إسلام ويب

كيف يذبح الإسلام؟للشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الهجمات المنظمة وغير المنظمة على الإسلام معروفة، والدس والمؤامرات الموجهة ضد الصحوة الإسلامية لا تخفى، وقد طعن الإسلام من جهات متعددة وجوانب شتى، فما ترك العدو باباً يمكنه الطعن في الإسلام منه إلا وجهه، وهذه المحاضرة تذكر بعضاً من ذلك، توضيحاً للحق، وتنبيهاً على الباطل.

    1.   

    الطعن في القرآن

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستغفره ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.. صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    عنوان هذا الدرس: كيف يذبح الإسلام؟

    اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون؛ اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيم.

    إخوة الإسلام.. عباد الله الصالحين: هذه المحاضرة لا بد منها، ولا بد من بيان الطرق التي ذبح بها الإسلام على طول تاريخه الطويل، وهذه الطريقة التي أريد أن أتحدث عنها هذه الليلة هي ذبحٌ للإسلام على الطريقة الإسلامية، وليست على الطريقة اليهودية ولا النصرانية ولا الشيوعية، لكنها ذبحٌ إسلامي بسكين المسلمين، وعلَّي أن أنفذ إلى مسائل يحتاجها الجيل؛ أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بها، وأن يهدينا وإياكم سواء السبيل.

    ولابد للداعية أن يتحدث عن مغابن الشر وخفاياه، والداعية لا يتحدث من نفسه شوقاً إلى الحديث، ولكنه يتحدث مضطراً؛ كما قيل لأحد المحدثين وقد حضرته سكرات الموت كما ذكر الذهبي في السير وقال: كان في سكرات الموت، فسمع رجلاً يقول: حدثنا فلان عن فلان، وهذا الكلام طيبٌ إلى قلبه؛ لأنه في طول حياته كان يعيش على حدثنا حدثنا فاستيقظ وجلس، وأخذ يقول: حدثوني، قالوا: أنت في سكرات الموت، قال:

    سقوني وقالوا لا تغن ولو سقوا      جبال سليمى ما سُقِيتُ لغنتِ

    والبيت هذا لـمجنون ليلى كما قيل، فإنهم قالوا: سقوه الخمر ثم رفع عقيرته يغني، قالوا: لا تغن، قال: تسقوني الخمر ولا أغني؟!

    والمقصود بالبيت: أن طالب العلم والداعية مضطر إلى أن يتكلم اضطراراً عن واقع المسلمين، وعن واقع الأمة، وأن يتقي الله سبحانه وتعالى، وأن يبين للناس الميثاق، قال سبحانه وتعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران:187] وقال جلت قدرته: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:159-160].

    إهمال القرآن

    أيها الإخوة الفضلاء: ذبح الإسلام بعدة سكاكين؛ فذبح في قرآنه، في الكتاب الخالد الذي أنزله الله سعادة للناس كما قال تعالى: طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى [طه:1-3] القرآن الذي جعله الله تعالى حلاً للأزمة الحضارية التي يعيشها الناس.

    كيف طعن في القرآن؟! كيف ذبح كتاب الله؟!

    تصوروا الداهية الدهياء والمشكلة العظيمة التي ذُبح بها القرآن.

    نحن عرب قح.. أنا وأنت ننطق الضاد من مخرجها، ونتكلم العربية الفصحى لكننا بلينا بأنا لا نستطيع أن نجود كتاب الله حتى يأتي الأعاجم، فيدرسوننا كتاب الله، العجم يحفظون القرآن، ويجودون القرآن، ويعلموننا مخرج الضاد، ويؤلفون في ذلك رسائل، ويأتون إلى قحطان، والأزد، ومذحج، ومضر، وربيعة، القبائل العربية التي أنزل الله القرآن بلغتها وقال فيه: قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [الزمر:28] وليس هذا انتقاصاً من الأعاجم فإن الله يقول: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [الأنعام:89] والإسلام هذا ليس صكاً شرعياً للعرب، ولا للأكراد، وليس حقاً فقط للهنود، لكنه للأفغان والعرب والهنود والأتراك والأكراد والتركمان وكل من حمل الإسلام.

    لكني أخبركم بالمشكلة والداهية حتى تتصوروا عظم هذه المأساة: إن طلابنا الآن في المساجد لا يدرسهم إلا أعاجم!

    إن طلابنا جميعاً في المدارس بعد صلاة العصر والمغرب، لا يدرسهم ولا يعلمهم كتاب الله ولا يعلمهم مخارج الحروف، ولا تجويد القرآن -وهو قد نزل بلغتي ولغتك- إلا الأعجمي من أفغانستان وباكستان، هذا هو الأمر الأول.

    تحجيم القرآن وإقصاؤه عن الحياة الواقعية

    الأمر الثاني: أن يحجم وقت القرآن، فلا يدرس إلا في حصصٍ كالضائعة، إما في السادسة، أو في الأسبوع مرة، فيخرج المتخرج بعد ست عشرة سنة، وهو لا يجيد أن يقرأ سورة ولو قصيرة بالتجويد، فلا يعرف القلقلة، ولا الإشمام، ولا الإدغام، ولا الإظهار، وكأنك تحدثه من قاموسٍ ملغىً.

    الثالث: محو القرآن من حياة الناس، فقد أتى هذا القرآن ليقود البشرية إلى النجاة، فجعل القرآن ليقرأ فقط على من به مس، وهو رقية للقلوب، ورقية للأرواح، وللأبصار وللبصائر، وللأجيال، وللشعوب، وللحضارات؛ لأن منزله الله عز وجل: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50].

    أسلم أحد المستشرقين بمعجزة، وسبب إسلامه قال: أول ما فتحت القرآن قرأت في أول سورة البقرة قوله تعالى: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:1-2] فعلمت أنه لا يتحدى إلا من يعلم أنه لا يدخله النقص، ولا يقول ذلك إلا الإله، لأن المؤلفين الآخرين كل مؤلف يبدأ في كتابه المقدمة: وإن وجد نقصٌ فليعذر، ومن وجد فهو من نفسي ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان، ومن وجد شيئاً من خطأ فليصلحه أو يتصل بي، هكذا يقول المؤلفون، أما الله فيتحدى ويقول: (الم) أي: من هذه الأحرف نظمنا وبنينا وقلنا هذا القرآن، لا ريب فيه.

    ثم يقول سبحانه وتعالى في موقعٍ آخر: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:82] ولذلك لا يوجد كتابٌ غير القرآن إلا وفيه أوهام، حتى صحيح البخاري بين شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد الثامن عشر أن في صحيح البخاري أوهاماً، ولست أنزع ثقة البخاري الليلة من صدوركم، لكني أريد أن أصل إلى أن هذا القرآن العظيم نزعت ثقته بطريقة أو بأخرى من الأجيال، فأصبح رقية، وأصبح يفتتح به الحفل، وأصبح يقرأ على الأموات من سورة يس على أن حديثها ضعيف، وعلى أنه لا يقرأ وقت الوفاة لما قال المحدثون، وهذا ليس غرضي، لكن هذا القرآن جاء مُنظّراً للبشرية.

    فذبح الإسلام أولاً في القرآن، ثم عورض بالقوانين الوضعية، فأخذت بعض الشعوب الإسلامية المادة الثانية عشرة من نابليون، والثالثة من هتلر، والرابعة من لينين، والخامسة من القرآن، فما اتفق مع أهوائهم أخذوه، قال سبحانه وتعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة:85] إما أن تأخذ الإسلام جملة أو تتركه جملة، أما أن تأخذ ما يوافق هواك، وترفض ما يعارضه، فهذه خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين.

    1.   

    الطعن في السنة ورواتها

    التشكيك في حجية السنة

    ذبح الإسلام في السنة: بالتشكيك فيها، وأنها ليست بحجة، وأنها ظنية مشكوك فيها باتهام رواتها، واتهم الرواة، هذه ثلاث مسارات في السنة:

    أما التشكيك في السنة: فأول من بدأ بذلك الخوارج، الخلف البدعي عليهم غضب الله؛ فإنهم لا يأخذون من السنة -كما قال ابن تيمية - إلا بما وافق ظاهر القرآن، حتى الرجم لا يأخذونه، وقالوا: ليس في القرآن، ولا نأخذ من السنة إلا ما وافق القرآن أو ما كان أصله في القرآن، فأول من ذبح الإسلام في السنة الخوارج، ثم صار من بعدهم العقلانيون المرتدون المرتزقة يمثلون هذا التيار.

    معمر القذافي حاكم ليبيا ألف الكتاب الأخضر، ونفى في خطبه حجية السنة، وكأنه المقصود والله أعلم كما قال العلماء بقوله صلى الله عليه وسلم: {رب شبعان ريان على أريكته يأتيه الحكم من أمري أو النهي من نهيي فيقول: حسبكم القرآن؛ ما وجدتم من حلال في القرآن فأحلوه، وما وجدتم من حرامٍ فحرموه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه} فرفض السنة، وله مقالات وكتابات يقول فيها: السنة ليست بحجية، بل تهجم على المعصوم صلى الله عليه وسلم، وقال عنه: كان يناسب فئة عربية بادية، أما الآن فتطورت الحضارة، وتطورت عقول البشر، فلا يناسبها كلامه عليه الصلاة والسلام.

    وقالت فئة: ظنية الثبوت وظنية الدلالة، مع أن أهل السنة يأخذون بأحاديث الآحاد في العقائد والعبادات والمعاملات والكليات والجزئيات، وللشيخ الحافظ الألباني رسالة في حجية حديث الآحاد، وهو قول المحدثين وأهل السنة والجماعة، وللأحناف قول لكنه مرفوض، وهو أن حديث الآحاد لا يؤخذ به في العقائد، وهذا معناه أن نلغي كثيراً من الأسماء والصفات التي ثبتت للمولى سبحانه وتعالى بالأحاديث؛ كالضحك وكالعجب، وقد أثبت ذلك أهل السنة والجماعة.

    اتهام الرواة

    ولما عجزوا عن الطعن في ألفاظ الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن ألفاظ المعصوم صلى الله عليه وسلم قوية بليغة فيها إعجاز، ولذلك لا تستطيع أنت ولا غيرك من العباقرة أن يحيك مثلها؛ مثل: {إنما الأعمال بالنيات} من يستطيع أن يحيك مثل هذا الكلام؟! أو: {احفظ الله يحفظك} وقوله صلى الله عليه وسلم: {أوتيت جوامع الكلم} حتى يقول الزبيري قاضي اليمن عن الرسول صلى الله عليه وسلم:

    ما بنى جملةً من اللفظ إلا      وابتنى اللفظ أمةً من عفاء

    يقول: المعجزة فيك أنك تبني حديثاً فتبني بهذا الحديث هذا ملايين من البشر، فما استطاعوا الطعن في حديثه، فطعنوا في الرواة، ومن هؤلاء: أبو رية ألف عن أبي هريرة واتهمه بالكذب.

    وأحسن من دافع عن أبي هريرة عبد المنعم صالح العلي، وهو عراقي حكم عليه صدام حسين بالإعدام غيابياً، وهو يعيش في الإمارات، ويكتب باسم محمد أحمد الراشد صاحب المنطلق ,العوائق والرقائق والمسار، فلله دره، على أن في بعض كتبه ملاحظات لا يخلو منها البشر، لكن على كل حال ألف دفاعاً عن أبي هريرة، ولو رشح كتاب في هذا العصر أن يكون كتاب هذا العصر -أو هذا القرن- لكان كتاب دفاع عن أبي هريرة.

    فذبح الإسلام في السنة المطهرة التي أتى بها المعصوم عليه الصلاة والسلام، والتي هي مكملة للقرآن.

    فإذا سمعت الرجل ينادي بالقرآن فحسب، فاتهمه بالبدعة، فلابد من القرآن ومن السنة، لابد من قال الله وقال رسوله عليه الصلاة والسلام.

    النيل من عصمة النبي صلى الله عليه وسلم

    ذبح الإسلام بالنيل من المعصوم العظيم عليه الصلاة والسلام، ومن جنابه الشريف وتعرض الطاعنون لأخلاقه وسلوكه ولدعوته، فأتوا إلى هذا المعصوم الذي صفاه الله واصطفاه، وزكى الله سمعه وبصره، وقلبه ومنهجه، ودعوته وأخلاقه؛ فاتهموا سيرته عليه الصلاة والسلام، وهناك كتب في الساحة، وكما قال صلى الله عليه وسلم لما مر ببيوت الأنصار، وهم يبكون على قتلاهم في أحد: فقال: {لكن حمزة لا بواكي له} يقول: كلٌ يبكي على شهيده إلا حمزة.

    فقد قلت الغيرة والبكاء على منهج الرسول عليه الصلاة والسلام، مع أن بعض الكيانات إذا طعنت بكلمة من كيانات أخرى قامت الدنيا وقعدت، وخرجت البيانات الرسمية، والنفي القاطع، والدفاع، وقام الإعلام، وقام الخبراء، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم يُنال ويُتعرض له في عرضه عليه الصلاة والسلام وفي منهجه وفي دعوته؛ ولا يغار إلا القليل؛ مع أنه إذا سقطت عدالته المعصومة عليه الصلاة والسلام سقط منهجه في الأرض، ولا يخفى على أحد ما تعرض له عليه الصلاة والسلام من هجمات؛ آخرها ما فعله المجرم سلمان رشدي لا سلمه الله ولا أرشده، وخذله، وأخذه أخذ عزيزٍ مقتدر، والعجب أن تأتي بعض الطوائف المبتدعة، فتعلن الإعدام عليه في منابر يوم الجمعة في طول بلادها وعرضها، أما أهل السنة المعنيون بالأمر، فلا يردون بكلمة، ولا يعترضون بخاطرة، ولا يرسلون برقية، ولا يغضب منهم غاضب، ولا يخطب منهم خطيب، وهو يعرض لإيمانهم ولمسيرتهم:

    أتسأل عن أعمارنا أنت عمرنا     وأنت لنا التاريخ أنت المحرر

    عليه الصلاة والسلام، فهم يصلون إلى هذا في التعرض له صلى الله عليه وسلم ولمنهجه.

    الطعن في الصحابة

    الرابع مما ذبح به الإسلام: الطعن في الصحابة والنيل من عدالتهم وذكر ما شجر بينهم، وتضخيم أخطائهم، وإذا رأيت الرجل ينال من الصحابة فاعرف أنه مبتدع، وأن في قلبه مرضاً، قال ابن تيمية في منهاج السنة: لا يحق دفع الفيء إلى طائفة من الطوائف المبتدعة؛ لأنهم ما اتبعوا الصحابة بإحسان، لأن الله قال في أتباع المؤمنين: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10] وهؤلاء قد نالوا من الصحابة.

    ومن أبناء المسلمين اليوم من ينال من الصحابة الذين زكاهم الله، واختارهم لصحبة الرسول عليه الصلاة والسلام، ترى من عظمة الصحابة أنهم استطاعوا أن يعيشوا مع الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن يقدموا جماجمهم ودماءهم، وأن يحفظوا لنا السنة، وأن يعرفوا المنقول والمعقول، فهم أصدق الناس ألسنة، وأخلصهم قلوباً، وأوضح الناس منهجاً، وأبر الناس وأكرم الناس رضوان الله عليهم.

    قال ابن حجر في الإصابة: والصحابة مزكون عدول كلهم، فإذا رأيت صحابياً فلا تتكلم، فلا تبحث عن ترجمته، فهو من قوم قد رضي الله عنهم وزكاهم، أما غيرهم فيزكيه يحيى بن معين أو أبو حاتم، أو ابن حبان، أو الذهبي، أو ابن حجر، أما الصحابة فلا يتدخل ابن حجر ولا الذهبي ولا ابن معين.

    نيل من الصحابة كـأبي هريرة، وأبي ذر، وألف في أبي ذر كتاب ينسبه إلى الماركسية، كتبه سخروف قبل أن يعلن تمرده على المذهب الشيوعي، تكلم عن أبي ذر بكتاب، وزعم أن أول من تكلم عن النظرية الاشتراكية في العالم أبو ذر وكذبوا لعمر الله، حتى شوقي يقول للرسول صلى الله عليه وسلم:

    الاشتراكيون أنت إمامهم      لولا دعاوى القوم واللأواء

    وهذا خطأ، فليس هو إمام الاشتراكية صلى الله عليه وسلم، وليس إمام الديمقراطية، وإنما أتى بمنهجٍ خالد هو كما قال عنه تعالى:فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم:30].

    ومنهجه صلى الله عليه وسلم كما قال الأفغان في نشيدهم وبلغتهم:

    نامني نظام غربية نامني نظام شرقية

    مصطفى مجتبى حبيبي يا محمدا

    أنا أرفض النظام الغربي، وأرفض النظام الشرقي، ولكني أتبع محمداً المعصوم الحبيب صلى الله عليه وسلم، وإن المسلم ليفخر بهذه التجليات الإيمانية في أفغانستان والجزائر.

    رصيد الإسلام مليون امرأة في الجزائر، قبل جمعتين يذهبن إلى صناديق الاقتراع متحجبات، بعد صلاة الجمعة سبعمائة ألف شاب على مذهب أهل السنة والجماعة في الجزائر يسيرون في طوابير -وهتافهم الخالد يهز العمارات- ويقولون:

    نحن الذين بايعوا محمدا     على الجهاد ما بقينا أبدا

    أليس هذا انتصاراً لهذا الدين وتصديقاً لمن قال: المستقبل لهذا الدين؟!

    دعها سماويةً تجري على قدرٍ     لا تفسدنها برأي منك منكوس

    وسوف يكون لنا مرور على هؤلاء قريباً.

    1.   

    الطعن في تراثنا وحضارتنا

    تشويه التاريخ الإسلامي

    وذلك بالدس فيه، يذبحون التاريخ الإسلامي بالدس فيه، وإخفاء محاسنه، وإظهار المساوئ، وتجد لهم نقمة على التاريخ، جعلوا تاريخنا كتاب الأغاني لـأبي الفرج الأصفهاني، وكتاب المحاضرات للأصفهاني، وكتاب المستطرف في كل فن مستظرف، الذي هو كما يقول بعض الناس: من السرة وما تحت، هذا هو التاريخ الذي يقدمونه للناس في مسرحيات ومسلسلات، ويأتون بثلاثين مجلداً في الأغاني ويقولون: هذا تاريخكم قالوا عن: هارون الرشيد: كان يشرب الخمر، وعنده جوار يغنين له، حتى إذا قرأت ترجمة الرشيد في الأغاني أو في المستطرف تظن أن الرجل ما همه من حين يصبح إلى أن يمسي إلا في شرب الخمر، وفي الغناء والرقص والطبل واللعب.

    هذا الذي دوخ المشرق، وفتح الممالك، ودمر القلاع بلا إله إلا الله، وأقام علم أهل السنة والجماعة، وفتح الفتوح، وجند الجنود، وأخذ العلماء استشاريين، أهذا يكون هالكاً؟! ويأتون بـالمعتصم فينزلونه منزلة كأنه فيها يمزح ويلاعب، وكأنه بطال عاطل ما عنده إلا هذه الهوايات فقط.

    المعتصم الذي دك الجيوش، وأحرق المدن حتى لما كانت عمورية تحترق، احترقت بعدها بساعة مدينة أخرى، كما يقول أبو تمام:

    لما رأت أختها بالأمس قد خربت      كان الخراب لها أعدى من الجربِ

    وهكذا يذبحون التاريخ.

    يقدمون لنا في التاريخ الحجاج، ويقدمون أبا مسلم الخراساني، ويقدمون لنا في التاريخ المستعصم آخر الخلفاء، وكل ضائع أو سفاك أو مجرم.

    أما أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وصلاح الدين وعمر بن عبد العزيز ونور الدين محمود وهذه القائمة البيضاء فيخفونها ولا يبدون إلا تلك، فحسبهم الله! ويظهرون للناس أن هذا هو تاريخكم فاقبلوه، وليس تاريخنا هذا، تاريخنا أجمل من الشمس في رابعة النهار.

    أيضاً أيها الإخوة الكرام: يذبح الإسلام عموماً بوصفه بأقبح الأوصاف، وبأنه لا يلائم العصر، ويقولون: نخشى من الأصوليين أن يرتقوا؛ لأنهم سوف يتطرفون في أفكارهم أو يشددون على الناس، أما العلمانيون والديمقراطيون والشيوعيون فأذكياء وعباقرة.

    أبناء أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، الذي كان يحكم ثلاثة وعشرين دولة من المدينة المنورة لا يصلحون؟! أحفاد هارون الرشيد الذي كان يتحدى السحاب لا يصلحون؟! ويقولون: الإسلام كان يصلح لفترة من الفترات، أما وقد وصل التقدم الحضاري إلى هذا المستوى فإنه لم يعد صالحاً للناس، والله يقول: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85] سبحان من أنزل هذا الكتاب وهذه السنة!

    إن الدنيا لم تعرف الإسلام حتى تجعله حلاً حضارياً لمشكلات البشر؛ لأن الغرب والشرق يرون صورة الإسلام في مسار المبتدعة، أو مسار البعث في بغداد، أو مسار العلمنة، أو مسار الماركسيين العرب، ولا يرون الحل الإسلامي الحضاري ماثلاً أمام الحياة.

    الطعن في اللغة ووصفها بالعقم

    أيضاً طعنوا في اللغة العربية، وذبحوا الإسلام في اللغة العربية، قال حافظ إبراهيم:

    رموني بعقمٍ في الحياة وليتني      عقمت فلم أجزع لقول عداتي

    وسعت كتاب الله لفظاً وغايةً      وما ضقت عن آي به وعظات

    فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة     وتنسيق أسماء لمخترعات

    اللغة العربية عدد ألفاظها 40 مليون كلمة، واللغة الإنجليزية (40 ألف) كلمة، اللغة العربية تستطيع أن تقول في المعنى الواحد عدة مفردات، لكل مفردة مؤديات ومقاصد، مثل: وقف وقام ونحو ذلك من المترادفات، ولكلٍ مدلول وأقول استطراداً: نحن من رداءتنا في العربية نحسب أن الكلام كله مترادف، نقول: (اقعد واجلس) بمعنى واحد، وهذا خطأ عند أهل اللغة، فإنهم يقولون: اقعد لمن كان نائماً، ويقولون: اجلس لمن كان واقفاً، فلا تقل للنائم اجلس، ولكن قل اقعد، وقل للواقف: اجلس، ولا تقل: اقعد؛ لكن نحن أوردناها هكذا.

    أوردها سعدٌ وسعدٌ مشتمل      ما هكذا تورد يا سعد الإبل

    وقال الطاعنون: هذه اللغة العربية ليست لغة صناعة، ولا لغة تكنولوجيا؛ لأنها لا تستطيع أن تأتي بهذه الأمور، قلنا: لماذا؟ قالوا: لأن هناك مستجدات مثل: ميكرفون، مثل التلفزيون، مثل التليفون، هذه ليست في العربية، ولا يعرفها سيبويه ولا ذكرها في الكتاب، فقال العلماء: نحن نستطيع أن نقولها وأن نصوغها بالعربية، والعربية تتحمل، فاتفق المجمع اللغوي في دمشق على وزن: فعَّالة على أكثر المصنوعات فقالوا: سيارة، وطيارة، وحفارة، وحراثة، وسماعة، ونقالة وهكذا، ولذلك ما ضاقت اللغة العريية أبداً؛ لكنهم يريدون أن يطعنوا فيها حتى لا تصلح.

    وأول من طعن طه حسين؛ لأنه من مدرسة غربية فرنسية ينادي باللغة العامية، يقول: لابد من الكتابة باللغة العامية، فالصعيد يتكلم بلغة الصعيد، وأهل نجد بلهجة نجد، وأهل الجنوب بلغة أهل الجنوب والشمال بلغة أهل الشمال، فلتكن الكتابة كذلك.. يريد إضاعة اللغة العربية والقضاء عليها، لكن الله حفظها بالقرآن والسنة فله الحمد سبحانه والشكر.

    1.   

    الطعن في الأمة وحربها بشتى الوسائل

    الطعن في العلماء والدعاة

    مما ذبح به الإسلام: الطعن في العلماء والدعاة، ووصفهم بالتخلف والتزمت وضيق النظرة.

    وهذه سهام ترشق صباح مساء على العلماء والدعاة، فيقال: لا يعرفون، لا يجيدون، متطرفون، أصوليون، فضوليون، سبحانك ربي! أما المجرم العميل الذي يحارب الله ورسوله، فلا أدري ما أقول عنه.

    وأما العلماء فدائماً تعلق عليهم هذه الشعارات حتى يُحارب الإسلام؛ لأن مصادر التلقي عندهم أهل العلم، فإذا أُبطلت عدالتهم.. فمن نقبل؟ ومن سيفتي؟ ومن يعلّم؟ من يرشد الناس وينصحهم؟

    إذا أميتت عدالة أهل العلم والدعوة ضاعت الأمة.

    الحرب النفسية على المسلمين

    إن الهزيمة النفسية تعمق في قلوب المسلمين، فيرى المسلم أن الغالب والقوي والمصنع والمخترع والمكتشف غيره، أما هو فلا يستطيع أن يقدم للبشرية شيئاً، نحن نعيش أزمةَ هزيمةٍ نفسيةٍ، حتى تجد أننا ننظر للغرب والشرق أنهم دول غالبة، مثل دول الفيتو، التي هي دول كافرة، ولها حق النقض، وهي دائمة العضوية، وهي التي تورد وتصدر، أما الدول الإسلامية، فكما قال الأول:

    ويقضى الأمر حين تغيب تيمٌ      ولا يستشهدون وهم شهودُ

    فيعترضون فلا اعتراض، ويوافقون فلا موافقة، إن وافقوا أو اعترضوا، إن غابوا أو حضروا، فنحن ننظر الآن بهزيمة نفسية أننا لا نستطيع أن نفعل مثلما فعل هؤلاء، صنعوا، وأنتجوا، وينظر الناس حتى بنقصٍ في التوحيد أنهم لا يُستطاع أن يغلب هؤلاء ولا يُستطاع عليهم؛ حتى يشك أحدهم في القدرة الإلهية، ويأتي الأطفال فيقولون: هل يستطيع الله أن يغلب الاتحاد السوفيتي؟!! سبحانك! الله يدمرهم بأسلحتهم، وفي وقتٍ من الأوقات أبادهم الواحد الأحد، قال: وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21] يقول أحد العلماء: إن انهيار الاتحاد السوفيتي كان تحت مظلة آية: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام:110] فهو الذي يغير ولا يتغير، ويبدل ولا يتبدل، وأكثر ما رشقت به الأمة أن الأطفال في البيوت يتربون على هزيمة نفسية، فيتصور أن هذا الكافر لا يغلب، وأنه المخترع، أما المسلم فلا يستطيع أن يخترع ولا أن يكتشف، ولا يقدم ولا ينتج.

    ونحن الذين فعلنا بأنفسنا ذلك، لم نقدم صراحة للبشرية في الفترة الأخيرة إلا ما رحم ربك، لا في دينها ولا في دنياها، الواجب أن نكون نحن المؤثرين في الغرب والشرق، لكن غزينا في عقر دارنا، وأصبح المبشرون في كل جهة؛ في المستشفياتِ، والمدارس، والمصحات، والمعامل، والمؤسسات، والشركات، فنشكو حالنا إلى الله.

    دس المستغربين في مؤسسات المسلمين المختلفة

    أيضاً أيها الإخوة: مما ذبح به الإسلام إيجاد نخبةٍ مستغربة الفكر، أجنبية العقل، تخلع هالة المعرفة عليها والثقافة والذكاء، وترطن بلغة الأجنبي، وتزعم الذكاء والعبقرية.

    وبالمناسبة فإن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في اقتضاء الصراط المستقيم: يرى التكلم باللغة الأجنبية لغير حاجة بين العرب المسلمين علامة من علامات النفاق؛ لكن بالضوابط، ولا تحملوا كلامي على غير محامله، مثلما حمل خطاب الشيخ ابن باز الذي دافع فيه عن الدعاة على غير محله؛ فذهب الناس، وقالوا: ابن باز يرشق الدعاة، ابن باز يرد على الدعاة، ابن باز يحذر من الدعاة، وهو يذب عن الدعاة، وأنا وإخواني من طلبة ومشايخ ممن كانوا حضوراً يعرفون ماذا يريد الشيخ.

    فلا تحملوا كلامي على غير محمله، فتنقلوا عني وتقولوا: يقول لنا: من يتعلم الإنجليزية منافق، أنا لا أقول هذا.. اسمعوا العبارة، يقول ابن تيمية: من تحدث بلغة أجنبية بين المسلمين العرب دون حاجة فذلك من علامات النفاق؛ يعني: عند أمه وفي البادية في خيمة وعند جده، يقول: good buy يعطيه أبوه الشاي، وهو لا يعرف نواقض الوضوء فيقول: thank you فهذا علامة النفاق، أي: أنه معجب بأولئك، وأنه مجمرك، هذا مقصود ابن تيمية، ألا يكون الإنسان ملغماً من داخله لأنه علامة النفاق، بل يكون معتزاً بالعربية الفصحى، قائماً على لغة القرآن، محترماً للمبادئ، يحمد الله أن جعله من أمةٍ فصيحة، أمةٍ عربية معطاءة، لا أدعو إلى القومية لكن إلى لغة القرآن.

    هذه النخبة المثقفة ترى نفسها أنها هي التي تجيد تسيير الأمور، وأنها هي الصالحة، وأن عقليتها متفتحة، وأما العقليات المغلقة فهي عقليات الدعاة وطلبة العلم والملتزمين، هؤلاء أهل اللحى والثياب القصيرة لا يستطيعون أن يفهموا، ولهم فهمٌ خاص، فالغربي أوجد هذا، وفرضه على المسلمين في نواديهم، وفي مجامعهم، وفي أماكنهم، وفي قراراتهم، حتى سيرت الأمة كما شاء الغربي.

    إشغال عامة المسلمين بالمعيشة فحسب

    ومما ذبح به الإسلام إشغال عامة المسلمين بالمعيشة فحسب؛ من طعامٍ وشرابٍ ومسكنٍ وزواجٍ ووظيفة، فلا تجد من يفكر في هموم الإسلام إلا قليلاً، يشعرون المسلم منذ أن يصلي الفجر وهو في همومه، من ورشته إلى بيته، إلى طعامه، إلى ثلاجته، إلى أطفاله، يشتري ويأكل، ويبني ويسكن، عنده عمارات، وعنده دور، وعنده دخل، وعنده فلوس، همه المعيشة فقط، وليس معنى ذلك أني أدعو إلى التجرد من الدنيا وتركها والانقطاع والرهبنة، لكن إلى الاعتدال، فإن أمر الله أعظم، فلابد من التضحية في سبيله، الصحابة برعوا وتاجروا وجاهدوا، لكن أعظم قضية عند الواحد منهم لا إله إلا الله، بالله عليك كيف يصبح أبو بكر الصديق؟! تظن أنه يتفكر في بيع الجمال والبقر؟ إنه كان يتفكر ماذا يقدم لهذا الدين، ما هي الوسيلة التي ينصر بها دين الله، والآن الملايين المملينة من العالم الإسلامي يعيشون في هامش المعيشة، حتى ضيق على العالم الإسلامي في معيشته ودخله، فأصبح يطارد اللقمة من مكان إلى مكان، حتى لا يشتغل فقط إلا بأطفاله ومعيشته وسياراته، ولا يتحرك للدين، ولا يخدم مبادئ الله عز وجل، ولا يعلم كيف يصلي الصلوات الخمس ويصوم رمضان، ويعتمر ويحج، تمر به الأيام والأشهر، ولم يقدم للدعوة شيئاً.

    أنا أعرف أن الأمة ليست كلها خطباء ولا دعاة ولا محاضرين، لكن فليذيعوا الشريط، ولينشروا الكتيب، تبرع، ابن مسجداً، شد من أزر الدعاة، ادعُ لهم بظهر الغيب، ذب عن أعراضهم، حاول أن تستخدم مهارتك أو قوتك التي منحك الله في نصرة الإسلام، إذا أتيت لتنام فاسأل نفسك: ماذا قدمتُ للإسلام في هذه الليلة؟ إن المستعمر نجح نجاحاً باهراً في ذبحه الإسلام حين جعل العامة يشتغلون بأنفسهم ولا يشتغلون بالإسلام.

    1.   

    طرق أخرى يذبح بها الإسلام

    شغل الطالب بالجزئيات

    الثاني عشر: ذبح الإسلام في أن أشغل الكافر المبتدئين في طلب العلم بجزئيات المسائل؛ كيف تفرغون الطاقة والجهد في هذه الأمور على حسب الكليات.

    فيتركون أصول المسائل، والقواعد العامة، وينشغلون بالجزئيات، وقد جعل ابن القيم مداخل الشيطان ستة مداخل:

    يسعى الشيطان أولاً إلى أن يكفر العبد، فإن لم يستطع رماه بالبدعة، فإن لم يستطع ابتلاه بالكبيرة، فإن لم يستطع فبالصغائر، فإن لم يستطع أرهقه بالمباحات، فإن لم يستطع أشغله بالمفضول عن الفاضل.

    ومن جزئيات المسائل: تحريك الإصبع في الصلاة، وهي سنة لا بد أن نفهمها ولا بد نعيها، لكن يا إخوة لا تؤخذ المجالس كلها في تحريك الإصبع، نأتي إلى مجتمعات بعضهم لا يصلي، وبعضهم ينتشر فيهم الزنا، وبعضهم الربا، فنشغلهم بتقصير الثوب، فهذا غير سديد، لا بد أن نخبرهم أن تقصير الثوب سنة، وأن تطويل الثوب على الكعب حرام، لابد، لكن كم تأخذ منا المسائل الكبرى.

    الرسول عليه الصلاة والسلام يرسل معاذاً إلى اليمن فيخبره بالكليات والقواعد العامة ويقول: {ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا أجابوك وأطاعوك، فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة}. فنصيحتي أن نفعل مثلما فعل أحمد بن حنبل وابن تيمية، نجتهد في الكليات والأصول، ونعطي الجزئيات حقها وحجمها، لا نضيعها ونهملها، ولا نعطيها أكبر من حجمها.

    يا أخي.. الإسلام ينتهك في العالم طولاً وعرضاً، المسلمون يذبحون، أجهزة الإعلام في العالم تهاجم العلماء، وتهاجم الإسلام والقرآن والسنة، وأنت في مسجد في قرية تلاحق جماعة على مسألة تحريك الإصبع وجلسة الاستراحة، وبينك وبينهم شجار ومجلس وأخذ وعطاء وردود، كتب في التصوير أكثر من خمسين مؤلفاً صغيراً وكبيراً.

    فينبغي ألا نشغل المسلمين ولا نشغل الأمة بهذه القضايا الجزئية التي بعضها متهالكة أكل عليها الدهر وشرب، سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: لم لم تؤلف في الفروع كتاباً؟ قال: مسائل الأصول أهم؛ لأنه يريد منهجاً ربانياً يقوم الأمة عليه.

    انصراف العلماء إلى الترف العلمي

    الثالث عشر مما ذبح فيه الإسلام: انصراف كثيرٍ من العلماء إلى مسائل ثانوية من الترف العلمي، ككثرة الشروح لمتنٍ شرح عشر مرات، واستحداث إشكالات وافتعال معارف كلامية لا وجود لها في أرض الواقع.

    صراحةً ما مثلنا ينقد لكن ننقل ما قاله بعض العلماء الفضلاء: إن كثيراً من أهل العلم اشتغل في بعض الأمور والشروح والأمة تضيع، يعني: قد تجد بعضهم في بيته يشرح متناً في الفقه قد شرح عشر مرات، فيتكلم عن المسألة، ثم يشرحها، ثم يحدث عليها إشكالات، ثم يكتب على الحاشية حاشية، والشباب والجيل والنساء والأمة تضيع، ولم يخرج إليهم ولم يجلس معهم، والترف العلمي لم يكن من هدي الصحابة، كان عمار إذا سأله السائل عن مسألة يقول: أكان هذا بعد؟ فإذا كان تجشمناه لكم، أي: قال: لا، قال: إذا وقعت تطوي الشمل إليها، إذا وقعت حللناها، وقال بعض السلف: نحن بما وقع أشغل منا بما لم يقع؛ وبعضهم الآن يتحدث عن المهدي المنتظر، من أين يخرج؟ وبعضهم رد برسالة قالوا: أدنى الأرض هل هي غور الأردن أو جزيرة العرب؟ قال أحدهم: غور الأردن، وقال الآخر: جزيرة العرب ما الفائدة؟! يقول سبحانه وتعالى في القرآن: فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ [الروم:3] بحيرة طبرية متى تجف؟ وأين نخل بيسان؟ ومن أين أتى فيل أبرهة؟ هل أتى من السروات أم من تهامة؟ وسوق عكاظ هل هو قريب من ذي المجاز أم بعيد عنه بخمسة كيلو؟ وجدة هل هي جَدة أم جُدة أم جِدة؟ وجازان هل هي جازان أو جيزان؟ هذه مسائلهم، يستحدثون بها الاشكالات.

    والحمد لله قد أخبرونا أن عكاظاً في الجزيرة ليس في قبرص ولا في البرازيل، إذاً فدعونا نقرأ الكتاب والسنة وننقذ البشرية، وهذه مسائل مستهلكة أكل عليها الدهر وشرب، هذه مقصودها استهلاك وقت العلماء ووقت المفكرين، العالم الغربي يصنع وينتج ويدير القرار، ويحرك الاقتصاد في العالم، ويحرك المشاريع، والقرار يؤخذ ويُعطى، وتحرك به ملايين، وأنت تعلمنا موقع سوق عكاظ؟ من أين أتى أبرهة؟!!! أبرهة أتى بفيل، أهلكه الله ودمره والعظة أن التوحيد انتصر، والكفر هلك، بعض المفسرين الأوائل مثل صاحب تفسير الخازن يقول: كلب أهل الكهف قيل مبرقشٌ أسود، وقيل: أحمر على عينيه نقطتان، والأربعة الطيور التي أخذها إبراهيم قالوا: باز وبطٌ ودجاجٌ وحمام، أقول: يا أخي.. ما عليك بط ووز، لسنا في حديقة الحيوانات، الله عز وجل أخبرنا بأربعة طيور، وأخبر بالكلب، والمقصود العظة من القصة، ولو كان فيها مصلحة ما تركها سبحانه وتعالى ولكان ذكرها، فلا ينبغي إشغال الأمة بتفاهات وبخلافيات تمزق وقتها عليها.

    التخويف من الإسلام

    أيضاً مما ذبح به الإسلام: تخويف الرأي العام من الإسلام، ووصفه بالمارد الجبار، الذي سوف يحرم على الناس كل شيء ويشقيهم، ويدخلهم قفص الأوامر والنواهي، قرأت مقابلة في الشرق الأوسط مع أحمد آية زعيم الحزب الاشتراكي في الجزائر أهلكه الله ولا سلمه، والحمد لله خرج من مظاهرة ستين ألفاً والملايين المملينة تريد الإسلام، يقول: أخشى من هؤلاء أن يحرموا كل شيء، عليك غضب الله! يحرمون كل شيء وهم أتباع محمد صلى الله عليه وسلم الذي: يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157] أنت تريد أن تشرب الخمر دائماً، هم يقولون: لا، كلوا الطيبات واتركوا الخبائث، فيحذرون المسلم منها، قال: هؤلاء سوف يسفكون الدماء، ويقيمون المشانق، ويفتحون السجون، وما علم أن الإسلام رحمة، قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] فيتخوف الرأي العام، حتى إن الناس الآن يخافون من الملتحين، حتى من أبناء المسلمين، بسبب ما يشيعه عنهم الإعلام الغربي إذ يقول: المتطرفون في الجزائر يقومون بمظاهرة، المتطرفون في أسيوط يخرجون بعد صلاة الجمعة يكبرون، المتطرفون في السودان يطالبون بالحكم الإسلامي، فمن يحكم عليهم بالتطرف؟ أتباع محمد صلى الله عليه وسلم يريدون الحل الإسلامي الحضاري يقدمونه للناس، بدل الحثالات البشرية التي تجمعت في عصابات تحكم الناس في ضمائرها ومعتقداتها.

    فخوفوا الناس من الإسلام، وخوفوهم من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وهم أهل الرأفة والرحمة.

    تعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    الخامس عشر: تعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة أنه تدخل في حريات الناس الشخصية وإثارة للفتن.

    قرأت في صحف الكويت وهي ما زالت عندي في الملف، في العدد (16) لـ صوت الكويت، قالوا: القطان والبلالي يأتونا بهرطقات عندما يقولان: إن اعتداء صدام علينا بسبب معاصينا.

    ويقولون: هيئات الأمر بالمعروف جهازٌ بوليسي يطارد الناس في حرياتهم، ثم يأتون بقصص مفتعلة على الهيئات، قالوا: رجل الهيئة يدخل رأسه من السيارة ويقول: يا فاجرة أنتِ زوجة الرجل هذا؟

    وهل يستطيع أحد أن يقول هذا؟! رجال الهيئة يتدخلون في حريات الناس، يطاردون عباد الله!

    إنهم يفتعلون هذه الأمور حتى يخوفوا الناس، يقولون: صلّ ولا تتحدث لأحد، بمعنى: أن المنكر من صلاحيات الناس، ليس من صلاحياتك أن تنهى وأن تأمر.

    إنه يوم أن تترك الأمة النهي والأمر تموت.

    قال ابن تيمية في المجلد الأول: لا بد للعبد من أمرٍ ونهي، وأنا لا أدري ماذا يريد الشيخ ابن تيمية، إن كان يريد لا بد للعبد من أمرٍ ونهي أن يكون مأموراً ومنهياً، فهذا صحيح، وقد ذكره في مواضع، يقول: لا بد للعبد في الحياة أن يكون مأموراً من الله منهياً منه سبحانه وتعالى، ومن رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن الإنسان لا يترك سدى، وقد يريد به أن يكون آمراً وناهياً آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، والوجهان صحيحان إن شاء الله.

    امتصاص دماء الشعوب في معارك معينة

    السادس عشر: امتصاص دماء الشعوب في البلاد الإسلامية في ثورات ومعارك يستفيد منها غيرهم.

    فما أضعف الشعوب الإسلامية! في تركيا قدموا بركاً من الدماء وخزانات، ثم أتى مصطفى أتاتورك الرجل الصنم عليه غضب الله، فلوى عنق الإسلام، وأخذ المصحف وداسه أمام البرلمان، وأخذ امرأة متحجبة من حزبه، ودعاها أمامه، ثم أخذ حجابها وقطعه أمام جزمته، وقال: لا حجاب بعد اليوم، وألغى اللغة العربية، وأغلق المساجد، وأدخل خيوله وبغاله في المسجد الأعظم في اسطنبول والشعب المسكين يريد الإسلام، فهو بلد مسلم، منهم محمد الفاتح.

    يريدون لا إله إلا الله محمد رسول الله، فقال لهم مصطفى أتاتورك: قدموا دماءكم وانصروا دين الله، فقاموا وحاربوا، فلما سفكت دماؤهم استغل الفرصة هو.

    الباكستان أرض محمد عرب وأبي الأعلى المودودي ومحمد إقبال.

    نفسي فدتك أبا الأعلى وهل بقيت      نفسي لأفديك من أهلٍ ومن صحبِ

    أما استحى السجن من شيخٍ ومفرقه      نور لغير طلاب الحق لم يشبِ

    فلما أتى محمد علي جناح أخذ مقاليد الحكم ورفض الإسلام.

    ابن باديس في الجزائر رحمه الله، من مدرسة السلف الصالح، ومن مدرسة أهل السنة والجماعة، والجبهة من مدرسة عبد الحميد بن باديس فهو الذي درسهم وعلمهم، فسر القرآن في خمس وعشرين سنة في جنوب الجزائر، حتى كانوا يأتون له في يوم التفسير -أظنه مساء الجمعة- على البغال والجمال من أنحاء الجزائر ودرسهم، فلما انتهى من سورة الناس بعد خمس وعشرين سنة، قام وبكى أمام الألوف المؤلفة، وقال: ليس المقصد من تفسيري لكم القرآن أن تكونوا نسخاً متكررة ميتة، إنما مقصودي أن تدمروا فرنسا، فقاموا يكبرون من المسجد، وخرجوا يقولون:

    نحن الذين بايعوا محمدا     على الجهاد ما بقينا أبدا

    فذبحوا الفرنسيين على الطريقة الإسلامية، ولذلك يقول ميتران قبل أربع ليالٍ: إنني لا أستطيع أن أتدخل في الجزائر، لقد علم أنه لا يستطيع لأن الشعب مسلم:

    إن بني عمك فيهم رماح

    ولو كان في غير الجزائر لتدخل؛ لكن الجزائريين أمرهم معروف، وشجاعتهم، ومروءتهم وحزمهم معروفة.

    والآن بعد طرد الفرنسيين من أولى أن يسير البلاد بالكتاب والسنة؟ لقد جاءوا بجوار رجل اسمه محمد خروبة، كان مجرماً سفاكاً فأتوا به فوضعوه، فسفك دماء الإسلاميين، وشنق العلماء، وقتل الدعاة، وفتح الزنزانات، هذا جزاء الشعوب.

    ثم يقال للإسلام: نعم في المسبحة، ونعم في السواك، وفي صلاة الاستسقاء، وفي القراءة على المصروع، أما في تسيير الأمة فلا.

    فصل الإسلام عن الحياة

    السابع عشر: ركن الإسلام عن الحياة وأخذ الإسلام كشعارٍ يبارى به وينافح، والإيمان به في مسائل معروفة فحسب.

    وهناك بعثي تسمعهم يقولون عنه في الأخبار: وقد حضر صلاة العيد، وهناك بعثي آخر يقولون عنه: حضر المولد النبوي الشريف.

    يا عدو الله تذبح ثلاثين ألف في مسلم في حماة وتحضر المولد؟!

    إن رداء الإسلام الذي يحملونه شعار ولافتة فقط، ولكن الله سبحانه وتعالى يظهر الخبايا، والله سبحانه وتعالى كما قال: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء:142].

    فالإسلام يركن من التعامل والفاعلية والتأثير إلى أن يصبح شعارات وكلمات رنانة براقة تذهب بها الريح، قال: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد:17].

    وهذا صدام لما أتت أزمة الخليج ادعى العودة، وجمع العلماء، وأخذ يبكي في المحاضرات، وأخذ يصلي أمام الناس، يصلي ليخدع الناس، وهو الذي قتل العلماء وشنقهم وطردهم في مشارق الأرض ومغاربها، وغيرهم كثير.

    إرعاب العالم من كلمة الجهاد

    الثامن عشر: إرعاب وإرهاب العالم من كلمة الجهاد وأنها همجية وبربرية وإزهاقٌ للأنفس.

    الطائرة الأمريكية التي أسقطت، وبعض الناس اتهموا بها الليبيين، وهم لا يفعلون ذلك حماهم الله، فقالوا: هم الذين أسقطوها، حاولوا قالوا: قدموا لنا الجناة لا بد أن نحاكمهم، يقول القذافي في بعض مقابلاته الصحافية: إن لم تقف أمريكا وبريطانيا وفرنسا عن تهديدي فسوف أربي لحيتي وأكون أصولياً منذ اليوم، يقول: إن كانوا سيعقلون، وإلا سوف أطلق لحيتي وسوف أقود الأصولية؛ لأن الأصوليين يقولون: بايعونا في سوق الخضار، لا بل في سوق الجنة، وقد قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ [التوبة:111].

    لما احتل الشيوعيون كابل كان هناك عمال في طهران، من أهل السنة أفغان، وهذا الخبر بث في هيئة الإذاعة البريطانية، سمعوا الخبر، فماذا فعلوا بعد أن سمعوا أن الشيوعيين أخذوا الحكم في كابل، توجهوا مباشرة بالفئوس والمعاقل إلى السفارة الروسية فهدوها، ثم أخذوا علم روسيا فأحرقوه، ثم أخذوا يدورون في السفارة يقولون:

    نحن الذين بايعوا محمدا      على الجهاد ما بقينا أبدا

    وقد علموا العالم الإسلامي درساً من أعظم الدروس في حياة الشعوب.

    فأعداء الإسلام يرهبون الناس الآن من كلمة الجهاد، ويقولون: الآن انتهى وقت الجهاد والمقاتلة بين الشعوب، والآن الموافقة سلمية، واتفاق إنساني، ووفاق دولي، ولا يجوز للإنسان أن يرفع كلمة الجهاد؛ لأنها تزلزلهم وتخيفهم، ولا بد من الجهاد، ولا تحيا الأمة إلا بالجهاد، وقد روى أحمد رحمه الله في المسند وصححه ابن القطان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {إذا تبايعتم بالعينة، وتركتم الجهاد، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم} ومعنى الحديث يقول: إذا فتحتم مكاتب عقارية، وتركتم رسالة الإسلام، وانشغلتم في زراعة البطاطس والبقدونس فقط، وتركتم الرسالة الخالدة، وأخذتم أذناب البقر في الحراثة والزراعة -وهذه لا نبطلها لكن بقدر- سلط الله عليكم ذلاً، وقد حدث هذا في كثير من أنحاء العالم الإسلامي.

    فصل العالم الإسلامي عن بعضه

    التاسع عشر: فصل العالم الإسلامي بعضه عن بعض، وإيصاله إلى تمزقٍ لم يعهد مثله في التاريخ، وجعله دويلات متناحرة.

    ففي كل بلدة تسمع الحرب والانقلابات، دويلات صغيرة، وفي كل مكانٍ أمير المؤمنين ومنبر، يقول الشاعر:

    مما يزهدني في أرض أندلس      ألقابُ معتصمٍ فيها ومعتضدِ

    ألقاب مملكةٍ في غير موطنها      كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسدِ

    دولٌ أكثر من التراب، ولا تأتي إلا في ولاية من ولايات أمريكا، خمسة وعشرون دولة ما تأتي مثل جمهورية من جمهوريات روسيا، إما أذربيجان، أو كازاخستان، أو روسيا البيضاء، ولذلك بريطانيا لما استعمرت العالم العربي جعلت بين كل دولة ودولة مشكلة، لا تخرج إلا وتضع في الحدود مشكلة حتى يتقاتلوا عليها كل يوم، فمشكلة بين حدود مصر وليبيا، وبين السودان ومصر وبين العراق والأردن، وبين الأردن وسوريا، وهكذا مشكلات وحروب طاحنة، فتمزيق العالم الإسلامي في دويلات مقصود، وإلا فالعالم المسلم ليس له حدود، وجنسيته الإيمان، وهويته لا إله إلا الله، وبلاده كل أرضٍ أشرقت عليها شمس الرسالة.

    كبت الصوت المسلم

    العشرون: كبت الصوت الإسلامي في مجال التأثير والفاعلية.

    فكأنه يجوز لكل أحدٍ أن يتكلم وأن يكتب وأن يحاضر، إلا الصوت الإسلامي، يقول شوقي:

    أحرامٌ على بلابله الدوح      حلالٌ للطير من كل جنسِ

    نفي إلى أسبانيا، وأخذ ينشد من هناك ويقول: تطردوني من مصر وأنا من أبناء مصر؟! يقول:

    أحرام على بلابله الدوح      حلالٌ للطير من كل جنسِ

    تسمع كل الأصوات إلا أصوات أهل العلم والدعوة يريدونها أن تكبت وأن تخفت؛ لأن أهل العلم والدعوة يقولون الحق ويصدقون، ولأنهم لا يخافون في الله لومة لائم، وأعظم شيء أنهم على منهجٍ رباني.

    التضييق على الرؤية الإسلامية في الاقتصاد

    الحادي والعشرون: عدم إعطاء الاقتصاد الإسلامي الفرصة ليقدم الخيار، ولينقذ الناس من ورطات الربا، وجعل الربا هو الأصل.

    فالآن جعلوا الربا هو الأصل، وجعلوا الاقتصاد الإسلامي هو المستثنى، فأصبح في العالم الإسلام البنوك الربوية طولاً وعرضاً، وأصبح الربا مفروضاً على الناس، وأصبح بعض المنتسبين للإسلام الآن إذا أقنعته بأنه محرم قال: نحن لا نستطيع أن نعيش إلا بالربا، لا بد من الربا.

    سبحان الله! شريعة بعث بها محمدٌ صلى الله عليه وسلم حلت شئون العباد والبلاد صغيرة وكبيرة إلا مسألة الربا؟ حاشا وكلا! وألف حاشا! بل أتى صلى الله عليه وسلم بها، وجعل لها حلاً عليه الصلاة والسلام، لكنه ما قدم الخيار في الاقتصاد الإسلامي، وفرض على الناس الربا فرضاً، وتورطوا في الربا، وأصبح الواحد يأكل من غبار الربا إن لم يأكل منه.

    إلقاء التهم على الملتزمين

    الثاني والعشرون: وصف المستقيمين بالتطرف والتزمت والتشدد.

    أنا الآن أقف أمامكم، وأنا أسألكم بالله العلي العظيم إذا كانت مدرسة أحمد بن حنبل؛ مدرسة أهل السنة والجماعة، ومدرسة ابن القيم، ومدرسة ابن تيمية، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، المدرسة الإسلامية التي بعث بها محمد صلى الله عليه وسلم متطرفة متشددة متزمتة، ففي من يكون العدل؟! وفي من يكون الإنصاف؟! وفي من يكون التوازن؟! هل سمعتم أحداً ممن مكن في العلم وقامت قدمه يكفر مسلماً؟ هل سمعتم عالماً أو داعية يحرم حلالاً؟ تشويه، متطرفون، متزمتون، متشددون.

    أسألك بالله أليس شرفاً أن تكون متبعاً لمحمد صلى الله عليه وسلم؟!

    والتعليقات الآن عند الرأي العام على الملتزمين فقط.

    وتجد الآن من يخالف السنة، أو يشرب الخمر، أو يشتغل بتناول المخدرات أو يكون مروجاً لها أو يسمع الأغنية المحرمة التي أجمع أهل العلم على تحريمها أو يسهر الليالي الحمراء، أو يضيع وقته، أو لا يحضر صلاة الجماعة، أو يهجر القرآن، أو يحلق لحيته، أو يطيل ثوبه، ومع ذلك لا يجد لائمة من الرأي العام، لكن الشاب الملتزم بسبب تغير وانتكاس المفاهيم، وعدم عقلانية الناس إلا من رحم ربك؛ حين يحافظ على الصلوات الخمس، ويقصر ثوبه، ويترك لحيته؛ لأنه يحب القائمة البيضاء، محمداً وأبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، والله الذي لا إله إلا هو لولا هذه القائمة بعد الله كانت أنوفنا في التراب والطين.

    هل عندنا تاريخ غير محمد صلى الله عليه وسلم وهذه القائمة؟! بهم نباري الأمم، لا يستطيع أحد منهم أن يقول كلمة يستنقص بها واحداً منهم؛ حتى أرغمت على الحقيقة أنوفهم إرغاماً.

    هارف في كتابه الأوائل يقول -وقد كررت قوله وأكرره والحقيقة تفرض نفسها-: أجدني مضطراً أن أقول: إن العظيم الأول في العظماء المائة في العالم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف لا نباهي الناس ولا نفتخر أننا من أتباعه؟! لكن تجد الشاب يأتيني أو يأتي غيري من الإخوة الدعاة قال: والله يا أخي! أنا والله خجلان أريد أن أطلق لحيتي، لكن أبي وإخواني يستهزئون بي وفي جزيرة العرب أو في البلاد الإسلامية عموماً يستهزئون بك، قال: وأنا أريد أن أقصر ثوبي، لكن إخواني والجيران ربما يضحكون علي في المجالس، سبحان الله!! يضحكون عليك لأنك اتبعت الرسول صلى الله عليه وسلم؟! أصبح هؤلاء هم المعنيون بالتعليقات المرة التي لا يستحي منها أصحابهم، والله العظيم إنه لشرف لنا وللمسلمين أن يرى الإنسان هذه المسيرة.

    يخبرني أحد الدعاة المشهورين يقول: رأيت في الجزائر مسيرة خرجت بعد صلاة الجمعة، قال: وإذا هم على منهج أهل السنة والجماعة، اللحى والثياب والزي الإسلامي، قال: فبكيت والله حتى سالت دموعي من رأس لحيتي، ومن يستطيع ألا يبكي؟! أنا سمعت أحدهم في هيئة الإذاعة البريطانية فيسألونه واسمه عبد القادر، يقولون: إنكم سوف تكونون مصدر شقاء للشعب الجزائري؟ قال: سبحان الله، الدين الذي أنزله الله سعادة للبشر أيكون شقاءً للإنسان؟! يقول سبحانه وتعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50] أي أن الأفكار الغربية والشرقية المستوردة هي شقاء للإنسان والشريعة الإسلامية هي السعادة، وكيف لا يفرح العبد حين يرى الألوف المؤلفة اتجهت إلى الله عز وجل، وصلَّت وكبرت، وأحبت محمداً صلى الله عليه وسلم؟! لكنها التربية الماكرة التي صنعها العميل من وراء الستار، وأخرجها للناس، وجعلها هي الحل، وجعلها هي الأصل، وجعل غيرها طارئاً عليها.

    ما كنت أظن حتى في المجتمعات القبلية أنهم يلومون الشباب إذا اقتدوا بالسنة، المجتمعات التي كان الواحد منهم إذا قال له: تعدني أن تأتي؟ قال: نعم، قال: ماذا بيني وبينك؟ قال: هذه وجعل يده على لحيته، وإذا قال له في أمر جعل يده على لحيته، معناها: قطع الرءوس ودون ذلك خرط القتاد، إذا وضع يده على لحيته، فهي الخطورة القصوى التي لا بد أن تنفذ، يقول أحدهم: إذا ما تم هذا الأمر فاحلقها فيقول: لا. مصانة مكرمة، والآن تحلق مجاناً، معذرةً لا أريد جرح الشعور، وأنا أعرف أن بعض الناس يحضر معي عندهم إيمان ومتبعون ولكنهم أخطئوا في حلق اللحى، أنا لا أريد أن أعلق عليهم، ولا أريد أن أجرح مشاعرهم، هم إخواني وزملائي، ووالله إني أحبهم لأصل الإيمان في قلوبهم؛ لكن أرجوهم اتباع محمد صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65] أخشى أن يخرجوا ويقولون: كفرنا، أو فسقنا، أنا أقول: أخطئوا وعصوا ولا بد أن يتوب الله علينا وعليهم وهم إخواننا وأبناء عمومتنا، لكن والله نريد أن يكتملوا في اتباع سنته عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أتى بسنةٍ لا بد أن تكون ظاهرة وباطنة، تقولها قوية: أنا مسلم متبع للسنة ولا تخجل من أحد؛ لأنك على الحق وغيرك على الباطل، يقول سبحانه وتعالى في الجبناء السفهاء من المنافقين: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ [النساء:8].

    فنصيحتي لإخواني: أن يتحملوا الاستهزاء والاستخفاف والاحتقار والتعليق، ويعلموا أنها في ميزان الحسنات، قال سبحانه وتعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:2-3].

    1.   

    تذكير بعناصر المحاضرة

    أعود إلى عناصر المحاضرة مختصراً:

    ذبح الإسلام بالطعن في أمور:

    الطعن في القرآن.

    والطعن في السنة بالطعن المطهرة، في الرسول المعصوم عليه الصلاة والسلام.

    وفي النيل من الصحابة.

    في تشويه التاريخ الإسلامي.

    في وصف الإسلام بأقبح الأوصاف.

    في هدم اللغة العربية.

    في الطعن في العلماء والدعاة.

    الهزيمة النفسية التي يعيشها المسلمون عموماً.

    إيجاد نخبة مستغربة الفكر أجنبية العقل.

    إشغال عامة المسلمين بالمعيشة فحسب.

    إشغال المبتدئين في طلب العلم بالجزئيات.

    انصراف كثير من العلماء إلى مسائل ثانوية من الترف العلمي.

    تخويف الرأي العام من الإسلام.

    تعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    امتصاص دماء الشعوب في البلاد الإسلامية في ثورات ومعارك يستفيد منها أعداؤهم.

    ركل الإسلام عن الحياة وأخذ الإسلام كشعارٍ فحسب.

    إرهاب وإرعاد العالم من كلمة الجهاد.

    فصل العالم الإسلامي وتمزيقه إلى دويلات.

    كبت الصوت الإسلامي في مجال التأثير.

    عدم إعطاء الاقتصاد الإسلامي الفرصة ليقدم الخيار.

    وصف المستقيمين بالتطرف والتزمت والتشدد.

    1.   

    خاتمة فيها فوائد وتنبيهات

    أيها الفضلاء! إكمالاً لهذه المحاضرة ألتقي بكم إن شاء الله لمن أراد مساء الثلاثاء في محاضرة بعنوان: مدرسة أهل السنة والجماعة في جامع شباعة في خميس مشيط يوم الثلاثاء مساءً بعد المغرب، يوم: 3/7/1412هـ والدعوة عامة. لأنه لا بد من ذكر معالم هذه المدرسة، مدرسة أهل السنة والجماعة، ووصفها وصفاً مفصلاً حتى تتضح للناس وتكون على جلية.

    التوجه إلى الدعوة إلى الله والمشاركة في أعمال الخير

    أيها الإخوة الكرام! خطابٌ موجه يوجهه الأخ لأخيه المقصر؛ مثل المتخلف عن صلاة الجماعة، مثلاً:

    رجل يتهتك في الغناء.

    رجل لا يقيم السنة على مظهره، هنا خطاب كتبه بعض الفضلاء من الدعاة وهو الأخ الداعية: عبد الله بن سعد بن منشط القحطاني كتب كتاباً بديعاً ورقه تجدونها في خارج المسجد مسددة بالآيات والأحاديث وأقوال أهل العلم، يقول:

    الأخ الصديق: -الخطاب المفتوح- حفظك الله.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد:

    قال الله جل وعلا: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:55] ثم استطرد في كلام كالعسل المصفى، أنصح بهذه الرسالة أن تعطى للذين لا يحضرون صلاة الجماعة ولأمثالهم.

    إخوتي الفضلاء! هنا بعض المسائل، وهنا كذلك رسالة وهي مأذون لها من الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي ترسل إلى بايع أفلام الفيديو من أرادها يجدها يعني: تسلمها أنت لبايع الفيلم الفيديو حتى يتقي الله ويتوب من فعله هذا؛ لأنه يهدم الملة والدين بسبب ما يفعله من نشر الفيديو المحرم، فهذا تجدونه إن شاء الله، وإذا أحببتم الاتصال والاستفسار أو السؤال فمؤذن المسجد هو الواسطة إن شاء الله.

    أيضاً أيها الإخوة الفضلاء! نبهت في كثيرٍ من المحاضرات والدروس عن مسائل مهمة، من أهمها عندي بناء المساجد، لأن الأمة الآن تتجه إلى الله سبحانه وتعالى، وتزدحم المساجد بالمصلين، وكثر الأخيار من عباد الله الصالحين مع كثرة السكان، فالناس يريدون مساجد وقد نبهت عن جامع النماص وجامع تنومة ومسجد في بني الاسمر، وجامع في تريبان وبعض المساجد في مناطق تهامة.

    أنا أرى أن نحث كثيراً من الأخيار على جمع التبرعات، وإلى إنشاء المساجد فهي من أنفع ما يكون في عباد الله عز وجل.

    أيضاً هناك اقتراح أقدمه هذه الليلة: كثير من الإخوة إما طالب عنده راتب أو معلم، أو موظف، وكذلك الأخوات المعلمات والمربيات والموجهات؛ كل هؤلاء عندهم رواتب، فليت لكل واحد من الجميع صندوق يسمى صندوق الآخرة؛ لأنا -نسأل الله العافية- صرفنا أكثر ما أعطينا في الدنيا؛ في مطاعمنا، ومساكننا، وملابسنا، وسياراتنا، ثم ماذا نقدم للآخرة؟

    ماذا نعطي للآخرة؟

    ما هو رصيدنا عند الله عز وجل؟

    هذا الصندوق يعطي الإنسان من التبرع إلى المسجد وللشريط الإسلامي، وأشكر من وصل منهم تبرعات إلى المساجد، ولكن لا زالت المساجد الآن تحتاج إلى من يقيمها ومن يدعمها، فالله الله في الاجتهاد في هذا لأنه نوعٌ من الجهاد.

    توجيه حول آداب الاتصال بالهاتف

    أيضاً كلمة على استطراد، الاتصال بالهاتف له آداب، ومرحباً بأصواتكم وأصوات مثلكم ممن يتصل مستفسراً أو سائلاً أو ناصحاً أو موجهاً، والعبد المسلم لا يمل من صوت إخوانه، لكن هناك آداب يراعيها المسلم، حتى نكون أمة منظمةً كما أرادها الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، وليس معنى ذلك التبرم أو التضايق من الاتصال معاذ الله؛ فإنه شرفٌ للعبد أن يتصل به إخوانه، لكن هناك أوقات كأوقات الصلاة؛ إذا أذن المؤذن فإنه لا اتصال، ويعذر أهل المدن لتفاوت الوقت، أيضاً الاتصال في أوقات الوجبات وهي تختلف من بيتٍ إلى بيت، الاتصال مثلاً في أوقات مثل بعد الحادية عشر ليلاً، فقد انتهى الليل وذهب، ما أخرك يا أخي من العصر والمغرب والظهر والعشاء تقوم تتصل بي بعد الحادية عشرة.

    أيضاً -أيها الإخوة- لا تنسوا لطيفة من اللطائف: إن بعض الفضلاء إذا اتصل أخذ دقائق معدودة وطول وعرض في مسألة السلام، وأنا لقيته أمس: كيف حالكم؟

    كيف حال أطفالكم؟

    عساكم طيبين؟

    مع العلم أن هناك ازدحاماً في الاتصال؛ يعلم الله أحياناً العشرات منها، في أوقات محدودة، ويريد الإنسان أن يقضي طلباً أو يوضح مسألة، أو يفتي بما أعطاه الله، فيأتي هذا الأخ من حسنه ومن حسن معاملته وأخلاقه فيحبسك في السلام، وكيف حالكم؟

    قلت: طيبون قال: لعلكم مرتاحون؟

    قلت: الحمد لله، قال: كيف حال الأهل؟ قلت: طيبون والحمد لله، كيف حال الزملاء؟!!

    قائمة من التحقيقات، اختصر يا أخي! قل: السلام عليكم، كيف حالكم؟ وادخل في السؤال.

    أيضاً يا أخي! من الأدب -حفظكم الله- الاختصار في السؤال لا تعطني القصة، مثلاً بعض الإخوة وقعت منه طلقة، فأخبرني بقصته مع زوجته، من مذكراته في الحياة: متى تزوج، وكيف عاش معها، ثم وصل إلى النتيجة! أعطني أنا ماذا تريد أن تقول لي، السؤال فقط وأفتيك، لأن الناس بكثرةٍ كاثرة يتصلون، هذه من الآداب.

    أيضاً إذا اتصلت بك، أو اتصلت بي لا تقل: ألو، قل: نعم، وإذا اتصلت قل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما ألو فأرجوكم أن تتركوها، وتعالوا بكلماتنا المعهودة، الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يسير الأمة على كلمات إيمانية، أتى أبو ذر إليه وهو في الحرم عليه الصلاة والسلام فحياه أبو ذر بتحية الجاهلية: عمت صباحاً يا أخا العرب، قال صلى الله عليه وسلم: {إن الله أبدلني بتحية خيراً من تحيتك، قال: ما هي؟ قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته}.

    إذا اتصلت بك فرد السلام وسلم تكن بيننا التحايا الإسلامية؛ هذه بعض المسائل التي أردت أن أنبه عليها علّ الله أن ينفع بها.

    اعتذارات وشكر

    أيضاً أيها الإخوة! ربما وقع في المحاضرة أني قلت ميتران رئيس وزراء فرنسا، وهو رئيس الدولة، ونستغفر الله ونتوب إليه، وهذه لا يسجد لها سجود سهو، نقرها ونقول: فإن كان رئيس وزراء أو رئيس دولة فهو واحد، واغتياب الفرنسيين الكفرة جائزٌ باتفاق أهل العلم، وحتى إسرائيل اغتيابها جائز ومطلوب؛ لأنها دولة توسعية، سبحان الله اكتشفنا أنها دولة توسعية، ولها نوايا سيئة في المنطقة، ومما اكتشف أن لها نوايا سيئة، ونحن لا نسيء الظن بالناس لكن ظهر لنا أن لها نوايا سيئة.

    أيها الإخوة الكرام! شكر الله لكم، ثم أشكر باسمكم من حضر وعنده امتحان غداً، لكنه التوقد للإسلام والحب للخير والتكاتف والتضامن؛ لأن تكثير سواد المسلمين في مثل هذه المجالس دليلٌ على صدقه وإخلاصه ونصحه، وأعرف أن فيكم من هو أبلغ مني وأفصح، وأعلم وأفضل؛ لكن أراد أن يكثر السواد، كما قال محمد أحمد الراشد : تكثير السواد، ومراغمة أهل الباطل، ولذلك كثر السواد يوم عرفة، ويوم الجمعة، وإظهار سواد المؤمنين أنه كثير كما يظهر أهل الباطل بكثرتهم وبعددهم، فأنت اليوم أتيت تكثر السواد، وأتيت تناصر أولياء الله عز وجل، وأتيت تدرس مع أهل السنة فيمن درس، وأتيت أنت اليوم ترفع راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، فكتب الله أجرك، وممشاك، وعودتك، وجلوسك، وأثابك، وكساك حلة، ورعاكم الله على إخلاصكم وعلى تضحياتكم.

    أيضاً لا يفوتني أن أشكر الذين يكتبون الرسائل أنهم لأول ليلة حضروا فلله الحمد، وهي والحمد لله فتوحات من الله، ليس منا ولا من أحدٍ من الناس، الفضل فضل الله، أن يهدي الشباب وأن يردهم إليه رداً جميلا، بالأمس كان لا يصلي أحدهم ولا يأتي الفجر، واليوم هو ولي من أولياء الله، أخذ المصحف والسواك وتعلم السنة، والأدعية الصباحية والمسائية، واستنار ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ [الأنعام:88]، ويقول سبحانه وتعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58] وإذا رأيت العبد يفرح لإخوانه لكي يزيد عددهم، ويفرح للإسلام فاعرف أنه مخلصٌ صحيح القلب، أما الذي يغضب من كثرة الملتزمين وكثرة الأخيار فهو مريض القلب وحسبه الله.

    الخطاب للأمة جمعاء

    أيضاً من هذا المنبر أنا لا أخاطب أبناء الجزيرة فقط، أنا أخاطب من هنا العالم الإسلامي، كل مسلم يحضر معي، وليس عندنا هنا شاميٌ ولا حجازيٌ ولا يمنيٌ ولا سودانيٌ ولا مصري؛ لأن محمداً صلى الله عليه وسلم أتى بلافتة: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:63] اسمحوا لي وقد كررت عليكم لكن أعيد الأبيات:

    أنا الحجاز أنا نجد أنا يمنٌ      أنا الجنوب بها دمعي وأشجاني

    بـالشام أهلي وبغداد الهوى وأنا      بـالرقمتين وبـالفسطاط جيراني

    وفي ربا مكةٍ تاريخ ملحمةٍ      على ثراها بنينا العالم الفاني

    في روضة المصطفى روحي ووالهفي      في روضة المصطفى عمري ورضواني

    النيل مائي ومن عمان تذكرتي      وفي الجزائر آمالي وتطوان

    دمي تصبب في كابل منسكباً      ودمعتي سكبت في سفح لبنان

    فأينما ذكر اسم الله في بلدٍ      عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني

    أيضاً من يحضر منكم عليه أن يكون داعية في بلده، الإخوة السودانيون ينقلون الشريط والكتاب الإسلامي إلى بلدهم ويعيشون الصحوة هناك، الإخوة من الجزائر، الإخوة من سوريا، الإخوة من المغرب، من كل مكان، عليهم أن يكونوا دعاةً لمنهج الله، من الكويت، من الإمارات، من قطر، من البحرين، من عمان؛ لأن بلدنا واحد، ولا بد أن نسعى إلى توحيد الشمل، وإلى تأليف الكلمة، تحت لا إله إلا الله محمد رسول الله، فمثل هؤلاء يذهبون بالشريط الإسلامي وبالكتاب حتى يساهموا؛ لأنه يتصل بالهاتف والله يتصل بالهاتف حتى من بلادٍ نائية يقولون متى تصل الأشرطة، ولم نعرف لهم عنواناً، ولا نعرف بريداً، ولا نعرف كيف نوصل لهم؛ لأنهم قد يفقدون بعض الدعاة في بعض الأماكن، أو المنهج السديد، أو بعض الكتب، ترى دائماً الإخوة هنا يطلبون أن يتعاونوا وأن يأخذوا، وأهل الخير مستعدون للوقوف معهم حتى يكونوا وإياهم تحت مظلة واحدة.

    أيضاً لا نسمح لأحد أن يحمل الحزازيات والتفرقات والعنصريات ليفرق بين المسلمين، كل هذه الأمة أمة واحدة، أراد الله عز وجل أن تكون أمة واحدة، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى، فأتقانا أكرمنا عند الله: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13].

    أيضاً أيها الإخوة الكرام لا يكفي -وقد قلت هذا وأقوله ويقوله غيري- أن يحضر الواحد منا في هذا المجلس ثم يذهب، لا بد أن يكون مؤثراً وداعية في الشريط والكتاب، يستغل المجلس فيحوله إلى مجلس خير، أنت تشتغل في شركة، تشتغل في مؤسسة، في بقالة، في دائرة، في مدرسة، في جامعة، عليك أن تكون أنت اللبنة، ومباركاً أينما كنت. يقول ابن القيم : المبارك أينما كان هو الذي يدعو الناس في كل مكان. أي أن قضية الإسلام تكون معك مثلما قال أبو الأعلى المودودي : الداعية المسلم كالذي به صداع فهو لا ينسى صداعه. الذي عنده صداع في رأسه ينزل إلى السوق ولا ينسى الصداع، وأنت تحمل فكرتك.

    يا إخوة دعونا نكون في مستوى من التأثير والمشاركة والفاعلية والتضحية كمستوى المبشرين، يذهب أحدهم إلى الشرق والغرب، وإلى حر أفريقيا وبرد سيبيريا حتى ينشر الدين المنسوخ، الدين المزعوم أنه للمسيح، ونحن على الإسلام لماذا لا نؤثر وندعو ونكون لبنات خير، التاجر في تجارته بماله، وصاحب الرأي برأيه.

    النصيحة الصريحة خير من المجاملة

    ثم أمرٌ آخر: يوجد أيها الإخوة أحياناً مذهب المجاملة؛ تبرمجنا على المجاملة، حتى ما تجد صراحة في الألفاظ ولا في المناصحة، وأحياناً لا تجد إلا مادحاً، تسأله عن الدرس قال: كل شيء على ما يرام، المحاضرة، الأطروحات، القضايا قال: كل شيء طيب، فإذا خلا إلى زملائه قال: فيه كذا وكذا، ولكن كذا وكذا، وفعل كذا وكذا!

    دعونا نتصارح، ومن رأى منا خطأً في أخيه فلينصحه، وليوصيه بينه وبينه بحكمة، وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3].

    أيضاً أريد أن أوضح مسألة: يا أيها الإخوة قد يفهم عنا بعض الناس أنا نريد أن نتشفى في بعض الناس، أو أنا نريد التهجم أو التجريح ومعاذ الله، ما يريد الداعية إلا أن يهتدي الناس، هل نريد لمسلم أن يعذبه الله بالنار؟! يقول الإمام أحمد : والذي نفسي بيده لوددت أن يجعلني الله فداءً لأمة محمد عليه الصلاة والسلام.

    ثم إنا نسأل الله عز وجل لنا ولكم التوفيق، وأن يصلح الراعي الرعية، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن يتولانا وإياكم في الدارين، ونسأله سبحانه وتعالى لنا ولكم هدايةً وسداداً.

    كما لا يفوتني أن أنبه أن من عنده تبرعات، أو مشاركة، أو استفساراً، أو ورقة، أو نصيحة، فعليه أن يؤديها إلى هذا المسجد والقائمين عليه، وهي تصلني إن شاء الله، ثم أنبهكم أن الدرس المقبل إن شاء الله سوف يكون مع أسئلتكم، لنعيش معكم فيما طرحتموه وما سألتموه، وأشكركم شكراً جزيلاً، وأسأل الله أن يجمعنا بكم في دار الكرامة، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2734332417

    عدد مرات الحفظ

    684427453