اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حي على الجهاد للشيخ : سلمان العودة


حي على الجهاد - (للشيخ : سلمان العودة)
تحدث الدرس عن معنى الجهاد وأهميته وبقائه إلى يوم القيامة، وعن الطائفة المنصورة، ثم ذكر أدلة على سعة مفهوم الجهاد وأنه أقسام باعتبارات عدة منها أقسامه باعتبار من يقع عليهم وأقسامه باعتبار الآلة باليد وبالمال، وأقسامه من حيث المرحلية: كَفُّ، وإِذْنٌ، وقتال المقاتل، وقتال المشركين كافة، وأقسامه باعتبار الحكم: فرض كفاية إلا إذا أغار العدو أو أمر السلطان تعين على من عَيَّن السلطان، ثم ذكر واقع الأمة اليوم وتركها للجهاد وسقوط الخلافة وأثره في الجهاد، ثم ختم بأنه لا بد من إقامة حركة إسلامية جهادية. ثم أجاب على الأسئلة.
الاستعداد للجهاد
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعــد:سمعتم عنوان هذه المحاضرة أيها الأحبة وهو (حي على الجهاد) فما أدري: هل أنتم مستعدون للجهاد؟من قال حي على الجهاد تجبه صيحات الدماء لو كنت أشلاء ممزقة بأنحاء الفضاء لم آل جهداً في كفاح مناصب الدين العداء وإذا كنتم مستعدين، فلابد أن نطبق معكم ميزان يوشع بن نون عليه الصلاة والسلام.
 مدلول كلمة الجهاد
أحبتي الكرام: الجهاد بحد ذاته كلمه ذات مدلول عميق، وهي من الشعائر العظيمة التي جاء بها دين الإسلام، ولو رجعنا يسيراً الى المعنى والمدلول اللغوي لكلمة (جهاد) لوجدنا أنها مشتقة أصلاً من كلمة (جهد)، و(جهد) تدل على بذل الجهد، واستفراغ الوسع والطاقة في أمر من الأمور، فأنت تقول: فلاناً أجهد فلاناً يعني اتعبه، وفلان اجتهد في كذا يعني بذل جهده وغايته، فإذا أضفنا إلى أصل معنى كلمة (جهد) لفظ (الجهاد) أو (المجاهدة) الذي يدل على مفاعلة بين طرفين، بأن يبذل شخص جهده ضدك وأنت تبذل جهدك ضده، هذه مثل المقاتلة، فرق بين أن تقول: فلان قتل فلاناً، أو فلان قاتل فلاناً، وفقتله يمكن أن تكون بمعنى أن يجده نائماً -مثلاً- فقتله بالسيف، لكن عندما تقول: قاتله، معناه أن هذا كان معه سيف، وهذا كان معه سيف، فالتقيا، ومازال كل واحد منهما يكر ويفر ويميل يمنة ويسرة على الآخر حتى أمكن منه فقتله. إذاً (جاهد) تدل على أن هناك طرفاً آخر يقاتل المسلمين، ويؤذيهم، ويحاربهم، والمسلمون مطالبون بأن يواجهوا هذا بالجهاد، مثل قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا [آل عمران:200] فقوله (اصبروا) يدل على أن الإنسان يصبر على ما يناله، وما يصيبه، لكن لما قال: وَصَابِرُوا [آل عمران:200] معناه أنه لا يكفي الصبر، بل لابد من المصابرة، بمعنى أنكم ستلقون أعداء يصبرون كما تصبرون، فصابروا، أي: اصبروا صبراً فوق صبرهم. قيل لبعض الشجعان في الجاهلية، وأظنه عنترة بن شداد قيل له: كيف كنت شجاعاً باسلاً؟ وكان عنترة عبداً ليس له قيمة، وفي يوم من الأيام أغار الجيش على قومه، فأمره سيده بأن يوقد النيران ويقاتل، فإن انتصر فهو حر، وهكذا، المهم قيل له: بماذا صرت شجاعاً يشار إليك بالبنان؟ قال: إنني أجد من الألم كما يجد غيري، ولكنني في كل لحظة أصبر نفسي، وأقول: أنتظر ربما تكون هذه اللحظة هي اللحظة التي ينهزم فيها عدوك، فأنتظر لحظة، وهكذا أصبر نفسي حتى يعلن عدوي هزيمته وانتصر أنا، وإلا فأنا أجد من الألم ومس العذاب مثلما يجد غيري. ولذلك كان من حكمة الله أنه جعل اسم هذا الأمر الذي شرعه لنا من قتال الأعداء وغيره، جعل اسمه (الجهاد) حتى تكون الكلمة بحد ذاتها معبرة، حتى لو لم ترد نصوص صريحة في هذا الباب فإن مجرد هذه الكلمة -كلمة (الجهاد)- ذات دلالات عميقة، كما سيتضح من خلال هذا الحديث العابر.
ثبات الجهاد واستمراره
ومن أعظم الدلالات التي يدل عليها هذا الاسم الكريم المبارك لهذه الشعيرة العظيمة الجهاد: قضية ثبات الجهاد، ودوامه، واستمراره، وهذه قضيه أعتبر أنها من أعظم وأخطر القضايا التي تحتاج أن نبرزها في هذا العصر، وعندنا نصوص كثيرة، -فضلاً عن مدلول كلمة الجهاد نفسها، التي تدل على دوام المجاهدة، ومقاتلة الأعداء إلى قيام الساعة- فعندنا نصوص نبوية صريحة تدل على ثبات الجهاد، وبقائه إلى يوم القيامة، أذكر منها بعض الأمثلة:-
 حديث ( الخيل في نواصيها الخير )
ومن الأحاديث الدالة أيضاً على بقاء الجهاد إلى قيام الساعة، قوله صلى الله عليه وسلم: { الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة} كما رواه الشيخان، عن ابن عمر، وروياه -أيضاً- عن عروة بن أبي الجعد البارقي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر، والمغنم}. ولماذا كانت الخيل بهذه المثابة؟ لأنه معقود في نواصيها الأجر والمغنم، والمغنم: هو ثمرة من ثمرات الجهاد، وكذلك الأجر: إنما هو ثمرة من ثمرات الجهاد، والخيل: إنما هي آلة من آلات الجهاد أو كانت آلة من آلات الجهاد فيما مضى، في عهود قتال المسلمين الأولين كانت الخيل من أعظم وسائل الجهاد. كذلك في الحروب المستقبلية التي تكون قبل قيام الساعة، والملاحم الكبرى التي حدث عنها النبي صلى الله عليه وسلم تستخدم فيها الخيول، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في قتال المسلمين مع الروم في دمشق، وفتحهم للقسطنطينية، قبل خروج الدجال، والملاحم الكبرى التي ورد الخبر عنها، فيها ذكر الخيل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن الفوارس الذين يقاتلون، قال: {إني لأعرف أسماءهم، وأسماء آبائهم، وألوان خيولهم، هم خير الفوارس على وجه الأرض يومئذ أو من خير فوارس الأرض يومئذ } فذكر صلى الله عليه وسلم الخيول، وأنه معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة. إذاً، قتال الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الأولين كان بالخيول، والملاحم الكبرى التي قبل قيام الساعة ستكون بالخيول، وهذا لا يلزم أن يكون الجهاد بالخيل دائماً: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60] فليس صحيحاً أن عدونا يواجهنا بالصاروخ، والمدفعية، والدبابة، وغيرها من وسائل الحرب المتقدمة، ونحن نواجهه بالسيف، والخنجر، والخيل، كلا، بل نعد له القوة التي تتناسب مع القوة التي يواجهنا، ويحاربنا بها. حديث: { الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة } حديث متواتر، رواه أكثر من عشرين صحابياً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحاديث بعضهم في الصحيحين وغيرهما -كما ذكرت- حديث ابن عمر، وعروة بن أبي الجعد البارقي. ويقول الإمام أحمد، كما ذكر الترمذي: "فقه هذا الحديث أن الجهاد ماضٍ مع البر والفاجر إلى يوم القيامة". والبخاري -أيضاً- بوب على هذا الحديث في صحيحه، "باب الجهاد ماضٍ مع البر والفاجر". فالإمام أحمد، والبخاري، والترمذي، والبيهقي، وغيرهم من العلماء، فهموا أن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: { الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة} أن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، لأنه إنما كانت الخيل كذلك للحاجة إليها في الجهاد، فمعنى هذا أن الجهاد باقٍ إلى قيام الساعة.
معاني ودلالات بقاء الجهاد
هذه القضية نأخذ منها معاني ودلالات كثيرة فإننا فهمنا من مجموع هذه الأحاديث ومن غيرها ومن أصل كلمة الجهاد، أن الجهاد باق إلى قيام الساعة، نأخذ من ذلك عدة أمور:
 لا بد من قتال الكفار وأهله
أودُّ أن أشير إلى استدراك أخشى أن يفهم من كلامي، حين تحدثت عن قضية البرلمانات، والمجالس، وغيرها، يوجد في بعض البلاد الإسلامية برلمانات، ومجالس أمه، ومجالس نيابية، وما أشبه ذلك، ويكثر السؤال عنها يجوز، أو لا يجوز؟أود أن أقول: إنني لا أقصد مثل هذا النوع، ولا أتحدث عنه لا تحريماً ولا تحليلاً، هذه قضية يبحثها المختصون، ويقولون فيها رأيهم وكلمتهم، لكن أقصد أن هذا الأسلوب حتى حين نقول أنه يجوز، ليس المعنى أننا نعتمد هذا الأسلوب للدعوة إلى الله عز وجل ونعتقد أن هذا الأسلوب يغني عن القتال، أريد أن أؤكد أن أعداء الله عز وجل وهو أصناف من اليهود، والنصارى والمشركين، والشيوعيين، والوثنيين، إلى غيرهم، كل هؤلاء لا يمكن إلا أن يقاتلونا، حتى وإن لم نقاتلهم فإنهم سوف يقاتلوننا، فلابد من الجهاد في سبيل الله عز وجل، هذه قضية مهمة وإن كانت نظرية إلى حدما، ولكن أحببت أن أتحدث عنها؛ لأني لا حظت فيها انحرافاً كبيراً وخطيراً عند كثير من الشباب، وفي كثير من الكتب والداراسات.
ضيق مفهوم الجهاد عند الناس
في موضوع الجهاد، وحي على الجهاد، قضية أخرى، حين يسمع بعض الشباب هذا العنوان، (حي على الجهاد) يتصورون أن المقصود الجهاد في أي بلد؟ في أفغانستان، وهذا يؤكد أنه حصل في مفهوم الجهاد ضعف وتحجر، مثلما حصل في مفاهيم الإسلام الأخرى، فعندما تأتي إلى مفهوم العبادة تجد انحرافاً في مفهوم العبادة، بحيث ضيقوها وصاروا يظنون أن العبادة: هي الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج فقط، مع أن المفهوم أوسع من ذلك. وهناك مفاهيم كثيرة في الإسلام تجدها ضيقت، كذلك مفهوم الجهاد أصبح كثيرٌ من الناس يظنون أن الجهاد هو القتال، مع أن القتال صورة واحدة فقط من صور الجهاد، ثم تحجر الجهاد -فجأه- فأصبح الجهاد في مفهوم كثير من الشباب هو الجهاد في أفغانستان لا غير، وهذا غلط كبير، تجد أحياناً يرد سؤال يقول: ما حكم الجهاد؟السائل يريد أن يقول ماذا ترى في الجهاد في أفغانستان، هل هو فرض عين، أم فرض كفاية؟ وفي ذهنه أن الجهاد يعني: الجهاد في أفغانستان، أو فلان ذهب للجهاد يعني الجهاد في أفغانستان، وهذا خطأ وخطر يجب استدراكه، الجهاد أوسع من ذلك بكثير، ولنستمع إلى هذه النصوص:
 المعركة الخارجية
خذ مثلاً آخر -ولم أرد إلا التمثيل فقط بأحاديث في صلب الموضوع-: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم، وألسنتكم} وهذا الحديث، رواه أبو داود والنسائي والحاكم وصححه الحاكم والذهبي والنووي وغيرهم من أهل العلم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بجهاد المشركين بالمال، وبالنفس، وباللسان. إذاً، الجهاد مفهومه أوسع مما يتصور الكثيرون.
أقسام الجهاد
ولذلك أشير إشارة سريعة -بقدر ما يتسع الوقت- إلى قضية أقسام الجهاد حتى ندرك أن الجهاد شامل -كما ذكرت- فالعلماء أحياناً يقسمون الجهاد بحسب من يقع عليه الجهاد، فيقولون مثلاً:
 أقسام الجهاد باعتبار الحكم
أما باعتبار الحكم الثابت المستقر فإنه متى كان المسلمون مستطيعين، فإن الجهاد واجب عليهم، والدليل على وجوبه - وهو من أقوى الأدلة- وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم: {من لم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو؛ مات على شعبة من نفاق}. إذاً: كل مسلم لا بد أن يغزو أو يحدث نفسه بالغزو، والغزو معناه واسع، ليس معناه أن تحمل متاعك وتقول: توكلنا على الله، نعم، هذا من الغزو، لكن الجهاد في سبيل الله مجاله -كما أسلفت- واسع. لكن ليس معنى ذلك أنه فرض عين، لا، إنما هو فرض كفاية، والدليل قوله تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة:122] معنى الآية أي: ما كان المؤمنون ليخرجوا إلى الغزو والجهاد كلهم أجمعون، وَيَدعُوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلا، لكن يخرج من كل فرقة منهم طائفة، ويبقى بقية يتفقهون في الدين، ويتعلمونه، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون، هذا أحد المعاني في الآية. إذاً يخرج جماعة إلى الجهاد وجماعة يخرجون لتعلم العلم الشرعي. ومع الأسف، أصبح بعض الشباب يهونون من العلم الشرعي، يقولون: نخرج للجهاد، وبعضهم يهونون من أمر الجهاد، يقولون: نخرج للدعوة، ومن الطرائف: يقول لي أحد الشباب: أن جماعة من الدعاة إلى الله تعالى، ذهبوا إلى المجاهدين الأفغان: عبد رب الرسول سياف، وحكمتيار، ورباني وغيرهم، وألقوا مواعظ عليهم، وقالوا: نريد منكم أن تخرجوا في سبيل الله، قالوا: ونحن ماذا نفعل؟!أنحن نجلس نلعب الورق! أونأكل الفصفص! أو ماذا نفعل؟! ماذا يكون الجهاد إن لم يكون هو العمل الذي نحن فيه؟! فالمشكله أن كل إنسان أخذ بجزء وغفل عن الجزء الآخر، فهذا من التحجيم والتحجير لمفهوم الجهاد -كما أسلفت-. من الأدلة -أيضاً- على أن الجهاد ليس فرض عين، وإنما هو فرض على العموم، على الكفاية، حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه مسلم قال عليه الصلاة والسلام: {يخرج من كل رجلين رجل، والأجر بينهما} فلو كان الجهاد واجباً على كل فرد لم يكفِ أحدهما عن الآخر، لكنه يتعين في حالات: منها: عند النفير، إذا عين الإمام أشخاصاً، أو أمة، أو فئة، أو طائفة، فطلب منهم النفير؛ فيجب على من عينه الإمام أن يخرج لقوله عليه الصلاة والسلام: {وإذا استنفرتم؛ فانفروا}. ومنها: إذا هاجم العدو بلداً؛ وجب على أهل ذلك البلد دفعه. ومنها: إذا حضر الإنسان الجيش عند القتال وتلاحم الصفان والتقى الجيشان؛ فلا يجوز الفرار حينئذٍ لقوله تعالى: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال:16].ففي هذه الحالات الثلاث يصبح الجهاد فرض عين على من تعين عليه، وليس على جميع الناس. وأستبعد -والله تعالى أعلم- أن توجد حالة يكون فيها الجهاد فرض عينٍ على أعيان وأفراد الأمة كلها، فلا أعتقد أن هذا يقع في حال من الأحوال.
واقع الأمة مع الجهاد في سبيل الله
أريد أن أشير في النهاية إلى قضية تتعلق بواقع الأمة في موضوع الجهاد في سبيل الله، واقع الأمة تركت الجهاد تشريعاً وتنفيذاً، إذا كنت قلت لكم: إن الجهاد باق من حيث الشرع، وباق من حيث الواقع العام، فإن الأمة في هذا الوقت بالذات، تركت الجهاد من حيث الشرع، والتشريع، والتنفيذ. أما من حيث التشريع، فإن الأمة وقَّعت كما ذكرت ميثاق الأمم المتحدة الذي يلغي الجهاد ويعتبر الجهاد جريمة، فكأن المسلمين عطلوا الجهاد تشريعاً، ولا أعتقد أن مسلماً يكذب بوجوبه، لأنه يرتد حينئذٍ، لكن المهم أنهم وقّعوا على هذا الأمر، واعترفوا به على الأقل علانية. أما من حيث التنفيذ، فإن المسلمين قد آل بهم الضعف، والقلة، والذلة، وغلبة العدو، إلى الحد الذي أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثين عظيمين جليلين. أولهما: حديث ابن عمر رضي الله عنه وهو صحيح يقول عليه الصلاة والسلام: {إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، واتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينـزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم} لاحظ الحديث { تبايعتم بالعينة} يعني: الربا. وهذا تعبير نبوي، معناه تعاملتم بالربا، وتحدث ما شئت عن قيام الاقتصاد في البلاد الإسلامية كلها على الربا، هذه واحدة، { ورضيتم بالزرع} الزرع أيضاً نموذج ومثال للدنيا والتعلق بالدنيا، ليس ضرورياً الزرع فقط، الذي يرضى بالزرع، أو يرضى بالتجارة فقط، أو يرضى بالمنصب والوظيفة، أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [التوبة:38] { وتركتم الجهاد } تركتموه قولاً وعملاً. أما قولاً: فحين وافقتم الأمم الكافرة على ميثاقها الظالم الجائر الذي يعتبر الجهاد جريمة، وأنه يعرّض السلام والأمن الدوليين للخطر، وتركتم الجهاد حين ألقيتم السلاح، وقلتم لا جهاد، واشتغلتم بالدنيا، سلط الله عليكم ذلاً لا ينـزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم. وقد يقول قائل: أين الأحاديث الدالة على أن الجهاد باق، مع أنه في حديث ابن عمر ذكر أنهم تركوا الجهاد، فنقول: حتى حديث ابن عمر ذكر أن الجهاد باق؛ لأن قوله: {لا ينـزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم} يدل على أن هذه الحالة من الذل لن تستمر، بل سوف يعقبها رجوع إلى الدين، بما في ذلك إحياء لشعيرة الجهاد، ومن الجهاد: القتال في سبيل الله سبحانه وتعالى.
 مراحل تداعي الأمم على أمة الإسلام
قف عند حديث ثوبان يقول: {يوشك أن تتداعى عليكم الأمم} أريد أن أسأل الإخوة: هل وجد هذا العصر الذي أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم الآن أو لا يزال غير موجود؟ يقول: {يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها} يدعو بعضهم بعضاً، أعتقد أن هذا كان في وقت مضى، أما الآن فنحن في وضع أسوأ مما أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن المسلمين مروا بمراحل: المرحلة الأولى: بعدما سقطت الخلافة الإسلامية -الخلافة العثمانية- أصبحت البلاد الإسلامية لقمة سائغة في أيدي الأعداء، فأول الأمر كان الأعداء قد اختلفوا في قسمة التركة، وتنازعوا، ثم بعد ذلك تصالحوا، ووجد ما يسمى باقتسام مناطق النفوذ، الآن انتهت قضية التداعي على القصعة، وعرف كل إنسان منهم نصيبه، عرفت الدول نصيبها من البلاد الإسلامية، وأخذته غنيمة باردة. فنحن الآن في مرحلة ما بعد التداعي -إن صح التعبير- ولكننا -كما قال المثل: (اشتدي أزمة تنفرجي) في قمة الظلام يولد الفجر، وفي حلكة الظلام يولد الفجر، فإذا وصلت الأمور إلى نهايتها وإلى غايتها، فهنا البشير لبداية النصر، قال تعالى: حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214] استبطئوه أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214].
الواجب علينا
وأخيراً: الواجب وما أكبر هذا الواجب: الواجب حركة إسلامية جهادية في كل صعيد، عدونا حاربنا بالمرض، فنحن نحتاج إلى حركة جهادية تسعى إلى إعادة الصحة والقوة إلى المسلمين، وحتى حين يكونون ضعفاء {لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله} حتى حين نكون ضعفاء، حاربنا العدو بالجهل. فنحن بحاجة إلى حركة تعليمية واسعة النطاق، ترفع الأمية والجهل عن المسلمين، عدونا حاربنا بالفقر، فنحن بحاجة إلى حركة اقتصادية صحيحة سليمة تسعى إلى توفير المال بأيدي المسلمين من خلال الطرق والوسائل الشرعية، ثم نحن بحاجة إلى حركة جهادية تقاتل الكفار على الثغور، في فلسطين، وفي أفغانستان، وفي كل بلد يهيمن عليه الكفار، وترفع راية لا إله إلا الله محمد رسول الله. نحن بحاجة إلى حركة جهادية شرعية تنشر العلم الشرعي، والفقه، والمعرفة، وهي الضمانة لكل التحركات السابقة، تضمن ألا تنحرف ذات اليمين، أو ذات الشمال، ثم مع ذلك نحن بحاجة -كما أسلفت- إلى حركة جهادية، إعلامية، تصنع الإعلام الإسلامي الذي يكون بديلاً عن الإعلام المنحل، وهذا يحتاج إلى أمم من الناس. القضية في الواقع -أيها الإخوة- ليست قضية يسيرة -كما يبدو لنا- أحياناً نقول مجرد مجموعة في بلد من البلدان النائية تقوم بحركة ثم تدعم ثم تقوم دولة الإسلام، ثم يهاجر إليها المسلمون، ثم تبدأ تتوسع، هذا تصور فيه سذاجة، فيه غفلة، نحن بحاجة إلى حركة جهادية في كل بلد، وفي كل مجال، وعلى كل صعيد، ونحن بحاجة إلى جهد كل مسلم، كل مسلم يجب أن يكون إيجابياً، مرحلة الغثائية يجب أن نتعداها، كن إيجابياً فعالاً مؤثراً بقدر ما تستطيع.
 مراحل تداعي الأمم على أمة الإسلام
قف عند حديث ثوبان يقول: {يوشك أن تتداعى عليكم الأمم} أريد أن أسأل الإخوة: هل وجد هذا العصر الذي أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم الآن أو لا يزال غير موجود؟ يقول: {يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها} يدعو بعضهم بعضاً، أعتقد أن هذا كان في وقت مضى، أما الآن فنحن في وضع أسوأ مما أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن المسلمين مروا بمراحل: المرحلة الأولى: بعدما سقطت الخلافة الإسلامية -الخلافة العثمانية- أصبحت البلاد الإسلامية لقمة سائغة في أيدي الأعداء، فأول الأمر كان الأعداء قد اختلفوا في قسمة التركة، وتنازعوا، ثم بعد ذلك تصالحوا، ووجد ما يسمى باقتسام مناطق النفوذ، الآن انتهت قضية التداعي على القصعة، وعرف كل إنسان منهم نصيبه، عرفت الدول نصيبها من البلاد الإسلامية، وأخذته غنيمة باردة. فنحن الآن في مرحلة ما بعد التداعي -إن صح التعبير- ولكننا -كما قال المثل: (اشتدي أزمة تنفرجي) في قمة الظلام يولد الفجر، وفي حلكة الظلام يولد الفجر، فإذا وصلت الأمور إلى نهايتها وإلى غايتها، فهنا البشير لبداية النصر، قال تعالى: حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214] استبطئوه أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214].
الأسئلة

  الطريقة المناسبة في طرح فكرة الجهاد
السؤال: ذكرت أن بعض العلماء والمفكرين يطرحون فكرة الجهاد طرحاً ميتاً، ويقولون: لا بد من نشر الإسلام بالدعوة الحسنة، وعارضت ذلك، فما هو رأيك بالطريقة المناسبة؟الجواب: في الواقع أنا لا أعارض نشر الإسلام بالطريقة الحسنة، لكن أعارض كلمة (فقط) هذه بين قوسين، هذه (فقط) التي أعترض عليها، نشر الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة كلنا مسلمون به ولكن الذي أعارضه (فقط). أقول: لابد من نشر الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا بد أن نعلم أن الحكمة والموعظة الحسنة لا تكفي وحدها، وأننا إذا كنا جادين في حمل الإسلام، وإقامته فإننا محتاجون إلى أن ننشر الإسلام بالقوة أيضاً، هذا رأيي وليس رأيي وحدي، بل هذا الذي نفهمه من كتاب الله تعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وكلام أهل العلم. والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حي على الجهاد للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net