إسلام ويب

سهام الليلللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأمة اليوم تعيش في ذل وهوان، ولا يمكن أن تنتصر إلا بقربها من الله، وبدعائها إياه.

    والدعاء له آداب، وله أوقات هو فيها أرجى من غيرها، وقد أتقن السلف رحمهم الله استخدام هذا السلاح لينصروا به دين الله عز وجل، وما ذلك إلا لأنهم أخذوا بأسبابه، وعرفوا أوقات إجابته، وتجنبوا موانع الاستجابة.

    1.   

    وقفات للسائلين مع رب العالمين

    إن الحمد لله، نحمده ونستيعنه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    عنوان هذا الدرس: (سهام الليل)

    ولليل سهام لا يجيد إطلاقها إلا الموحدون، تطْلَق بأوتار العبادة، وبقسيِّ الدموع في السحر إلى الله الواحد الأحد، فيجيب من شاء متى شاء إذا شاء، تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54].

    هذه هي ليلة الأحد مساء السبت: 14/رجب/1412هجرية.

    وحديثنا من كلام الله عز وجل ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنني أسأل الله عز وجل في هذه الساعة المباركة أن يبلغ رسوله منا أزكى السلام وأشرف التحية.

    بلغ السهى بكمالهِ

    زان الورى بجمالهِ

    صلُّوا عليه وآلهِ

    اللهم صلِّ وسلم عليه صلاةً وسلاماً دائمَين كريْمَين مباركَين ما دام الليل والنهار، وما فاحت الأزهار، وما تدفقت الأنهار، وما صاحت على الأيك الأطيار.

    صلوا على المصطفى ما اهتز تيارُ     وما تلألأ في الآفاق أنوارُ

    صلوا عليه وزيدوا في صلاتكم     فنحن في شرعه الميمون أنصارُ

    والصلاة عليه - عليه الصلاة والسلام - حق له جزاء ما قدم للأمة، وما أنقذنا به من متاهة الجهل، وما أخرجنا به من الظلمات إلى النور؛ فإن من حقوقه الثابتة علينا - عليه الصلاة والسلام - أن نكثر من الصلاة والسلام عليه دائماً وأبداً.

    صلاةٌُ والدموع بها تُهَلُّ     وتسليم أرتله أجلُّ

    فيا أخيار صاحبكم عظيمٌ     ومعصوم عليه اليوم صلُّوا

    لكنها صلاة وسلام على منهج أهل السنة والجماعة، لا على منهج أهل البدع الذين جعلوا الصلاة والسلام عليه رقصاً وغناءً وتطبيلاً، بل صلاة بوقار واتباع، وتسليم بحب وميل إليه عليه الصلاة والسلام.

    لفتة مع دعاء أبي بن كعب

    جاء عند الترمذي من حديث أبي بن كعب قال: قلت: {يا رسول الله! كم أجعل لك من صلاتي؟ -أي: من دعائي- قال: ما شئتَ، قال: أجعل لك الثلث؟ قال: ما شئتَ وإن زدتَ فأحسن، قال: النصفَ؟ قال: ما شئتَ وإن زدتَ فأحسن، قال: الثلثين؟ قال: ما شئتَ وإن زدتَ فأحسن، قال: أجعل لك صلاتي كلها، قال: إذاً يُغْفَر ذنبُك، وتُكْفَى همك}. حديث صحيح.

    ولسيرة أبي بن كعب طعم في قلوب الموحدين، وهو سيد القراء، وكان عمر يهابه كثيراً، وكان إذا تنازع القراء في عهد عمر عادوا إلى أبي، بل ذكر أهل الحديث والفقه أن الرسول عليه الصلاة والسلام تجاوز آية وهو يصلي بالناس، فالتفت إلى الناس بعد الصلاة فقالوا: يا رسول الله! نُسِخَت الآية، أم نسيتَ؟ قال: {يا أبا المنذر! أكما يقولون؟}؛ لأنه مرجعية ثابتة في علم القراءة، فهو رئيس قسم القراء في عهده عليه الصلاة والسلام.

    وقد مرض بالحُمَّى ثلاثين سنة، حتى كُفِّرَت سيئاته -إن شاء الله- وخطاياه.

    استقبله عليه الصلاة والسلام فقال له: {أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ... [البقرة:255] فضم -صلى الله عليه وسلم- كفه وضرب في صدره وقال: لِيَهْنَكَ العلم أبا المنذر} أي: افرح واغتبط بهذا العلم الصافي، النَّمِير الثابت، العميق الأصيل.

    وجاء عند مسلم: {أن سورة البينة لما نزلت على المعصوم عليه الصلاة والسلام أمر الله جبريل أن يأمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يقرأها على أبي بن كعب، فقام عليه الصلاة والسلام وذهب إلى أبي في بيته، وقال: إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة البينة. قال: أوسَمَّاني في الملأ الأعلى؟ -أي: هل ذكرني عند الملائكة باسمي أبي بن كعب؟- قال: نعم سَمَّاك} فأجْهشَ بالبكاء.

    سلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عن أبي بن كعب، وإنما هي لفتة في الطريق، والمقصود: سهام الليل.

    وأنتم حملة الأسهم، وأنتم المستضعفون، ولذلك أحببناكم في درس المستضعفين.

    اللهم إن بني إسرائيل عصوك يوم السبت وليلة السبت فمسختهم قردة وخنازير، وقد أطعناك واجتمعنا في مساء السبت فاجعلنا مرحومين بررة مقبولين.

    الدعاء في جوف الليل

    ينادي الله عز وجل المتحابين يوم العرض الأكبر كما في صحيح مسلم فيقول: {أين المتحابون في جلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي} نسبي بيني وبينكم هذا الحب وهذا المسجد، وقصة الحب معكم انطلقت من قبل خمس سنوات، وابتدأت من مسجد أبي بكر الصديق، فلنا من الصديق نسب، ولنا من مساء هذا اليوم نسب، ولنا مما يتلى هنا -قال الله وقال رسوله- نسب.

    ولو أنه نور فريد عذرته     ولكنه نور وثانٍ وثالثُ

    فعسى الله أن يجمع بيننا وبينكم بالنسب الخالد في مقعد صدق عند مليك مقتدر.. الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67].

    قال ابن القيم مخاطباً أمثالَكم؛ لأنه كان عنده بررة في القرن السابع من أمثالكم، وكل قرن يفخر ببررته، وأنتم من بررة وصفوة هذا القرن، قال في أحبابه:

    وكنت إذا ما اشتد بي الشوق والجوى     وكادت عُرى الصبر الجميل تَفَصَّمُ

    أعلِّل نفسي بالتلاقي وقربِه     وأوهِمُها لكنها تتوهمُ

    إلى آخر ما قال.

    فيا أيها الأحباب: أسأل الله أن يزيد هذا الحب، وأن ينميه ويعمقه وأن يبارك فيه، وأن ينفعنا به وإياكم، فإنني ما اخترتُ هذا إلا لأنكم أنتم الذين تملكون هذا السلاح، وهو سلاح فتاك لكنه معطل، وهو قوة كبرى -دعاء الليل- وهو يوجد عندكم ولا يوجد عند غيركم؛ فإن الكيانات قد تملك صواريخ أسكود، والكيماوي، والطائرات، والمدمرات، والزواحف؛ ولكنها لا تملك هذا السلاح المعطل الذي لا يوجد إلا عندكم، لأنكم أنتم صفوة المجتمعات، وإذا صفَّى المجتمع أصحابه وأخياره ومفكريه وطلبة العلم كنتم أنتم الصفوة المثمرة النافعة التي تملك سهام الليل.

    لماذا الليل؟

    لأن الليل له طعم خاص، وله أثر في العبادة، فهو:

    أولاً: أبعد عن الرياء والسمعة.

    ثانياً: أهدأ للنفس.

    ثالثاً: يكون الإنسان به أقرب من رب العالمين.

    ولقد صور الشعراء الليل مع الله عز وجل بصور، ومنهم: ابن القيم، يمدح أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام فيقول فيهم:

    بالليل رهبان وعند لقائهم     لعدوهم من أشجع الأبطال

    وقال آخر في أصحاب الرسول - عليه الصلاة والسلام -:

    عباد ليل إذا جن الظلام بهم     كم عابد دمعه في الخد أجراهُ

    وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم     هبوا إلى الموت يستجدون رؤياهُ

    يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً     يشيدون لنا مجداً أضعناهُ

    ولن تعود لنا أفغانستان سليمة ولا الأندلس ولا فلسطين إلا إذا قمنا الثلث الأخير، ولن ينتشر هذا الخير، ولن تعود الأمة إلى التوحيد، إلا إذا جلسنا جلسة راضية في الثلث الأخير مع الله.

    قلتُ لليل هل بجوفك سرٌ     عامرٌ بالحديث والأسرارِ

    قال لم ألقَ في حياتي حديثاً     كحديث الأحباب في الأسحارِ

    الوزير ابن بقية يقطع الله يده بدعوة

    دخل أحد الصالحين على الوزير ابن بقية -وقيل: غيره من الوزراء- فمَدَّ ابنُ بقية يدَه فضرب بها هذا الرجل الصالح.. والأيادي قد ترسل على الخلق لتبطشهم إن لم تقيد بتقوى من الله.. فقال له الصالح: لأرُدَّنَّ عليك بسهام الليل، قال: اذهب أنت وسهامك.

    فاشتكى إلى الله، وجلس بعدها بِلَيْلة في السحر يرفع شكواه إلى الواحد الأحد.

    قيل لـعلي بن أبي طالب: كم بين التراب والعرش؟ وظن السائل أن علياً سوف يعد له بالكيلومترات أو بالأميال، قال: [[بينهما دعوة مستجابة]].

    ويقول صلى الله عليه وسلم: {ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويقول: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين}.

    أما هذا الرجل الصالح الذي لطمه الوزير العباسي، الذي جعل لطمته لأحد المستضعفين والفقراء وليس وراءه هيئة تطالب بحقوقه؛ لكن معه الله.. جلس في السحر يدعو ويشكو ويبكي ويقول: يا رب! لطمني.. والله يعرف أنه لطمه، والله سوف يقتص له، لكن أراد هذا الرجل الصالح أن يكون النصف والعدل في الدنيا.

    قال: اللهم كما لطمني بيده، اللهم اقطعها في الدنيا.

    فاستولى الخليفة القاهر على الخلافة، وأتى بالوزير فقطع يده، وعلقها بباب الطاق عند مدخل بغداد، ومرَّ هذا الفقير ورأى اليد مقطوعة؛ لأنه اشتكى في الثلث الأخير من الليل.

    جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، قال: {ينزل ربنا إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر لـه؟ هل من داعٍ فأجيبه؟}.

    قال المفسرون -وقد ذكره ابن كثير وغيره- في قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عن يعقوب حين قال لأبنائه: قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يوسف:98] قالوا: لماذا لا يستغفر لهم وهم جلوس عنده؟ فقالوا: يريد أن يتحرى بهم السحر، أي: أراد أن يلتقي مع ربه في السحر، فقال: أنظروني قليلاً حتى يأتي السحر، فسوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم.

    ومدرسة المساكين والفقراء لا يعشقها إلا رواد الحق، ولا يحبها إلا أحفاد محمد عليه الصلاة والسلام، فهم يأتون من كل حدب وصوب لهذا الدرس ولأمثاله، ولهذه المحاضرة ولأمثالها، ويحشدون ويؤيدون السواد المؤمن، ويأتون ويباركون المسيرة الخالدة الموجهة التي بنيت على تقوى من الله ورضوان، فهم أهل الثلث الأخير من الليل، وهم أهل السلاح الفتاك الذي هو سهام الليل.

    وبيننا وبينكم وصية نجعلها سراً ولا تخبروا بها أحداً من الناس، وكلما ذكرت لكم سراً من الأسرار في درس السبت ذهبت إلى الناس فوجدت هذا السر قد انتشر.

    هذا السر: أن ندعوَ لكم وتدعو لنا، لا نريد منكم شيئاً ولا تريدون منا شيئاً، فليس بيننا شركة ولا مؤسسة، ولا مقاولات ولا بنايات ولا عمارات ولا فِلَل، بيننا أننا جمعية كبرى إمامها محمد عليه الصلاة والسلام، وأعضاؤها كل خيِّر في الأرض، وأنتم من روادها؛ ولكن بيننا حبل متين، وهو الدعاء في ظهر الغيب.

    لا يأتي النصر إلا بالدعاء

    تصوروا لو أن هذا الجمع وأمثاله وأضعافه وآلاف أضعافه في العالم الإسلامي يقومون قبل السحر بدقائق وبلحظات، فيرفعون الأكف، وفي أدبار الصلوات وفي السجود، ثم يدعون بالنصر لأهل الإسلام وعلمائه ودعاته، ويدعون بالمحق والسحق والهزيمة والخذلان لأعداء الله. فما النتيجة؟!!

    قدِّر أن واحداً قُبِلَتْ دعوتُه! أليس فينا رجل رشيد؟! أما في هذا الجمع والوجوه المكرمة الموقرة رجل يعلم الله أنه صادق؟! لماذا؟ لأن الولاية لا زالت لله، ولله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أولياء من عباده، والولاية ليست حكراً على قسم السنة في أصول الدين، ولا قسم العقيدة في الشريعة، ولا القضاء، ولا العلم، ولا الفُتيا، وإنما هي منثورة مبذولة من الواحد الأحد.. فهناك الولي في بقالةٍ، أو بنشرٍ، أو مؤسسةٍ، أو عيادةٍ، أو مستشفىً، أو وزارةٍ، أو دائرةٍ، أو مدرسة؛ لأن الله ينثر المناقب كما ينثر المثالب.

    أيضاً مما يُجَمِّل هذا المجلس: أنه مجلس لا يرتاده إلا من يريد الإسلام لذاته، والله يأمر رسوله عليه الصلاة والسلام في لفتة من لفتات القرآن أن يأتي إلى الفقراء، وأن يجلس مع المساكين، وأنا أعلم أن بعض من يأتي هم من الأغنياء والأثرياء، ولكن هكذا مسيرة المساكين؛ لأن محمداً صلى الله عليه وسلم هو إمام المستضعفين؛ لأنه حررهم؛ ولذلك أحبوه، وعشقوا سيرته، وقدموا جماجمهم في نصرة مبادئهم في أحد وفي بدر والقادسية واليرموك.. وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف:28].

    إن مجالسَ المستضعفين هي: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [النور:36].

    ولباسَهم: التقوى وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26].

    وهوايتَهم: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام:52].

    وشغلَهم الشاغل: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:20].

    وسَمَرَهم في نادٍ ليلِيٍّ كُتِبَ عليه: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [السجدة:16].

    فيا خيمتَي ليلى بعيني سُراكُما     ولا ليلَ يُعطينا الودادَ وأنجما

    1.   

    قصيدة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم

    معذرة! قبل أن أشرع في الموضوع، كانت آخر مقطوعة: وقفةُ إجلال لمعلم الجيل، وهو محمد عليه الصلاة والسلام، وهي بنت الساعة، والمخاطب الرسول عليه الصلاة والسلام:

    المعاني إليك فرضاً ونفلا     والتحيات في معاليك تُجْلى

    وشباب هم المحبون أضحوا     فيك يا أكرم المحبين قَتْلَى

    لِمَ قتل الشباب في أفغانستان؟ وخرجت مسيرة مليون شاب في الجزائر يطالبون بحكم الله؟ ولِمَ يتدفق الشباب في فلسطين يقدمون صدورهم لبنادق الصهاينة؟ كل هذا لحب الله عز وجل وجل ولحب محمد صلى الله عليه وسلم.

    وشبابٌ هم المحبون أضحوا      فيك يا أكرم المحبين قَتْلَى

    أنتَ أوقدتَ في القلوب مناراً     فأتتك القلوبُ بالحب عَجْلَى

    شَهِدَتْ صدقَك الشعوبُ وصلَّت     أدمعُ العاشقين والوصلُ يُتْلَى

    واستفاقَ الزمان أحسن ما كا     ن ورؤياه بالفضائل حُبْلَى

    يَعْرُبِيَّاتُنا بغيرك زيفٌ     والهوى في سواك أصبح جهْلا

    يعربياتنا: العروبة بغير محمد صلى الله عليه وسلم في الوحل.

    والدماء الدماء سالت لتروي     في ثراك الميمون سفحاً وسهلا

    أنشد الفجر ثم غنى سروراً     والعصافير في حقولك جذلى

    وهشيم البستان يخضر رياً     وعيون الوادي من الهجر نجلا

    سر بنا موكباً من الموت إنا     حمزة كلنا وسيفك أعلى

    اسقنا من بلال صوت يقين     كلما أذن الوفا فيه صلى

    وارتجل خطبة الشهادة فينا     ما عشقنا التراب بعدك كَلاَّ

    بك نلوي أعناق كل عنيدٍِ     ليرى الحق في الوجود وإِلاَّ

    هل وعى الليل سرَّنا هل رآنا     هل دعا غيرنا مدى الدهر خِلاَّ

    هل لهذا التاريخ كفء سوانا     هل على غير نأينا يتسلى

    اللهم صلِّ وسلم على محمد.

    1.   

    إجابة الله للدعاء

    سهام الليل تبدأ من لحظة الحرج، ولحظة الحرج في حياة المؤمن تسمى: الساعة الحمراء، وهي- كما يقول بعض الكتبة - هي الساعة التي سحقت الشيوعية في العالم؛ لأن الله يقول متحدياً الصهاينة والرأسماليين والماركسيين بأصنافهم، والوثنيين والصابئة والمجوس: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62] يقول: بيني وبينكم إجابة المضطر في الساعة الحمراء، فمن يجيب المضطر هو الذي يستحق الألوهية، أما غيره فليس له علاقة بالألوهية.

    فلما قالها سُبحَانَهُ وَتَعَالى انهارت كل القيم والكيانات، إلا قيمة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] وكيان (لا إله إلا الله).

    أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل:62]: واختيار القرآن عجيب، ولفظ المضطر أصلها: المضترر، فأدغمت الراء وقلبت التاء طاءً لأجل الضاد (مربوش) والكلمة لَمَّا ارْتُبِشَتْ اندمِجت فأصبحت مضطراً، كما قال سيد قطب في كلمة (ضنكا) في قوله تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طه:124] قال: اختيار الضاد والكاف لصعوبة المعيشة التي يعيشها الإنسان، فكأن معيشته كإخراجه للحروف الثقيلة عليه فهي ضنك، حتى إخراجك لضنكا صعب.

    فالله يقول لهذا المخلوق: مَن الذي يجيبك في وقت الاضطرار؟ أليس هو الله؟ أما تذكرتَه؟ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل:62].

    وهناك قصة ذكرها ابن القيم وابن عساكر، وقد كررتها كثيراً، وهي قصة الرجل الصالح صاحب الحمار، الذي أرسل الله له ملكاً نَصَرَهُ وقَتَلَ المجرمَ الذي أراد اغتياله؛ لأن الرجل الصالح يقول: يا من يجيب المضطر إذا دعاه! يا من يجيب المضطر إذا دعاه! يا من يجيب المضطر إذا دعاه!

    قرب الله من عباده

    إن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى قريب، يقول تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186] وفي الآية لفتة بلاغية، وهي: أن الله لم يقل: وإذا سألك عبادي عني فقل لهم: إني قريب. لا. بل قال: فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة:86]؛ لأن القرب وسرعة المبادرة للإجابة تقتضي الاختصار في الكلام، فقال: فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة:186].

    ركب الصحابة مطاياهم، واستقلوا رواحلهم، وهَمْلَجَت بهم في روابي المدينة، فأخذوا يقولون: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والحمد لله، وسبحان الله! فجمعهم عليه الصلاة والسلام وقال: {أرْبِعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً، وإنما تدعون سميعاً بصيراً قريباً أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته}.

    انظر إلى الوصف! وما أحسن هذا التوحيد المبسط الذي يعلم به صلى الله عليه وسلم الأعراب وأهل البادية! يقول: هو قريب، فادعوه.

    قال أحد الصحابة: {يا رسول الله! أربنا بعيد فنناديه؟ أم قريب فنناجيه؟ فسكت عليه الصلاة والسلام -لأنه لم يكن يدري- فأنزل الله: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186]}.

    والله يقول: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً [الأعراف:55] وخفية: من الإخفاء، أي: أن تخفي دعاءك.

    قالوا عن زكريا -عليه السلام-: لما أراد أن يدعو ربه ما سمع جليسه، فقال: قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [مريم:4] لقد أراد ابناً فرزقه الله ابناً.

    قالوا: لما قال هذه الكلمة، لم يعلم أحد من جلسائه ماذا قال؛ لكن الله علم ووصَل خبرُه إلى الواحد الأحد.

    والله يقول عن نفسه: يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [طه:7] ما هو أخفى من السر؟ قال أهل التفسير: الذي هو أخفى من السر هو الذي ما فكر به الإنسان إلى الآن؛ فالله يعلم أنك بعد دقيقة سوف تفكر في أمر، فيعلم به قبل أن تعلم أنتَ به. سبحان الله رب العرش العظيم!

    وذكر الله أنبياءه، وأن كل واحد منهم دعاه في أزمة؛ فجلى الله أزمته، وكشف ضره، وأزال كربته.

    فَذَكر عن نوح أنه قال: فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [القمر:10] فنصره الله ونجاه.

    ودعا موسى وكان أخوه هارون يُؤَمِّنُ بجانبه، ولم يُجابا إلا بعد أربعين سنة، قام موسى يقول كما في القرآن الكريم: رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا [يونس:88-89] قالوا: إنما ذَكَر المثنى رغم أن الداعي واحد لأن هارون كان كلما قال موسى: ربنا، قال: آمين، فقال الله: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا [يونس:88] ثم قال هناك: فَاسْتَقِيمَا [يونس:89] قال أهل العلم: إنما أمرهم بالاستقامة لتجاب الدعوة، وقد أجيبت وانسحق فرعون وبقيت مبادئ موسى عليه السلام، وحُمِلَت في شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام.

    وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {إن الدعاء هو العبادة}. رواه الأربعة وصححه الترمذي. والمعنى: أن جُلَّ العبادةِ تكون في الدعاء.

    وعند الحاكم: {الدعاء مخ العبادة} ولكن فيه ضعف.

    وصفوة العبادة الدعاء، وإذا رأيت الرجل يكثر من الدعاء ويلح فاعلم أنه مؤمن، وعلى حسب كثرة دعائه يكثر إيمانه، وكل مخلوق يغضب إذا دعوته كثيراً وسألته وألْحَحْتَ عليه، أما الله فكلما ألححت عليه ودعوتَه وسألتَه أحبك، وزادت محبتك عنده تبارك وتعالى.

    فاقرع باب الله دائماً، ولا تقل أكثرتُ؛ فإن الله أكثر، وما عنده أكثر مما عند غيره تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54].

    وروى ابن حبان والحاكم عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: {ليس شيءٌ أكرم على الله من الدعاء} فلا يوجد في الأرض عبادة أكرم على الله عز وجل من دعائه تبارك وتعالى، والله يُلْجِئ عباده إلى بعض الاضطرارات والمواقف الحرجة والنكبات والأزمات حتى يلتجئوا إليه - سُبحَانَهُ وَتَعَالَى - ويدعوه.

    أدب رفع اليدين في الدعاء

    جاء في كتاب علماء من الجزائر، لأحد العلماء في عهد الشيخ عبد الحميد بن باديس، الذي يعتبر أستاذ الصحوة الحالية في الجزائر، الصحوة السنية الهادفة الراشدة، هذا الذي أخرج هو وتلاميذه- بإذن الله -الفرنسيين، وسحق منهم أكثر من مليون فرنسي، وقدم من الشعب أكثر من مليون شهيد، كان تلاميذ ابن باديس يحمل أحدهم القنابل والسلاح ويرمي نفسه -هذا على فتوى لبعض العلماء بجواز التضحية وجواز أن يقدم نفسه- فكان يفجر العمارة بما فيها من الفرنسيين، فدوخهم هذا الشيخ تدويخاً ما سمع العالَم بمثله.

    هذا العالِم كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فأتته مصيبةٌ، هُدِّدَ بالقتل من بعض الجهات التي تحارب الدعاة في الجزائر.

    قال: فأمسيتُ ليلة وأنا مهموم وحزين وخائف، فلما نمتُ رأيتُ عمر بن الخطاب، فقَرَعَنِي بالدِّرَّة وقال: لِمَ تَخَفْ؟ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [الزمر:36]؟ قلتُ: يا أبا حفص! ما النجاة؟ قال: عليك بهذا، ورفع كفَّيه أي: بالدعاء، وهذا ثابتٌ.

    فمن أعظم ما يكون ومن أحسن ما يكون للمؤمن أن يرفع أكُفَّه دائماً ويدعو، ولا تأتيه الحرب الوهمية الخاسرة التي يُدَبِّرها الشيطان في رأسه، ويقول له: كَمْ تَدْعُو ولا تجابُ؟ لا. بل ادْعُ وحاول أن تدعو دائماً، ولا تقل: لَمْ يُسْتَجَبْ لي؛ فسوف أخبرك عن سر عدم الاستجابة لنا في مرحلة من مراحل التاريخ عشناها؛ والسر هو: أسبابٌ نحن فعلناها، والله المستعان.

    وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام عند النسائي وابن حبان: {الدعاء بين الأذان والإقامة لا يُرد}. فأنت بين عبادة وعبادة، وبين ندائين، فحاول أن تدعو الله كثيراً.

    واسمع إلى هذا الحديث الصحيح الذي رواه الأربعة إلا النسائي، وصححه الحاكم، قال عليه الصلاة والسلام: {إن ربكم حييٌّ كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صِفْراً} فنثبت لله حياءً يليق بجلاله، لا نكيفه ولا نمثله ولا نشبهه ولا نعطله؛ لكنك إذا رفعت يديك يستحي الله منك أن يردها صِفْراً، بل يردها مليئة.

    وقد ترجم ابن كثير في البداية والنهاية لأحد العباد، قال: أصابه برد في ليلة شاتية، فقام يدعو في السحر، فرفع كفاً واحدة يدعو، ثم نام، قال: فرأى قائلاً يقول: أعطيناك هذه الليلة في يدك اليمنى وبقي ما لليد اليسرى. أو كما قال.

    فمن الأدب أن ترفع الكفين، وقد رفعها عليه الصلاة والسلام وهو أبر الناس وأكثرهم إخلاصاً وصدقاً، رفعهما من بعد الزوال إلى أن غربت الشمس في عرفة، وكلما سقط خطام أو زمام الناقة أخذ الخطام وعاد ليجمع الأخرى ويدعو ربه، وربما رفعهما حتى يُرَى بياض إبطيه صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    قرب الرعيل الأول من الله في الأسحار

    قال الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى عن أوليائه: وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:18]. وقال: وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ [آل عمران:17].

    وإنما ذكر الأسحار؛ لأنه قليل مَن يقوم في الأسحار، وعلامة المحبة أن تغالب النوم وتقوم، وقد جاء عند الطبراني: أن الله يضحك من ثلاثة، نذكر أحدهم:

    رجل كان في قافلة، سافروا ومضوا، فأضناهم السير، وباتوا في تعب شديد لا يعلمه إلا الله، فلما أقبل السحر نزلوا فناموا إلا واحداً منهم رغم الإعياء والتعب والسهر، فقام فتوضأ بالماء البارد وقام يصلي ويدعو، فقال الله لملائكته: (انظروا لعبدي هذا! ترك اللحاف الوثير، والفراش الدفِيء، وقام إلى الماء البارد يدعوني ويتملقني، أُشهدكم أني غفرت له وأدخلته الجنة).

    صلاة عمار في الأسحار

    نام عليه الصلاة والسلام بجيش عرمرم في ذات الرقاع -كما عند أبي داود بسند صحيح- وكان الجيش هائلاً يحتاج إلى حراسة ليلية حتى لا يجتاح من الكفار، فقال صلى الله عليه وسلم: {من يحرسنا هذه الليلة؟} قال عمار بن ياسر: أنا يا رسول الله، وقال عباد بن بشر: أنا يا رسول الله، رجل من المهاجرين هو عمار، ورجل من الأنصار هو عباد بن بشر، ولكلٍّ منهم قصة في التاريخ، ولولا الإسهاب لوقفتُ وقفة إجلال مع كل رجل.

    أما عمار فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: {تقتُلُك الفئةُ الباغية} وقُتِل في صفين، وقد نيَّف على الثمانين رضي الله عنه وأرضاه.

    وأما عباد بن بشر فهو صاحب المواقف المشهودة، وقد قتل شهيداً في اليمامة.

    فقام الاثنان في الليل؛ فقال عباد لـعمار: أتحرس الجيش أول الليل أو آخره؟ قال عمار: أنا أول الليل وأنت آخر الليل. فنام عباد وقام عمار، فقام يصلي ويقرأ سورة الكهف، وأتى عينٌ من الكفار وجاسوس من المشركين، فأرسل الأسهم على عمار وعمار يصلي، وخاف أن يقطع الصلاة؛ لأنه في حياة من التجليات مع الواحد الأحد، في اتصال مع الحي القيوم، يقرأ ويصلي، فأرسل السهم فوقع في جسم عمار حتى نزف الدم، فأخرجه عمار، فأرسل السهم الثاني فنزعه، فأرسل الثالث فنـزعه، فلما غشيه الدم خفف الصلاة وركع وسجد وسلم وقام يسحب بجسمه ودماؤه تنزف وقال لـعباد: قم عليك بالحراسة، والذي نفسي بيده! لولا خشية أن يُجْتاحَ الجيش لأكملت الصلاة ولما قطعتُ سورة الكهف. فقام عباد يحرس.. جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

    الصالحون يدعون الله عز وجل، وأقرب الطرق إليه الطريق غير المُزاحَم، أي: أنك قريب من الله متى دعوته، ولا تفرح بحصول كيان من الكيانات لك، أو بشفاعتك، أو بواسطتك، ولكن افرح لأنك قريب من الله.

    العلاء بن الحضرمي مستجاب الدعوة

    خرج الصحابة مع أبي هريرة وقائدهم العلاء بن الحضرمي، أحد الأبطال من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، فضاعوا في صحراء الدهناء، وقيل: في الربع الخالي، وهو الأقرب ما يكون، فلما ضلوا الطريق أخذوا يدورون في مساحة من الأرض ومفازة لا يعرفون طرفها ولا أولها من آخرها، حتى انقطع الماء، فبحثوا عن الأنهار، فما وجدوا نهراً، وعن الغُدْران فما وجدوا غديراً، فأشرفوا على الهلاك، حتى قال بعض الرواة: حفر بعض الناس قبورهم ووقفوا على أطراف القبور ينتظرون الموت.

    فقال أبو هريرة: [[يا علاء! إن الله عوَّدك خيراً، فقم فادعُ الله لنا]].

    فقام العلاء معه سيفه وأسهمه، يبيع دمه من الله عز وجل في طاعة ما بعدها طاعة، واستقبل القبلة، وقال: [[يا حكيم يا عليم يا علي يا عظيم أغثنا]].

    وما تأخرت الإجابة، وما هي إلا لحظات حتى ثارت سحابة في السماء حتى غطت الجيش، ونزل الغيث وسال، فامتلأت الغُدْران، وسَقَوا وشربوا واغتسلوا وتوضئوا.

    وهذه من كرامات الأولياء التي يثبتها أهل السنة والجماعة.

    البراء بن مالك لو أقسم على الله لأبره

    مرَّ البراء بن مالك على الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو أخو أنس لكنه أكبر منه، وكان فقيراً، معه ثياب ممزقة..

    ممزق الثوب كاسي العرض ملتهباً     أنعى المخاطر في الدنيا وتنعاني

    فرآه صلى الله عليه وسلم وإذا الغبار يفوح من جُمَّتِه، غبار المعارك والغزوات، وغبار البذل، فقال صلى الله عليه وسلم: {رُبَّ أشعثَ أغبرَ ذي طِمْرَين، لو أقسم على الله لأبرَّه، منهم: البراء بن مالك}.

    وفي الحديث تجانس بلاغي بديع؛ (رُبَّ) و(لأبرَّه) و(البراء) وهذا تجانس بديع لا يجيده إلا محمد صلى الله عليه وسلم.

    قال: {لو أقسم على الله لأبرَّه} فكان البراء يقسم على الله، أي: أنه بلغ من قوة إيمانه أنه يقسم على الله، وهذا حق أحقه الله على نفسه، لم يحقه ولم يُوْجِبْه أحد من الناس عليه، أنه يجيب دعاء الصالحين المضطرين.

    فحضرت معركة تستر، وقائدها أبو موسى الأشعري، والتقى الجمعان، الجمع الإسلامي بقيادة أبي موسى أحد تلاميذ محمد صلى الله عليه وسلم، والمعسكر الكافر، وأتى الوعد الصادق.

    فأتى الصحابة فقالوا: [[يا براء! نسألك بالله أن تقسم على الله أن ينصرنا هذا اليوم. فقال: انتظروني قليلاً، فذهب فاغتسل وتطيب وتحنط ولبس أكفانه واستقبل القبلة، وقال: اللهم إني أقسم عليك أن تجعلني أول قتيل هذا اليوم، وأن تنصرنا]] فكان أول قتيل، وفُتِحَت قلعة تستر، وفتحوا بلد تستر وانتشر الإسلام.

    دعاء الرسول لسعد بن أبي وقاص

    ومن أعظم من أجيبت دعوته: سعد بن أبي وقاص، خال الرسول عليه الصلاة والسلام، كان عليه الصلاة والسلام إذا جلس مع الصحابة وأقبل سعد بن أبي وقاص -وكان رِبْعَةً متيناً كثير شعر الساعدَين والصدر- قال: {هذا خالي، فلْيُرِنِي امرؤ خاله} بمعنى: أخرجوا لي أخوالكم إن كانوا مثل هذا الخال، وكأنه تحدٍّ، وكلامه صلى الله عليه وسلم صدق وحق؛ لأن لـه مساراً في التاريخ، فهو الذي دَكْدَكَ امبراطورية كسرى تحت قدميه.

    حتى إن عمر قال: [[مَن يقود جيش القادسية؟ قالوا: رأيك يا أمير المؤمنين. فقال: أنا]].

    أي: أن الأزمة أصبحت إلى حد أن الخليفة الراشد يضطر إلى قيادة المعركة، ومعنى ذلك: تصفية ومقامرة ما بعدها مقامرة، إما أن ينتهي الإسلام أو أن تنتهي المجوسية ودين الصابئة وعباد النار، فقال عمر: [[أنا قائد المعركة]].

    قال علي بن أبي طالب: [[يا أمير المؤمنين، ابقَ في المدينة فإنك إن ذهبتَ ذهب الإسلام، وكن فيئاً للمؤمنين إذا عادوا لك فقال عمر: أصبتَ، أصاب الله بك الخير يا أبا الحسن؛ لكن التمسوا لي قائداً]] فباتوا في الخيام وفي البيوت، ثم أقبل عبد الرحمن بن عوف -أحد العشرة- يُوَلْوِل، فقال لـعمر: [[وجدتُه، الأسد في براثنه، قال: من هو؟ قال: سعد بن أبي وقاص. قال: صدقتَ]].

    فولاه عمر، ورغم أنه كان مريضاً في المعركة، ولكن ببركته ولشجاعته ولرأيه وإقدامه كسب المعركة على مر التاريخ، وسحق الكفار سحقاً ما بعده سحق.

    يقول علي في معركة أحد: {ما سمعتُ الرسول صلى الله عليه وسلم يُفَدِّي أحداً إلا سعداً}. أي: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل: فداك أبي وأمي لأحد، لا لـأبي بكر، ولا لـعمر، إلا لـسعد.

    كان يعطيه صلى الله عليه وسلم الأسهم وقد كان رامياً من الدرجة الأولى، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله في بدر، فيقول: {ارمِ سعدُ فداك أبي وأمي} حتى أنه قيل: لو ضُرِبَ به في الشمال والهدف في الجنوب لأصابه بإذن الله.

    دعها سماوية تجري على قدرٍ     لا تفسدنها برأي منك منكوسِ

    وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17].

    رمى بك الله جنبيها فحطمها     ولو رمى بك غير الله لَمْ يصب

    فكان صلى الله عليه وسلم يعطيه الأسهم ويدعو له، وكان يتطاول حتى يستبشر أين يقع السهم، فيقع في عين الكافر ويموت، فيتبسم صلى الله عليه وسلم.. هكذا في السير، ولكم أن تعودوا إليها.

    فكان يقول: {ارمِِ سعد فداك أبي وأمي} ويلتفت صلى الله عليه وسلم ويرفع يديه ويقول: {اللهم أجب دعوته، وسدد رميته}. فكان مجاب الدعوة.

    وفي صحيح البخاري: [[ أن عمر رضي الله عنه أرسله أميراً على أهل العراق -وبالخصوص أهل الكوفة وهم مشاغبون، ولو نزل عليهم ملك من السماء لاشتكوا منه- ذهبوا إلى عمر، فقال: ماذا تنقمون من سعد؟ قالوا: ما يحسن الصلاة بنا -اسمَعوا الكلام!- فأتى سعد رضي الله عنه. فقال له عمر رضي الله عنه: يا أبا إسحاق! زعم أهل الكوفة أنك لا تحسن أن تصلي بهم. فقال: عجباً لبني أسد! والله الذي لا إله إلا هو لقد أدخلتهم في الإسلام بسيفي هذا، ثم أصبحوا يعرفونني بالصلاة -فأراد عمر أن يسمع من الكل، وأن يعيش الحوار، وأن يعيش الشورى، وأن يسمع الشكوى على مبدأ (لا إله إلا الله) على مبدأ العدل، فكون لجنة يرأسها محمد بن مسلمة - وقال: مُرُّوا على مساجد الكوفة وأعطوني نتيجة سعد بن أبي وقاص -هذه تسمى أوراق استبيان ونتائج الاقتراع- فمروا، فوجدوهم كلهم يثنون عليه خيراً؛ إلا شيخاً كبيراً قال: إن سألتمونا عن سعد؛ فإنه لا يحكم بالسوية، ولا يعدل في الرعية، ولا يمشي مع السرية. فقام سعد وكان جالساً، وقال: اللهم إن كان قام رياءً وسمعة وكذباً عليَّ فأطل عمره وأطل فقره وعرضه للفتن. فطال عمره حتى سقط حاجباه على عينيه، وأخذ يتعرض للفتيات والبنات في شوارع الكوفة يَغْمِّزُهُنَّ، ويقول: شيخ مفتون، أصابتني دعوة سعد]].

    فـسعد كان متفوقاً في الدعاء؛ لأنـه أطاب مطعمه، ولِمَا عَلِمَ اللهُ من إخلاصه وقربه.

    ويُروى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: {يا سعد! أطب مطعمك تستجب دعوتك} ولكن في هذا الحديث ضعف.

    1.   

    مسائل في الدعاء

    وفي الدعاء مسائل نذكر بعضها:

    عدم الاستعجال بالإجابة

    لاتستعجل النتائج؛ فإن خزائن الله مليئة، وليس هناك فقر، وقدرة الله نافذة، والله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى هو الذي يقول للشيء كن فيكون، فلا نستعجل النتائج.

    يقول صلى الله عليه وسلم: {يستجاب للعبد ما لم يعجل يقول: دعوتُ دعوتُ فلم يستجب لي} فلا تقل ذلك، ولا تعدها بالأيام، ولا بالأشهر؛ فإن في عالم الغيب وقت محدد يجيب الله دعوتك وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21].

    ضاع يوسف من يعقوب عليهما السلام، فبقي يبكيه أربعين سنة، فرده الله عليه، فقال يوسف في القرآن الكريم: هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً [يوسف:100].

    قد تكون المصلحة أن تتأخر الإجابة

    وقد يكون الأصلح لنا أن تتأخر عنا الإجابة وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:19] فإن الله يدري ويطلع على الخبايا سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وهو البصير بعباده، فقد يكون الأصلح ألا تجاب في هذه المرحلة.

    وقد يدعو الإنسان بما يضره، فتجد بعض الناس يدعو لنفسه بالمال أو بمنصب أو بوظيفة، وقد يكون سبب شقائه وتعاسته واندحاره هذا الأمر؛ فيمنعه الله، فالله أعلم بالعبد.

    وقد يدخر الله الدعوة للعبد في الآخرة أحسن مما له أجيب في الدنيا، فتتمنى يوم العرض الأكبر أنك لم تُجَبْ لك دعوة في الدنيا، ولم يتقدم لك شيء من حثالة الدنيا، ولا من مال الدنيا، ويبقى لك الخير عند الله مما رأيتَ من العطايا.

    وقد يصرف عنك من السوء أعظم مما سألت؛ فإنك قد تسأل إما ولداً، وإما رزقاً أو منصباً، أو باباً من الأبواب؛ فيصرف الله عنك من السوء أكثر من هذا الشيء الذي طلبته.

    النصر والرزق يكون بدعاء ضعفائنا

    أيها الإخوة: لا تستهينوا بدعاء المستضعفين، فقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم} وبعض أهل العلم يحسن هذا الحديث، وهو من حديث أبي الدرداء، وقد ذكره ابن حجر في كتاب الجهاد في المجلد السادس، من فتح الباري، وهو من معلقات البخاري.

    فليغتنم الإنسان حب هؤلاء المساكين والضعفاء؛ فإن الخير والنصر والإيمان والبركة والتأييد وحسن الخاتمة معهم، ويقترب منهم ويرجو دعاءهم، فإنهم هم أحرى بالإجابة بإذن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى؛ فإذا رأيتَ شيخاً كبيراً فحاول أن يكون صديقاً لك، وحاول أن تستعطف قلبه ليدعو لك؛ لأنه قد سبقك في الإسلام، وقد شابت لحيته. وقد جاء بعض الآثار: {إن الله يستحي أن يعذب ذا شيبة في الإسلام}.

    جاء في ترجمة يحيى بن أكثم وهو قاضي المأمون، وقد شابَ وبلغ الثمانين، ثم مات، فرئي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: لقيني ربي فعاتبني على بعض الأشياء، وقال: وعزتي وجلالي! لولا شيبتك لعذبتُك، ثم أدخلني الجنة. وهذه القصة في سير أعلام النبلاء للذهبي؛ فعودوا إليها.

    لماذا غفر له؟ لأنه قد بلغ الثمانين، ولكنه أخطأ قليلاً، فقد كان الوزير المفوض عند المأمون، وقد وجد في بعض القضايا التي تحتاج إلى حسم وإلى صرم، خاصة قضية الإمام أحمد بن حنبل، قضية أهل السنة، وتحتاج إلى دفاع، فوجد فيه قليل من التباطؤ، فيقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وعزتي وجلالي لولا شيبتُك لعذبتُك.

    فأهل الشيب هؤلاء عليكم أن تقربوا منهم، وكذلك المستضعفون من الفقراء والمساكين، فإنهم أقرب إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وأكثر تواضعاً، وأكثر مسكنة.

    وقد قرأت لـابن رجب في كتاب اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى حديثاً يعزوه إلى أحمد والترمذي، والله أعلم بصحته؛ لكن على رأي ابن رجب، يقول صلى الله عليه وسلم: {اللهم اجعلني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين}. فإن المساكين هم أقرب الناس إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فلا يزدريهم الإنسان، ولا يحاول أن يقلل من شأنهم؛ فإنهم هم الرصيد -بإذن الله- وهم القوة الهائلة.

    وربما دفع الله عن البلاد الإسلامية وعن العباد فتناً وحروباً ومحناً بسبب دعاء الفقراء والمساكين والمستضعفين في الأرض؛ لأن هناك من يملك المال والجاه والمكانة والقرار، لكنه قد يلطخ أعماله، ويسد الحجب بينه وبين الله بمصائب كالجبال، فلا يقبل الله دعاءه.

    نعم، قد يوجد من يعادل هؤلاء الفقراء بالمال بالملايين، أو من يملك نصف ما يملك أهل الأرض؛ ولكنه مع ذلك لا يستجيب الله كلمة منه، لأنه عدو لـه، أو أنه قد بارزه بالمعاصي.

    1.   

    موانع الدعاء

    للدعاء موانع تمنع من استجابة الله للداعي، نذكر بعضها:

    المطعم الحرام

    وأقبحُ ذلك وأخبثُه الربا، وقد قال عليه الصلاة والسلام كما عند مسلم: {إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً} والربا محرم، وهو أكثر سبب حجب به الدعاء من أن يرتفع إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    والأمة الآن تدعى إلى الربا، ويجر أبناء هذا الشعب جراً على وجوههم إلى أن يقعوا في حمأة الربا، وتُعْلَن الإعلانات على الشاشة وفي الراديو، وفي الصحف والمجلات المحلية والعالمية، إلى الاكتتاب والمساهمة، وهذا أمر خطير إن لم نقف ضده.

    ولنعلنها صريحة بقوة وشجاعة وبيان، وإلا فسوف تقع الأمة في كارثة لا يشابهها في كارثتها إلا ما فعلت دولة إسرائيل أو الصهاينة في العالم، وهذا الذي يراد لهذا البلد أن يجر جراً إلى هذه المأساة العميقة.

    لا أريد أن أفصل كثيراً، فقد سبق في خطبة الأمس بعنوان: (الحرب في ذكرى الحرب) شيءٌ من هذا؛ لكنني أحيلكم على فتوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز عالم البلاد، وقد أرسلها قبل أسبوع، وطلب من الخطباء والأئمة والدعاة قراءة هذه الفتوى، وهي موجودة في هذا المسجد؛ توزع وتصور ليقوم الأئمة والأساتذة والدعاة والخطباء بقراءتها ونشرها؛ لأنها لم تُنْشر في وسائل الإعلام، ولأنها لو نُشِرَت لكان هناك تضاد، أن يُعْلَن عن الاكتتاب والاستهام في بنك الرياض، وبعدها بخمس دقائق يقولون: وقد أفتى سماحة الشيخ بكذا، فسحبوا هذه الفتوى، وأعلنوا المساهمة ودعوة الناس إلى الاكتتاب وجرهم إلى الربا.. وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً [الأنعام:91] وقال: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَـلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ [البقرة:85].

    ففتوى سماحة الشيخ -أحياناً- تُخْرَج إذا كان لها مصلحة، ولكنها تُخْفَى إذا لم يكن هناك مصلحة، وتضر بمصالح الذين يريدون الربا في العالم.

    فواجبنا نحن أن نقف مع سماحة الشيخ، فقد استشاط غضباً مما فُعِل ومما حَدَث، فإن ذلك استهتار بشريعة الله.

    لماذا هذا؟ كيف تدعو عشرة ملايين إلى أن يرابوا ويحاربوا الله بالربا، ويذهبوا إلى بنوك تناطح السحاب وتتحدى شريعة الله، وتلغي شرع محمد صلى الله عليه وسلم؟ ما هو واجبك؟ كيف تخرج معي لصلاة الاستسقاء وأموالك في البنوك الربوية؟ تخرج تدعو الله أن ينزل المطر، وقد جاء في الحديث: {...ثم ذكر الرجل أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء، ومطعمه حرام وملبسه حرام، فأنى يستجاب له؟!}.

    أهل الباطل إيجابيون في باطلهم ومؤثرون، وأهل الحق سلبيون إلا من رحم ربك، فأنا أعرف آلاف الملتزمين والمستقيمين بشرع الله والأخيار، لكنهم لا يَدْعُون ولا يؤثرون ولا يقفون مع الكلمة الحية الصادقة، ولا ينشرونها في الناس، ولا يدافعون عن الحق.

    فأنت لا شك أنك تجلس في مجلس ومعك جيران، وتلتقي بالناس، ولك مَجامِع وزملاء، ولك أصدقاء، فأين موقفك من الدعوة إلى فتوى سماحة الشيخ؟

    إذا رَفَضَت الشاشة -مثلاً- والصحف أن تُخْرِج فتوى سماحة الشيخ، فما هو البديل إذاً؟ إنه المنبر؛ إنه أنت، تقرؤها وتعلنها في الناس.

    وإنما أحذر؛ لأن البلاد إذا استمرت على هذا الوضع، فسوف تنهار فيما يقارب العشر سنوات، وقد قالها الكثير من المحللين، وقد ذكر ذلك محمد أحمد الراشد في أشرطة له ألقاها في مدينة فينيكس بولاية أريزونا بـأمريكا.

    فهذه قاصمة ظهر، فانتبهوا! وقفوا ضد هذا المخطط الرهيب لجر الناس إلى المراباة وإلى الاكتتاب بحجة تنمية المال، والدعايات المغرضة، ثم تُلْغَى صلاتُنا وصيامنا ودعاؤنا، ونصبح في قطيعة مع الله ما بعدها قطيعة.

    الدعاء بإثم أو قطيعة رحم

    إن بعض الناس قلبه ساخن على المسلمين وحقود؛ تجده لا ينسى الزلة ولا ينسى الغضبة ولا الهفوة التي صدرت من مسلم، حتى ولو كانت من قبل أربعين سنة، ومهما لا طفتَه لا يتلاطف، ودعاؤه: اللهم خذ فلاناً أخذ عزيز مقتدر.. وقد يكون من جيرانه، وهناك قصص في هذا الأمر، لكنني لا أريد أن أسهب؛ لأنها إما قد تكررت، وإما أنه لا داعي لذكرها، وهي عامية اجتماعية تدل على قلة إيمان بعض الناس وفقهه ومعرفته، يدعو على أسباب دنيوية، فتجده يبتهل إلى الله بدعاء ما دعاه نوح على أمته الكافرة.

    من أجل هذا السبب: تصور أن قَتَبَ جملٍ -وهو ما يوضع على الجمل- اختلف رجل عمره يقارب السبعين هو وجاره قبل ثلاثين سنة في هذا القَتَب، فحلف جاره أنه قَتبه فأخذه، فذُكِرَ هذا الرجل الصالح، وقيل: نسأل الله أن يغفر له، فقال: كلا، أسأل الله أن يكبه في نار جهنم بقَتَب الجمل الذي حلف عليه.

    انظر إلى قسوة القلب والحقد وقلة المعرفة، فمثل هذا وأمثاله يُحَذَّر منهم.

    وقطيعة الرحم: هو أن تُقْطَع الأرحام بالدعاء، فإن بعض الناس يدعو على أرحامه، فيدعو على أخته لأنها تطلب الميراث، فيقول: اللهم اقطع نسلها وذريتها، فلا يستجيب الله دعوته، فليست المسألة فوضى، وهل كلما دعوتَ يُنَفَّذ لك؟ إذاً لدُمِّرَت الدنيا بدعاء الجهلة؛ لكن الله حكيم سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    الإلحاد في أسمائه سبحانه وتعالى

    إن الله له أسماء حسنى، قال تعالى: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ [الأعراف:180].

    فهو سبحانه سمى بها نفسَه, ولَمْ يُسَمِّه أحدٌ من الناس، وأسماؤه توقيقية شرعية وردت في الكتاب والسنة.

    ولا نوافق الغزالي في كتاب إحياء علوم الدين عندما اخترع لنا أسماءً من ذاكرته ومن ذاكرة أئمة الصوفية، فلا يُوافَق عليها، مثل: (يا دهر الدهارير) يسمي الله بـ(دهر الدهارير).

    ولا نوافق كذلك ابن عربي في فصوص الحكم في قوله: (يا هو يا هو يا هو)؛ لأنهم يقولون: إن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى قال: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ [آل عمران:18] فكلمة (هُوَ) اسم مفرد عَلَم، فعندما تدعوه تقول في الليل: (يا هو يا هو يا هو يا هو) قال بعض أهل السنة: هذا نباح كلاب وليس بدعاء.

    ودعا غيرُه، مثل صاحب قوت القلوب، فقال: ويدعى بـ(يا حي) فيقول: يا حي يا حي يا حي) لا بأس أن يقول: يا حي يا قيوم؛ لكن اطلب ماتريد؛ لأن الصوفية يقفون عند مقطع ويقولون: كرر الاسم.

    حتى إنهم يقولون في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم: فإذا صليتَ ركعتين في الروضة، فاجلس وردِّد: (يا لطيف) عشرة آلاف مرة، تقول: (يا لطيف، يا لطيف، يا لطيف، يا لطيف، يا لطيف) فماذا بعد (يا لطيف)؟!

    تصور أن رجلاً يأتيك في ظلام الليل فيطرق عليك بابك وينادي: يا محمد، يا محمد، يا محمد، يا محمد، يا محمد، فتقول له: نعم! فيقول: يا محمد، فتقول: نعم. فيقول: يا محمد، ما هذا؟!

    فالله قد علمنا الذكر الشرعي الذي ندعوه به، فتقول: يا غفور اغفر لي، يا لطيف الطف بي، يا رحيم ارحمني، هذا هو المطلوب في الإسلام، وهو الدعاء الشرعي، ولا تأت بأسماء (بلدية) لم ينزل الله بها من سلطان، مثل أن تقول: (يا كائناً قبل أن يكون) أستغفر الله! هذا من دعاء العامة؛ ولكن يمكن أن تقول كما يقول بعضهم: يا مستجيباً للصوت قبل الموت، وقبل إدراك الفوت) ومن هذه التراجم، وإذا صادف حرارة من الإخلاص قد يُجاب الدعاء؛ لكن الصحيح عند أهل العلم أن يُتَوَقَّف في الدعاء، بأن تكون الأسماء شرعية نبوية أتت في الكتاب والسنة.

    الاعتداء في الدعاء

    ويجب أن تدعو بدعاء شرعي ينفع، ولا تعتدِ في الدعاء.

    مثال الاعتداء في الدعاء: أحد الصحابة سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض على يمين الجنة. فقال الرجل: سمعتُ الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {ليكونن أقوام من أمتي يعتدون في الطهور وفي الدعاء} وهذا من الإسراف في الدعاء، أي: التَّقَعُّر في الدعاء.

    أو مثل أن تقول -والعياذ بالله-: اللهم إني أسألك أن تجعلني خيراً من أبي بكر الصديق. والله لن تكون خيراً منه لا أنتَ ولا أبوك ولا جدك، ولو ظللت تعبد الله ألف سنة، فهوِّن على نفسَك، فإن ساعة من أبي بكر أحسن مني ومنك ومن الكرة الأرضية في هذه الفترة.

    وبعضهم ربما يعتدي ويقول: اللهم اجعلني من أنبيائك! أعوذ بالله! قد ختم الأنبياء بمحمد صلى الله عليه وسلم.

    فيجب أن تعرف ماذا تقول من لسانك لتُجاب الدعوة.

    1.   

    أوقات إجابة الدعاء

    السحر وقت لإجابة الدعاء

    في الثلث الأخير من الليل، إذا بقيت ساعة لصلاة الفجر أو أكثر أو أقل تقوم ولو بركعتين، وتمد يديك إلى الله تعالى وتدعو، لكن لا تدعُ لنفسك فقط، بل تدعو للمسلمين، ولعلماء المسلمين، وللمجاهدين، وللدعاة في نصرة هذا الدين.

    آخر ساعة في الجمعة

    ومن أوقات الإجابة: آخر ساعة في يوم الجمعة، وقد تفنن ابن حجر - رحمه الله - فذكر في الفتح ثلاثة وأربعين قولاً في ساعة الجمعة، والصحيح: أنها من بعد العصر إلى صلاة المغرب، فتأتي قبل الغروب في بيتِك أو في المسجد وتدعو، ويكون هذا ورداً لك دائماً، تلجأ إلى الله فيه بالدعاء.

    يوم عرفة

    وما رئي الشيطان أغيظ ولا أدحر ولا أصغر منه في يوم عرفة؛ لأنه المؤتمر العالمي الإسلامي الأكبر الذي بدأه محمد صلى الله عليه وسلم يوم أطلق صرخة (لا إله إلا الله) من على قرن عرفة؛ فتدعو مع الجموع.

    بين الأذان والإقامة

    وهو وقتٌ للتَّنَفُّل, ولقراءة القرآن، والدعاء.

    وأنا أدعو في هذه المناسبة إخواني -خاصةً الشباب- أن يبادروا إلى الأذان دائماً، فإنه يوجد عند بعضهم طبع طبعت عليه نفسُه، وهو ألا يأتي إلا مع الإقامة، وبعضهم يترك الناس حتى يشرعوا في الصلاة ثم يأتي من بيته.. إن المسلم يُعرَف بحرصه على الخير، ويُعرَف باندفاعه الحي إلى مواسم الخير.

    فرجائي -أيها الأخيار- المبادرة وقت الأذان، فإذا سمعتَ الأذان عَطِّلْ كلَّ شغل عندك.. يُروى عنه -عليه الصلاة والسلام- {أنه كان يكون في مهنة أهله، فإذا سمع (الله أكبر) قالت عائشة: قام كأنَّا لا نعرفه ولا يعرفنا}. فلمثل هذا تقطع عملك، وتقطع اتصالك، وتُقِيْمُ ضيفَك من البيت، وتقول: هيا بنا إلى بيت الله، ولا تخشَ أحداً؛ فإذا حضرت وليمة أو عزيمة وسمعتَ الأذان تطلب أنت بشجاعتك الإيمانية وبحماسك وغيرتك وأدبك؛ تطلب من الناس أن يذهبوا إلى بيت الله عز وجل مع الأذان؛ لأن هذا تحصيل إيماني في الأوقات.

    تصوَّر أن ما بين الأذان والإقامة ثلث ساعة في كثير من الأوقات، فلو ضَمَمْتَ الثلث إلى الثلث في خمسة أوقات لخرج لك وقتٌ كثير تستطيع أن تقرأ فيه الجزء والجزئين، وبعض الناس يقرأ جزءاً وجزئين في هذا الوقت، أو تدعو كثيراً، أو تسبح، أو تبتهل إلى الله عز وجل.

    فهذا طلب لا يفوتكم وأمثالكم من الأخيار.

    أدبار الصلوات

    خرج صلى الله عليه وسلم بعد صلاة من الصلوات فلقي معاذ بن جبل -قائد العلماء إلى الجنة- فأخذ بيده صلى الله عليه وسلم وقال: {يا معاذ! إني أحبك، فلا تَدَعْ في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك} هذه رواية أبي داود، وقد ورد عند بعضهم: {اللهم أعني على شكرك وذكرك} والصحيح الأغلب: {اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك}.

    قال ابن تيمية: تُقال هذه قبل السلام؛ لأن دبر الشيء منه.

    وقال ابن حجر: تُقال بعد السلام، هكذا قال في الفتح.

    والظاهر: أن الحق مع ابن حجر، فإن دبر الصلاة هو مابعدها -والله أعلم- فيرجح ابن حجر هذا الرأي وغيره من العلماء.

    والأحوط للعبد أن يقولها قبل السلام وبعد السلام، وهي الأحسن والأَولى والأكرم والأجل.

    1.   

    الأسئلة

    .

    إنسان يكره الدعوة والدعاة

    السؤال: ما رأيك في شخص يكره الدعوة والدعاة، ويريد تحطيمها علناً؟ هل ندعو عليه أم ماذا؟

    الجواب: أولاً: ندعو الله عز وجل أن يهديه، وأن يرده إلى الدين وإلى الحق رداً جميلاً، وإن أصر فندعو الله أن يأخذه أخذ عزيز مقتدر.

    ولا تظنوا أنه لا يوجد هناك حَسَدَةٌ، ولا منافقون، ولا مارقون، فهذا خلاف سنة الله -عز وجل- في الأرض، فلا بد أن يوجد للحق أعداء، حتى في القرية الصغيرة القليلة العدد، لا بد أن يوجد ضدٌّ لأهل الحق؛ حتى أن ابن الوردي يقول:

    ليس يخلو المرء من ضِدٍّ ولو     حاول العزلة في رأس الجبل

    ومن حكمة الله عز وجل أن جعل ما يسمى بقانون المدافعة، قال تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ [البقرة:251] وقال جل اسمه: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنْ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً [الفرقان:31].

    فمن حكمة الله أن يجعل أنداداً وأضداداً وأعداءً للمؤمنين وللدعاة وللأخيار.

    فلا تتكاثَرْ هذا، ولا يضيق صدرُك، واعرف أن هذه سنة ماضية؛ لكن العاقبة للذين اتقوا: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر:51] ويقول سبحانه: وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ [الصافات:173] ويقول سبحانه: كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة:21].

    فلا تظن أن الساحة سوف تخلو من هؤلاء؛ فعلينا أن نقف له بالدعاء في الأسحار، وفي أدبار الصلوات، من أراد تحطيم الدين والدعاة والعلماء ندعو الله عليه أن يحطمه وأن يأخذه وأن يقتله بسيفه، وأن يمزقه كل ممزق، إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.

    ثانياً: واجبك أنت أن تكون داعية إلى الحق وإلى منهج الله عز وجل، فلا تكن سلبياً، بل تدافع وتعرض فكرتك مثلما يعرضها هو، وتبرر موقف أهل الحق، وتنافح عنهم؛ لأنك إن سكت فمعنى ذلك: أنك خذلتَ أولياء الله، وأنك رضيتَ، ومُطْعِمُ المأكولِ كالآكلِ.

    كلمة إلى زوارنا من قطر

    السؤال: حضر هذا الدرس بعض التائبين والزوار من دولة قطر، فهل من كلمة لهم؟

    الجواب:

    التحياتُ تَهامَتْ كالمطر     لدُعاة الحق من أهل قطر

    حياهم الله وحياكم، ومرحباً بهم.

    وكلمتنا لهم: أننا نحن وإياهم بيننا -قبل أن تكون هناك مصالح دنيوية أو أمور أخرى- هناك نسب خالد أسسه محمد صلى الله عليه وسلم وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:63].

    نريد منهم ثلاث مسائل:

    الأولى: أن يعتبروا أنهم في هذا الجمع أهل وأحبة وإخوة، فنـزلوا على الرحب والسعة، وكل منا لهم مضيف وهم الضيوف.

    الثانية: أن ينقلوا سلامنا وأشواقنا إلى حملة التوحيد والمبادئ الخالدة والدين والإسلام وأهل الاستقامة في قطر.

    الثالثة: أن يكونوا دعاة إلى منهج الله عز وجل، وأن يشاركوا هذه المسيرة التي فتحها الله على المسلمين، والتي أصبحت تسير في الأرض، وأصبحت سماوية، والله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يحميها ويرعاها، وهي مسيرة أهل الإسلام، وأن يثبتوا أقدامهم في العلى، ولك الحمد يا رب العالمين.

    وأنا أعلم أنه سوف يكون هناك عثرات وصدمات، لكن لا بد منها، فهكذا الطريق، ولو أنها سلمت من الشوك ومن الصدمات لنجى منها محمد صلى الله عليه وسلم؛ لكن اسمعوا إلى الأخبار الطيبة، ولو أنها تُلَوَّث بأجهزة الإعلام العالمية؛ لكن سوف يثبت الحق، قال تعالى: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ [الرعد:17].

    جمهوريات في الاتحاد السوفيتي تعلن استقلالها، وإذا (70%) منها مسلمون، وإذا بعلماء الذرة يرجعون وعلى الواحد منهم اللحية السنية الموروثة عن معلم الخير صلى الله عليه وسلم، وهو يصدر الذرة للعالم، وإذا بالملايين المُمَلْيَنَة يتجهون إلى المساجد، والمصاحف والأشرطة تُوَزَّع هناك بالآلاف، والرسائل تَفِد من هناك: إننا لكم إخوان، وإننا كنا وراء الأسوار الحديدية حُجِبْنا عنكم، والآن أصبحنا نتصل بكم. وهذا فتح عظيم.

    أيضاً: شمال أفريقيا تتجه هناك صحوة يقودها العلماء على الكتاب والسنة.

    وقد أرسل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز شريطاً مسجلاً بصوته إلى جبهة الإنقاذ في الجزائر:

    أولاً: حياها بالتحية الإسلامية.

    ثانياً: سأل الله لها العون والسداد.

    ثالثاً: أفتى سماحته أن مَن صَوَّت لغير جبهة الإنقاذ وضم صوتَه من الجزائريين إلى الأحزاب الكافرة من الاشتراكية والشيوعية والعلمانية وغيرها فقد ارتكب جُرْماً عظيماً، وأن على الشعب الجزائري أن يصوت لهذه الجبهة، وأن يؤيدها، وأن يحشد وراءها.. هذا رأي سماحة الشيخ.

    وقبله أرسل العلامة الحافظ الألباني شريطاً بصوته، ووزع عشرات الآلاف في الجزائر.

    فماذا نقول عن هذه المسيرة الخالدة؟

    نحن لا يهمنا ما حدث أو يحدث من تعكير، ولا يهمنا تجني الإعلام العالمي ضد أهل الإيمان وضد أهل الكتاب والسنة؛ فهذا أمر معروف، وماذا تريد من رجل شهواني منافق؟

    ولكن إن تعجب فعجب ما فعلوه في الجزائر! جبهة الإنقاذ المسلمة الملتزمة بالكتاب والسنة التي يقودها علماء تحصل على (188) مقعداً، وحزب التحرير الضائع الضال يحصل على (16) مقعداً، والحزب الاشتراكي يحصل على (25) مقعداً، ثم يأتي الإعلام ويقول: طعونٌ في الانتخابات -طعن الله أكبادهم من منافقين!

    طعونٌ في الانتخابات؟! أنتَ الذي لا تسجد لله ولا تبكي إلا من الفرح، وتقول:

    طفح السرور عليَّ حتى أنني     من عظم ما قد سرني أبكاني

    إنها (188) مقعداً!

    مليون امرأة محجبة من الجزائر يخرجن إلى صناديق الاقتراع؛ لأنهن مضطرات أن يقدمن أسماءهن، وسبعمائة ألف شاب جزائري كأنهم من شباب المهاجرين والأنصار، يهتفون بعد صلاة الجمعة بل الجمع ويقولون:

    نحن الذين بايعوا محمدا     على الجهاد ما بقينا أبدا

    ويقول الإعلام العالمي: خوفاً من الأصوليين أن يحكموا الجزائر.

    أصوليون؟! أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، الذين نشروا العدل في العالم، تلاميذ عمر بن الخطاب!

    هل وَجْهُ هَوارِي بُوْمَدْيَن والشاذلي وأمثالهم الذين هم من المدارس المظلمة المنتنة أجدر بالحكم؟

    والديمقراطية سُلَّمٌ يصعده كل أحد إلا المسلمين.

    ولما ظهرت النتائج قالوا: أُلغيت وشُطِّب عليها، وأُنْزِلَ الجيش، وكلما رأوا الصوت الإسلامي سوف يغلب استدعوا الجيش والشرطة والاستخبارات والمباحث في ضرب المتطرفين ومطاردتهم وإخراجهم من البلاد.

    يا أخي! هذا الشعب عَبَّرَ عن صوته، إنه يريد الإسلام، أتدرون لماذا صَوَّت الجزائريون مع جبهة الإنقاذ المسلمة؟

    أنا أخبركم بالسر، سمعتُه من أناس من جبهة الإنقاذ في الرياض، يقولون: كان الرجل منا إذا تولى البلدية في مدينة من المدن حوَّل من سيرته صحابياً في هذا القرن، يأتي هذا من جبهة الإنقاذ وهو رئيس الإقليم، فيصلي بهم الجمعة، وهو رئيس البلدية، أي: رئيس المقاطعة، ثم يأتي ويجمع التبرعات ويوزعها على الفقراء، ثم يسمع بالمريض في المستشفى فيأخذ إخوانه ويذهب إلى المريض، ثم يأتي الأعراس فيحضرها ويحولها إلى أعراس إسلامية، ثم يأتي إلى المنكوبين فيساعدهم، ثم يراجع في معاملات الفقراء في الحارات، ويدخل لهم الماء والهاتف والكهرباء، فيقول الجزائريون: مادام أن هذا الدين يأتي لنا بهولاء، فلا نريد إلا هؤلاء.

    أما الطعون في الانتخابات فنحن نعرف من الذي يطعن في الانتخابات، ونعرف من الذي يتكلم في أعراض أهل الحق في كل مكان.

    أيضاً: نستبشر -والحمد لله- في اليمن، حيث أن هناك مسيرة خرج فيها الشيخ/ عبد المجيد الزنداني قبل جمعتين بـ(1.000.000) من شباب اليمن، هذا ليس رقماً من عندي ولا من كيسي، سلوا الدعاة، وسلوا أشرطتهم، مليون من شباب اليمن خرج بهم الشيخ/ عبد المجيد الزنداني ليقولوا: نريد الكتاب والسنة، لنا مطلب واحد، نريد الكتاب والسنة، لا نريد منصباً ولا دنيا ولا غيرها.

    والمفاجأة الآن: أن الشعوب الإسلامية كلها تريد الإسلام؛ لكن لم يقدِّم لها الإسلام، تريد الإسلام الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنها جربت مبادئ كل شيطان في الأرض فأُحْرِقَت وسُحِقَت؛ لكن دعوها تجرب (10) سنوات، اتركوها تُحْكَم بـ(لا إله إلا الله، محمد رسول الله) حتى تروا تلاميذ أبي بكر وعمر كيف يعدلون! وكيف يرحمون! وكيف يوقرون! وكيف يقدرون!

    هذه بعض اللفتات.

    فالإخوة من قطر، نثني بالتحية والترحاب بهم، وأشكر الله لهم.

    وبالمناسبة: أشكر المشايخ من فرع جامعة الإمام الذين حضروا هذه الليلة، وأسأل الله لهم التوفيق والهداية، ومنهم نستفيد، وأثابهم الله وإياكم جميعاً.

    كتاب الأسبوع

    كتاب الأسبوع في هذا السبت: الطحاوية، وهي عقيدة أهل السنة والجماعة، هذا العقيدة التي تُفَضِّخ رءوس الشياطين، وهو الكتاب الموسع، وهو الدرجة الثالثة من كتب أهل السنة؛ لأن لـأهل السنة ثلاث درجات:

    المبتدئون: كتاب التوحيد.

    والمتوسطون: معارج القبول للشيخ حافظ بن أحمد الحكمي.

    والمنتهون: الطحاوية، وهو مُحَقَّق في مجلدين، حققه شعيب الأرناؤوط.

    فأنا أدلكم عليه، ليكون في مكتبة كل منكم؛ حتى تعرف ماذا يقول أهل السنة في المعتقدات، ولا تأخذ عقيدتك من الشرق ولا من الغرب، بل من أهل السنة.

    أيضاً: أنبهكم دائماً على التبرع للمساجد، ولكن أظن أنكم تظنون أن هذه الدعوة مقبولة مع وقف التنفيذ، فتقولون: دعوتك مقبولة؛ لكن مع وقف التنفيذ، والمقصود: أن تتبرعوا للمساجد التي ذكرتُ أسماءها؛ لأنها تريد أن تقام بأموالكم أنتم، مثل: جامع النماص، وجامع تنومة، وجامع ثريبان، ومسجد جماعة في ابن الأسمر.

    مشاركة في بحث كيف تعالج القلق

    أيضاً: هناك بحث مقترح ومقدم اسمه: (كيف تعالج القلق؟!) وقد كتب بعض المثقفين العالميين في هذا؛ لكننا نريد هذا من منظور إسلامي.

    والمطلوب: الاطلاع على ما كُتِب من الكتب الشرقية والغربية والإسلامية وغيرها، وإعطاءنا التجارب وإرسالها إلينا في هذا المسجد.

    والمطلوب أيضاً: القصص الواقعية، إذا كان أحدكم وقعت له قصة، أو يعرف قصة ممن أصابه الهم والغم؛ لأنه مرض هذا العصر، وأصبحت الوسوسة والخوف والقلق والاضطرابات عند كثير من الناس، فنريد أن نقدم بحثاً ويُنْشَر -بإذن الله- واسمه: (كيف تعالج القلق؟!).

    أيضاً: أَلتَمِس من إخواني الدكاترة الأطباء -وقد حضر منهم فئة طيبة مباركة- أن يمدونا بتجارب من علمهم ومن خبرتهم عن هذا المرض، وكيف يُعالج.

    أيضاً: أرجو من أهل الفكر والأدب والعلم أن يمدونا، وألا يبخلوا علينا؛ لأن هذا مساهمة في الخير، فسوف تقوم لجنة فتهذب هذا البحث وتنقيه وتصفيه، ثم يُكْتَب ويكون بديلاً عن بعض الكتب؛ لأنه لم يطرق هذا الموضوع إلا القليل من الكتاب المسلمين.

    صحيحٌ أننا أغنياء من ناحية الكتاب والسنة -والحمد لله- لكنني أقصد بحثاً من كتب البشر ومؤلفات البشر، بمعنى: أنك تجد كتاباً لأمريكي: دع القلق وابدأ الحياة، وكتاب كان عليهم أن يشاهدوا باريس لِـمُوْر، وكتب أخرى لِكَتَبَةٍ هنود وصينيين؛ لكن الكتاب المسلمين يريدون كتاباً وبحثاً في هذا، فهذا ما أريده.

    أيضاً: من أراد أن يرسل من غير مدينة أبها بتجاربه حول هذا الموضوع، أو ببحثه، أو ما قرأه في مجلة أو جريدة، أو كتاب، فعليه أن يكتب على: (أبها - فرع جامعة الإمام - كلية الشريعة وأصول الدين - قسم السنة) باسمي، وستصل بإذن الله.

    وسوف يراه قريباً، حتى يكون -إن شاء الله- في محاضرات، وينشر عليكم، وأعدكم -بإذن الله- إذا خرج أن يوزع عليكم مجاناً في سبيل الله عز وجل.

    أيها الإخوة: هذا الدرس سوف يتوقف في إجازة الربيع، ثم نبدؤه -بإذن الله- ونعود إليه بإعلان بعد الإجازة، وإن كنا سنفارق شيئاً في أبها، فلا نفارق إلا هذه الوجوه وهذه القلوب، ولن نحس بوحشة لفرقة الجبال، ففي كل بلد جبال، ولا للتراب ففي كل بلد تراب، ولا للشجر ففي كل أرض شجر؛ لكن أنتم، وإنما يُسْتأنَس بـأبها لوجودكم، وإنما تُحَب أبها لأنكم أنتم فيها، وكلما أتى ضيف رآكم فأحب المدينة، كما قال مجنون ليلى:

    أمر على الديار ديار ليلى     أقبل ذا الجدار وذا الجدارا

    وما حب الديار شغفن قلبي     ولكن حب من سكن الديارا

    وكان ابن المبارك إذا ودع تلاميذه بكى وقال:

    وخفف وجدي أن فرقة واحدٍ     فراق حياة لا فراق مماتِ

    يا من يعز علينا أن نفارقهم      وجداننا كل شيء بعدكم عدم

    قضاء المسلم لوقته أيام الإجازة

    ولكن أمامنا -أيها الأحباب- إجازة ربيع، وليس أمام المسلم إجازة ولا فسحة في الوقت ولا فراغ، إنما الجد المتصل والعمل المثمر لمن وفقه الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فلا بد من مشاريع تبدؤها وتكتبها أنت حتى تستثمر الإجازة استثماراً طيباً.

    فمَن يذهب إلى مكة أدعوهم إلى كثرة العبادة، وإلى الإهلال بعمرة؛ لترضي الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فقد ورد في سنن الترمذي: {تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما تنفي النار خبث الحديد}.

    أيضاً: أدعوهم إلى كثرة قراءة القرآن في الحرم، ومدارسة كتب أهل العلم.

    أيضاً: أدعوهم إلى أن يكون عند الواحد منهم كتاب يقرؤه، وأن يكون مستأنساً بعبادة الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    لَفْتَة: -ولا تَجِدُوا عليَّ- ففي بعض الأماكن تجدهم إذا أرادوا أن يذهبوا إلى العمرة من أعجل الناس، يبشر بعضُهم بعضاً، ويقول: أبشرك، ما طلعت علينا الشمس إلا وقد انتهينا من العمرة وعدنا إلى الطائف، وكأنه خرج من سجن أو من حبس، يبشر الناس، ويقول: والله ذهبتُ بالوالدة، وما مكثنا في الطواف ولا في المسعى إلا ساعتين، وقبل أن يؤذن المؤذن ونحن في مكان كذا.. سلمك الله؛ لأنك خرجت قبل أن يؤذن المؤذن.

    وهذه العجلة -أيها الإخوة- ليست في العبادة، إنها في أمكنة أخرى، إن الأجر والمثوبة أن تبقى كثيراً، وأن تدعو كثيراً، وأن تدخل بهدوء وبعبادة، حتى أنك تجد بعض الناس يجر على نفسه في العمرة وفي الحج المشاكل والزحام حيث لا زحمة ولا مشاكل؛ لكن يأتي فتجده متحفزاً مستنفراً لقواه العضلية والجسمانية والعقلية والصوتية، حتى يدخل الزحام على نفسه ولا زحام.

    وتجد بعضهم يدخل بلا فقه، فيعتمر ولا يدري ماذا قال وماذا فعل، فإذا انتهى بدأ يتصل بطلبة العلم، هل يجوز هذا أو لا يجوز؟ فالواجب أن يسير على بصيرة، وأن يقرأ الكتب المبسطة في الحج والعمرة.

    دعوة إلى الأمر بالمعروف

    أيضاً: هناك شبه سواحل ريفية، وسواحل يستفيد منها بعض الناس في الربيع، كالساحل الجنوبي في الشِّقِيْق، فيقع فيه اختلاط وأمور قد تخالف الشرع، فالواجب علينا أن ندعو إلى سبيل الله عز وجل، ومن ذهب إلى هناك عليه أن يدعو بالشريط، ويدعو بلسانه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد كتب بعض الإخوة كتابات في هذا، ومنهم: أحد الإخوة من البرْك كتب رسالة في ثلاث صفحات، فأنا أشكره باسمكم جميعاً، وأشكر غَيرته، وأخبر أن الناس يجتمعون ويقع هناك اختلاط، وأن بعض الناس يخرجون بملابس ليست بملابس محتشمة، ويسبح أمام العالمين، وهذا أمر مخالف، فما هو دوركم؟

    هذا في منطقة البرْك، أرسلها قبل أسبوع تقريباً، ونسيت أن أذكرها أو أقرأها عليكم، لكن هذا ما يدعو إليه، فهو يدعو إلى المشاركة في الدعوة والوعي.

    أيها الإخوة: أسأل الله عز وجل أن يعيد هذا اللقاء بكم في أيام قريبة، وأن يحفظنا وإياكم، وطلبنا وهو طلبٌ مُلَبَّى فيكم: ألا تنسونا من الدعاء بظهر الغيب، فإن ثمرة هذا اللقاء (سهام الليل) هي الدعاء الذي تشرفون به، والذي هو كنـز لكم، والذي هو في أيديكم، متى شئتم استخدمتموه، وكان لكم النفع العظيم والأجر العميم من الله عز وجل.

    أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يحفظنا وإياكم، وأن يهدينا وإياكم سواء السبيل، وأن يتولانا، وأن يرزقنا الإخلاص والصدق، وأن يجزل لنا المثوبة، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين.

    كما أشكر الإخوة الطلبة الذين حضروا في هذا الأسبوع، وهو أسبوع امتحانات، ولكن وصلت من بعضهم أسئلة يقولون: إنا حضرنا وشاركنا حباً في الدرس وتركنا المذاكرة، فأقول: لا تتركوا المذاكرة؛ لكن اجمعوا بين الحسنيين، بين الحضور وبين المذاكرة، ونرجو لكم النجاح من الله والتوفيق.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.