إسلام ويب

دليل الطالب كتاب الحدود [5]للشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إذا انتصب الإمام واستقام الأمر وجبت طاعته، وحرم الخروج عليه فإن خرجت عليه جماعة بتأويل سائغ فهم البغاة، وعلى الإمام قتالهم حتى يعودوا إلى الحق. أما المرتد فقد شرع قتله واستئصاله من المجتمع حتى لا يتجرأ غيره من السفهاء على مثل فعلته، وليبقى جانب الدين محفوظاً.

    1.   

    قتال البغاة

    تعريف البغي والدليل على قتال البغاة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب قتال البغاة ].

    البغي: هو الاعتداء، فالبغاة هم المعتدون، لكنهم معتدون بتأويلٍ سائغ في خروجهم على الإمام.

    والأصل في هذا الباب قوله تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات:9].

    ومن الآثار آثار علي رضي الله عنه في هذا الباب؛ فإنه هو الذي قاتل البغاة، ولذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: (ويح عمار ! تقتله الفئة الباغية)، فكان علي رضي الله تعالى عنه هو قاتل البغاة، لكنهم كانوا بتأويلٍ سائغ، وكانوا مجتهدين، وقد جاء عنه رضي الله عنه كما في مستدرك الحاكم عن أبي أمامة قال: شهدت صفين فكانوا لا يجيزون جريحاً. يعني: لا يجهزون على الجريح، فإذا وقع الرجل جريحاً من الصف الآخر فلا يجهزون عليه، وإنما يتركونه ليداوى.

    حكم من فر من البغاة إلى فئة أخرى ليتقوى بها

    لا يجيزون جريحاً، ولا يطلبون دماً، أي: فمن فر فإنهم لا يطلبون دمه، ولا يسلبون مالاً، فالبغاة لا تسلب أموالهم، ولا تستباح دماؤهم إلا في الصف، فإذا جرح أحدهم لم يجهز عليه، وإن فر أحدهم لم يلحق، فإن كان فراره إلى فئة يقوى بها، وليس فاراً عن القتال هارباً منه، وإنما يريد أن ينضم إلى فئة أخرى، ليفر، فهذا ليس فاراً من القتال، وإنما هو فارٌ له، أو إليه، فقولان لأهل العلم:

    المذهب: أنه كذلك لا يطلب، والقول الثاني وهو مذهب أبي حنيفة : أنه يطلب، وهذا أصح لما تقدم؛ لأنه فارٌ له، وليس فاراً منه.

    وقتال الخوارج ليس من هذا الباب؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) وقال: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [النساء:89]، فقتال الخوارج ليس من هذا الباب في أصح القولين، وفي المسألة قولان: المشهور في المذهب: أن قتال الخوارج من جنس قتال البغاة، فلا يجهز على جريحهم، ولا يطلب فارهم، ولا يسلب مالهم، والقول الثاني في المسألة وهو قول في المذهب صححه الموفق والشارح، وصححه صاحب الإنصاف: أن قتال الخوارج ليس من هذا الباب؛ لأن الخوارج يستبيحون الدم، ويكفرون المسلم، ويستبيحون ماله، فليس قتالهم من جنس قتال البغاة، وهذا الذي تدل عليه الأدلة، ولكن هذا -على الصحيح- ليس فرعاً عن تكفيرهم؛ فإن أصح القولين -وهو المذهب- أنهم ليسوا بكفار، وهو اختيار شيخ الإسلام .

    قال علي رضي الله عنه، وهو أعظم من قاتل الخوارج، وهذه من مناقبه رضي الله عنه، لما قيل له: أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا. رواه البيهقي .

    القول في تكفير الخوارج

    إذاً: فحكم الخوارج هل هم كفار أم لا فيه قولان لأهل العلم، وهما قولان في مذهب أحمد ومذهب مالك ومذهب الشافعي ، وأصحهما: أنهم ليسوا بكفار، وهو اختيار شيخ الإسلام ؛ لقول علي : من الكفر فروا، وأما القائلون بتكفيرهم فاستدلوا بأدلة معروفة، كقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية)، والحديث في الصحيحين، لكن أقوال الصحابة تفسر النصوص، وهذا قول علي رضي الله عنه وهو أعظم من قاتل الخوارج كما تقدم.

    هل قتال الخوارج من جنس قتال البغاة

    وهنا مسألة أخرى وهي هل قتال الخوارج من جنس قتال البغاة أم لا؟ فيها قولان أصحهما، وهو ما صححه الموفق والشارح، وصححه صاحب الإنصاف، وهو قول في مذهب أحمد خلافاً للمشهور: أن قتالهم ليس من جنس قتال البغاة، فالبغاة متأولون لا يرون كفر الإمام، ولا يكفرون المسلمين، وإنما خرجوا عن الإمام دفعاً لمظلمة رأوها، يعني: رأوا أن هناك ظلماً عليهم فخرجوا عن الإمام، فهؤلاء كما قال الأئمة: تزال شبهتهم، ولا يقتل جريحهم ولا يطلب فارهم، ولا يسلب مالهم، وسيأتي الكلام على هذا إن شاء الله.

    البغاة خارجون عن الإمام بتأويل سائغ بخلاف الخوارج

    قال: [ وهم الخارجون على الإمام بتأويل سائغ ]، أما الخوارج فتأويلهم ليس بسائغ عند أهل العلم، ولذا فهم مبتدعة ظلاّم فساق، وقد اختلف أهل العلم هل هم كفار أم لا؟ فبدعتهم مغلظة، وأما هؤلاء فعندهم تأويل سائغ من نظير اجتهاد الفقهاء، يعني: مما يقع في مثله الخلاف بين الفقهاء، وليس مما يقع فيه الخلاف بين أهل العقائد، وإنما من جنس ما يقع من الخلاف بين أهل المذاهب، فلهم تأويل سائغ، يعني: عندهم اجتهاد،[ ولهم شوكة فإن اختل شرط من ذلك فقطاع طريق ] ، فإذا لم يكن لهم شوكة فهم قطاع طريق، إذا كان معهم سلاح وهم معهم عصي، لكن ليست لهم شوكة ومنعة وقوة بحيث إنهم يظاهئون الإمام ومن معه، أو يقربون بقوته أو نحو ذلك، فإذا كانوا لهم قوة فقط لكن ليست لهم شوكة، وكان عندهم بعض السلاح، وعندهم بعض العصي ونحو ذلك، فهؤلاء قطاع طريق.

    حكم نصب الإمام والخليفة

    قال: [ ونصب الإمام فرض كفاية ]، فلا يقوم أمر الأمة إلا بنصبه، فهو من أعظم فروض الكفاية؛ ليذب عن الحوزة، ويقيم الحدود، ويستوفي الحقوق، ويقيم الفرائض كالزكاة، ويقيم الصلوات في الناس، فلا بد من إمام يجتمع عليه الناس.

    ولا يشترط أن يكون للأمة كلها إمامٌ واحد، بل لو كان هناك أكثر من إمام لجاز، فالمقصود: أن كل أهل ناحية يكون لهم من يقدمونه ويجتمعون عليه، ويصلح به أمر الناس، ويدفع به شر الكفار والملحدين، وتقام به الحدود إلى آخر ذلك، والكلام في هذا يطول، لكنا نذكر هذا على جهة الاختصار.

    يعتبر كون الإمام قرشياً

    قال: [ ويعتبر كونه قرشياً ]، وهذه المسائل يذكرها أهل العقائد في كتبهم، فقد ذكرها الطحاوي وذكرها السفاريني وغيرهم من أهل العلم في العقائد، فيرجع إليها في ذلك؛ فإن مظنة الكلام في مثل هذه المسائل في كتب الاعتقاد.

    ويعتبر كونه قرشياً لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (الأئمة من قريش) رواه أحمد ، فإن كان الإمام من غير قريش، وأخذ الحكم بالسيف كما عليه الناس وجب السمع والطاعة له، ولذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (عليكم بالسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي)، فمن أخذ بالسيف والقهر والقوة وجب السمع له وإن لم يكن من قريش بإجماع أهل السنة والجماعة، لكن عند الاختيار في أول الأمر وفي أصل الأمر يكون من قريش، أما من أخذه بالغلبة فلا خلاف بين أهل العلم في صحة إمامته، ووجوب السمع والطاعة له بالغاً عاقلاً سميعاً بصيراً ناطقاً حراً ذكراً، ففي الحديث: (لا يفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة) رواه البخاري .

    يعتبر كون الإمام عدلاً عالماً ذا بصيرة كافياً

    قال: [ عدلاً لا فاسقاً، عالماً لا جاهلاً، ذا بصيرة، كافياً ابتداءً ودواماً ]، يعني: فيه كفاية في أمر السياسة: في أمر السلم، وفي أمر الحرب، يسوس الناس بشرع الله سبحانه وتعالى ودينه، فلا بد إذاً أن يكون فيه كفاية.

    قال: [ ولا ينعزل بفسقه ]، يعني: لو ثبتت إمامته ثم ظهر منه فسق فإنه لا يعزل، ولا يصح عزله، وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان).

    تلزم الإمام مراسلة البغاة

    قال: [ وتلزمه مراسلة البغاة ]، هذا هو الإمام الذي تقدم ذكره، فمن تولى أمر أهل الإسلام فيجب عليه إن كان هناك بغاة أن يراسلهم، فيرسل إليهم أهل العلم والفضل؛ ليجادلوهم بالحق، ويزيلوا شبههم، فيقولون: ما هي الشبه التي جعلتكم ترفعون السيف علينا؟ ويسألونهم ما هي المظالم التي تدعونها؟

    يلزم الإمام قتال البغاة إن لم يرجعوا بعد مراسلتهم

    قال: [ فإن رجعوا وإلا لزمه قتالهم ]، إن رجعوا فالواجب عليه أن يزيل المظالم، فإزالة المظالم واجبة أصلاً، ويتأكد وجوبها ما دام أن هؤلاء قد رفعوا السيف بسببها.

    قال: [ فإن رجعوا وإلا لزمه قتالهم ]، قال تعالى: فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ [الحجرات:9]، ويجب على رعيته معونته للآية: فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ [الحجرات:9].

    حكم قتال البغاة إذا تركوا القتال

    قال: [ وإذا ترك البغاة القتال حرم قتلهم، وقتل مدبرهم وجريحهم، ولا يغنم مالهم، ولا تسبى ذراريهم، ولا يضمن البغاة ما أتلفوه حال الحرب ].

    البغاة لا يضمنون ما أتلفوه حال الحرب من أنفسٍ أو أطرافٍ أو أموال؛ لأنهم متأولون، ولأن الأمر لا يصلح إلا بذلك، فإذا ضمنوا فقد يترتب على ذلك ألا يصلح الأمر، والواجب هو الإصلاح، ومن باب أولى أن طائفة العدل وهم الإمام ومن معه أنهم لا يضمنون؛ لأنهم طائفة العدل؛ لأن القتال مأذون فيه، وما ترتب على المأذون فليس بمضمون، ولذا ذكر المؤلف الطائفة الأخرى؛ لأنها هي التي قد يشكل أمرها في هذا الباب، فقال: ولا يضمن البغاة ما أتلفوه حال الحرب؛ وذلك لأنهم فعلوا ذلك بتأويل.

    قبول شهادة البغاة

    قال: [ وهم في شهاداتهم -إذا شهدوا- وإمضاء حكم حاكمهم كأهل العدل ].

    يعني: إذا طلب أحدٌ شهادة وقال: إن الشاهد في الجهة الأخرى من البغاة، فيأتي هذا الباغي إلى محاكم أهل العدل الطائفة الأخرى، ويدلي بشهادته وتقبل؛ لأنه ليس بفاسق، فعنده تأويل سائغ كما تقدم تقريره، هذا كله في طائفة البغاة الذين لا ينطلقون في قتالهم من منطلقات دينية من جهة تكفير هذه الطائفة الأخرى، أما الذين يكفرون فهؤلاء هم الخوارج، والذين يقاتلون بناء على التكفير هم خوارج؛ لأنهم يستبيحون الدماء، ويستبيحون الأموال، ويكفرون، وليس من شرط الخوارج أن يكفروا بالكبيرة؛ لأن الخوارج الذين كانوا في عهد علي رضي الله عنه وخرجوا عليه وهم أقبح الخوارج وأعظمهم، لم يكونوا يكفرون أهل الكبائر، بل ظهر تكفير أهل الكبائر بعد كما هو معلوم، ولكن هذا أصبح مذهباً لطوائف كثيرة من الخوارج، وليس كل الخوارج يعتقدون هذا، بل التسرع في باب التكفير والاستعجال في هذا الباب من غير علمٍ ودراية، ومن غير مراعاة للشروط الشرعية، هذا هو فعل الخوارج.

    1.   

    حكم المرتد

    الأمور التي يكفر بها

    قال: [ باب حكم المرتد ].

    والمرتد هو من كفر بعد إسلامه، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري وغيره: (من بدل دينه فاقتلوه)، وهو من كفر بعد إسلامه.

    الكفر بالقول

    [ ويحصل الكفر بأحد أربعة أمور: بالقول كسب الله تعالى أو رسوله، أو ملائكته أو ادعاء النبوة ]، إذا سب الله تعالى فقد كفر، هذا كفر بالقول، أو رسوله، أو ملائكته، أو كالذي يستهزأ بالدين، ولو كان هازلاً، أو ادعاء النبوة، إذا ادعى النبوة فقد كفر بالقول، الله جل وعلا يقول: وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40]، فمن ادعى النبوة فقد كفر، ومن صدقه فقد كفر.

    قال: [ أو الشركة لله تعالى ]، إذا اعتقد أن لله عز وجل شريكاً في ملكه، أو شريكاً في ألوهيته، أو شريكاً في أسمائه وصفاته فقد كفر، هذا كله كفر بالقول، ومن حكى الكفر ولم يعتقده وإنما قاله حكاية لم يكفر، ومثل ذلك أيضاً: من سبق لسانه بالكلمة ولا يريدها، وكذلك من قال كلمة لشدة فرحٍ أو شدة خوف لا يريدها ولا يقصدها فإنه لا يكفر، ولذا قال الرجل الذي فلتت منه ناقته في الحديث: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك)، أخطأ من شدة الفرح.

    الكفر بالفعل

    [ وبالفعل كالسجود للصنم ونحوه ]، فإذا سجد للصنم كفر، وهذا بالفعل، وأما إذا كان السجود للاحترام فهو من الشرك الأصغر، فقد سجد معاذ للنبي عليه الصلاة والسلام كما جاء هذا في مسند أحمد وغيره، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)، ومنه سجود إخوة يوسف، وأبوه وأمه، فهذا كله من باب الاحترام لا من باب التقرب كالذي يكون للصنم، فهذا من الشرك الأصغر، وليس من الشرك الأكبر.

    قال: [ وكإلقاء المصحف في قاذورة ]، كما يفعله بعض السحرة قبحهم الله، فهذا من الشرك الأكبر والكفر الأكبر.

    الكفر بالاعتقاد

    قال: [ وبالاعتقاد كاعتقاد الشريك لله ]، فهذا يكفر؛ لأنه اعتقد مكفراً.

    قال: [ أو أن الزنا أو الخمر حلال، أو الخبز حرام، ونحو ذلك مما أجمع عليه إجماعاً قطعياً ]، فإذا أجمع أهل العلم إجماعاً قطعياً لوجود أدلة ظاهرة في الشرع على تحريم شيءٍ، أو إباحته، أو فرضيته، فمن جحد الفرضية أو أحل المحرم أو أباح المحرم الذي هو من هذا النوع فإنه يكفر إجماعاً، كالصلاة من جحد وجوبها فإنه كفر.

    ومن أباح ما حرمه الله جل وعلا أو حرمه رسوله، وأجمع عليه أهل العلم، والأدلة ظاهرة في ذلك فإنه يكفر، كالذي يبيح الزنا أو السرقة أو شرب الخمر، ومن حرم كذلك ما أباحته الشريعة الإسلامية وكان دليله ظاهراً في الشريعة بيناً غير خفي، وأجمع عليه أهل العلم فإنه يكفر بذلك، كالذي يحرم النكاح، أو يحرم تعدده، أو نحو ذلك فإن هذا يكفر؛ لأنه أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة.

    تكفير المعين يحتاج إلى توفر الشروط وانتفاء الموانع

    وهذا الذي سنذكره الآن كله إنما هو في بيان المكفرات، وأما ما يتعلق بالمعينين فإن الكلام في هذا له باب آخر، فالمعين لا يكفر حتى تتوفر الشروط وتنتفي الموانع، وسيأتي تنبيه المؤلف على بعض المسائل في هذا.

    الكفر بالشك

    قال: [ وبالشك في شيء من ذلك ]، ولذا فأهل العلم في باب الزنا قالوا: لا نكفر مثلاً من أباح الزنا حتى نعرفه أن الزنا حرام، وهذا إن كان مثله يجهل ذلك، كالناشئ في بادية، أو الحديث عهد بإسلام، وأما إذا كان مثله لا يجهل كالذي يعيش في مدائن الإسلام فإنه يكفر ولا يعذر بالجهل.

    قال: [ وبالشك في شيء من ذلك ]، فإذا شك في شيء من ذلك كالذي يشك مثلاً في وحدانية الله، أو يشك في البعث، فهذا يكفر، أو يقول: أنا لا أدري هل الصلاة فرض أو سنة، فهذا يكفر، لكن كما تقدم يبين له ذلك؛ حتى تقام عليه الحجة.

    حكم من ارتد وهو مكره

    قال: [ فمن ارتد وهو مكلف ] والمكلف هو البالغ العاقل.

    [ مختار، أي: ليس بمكره ]، فالإكراه عذر، جاء في الحديث: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه)، فالإكراه عذر، لكن المسائل تختلف في باب الإكراه كما بين هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ، فالإكراه يختلف باختلاف المسائل، فليس الإكراه على الهبة كالإكراه على الكفر، فالمرأة إذا قال لها زوجها: إما أن تهبي بيتك لي أو أطلقك، فهذا إكراه، أو لا أسمح لك بالخروج من البيت، هذا إكراه بالنسبة للمرأة، لكن في باب الكفر لا يكفي هذا، ولذا قال الإمام أحمد بالضرب والتعذيب، فإذا كان هذا بالضرب والتعذيب يضرب بالسياط حتى يقول كلمة الكفر، قال الله جل وعلا: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106]، فقلبه مطمئن بالإيمان، فالإكراه لا يرد إلى القلوب وإنما يرد إلى الألسنة، ولذا يعود إلى دينه، إنما يكره على كلمة يقولها، ثم إنه لا يرضى بهذه الكلمة، وإنما قالها للسيف أو للتعذيب الذي حصل له، إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا [النحل:106].

    حكم استتابة المرتد

    قال: [ استتيب ثلاثة أيامٍ وجوباً ]؛ لقول عمر رضي الله عنه: ألا استتبتموه ثلاثاً، وأطعمتموه كل يومٍ رغيفاً؛ لعله يرجع، اللهم إني لم أحضر، ولم أرض إذ بلغني، رواه مالك في موطئه، لكن هذا الأثر في سنده انقطاع وجهالة.

    والقول الثاني وهو رواية عن أحمد وأحد قولي الشافعي : أنه لا يستتاب ثلاثاً وجوباً، وإنما يستتاب ثلاثاً استحباباً، قالوا: لأنه ما دام أن الحجة قد قامت عليه فالاستتابة هذه إحسان إليه، ولذا فإن الكفار يقاتلون إذا أقيمت عليهم الحجة ولا يشترط أن يستتابوا، واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه)، فأتى بالفاء التي تفيد التعقيب.

    وأيضاً استدلوا بما جاء في الصحيحين أن معاذاً رضي الله عنه أتى فإذا برجلٍ يهوديٍ قد أسلم ثم رجع إلى دينه، فقال رضي الله عنه: (لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله)، والحديث رواه البخاري .

    وهذا القول أصح، وعلى ذلك فنقول: الاستتابة هذه مستحبة؛ لأنه يعرف، لكن من باب الإحسان إليه يترك لعله أن يتوب ثلاثة أيامٍ أو أكثر.

    بقاء عمل المرتد قبل الردة إذا تاب

    قال: [ استتيب ثلاثة أيامٍ وجوباً، فإن تاب فلا شيء عليه، ولا يحبط عمله ]، أي: يرجع له عمله كحجه، فلا يؤمر أن يحج مرة أخرى إذا كان قد حج قبل ردته، قال الله جل وعلا: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ [البقرة:217]، فالذي يحبط عمله هو الذي يموت وهو كافر، وأما الذي يرجع إلى دينه قبل موته فإن أعماله الصالحة تعود إليه فضلاً من الله سبحانه.

    قتل المرتد إن لم يتب وذلك للإمام وليس لغيره

    قال: [ وإن أصر قتل بالسيف ]؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة)، رواه مسلم .

    [ ولا يقتله إلا الإمام أو نائبه؛ فإن قتله غيرهما أساء وعزر ]، إن قتله غيرهما أي: بلا إذن فقد أساء، فيعذر لافتياته على ولي الأمر كما تقدم في باب الحدود، فالذي يقيم هذا الحد هو الإمام أو نائبه.

    قال: [ فإن قتله غيرهما أساء وعزر؛ لأنه افتات على ولي الأمر، ولا ضمان ولو كان قبل استتابته ]، يعني: الاستتابة ليست شرطاً، فهذا مهدر الدم، وعلى ذلك فلا يضمن، لكن الإمام يعزره بما يرى من سجنٍ أو جلدٍ أو غير ذلك.

    صحة إسلام المميز

    قال: [ ويصح إسلام المميز، فكما أن صلاته تصح فإن إسلامه يصح ]، ولأن إسلامه مصلحة محضة له، وعلى ذلك فالمميز الذي تم له سبع سنين يصح إسلامه، أما صبيان المسلمين دون التمييز فإنهم محكوم لهم بالإسلام، ولو كان ولد للحظة فإنه محكوم له بالإسلام، ويتبع الدين الذي هو أفضل من جهة والديه، فما دام أن والديه مسلمان أو أن أحدهما مسلم فإنه يتبعه.

    لكن لو أن ابناً للكفار عمره مثلاً تسع سنوات أو ثمان سنوات، قال: أنا قد أسلمت، فإنه يصح إسلامه، قال: وردته كذلك ردته تصح، يعني: المميز، فإذا ارتد ابن ثمان سنين صحت ردته، وهذا هو المذهب، والقول الثاني في المسألة وهو رواية عن أحمد وصححه الموفق واستظهره في الفروع: أن المميز لا تصح ردته؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (رفع القلم عن ثلاثة وذكر منهم: الصبي حتى يبلغ).

    أما أهل القول الأول فإنهم قالوا: إن إسلامه يصح فكذلك تصح ردته، فقاسوا صحة ردته على صحة إسلامه، لكن هذا قياسٌ مع الفارق؛ لأن إسلامه مصلحة محضة له، وكفره مفسدة محضة عليه، فكيف يقاس هذا بهذا؟! فالصحيح أن غير المميز لا يحكم بردته، كما يقع هذا من بعض الصبيان فيتلفظ بألفاظ من الكفر، فلا يرتد بذلك خلافاً للمشهور، وهو قول في المذهب، واستظهره صاحب الفروع كما تقدم.

    كيفية توبة المرتد

    قال: [ وتوبة المرتد وكل كافرٍ إتيانه بالشهادتين ]، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، هذه توبة المرتد وتوبة كل كافر، فإن كان ممن يقر في الأصل بالتوحيد فيكفي أن يقر بالنبوة، كالنصراني يكفي أن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله إذا كان مقراً بالتوحيد، وأما إذا كان يعتقد أن مع الله إلهاً آخر كما عليه غالب النصارى من اعتقاد التثليث فلا بد أيضاً أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله.

    أما إذا كان موحداً ليس عنده اعتقاد في باب التوحيد يخالف، فيكفي أن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله.

    قال: [ مع رجوعه عما كفر به ]، فإن كان كفر بالاستهزاء بالدين، أو كفر بجحود فريضة فلا بد أن يقر بذلك، وعلى ذلك لو أنه كتب مقالاً وكتب فيه أن الصيام ليس واجباً، وإنما أمر الله العباد بذلك من أجل مصلحة أبدانهم، فإن في الصيام صحة، وبعض الناس شدد وأوجب هذا على الناس، فهذا كفر، فلا يكفيه أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، بل لا بد أن يقر بوجوب الصوم، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأقر بأن الصوم فرض على العباد.

    لا تغني الشهادة بالرسالة عن كلمة التوحيد

    قال: [ ولا يغني قوله محمد رسول الله عن كلمة التوحيد ]، لا بد أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، وقوله: أنا مسلم توبة، فإذا قال: أنا مسلم فهذه توبة، وإذا قال: أنا على السنة المحمدية التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه توبة إذا كان كفر بمخالفته للسنة، ولذا جاء في مسلم : (أن المقداد بن عمرو قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت يا رسول الله إن قاتلني رجل فقطع يدي، ثم ذهب مني في شجرة فلما أردت أن أقتله قال: قد أسلمت، أفأقتله؟ قال: لا)، فإذا قال: أسلمت آمنت، أو أنا مسلم، أو أنا مؤمن فذلك يكفي، هذا إذا كان يدل على ذلك، أما إذا كان لا يدل في حقه هو، كأن يكتب مقالاً مثلاً في مكان ويقول: نحن مؤمنون بالله، فلفظة (مؤمنون) يقولها كل أهل الأديان، فالنصراني يقول: أنا مؤمن، واليهودي يقول: أنا مؤمن، والمسلم يقول: أنا مؤمن، إذاً: إذا قال: أنا مؤمن، أو أنا مسلم، ولم تحتمل هذه العبارة غير ذلك فإن هذا يدل على إسلامه.

    هل يسلم الكافر بكتابته الشهادتين

    قال: [ وإن كتب كافر الشهادتين صار مسلماً ]، لكن لو كتبها لأحد طلب منه من أجل حسن خطه فلا يظهر هذا؛ لأنه كتبها خطاً فقط، يعني: كحرفة، لكن لو كتب على كتاب عنده: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، أو في مذكرات له مثلاً، أو في ورقة عنده كتبها على الدرج، فهذا يدل على إسلامه، ولو لم يتلفظ بها؛ لأن الكتابة تكفي عن التلفظ، فإذا قال: أنا لست بمسلم فإن هذه تكون ردة، وعلى ذلك فيقتل.

    حكم توبة الزنديق في الدنيا وكذلك الساحر والمبتدع الداعي إلى بدعته

    قال: [ ولا يقبل في الدنيا بحسب الظاهر توبة زنديق، وهو المنافق الذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر ]. الزندقة لفظة ليست في الأصل من لغة العرب، لكنها استعملت ويراد بها المنافق، وهو الذي يكون مع أهل الإسلام لكن تخرج منه عبارات يقولها في أماكن خفية تدل على كفره، ففي مجالسه الخاصة يقول بعض الكلمات التي تدل على أنه ليس بمؤمن، فهذا هو الزنديق، فإذا ذهب اثنان إلى القاضي وقالا: أيها القاضي! إن فلاناً قد قال كلمة كذا وكذا، وشهدا عليه، وأنه يقول ذلك في الخفاء؛ لأنه يظهر الإسلام، فأتي به إلى القاضي وقال: أنا قد تبت، فلا تقبل توبته في الظاهر، وأما في ما بينه وبين الله فالله يقبل التوبة، لكن نحن في الظاهر -يعني: كقاضٍ أو إمامٍ- لا نقبل التوبة في؛ لأنه كان يقول لنا في الظاهر: أنا مؤمن، وأنا تائب فلا يدرى صدق قوله، وعلى ذلك فيقتل ويكون أمره إلى الله، فإن كان صادقاً في توبته فإن الله يتقبل التوبة من عباده، وإن كان غير صادق فإنه قد أخذ حقه في الدنيا، ويجد عقابه في الآخرة.

    ومثل ذلك الساحر والساحرة فإنهما يخفيان هذا الكفر، فإذا ثبت ذلك عنهما وقالا: نحن نتوب ولا نسحر أبداً، لا يقبل ذلك في الظاهر؛ فما يدرينا أنهما يصدقان.

    ولذا جاءت الآثار في قتل كل ساحر وساحرة كما في البخاري من غير استفصال، ومثل ذلك شاتم الرسول، كما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

    والمبتدع الداعي إلى بدعته المشهور في المذهب كذلك: أنه يقتل ولا يستتاب، ولا تقبل توبته يعني: في الظاهر، واختار شيخ الإسلام أن توبته تقبل وهو أصح؛ لأنه قد أشاع بدعته ودعا إليها ولم يخفها، بخلاف الذي يخفي هذه البدعة المكفرة فلا يدعو إلا بين أفرادٍ معينين، فإنا لا نأمن منه إذا قبلنا توبته، فلا يسلم المسلمون من شره إلا بالقتل فيقتل، وأما فيما بينه وبين الله فالله يقبل التوبة، فيقال له: أيها الساحر! إن كنت صادقاً في توبتك فأبشر، فالله يقبل توبتك، فتب إلى ربك، وصل وارجع إلى دينك، وأما الحكم فإنه يقام عليك، وذلك لأن هذا الأمر الذي كان موجوداً عنده هو أمر خفي، وادعاؤه الإسلام كان هو الأمر الموجود فهو لم يتغير فيه شيء، فقد ادعى الإسلام كما كان يدعيه سابقاً، فلا نأمن أن يعود إلى ما كان يخفيه، فيقتل ويكون أمره إلى الله جل وعلا، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد وقول كثير من أهل العلم في هذه المسألة.

    حكم من سب الله تعالى أو رسوله أو ملكاً أو قذف نبياً أو أمه

    قال: [ أو سب الله، أو رسوله، أو ملكاً له، وكذا من قذف نبياً أو أمه ]، كذلك من سب الله، أو سب رسوله عليه الصلاة والسلام، فهو زنديق، فهذا يقتل.

    قوله: [ أو ملكاً له ]، كذلك من سب ملكاً من ملائكة الله فإنه زنديق، ويقتل، وأما إذا كان يظهر ذلك في الأصل ويشيع ذلك في الأصل ولا يخفيه، فإذا تاب قبلنا توبته، وهذه المسائل كلها فيما يخفى، وأما شاتم الرسول فإنه يقتل مطلقاً ولو كان لا يخفي ذلك؛ وذلك لأن شاتم الرسول قد شتم ميتاً، وهذا الميت لا يمكن أن نعرف عفوه، فإن كان صادقاً في توبته فالله عز وجل يغفر له ذنبه، لذا فإن شاتم الرسول يقتل مطلقاً.

    قال: [ وكذا من قذف نبياً أو أمه ]، من قذف نبياً فإنه يكفر بذلك.

    حكم توبة من تكررت ردته

    قال قبل ذلك: [ ولا من تكررت ردته ]، فمن تكررت ردته قالوا: لا تقبل توبته، فأولاً كان مؤمناً ثم كفر، ثم آمن ثم كفر، فمن تكررت ردته فلا يقبل منه، قال الله جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا [النساء:137].

    والقول الثاني وهو اختيار شيخ الإسلام : أن توبته تقبل ولو تكرر كفره مراراً، وهذا هو الصحيح، وأما قوله جل وعلا: ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا [النساء:137] فالمعنى كما قال مجاهد : ثم استمروا على الكفر، قال مجاهد : لم يكن الله ليغفر لهم إذا رجعوا إلى الإسلام حال احتضارهم، ولذا فإن من تكررت ردته فالصحيح -وهو اختيار شيخ الإسلام - أن توبته تقبل.

    قتل من قذف نبياً أو أمه ولو أسلم

    قال: [ ويقتل حتى ولو كان كافراً فأسلم؛ لأن قتله حد قذفه ]، فإذا قذف نبياً قتل، أو قذف أم نبي فكذلك يقتل حتى ولو كان كافراً فأسلم؛ قالوا: لأن ذلك حد للقذف.

    وبهذا نختم شرح كتاب الحدود، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.