إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عائض القرني
  3. ذو العرش المجيد ينزل نعمه على العبيد

ذو العرش المجيد ينزل نعمه على العبيدللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله عز وجل قد أنزل علينا من النعم الكثيرة التي لو قضى الإنسان عمره في شكرها لما كفى ذلك، ولكن على الإنسان أن يبذل جهده في شكرها.

    وأعظم نعمة منَّ الله بها علينا نحن البشر هي نعمة الإسلام وكذلك نعمة القرآن والسنة، ومن الأحاديث التي جاءت في السنة حديث أبي ذر العظيم في تحريم الظلم، وقد وقف الشيخ عند كل لفظة من ألفاظه وشرحه شرحاً مفصلاً.

    1.   

    ميراث النبي صلى الله عليه وسلم

    الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله وسلم على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، المعلم الجليل، والهادي النبيل، صلى الله وسلم على من كسر بدعوته ظهور الأكاسرة، وقصر برسالته آمال القياصرة، الذين طغوا وبغوا حتى أرداهم ظلمهم في الحافرة، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [النجم:1-11].

    وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:195].

    سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    أيها الفضلاء أيها النبلاء: وإنها لفرصة سانحة ونادرة.

    إن يكد مطرف الإخاء فإننا     نغدو ونسري في إخاء تالد

    أو يختلف ماء الغمام فماؤنا     عذب تحدر من غمام واحد

    أو يفترق نسب يؤلف بيننا     دين أقمناه مقام الوالد

    أما رسالتنا فهي رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي رسالة الخير والعدل والسلام، وسبق في ليلة أمس أنها تحمل كذلك الحب والإيمان والطموح، ولكن لا يمنع ذلك إذا حملت الحب والإيمان والطموح أن تحمل العدل والخير والسلام، وهذا الدرس سيكون في فن الحديث، وفي ميراث المصطفى صلى الله عليه وسلم، وفي بضاعته التي رخصت عند الذين لا يفهمون ولا يفقهون ولا يعون.

    تعال يا من حاله في وبال     ونفسه محبوسة في عقال!

    يا رقداً لم يستفق عندما     أذَّن في صبح الليالي بلال

    روض النـبي المصطفى وارفٌ     أزهاره فاحت بريا الجمال

    ميراثه فينا جميل الحلى     وأنتم أصحابه يا رجال

    من يرث (لا إله إلا الله) إلا أنتم؟!

    من يرفع (لا إله إلا الله) إلا أنتم؟!

    من يتفقه في (لا إله إلا الله) إلا أنتم؟!

    من يموت على (لا إله إلا الله) إلا أنتم؟!

    الحديث هو فيض من صحيح مسلم، وهو من قواعد الإسلام الكبرى، واستمعوا إلى البلاغة والحرارة والروعة والحب والجمال والعدل والخير والسلام.

    1.   

    شرح حديث أبي ذر رضي الله عنه في تحريم الظلم

    عن أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا.

    يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم.

    يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم.

    يا عبادي! كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم.

    يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني.

    يا عبادي! إنكم تذنبون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم.

    يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم؛ ما زاد ذلك في ملكي شيئاً.

    يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم؛ ما نقص ذلك من ملكي شيئاً.

    يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته؛ ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر.

    يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه).

    هذا الحديث رواه مسلم، وهو حديث شامي، قال الإمام أحمد: ليس لأهل الشام أشرف من هذا الحديث.

    وراويه عن أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه أبو إدريس الخولاني، وقد أتى من طرق أخر عن غير أبي إدريس، ورواه الإمام أحمد في المسند بلفظ مختلف، وروى منه شذراتٍ الإمامُ الترمذيُّ في سننه، وهذا الحديث تجنب البخاري إيراده لعلة سهلة خفيفة لا توجب رد الحديث، ولكن البخاري له خيوط من الدقة والفطنة لا يرقى إليها شرط مسلم.

    هذا الحديث فيه قضايا وعبر وإشراقات، وهذا الحديث قاعدة من قواعد الإسلام، كان أبو إدريس الخولاني إذا حدث به جثا على ركبتيه! إنه حديث يكسبك العدل والخير والسلام.

    ترجمة أبي ذر الغفاري

    والقضية الأولى: من هو أبو ذر الغفاري؟

    أبو ذر هو الزهد، والزهد هو أبو ذر.

    أبو ذر هو العبادة الناصعة والمدرسة المتوجهة التربوية التي تركها صلى الله عليه وسلم في العالم.

    أبو ذر ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء فمجده، وذكر أنه من العلية الخالصة من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام.

    يمتاز أبو ذر بأنه يبحث عن الحقيقة في وقت ضاعت فيه الحقيقة، أتى طالباً للهدى في وقت فقد فيه الهدى، هو من الصحراء، واضح وضوح الصحراء، صادق صدق الصحراء، شجاع شجاعة الصحراء.

    أبو ذر غفاري من قبيلة غفار، التي تسلب الراحل في الليل لكنه هو لا يسلب أحداً بعد أن تعلم الخير والعدل والسلام.

    سمع أن الرسول عليه الصلاة والسلام طرق العالم، وتحدث بلا إله إلا الله في مكة، فأرسل أخاه إلى مكة، فذهب أخوه ولكن ما شفى له غليلاً ولا روى له عليلاً، فأتى أبو ذر، فركب ناقته، وذهب ووصل إلى مكة حيث الصخور السوداء، حيث الرسالة التي انبعثت من مكة، وحيث دعوة الله تعلن عالميتها، وليس معه إلا أربعة نفر، أبو بكر وزيد بن حارثة وخديجة وعلي بن أبي طالب، رجل ومولى وصبي وامرأة، والله يقول عن نبيه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] فيضحك كفار مكة من هذه الرحمة التي للعالمين، وهو يحارب ويطرد ويجاع!

    وبعد خمس وعشرين سنة سرت الرحمة المعطاة من الله إلى سمرقند، وطاشقند، والسند، والهند، وإلى بقاع الأرض وبقاع المعمورة.

    من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك     فوق هامات النجوم منارا

    كنا جبالاً في الجبال وربما      صرنا على موج البحار بحارا

    إن هذا الدرس كمقدمة، وليس درساً تخصصياً إلا في الحلقة الثانية إن شاء الله، لكنه أشبه بالشذرات في التوجه والتربية، ليكون ديباجة للموضوع وممهداً لهذا الفصل من الحديث في فن الحديث.

    فوصل أبو ذر رضي الله عنه وأرضاه إلى مكة، لكنه لا يعرف أحداً في مكة، ولا يعرف أين يذهب، آواه الليل فاستتر بثياب الكعبة، وهو يحمل في قلبه البحث عن العدل والخير والسلام، ما وجد طعاماً، فما في مكة من يطعمه لأنه غريب.

    غريب من الخلان في كل بلدة     إذا عظم المطلوب قل المساعد

    فأخذ يشرب من ماء زمزم، قال عن نفسه: شربت ماء زمزم، فأغناني الله به عن الطعام، فما جعت أبداً، حتى تكسرت عُكَنُ بطني من السمن، وهذه الخاصية ليست إلا لزمزم، ولا تكون لماء آخر في الأرض.

    وإن تفق الأنام وأنت منهم     فإن المسك بعض دم الغزال

    ثم نزل رضي الله عنه فوفق بـأبي الحسن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صاحب الكلمة النفاذة والحسام الماضي في رقاب المعاندين، فعرف علي أنه غريب، فلما رآه تبعه ولم يسأل واحد منهما صاحبه، وهكذا في اليوم الثاني والثالث، فقال له علي: ألا تحدثني بالذي أقدمك؟

    فأخذ عليه عهداً أن يرشده إلى ما يريد، فقال: إني سمعت عن رجل هنا يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، فقال علي: فإنه حق، وإنه رسول الله، فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئاً أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، وإن مضيت فاتبعني حتى تدخل معي، وهذا كما قيل: إن في المعاريض مندوحة عن الكذب.

    وانطلق أبو ذر في أول لقاء حار ومناظرة ساخنة بين التلميذ وشيخه، وبين الطالب ومعلمه، يقول له في أول اللقاء: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فأطلقها أبو ذر قوية مؤثرة: السلام عليك ورحمته وبركاته، فكان أول من حيا رسول الله بتحية الإسلام، فرد عليه صلى الله عليه وسلم وجلس أبو ذر.

    واسمع إلى الحوار الهادئ وإلى التوجه الرباني، وإلى هداية الله، يهتدي هذا من قبيلة غفار البدوية البائسة، وأهل البلد الحرام لا يهتدون، أبو طالب وأبو لهب وأبو جهل وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال:23].

    فقال: يا رسول الله! ماذا أرسلك الله به؟

    فقرأ عليه شيئاً من القرآن، وتكلم بشيء من الدعوة فأسلم، فقال له صلى الله عليه وسلم: من أين أنت؟ قال: أنا أبو ذر الغفاري من غفار، فتبسم عليه الصلاة والسلام، غفار تأتي لتسلم، وتأبى قريش أن تسلم!

    وهم أهل زمزم والحطيم والصفا والمروة، إنها هداية وولاية الله! قال: فعد إلى أهلك، فإذا سمعت بخروجي وانتصاري فتعال، ولكنه رفض أن يهدأ، بل قام على الصفا، فأعلن إسلامه فضرب حتى أصبح لابطاً في الأرض، وهكذا العظماء يضربون ويقتلون ويجرحون ويسجنون ويجلدون، فقام العباس وقال: اتركوه فإنه من غفار.

    ثم عاد فأرسل دعوته في غفار، وأسلم معه سبعون من بيوت غفار، ودخل المدينة بجيش من المسلمين، ثم واصل المسيرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي تبوك تخلفت به ناقته وهو في الصحراء وفي الرمضاء، يقتلع خطاه من الأرض اقتلاعاً في حرارة الصيف وفي وهج الشمس، فيقول عليه الصلاة والسلام لما رآه في حديث في سنده نظر: {رحمك الله أبا ذر، تعيش وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك}.

    وعاد إلى المدينة فقال له صلى الله عليه وسلم: {يا أبا ذر! إذا بلغ البناء سلعاً فاخرج من المدينة} وهذا الحديث سنده حسن أورده الذهبي في السير وغيره، والمقصود بـسلع جبل في المدينة، ومعنى الحديث: إذا بلغ العمران جبل سلع وامتدت المدينة، فاخرج بإيمانك وعبادتك وزهدك.

    كأنه شفاف، لا يستطيع أن يعيش مع الصخب، وبعض النفوس كالجوهر اللماع أي شيء يؤثر فيه، أو كالثوب الأبيض يتأثر من أي شيء لنصاعته وطهره، فلما بلغ البناء سلعاً أخذ غنمه وخيمته وعصاه، وخرج إلى الربذة على مسافة ثلاثة أميال من المدينة.

    لا طفوني هددتهم هددوني     بالمنايا لا طفت حتى أحسَّا

    أركبوني نزلت أركب عزمي     أنزلوني ركبت في الحق نفسا

    أطرد الموت مقدماً فيولي     والمنايا أجتاحها وهي نعسى

    أنا عاهدت صاحبي وخليلي      وتلقنت من أماليه درسا

    توفي في الربذة، ولفظ أنفاسه على زهد وعبادة وإخلاص، ويكفيه شرفاً أنه حفظ هذا الحديث الذي يصل إلى القلوب مباشرة.

    تعريف العبادة

    وفي الحديث قضايا:

    أولها: سند الحديث صحيح من طريق مسلم، ومسلم يشترط المعاصرة وإمكان اللقيا، ولا يشترط أن تحدث اللقيا بين الشيخين، لذلك هو يستهل صحيحه بهجوم صاعق على الذين يخالفونه في هذه القاعدة، ويلومهم على المخالفة، وقال: من يشترط هذا؟! وعمل الناس في الحديث على غيره!

    ثانيها: في غير الصحيح وردت زيادات توقف في صحتها بعض الحفاظ ومجالها بحث آخر.

    يقول سبحانه وتعالى: يا عبادي! وأشرف لفظ تسمى به أن تكون عبداً لله.

    لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي

    والعبودية لفظ مجمل يحتاج أهل السنة والجماعة إلى تفصيله للناس.

    قيل في تعريف العبادة: هي أداء المأمور واجتناب المحظور.

    وقيل في العبادة -وهذا تعريف طلق بن حبيب- هي: أن تعبد الله، على نور من الله، ترجو رحمة الله، وأن تجتنب معاصي الله، على نور من الله، تخاف عذاب الله.

    وقيل في العبادة: هي أن تكون على الصراط المستقيم الذي ذكره سبحانه وتعالى بقوله: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6].

    وقيل في العبادة: هي أن تتولى ولاية الله وتتقمصها، فتكون من الذين قال الله فيهم: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63].

    وقيل: العبادة هي أن تؤدي المفروض، وتجتنب المحظور، وأن تتقرب بالمستحبات، وتنتهي عن المكروهات.

    ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية يرى أن في هذا التعريف الأخير نظراً، وذلك عندما شرح حديث الولي في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه يرفعه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، يقول الله تبارك وتعالى: {من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلىَّ عبدي بأحب مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل} الحديث.

    فـابن تيمية يرى أن الحديث قسَّم الناس إلى قسمين: سابق بالخيرات، ومقتصد، وهذا لا يعفينا من التقسيم التفصيلي، لا النقلي التجريبي الذي نقله بعض الفقهاء ثم سكتوا عنه.

    إذاً: فالعبادة على درجتين، لكن من يقول لكم: إنها على ثلاث درجات، فقد صدق لقوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر:32].

    إذاً: أقسام العباد في هذه الآية ثلاثة أقسام: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر:32].

    وعند ابن القيم وابن تيمية أن الثلاثة يدخلون الجنة، بيض الله وجهي الشيخين فقد أدخلونا ونحن ظلمة لأنفسنا في الثلاثة، ولو كان على الصنفين وهو رأي الجمهور، لما دخل الظلمة في قوله سبحانه وتعالى: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا [الرعد:23].

    إذاً: فالظالم من ترك بعض المأمورات، وارتكب بعض المحظورات.

    والمقتصد: من فعل الفرائض واجتنب الكبائر.

    والسابق بالخيرات: من أتى بالفرائض والنوافل واجتنب المحرمات والمكروهات.

    قوله: {يا عبادي} العبودية عرفها أهل الإسلام كما أسلفت، ولكن لبعض الناس من أرباب القلوب والسلوك تعريف، ولكنه كالزهرة يشم ولا يُعَك، وبعض هذا التعريف نرفضه ولا نقبله، لأنه جاء من غلاة الصوفية كقول الصوفي الغالي: العبادة هي ألا تطلب عليها ثواباً.

    كيف والله يقول في عباده: يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ [الفتح:29]؟!

    وكيف والله سبحانه وتعالى قال: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [آل عمران:169-170]؟! كيف لا يفرحون؟!

    فهذا التعريف يعارض فرح المؤمنين بجزاء الله، والصوفي الآخر الغالي يقرأ قوله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران والله يتحدث عن أهل أحد مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [آل عمران:152] فصفق بين يديه وقال: سبحان الله! وأين الذين يريدون وجه الله؟!

    الله يقول: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا [آل عمران:152] أي: الغنائم، ومنكم الأبرار الأخيار الذين يريدون الآخرة: وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [آل عمران:152] لكن هذا جعل الصنفين كليهما باطلاً ومتبراً عملهم وهذا قول.

    وهناك تعريف آخر يعرفه سحنون المغربي المالكي يقول: العبادة هي الرضا بالمصائب، ولكنه ليس بواجب، بل الرضا مستحب والصبر واجب.

    وسمنون العابد يرى أن العبادة: هي أن تتقبل البلاء وأن تنجح في الاختبار، حتى كان يقول كما في صفة الصفوة: اللهم أجر بلاءك علي بما شئت، ويقول:

    إني أنا عبدك المذلل     فحيثما شئت فامتحني

    قالوا: فابتلاه الله بحصر البول، فكان يمر على الأطفال ويقول: ادعوا لعمكم الكذاب، والله عز وجل يقول: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد:31].

    قال الفضيل بن عياض: اللهم لا تبلنا فتفضحنا، الستر الستر والعفاف العفاف.

    كأن رقيباً منك يرعى مسامعي     وآخر يرعى مسمعي وجناني

    فما خطرت من فيَّ بعدك خطرة     على القلب إلا عرجا بعناني

    {يا عبادي} هذه أشرف لفظة، والنبي صلى الله عليه وسلم بلغ أعلى مقامات العبودية، أما نحن فمنا مقتصد وسابق وظالم لنفسه، والناس درجات، بين كل درجة والأخرى كما بين السماء والأرض، والدرجات عددها لا يعلمها إلا الله، ولكن منـزلة الوسيلة ليست إلا مقعداً واحداً، هو محجوز للرسول عليه الصلاة والسلام، وهو أعلى درجات الهداية والعبودية التي ارتقى إليها صلى الله عليه وسلم.

    وهل يسمى الكافر عبداً؟

    نعم. يسمى عبداً في الإطلاق الخلقي الأمري الكوني، وأما الإطلاق الديني الشرعي فلا يسمى عبداً، لأنه عبد بالقهر والقوة، وليس عبداً بالانقياد والطاعة كما قال تعالى: ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت:11] فأتى المؤمن طائعاً فكان عبداً، وأتى الكافر كارهاً فكان عبداً، فعبودية الكافر كونية خلقية، وعبودية المسلم أمرية دينية شرعية، فكونوا ممن انقادوا إلى (لا إله إلا الله) وقبلوا دعوة الله.

    تعريف الظلم وأقسامه

    قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: {يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا}.

    أولاً: في هذه الكلمة ثلاث قضايا:

    القضية الأولى: من الذي حرم الظلم على الله؟ وهل تقع الأحكام على الله؟ وهل يجب عليه شيء ويحرم عليه شيء ويجوز له شيء، ويستحب في حقه شيء؟

    القضية الثانية: ما هو الظلم؟ وما هو حده، وتعريفه؟

    القضية الثالثة: ما هي أنواع الظلم؟

    أما قوله سبحانه وتعالى: {إني حرمت الظلم على نفسي} فهذا التحريم عند المحققين من أهل السنة والجماعة هو تحريم أورده الله على نفسه ولم يورده أحد من الناس جل الله عن ذلك وتعالى الله علواً كبيراً، فالله له أن يوجب على نفسه شيئاً وأن يحرم شيئاً، وأن يحبب شيئاً وأن يكره شيئاً، ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام في الصحيحين : {أتدري يا معاذ ! ما حق الله على العباد وحق العباد على الله؟} قال ابن تيمية : هذا حق أوجبه الله على نفسه ولم يوجبه أحد من الناس، إذاً فهو الذي حرم الظلم على نفسه، ولم يحرمه أحد من الناس، جل الله أن يحرم عليه أحد من خلقه أو يشرع بين يديه أو يتفتى في أوامره وشرائعه وفرائضه وسننه.

    أما الأمر الثاني: بالنسبة لتعريف الظلم وحده:

    الظلم عند أهل اللغة: وضع الشيء في غير موضعه، وعند أهل الأصول: هو عبادة غير الله تبارك وتعالى، أهل الأصول أعني بهم أهل الإسلام من أهل السنة والجماعة ، قال سبحانه وتعالى على لسان لقمان لابنه: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:12-13] فالشرك ظلم، والظلم عند أهل الأصول هو عبادة غير الله أو الشرك مع الله أو الإشراك مع الله إلهاً آخر، قال سبحانه وتعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82].

    وفي الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه قال: {لما نزل قوله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! وأينا لم يظلم نفسه! قال عليه الصلاة والسلام: إنه ليس الذي تريدون، أما سمعتم قوله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] } فالحمد لله، فما دام أن الظلم في الآية هو الشرك، فيتخلف كثير من الناس من مغبة هذا الظلم لأن المشركين في أهل السنة والجماعة قليل إن شاء الله.

    أما الأمر الثالث: وهو أقسام الظلم فهو على أقسام متعددة:

    الأول: ظلم العبد لربه.

    الثاني: ظلم العبد لنفسه.

    الثالث: ظلم العبد لإخوانه.

    أما الظلم الذي هو ظلم في جانب المولى تبارك وتعالى فهو أن تعبد غير الله، ولقد سئل صلى الله عليه وسلم عن أعظم الذنوب، وهذا في الصحيحين عن ابن مسعود قال: [[أن تجعل لله نداً وهو خلقك-أو وقد خلقك-]].

    وظلم العبد لنفسه: ويدخل في ذلك الشرك والمعاصي؛ كبيرها وصغيرها، جليلها وحقيرها، كل معصية فهي ظلم بحسبها على العبد.

    وأما ظلم العبد لإخوانه فهو أن يأخذ من حقوقهم أو أعراضهم أو أموالهم أو دمائهم، ولذلك ذكره سبحانه وتعالى لأنه أكثر ما يقع الناس فيه، وهو مستساغ لدى النفوس والقلوب.

    ثم قال: { يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً } في أي كلام حرم الله الظلم؟ في قوله سبحانه وتعالى: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِينَ [آل عمران:108] ، وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46] هذه الآيات وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [آل عمران:117] ، إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً [النساء:40] هذه الآيات وأمثالها معناها أن الله عز وجل كتب على نفسه ألا يظلم أحداً.

    وورد في القرآن: الهضم والظلم، فما هو الهضم؟ وما هو الظلم؟ الظلم: هو أن يؤتى بسيئات غيرك فتوضع عليك، والهظم: هو أن يقلل من حسناتك وتذهب حسناتك شذر مذر، فالله لا يظلم ولا يهضم، لا يسلب من حسناتك ولا يعطيك من سيئات غيرك { فلا تظالموا } و{الظلم ظلمات يوم القيامة} كما في الحديث الصحيح والظلم قطيعة بين العبد وربه، والظلم أول ما عصي الله به في الأرض، فقد ظلم قابيل هابيل ابني آدم، فوقع الظلم في الدنيا، وقد ذكر أهل العلم قصصاً من الظلم، والظلم -أيها الإخوان- ينافي العدل والسلام والخير، كما أنه نهى عنه صلى الله عليه وسلم كلما أرسل رسولاً من أصحابه.

    جاء في الصحيحين من رواية ابن عباس لما أرسل معاذاً إلى اليمن قال: {وإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب} وفي السنن في الحديث الحسن قال صلى الله عليه وسلم: {ثلاثة لا ترد دعوتهم: -ومنهم- والمظلوم يرفع الله دعوته فوق الغمام، ويقول: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين}.

    سجن هارون الرشيد أبا العتاهية الشاعر وكان مظلوماً فأرسل له رقعة يقول فيها:

    إلى الديان يوم العرض نمضي     وعند الله تجتمع الخصوم

    فأخرجه وبكى هارون الرشيد من هذه الرقعة.

    والظلم -كما قلت لكم- وضع الأمور في غير مواضعها، أتى ابن هاني الشاعر الفاجر الأندلسي فقال لأحد السلاطين:

    ما شئت لا ما شاءت الأقدار     فاحكم فأنت الواحد القهار

    سبحان الله!

    فابتلاه الله بمرض -فعقوبة الظالم تقع في الدنيا- حتى كان يتململ ويعوي وينبح كالكلب على فراشه وأخذ يبكي ويخاطب رب العزة ويقول:

    أبعين مفتقر إليك نظرتني     فأهنتني وقذفتني من حالق

    لست الملوم أنا الملوم لأنني     علقت آمالي بغير الخالق

    وهذا جزاء من ظلم عباد الله.

    ذكر ابن كثير والذهبي في السير أن أحد السلاطين قدم عليه عالم من العلماء، فتقدم هذا العالم فقال كلمة الحق عند هذا السلطان، وقد صح بذلك الحديث: {أفضل الحهاد كلمة حق عند سلطان جائر} والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى سلطان ظالم فقال كلمة حق فقتله} فقام هذا العالم أمام هذا السلطان، فتكلم أمامه، فغضب السلطان فضربه على وجهه كفاً حتى أجلسه، فقال العالم: قطع الله يدك، فما مضى عليه شهر إلا وأخذ وعزر وقطعت يده وعلقت بباب الطاق في مدخل بغداد .

    وذكر الذهبي وابن كثير في ترجمة ابن الزيات الوزير العباسي الذي شارك في الحلف الابتداعي ضد إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل صاحب التوجيه والتربية والهدى المستقيم، فكان ابن الزيات يستهزئ بتعاليم أهل السنة وشارك في سجن الإمام أحمد ، فكان الإمام يدعو في الثلث الأخير من الليل ويرفع يده إلى الحي القيوم على ابن الزيات يقول: اللهم احبسه في جسمه، قال الذهبي: فأصيب ابن الزيات في جسمه فشلَّ جسمه وأدخله الواثق في فرن وعذبه فأخذ يزوره علماء أهل السنة بعد موت الإمام أحمد ، قالوا: والله ما زرناك عواداً ولكن أتيناك شامتين، أتينا نشمت بك، يا أيها المبتدع الضال، يا رأس العمالة والضلالة، لقد أصابتك دعوة إمام أهل السنة والجماعة .

    وأما أحمد بن أبي دؤاد القاضي المبتدع، الذي يقول عنه الذهبي : أحمدنا: أحمد بن حنبل وأحمد أهل البدعة: أحمد بن أبي دؤاد القاضي والوزير الكبير، فدعا عليه الإمام أحمد أن يعطيه الله أول جزاءه في الدنيا، فشل نصفه والنصف الآخر بقي مرتعشاً يقول: والله لو قرض نصفي بالمقاريض ما أحسست، ولو وقع الذباب على النصف الآخر لكأن القيامة قامت عليّ.

    إن الظلم شأنه عظيم يوم يظلم الظالم فلا يجد له ناصراً ولا ولياً من دون الله، والظلمة على مر التاريخ كثيرون، ومن أعظم من ظلم أهل المبادئ والأسس وأهل الأهداف والدعوات، وعلى رأس القائمة سعيد بن المسيب ، طالب منه بنو أمية أن يبايعهم ليكون الملك وراثياً فرفض وقام في وجه هذا، وأنكر البدع المضللات في المدينة ، فجلد مائة جلدة، على ماذا؟ وحمل على جمل وطيف به في المدينة عجيب!! أسعيد بن المسيب سعيد الزهد والحديث والعبادة يحمل على جمل؟! أفجر أم سرق أم شرب الخمر؟! أسكر وانتهك المحرمات؟! لا والله. حمل على جمل وطيف به في المدينة .

    علو في الحياة وفي الممات     بحقٍ أنت إحدى المعجزات

    كأن الناس حولك حين قاموا     وفود نداك أيام الصلات

    كأنك واقف فيهم خطيباً      وهم وقفوا قياماً للصلاة

    فبقي اسمه مسجلاً في سجل الخالدين وورثة الأنبياء والرسل.

    ومن الظلم الذي تعرض له أرباب الدعوات الأصيلة والأهداف الجليلة: سعيد بن جبير ما أخذ مالاً ولا سفك دماً ولا اعتدى على فرج حرام، ولا انتهك المحرمات، لكنه يريد أن تبقى لا إله إلا الله محمد رسول الله عالية فوق الرءوس، استدعاه الحجاج ، واسمعوا للمناظرة الحارة بين هذا العالم والفاجر السفاك الحجاج .

    يقول الذهبي في ترجمة الحجاج : نبغضه ونعتقد أن بغضه من أوثق عرى الدين، يقول في السير: له حسنات لكن انغمرت حسناته في بحار سيئاته.

    وذكر في تحفة الأحوذي للمباركفوري المناظرة الحارة بين هذا العالم وهذا السفاك، فقال: دخل سعيد بن جبير على الحجاج فقال له: ما اسمك؟ سبحان الله! لا تعرف اسم سعيد بن جبير الذي تلألأ به البخاري ومسلم، والترمذي وأبو داود والمسند؟! لا تعرف اسماء الخالدين الذين سجلت أسماؤهم في صفحات من نور في الصدور؟!

    من تلظي لموعه كان يعمى      كاد من شهرة اسمه لا يسمى

    قال: ما اسمك؟

    قال: اسمي سعيد بن جبير .

    قال: بل أنت شقي بن كسير.

    قال: هكذا سمتني أمي.

    قال: شقيت أنت وشقيت أمك.

    قال: الشقي من شقي في بطن أمه.

    قال الحجاج : والله لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى.

    قال سعيد: لو كان ذلك عندك لاتخذتك إلهاً من دون الله.

    قال الحجاج : علي بالعود، فأتي بعود وجارية فضرب العود والناي في مجالس اللاهين اللاغين الذين لا يعرفون القرآن ولا يعرفون حدثنا، ولا يعرفون الكلام الذي يرسخ في القلوب ويغرس في النفوس، غنت الجارية واندفعت تغني والعود يضرب فبكى سعيد قال الحجاج : أهو الطرب؟

    قال: لا والله. ليس بالطرب، لكن جارية سخرت في غير ما خلقت له، سبحان الله! الجارية خلقت لتعبد الله فسخرت للغناء، وعود قطع من شجرة في غير ما خلق له.

    قال الحجاج : عليّ بالذهب والفضة، فأتي بالذهب والفضة فنثر بين يدي سعيد، أسعيد بن جبير يريد ذهباً وفضة؟ أيريد دراهم ودنانير؟ لا. إنه يريد رضا الله وجنة عرضها السموات والأرض، فنثر الذهب والفضة، وقال: خذ من هذا.

    قال سعيد: يا حجاج ! إن كنت أخذت هذا لتتقي به من غضب الله ومن نار أعدها الله لأعدائه، فقد والله أحسنت، وإن كنت أخذته للدنيا فهو متاع قليل، عما قليل يفارقك وتفارقه.

    قال الحجاج: يا سعيد! اختر أي قتلة تريد، فوالله لأقتلنك قتلة ما قتلها أحد من الناس.

    قال سعيد: -وهو يتبسم- يا حجاج ! اختر لنفسك أي قتلة تريد أن تقتلني، فوالله الذي لا إله إلا هو لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله بمثلها يوم القيامة.

    قال الحجاج : خذوه إلى غير القبلة.

    قال سعيد: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115].

    قال: أنزلوه إلى الأرض.

    قال: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ [طه:55].

    قال: اذبحوه.

    قال: حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، اللهم لا تسلط الحجاج على أحد بعدي.

    سمع أهل الإسلام بمقتل سعيد بن جبير فاهتزت الدنيا، وقامت المساجد تصلي عليه، مولى من الموالي لكنه صاحب علم وزهد وعبادة وتوهج وتربية، وقيام ليل وإخلاص، فلما قتل قام الحسن البصري أو غيره فاستقبل القبلة، وقال: يا قاصم الجبابرة اقصم الحجاج ، يا قاصم الجبابرة! اقصم الحجاج، يا قاصم الجبابرة! اقصم الحجاج ، فأخذ الحجاج بعد مقتل سعيد بن جبير شهراً يخور كما يخور الثور، يقول: والله ما مرت عليّ ليلة من الليالي إلا كأني أسبح في دمه، والله ما مر عليّ ليلة إلا كأن القيامة قامت، وقد رأيت عرش الله بارزاً للناس، وقد قتلني بكل إنسان مسلم قتلته مرة إلا سعيد بن جبير فقد أوقفني الله على الصراط فقتلني به سبعين مرة.

    وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء ٌ * وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ * وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [إبراهيم:42-47].

    الظلم ظلمات يوم القيامة، وقد حدث الظلم في تاريخ الإنسان، قال ابن تيمية : إن الله ينصر من يعدل ولو كان كافراً، وإن الله يخذل من يظلم ولو كان مؤمناً، والظلم ظلمات بعضها فوق بعض، يقول المتنبي ولكن لا نوافقه:

    والظلم من شيم النفوس فإن تجد     ذا عفة فلعلة لا يظلم

    فيقول: من الناس ظلمة، لكنه يحبن عن الظلم لأنه لا يستطيع الظلم، لكننا نقول له: ويحك! أتعارض النصوص يا متنبي بقصائدك؟! وقد علمنا أن في الناس عدول ونفوسهم مجبولة على العدل، وقد جاء في حديث يقبل سنده التحسين: { والمقسطون على يمين الرحمن تبارك وتعالى الذين يعدلون في أهليهم، وما ولوا } أو كما قال عليه الصلاة والسلام، والعدل على ثلاثة أقسام:

    الأول: عدل في الاعتقاد.

    الثاني: عدل في القول.

    الثالث: عدل في العمل.

    فأما عدل الاعتقاد فهو أن تعتقد أن لا إله إلا الله، وتؤمن بما أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    والعدل في الأفعال أن تكون أفعالك مطابقة لأفعاله صلى الله عليه وسلم.

    والعدل في الأقوال أن تكون صادقاً ناصحاً مخلصاً، هذا هو العدل.

    { يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا } والظلم كما أُسلف وقع كثيراً في تاريخ الإنسان، ولكنه يحتاج إلى تبسيط في دروس ليبين أنواعه وأقسامه، حتى يحذر منه.

    الهداية أقسامها وطرقها

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: {يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم}.

    الضلال وارد على الناس، ولكن الله عز وجل هدى الإنسان، فما هي الهداية وأقسامها؟

    الهداية على قسمين:

    الأولى: هداية كونية: وهي التي هدى الله بها الناس إلى الفطرة.

    والثانية: الهداية التي في القرآن.

    وهي على قسمين:

    أولاً: هداية التوفيق: وهي من الله، يقول سبحانه وتعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56].

    ثانياً: هداية الدلالة: وهي هدايته صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52] فهذه الهداية خاصة به صلى الله عليه وسلم يدل الناس عليها.

    ما أحوجنا إلى الهداية! لأن الإنسان ظالم فاجر ضال، لا يهتدي إلا أن يهديه الله عز وجل، وهداية الفطرة لا تكفي عند أهل السنة والجماعة؛ فقد جاء في حديث عياض بن حمار في مسلم مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يقول: {خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين} فمعنى حنفاء أي: على الفطرة، وهذا يؤيده الحديث الصحيح: {ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه ينصرانه أو يهودانه أو يمجسانه} لكن الفطرة وحدها لا تقوم بالهداية، فيحتاج العبد إلى أمر تفصيلي في الهداية.

    وما هي طرق الهداية؟

    الهداية لها طريقان اثنان: اسمع يا من يريد الهداية! اسمع يا من يريد طرق باب الهداية!

    يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا     وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه

    الأولى: هداية القرآن: وهي هداية تفصيلية ومجملة.

    الثانية: هداية الرسول عليه الصلاة والسلام: وهي السنة.

    فمن لم يهتد بالقرآن ولا بالسنة فلا هداه الله! حفظ عن ابن تيمية أنه قال: من اعتقد أنه سوف يهتدي بهدى غير هدى الله الذي أرسل به محمداً عليه الصلاة والسلام، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً وعدلاً ولا كلاماً، ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم.

    والهداية لها طرق:

    الأول: من أعظم طرق الهداية: الدعاء والتبتل، خاصة الدعاء في السحر، في الليل وأنت تصلي ركعتين في جنح الظلام.

    قلت لليل هل بجوفك سر     عامر بالحديث والأسرار

    قال لم ألق في حياتي حديثاً      كحديث الأحباب في الأسمار

    ويوم تركنا ركعتي السحر خمد الإيمان في قلوبنا، ويوم تركنا ركعتي السحر قل النشاط، ويوم تركنا ركعتي السحر قل الإخلاص إلا عند من رحم الله.

    كان طاوس بن كيسان وهو أحد رجال الصحيحين، الزاهد العابد الشهير والعالم النحرير الكبير يدور على أصحابه في السحر فطرق على أخ له، فخرج أخوه وهو نائم، قال طاوس: أتنام في هذه الساعة؟ قال: نعم. قال: والله ما ظننت أن أحداً ينام في هذه الساعة.

    لا تعذل المشتاق في أشواقه حتى يكون حشاك في أحشائه

    يظن طاوس أن الناس لا ينامون في وقت السحر، وفي الصحيحين: {ينـزل الله في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا -لكن نزولاً يليق بجلاله، لا نكيفه ولا نمثله ولا نعطله- فيقول: هل من داعٍ فأستجيب له؟! هل من مستغفر فأغفر له؟! هل من تائب فأتوب عليه؟!} أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    لطيفة واستطراد مع طاوس بن كيسان، وهذه تنبئنا عن مسألة الظلم والعدل ومسألة التعلق بنصرة الواحد الأحد.

    فاشدد يديك بحبل الله معتصماً      فإنه الركن إن خانتك أركان

    يا حافظ الآمال      أنت حميتني ورعيتني

    وعدا الظلوم عليّ كي      يجتاحني فمنعتني

    فانقاد لي متخشعاً      لما رآك نصرتني

    قال طاوس بن كيسان -وهذه القصة في البداية والنهاية لـابن كثير: دخلت الحرم، فصليت ركعتين عند المقام، قال: فدخل الحجاج بن يوسف الثقفي بحرسه، فوضعوا السلاح حراباً وسيوفاً ورماحاً، قال: فسمعت الجلبة فلما سلمت عرفت أنه الحجاج، فما تزحزحت من مكاني، طاوس بن كيسان مولى لكن قلبه مغذى بالتوحيد والإيمان.

    قال: فأتى بدوي من أهل اليمن وهو لا يعرف أن الحجاج جالس وأن حرس الحجاج جلوس، ولا أن الحراب والسيوف جاهزة، فأتى يطوف فدخل من عند الحجاج فاشتبك ثوبه بحربة عند الحجاج فوقعت الحربة على الحجاج، فأمسك الحجاج بن يوسف بثوبه والحجاج هو الحجاج! كما قال أحد الناس حين سئل من هم أهل السنة؟ قال: أهل السنة الذين لا تعريف لهم إلا أهل السنة، فـالحجاج هو الحجاج، والجبل هو الجبل.

    يقول الحسن البصري: أما الحجاج الثقفي فإنه يقرأ القرآن على لخم وجذام، ويلبس لباس الفساق، ويعظ وعظ المتقين، ويبطش بطش الجبارين.

    فقال الحجاج لهذا البدوي: من أين أنت؟

    قال: من اليمن.

    قال: كيف تركتم واليكم على اليمن؟ يقصد أخاه محمد بن يوسف، وكان ظالماً مثله.

    قال: تركته بطيناً سميناً، إن قال: تركته متقياً مصلياً الليل فقد كذب، وإن قال: تركته قارئاً للقرآن أو معلماً للسنة فقد كذب، قال: تركته بطيناً سميناً، يعني: يأكل ويسمن ويتبجح في أموال الله.

    قال الحجاج: لست أسألك عن صحته، إنما أسألك عن سيرته.

    قال: تركته غشوماً ظلوماً.

    قال الحجاج: أما تعرف أنه أخي، وأنا الحجاج؟

    قال: أتظن أنه يعتز بك أكثر من اعتزازي بالله؟!

    قال طاوس: فوالله ما بقيت في رأسي شعرة إلا قامت.

    هذه الكلمة لا تقوم شعر الرأس فحسب، بل هي ألغام متفجرة، لكن على من يعيها.

    فهذه الكلمة درس ومحاضرة في التوحيد، تتفجر فتنسف كل ملحد وزنديق على وجه الأرض.

    قال: أتظن أنه يعتز بك أكثر من اعتزازي بالله؟! أنت تمرض وتموت كما يموت الحمار، فأنا أتعلق بالذي لا يموت، ولا يفتقر ولا يهرم، ولا يعدم سبحانه وتعالى.

    اسمع التخلية في القرآن: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً [الفرقان:3] قال ابن عبد الهادي في الكواكب الدرية: ذهب ابن تيمية في الإسكندرية، فلما نزل في الشارع اجتمع أهل مصر من المبتدعة وغلاة الصوفية يريدون قتله، فقال له أحد تلاميذه: يـابن تيمية رويداً رويداً! هؤلاء يريدون قتلك، فتبسم ابن تيمية قال: يريدون قتلي؟ قال: نعم. قال: والله ما هم إلا كالذباب، ثم نفخ في كفه.

    وحتى لو قتلوه فإنها لن تقوم الحرب العالمية الثالثة، هو يريد أن يموت في سبيل الله، ويطلب أن يموت لذات الله، ويقصد رفعة كلمة لا إله إلا الله، وما الدم والمال والجسم والعظام والعصب إلا هباء إن لم يحي على (لا إله إلا الله).

    {يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم} كيف نستهدي الله؟

    نستهديه سبحانه وتعالى بالدعاء كما أسلفت، برفع الأكف إلى الله؛ فإنه لا يهدي إلا الله.

    الأمر الثاني: بصدق التوجه، يقول تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] ويقول جل علاه: فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ [محمد:21] ومن طلب الهداية هداه الله، ومن طلب الزيغ أزاغ الله قلبه، قال تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف:5] تقول للمبتدع: مالك ابتدعت؟! قال: كتب الله وقدر أن أبتدع، سبحان الله! أجبري في المعصية قدري في الطاعة؟!

    حاور ابن تيمية بعض الصوفية الغلاة، ومر بأحدهم وهو يقرأ: فخر عليهم السقف من تحتهم، وفي القرآن: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل:26] فقال: لا عقل ولا نقل.

    فهذا جاهل مركب.

    ولو أنه جهل بسيط عذرته      ولكنه يدلي بجهل مركب

    والجاهل المركب هو الذي لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري، يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب العروض، وهو أحد أذكياء الدنيا، عقلية متوقدة، بقي من ذكائه يمشي ويفكر حتى اصطدم رأسه في سارية المسجد، فصدمها فمات، يقول الخليل بن أحمد الناس أربعة أقسام:

    الأول: رجل يدري، ولا يدري أنه يدري؛ فذاك عالم غافل فنبهوه، أي قل له: إنك تعلم، فاخرج إلى الناس لتعلمهم.

    والثاني: رجل يدري، ويدري أنه يدري، فذاك عالم فاسألوه.

    والثالث: ورجل لا يدري، ويدري أنه لا يدري فذاك جاهل فعلموه.

    الرابع: رجل لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري، فهذا أحمق فاتركوه، وهذا جاهل مركب. فهم أربعة أقسام.

    الرازق هو الله

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: {يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم} الله خلقنا، وما كان في خلقه لنا نفعاً له سبحانه وتعالى، ولا دفعاً للمضرة عنه، فهو النافع الضار تبارك وتعالى، هو الذي يطعم ولا يطعم، قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ [الروم:40] هو الذي يخلق سبحانه وتعالى، ويحيي ويميت، وهذه هي علامات الربوبية، وفيها أقصى دلائل لتوحيد الألوهية، لأن بعض الناس يجعل توحيد الربوبية توحيد الألوهية، حتى يتفق هو وفرعون؛ لأن فرعون ما أنكر الصانع في نفسه، بل أنكره في الظاهر فقط، ولهذا قال له موسى: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً [الإسراء:102].

    يقول موسى لفرعون: والله إنك تعلم أنه ما خلق الخلق إلا الله، وما رفع السماء ولا بسط الأرض إلا الله، لكنك مكابر، ويخطئ من يجعل توحيد الربوبية مكان توحيد الألوهية، ولذلك نقم ابن تيمية على من عرف توحيد الألوهية بتوحيد الربوبية.

    أبو جهل يعرف أن الذي خلق الشجرة هو الله، والذي خلق السماء هو الله، والذي خلق الأرض هو الله، لكن يجعل مع الله إلهاً آخر، قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزمر:38].

    قال عليه الصلاة والسلام لـحصين بن عبيد: كم تعبد؟ قال: أعبد سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء، قال صلى الله عليه وسلم: من لرغبك ولرهبك؟ قال: الذي في السماء، قال: فاترك الذي في الأرض واعبد الذي في السماء.

    ثم يقول: {يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم} ولذلك يخطئ بعض الناس إذا ظن أن الناس هم الذين يرزقون وليس الله، قال تعالى: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ [العنكبوت:17].

    سئل ابن تيمية شيخ الإسلام في المجلد العاشر من فتاويه سأله أبو القاسم المغربي قال: دلني على أعظم وصية توصيني بها، وعلى أعظم كتاب بعد القرآن، وعلى أحسن عمل بعد الفرائض، وعلى باب للمهنة والرزق كي أمتهنه -والشاهد باب الرزق- قال ابن تيمية: أما الرزق فأعظم ما يحصِّل الرزق الثقة بالله والتوكل عليه، وطلب الرزق منه، فإنه لا يرزق إلا الله، ولا يعطي ولا يمنع إلا الله.

    ولذلك دخل أحمد بن نصر الخزاعي على الواثق في فتنة القول بخلق القرآن، وأحمد بن نصر الخزاعي شيخ البخاري في كثير من الحديث، وله مخطوطة في علم الحديث اسمها الاعتصام بالكتاب والسنة، وقد قام بالتنظير العقلي لـأهل السنة والجماعة، وبجمع الصف ليدكدك دولة الابتداع والباطل، فظفر به الواثق، فأدخله عليه وهو الشهيد العالم، فقال له الواثق: والله لأقطعن رزقك -يعني: راتبك- قال: والله ما رأسي إلا كهذه، ثم قطع زر ثوبه، وأسقطه على رأس الواثق، فقال الواثق: خذوه، فأخذوه فصرعوه وذبحوه؛ ولذلك رفعه الله عز وجل كما رفع الإمام أحمد.

    وبعض الناس يتوهم أن باب الرزق قد يغلق عليه، ولم يعلم أن الرزق من عند الواحد الأحد، ولا يثبت إيماننا وتوحيدنا حتى نعتقد بهذه الأمور.

    ذكر ابن رجب الحنبلي صاحب طبقات الحنابلة عن أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي، صاحب كتاب الفنون الذي هو ثمانمائة مجلد، وكتاب الفنون، كان يكتبه في وقت الفراغ لا في وقت الجد، إذا كان في وقت الفراغ، كتب خواطره وبنات أفكاره في هذا الكتاب، فخرجت ثمانمائة مجلد.

    فذكر ابن رجب أن ابن عقيل ذهب إلى مكة، وكان من الصالحين الكبار الذين يعلمون أن الرزق من عند الله تبارك وتعالى، قال ابن عقيل: فانقطعت نفقتي وما وجدت شيئاً آكله قال: فطفت، فلما انتهيت من الطواف والسعي رجعت ألتمس أكلاً فما وجدت شيئاً، فذهبت إلى ضواحي مكة، فبينما أنا أبحث في التراب، إذا عقد من جوهر كل جوهرة تساوي مئات الألوف من الدنانير -عقد من جوهر- قال: فأخذته وفرحت به فذهبت، فلما أصبحت في الحرم، إذا منادٍ ينادي: من وجد العقد فليأت به، قال: الله المستعان! فذهب به، فقال لصاحبه: ما علامته؟ قال: كذا وكذا كما في الحديث {اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة} قال: فوجد الوصف نفسه، فأخذ هذا العقد بجواهره، فو الله ما أعطاني منه درهماً، وبعض الناس لئيم.

    قال: فذهب به فلما انتهيت من حجي ذهبت فركبت البحر، فانكسر بي القارب -بعض الابتلاءات تتوالى على المؤمن- قال: فركبت خشبة، فأخذت بي الريح تلعب بي يمنة ويسرة مدة، فازداد الجوع جوعاً والظمأ ظمأً والخوف خوفاً، لكن ذلك تمحيص.

    قال: ثم ألقتني الخشبة إلى جزيرة من الجزر في البحر، فدخلت الجزيرة، فوجدت فيها قرية، فدخلت مسجد القرية، فتناولت مصحفاً، فأتى أهل القرية، فقالوا: أتقرأ؟ قلت: نعم، قالوا: علمنا القرآن ونعطيك أجراً، قلت: نعم.

    أعلمكم القرآن، قال: فأخذت ورقة فكتبت، قالوا: وتكتب؟ قال: أكتب، قالوا: علم أبناءنا الكتابة بأجر، قلت: نعم. أعلم أبناءكم الكتابة بأجر.

    فلما مضى ردح من الزمن، قالوا: معنا ابنة يتيمة صالحة عابدة كان أبوها من الصالحين، نريد أن نزوجك إياها، فتزوجها، قال: فلما رأيتها رأيت العقد الذي وجدته في مكة في نحرها، قلت: ما هذا العقد؟

    قالت: هذا عقد كان أبي اشتراه بماله كله، كل ما يملك في الحياة جعله في هذا العقد، قلت: ألهذا العقد قصة؟

    قالت: قد ضاع مرة من المرات في مكة، فوجده رجل من الصالحين، فأعطاه أبي، فكان أبي بعد كل صلاة يقول: اللهم ارزق ابنتي رجلاً صالحاً كالذي رد عليّ العقد، قال: أنا صاحب العقد، وقد أجاب الله دعوة والدك.

    وقف أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وأرضاه ببغلته عند باب المسجد في الكوفة فقال لأحد الناس: أتمسك لي البغلة -أحد الناس من الطفيليين الذين لا هم له إلا قطع الشوارع عرضاً وطولاً- قال: أمسك لك البغلة، فأخذ البغلة، وقام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يصلي ركعتين في المسجد، فأخذها فرصة سانحة، فأخذ خطام البغلة، سبحان الله! بعض الناس حقير النفس يرضى بالقليل، يقول عليه الصلاة والسلام في الصحيحين: {لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده} وما هي البيضة؟ قال الأعمش: هي الخوذة التي يضعها المقاتل على رأسه، لكن قال الخطابي وغيره: يبدأ بسرقة البيضة فيتدرج حتى يسرق شيئاً له ثمن، فتقطع يده، لأن القطع في ربع دينار أو ثلاثة دراهم.

    فذهب الرجل إلى السوق فباعه بدرهم، فقال علي: الحقوا هذا الرجل تجدوه في السوق يبيع الخطام -لأنه معلوم عند العقلاء والأذكياء وأهل الفطن أن من يأخذ هذا يذهب إلى السوق- فلحقه رجل فوجده يبيع الخطام وقد باعه بدرهم، فاشتراه من ذاك بدرهم وأخذ الخطام، وقال: هذا خطام بغلة أمير المؤمنين، وأما أنت فخذ الدرهم حراماً، فرجع إلى علي فأعطاه فقال: بكم باعه؟ قال: باعه بدرهم، قال: سبحان الله! والله الذي لا إله إلا هو لقد أردت في نفسي أن أعطيه درهماً بدل إمساكه البغلة، لكن أبى بعض الناس إلا أن يأخذ رزقه من الحرام.

    {كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم} في السنن قال عليه الصلاة والسلام: {اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع} وبعض الناس يتمنون الجوع.

    والغزالي له عجائب في كتاب الإحياء في باب الجوع، وهو أمر لم تأت به السنة، وأحدثه أهل الصوفية الغلاة، يقول أحدهم: أين أنتم مني؟ ما أكلت الرطب أربعين سنة! ومن قال لك: لا تأكل الرطب والبلح، والله قد أباحه؟!

    وقال الآخر: والله ما أكلت اللحم عشرين سنة! كيف تقول ذلك وقد أباحه الله سبحانه وتعالى لأوليائه؟! قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف:32].

    فهؤلاء يتمنون الجوع ويعيشون على الجوع، قال الذهبي في ترجمة صوفي كبير قال عنه: إنه ترك الأكل ثلاثة أيام بلياليها قال: فرأيت أشباحاً -يظن أنها ملائكة، قال: فرأيت أشباحاً روحانية، قال الذهبي: والله ما رأيت شيئاً، ولكن عقلك خاش وطاش وفاش، تركت الأكل حتى وسوس ضميرك وجن عقلك، فقلت: إنهم ملائكة، لماذا ينـزلون عليك؟ هل أنت خاتم الأنبياء والرسل؟ لا والله، لكن عقلك خاش وطاش وفاش، ولذلك دخل الكثير في الابتداع من مذهب الزهد، فتجد الواحد لا يأكل ولا يشرب، ولا يستطيع أن يصلي واقفاً.

    قال ابن الجوزي في تلبيس إبليس: رأيت بعضهم يصلي جالساً، فقلت: مالك لا تصلي الفريضة واقفاً؟ قال: تنفلت واقفاً حتى تعبت، فصليت الفريضة جالساً، أي فقه هذا الفقه؟!

    وذكر الخطابي -وأعيدكم إلى هذه المسألة لأن فيها غرابة- في كتاب العزلة وبإمكانكم مراجعة ذلك، قال: رأينا بعض الناس من غلاة الصوفية ألصق على إحدى عينيه شيئاً، فقيل له: مالك؟ فقال: إسراف أن أنظر إلى الدنيا بعينين!

    سبحان الله! الله خلق لك عينين، وأنت تجعل من الإسراف أن تنظر بعينين، وقد قال تعالى: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:8-10] فكيف تجعل هذا إسرافاً؟! إنه الجهل والتقليد والخرافة والتبعية.

    وإن الرسالة إذا لم تبن على العلم والفقه والإسلام والإيمان والطموح والعدل، فإنها لا تكون نافعة لأصحابها.

    ومن باب الفائدة أقول: ويجدر بنا أن نشير إلى أنواع الوحي: وهي القرآن والحديث القدسي والحديث النبوي.

    القرآن: لفظه ومعناه من الله تبارك وتعالى وهو متواتر لفظاً ومعنى، معجز، متعبد بتلاوته.

    والحديث القدسي: معناه من الله عز وجل، ولفظه من الرسول صلى الله عليه وسلم، فيه متواتر وعزيز وغريب، ولا يتعبد بتلاوته، وليس معجزاً.

    والحديث النبوي من الرسول عليه الصلاة والسلام لفظه ومعناه، فيه متواتر وعزيز وغريب ولا يتعبد بتلاوته وليس بمعجز، فهذه أقسام الوحي التي أتى بها رسول الهدى صلى الله عليه وسلم.

    نعمة اللباس واستحباب التزين

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: {يا عبادي! كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم} أجمل لباس في الحياة لباس التقوى وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26].

    إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى     تقلب عرياناً وإن كان كاسيا

    وأجمل حلية يتحلى بها المؤمن لباس التقوى، وفي الحديث إشارة إلى اللباس الظاهر المعروف عند الناس، وهي الثياب، فلا يكسو إلا الله، وهي تدخل في الرزق، لكن هذا من الخاص بعد العام، فإن الذي يرزق هو الله عز وجل، ومن الرزق الطعام والشراب واللباس وغيرها، وفي حديث حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يقول الله تبارك وتعالى يوم القيامة: يابن آدم! استطعمتك فلم تطعمني، قال: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان جاع فلم تطعمه؟! أما علمت أنك لو أطعمته وجدت ذلك عندي؟! يابن آدم! مرضت فلم تعدني، قال: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان مرض فلم تعده؟! أما علمت أنك لو عدته وجدت ذلك عندي؟!} ثم ذكر الحديث وهو حديث حسن ومن أهل العلم من صححه، وهذه الألفاظ تقال ولا تكيف، وهذا ليس مجال بسط.

    ويخطئ كثير من الناس حين يظن أن اللباس كل شيء، وأن التجمل في الهيئة كل شيء، والجمال جمال الباطن، والحلية حلية الأدب، وأجمل حلية يكساها الإنسان جمال الاعتقاد وجمال الأخلاق والصفات والسلوك، ثم أمرنا بالجمال في الظاهر، إن ديننا لا يعترف بالدروشة، إن الإسلام لا يعترف بالإزراء، وفي حديث حسن {إن الله يحب من عبده إذا أنعم عليه نعمة أن يرى أثر نعمته عليه} وعند الترمذي بسند تكلم فيه: {إن الله نظيف يحب النظافة} لكن ورد في مسلم {إن الله جميل يحب الجمال} وهو من حديث ابن مسعود.

    يقول الرجل: {يا رسول الله! إنني أحب أن يكون ثوبي جميلاً، ونعلي جميلاً، أمن الكبر ذلك؟ قال عليه الصلاة والسلام: لا. الكبر بطر الحق وغمط الناس} وغمط الناس أي: ازدراؤهم واحتقارهم، ثم قال: {إن الله جميل يحب الجمال}.

    وفي حديث حسن يقول عليه الصلاة والسلام: {فتزينوا حتى تكونوا كأنكم شامة في عيون الناس} وفي السير أن ابن عباس رضي الله عنهما لبس حلة بألف دينار، ثم أتى إلى الخوارج في العراق فلما رأوه قالوا: أأنت ابن عم رسول الله؟ قال: نعم وماذا تنكرون؟! وقد كان رسول الله يلبس أجمل الحلل، ولقد رأيته يلبس صلى الله عليه وسلم البردة الحبرة وهي ثياب تنسج في اليمن، وقال ابن القيم في صفة هديه صلى الله عليه وسلم: كان لا يتكلف في الطعام وفي اللباس مفقوداً ولا يرد موجوداً.

    مرة يلبس من الغالي الحلال النفيس، ومرة يلبس من الرخيص، ومرة يلبس الدروع في المعركة.

    البس لكل حالة لبوسها      إما نعيمها وإما بوسها

    يخرج مرة في جبة من شعر مُرَحَّل عليه الصلاة والسلام، ومرة في بردة كأنه النجم، أو كأن الثريا علقت بجبينه، فيتكلم على الحاضرين بجمال المظهر والمخبر إيحاءً ووقعاً في القلوب، ومرة يلبس الدرعين كما في أحد ويبارز فيهما، فهو رسول ميسر عليه الصلاة والسلام.

    فالتقيد باللباس الغالي دائماً سيما المترفين، والتقيد بالرخيص سيما المرائين المتبذلين، والمتوسطون هم أهل الرسالة كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة:143].

    وفي سنن ابن ماجة بسند يوقف معه ويبحث فيه {أن الرسول صلى الله عليه وسلم لعن لباس الشهرة} لكن ابن القيم سكت عن هذا الحديث في باب اللباس، والحديث فيه ضعف، والشهرة هي أن يلبس لباساً غالياً يوصله بالجبابرة، أو رخيصاً يوصله بالناس الذين يزرون بأنفسهم، فكأنه إذا لبس الغالي يقول للناس: أنا ابن فلان وابن فلان.

    أنا ابن جلا وطلاع الثنايا      متى أضع العمامة تعرفوني

    وإذا لبس المزري الرخيص كأنه يقول: أنا الزاهد العابد، أنا ثابت البناني، أنا قتادة بن دعامة السدوسي، وأنت لست بـثابت ولا قتادة، فأحسن ما يتستر به العبد الثياب الوسط، ليكون من عامة المسلمين؛ في لباس لا يكون محرماً ولا مزرياً ولا به ترف ولا فيه خشونة إلا لحاجة، ويسأل سائل منكم: ولماذا لبس عمر رضي الله عنه وأرضاه برداً ممزقاً فيه أربعة عشر رقعة؟ ونقول له: ومن نحن مع عمر؟!

    لا تعرضن لذكرنا في ذكرهم     ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد

    رحم الله تلك العظام، عمر يتواضع في لباسه من مركز قوة، ذهب الدنيا تحت يديه، ذهب وفضة الدنيا تحت يديه.

    يا من يرى عمراً تكسوه بردته     والزيت أدم له والكوخ مأواه

    يهتز كسرى على كرسيه فرقاً     من خوفه وملوك الروم تخشاه

    لكن العامي من الناس إذا تقمص هذه الشخصية كأنه يلفت الأنظار إلى زهده، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: ملك كذاب، وعائل مستكبر، وأشيمط زانٍ} أشيمط زانٍ يعني: شيخ كبير قرب من القبر، وابيضت لحيته، ومع ذلك يزني، أعمى ويناقر.

    وملك كذاب لأنه لا يحتاج إلى الكذب، ولا يضطره أحد إليه، فلماذا يكذب؟ وما هو الداعي للكذب؟

    وعائل مستكبر: عائل ويتكبر، فقير لصق بالتراب ويتكبر على عباد الله! ولا يظن ظان أن التكبر معناه لبس الغالي! فإن من الناس من يلبس اللباس الرخيص، ولكن قلبه قلب جبار.

    دخل فرقد السبخي على الحسن البصري وعليه ثياب ممزقة وعلى الحسن البصري برد جميل غالٍ من برود الحبور التي تأتي من اليمن، فقال فرقد السبخي للحسن البصري: أتلبس هذا الغالي؟! قال: أنا إن شاء الله في هذا البرد أتواضع لربي أحسن منك في هذه الثياب الخلقة.

    ودخل فرقد على ابن سيرين، فرأى على فرقد ثياباً من صوف ممزقة فأشاح بوجهه وقال: لعلك تقرأ سيرة النصارى، والله لقد حدثني الثقات عن الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يلبس البرد الحبرة التي هي من أغلى البرود.

    وفي صحيح البخاري في كتاب الأدب: باب التجمل للوفود، وباب اللباس يوم الجمعة أن عمر أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلة سيراء، والسيراء هي: الحلة المنمقة المصنوعة من الحرير، رآها تباع في السوق، وهي حلة لـحاجب بن زرارة التميمي، فاشتراها للرسول عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله! هذه الحلة لتخطب بها يوم الجمعة، وتستقبل فيها الوفود؛ لأن المعروف عند الصحابة أنه يتجمل ليوم الجمعة وللوفود، فقال عليه الصلاة والسلام: {إن هذه لباس من لا خلاق له} والسبب: أنها من حرير، فأقره صلى الله عليه وسلم على الجمال والتجمل للجمعة والوفود، وأنكر عليه كونها حريراً، وهذا في باب اللباس.

    الذنوب ومكفراتها

    {يا عبادي! إنكم تذنبون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم} من حلف أنه لم يذنب في حياته فقد أخطأ، ومن ادعى العصمة فقد زل وضل؛ لأن العصمة لأنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، أما نحن فأبونا آدم أذنب وأخطأ، وخرج من الجنة، لكن عيب عليك أن تقلده في الخطيئة، ولا تقلده في التوبة، وقد قال الله تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135] وقال عز وجل: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53].

    ويقول عليه الصلاة والسلام في باب التوبة في الترمذي: {كلكم خطاء وخير الخطائين التوابون} وفي مسلم: {والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وأتى بقوم آخرين يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم}.

    والذنب كالحتم على العبد، قال ابن تيمية في الرقاق وفي القاعدة العراقية المجلد العاشر: الذنب كالحتم على العبد، مكتوب عليه، لكن على العبد إذا ابتلي بالذنب يتبعه بالمكفرات، والمكفرات عشر ذكرها ابن تيمية في كتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام، من فاتته العشر فقد شرد على الله شرد الجمل الهارب على أهله.

    أولها: الأعمال الصالحة: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114] قال ابن مسعود: { نظر رجل من الأنصار امرأة لا تحل له، فأتى الرسول عليه الصلاة والسلام فأخبره بذلك، فأنزل الله عز وجل: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114] فقال: ألي خاصة؟ قال: لا. بل لك ولكل من عمل بعملك إلى يوم القيامة} والحديث صحيح.

    ثانيها: المصائب المكفرة: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً [النساء:123].

    وفي مسند الإمام أحمد بسند صحيح: {أن الله عز وجل لما أنزل قوله سبحانه وتعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [النساء:123] بكى أبو بكر وقال: يا رسول الله! كيف العمل بعد هذه الآية؟ قال: غفر الله لك، ألست تهتم؟ ألست تحزن؟ أليست تصيبك اللأواء؟ قال: بلى. قال: فلا يصيب المؤمن من هم ولا وصب ولا نصب ولا مرض حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه}.

    وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: {دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك وعكاً شديداً فقلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي} ما ألطف الكلمة! معلم البشرية هادي الإنسان.

    فدىً لك من يقصِّر عن مداكا     فما ملك إذاً إلا فداكا

    أروح وقد ختمت على فؤادي     بحبك أن يحل به سواكا

    إذا اشتبهت دموعٌ في خدودٍ     تبين من بكى ممن تباكى

    قال: {بأبي أنت وأمي يا رسول الله! إنك توعك وعكاً شديداً، قال: أجل إنني أوعك كما يوعك رجلان منكم، قلت: ذلك لأن لك الأجر مرتين؟ قال: نعم} ثم أورد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: {ما من مسلم يصيبه مرض أو همٌ أو غمٌ أو حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من سيئاته} وهذا معلوم.

    الأمر الثالث: دعوات المؤمنين الصالحة بظهر الغيب، والدعوة بظهر الغيب مطلوبة، وقد ورد في الحديث عن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: {لا تنسنا يا أخي من دعائك} ولو كان فيه كلام، فبعض أهل العلم حسنه، وبعضهم ضعفه، لكن صح في مسند أحمد من حديث أبي الدرداء: {خير الدعاء -أو أفضل الدعاء أو الدعوة المستجابة- دعوة مسلم غائب لغائب} وصح من حديث أم الدرداء، وكذلك من حديث خالد بن معدان وغيره.

    ومن المكفرات: صلاة المسلمين على الجنازة، وذلك إذا أخلصوا لله، وكانوا على التوحيد، وجاء في الحديث أنهم إذا كانوا أربعين لا يشركون بالله أو مائة، يشفعون له.

    ومنها: عرق الجبين عند سكرات الموت وفي الترمذي: {المؤمن يموت بعرق الجبين} قالوا: تشتد عليه السكرات حتى يعرق جبينه.

    ومنها: ظلمة القبر ووحشة القبر أعاننا الله على ذاك المصرع!

    والقبر روضة من الجنان     أو حفرة من حفر النيرانِ

    إن يك خيراً فالذي من بعده     أفضل عند ربنا لعبده

    وإن يكن شراً فما بعد أشد     ويل لعبد عن سبيل الله صد

    فهو كفارة عند أهل السنة والجماعة، وعذاب القبر حقيقة في القرآن والسنة، ومن أدلته قوله سبحانه وتعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً [غافر:46] أي: آل فرعون تعرض لهم النار في قبورهم، وقوله سبحانه وتعالى: وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:100] إلى غير ذلك من الآيات.

    وفي السنة ما ثبت في حديث البراء وغيره.

    ومن المصائب: هول العرض على الله سبحانه وتعالى، يوم يبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور.

    ومن الكفارات: شفاعة سيد الخلق عليه الصلاة والسلام، ففي حديث حسن: {شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي} نسأل الله ألا يحرمنا شفاعته!

    والعاشرة: رحمة أرحم الراحمين، يوم تنتهي المكفرات ولا تبقى إلا رحمة الله وعطاؤه وفضله وجوده وكرمه.

    إن الملوك إذا شابت عبيدهم     في رقهم عتقوهم عتق أبرار

    وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً     قد شبت في الرق فاعتقنا من النار

    فلا إله إلا الله! قال ابن تيمية: من فاتته هذه العشر المكفرات فقد هلك هلاكاً بيناً، وشرد على الله كما يشرد الجمل على أهله.

    فيا عباد الله! هذه بعض الفوائد من هذا الحديث فإنه طويل، يحتاج إلى جلسات، وفيه قضايا كبرى، وهو من الأربعين النووية، قال الإمام أحمد: ما أعلم لأهل الشام حديثاً أشرف من هذا الحديث، فهو حديث شريف مؤثر، يتضمن قضية كبرى، وحبذا أن يتدارس في الجلسات وفي الفصول والاجتماعات، وحبذا أن نستشعر معانيه وأن نعيش في ظلاله وفي سجاياه، حبذا أن تتفهم جمله، لأنه قواعد كلية في الإسلام.

    ثم إنني أسأل الله كما جمعنا في هذا المكان أن يجمعنا في مستقر رحمته، وأن يهدينا وإياكم سواء السبيل.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.