اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سهام الليل للشيخ : عائض القرني


سهام الليل - (للشيخ : عائض القرني)
الأمة اليوم تعيش في ذل وهوان، ولا يمكن أن تنتصر إلا بقربها من الله، وبدعائها إياه.والدعاء له آداب، وله أوقات هو فيها أرجى من غيرها، وقد أتقن السلف رحمهم الله استخدام هذا السلاح لينصروا به دين الله عز وجل، وما ذلك إلا لأنهم أخذوا بأسبابه، وعرفوا أوقات إجابته، وتجنبوا موانع الاستجابة.
وقفات للسائلين مع رب العالمين
إن الحمد لله، نحمده ونستيعنه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.عنوان هذا الدرس: (سهام الليل) ولليل سهام لا يجيد إطلاقها إلا الموحدون، تطْلَق بأوتار العبادة، وبقسيِّ الدموع في السحر إلى الله الواحد الأحد، فيجيب من شاء متى شاء إذا شاء، تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54].هذه هي ليلة الأحد مساء السبت: 14/رجب/1412هجرية.وحديثنا من كلام الله عز وجل ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنني أسأل الله عز وجل في هذه الساعة المباركة أن يبلغ رسوله منا أزكى السلام وأشرف التحية.بلغ السهى بكمالهِ زان الورى بجمالهِ صلُّوا عليه وآلهِ اللهم صلِّ وسلم عليه صلاةً وسلاماً دائمَين كريْمَين مباركَين ما دام الليل والنهار، وما فاحت الأزهار، وما تدفقت الأنهار، وما صاحت على الأيك الأطيار.صلوا على المصطفى ما اهتز تيارُ وما تلألأ في الآفاق أنوارُ صلوا عليه وزيدوا في صلاتكم فنحن في شرعه الميمون أنصارُ والصلاة عليه - عليه الصلاة والسلام - حق له جزاء ما قدم للأمة، وما أنقذنا به من متاهة الجهل، وما أخرجنا به من الظلمات إلى النور؛ فإن من حقوقه الثابتة علينا - عليه الصلاة والسلام - أن نكثر من الصلاة والسلام عليه دائماً وأبداً.صلاةٌُ والدموع بها تُهَلُّ وتسليم أرتله أجلُّ فيا أخيار صاحبكم عظيمٌ ومعصوم عليه اليوم صلُّوا لكنها صلاة وسلام على منهج أهل السنة والجماعة، لا على منهج أهل البدع الذين جعلوا الصلاة والسلام عليه رقصاً وغناءً وتطبيلاً، بل صلاة بوقار واتباع، وتسليم بحب وميل إليه عليه الصلاة والسلام.
 لا يأتي النصر إلا بالدعاء
تصوروا لو أن هذا الجمع وأمثاله وأضعافه وآلاف أضعافه في العالم الإسلامي يقومون قبل السحر بدقائق وبلحظات، فيرفعون الأكف، وفي أدبار الصلوات وفي السجود، ثم يدعون بالنصر لأهل الإسلام وعلمائه ودعاته، ويدعون بالمحق والسحق والهزيمة والخذلان لأعداء الله. فما النتيجة؟!!قدِّر أن واحداً قُبِلَتْ دعوتُه! أليس فينا رجل رشيد؟! أما في هذا الجمع والوجوه المكرمة الموقرة رجل يعلم الله أنه صادق؟! لماذا؟ لأن الولاية لا زالت لله، ولله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أولياء من عباده، والولاية ليست حكراً على قسم السنة في أصول الدين، ولا قسم العقيدة في الشريعة، ولا القضاء، ولا العلم، ولا الفُتيا، وإنما هي منثورة مبذولة من الواحد الأحد.. فهناك الولي في بقالةٍ، أو بنشرٍ، أو مؤسسةٍ، أو عيادةٍ، أو مستشفىً، أو وزارةٍ، أو دائرةٍ، أو مدرسة؛ لأن الله ينثر المناقب كما ينثر المثالب.أيضاً مما يُجَمِّل هذا المجلس: أنه مجلس لا يرتاده إلا من يريد الإسلام لذاته، والله يأمر رسوله عليه الصلاة والسلام في لفتة من لفتات القرآن أن يأتي إلى الفقراء، وأن يجلس مع المساكين، وأنا أعلم أن بعض من يأتي هم من الأغنياء والأثرياء، ولكن هكذا مسيرة المساكين؛ لأن محمداً صلى الله عليه وسلم هو إمام المستضعفين؛ لأنه حررهم؛ ولذلك أحبوه، وعشقوا سيرته، وقدموا جماجمهم في نصرة مبادئهم في أحد وفي بدر والقادسية واليرموك.. وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف:28]. إن مجالسَ المستضعفين هي: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [النور:36].ولباسَهم: التقوى وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26].وهوايتَهم: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام:52].وشغلَهم الشاغل: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:20]. وسَمَرَهم في نادٍ ليلِيٍّ كُتِبَ عليه: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [السجدة:16].فيا خيمتَي ليلى بعيني سُراكُما ولا ليلَ يُعطينا الودادَ وأنجما
قصيدة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم
معذرة! قبل أن أشرع في الموضوع، كانت آخر مقطوعة: وقفةُ إجلال لمعلم الجيل، وهو محمد عليه الصلاة والسلام، وهي بنت الساعة، والمخاطب الرسول عليه الصلاة والسلام:المعاني إليك فرضاً ونفلا والتحيات في معاليك تُجْلى وشباب هم المحبون أضحوا فيك يا أكرم المحبين قَتْلَى لِمَ قتل الشباب في أفغانستان؟ وخرجت مسيرة مليون شاب في الجزائر يطالبون بحكم الله؟ ولِمَ يتدفق الشباب في فلسطين يقدمون صدورهم لبنادق الصهاينة؟ كل هذا لحب الله عز وجل وجل ولحب محمد صلى الله عليه وسلم.وشبابٌ هم المحبون أضحوا فيك يا أكرم المحبين قَتْلَى أنتَ أوقدتَ في القلوب مناراً فأتتك القلوبُ بالحب عَجْلَى شَهِدَتْ صدقَك الشعوبُ وصلَّت أدمعُ العاشقين والوصلُ يُتْلَى واستفاقَ الزمان أحسن ما كا ن ورؤياه بالفضائل حُبْلَى يَعْرُبِيَّاتُنا بغيرك زيفٌ والهوى في سواك أصبح جهْلا يعربياتنا: العروبة بغير محمد صلى الله عليه وسلم في الوحل.والدماء الدماء سالت لتروي في ثراك الميمون سفحاً وسهلا أنشد الفجر ثم غنى سروراً والعصافير في حقولك جذلى وهشيم البستان يخضر رياً وعيون الوادي من الهجر نجلا سر بنا موكباً من الموت إنا حمزة كلنا وسيفك أعلى اسقنا من بلال صوت يقين كلما أذن الوفا فيه صلى وارتجل خطبة الشهادة فينا ما عشقنا التراب بعدك كَلاَّ بك نلوي أعناق كل عنيدٍِ ليرى الحق في الوجود وإِلاَّ هل وعى الليل سرَّنا هل رآنا هل دعا غيرنا مدى الدهر خِلاَّ هل لهذا التاريخ كفء سوانا هل على غير نأينا يتسلى اللهم صلِّ وسلم على محمد.
 لا يأتي النصر إلا بالدعاء
تصوروا لو أن هذا الجمع وأمثاله وأضعافه وآلاف أضعافه في العالم الإسلامي يقومون قبل السحر بدقائق وبلحظات، فيرفعون الأكف، وفي أدبار الصلوات وفي السجود، ثم يدعون بالنصر لأهل الإسلام وعلمائه ودعاته، ويدعون بالمحق والسحق والهزيمة والخذلان لأعداء الله. فما النتيجة؟!!قدِّر أن واحداً قُبِلَتْ دعوتُه! أليس فينا رجل رشيد؟! أما في هذا الجمع والوجوه المكرمة الموقرة رجل يعلم الله أنه صادق؟! لماذا؟ لأن الولاية لا زالت لله، ولله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أولياء من عباده، والولاية ليست حكراً على قسم السنة في أصول الدين، ولا قسم العقيدة في الشريعة، ولا القضاء، ولا العلم، ولا الفُتيا، وإنما هي منثورة مبذولة من الواحد الأحد.. فهناك الولي في بقالةٍ، أو بنشرٍ، أو مؤسسةٍ، أو عيادةٍ، أو مستشفىً، أو وزارةٍ، أو دائرةٍ، أو مدرسة؛ لأن الله ينثر المناقب كما ينثر المثالب.أيضاً مما يُجَمِّل هذا المجلس: أنه مجلس لا يرتاده إلا من يريد الإسلام لذاته، والله يأمر رسوله عليه الصلاة والسلام في لفتة من لفتات القرآن أن يأتي إلى الفقراء، وأن يجلس مع المساكين، وأنا أعلم أن بعض من يأتي هم من الأغنياء والأثرياء، ولكن هكذا مسيرة المساكين؛ لأن محمداً صلى الله عليه وسلم هو إمام المستضعفين؛ لأنه حررهم؛ ولذلك أحبوه، وعشقوا سيرته، وقدموا جماجمهم في نصرة مبادئهم في أحد وفي بدر والقادسية واليرموك.. وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف:28]. إن مجالسَ المستضعفين هي: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [النور:36].ولباسَهم: التقوى وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26].وهوايتَهم: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام:52].وشغلَهم الشاغل: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:20]. وسَمَرَهم في نادٍ ليلِيٍّ كُتِبَ عليه: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [السجدة:16].فيا خيمتَي ليلى بعيني سُراكُما ولا ليلَ يُعطينا الودادَ وأنجما
إجابة الله للدعاء
سهام الليل تبدأ من لحظة الحرج، ولحظة الحرج في حياة المؤمن تسمى: الساعة الحمراء، وهي- كما يقول بعض الكتبة - هي الساعة التي سحقت الشيوعية في العالم؛ لأن الله يقول متحدياً الصهاينة والرأسماليين والماركسيين بأصنافهم، والوثنيين والصابئة والمجوس: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62] يقول: بيني وبينكم إجابة المضطر في الساعة الحمراء، فمن يجيب المضطر هو الذي يستحق الألوهية، أما غيره فليس له علاقة بالألوهية.فلما قالها سُبحَانَهُ وَتَعَالى انهارت كل القيم والكيانات، إلا قيمة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] وكيان (لا إله إلا الله). أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل:62]: واختيار القرآن عجيب، ولفظ المضطر أصلها: المضترر، فأدغمت الراء وقلبت التاء طاءً لأجل الضاد (مربوش) والكلمة لَمَّا ارْتُبِشَتْ اندمِجت فأصبحت مضطراً، كما قال سيد قطب في كلمة (ضنكا) في قوله تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طه:124] قال: اختيار الضاد والكاف لصعوبة المعيشة التي يعيشها الإنسان، فكأن معيشته كإخراجه للحروف الثقيلة عليه فهي ضنك، حتى إخراجك لضنكا صعب.فالله يقول لهذا المخلوق: مَن الذي يجيبك في وقت الاضطرار؟ أليس هو الله؟ أما تذكرتَه؟ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل:62].وهناك قصة ذكرها ابن القيم وابن عساكر، وقد كررتها كثيراً، وهي قصة الرجل الصالح صاحب الحمار، الذي أرسل الله له ملكاً نَصَرَهُ وقَتَلَ المجرمَ الذي أراد اغتياله؛ لأن الرجل الصالح يقول: يا من يجيب المضطر إذا دعاه! يا من يجيب المضطر إذا دعاه! يا من يجيب المضطر إذا دعاه!
 أدب رفع اليدين في الدعاء
جاء في كتاب علماء من الجزائر، لأحد العلماء في عهد الشيخ عبد الحميد بن باديس، الذي يعتبر أستاذ الصحوة الحالية في الجزائر، الصحوة السنية الهادفة الراشدة، هذا الذي أخرج هو وتلاميذه- بإذن الله -الفرنسيين، وسحق منهم أكثر من مليون فرنسي، وقدم من الشعب أكثر من مليون شهيد، كان تلاميذ ابن باديس يحمل أحدهم القنابل والسلاح ويرمي نفسه -هذا على فتوى لبعض العلماء بجواز التضحية وجواز أن يقدم نفسه- فكان يفجر العمارة بما فيها من الفرنسيين، فدوخهم هذا الشيخ تدويخاً ما سمع العالَم بمثله.هذا العالِم كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فأتته مصيبةٌ، هُدِّدَ بالقتل من بعض الجهات التي تحارب الدعاة في الجزائر. قال: فأمسيتُ ليلة وأنا مهموم وحزين وخائف، فلما نمتُ رأيتُ عمر بن الخطاب، فقَرَعَنِي بالدِّرَّة وقال: لِمَ تَخَفْ؟ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [الزمر:36]؟ قلتُ: يا أبا حفص! ما النجاة؟ قال: عليك بهذا، ورفع كفَّيه أي: بالدعاء، وهذا ثابتٌ. فمن أعظم ما يكون ومن أحسن ما يكون للمؤمن أن يرفع أكُفَّه دائماً ويدعو، ولا تأتيه الحرب الوهمية الخاسرة التي يُدَبِّرها الشيطان في رأسه، ويقول له: كَمْ تَدْعُو ولا تجابُ؟ لا. بل ادْعُ وحاول أن تدعو دائماً، ولا تقل: لَمْ يُسْتَجَبْ لي؛ فسوف أخبرك عن سر عدم الاستجابة لنا في مرحلة من مراحل التاريخ عشناها؛ والسر هو: أسبابٌ نحن فعلناها، والله المستعان.وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام عند النسائي وابن حبان: {الدعاء بين الأذان والإقامة لا يُرد}. فأنت بين عبادة وعبادة، وبين ندائين، فحاول أن تدعو الله كثيراً.واسمع إلى هذا الحديث الصحيح الذي رواه الأربعة إلا النسائي، وصححه الحاكم، قال عليه الصلاة والسلام: {إن ربكم حييٌّ كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صِفْراً} فنثبت لله حياءً يليق بجلاله، لا نكيفه ولا نمثله ولا نشبهه ولا نعطله؛ لكنك إذا رفعت يديك يستحي الله منك أن يردها صِفْراً، بل يردها مليئة.وقد ترجم ابن كثير في البداية والنهاية لأحد العباد، قال: أصابه برد في ليلة شاتية، فقام يدعو في السحر، فرفع كفاً واحدة يدعو، ثم نام، قال: فرأى قائلاً يقول: أعطيناك هذه الليلة في يدك اليمنى وبقي ما لليد اليسرى. أو كما قال.فمن الأدب أن ترفع الكفين، وقد رفعها عليه الصلاة والسلام وهو أبر الناس وأكثرهم إخلاصاً وصدقاً، رفعهما من بعد الزوال إلى أن غربت الشمس في عرفة، وكلما سقط خطام أو زمام الناقة أخذ الخطام وعاد ليجمع الأخرى ويدعو ربه، وربما رفعهما حتى يُرَى بياض إبطيه صلى الله عليه وسلم.
قرب الرعيل الأول من الله في الأسحار
قال الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى عن أوليائه: وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:18]. وقال: وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ [آل عمران:17].وإنما ذكر الأسحار؛ لأنه قليل مَن يقوم في الأسحار، وعلامة المحبة أن تغالب النوم وتقوم، وقد جاء عند الطبراني: أن الله يضحك من ثلاثة، نذكر أحدهم:رجل كان في قافلة، سافروا ومضوا، فأضناهم السير، وباتوا في تعب شديد لا يعلمه إلا الله، فلما أقبل السحر نزلوا فناموا إلا واحداً منهم رغم الإعياء والتعب والسهر، فقام فتوضأ بالماء البارد وقام يصلي ويدعو، فقال الله لملائكته: (انظروا لعبدي هذا! ترك اللحاف الوثير، والفراش الدفِيء، وقام إلى الماء البارد يدعوني ويتملقني، أُشهدكم أني غفرت له وأدخلته الجنة).
 دعاء الرسول لسعد بن أبي وقاص
ومن أعظم من أجيبت دعوته: سعد بن أبي وقاص، خال الرسول عليه الصلاة والسلام، كان عليه الصلاة والسلام إذا جلس مع الصحابة وأقبل سعد بن أبي وقاص -وكان رِبْعَةً متيناً كثير شعر الساعدَين والصدر- قال: {هذا خالي، فلْيُرِنِي امرؤ خاله} بمعنى: أخرجوا لي أخوالكم إن كانوا مثل هذا الخال، وكأنه تحدٍّ، وكلامه صلى الله عليه وسلم صدق وحق؛ لأن لـه مساراً في التاريخ، فهو الذي دَكْدَكَ امبراطورية كسرى تحت قدميه. حتى إن عمر قال: [[مَن يقود جيش القادسية؟ قالوا: رأيك يا أمير المؤمنين. فقال: أنا]].أي: أن الأزمة أصبحت إلى حد أن الخليفة الراشد يضطر إلى قيادة المعركة، ومعنى ذلك: تصفية ومقامرة ما بعدها مقامرة، إما أن ينتهي الإسلام أو أن تنتهي المجوسية ودين الصابئة وعباد النار، فقال عمر: [[أنا قائد المعركة]].قال علي بن أبي طالب: [[يا أمير المؤمنين، ابقَ في المدينة فإنك إن ذهبتَ ذهب الإسلام، وكن فيئاً للمؤمنين إذا عادوا لك فقال عمر: أصبتَ، أصاب الله بك الخير يا أبا الحسن؛ لكن التمسوا لي قائداً]] فباتوا في الخيام وفي البيوت، ثم أقبل عبد الرحمن بن عوف -أحد العشرة- يُوَلْوِل، فقال لـعمر: [[وجدتُه، الأسد في براثنه، قال: من هو؟ قال: سعد بن أبي وقاص. قال: صدقتَ]].فولاه عمر، ورغم أنه كان مريضاً في المعركة، ولكن ببركته ولشجاعته ولرأيه وإقدامه كسب المعركة على مر التاريخ، وسحق الكفار سحقاً ما بعده سحق.يقول علي في معركة أحد: {ما سمعتُ الرسول صلى الله عليه وسلم يُفَدِّي أحداً إلا سعداً}. أي: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل: فداك أبي وأمي لأحد، لا لـأبي بكر، ولا لـعمر، إلا لـسعد.كان يعطيه صلى الله عليه وسلم الأسهم وقد كان رامياً من الدرجة الأولى، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله في بدر، فيقول: {ارمِ سعدُ فداك أبي وأمي} حتى أنه قيل: لو ضُرِبَ به في الشمال والهدف في الجنوب لأصابه بإذن الله.دعها سماوية تجري على قدرٍ لا تفسدنها برأي منك منكوسِ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17].رمى بك الله جنبيها فحطمها ولو رمى بك غير الله لَمْ يصب فكان صلى الله عليه وسلم يعطيه الأسهم ويدعو له، وكان يتطاول حتى يستبشر أين يقع السهم، فيقع في عين الكافر ويموت، فيتبسم صلى الله عليه وسلم.. هكذا في السير، ولكم أن تعودوا إليها.فكان يقول: {ارمِِ سعد فداك أبي وأمي} ويلتفت صلى الله عليه وسلم ويرفع يديه ويقول: {اللهم أجب دعوته، وسدد رميته}. فكان مجاب الدعوة.وفي صحيح البخاري: [[ أن عمر رضي الله عنه أرسله أميراً على أهل العراق -وبالخصوص أهل الكوفة وهم مشاغبون، ولو نزل عليهم ملك من السماء لاشتكوا منه- ذهبوا إلى عمر، فقال: ماذا تنقمون من سعد؟ قالوا: ما يحسن الصلاة بنا -اسمَعوا الكلام!- فأتى سعد رضي الله عنه. فقال له عمر رضي الله عنه: يا أبا إسحاق! زعم أهل الكوفة أنك لا تحسن أن تصلي بهم. فقال: عجباً لبني أسد! والله الذي لا إله إلا هو لقد أدخلتهم في الإسلام بسيفي هذا، ثم أصبحوا يعرفونني بالصلاة -فأراد عمر أن يسمع من الكل، وأن يعيش الحوار، وأن يعيش الشورى، وأن يسمع الشكوى على مبدأ (لا إله إلا الله) على مبدأ العدل، فكون لجنة يرأسها محمد بن مسلمة - وقال: مُرُّوا على مساجد الكوفة وأعطوني نتيجة سعد بن أبي وقاص -هذه تسمى أوراق استبيان ونتائج الاقتراع- فمروا، فوجدوهم كلهم يثنون عليه خيراً؛ إلا شيخاً كبيراً قال: إن سألتمونا عن سعد؛ فإنه لا يحكم بالسوية، ولا يعدل في الرعية، ولا يمشي مع السرية. فقام سعد وكان جالساً، وقال: اللهم إن كان قام رياءً وسمعة وكذباً عليَّ فأطل عمره وأطل فقره وعرضه للفتن. فطال عمره حتى سقط حاجباه على عينيه، وأخذ يتعرض للفتيات والبنات في شوارع الكوفة يَغْمِّزُهُنَّ، ويقول: شيخ مفتون، أصابتني دعوة سعد]].فـسعد كان متفوقاً في الدعاء؛ لأنـه أطاب مطعمه، ولِمَا عَلِمَ اللهُ من إخلاصه وقربه.ويُروى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: {يا سعد! أطب مطعمك تستجب دعوتك} ولكن في هذا الحديث ضعف.
مسائل في الدعاء
وفي الدعاء مسائل نذكر بعضها:
 النصر والرزق يكون بدعاء ضعفائنا
أيها الإخوة: لا تستهينوا بدعاء المستضعفين، فقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم} وبعض أهل العلم يحسن هذا الحديث، وهو من حديث أبي الدرداء، وقد ذكره ابن حجر في كتاب الجهاد في المجلد السادس، من فتح الباري، وهو من معلقات البخاري. فليغتنم الإنسان حب هؤلاء المساكين والضعفاء؛ فإن الخير والنصر والإيمان والبركة والتأييد وحسن الخاتمة معهم، ويقترب منهم ويرجو دعاءهم، فإنهم هم أحرى بالإجابة بإذن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى؛ فإذا رأيتَ شيخاً كبيراً فحاول أن يكون صديقاً لك، وحاول أن تستعطف قلبه ليدعو لك؛ لأنه قد سبقك في الإسلام، وقد شابت لحيته. وقد جاء بعض الآثار: {إن الله يستحي أن يعذب ذا شيبة في الإسلام}.جاء في ترجمة يحيى بن أكثم وهو قاضي المأمون، وقد شابَ وبلغ الثمانين، ثم مات، فرئي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: لقيني ربي فعاتبني على بعض الأشياء، وقال: وعزتي وجلالي! لولا شيبتك لعذبتُك، ثم أدخلني الجنة. وهذه القصة في سير أعلام النبلاء للذهبي؛ فعودوا إليها.لماذا غفر له؟ لأنه قد بلغ الثمانين، ولكنه أخطأ قليلاً، فقد كان الوزير المفوض عند المأمون، وقد وجد في بعض القضايا التي تحتاج إلى حسم وإلى صرم، خاصة قضية الإمام أحمد بن حنبل، قضية أهل السنة، وتحتاج إلى دفاع، فوجد فيه قليل من التباطؤ، فيقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وعزتي وجلالي لولا شيبتُك لعذبتُك. فأهل الشيب هؤلاء عليكم أن تقربوا منهم، وكذلك المستضعفون من الفقراء والمساكين، فإنهم أقرب إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وأكثر تواضعاً، وأكثر مسكنة. وقد قرأت لـابن رجب في كتاب اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى حديثاً يعزوه إلى أحمد والترمذي، والله أعلم بصحته؛ لكن على رأي ابن رجب، يقول صلى الله عليه وسلم: {اللهم اجعلني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين}. فإن المساكين هم أقرب الناس إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فلا يزدريهم الإنسان، ولا يحاول أن يقلل من شأنهم؛ فإنهم هم الرصيد -بإذن الله- وهم القوة الهائلة.وربما دفع الله عن البلاد الإسلامية وعن العباد فتناً وحروباً ومحناً بسبب دعاء الفقراء والمساكين والمستضعفين في الأرض؛ لأن هناك من يملك المال والجاه والمكانة والقرار، لكنه قد يلطخ أعماله، ويسد الحجب بينه وبين الله بمصائب كالجبال، فلا يقبل الله دعاءه. نعم، قد يوجد من يعادل هؤلاء الفقراء بالمال بالملايين، أو من يملك نصف ما يملك أهل الأرض؛ ولكنه مع ذلك لا يستجيب الله كلمة منه، لأنه عدو لـه، أو أنه قد بارزه بالمعاصي.
موانع الدعاء
للدعاء موانع تمنع من استجابة الله للداعي، نذكر بعضها:
 الاعتداء في الدعاء
ويجب أن تدعو بدعاء شرعي ينفع، ولا تعتدِ في الدعاء. مثال الاعتداء في الدعاء: أحد الصحابة سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض على يمين الجنة. فقال الرجل: سمعتُ الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {ليكونن أقوام من أمتي يعتدون في الطهور وفي الدعاء} وهذا من الإسراف في الدعاء، أي: التَّقَعُّر في الدعاء.أو مثل أن تقول -والعياذ بالله-: اللهم إني أسألك أن تجعلني خيراً من أبي بكر الصديق. والله لن تكون خيراً منه لا أنتَ ولا أبوك ولا جدك، ولو ظللت تعبد الله ألف سنة، فهوِّن على نفسَك، فإن ساعة من أبي بكر أحسن مني ومنك ومن الكرة الأرضية في هذه الفترة.وبعضهم ربما يعتدي ويقول: اللهم اجعلني من أنبيائك! أعوذ بالله! قد ختم الأنبياء بمحمد صلى الله عليه وسلم.فيجب أن تعرف ماذا تقول من لسانك لتُجاب الدعوة.
أوقات إجابة الدعاء

 أدبار الصلوات
خرج صلى الله عليه وسلم بعد صلاة من الصلوات فلقي معاذ بن جبل -قائد العلماء إلى الجنة- فأخذ بيده صلى الله عليه وسلم وقال: {يا معاذ! إني أحبك، فلا تَدَعْ في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك} هذه رواية أبي داود، وقد ورد عند بعضهم: {اللهم أعني على شكرك وذكرك} والصحيح الأغلب: {اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك}.قال ابن تيمية: تُقال هذه قبل السلام؛ لأن دبر الشيء منه.وقال ابن حجر: تُقال بعد السلام، هكذا قال في الفتح.والظاهر: أن الحق مع ابن حجر، فإن دبر الصلاة هو مابعدها -والله أعلم- فيرجح ابن حجر هذا الرأي وغيره من العلماء.والأحوط للعبد أن يقولها قبل السلام وبعد السلام، وهي الأحسن والأَولى والأكرم والأجل.
الأسئلة
.
 دعوة إلى الأمر بالمعروف
أيضاً: هناك شبه سواحل ريفية، وسواحل يستفيد منها بعض الناس في الربيع، كالساحل الجنوبي في الشِّقِيْق، فيقع فيه اختلاط وأمور قد تخالف الشرع، فالواجب علينا أن ندعو إلى سبيل الله عز وجل، ومن ذهب إلى هناك عليه أن يدعو بالشريط، ويدعو بلسانه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد كتب بعض الإخوة كتابات في هذا، ومنهم: أحد الإخوة من البرْك كتب رسالة في ثلاث صفحات، فأنا أشكره باسمكم جميعاً، وأشكر غَيرته، وأخبر أن الناس يجتمعون ويقع هناك اختلاط، وأن بعض الناس يخرجون بملابس ليست بملابس محتشمة، ويسبح أمام العالمين، وهذا أمر مخالف، فما هو دوركم؟ هذا في منطقة البرْك، أرسلها قبل أسبوع تقريباً، ونسيت أن أذكرها أو أقرأها عليكم، لكن هذا ما يدعو إليه، فهو يدعو إلى المشاركة في الدعوة والوعي.أيها الإخوة: أسأل الله عز وجل أن يعيد هذا اللقاء بكم في أيام قريبة، وأن يحفظنا وإياكم، وطلبنا وهو طلبٌ مُلَبَّى فيكم: ألا تنسونا من الدعاء بظهر الغيب، فإن ثمرة هذا اللقاء (سهام الليل) هي الدعاء الذي تشرفون به، والذي هو كنـز لكم، والذي هو في أيديكم، متى شئتم استخدمتموه، وكان لكم النفع العظيم والأجر العميم من الله عز وجل.أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يحفظنا وإياكم، وأن يهدينا وإياكم سواء السبيل، وأن يتولانا، وأن يرزقنا الإخلاص والصدق، وأن يجزل لنا المثوبة، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين.كما أشكر الإخوة الطلبة الذين حضروا في هذا الأسبوع، وهو أسبوع امتحانات، ولكن وصلت من بعضهم أسئلة يقولون: إنا حضرنا وشاركنا حباً في الدرس وتركنا المذاكرة، فأقول: لا تتركوا المذاكرة؛ لكن اجمعوا بين الحسنيين، بين الحضور وبين المذاكرة، ونرجو لكم النجاح من الله والتوفيق.سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سهام الليل للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net