تحتاج إلى الدعم المالي، وكم من مؤسسة، وكم من جمعية، تستطيع أن تقوم بدور جبار، وهيئة الإغاثة الإسلامية لها جهود مشكورة في هذا المجال، لكن لازالت الجهود أقل مما يجب بكثير، يقولون أحياناً أعطونا فقط مناهج دراسية، ولا نريد مناهج لكل طالب، نريد نسخة واحدة فقط، يتداولها الأساتذة، وعند الحاجة نصورها للطلاب، وبكل أسف أذكر لكم قصه عجيبة: في أحد البلاد، أعتقد أنه في بلد غربي، في فرنسا، طلب مجموعة من المسلمين كتاباً، وما هذا الكتاب؟! إنه كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله فجاءوا إلى عدد من الذين يمثلون المسلمين هناك، في السفارات التي تمثل البلاد الإسلامية، قالوا: نريد كتب، قالوا ماذا تريدون؟ قالوا: نريد كتاب التوحيد. قالوا: ندرس الموضوع إن شاء الله، المهم شهر أو شهرين أو ثلاثة لم يجيء الكتاب، في يوم من الأيام كان هؤلاء المسلمون جالسون في مدرستهم، أو في مؤسستهم، فأتاهم جماعة من الشيعة، وقالوا لهم: نحن إخوانكم وعرضوا عليهم المساعدة، جاءوا إليهم، وقالوا: عندنا استعداد أن ندعمكم، ونمدكم بما تريدون، وكذا، وكذا. قالوا: نريد كتب، قالوا: أي كتب. قالوا: من ضمنها كتاب التوحيد. قالوا: موجود عندنا حتى كتاب التوحيد يوزعونه ذراً للرماد في العيون، فأتوهم بكميات كبيرة من كتاب التوحيد. وقالوا: هذه هدية منا، طبعاً بعد كتاب التوحيد ليس هناك مانع غداً يأتون لهم بكتاب تحرير الوسيلة، وبعد غد كتاب الكافي، وبعده، وهكذا يعطونهم الكتب السيئة، فيهدمون ما بنوا، المهم يريدون مدخلاً إلى هؤلاء القوم، -فمع الأسف- نشكو إلى الله ضعف التقي وجور الفاجر.

    وأقول لبعض الإخوة، في بعض المناسبات، بكل أسف الإحصاءات الرسمية تقول: إن عدد المسلمين، كم يا إخوة؟ ألف مليون -مليار- ألف مليون مسلم، لو تصورنا ألف مليون مسلم، نريد من كل واحد منهم ريالاً واحداً فقط، نريد حملة تبرعات -ريالاً واحداً- معناه في حملة واحدة، بكل سهولة تجمَّع عندنا ألف مليون ريال، هذه تقيم مشاريع وهائلة جبارة، وريال ماذا يضر الواحد منا، يعطي طفله عشرة ريالات ولا يلتفت، خمسين ريال ولا يلتفت، إذا صاح سكته بخمسين ريال، ريال واحد ما يضر! لكن المشكلة، مشكلة السلبية من جهة، ومن جهة أخرى ضيق الأفق، فنحن نتصور أن الجهاد بالمال محصور في أمور معينة لا يتعداها.

    أقسام الجهاد من حيث المرحلية

    أما من حيث الناحية المرحلية فقد مر بأربع مراحل:

    المرحلة الأولى: كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ [النساء:77].

    المرحلة الثانية: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [الحج:39].

    المرحلة الثالثة: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ [البقرة:190].

    المرحلة الرابعة: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [التوبة:36].

    أقسام الجهاد باعتبار الحكم

    أما باعتبار الحكم الثابت المستقر فإنه متى كان المسلمون مستطيعين، فإن الجهاد واجب عليهم، والدليل على وجوبه - وهو من أقوى الأدلة- وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم: {من لم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو؛ مات على شعبة من نفاق}.

    إذاً: كل مسلم لا بد أن يغزو أو يحدث نفسه بالغزو، والغزو معناه واسع، ليس معناه أن تحمل متاعك وتقول: توكلنا على الله، نعم، هذا من الغزو، لكن الجهاد في سبيل الله مجاله -كما أسلفت- واسع.

    لكن ليس معنى ذلك أنه فرض عين، لا، إنما هو فرض كفاية، والدليل قوله تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة:122] معنى الآية أي: ما كان المؤمنون ليخرجوا إلى الغزو والجهاد كلهم أجمعون، وَيَدعُوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلا، لكن يخرج من كل فرقة منهم طائفة، ويبقى بقية يتفقهون في الدين، ويتعلمونه، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون، هذا أحد المعاني في الآية.

    إذاً يخرج جماعة إلى الجهاد وجماعة يخرجون لتعلم العلم الشرعي.

    ومع الأسف، أصبح بعض الشباب يهونون من العلم الشرعي، يقولون: نخرج للجهاد، وبعضهم يهونون من أمر الجهاد، يقولون: نخرج للدعوة، ومن الطرائف: يقول لي أحد الشباب: أن جماعة من الدعاة إلى الله تعالى، ذهبوا إلى المجاهدين الأفغان: عبد رب الرسول سياف، وحكمتيار، ورباني وغيرهم، وألقوا مواعظ عليهم، وقالوا: نريد منكم أن تخرجوا في سبيل الله، قالوا: ونحن ماذا نفعل؟!

    أنحن نجلس نلعب الورق! أونأكل الفصفص! أو ماذا نفعل؟!

    ماذا يكون الجهاد إن لم يكون هو العمل الذي نحن فيه؟!

    فالمشكله أن كل إنسان أخذ بجزء وغفل عن الجزء الآخر، فهذا من التحجيم والتحجير لمفهوم الجهاد -كما أسلفت-.

    من الأدلة -أيضاً- على أن الجهاد ليس فرض عين، وإنما هو فرض على العموم، على الكفاية، حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه مسلم قال عليه الصلاة والسلام: {يخرج من كل رجلين رجل، والأجر بينهما} فلو كان الجهاد واجباً على كل فرد لم يكفِ أحدهما عن الآخر، لكنه يتعين في حالات:

    منها: عند النفير، إذا عين الإمام أشخاصاً، أو أمة، أو فئة، أو طائفة، فطلب منهم النفير؛ فيجب على من عينه الإمام أن يخرج لقوله عليه الصلاة والسلام: {وإذا استنفرتم؛ فانفروا}.

    ومنها: إذا هاجم العدو بلداً؛ وجب على أهل ذلك البلد دفعه.

    ومنها: إذا حضر الإنسان الجيش عند القتال وتلاحم الصفان والتقى الجيشان؛ فلا يجوز الفرار حينئذٍ لقوله تعالى: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال:16].

    ففي هذه الحالات الثلاث يصبح الجهاد فرض عين على من تعين عليه، وليس على جميع الناس.

    وأستبعد -والله تعالى أعلم- أن توجد حالة يكون فيها الجهاد فرض عينٍ على أعيان وأفراد الأمة كلها، فلا أعتقد أن هذا يقع في حال من الأحوال.

    1.   

    واقع الأمة مع الجهاد في سبيل الله

    أريد أن أشير في النهاية إلى قضية تتعلق بواقع الأمة في موضوع الجهاد في سبيل الله، واقع الأمة تركت الجهاد تشريعاً وتنفيذاً، إذا كنت قلت لكم: إن الجهاد باق من حيث الشرع، وباق من حيث الواقع العام، فإن الأمة في هذا الوقت بالذات، تركت الجهاد من حيث الشرع، والتشريع، والتنفيذ.

    أما من حيث التشريع، فإن الأمة وقَّعت كما ذكرت ميثاق الأمم المتحدة الذي يلغي الجهاد ويعتبر الجهاد جريمة، فكأن المسلمين عطلوا الجهاد تشريعاً، ولا أعتقد أن مسلماً يكذب بوجوبه، لأنه يرتد حينئذٍ، لكن المهم أنهم وقّعوا على هذا الأمر، واعترفوا به على الأقل علانية. أما من حيث التنفيذ، فإن المسلمين قد آل بهم الضعف، والقلة، والذلة، وغلبة العدو، إلى الحد الذي أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثين عظيمين جليلين.

    أولهما: حديث ابن عمر رضي الله عنه وهو صحيح يقول عليه الصلاة والسلام: {إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، واتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينـزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم} لاحظ الحديث { تبايعتم بالعينة} يعني: الربا.

    وهذا تعبير نبوي، معناه تعاملتم بالربا، وتحدث ما شئت عن قيام الاقتصاد في البلاد الإسلامية كلها على الربا، هذه واحدة، { ورضيتم بالزرع} الزرع أيضاً نموذج ومثال للدنيا والتعلق بالدنيا، ليس ضرورياً الزرع فقط، الذي يرضى بالزرع، أو يرضى بالتجارة فقط، أو يرضى بالمنصب والوظيفة، أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [التوبة:38] { وتركتم الجهاد } تركتموه قولاً وعملاً.

    أما قولاً: فحين وافقتم الأمم الكافرة على ميثاقها الظالم الجائر الذي يعتبر الجهاد جريمة، وأنه يعرّض السلام والأمن الدوليين للخطر، وتركتم الجهاد حين ألقيتم السلاح، وقلتم لا جهاد، واشتغلتم بالدنيا، سلط الله عليكم ذلاً لا ينـزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم.

    وقد يقول قائل: أين الأحاديث الدالة على أن الجهاد باق، مع أنه في حديث ابن عمر ذكر أنهم تركوا الجهاد، فنقول: حتى حديث ابن عمر ذكر أن الجهاد باق؛ لأن قوله: {لا ينـزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم} يدل على أن هذه الحالة من الذل لن تستمر، بل سوف يعقبها رجوع إلى الدين، بما في ذلك إحياء لشعيرة الجهاد، ومن الجهاد: القتال في سبيل الله سبحانه وتعالى.

    تداعي الأمم على أمة الإسلام

    الحديث الثاني: -وهو أعظم وأوضح من هذا الحديث- حديث ثوبان رضي الله عنه الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما، وهو حديث صحيح، وله شاهد عن أبي هريرة رواه أحمد بسند جيد، كما يقول الهيثمي، يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: {يوشك أن تتداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها" -تداعى: يدعوا بعضهم بعضاً، كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، لاحظ! الطعام في قصعة وكل واحد يدعو الثاني- قالوا: أمن قلة بنا يومئذ يا رسول الله؟

    -نحن قليل- قال: لا، بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل -الغثاء: هو الذي يكون فوق السيل فإذا جرى الوادي يكون فوقه الغثاء الأبيض الذي هو: عبارة عن زبد وأشياء جرفها الماء معه وهي أمور تطير فقاعات، لا فائدة منها، غثاء كغثاء السيل، يعني: قيمة الفرد ضاعت، مثلما قلنا ألف مليون إذا كنا نريد منهم ألف مليون ريال لم تحصل، غثاء كغثاء السيل- ولينـزعن الله المهابة من قلوب عدوكم -لا يخافكم- وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت} والجهاد لا يقوم إلا على التضحية والبسالة، والذي يحمل روحه على راحته:

    ماضٍ وأعرف ما دربي وما هدفي     والموت يرقص لي في كل منعطف

    وما أبالي به حتى أحاذره     فخشية الموت عندي أبرد الطرف

    أو الآخر المقاتل الذي يقول:

    وإني لمقتاد جوادي وقاذف      به وبنفسي العام إحدى المقاذف

    لأكسب أجراً أو أءول إلى غنى     من الله يكفيني عداة الخلائف

    فيا رب إن حانت وفاتي فلا تكن     على شرجعٍ يعلى بدكن المطارف

    ولكن أحن يومي شهيداً بعصبة     يصابون في فج من الأرض خائف

    عصائب من شيبان ألف بينهم     تقى الله نـزَّالون عند التزاحف

    إذا فارقوا دنياهم وفارقوا الأذى     وصاروا إلى موعود ما في المصاحف

    فإذا زالت من المؤمنين روح البذل والفداء والتضحية، وتعلقوا بالدنيا؛ فلا يوجد عندهم جهاد.

    مراحل تداعي الأمم على أمة الإسلام

    قف عند حديث ثوبان يقول: {يوشك أن تتداعى عليكم الأمم} أريد أن أسأل الإخوة: هل وجد هذا العصر الذي أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم الآن أو لا يزال غير موجود؟ يقول: {يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها} يدعو بعضهم بعضاً، أعتقد أن هذا كان في وقت مضى، أما الآن فنحن في وضع أسوأ مما أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن المسلمين مروا بمراحل:

    المرحلة الأولى: بعدما سقطت الخلافة الإسلامية -الخلافة العثمانية- أصبحت البلاد الإسلامية لقمة سائغة في أيدي الأعداء، فأول الأمر كان الأعداء قد اختلفوا في قسمة التركة، وتنازعوا، ثم بعد ذلك تصالحوا، ووجد ما يسمى باقتسام مناطق النفوذ، الآن انتهت قضية التداعي على القصعة، وعرف كل إنسان منهم نصيبه، عرفت الدول نصيبها من البلاد الإسلامية، وأخذته غنيمة باردة.

    فنحن الآن في مرحلة ما بعد التداعي -إن صح التعبير- ولكننا -كما قال المثل: (اشتدي أزمة تنفرجي) في قمة الظلام يولد الفجر، وفي حلكة الظلام يولد الفجر، فإذا وصلت الأمور إلى نهايتها وإلى غايتها، فهنا البشير لبداية النصر، قال تعالى: حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214] استبطئوه أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214].

    1.   

    الواجب علينا

    وأخيراً: الواجب وما أكبر هذا الواجب: الواجب حركة إسلامية جهادية في كل صعيد، عدونا حاربنا بالمرض، فنحن نحتاج إلى حركة جهادية تسعى إلى إعادة الصحة والقوة إلى المسلمين، وحتى حين يكونون ضعفاء {لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله} حتى حين نكون ضعفاء، حاربنا العدو بالجهل.

    فنحن بحاجة إلى حركة تعليمية واسعة النطاق، ترفع الأمية والجهل عن المسلمين، عدونا حاربنا بالفقر، فنحن بحاجة إلى حركة اقتصادية صحيحة سليمة تسعى إلى توفير المال بأيدي المسلمين من خلال الطرق والوسائل الشرعية، ثم نحن بحاجة إلى حركة جهادية تقاتل الكفار على الثغور، في فلسطين، وفي أفغانستان، وفي كل بلد يهيمن عليه الكفار، وترفع راية لا إله إلا الله محمد رسول الله.

    نحن بحاجة إلى حركة جهادية شرعية تنشر العلم الشرعي، والفقه، والمعرفة، وهي الضمانة لكل التحركات السابقة، تضمن ألا تنحرف ذات اليمين، أو ذات الشمال، ثم مع ذلك نحن بحاجة -كما أسلفت- إلى حركة جهادية، إعلامية، تصنع الإعلام الإسلامي الذي يكون بديلاً عن الإعلام المنحل، وهذا يحتاج إلى أمم من الناس.

    القضية في الواقع -أيها الإخوة- ليست قضية يسيرة -كما يبدو لنا- أحياناً نقول مجرد مجموعة في بلد من البلدان النائية تقوم بحركة ثم تدعم ثم تقوم دولة الإسلام، ثم يهاجر إليها المسلمون، ثم تبدأ تتوسع، هذا تصور فيه سذاجة، فيه غفلة، نحن بحاجة إلى حركة جهادية في كل بلد، وفي كل مجال، وعلى كل صعيد، ونحن بحاجة إلى جهد كل مسلم، كل مسلم يجب أن يكون إيجابياً، مرحلة الغثائية يجب أن نتعداها، كن إيجابياً فعالاً مؤثراً بقدر ما تستطيع.

    1.   

    الأسئلة

    حكم استخدام الفيديو في الدعوة

    السؤال: هذا يسأل عن استخدام الفيديو كوسيلة من وسائل الدعوة، تسجيل المحاضرات، والأمسيات وغيرها وعرضها على الطلاب الناشئين؟

    الجواب: أنا أدعو إلى الإستفادة من جميع وسائل الإعلام الممكنة في الدعوة إلى الله عز وجل، لكن هذا الاستخدام يجب أن يكون استخداماً واعياً، حين تجد إنساناً ليس في بيته فيديو -مثلاً- لا أعتقد أنني بحاجة إلى أن أقنعه أن يشتري فيديو من أجل أن يشاهد بعض الأفلام، لماذا؟ لأن عدد الأفلام العلمية والإسلامية مهما كثرت فإنها قليلة، أربعين أو خمسين، لو سمعها أو رآها في شهر، أو شهرين ثم ماذا بعد؟! لكن الأفلام المنحرفة بالألوف والملايين في كل مكان، هذه ناحية.

    الناحية الأخرى: لماذا نواجه القوة بضعف، والتقدم بجهل، والعلم بوسائل بدائية، الآن قضية التصوير أصبحت فناً عند الأعداء، والألوان والجذب والإثارة أصبح فناً متخصصاً له رواده، وأصبحوا يملكون جذب المشاهد بمئات الوسائل، فهل يُعقل أن نقابل ذلك بواعظ يتحدث في شريط؟!

    في العام الماضي ألح أحد الشباب أن يسجل أشرطة فيديو لي، فأعتذرت له كل الإعتذار، وقلت له: أنا لست مقتنعاً بالنسبة لي من ذلك، لماذا؟

    لأنها هذه ليست الوسيلة التي نواجه بها الأعداء، إذا كنت ستفعل، فلا بد أن تنتج إنتاجاً يكون على مستوى إنتاج الخصوم، ينافسه ويجذب إليه الأنظار ويؤثر مثلما يؤثر هو.

    معنى حديث ( من مات ولم يغز)

    السؤال: ما معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: {من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالجهاد؛ مات على شعبة من نفاق} وما صحة الحديث؟

    الجواب: الحديث ذكرته بأنه رواه مسلم، أما معنى الحديث فهو واضح، (يغزو)أي: يذهب للغزو، أو (يحدث نفسه بالغزو) -يهم به أو ينوي أنه سيغزو في يوم من الأيام- وورد في الحديث الثالث من حديث أبي أمامة، وهو صحيح أيضاً: {أو يخلف غازياً في أهله بخير} أي: يساعد غازياً، يساعده بالمال، جهز غازياً، اخلف غازياً في أهله، وهكذا.

    الذهاب للجهاد في أفغانستان

    السؤال: كثر السؤال عن الجهاد في أفغانستان هل يجب علينا؟ وهل يجب استئذان الوالدين؟وأيهما أفضل الجهاد بالدعوة هنا، أم نسافر هناك؟

    الجواب: أما مسالة استئذان الوالدين، فلا شك أنه يجب استئذان الوالدين، ولا يجب أن نكون فيه على خلاف، أما مسألة هل تجلس هنا أم تذهب إلى هناك.

    فأقول: يختلف الأمر: إن كان لك بلاء هنا كأن تكون داعية مفيداً هنا؛ فاجلس هنا، أما إن كان لك بلاء هناك -أنت متخصص في الأمور العسكرية- عندك خبرات قد لا توجد عند غيرك، فاذهب إلى هناك، أو كنت إنساناً داعية وليس لك هنا قيمة.

    ولكن تقول: هناك أريد أن أنشر الدعوة بينهم، والتوحيد، والعلم الصحيح، فهذا شيء طيب وجيد، أو طبيب تذهب لتعالج، أو ممرض للتمريض، أيضاً هذا جيد تذهب ولو شهراً، أو شهرين هناك، وإلا فابق هنا، وجاهد ما تستطيع، ونحن يجب أن لا نعتقد أن هناك مجالاً واحداً تنصب فيه جهود المسلمين، فلا نضع البيض في سلة واحدة، يمكن تسقط هذه السلة فيتكسر البيض كله، لا،بل نعمل على كل الثغرات، وفي كل المجالات، ونسأل الله أن ينصر الإسلام في أفغانستان، وفي كل مكان.

    جهاد العلمانيين

    السؤال: ألا ترى أن جهاد العلمانيين وأصحاب الدعوات الهدامة وإفشال مخططاتهم، وخداعهم للناس نوع من الجهاد؟

    الجواب: أما بالنسبة للعلمانيين فإنهم من المنافقين، حتى في كثير من البلاد التي تسمح لهم بأن يقولوا كلمتهم، الآن اصبحوا يتمسحون بالإسلام، لما لاحظوا قضية الصحوة والحركة تجاه الإسلام، حتى الذين كانوا بالأمس يلتفون باليسار، ويتكلمون عن اليسارية وعن الشيوعية، وأسماء كثيرة لامعة، وأعرف كثيراً منهم أصبحوا الآن يقولون: نريد الإسلام، لماذا؟

    وذلك قد يكون إما على سبيل ركوب الموجة وهذا هو الغالب، وقد يكون منهم -كما حدث للبعض- من تغير فكره، لكن الغالب أنه على سبيل ركوب الموجة، فهم منافقون لا يجاهرون بقضية حرب الإسلام، فهم من المنافقين الذين يجب كشف مخططاتهم.

    الجهاد والفترة المكية

    السؤال: هناك من يقول إن الإسلام اليوم يشبه الفترة المكية الآن، ليس فيه جهاد وإنما إعداد ودعوة فقط؟

    الجواب: أما بالنسبة لقضية الجهاد.

    فأقول: ليست القضية أنها فترة مكية أو فترة مدنية، الجهاد فيما يظهر لي ليس فيه ناسخ ومنسوخ في القيام بالجهاد أو عدمه، بل هذا يرتبط بقوة المسلمين، فإذا وجد عند المسلمين قوة وجب عليهم أن يجاهدوا، إذا ضعفوا قد يضطرون إلى أن يصالحوا العدو، أو يتركوا الجهاد، لأن هذا نوع من الإلقاء باليد إلى التهلكة إذا كانوا يقاتلون وهم ضعفاء سواء في عددهم أو في عدتهم.

    صحة حديث: ( رجعنا من الجهاد الأصغر )

    السؤال: حديث: {رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر

    الجواب: هذا حديث رواه البيهقي وهو حديث واهٍ لا يصح.

    دعم الانتفاضة

    السؤال: ما رأيكم في الانتفاضة الفلسطينية من ناحية الجهاد الإسلامي؟ وهل ندعمها مادياً حيث تدور شكوك حول وصول بعض الإعانات إليها؟

    الجواب: مسألة الدعم للانتفاضة الفلسطينية، فالانتفاضة يبدو لي أنها حركة قهر، انتفاضة شعب بأكمله، لكن يوجد قطاع عريض من هذه الانتفاضة يدعمه ويقوم عليه المسلمون، وما حركة حماس التي تسمعون عنها إلا نموذج للجهاد الإسلامي، والجهاد في سبيل الله، وهي حركة إسلامية، أما قضية الدعم المالي فمتى شعر الإنسان بأنه يستطيع أن يدعمهم مادياً دعمهم، لكن لا تدعم غيرهم، ادعمهم هم.

    توجيهات للخارجين إلى الجهاد

    السؤال: توجيهات لمن أراد الخروج للجهاد؟

    الجواب: من أهم التوجيهات: أن تفقه نفسك في الجهاد، افهم فقه الدعوة، وفقه الجهاد، فمن المؤسف والمحزن أن يصبح المجاهدون في بعض الثغور بأمس الحاجة إلى التربية والتفقيه والتوعية والتعليم والتوجيه، وقد يرجع بعضهم بغير الوجه الذي ذهب به، فَتَعَلَّم وتَحَصَّن بالعلم الشرعي الصحيح والفقه الصحيح، وبعد ذلك اذهب للجهاد، وأحسن النية، وتحلل من الحقوق التي عليك، واستأذن والديك.

    الجهاد بدون إذن الوالدين

    السؤال: هذا يسأل عن الشاب إذا ذهب بدون إذن والديه، فهل يُغفر له معصيته لوالديه؟

    الجواب: علىكل حال لا يجوز له أن يذهب، وإن ذهب فهو عاصٍ، وهو تحت مشيئة الله تعالى، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.

    جهاد المنافقين والفساق

    السؤال: ما نصيحتك تجاه جهاد المنافقين والفساق، وما أحسن وأفضل الطرق في جهادهم؟

    الجواب: أحسن الطرق في جهادهم النـزول للساحة وللميدان، انه عن المنكر، مر بالمعروف، ادع إلى ربك، اصبر، وستجد أنهم هم الذين يتحرشون بك، ثم عندما نقول انـزل إلى الميدان، هذا الميدان نفسه يفرض عليك شيئاً، كم من صحيفة ومجلة تنـزل للسوق، كم من كتاب ينـزل للسوق فيه منكر، وقد قرأت في مرة من المرات كتاباً يباع بـمكة، فيه إلحاد ينكر وجود الله، وقد اشتريته بحر مالي يقول:

    حدثوني هل للورى من إله     راحمٍ مثل زعمهم أواهٍ

    يخلق الخلق باسماً ويواسيهم     ويرنو لهم بعطف الإله

    إنني لم أجده بهذه الدنيا     فهل خلف أختها من إله

    لقد اشتريت هذا الكتاب من مكة المكرمة. وقرأت مرة كتاباً كتبه رجل من هذه البلاد، يتكلم بكل وقاحة عن قضايا الجنس واللواط، وكلام سخيف يليق بأمثاله، ومطبوع هنا ويباع، وقد كتبت عنهما إلى الجهات المختصة، فكم تقرأ من كتاب، أو من جريدة، أو تسمع من إذاعة، وبغيرها كلاماً باطلاً أو منكراً، فما دورك؟!

    هل تكتفي بقولك: الله المستعان! هذا لا يكفي بل قولك (الله المستعان) يعني أنك تطلب العون من الله، بل اكتب، راسل، اتصل، تكلم، مر بالمعروف، انه عن المنكر، اذهب بنفسك أحياناً، وبأسلوب حسن وبالحكمة والموعظة الحسنة، اجعل أسوأ كلامك آخره هذا من جهاد المنافقين.

    لمن المهابة؟

    السؤال: هل المهابة خاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم أم هي عامة في الأمة؟

    الجواب: لا، بل المهابة على الراجح عامة لعامة الأمة، وفي ذلك سبعة أدلة أو أكثر، ذكرتها في محاضرة (خصائص هذه الأمة).

    كتاب في ( حي على الجهاد )

    السؤال يقول: حبذا لو يصدر كتاب يبين معنى (حي على الجهاد) حتى تعم الفائدة؟

    الجواب: الآن الموضوع في محاضرة، فكيف يكون هذا العنوان في كتاب كامل؟

    إلا إن كان الأخ يقصد هذا الموضوع.

    الطريقة المناسبة في طرح فكرة الجهاد

    السؤال: ذكرت أن بعض العلماء والمفكرين يطرحون فكرة الجهاد طرحاً ميتاً، ويقولون: لا بد من نشر الإسلام بالدعوة الحسنة، وعارضت ذلك، فما هو رأيك بالطريقة المناسبة؟

    الجواب: في الواقع أنا لا أعارض نشر الإسلام بالطريقة الحسنة، لكن أعارض كلمة (فقط) هذه بين قوسين، هذه (فقط) التي أعترض عليها، نشر الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة كلنا مسلمون به ولكن الذي أعارضه (فقط).

    أقول: لابد من نشر الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا بد أن نعلم أن الحكمة والموعظة الحسنة لا تكفي وحدها، وأننا إذا كنا جادين في حمل الإسلام، وإقامته فإننا محتاجون إلى أن ننشر الإسلام بالقوة أيضاً، هذا رأيي وليس رأيي وحدي، بل هذا الذي نفهمه من كتاب الله تعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وكلام أهل العلم.

    والحمد لله رب العالمين.