إسلام ويب

التوازن في حياة الشبابللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • طلب العلم أمر مهم، وفرض محتم، ولكن قد تشوبه بعض الأمراض التي ينبغي التنبه لها؛ منها عدم الاهتمام بتزكية القلب وخشوعه، أو عدم الاهتمام بما يخدش المروءة، أو يفتي المرء بما لا يعلم، أو يطغى جانب العلم أو الدعوة على بقية مناحي الحياة، وهذا الدرس معالجة لذلك.

    1.   

    أهمية التوازن

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ سلاماً أزكى من المسك، وأنقى من ماء الغمام، وأبيض من الفجر، سلاماً ثابتاً ثبات مبادئكم، صادقاً صدق إيمانكم، راسخاً رسوخ معتقدكم.

    ما أسعدني هذه الليلة أن أجلس بين أيديكم، أشكر أخي وزميلي الشيخ/ عبد الله الشهراني على مقدمته، وأشكركم على حضوركم.

    سبب السعادة أمران:

    الأمر الأول: أنني ألتقي أنا وإياكم هذه الليلة تحت النسب الذي أتى به محمد عليه الصلاة والسلام، نسب لا إله إلا الله محمد رسول الله، فنحن وإياكم نزاع من القبائل، التقينا لا على سبب ولا على حسب ولا على نسب إلا نسب لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله عليه الصلاة والسلام: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:62-63].

    لما جلست ورأيت الجمع تذكرت بعض الاجتماعات في مثل ليالي رمضان لكنها من نوع آخر، هناك شباب يجتمعون مثلما تجتمعون، لكنهم يجتمعون على سهرات حمراء، وموسيقى حالمة وبلوت وضياع، فقلت: يا سبحان الله! كم بين الواديين والفريقين والحزبين!! فأسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن سلك بهم طريق الهدى وهم أتباع محمدٍ عليه الصلاة والسلام.

    نعم. كما سمعتم عنوان المحاضرة: التوازن في حياة الشاب المسلم.

    نحن بحاجة إلى هذا الموضوع نزن به أعمالنا وأقوالنا ونشاطنا، نحن بحاجة إلى أن يكون الشاب فقيهاً قبل أن يكون مندفعاً ذا عاطفة، أن يكون فقيهاً في دين الله عز وجل، وصحيحٌ أن في أول الطريق يحدث للإنسان شيء من العاطفة أو عدم الاتزان، أو تغليب جانب على جانب، وسوف أدور في هذه الليلة في مسائل:

    منها الروحانية في حياة الشاب، وجذوة القلب، وتوقد الروح، أن يعيش هذا الدين.

    ومنها طلب العلم وطرق تحصيله ومحاذيره.

    ومنها الجرأة على الفتيا وتغليط أهل العلم، والتشنيع بالزملاء والإخوة.

    ومنها التوازن وهو لب المحاضرة، كيف توازن بين العبادة: النوافل كقراءة القرآن، وبين أن تكون داعية، وبين حضور المراكز الإسلامية، وبين حقوق الوالدين وحقوق الأصدقاء والحقوق العامة.

    أتحدث لكم عن مسائل نعيشها، كخوارم المروءة التي لا يسلم منها إلا الفطناء، وأخطاء في منهج طلب العلم، والالتزام الظاهر على حساب التزام الباطن، ومنها الآداب العامة التي يخل بها كثير من الناس.

    أيها الإخوة الفضلاء..

    الرسول عليه الصلاة والسلام ربى أصحابه، ووجد في المنهج الأول الذي عاشه النبي صلى الله عليه وسلم أخطاء من هؤلاء في أول الطريق فبَصَّرهُم الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد وجد شباب أرادوا أن يغلبوا جانب العبادة على جانب طلب العلم، وعلى جانب التفكر والتأمل، والدعوة؟

    ووجد من يقول: والله لأصومن النهار ولا أفطره، وآخر يقول: لأقومن الليل ولا أنامه، وثالث يقول: لا أتزوج النساء، ورابع يقول: لا آكل اللحم، فاستدعهام صلى الله عليه وسلم لأنهم أرادوا تنظيم مبدأ جديد؛ لأنه هو المنظم وحده عليه الصلاة والسلام، ليس للإنسان أن يقترح بين يدي الله عز وجل ولابين يدي رسوله عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات:1].

    فليس لك أن تقترح أو تأتي بشيء؛ إنما عليك أن تتوقف أمام الشرع، فأخبرهم الرسول صلى الله عليه وسلم: (أن من رغب عن سنتي فليس مني) أولاً هو القدوة، قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21].

    يصلي فيقول: (صلوا كما رأيتموني أصلي) يحج عليه الصلاة والسلام فيقول: (خذوا عني مناسككم) إذاً لا بد أن يتبع.

    وعند الدار قطني وقال النووي: رويناه في كتاب الحجة بسند صحيح، يقول عليه الصلاة والسلام: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) إذا علم هذا فالواجب علينا أن نتقيد بالشرع، وتقيدنا بالشرع يجعلنا نفكر في حركاتنا وسكناتنا، هل توافق الشرع أم لا.

    1.   

    أسباب فقد الروحانية في حياة الشباب

    من المسائل التي نعيشها مثلاً: فقد الروحانية من القلوب، قلة البكاء والخشية، عندنا علم كثير وكلام وخطب؛ لكن ليست عندنا خشية لله إلا في القليل النادر، من علامات الساعة عند كثير من أهل العلم؛ أن ينـزع الخشوع حتى لا ترى خاشعاً، ولها أسباب.

    المعاصي تضعف الخشوع

    ومن أعظم أسبابها المعاصي، فإن الناس خاصة في الأزمان المتأخرة بعد انكماش نور النبوة وقلة العلماء والمربين يقعون في المعاصي، حتى أنك تفاجأ بشاب ملتزم يخبرك بأمره ثم يتحسر ويتقطع لبوادر بدرت منه.

    أولاً: لا نقول إن الناس معصومون.

    ثانياً: نقول لمن أخطأ: تب إلى الله.

    ثالثاً: ولا نقر الناس على خطئهم نقول: إذا أخطأت فالبشر يخطئ ولست بمعصوم والله غفور رحيم، وإذا أخطأت فعد إلى الله لكن هذا تقرير، والواجب أن يزجر، فسبب عدم الروحانية: قسوة القلوب، أعني المعاصي: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [المائدة:13].

    ورأيت عبد الغني المقدسي، وذكره صاحب طبقات الحنابلة، أنه ذكر حديثاً عن أبي بكر الصديق يقول: [[مر أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه برجل يقرأ القرآن ويبكي، فقال أبو بكر: هكذا كنا حتى قست قلوبنا]] فالذي يظهر أنه لابد أن يقسو القلب أحياناً، ولكن ذلك لا يكون مستمراً ولا دائماً، حتى أنك تعلم أن بعض الناس تمر به السنة ولا يبكي، ويسمع القرآن فلا يتأثر، بل بعضهم أصابته روحانية غريبة؛ يبكي وقت الأناشيد ولا يبكي من القرآن، ويهتز إذا سمع بيت شعر وتسيل دموعه، بينما يسمع القوارع من كتاب الله عز وجل صباح مساء فلا يتأثر.

    ترجم الذهبي لرجل من أهل خراسان عالم عجمي يقول: قرأ القرآن من صلاة الفجر إلى طلوع الشمس فما تأثر، فلما ذهب إلى بيته سمع طفلاً لجيرانه ينشد قصيدة فبكى وقال لنفسه: صدق أهل خراسان حين اتهموني بأنني زنديق، وهذا من التواضع، وهو ليس بزنديق إن شاء الله، بل هو من المؤمنين، لكن اتهم نفسه عندما قال: كيف أبكي من هذه الأنشودة ولا أبكي من القرآن؟!

    كثرة المباحات تنزع الخشوع

    من أسباب فقد هذه الروحانية: كثرة المباحات؛ فإننا نكثر من المزاح على حساب الجد، وهذه ظاهرة في الشباب، المزح اليدوي والمزح باللسان، وكثرة الزيارات من غير طائل، وكثرة الكلام الفارغ، ومجريات الحياة، وأخبار الناس، حتى أنك تجد طالب العلم إذا زارك في بيتك وفتحت له كتاباً وقلت: هيا بنا نقرأ، لم يزرك مرةً ثانية، وجرب أي شاب يأتي في سبيل البسطة، وعلى سبيل السعة والترويح، يأتيك ليزورك ليوسع صدره ويضيق عليك صدرك، أي أنه يعمل أعماله ويقرأ فيرى أن يجعلك فرجة له، فيطرق عليك الباب ويدخل، يريد منك أن تخبره بالقصص، وأن تمازحه، وأن تمضي معه الوقت؛ لكن جهز له موضوعاً قبل أن يدخل من فتح الباري وتقرأ ثلاث صفحات متواصلة، وناقشه، مرة ثانية يتثاقل من زيارتك، وهذا من طبيعة النفوس، ودليل على عدم الجدية لا في التحصيل ولا في ضبط الوقت.

    كثرة الخلطة وتأثيرها على الخشوع

    من أسباب فقد الروحانية كذلك: كثرة الخلطة؛ فإن ابن القيم جعلها داءً؛ إلا خلطة الصالحين وطلبة العلم والإخوة والأخيار، فإن كثيراً ما يختلط الناس على غير طاعة، بل والله إن خلطة كثير منهم تظلم القلب، بل رؤية بعض الناس تجعل قلبك قاسياً؛ مر الحسن البصري فرأى قصور المترفين فغمض عينيه فقالوا: مالك؟ قال: وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه:131].

    وقرأت أن أحد الصالحين رأى سلطاناً مترفاً يمر على فرس فغض بصره وقال: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَار [هود:113].

    قال أحد حاشية الظلمة لـسفيان الثوري: يا أبا سعيد! هل أنا من أتباع الظلمة والله يقول: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا [هود:113] قال: لا. أنت لست من الحاشية، قال: ممن؟ قال: أنت منهم. أنت من الظلمة مباشرة، لست من الحاشية لأن الحاشية هم المشجعون والمطبلون، والمتعاطفون، فالمقصود أن هذه الأسباب تجتمع على القلب حتى يصير قاسياً.

    1.   

    طلب العلم

    المسألة الثانية طلب العلم: وأنا أنهى وأحذر الإخوة من أن يستجيبوا لكل من ثبطهم عن العلم، يقولون: إنما نحن دعاة لا علماء، وكيف يدعو الإنسان بدون علم، وهل هناك أشرف من طلب العلم، هل كان محمد صلى الله عليه وسلم إلا عالماً معلماً، وهل أنزل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى قوله: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19] وقوله: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه:114] وقوله تعالى: وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43] إلا على النبي صلى الله عليه وسلم.

    فضل طلب العلم وشرفه

    أيها الإخوة: طلب العلم أفضل ما يكون، وإنما يشرف المركز الصيفي بكثرة الدروس فيه وكثرة تحصيل الطلبة.

    قال أحد الأدباء من المدن القريبة: أذهب أربعين سنة في طلب الأدب، هذا الأدب والشعر والدواوين، يقول: والله فاتت مني أربعين سنة كما يفوت خاتم الشحيح إذا سقط في الأرض، قال: ثم عدت فأتهنى لشباب هم الآن في الثانويات والجامعات بدءوا يطلبون الحديث ويخرجون الأحاديث، يقول: يا ليتني أدركت الأربعين وجعلتها في طلب الحديث وتخريجه، وترجم الذهبي لـابن عبد الباقي الأنصاري العالم في القرن الرابع، يقول: كان محدثاً مفكراً نحوياً، خطيباً، أديباً، عنده علم الفلسفة يقول ابن عبد الباقي: تبت من كل علم إلا من علم الحديث.

    ومقصودي: أن العلم هو علم قال الله وقال رسوله عليه الصلاة والسلام، ويعجب الإنسان في نفسه -ولا يريد الإنسان أن يتحدث عن نفسه- لكن قبل سنوات كنت أظن أن العلم هو دواوين الشعر، اثنان وعشرون ديواناً كانت عندي، وكنت أظن أن العلماء هم الشعراء، في الليل والنهار قصائد، حتى أكتشف في الأخير أن هناك رجلاً اسمه البخاري، وابن تيمية، وأحمد، وأن هؤلاء الشعراء لا يساوون شيئاً.

    فطلب العلم أشرف شيء، والأمة إنما تنتهي إذا لم يبق فيها علماء.

    مدلول كلمة (المفكرين)

    ما معنى كلمة (مفكرون)؟ هل سمعتم في القرآن كلمة (مفكرين) إلا اشتقاق يتفكرون أو التفكر؛ لكن (مفكرون) من أين أتتنا؟! في الإسلام علماء وجهلة فقط أما كلمة فكر فدخيلة علينا، تجد المفكر الآن يتكلم ست ساعات لا قال الله ولا قال الرسول عليه الصلاة والسلام هذا يسمى مفكراً، والمفكر أحياناً لا يصلي صلاة الجماعة مع الناس، وإذا قلت له: صل صلاة الجماعة مع الناس، يقول: أنا أنظر للأمة، قلنا: لماذا لا تقوم الليل يا فضيلة المفكر؟

    قال: القضية ليست قضية قيام الليل.

    قلنا: ما هي القضية؟ قال: هي قضية حياة الإسلام ورسوخه في الأرض.

    قلنا: ولماذا لا تطلق لحيتك؟

    قال: القضية ليست إطلاق اللحية.

    قلنا ماهي القضية؟!

    قال: القضية أكبر من ذلك، عموم الدين وشموله في مناح الحياة.

    يلبس دبلة الذهب، ويترك صلاة الجماعة، ويحلق لحيته، ويسدل ثوبه، فإذا حدثته في هذه القضايا، قال: لا، هذه قضايا تسمى قشور الدين، وإذا كلمك فلا تفهم كلامه، مثل كلام المناطقة، الذين يقول فيهم الإمام الشافعي: رأيي فيهم أن يطاف بهم في القبائل والعشائر ويجلدوا بالجريد والنعال ويقال: هذا جزاء الذين تركوا علم الكتاب والسنة وأتوا إلى هذا.

    ثم إن العلم شيء، والثقافة العامة شيء آخر، بعض الإخوة يدرس الجرائد اليومية ويحفظها ويتدبرها وقد يبكي منها، ثم يظن أنه من العلماء الراسخين في العلم، وبعضهم ليس عنده في المكتبة إلا دوريات ومجلات وجرائد، هذه ليست علمية، ثقافة عامة تصلح، للأمي وللعالم؛ لكن ما تكسبك علماً، العلم قال الله وقال رسوله عليه الصلاة والسلام، ولذلك يراد الآن بالعالم الإسلامي كما يقول أحد المفكرين: أن يكون هناك لطلبة العلم مستوى من الثقافة يشتركون فيه جميعاً، لذلك تجد في الجامعات الحذف في المقررات، أحياناً تجد الفقه مجرد عشرين ورقة أو ثلاثين فقط، يحذف باب كامل، والأحاديث المخرجة، ويحذف منه نقاط، حتى يخرج الشباب مثقفين فقط، أما علماء فهذا ليس مقصوداً، وربما صُرح في بعض المناهج بذلك حتى يكون عند الناس طبقة واحدة من المثقفين جرياً على عادة الغرب.

    1.   

    أخطاء في الطلب

    ومما يقع فيه كثير من الشباب وهو أمر غير محمود أنهم قدموا على القرآن غير القرآن، الآن يحفظ بعضهم الرحبية، والبيقونية، ولا يحفظ كتاب الله بل بعضهم حفظ القرآن، ثم انشغل بالمتون، حتى ترك القرآن، وترك أم المتون وأباها ورأسها وتاجها كتاب الله، فالله الله في حفظ القرآن، وأقول: إن كتاب الله عز وجل يغني عن غيره، فإن كان ولا بد أن تحفظ متناً واحداً فعليك بكتاب الله، ثم تزود بعد ذلك، فالخطأ الشنيع -يا أيها الإخوة- أن يهدر كتاب الله عز وجل بسبب متون أخرى، أو بحفظ أشياء أخرى، وأنا أرشح كتاب الله عز وجل للحفظ ومختصر البخاري للزبيدي، ومختصر مسلم للإمام المنذري، فهذه هي المتعة وهي الحياة، وأنا أعتقد أن من حفظ هذا وتدبر وتأمل سوف يصبح عالماً له أثر وله مستقبل بإذن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى.

    عدم الانضباط في فن واحد من العلم

    من الأخطاء كذلك في طلب العلم: عدم الانضباط في فن واحد، وعدم المسار الصحيح في التلقي، تجده يدرس اليوم فقهاً وغداً حديثاً، ينتقل من كتاب إلى كتاب، فيحصل معلومات عامة من كل بحر قطرة، عنده حديث من فتح الباري، وعنده مسألة من المغني وعنده تحقيق وخلاف من نيل الأوطار، وعنده حفظ يحفظه في بلوغ المرام، وعنده مراجعة في رياض الصالحين؛ يقول ابن القيم في الفوائد كما قال الأول:

    ومشتت العزمات ينفق عمره     حيران لا ظفر ولا إخفاق

    وكثير من الشباب حيران لا ظفر ولا إخفاق، لارسب رسب، ولا نجح نجح إنما هو بين بين، ليس متأكداً أن يكون عالماً، وليس متأكداً من أن يكون جاهلاً، يقول:

    إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة     فإن فساد الرأي أن تترددا

    قرأت في السير في المجلد التاسع عشر، وجعلت على ذلك علامة حتى لمن أراد أن يراجع في سير أعلام النبلاء أن جد ابن العربي قرأ صحيح البخاري سبعمائة مرة ذكره الذهبي وكان أحد النظار في النحو لا أدري أهو ابن الشجري أم ابن الخشاب يقولون: كنا ندخل عليه البيت وهو يقرأ في كتاب سيبويه ونخرج وهو يقرأ، وكان إذا سافر أخذه معه، وإذا نزل، أو حل أو ارتحل أخذه معه، حتى كاد يحفظه عن ظهر قلب، هذا هو الصبر والجلد، أعرف شخصاً في الرياض عالماً قرأ المحلى لـابن حزم بتركيز وتأمل وعمق خمس مرات، وهذه تخرج علماء، قضية الصبر والإلحاح والجلد على التحصيل، وانظر لمن يشتغل في الأمور العامة، كصانع الطوب مثلاً، والفلاح والنجار والخباز والغسال، عندهم من الجلد والصبر، وعندهم من الجهد والعرق ما ليس عند طلبة العلم.

    فيا أيها الإخوة: الله الله في عدم الملل:

    اطلب ولا تضجر من مطلبٍ     فآفة الطالب أن يضجرا

    أما ترى الحبل بطول المدى     على صميم الصخر قد أثرا

    وقرأت في ترجمة أبي إسحاق الشيرازي من الشافعية، صاحب المهذب، أنه يقول: كنت إذا أردت أن ألقي درساً على تلاميذي كررت الدرس مائة مرة، وقال: كنت أحفظ القياس في شبابي فأكرر القياس الواحد ألف مرة، هكذا ذكره النووي وذكره عنه كذلك الذهبي؛ هذه مسألة.

    التعجل في الفتيا

    المسألة المهمة كذلك ألا يتعجل طالب العلم في الفتيا، فإنها مهلكة، وكان الصحابة يتدافعونها يقول تعالى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36] ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ [النحل:116] وفي حديث مرسل: {أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار}.

    فيا أيها الإخوة: الله الله في التوقي في شأن الفتيا، و(لا أدري) نصف العلم، وقال علي بن أبي طالب: [[من فاتته (لا أدري) أصيبت مقاتله]] وقال الشعبي: من أجاب الناس عن كل ما يسألونه فإنما هو مجنون، وذكر ابن القيم في إعلام الموقعين أن الإمام مالكاً كان إذا سُئل عن مسألة تأمَّل وجلس وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وكان بعض العلماء إذا سُئل عن مسألة جلس وقرأ الفاتحة، وبعضهم يقول: الله المستعان، وبعضهم يؤجل السائل يوماً حتى يتأمل المسألة، هذا من باب عدم السرعة في الفتيا.

    وكان الصحابة يتدافعون الفتيا؛ يقول أحد التابعين لبعض التابعين: إنكم لتفتون في مسائل لو عرضت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر.

    فيا أيها الإخوة! الحذر الحذر من الفتيا، أنا أعرف بعض الشباب يفتون في الطلاق بالثلاث، وأنا لا أتوقع مجلساً من الشباب فيه ثلاثون شاباً، أو أربعون شاباً تعرض عليهم المسألة ويسكتون جميعاً ويقولون لا ندري؛ لا بد أن يتبرع منهم رجل ويصرمها تصيب أو تخطئ، وقد حذر ابن الجوزي في كتاب صيد الخاطر من خوف طالب العلم على جاهه، فإنه يأتيه الشيطان ويقول له: جاهك سوف ينسحق أمام العامة، فاحذر... فيقال: ما رأيك يا فضيلة الشيخ في مسألة الطلاق ثلاثاً في دفعة واحدة وفي مجلس واحد؟ وهذه مسألة حيص بيص، المسألة أوقفت ابن تيمية في السجن أشهراً، وجرى عليها خلاف طويل عريض، ابن تيمية يقول في أول كتاب الطلاق في الفتاوى، فيها أربعة أقوال: وقرأتها في كتاب هيئة كبار العلماء، وجدت فيها بحثاً يقارب ثلاثمائة صفحة، ثم خلصت الهيئة العامة لهيئة كبار العلماء بعد أن اجتمعت ودرست الأمر وخرجت بنتيجة فيما يقارب خمس صفحات، ومع ذلك يأتي الطالب ويفتي بسهولة.

    وكذلك مسائل الدماء والأنساب والأبناء صعبة؛ فحذار حذار من التسرع وماذا عليك؟ يقول ابن عمر: لرجل لا أدري، لا أدري، فقال الرجل: كيف أنت ابن عمر وأنت لا تدري؟ قال: اذهب إلى الناس وكل من لقيته فقل: ابن عمر لا يحسن شيئاً، ووفدوا إلى مالك فسئل أربعين مسألة فأجاب عن ثمان في رواية، وقال في ثنتين وثلاثين: لا أدري، وكان علي بن أبي طالب يقول: [[ما أبردها على قلبي إذا سئلت عما لا أدري، فقلت لا أدري]] وأمر الله رسوله بأن يقول: لا أدري أما قال الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لرسوله وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ص:86] المتكلف: هو الذي يكلف نفسه بما لا يستطيع.

    الوسوسة في الفتيا

    وهناك الوسوسة؛ فغير مطلوب من الإنسان أن يوسوس في الفتيا التي هي من البديهيات والفتيا فيها تنفع العامة، كرجل يسأله بدوي كم أتوضأ الوضوء فيقول له: الله ورسوله أعلم، لماذا لا تفتيه يا فضيلة الشيخ؟ يقول: الورع، وقد كان الصحابة يتدافعون الفتيا، هذه مسألة جاهزة وسهلة، كتمت علمك، لأن الحذر من طرفين اثنين:

    الطرف الأول: التسرع، وهو القول على الله بغير علم قال تعالى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم ) [الإسراء:36] وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ... [النحل:116].

    الطرف الثاني: طرف الكتمان: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:159-160].

    وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ [آل عمران:187].

    وفي السنن بسند صحيح: {من كتم علماً ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار}.

    1.   

    التوازن في الحياة

    من المسائل التي يمر بها الشباب وما استطاع إلا القليل أن ينضبط فيها مسألة التوازن في الحياة، أن يوفق بين متطلبات الدين والدنيا، أن يكون وسطاً، ألا ينقص جانبٌ من حياته جانباً آخر، الآن علماء الفلسفة يرون أن الدخول إلى الجنة من باب النظر والتأمل، والصوفية يرون أنها في الزوايا فقط، والمجاهدون يرون بأخذ السيف فقط، وطلبة العلم يرون بالتحصيل، والفقهاء يرون بالفتيا.

    وانظر إلى أهل البضائع: إذا جئت إلى مفكرٍ أو داعيةٍ يهتم بالجهاد والذهاب إلى أفغانستان، تجد خطبه في الجمعة ومحاضراته عن الجهاد والمجاهدين، وعن الشهداء وكراماتهم وما وقع في أرض الجهاد، ويرى أن الإسلام هو الجهاد، ويأتي طالب علم عاشق للعلم، وحديثه ودروسه وخطبه في طلب العلم، تناقشه في الجهاد فيسكت ولا يتفاعل معك، تأتيه في العبادة فلا يتفاعل معك، إنما في طلب العلم ليلَ نهار، وتأتي إلى العابد في النوافل يريد الحديث أن يكون فيه، والذي جمع الجميع هو محمد عليه الصلاة والسلام، وأعتقد أن تغليب جانب على حساب الجوانب الأخرى نقص...

    ربما في الإنجاز وربما في القدرة العلمية، وربما في الطاقة، كلٌّ ميسر لما خلق له: أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً [الرعد:17] فكل شيء بقدر.

    لولا المشقة ساد الناس كلهم     الجود يفقر والإقدام قتال

    إذا علم هذا -أيها الإخوة- فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أتى بحياة وسطية، قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [البقرة:143] وأنا ذكرت قصة الشباب الذين أتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فأرادوا أن يجعلوها صلاةً وصياماً وقراءة قرآن ويتركون جميع الحقوق، حق الضيف، وحق العين،وحق الأهل،وربما يجعلون الحق كله لله ويتركون هذه الحقوق، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لأحدهم وهو ابن عمرو: (إن لربك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً، وإن لضيفك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، فأعطِ كل ذي حق حقه) هل سمعت أحسن من هذا التوازن؟!

    أفضلية العبادة وعلاقتها بالزمان والمكان

    رأيت لـابن القيم في مدارج السالكين منزلة الوقت أو منزلة تشبهها لعلكم مررتم بها، يقول: الواجب على المسلم أن يعطي كل وقت حقه، إذا نزل بك ضيف لا تتشاغل إلا بالضيف؛ لأن عبادتك وقت نزول الضيف الضيافة، أما أن تأتي بالضيف وتدخله في المجلس وتذهب أنت إلى المصلى تتنفل، فقد قصرت في حقوق الضيف، تقول: لا. صلاة النافلة أفضل من جلوسي مع الضيف، المطلوب منك أن تضيف الضيف، ويقول صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيحين: {من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه} سمعت الأذان، فواجبك أن تردد مع المؤذن، فإذا قلت: قراءة القرآن أفضل، قلنا: هي في العموم أفضل، لكن في هذا الوقت بخصوصه الأفضل متابعة المؤذن، كما أن قراءة الفاتحة في القيام أفضل، وأما الركوع فأفضل أن تقول: سبحان ربي العظيم.

    فالحكمة أن تؤدي كل عبادة في وقتها، لكن المشكلة أن كثيراً من الشباب لم يعرفوا كيف يوازنون بين هذه الأمور، تجد أحدهم إن أراد الدعوة ترك بيته وراءه، وترك والديه وخرج للناس في كل مكان، ولننظر -مثلاً- في المشاكل التي بسبب المركز الصيفي يقول الأب: مادام الابن يذهب إلى المركز الصيفي ويترك طاعتي وطاعة أمه وإخوانه، ويترك أغراضه وأعماله ولا يقوم معنا، فلا أريد المركز ولا أريد أن يسجل فيه، لأنه إذا كان ناتج المركز الصيفي العقوق فلانريده.

    التوازن في الحب والبغض وإعطاء كل ذي حق حقه

    بعض الإخوة إذا أحب زميلاً تعلق به وحبه كحب مجنون ليلى لليلى يزوره في كل يوم، ويركب معه في السيارة، ويتصل به، ويرتحل معه، ويضيفه حتى يمله، ثم تكون القطيعة، يقول علي بن أبي طالب -ولو أن الألباني يجعل هذا حديثاً ويصححه، وفيه نظر، ولسنا بأعلم من الشيخ لكن البخاري جعله في الأدب المفرد من كلام علي رضي الله عنه لا من كلام الرسول [[أحبب حبيبك هوناً ما، فعسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك يوماً ما؛ فعسى أن يكون حبيبك يوماً ما]] وهذا أمر معلوم تجد بعض الناس إذا أحب زميلاً له تعلق به تعلقاً شديداً، ثم إذا حصلت بينهما جفوة كان من أعدى الناس عليه، ولو أنه خفف في الأول لما كان أحرج في الثاني، وهكذا العكس.

    بعض الشباب يقدم حقوق زملائه على حقوق والديه، يقول أحد الآباء لابنه: قدرني على الأقل مثل أحد زملائك أو ربع ما تقدر زملاءك، أنت تضيفهم وتسافر معهم، وتبذل مالك لهم وتقول الحب في الله، الحب في الله، صحيح لكن له حدود، ويجب أن تحب والديك أكثر، وأن تطيع والديك أكثر، وأن تقوم بأعمالهم.

    فمن المشاكل عند كثير من الشباب أن الوالدين لا يستجيبون للشاب إذا دعاهم إلى الله عز وجل ورسوله وإصلاح الأخطاء، وذلك لأنهم لا يجدون له أيادي بيضاء في البيت، يقول له أبوه: كيف أستجيب لك وأنت ما أوصلتني المستشفى، ولا قضيت أغراضي ولا حضرت ضيفي، ولا قمت بدعوة فلان ولا وقفت معنا؟ والرسول إنما قيد الناس بالجميل، وبالمعروف وبالأيادي البيضاء فكان له أعظم الأثر عليه الصلاة والسلام فيهم.

    أرى -أيها الإخوة- أن طالب العلم يقتصر على ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام من النوافل؛ قيام الليل مع الوتر، صلاة الضحى، أما ما وجد من قصص العباد وكتب التراجم من القرن السادس إلى الآن فأخاف أن تكون حجر عثرة في تربية الشباب، قرأت في صفة الصفوة أن عابداً كان يصلي في اليوم ثمانمائة ركعة ويمدحه ابن الجوزي، وذكر ابن القيم في مدارج السالكين. قال: كان فلان يصلي خمسمائة ركعة في اليوم، ومدحه، وعلق على ذلك الشيخ محمد حامد فقي -لا شلت يده- فقال: فأين عبادة الرسول صلى الله عليه وسلم ثم حسبها بالدقائق، وقال: وأين حقوق الأهل؟! وأين التأمل؟! وأين تدبر القرآن والصدقة؟!

    وأنا رأيت المحدثين دائماً يفعلون كما يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم مثل شيخ الإسلام ابن تيمية فهل سمع أحد أنه يزيد على هذه النوافل! هذا مع أن العبد لا يستطيع أن يقوم بما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم.

    الموازنة بين.. العلم.. التعليم.. الدعوة.. كآفة الحقوق

    إنه ينبغي عدم إرهاق النفس وتكليفها ما لا تطيق حتى تفرط في بعض الواجبات؛ فمثلاً الدعوة إلى الله عز وجل من أحسن الأعمال، وليس معنى الدعوة أن تترك بر الوالدين، وصلة الرحم وحقوق نفسك وأهلك وزوجتك.

    بعض الدعاة الذين لهم أهل وأطفال تتصل زوجته وتشكو أنها لا تراه ليلاً ولا نهاراً، وكلما سألته أن يقف معها يقول: أنا مشغول بالدعوة، فما هي هذه الدعوة؟

    وإلى متى تظل هذه الدعوة؟

    وما هي النتائج؟ كان أكثر الناس شغلاً بالدعوة هو الرسول صلى الله عليه وسلم، وأكبر من كان له أثر في الدعوة محمد عليه الصلاة والسلام، والذي أصلح أكثر البشر هو محمد صلى الله عليه وسلم، مع ذلك كان له تسع نساء، وكان يلاعب الأطفال، وينام في وقت النوم، ويصحو في وقت اليقظة، ويمازح الصحابة، ويستقبل الضيف، ويجاهد ويفتي، وهذا هو التكامل في الحياة.

    ومن كان كل يومه دعوة، فليرنا الناس الذين استجابوا لدعوته، وهل قد استجاب له الشرق الأوسط كلهم أم أنه منشغل بشابين أو ثلاثة منذ عهد السلطان عبد الحميد، وكلما قلت له: يا أخي لماذا لا توازن في حياتك، فتجلس مع والديك، يقول: تربية الشباب، فإذا قلت له: كم معك من الشباب؟ قال: عندي اثنان والحمد الله! وأنا لا أسخر، فإن نوحاً عليه السلام استجاب له رجل، وبعض الأنبياء لم يستجب لهم أحد، ولست عليهم بمسيطر، ولست مكلفاً بإصلاح الكرة الأرضية ولا حتى أهل أبها، وإنما عليك البلاغ بقدر جهدك واستطاعتك مع مراعاة التوازن في الحياة حتى لا يطغى جانب على جانب.

    وقد سمعت بعض الشباب يقول: أنا لا أتزوج، قلت له: لماذا؟ قال: تزوجت الدعوة..

    الله الله!! وهل الدعوة تتزوج، زواج الدعوة حرام، ولا يجوز الخلوة بها إلا مع ذي محرم، وبعضهم إذا قلت له: مالك يا أخي ما تزوجت وقد بلغ عمرك أربعة وعشرين قال: تزوجت أفغانستان، الله أكبر! فالمقصود أن الرسول صلى الله عليه وسلم تزوج قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّة [الرعد:38].

    قال الإمام أحمد لبعض تلاميذه:لماذا لا تتزوج؟ قال: إبراهيم بن أدهم مات ولم يتزوج -انظر كيف قفز إلى إبراهيم مباشرة، وخلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكره- فقال له الإمام أحمد: أُوَّه والله يقول: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّة [الرعد:38].

    وفي صحيح البخاري وصحيح مسلم ومعجم الطبراني، ومسند أحمد: {كان صلى الله عليه وسلم يحمل أمامة فإذا سجد وضعها، وإذا قام رفعها} بينما بعضهم يقول ما هؤلاء الأطفال؟ يشغلونا عن الدعوة والجهاد!!

    فلابد أن تتزوج، ولابد أن تعبد، ولا بد أن تدعو، ولا بد أن تجاهد، هذه هي وسطية هذه الأمة.

    وطلب العلم الآن بين إفراط وتفريط، إما طالب علم أغلق عليه بيته فلا يرى الشمس في الشهر إلا مرة، فهو دائماً في الحواشي، وهو مأجور على كل حال؛ لكن ماهي ثمرة العلم؟ هل أثر في أحد؟ يمكن أن يموت ولم ينفع أحداً، فإذا قيل له: شارك الناس في الدعوة ولو يسيراً، قال: لا طلب العلم فريضة، قلت: يا أخي! هؤلاء فيهم خير، قال: هؤلاء يضيعون الأوقات، ثم يموت فيموت علمه معه:

    لقد ذهب الحمار بأم عمرو     فلا رجعت ولا رجع الحمار

    فالمقصود من العلم النفع المتعدي، ولذلك كان أحسن من النافلة، لأنك تنفع به الناس:

    هو العضب المهند ليس ينبو     تصيب به مضارب من أردت

    وكنزٌ لا تخاف عليه لصاً     خفيفُ الحمل يوجد حيث كنتا

    يزيد بكثرة الإنفاق منه      وينقص إن به كفاً شددتا

    أنا جربت في نفسي إذا وقف الإنسان عن المحاضرات والدروس شهراً نسي الآية التي كان يستشهد بها.

    أحد الدعاة وقف عن الدعوة أربعة سنوات، قال: نسيت القرآن ونسيت الأحاديث، ونسيت المواعظ التي كنت أقولها، قال: وجربوني مرة في مجلس فتكلمت خمس دقائق ثم حممت ثم توقفت، ولذلك تجد الذي لا يدعو ولو كان عالماً كبيراً في السبعين من عمره فإنه لا يستطيع أن يتكلم، يقول: (الحمد الله) ثم يقف ربع ساعة (والصلاة والسلام على رسول الله) ثم يتوقف، لأنه ما عاش تبليغ هذا الدين للناس.

    ومن الناس وهو الطرف الآخر من ترك العلم ظهرياً، وقال: المقصود الدعوة، فنقول: يا أخي! احفظ مختصر مسلم للمنذري، قال: لا إذا حفظنا مختصر مسلم فقد زادت نسخة في البلد، عجيب! كيف زادت نسخة في البلد؟! قال: إنَّ حفظ هذه المتون تربك الدعوة إلى الله عز وجل ونحن دعاة لا علماء.

    وهذا خطأ، بل زاد عالم من علماء المسلمين وهذه الأسماء اللامعة: ابن حجر، ابن تيمية، ابن القيم، ابن رجب، أبو إسماعيل الهروي، وأمثالهم يحفظون المتون.

    فما هو التوازن؟

    هو التحصيل في وقت يكون منضبطاً لا يطغى على الحقوق والواجبات، فلابد من وقت لأهلك تجلس معهم ووقت لوالديك تقضي فيه حوائجهم وتجلس معهم، وتزورهم وتسمع كلامهم ويسمعون كلامك؛ هذا في الأربع وعشرين ساعة.

    واعلموا أن المشكلة ليست من قلة الوقت ولكن من عدم ترتيب الوقت، الآن تقول لأحد الشباب: لماذا يا أخي لا تحفظ القرآن؟ قال: يا أخي! والله ما وجدت وقتاً، هذا خطأ، لأنني أعرف من المخالطة أن البعض يجلسون من بعد صلاة العصر إلى صلاة المغرب على إبريق من الشاي، يأخذون أخبار البلد، من طلق من النساء، وبمن تزوج ومن مات، وهذا الوقت يحفظ بعض الحفاظ فيه ثلاثين حديثاً، وكان الإمام الدارقطني يحفظ في الجلسة ثلاثين حديثاً، بينما هذا الشاب يقول: يا أخي! والله ما وجدت وقتاً لمراجعة القرآن. والبعض إذا قيل له: لماذا لا تراجع القرآن؟ قال: انشغلنا بالدعوة عن القرآن، وهل الصحابة ما حفظوا القرآن لأنهم انشغلوا بالدعوة، وكلمة الدعوة أصبحت كلمة (مطاطية) أصبحت مظلة يتظلل بها كل أحد، حتى من أراد أن يفر من والديه ويترك البيت قال: لا. يا والدي لا تكن حجر عثرة في طريق الدعوة، يا والدي! اتقِ الله، دعني داعية أصلح هذه الأمة، هذه حفظكم الله الحقوق العامة.

    التخصص وأهميته

    الوقت عندنا رخيص يصرف بدون ثمن، تجد الناس يحرصون على الدراهم والدنانير، هل رأيت من حين خلقك الله عشرة ريالات في الطريق وأنت تمشي؟ الآن لو نظفت أبها في هذه الليلة من أولها إلى آخرها ما عثرت على ريال واحد في الطريق، بينما تجد من يقضي الساعات الطوال في غير طائل، وفي غير طاعة وذكر.

    والوقت -يا أيها الإخوة- أغلى من الذهب والفضة، وهو الحياة؛ فحذار حذار من ضياعه، اعلموا أن الله خلقنا وإياكم بصفات كل صفة لا تشابه صفات الآخرين، والحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق بها، وهي كلام لـعلي رضي الله عنه ولو أن بعض العلماء رفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويغنينا حديث الترمذي: {لا يكون أحدكم إمَّعة} نحن الذين في الصالة عددنا يقارب مائة وخمسين إلى مائتين، اعلموا أنه لا أحد منا يشابه الآخر في صفاته جميعا أبداً، ومنذ خلق الله آدم إلى قيام الساعة لا تجد اثنين يتشابهان في الصفات والمقومات والخصائص: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا [البقرة:148] قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ [البقرة:60].. {كل ميسر لما خلق له} فانظر استعدادك للدعوة وهل تريد أن تكون خطيباً أو أنك مؤهل لتكون كاتباً، ولذلك تجد بعض الشباب يقحم نفسه في أمور ما خلق لها أصلاً، ثم لا يكشف ذلك إلا في سن الثلاثين، فالشاب يريد أن يكون مفتياً وخطيباً وأديباً وكذلك داعية، فإذا وصل إلى الثلاثين تبين له أنه لا يستطيع أن يخطب ولا يستطيع أن يؤلِّف ويستطيع أن يفتي.

    تعال اليوم إلى بعض المفتين في بلادنا ودعه يعظ الناس ربما لو تلكم ساعتين ما بكت عينك، لأنه ليس بخطيب، تعال إلى بعض الخطباء في أصقاع العالم الإسلامي يريد أن يفتيك في مسألةٍِ فلا يستطيع.

    الرسول صلى الله عليه وسلم آمن بهذا وجعله منهاجاً لأصحابه، فـخالد بن الوليد، لا يفتي في الفرائض، وما سمعت في حياتي أن خالد بن الوليد شارك في مسألة، لم يقل للجدة كذا، ولا لبنت الابن كذا، ولا لابن الابن، شارك في قتل بعض النفوس، وفي فصل الرءوس عن الأكتاف، فإذا ذبح الكفار ترك الميراث والتركة لـزيد بن ثابت يقسمها، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {أفرضكم زيد} وخالد بن الوليد سيف سله الله على المشركين، وعلي بن أبي طالب قاض، ومعاذ بن جبل أعلم الأمة بالحلال والحرام، حسان، هل سمعت أن حسان يفسر القرآن، كيف يدخل الجنة حسان؟ يدخل بطريق القافية، والشعر الجميل:

    وبيوم بدر إذ يصد وجوههم      جبريل تحت لوائنا ومحمد

    فأنا أقول -أيها الإخوة!- من أجاد منكم في باب، ومن نفع الله به الدعوة في باب، فليمسك هذا الباب وليحرص على تنمية موهبته، أنا أعرف بعض الإخوة خطاطين -مثلاً- أنا أوصي الخطاط أن ينظم وقته، وأن يكون له وقت محدد لهذه الموهبة التي فتح الله عليه بها، لينفع الإسلام من هذه الطريق، أحد الإخوة شاعرٌ فلا يميت هذه الموهبة، باب فتحه الله عليك لا تغلقه، اشتغل بهذه الموهبة لكن لا تجعلها تأخذ عمرك، وعليك بتنسيق كلماتك، وحاول أن تطالع وتقرأ حتى تكون شاعراً يخدم لا إله إلا الله محمد رسول الله.

    بعض الإخوة خطيب؛ فعليه أن يتصدر ويخطب وأنا أقترح على المركز وربما فعل ذلك أن تكون هناك حصةٌ لأهل المواهب، تسمى حصة المواهب، محاضرة ودرس عام، فيصنف الشباب في كل فصل إلى أهل المواعظ وأهل الأدب وأهل التحصيل المبرزين، وأهل الخط.

    وهناك قضية أخرى، ولا أظنها في هذا المركز وأنا قد شاركت في بعض المراكز فوجدتها فيه: فالنشارة والنجارة مضيعة للوقت، نحن لا نريد نجارين وخشابين، نحن دعاةٌ وطلبةُ علم، يبقى الواحد يصنع دولاباً في شهرٍ فيضيع القرآن والحديث، وتسمع الأصوات وكأنك في منجرة من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر، وهذا ينصب الخشب وهذا يسحب المنشار، ويقولون: (مهنة في اليد أمان من الفقر) قلنا: لماذا؟! قال: الإسلام دين علم، دين نجارة، ودين خشابة، ودين نظافة، ودين خبازة، وهذا فن، لا. أنتم تعرفون ونحن نعرف أن المراكز الصيفية اشتغلت كثيراً بهذه الدواليب، وأنا أقول: الحمد لله والشكر لله نذهب إلى المنجرة ونشتري دولاباً بخمسين ريالاً، ولا نشغل الشاب شهراً كاملاً ويخرج نجاراً، لا نريد هذا، وكذلك الاعتناء بالخياطة.

    أما صنع الطعام فإلى الآن ما رأيت شيئاً، ولو أنهم في المدارس الابتدائية يعلمونهم صنع الطعام، أحضر حفنة من البيض مع قليل من الزيتون مع قليل من الملح مع أشياء أخرى! هذا للنساء ليس للرجال، فاقتراحي أن يكون في المركز أهل المواهب، فكل من عنده موهبة ننميه ونلاحقه ويكون له درس محدد حتى نخرج للناس، الأمة لم تخرج خطباء، كل الخطباء الموجودون بجهدهم الشخصي، لكن في بعض البلدان مثل تركيا عندهم معهد الخطباء، وهناك معهد الأدباء، ومعهد الخطاطين، والواجب أن نقوم بهذا نحن أنفسنا فنعتني بهذه المواهب ونركز عليها، ثم لا نزدري موهبة الآخر، وبعض الناس يجمع الله له مواهب يضرب في كل غنيمة بسهم، فتجده أديباً، كاتباً، خطاطاً، مؤلفاً، مفتياً.

    1.   

    تنبيهات مهمة

    بعض الأخطاء التي يقع فيها الشباب

    نحن عندنا خير والحمد لله لكن الالتزام أحياناً قد يكون ظاهراً في تربية اللحى وتقصير الثياب، وفي السواك، وبعض السنن، وهذا شيء جميل ويا مرحباً به، لكن -يا أيها الإخوة- أعمال القلوب مهملة كالخوف والرهبة والرجاء والخشية والخشوع والتأمل، قد تفاجأ حين تجد شاباً ملتزماً في الظاهر، مطيلٌ لحيته مقصر ثوبه لكن فيه عجب، وتفاجأ بشاب آخر متكبر، ولذلك يشكو إلينا بعض الشباب يقولون: فلان من أكبر الناس وجربناه حتى إذا جلس معك في المجلس كأنه يتصور أنه مالك بن أنس حتى يقول: لا يا شيخ! أنا طالعت هذه المسألة والذي ظهر لي والله أعلم أن رأي أهل العلم خطأ فيها، قال: وقد قرأت بنفسي وعقبت وعندي بحثٌ قد حققته في تلك المسألة، ولذلك تجده يقول: (قلت، وأنا، وعندي، ولي) وهذا من العجب.

    وقد رأيت رسالة موجودة في الأسواق في بعض تصحيحات الحديث لشباب نعرفهم يقول في أولها: وقد استدركت على الشيخ الألباني هذه المسألة وخطأته من ثلاثة أوجه، قال وَهِمَ ابن حجر وقد وقع لي أن سبب وهم الحافظ كذا وكذا! من أنت؟! يقولون: وقعت البعوضة على النخلة، ثم أرادت أن تطير فقالت للنخلة: تماسكي أنا أريد أن أطير قالت: والله ما أحسست بكِ حين وقعتي فكيف أحس بكِ إذا طرتي؟ أناس يفنون أعمارهم مثل الألباني وابن حجر في علم الحديث، ويأتي شاب في يوم واحد ويدرك خطأً، فيبقى في المجالس يقول: الشيخ الألباني أخطأ في الحديث ونبهت عليه، وقد كتبت في ذلك بحثاً، وكلما جلس بعض الشباب وهو يعرف شهر بن حوشب، أنه راوية ضعيف، فكلما جلس يقول: أيها الإخوة! ما رأيكم في شهر بن حوشب ثقه أم ضعيف؟ قالوا: لا ندري، قال: لا. قال فيه ابن حجر كذا وقال ابن حبان: فيه كذا، فينتقل إلى المجلس الثاني، يسرح لحيته ويقول: ما رأي الإخوة في شهر بن حوشب، فيسمونه شهر بن حوشب، مثل حماد الراوية أديب في عهد هارون الرشيد، قالوا: كان لا يعرف إلا داحس والغبراء، يتفاوض أهل العلم والفتيا في المجلس، فيأتي هو ويقول: ما رأيكم في داحس والغبراء؟! من الذي يجيد خبر داحس والغبراء؟! فسموه داحس والغبراء، وقال هارون الرشيد: أما حماد الراوية فإذا خرجتم به من داحس والغبراء فلا يعرف شيئاً، وهذا يسمى التقوقع على مسائل محددة.

    وقد مرت بنا فترة كان فيها كثير من الشباب لا يعرفون إلا تحريك الإصبع، ولقد جلست مع شاب أكثر من ساعة وهو يسألني في هذا البحث ويتصل وهو حريص على ذلك، وكأنه يسأل عن ركن من أركان الإيمان، أو معتقد يدخل به الجنة أو النار وأنا لا أهوِّن من شأن هذه المسألة، لكن نعطيها حجمها، كما أعطاها الرسول صلى الله عليه وسلم من وقته حديثين حديث ابن الزبير وحديث وائل بن حجر ومع ذلك يقول: ما أدري يا أخي هل أحركها في التشهد أو في الدعاء؟ قلت: الذي يظهر في التشهد، قال: في نفسي شيء، ولو حركتها في التشهد ولم أحركها في الدعاء ما أخذت بعموم الحديث؟ ثم يستحدث لك مسائل،ويخرج ويدخل ويجعلها مثار بحث في المجلس، وهذا خطأ.

    والذي يظهر الآن من علم الشباب أنهم يبدءون بالطهارة إلى باب الحج فقط، ومنهم من يبدأ بالطهارة إلى نواقض الوضوء، الآن ثلاثة أرباع أبواب الفقه لا يعتني بها، اسأله مثلاً في المساقاة، اسأله في الإجارة، اسأله في الربا، اسأله في البيع، اسأله في الجنايات، في الحدود، فلن يجيبك بمسألة، وهذا تقصير.

    أيها الإخوة: لا بد لمن أراد أن يدرس الفقه أن يكمل هذه الأبواب جميعاً.

    المروءة وبعض خوارمها

    هناك بعض الأمور أنبه عليها حتى نكون مظهراً من مظاهر الخير للأمة.

    أيها الإخوة: مسألة خوارم المروءة -أعاذنا الله وإياكم من خوارم المروءة- يظن بعض الناس أن الإسلام فقط أن تجتنب المحرم وتفعل الواجب، وهناك أمور أخرى من يفعلها قد تخرم مروءته، الآن على سبيل المثال تجد بعض الشباب يأكل في السوق، هل هناك نهي عن الأكل في السوق، أنا لا أعرف تحريم الأكل في السوق، بل بعض الشافعية أخذوا من قوله سبحانه: وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ [الفرقان:7 ] جواز الأكل في السوق، وهذا فيه نظر؛ لأن الواو في الآية ليست واو حال إنما هي واو عاطفة، يعني يأكل الطعام، وكذلك يمشي في الأسواق، لكنه من خوارم المروءة عندنا.

    قد تمر بشاب يمثل الصحوة الإسلامية والناس ينظرون للملتزمين نظر اعتبار، ولو أن بعض الفسقة لا يقدر؛ لكن ينظر باعتبار، حتى إذا قطعت شيئاً فإنه يقول: تقطع وأنت مطوع!! يعني لو كان فاسقاً كان معذوراً وترمي من نافذة السيارة الفاين فيقول: ترمي الفاين وأنت مطوع أي: ما كان ينبغي لك، دليل على أن المجتمع يقدر هؤلاء وأن لهم اعتباراً خاصاً، ومع ذلك ترى بعض الشباب يستهين بخوارم المروءة، أنا أعرف بعض الشباب يأتي مثلاً بلا غترة؛ يأتي هكذا مع الشباب رائحاً غادياً ولحيته طويلة، ويركب معهم، صحيح هذا ليس محرماً لكن في عرفنا نحن في البلد هنا أنه لا بد أن تلبس غترة حتى تصلح من هندامك، فلا تأت بهيئة درويش، هذه الجهة عند الأذن والجهة الأخرى عند القدم، والبعض إذا قلت له: مالك يا أخي لا تصلح من هيئتك! قال:{البذاذة من الإيمان} حديث حسن، فإذا الغترة مطوية بغير نظام والأزرار مقطعة ما فيها إلا واحد ويشبكه مع الأعلى!! هذ لا يصلح وجاء في في حديث حسن: {أصلحوا لباسكم حتى تكونوا شامة في الناس} {والله جميل يحب الجمال} أما أن يأتي الطالب بهيئة مزرية ويقول: إنه من الشباب الملتزم والله -يا إخواني- نخشى أن المنافقين يضحكون عليه، أنا رأيت بعض المنافقين يستهزئ، يقول: انظر الثياب، انظروا الغتر، انظر كذا وكذا.

    إن سيد المتجملين هو محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كان إذا مر من مكان عرف من ريح الطيب أنه مر وكان يلبس الجميل، وكان صلى الله عليه وسلم يعتني بمظهره وينظر إلى المرآة كما جاء في كثير من الأحاديث فلماذا لا نتبعه؟!

    نماذج من خوارم المروءة

    وحذار من أن الإنسان يأتي بهذه الخوارم، منها: أن البعض في صلاة الفجر يأتون بثوب النوم المخطط، هذا الذي كأنه من نيجيريا، يأتي بثوب النوم، ولو دعاه سلطان من الناس لتجمل قبل الدعوة بيوم، والبعض في الأعراس يأتي كأنه تحفة، الإنسان لابد أن يعتني بمظهره.

    منها أنه يشاهد بعض الإخوة وهو يمشي في الطريق يبصق عن اليمين وعن اليسار في طريق المارة، وهذا شاب يمثل الإسلام! أحياناً تجده يدخل عجولاً مهرولاً في مشيته، وهذا لا يليق؛ لأن الإنسان يقدر بالعقل والاتزان، وليس كل ما لم يذكر في القرآن ولا في السنة معناه أن يترك ويهمل، لا. قد علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم من سيرته الكثير.

    وأعرف كذلك نماذج كثيرة من خوارم المروءة كما قلت في المثل، كثير من الناس يشرب الماء وهو ماش في السيارة، أو يشرب الببسي ثم يرمي العلبة وراءه فتقع على سيارات الناس، ثم يكتشفون هذا الوجه النير الطاهر فيقولون: كيف تفعل هذا؟ أليس هذا خطأ؟ بلى.

    منهم من يقطع الإشارة -مثلاً- ويقول هذه إشارة المرور لم تذكر في الكتاب ولا في السنة، ما هذا الفقه؟! وقس على ذلك.

    والذكي يعرف وإلا فهناك نماذج كثيرة من خوارم المروءة يقع فيها كثير من الناس، ومنها ما هو سوء أدب كأن تجد بعض الشباب ولو كانوا طلبة علم وشاركوا في المراكز وهم دعاة في نفس الوقت لا يقدرون الكبير، أنا حضرت مجالس يدخل طالب علم مشهور بطلب العلم أو قاضي أو عالم أكبر منه سناً، فيجلس الطالب لا يقوم أبداً تقول: لماذا لا تقوم للشيخ يا أخي؟ قال: الرسول صلى الله عليه وسلم نهى أن يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن في هذا الموقف لا أدري يتسنى للإنسان أن يبقى في صدر المجلس وتنظر إلى رئيس المحاكم -مثلاً- أو إلى عالم من العلماء وهو عند الأحذية بين الأطفال.

    أنا رأيت بعض الشباب كذلك يدخل بعض الشيوخ الكبار فيقوم المجلس كله ويبقى هو جالس، وهذا والله لا يصلح، أنا أدري أن عندهم أدلة لكن الأدلة على خلاف ما يقولون، وربما المسألة اجتهادية، وفرضاً أنه مصيب وأنا مخطئ في الدليل؛ لكن هل من اللائق أن يقوم مجلس فيه خمسون لشيخ من المشايخ الكبار، ولا يقوم طالب العلم معهم؟! ليس بالصحيح.

    ولـابن تيمية إشارة إلى هذه المسألة وأن حق المسلم مقدر، وأن المسائل المرجوحة هذه قد يكون المرجوح أعظم في بعض المناسبات -مثلاً- في المسجد إذا أتت محاضرة أتينا لبعض المشايخ في بعض المحاضرات والصف الأول فيه شباب، قلت: يا أخي! من فضلك مشايخ وضيوف أتوا قال: من العصر وأنا هنا، ما أقوم من هنا أبداً قلت: يا أخي! بالتي هي أحسن، قال: ولا أقوم، فجعلنا بعض الضيوف في الصف الثاني، انظر إلى الشكل والمظهر. كذلك كثير من الشباب لا يعطي المشايخ الكبار قدرهم كالتقبيل على الرأس -لا تظنوا سوء نحن كلنا شباب، لكن أقصد العلماء الكبار- يقبل أحدهم على رأسه ويحترمه وألا تتكلم بين يديه.

    من سوء الأدب أن تعرض المسألة في المجلس وفيه من هو أعلم منك، فلا تتلكم حتى يتكلم هو، ويقفز لك شاب من الثانوية بينما المشايخ موجودون، قال: الذي تطمئن إليه نفسي في هذه المسألة بعد ما رجعت إلى ابن تيمية وابن القيم أن فيها كذا وكذا، هذا لو سكت ولو مات كان أحسن، ثم الناس لن يقبلوا بكلامه أولاً، والأمر الثاني: أنه تعدى على حرمة ومكانة هؤلاء، وقس على ذلك.

    أيها الإخوة الكرام: المقصود من هذا كله أن نكون متزنين في حركاتنا وسكناتنا ولا تأتي هذه إلا بتربية، وأرى أن أحسن ما يربي بعد تدبر كتاب الله عز وجل مطالعة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتراجم العلماء، وأنا أرشح سير أعلام النبلاء للذهبي أن تتأملوا آداب العقلاء والفطناء والعلماء حتى يعرف الشاب كيف يتعامل مع الناس، كيف يزور وكيف يجلس، العقل، الأدب، الهدوء، الاتزان، حسن التصرف.

    أنا أذكر لكم مثلاً حياً: قبل البارحة اتصل بنا شاب -والمؤذن يؤذِّن- يسألني في مسألة، فلم يجد من أربعة وعشرين ساعة إلا وقت الأذان يقول: ما رأيك في نزيف الأنف، يفطر أم لا؟! فلا بد أن يعرف الإنسان كيف يتصل، ومتى يزور ومتى يأتي.

    إنسان يزورك قبل صلاة المغرب، ويوقفك عند الباب، وتقول تفضل ويقول: لا أنا مستعجل، فلماذا توقفه الآن في هذا الوقت، أو إنسان يتصل بك مع الأذان، أو عند النوم في الهاتف، لا بد أن يكون الإنسان محافظاً على نفسه ويعتني بتصرفاته، وبزياراته وباتصالاته، وقد كررت كثيراً.

    مما يقول الإنسان من كثرة الإحراج الذي يواجهه من الشباب أن لو كان ذلك من العامة والجهلة لكانوا معذورين، لكن ما بالك بهذه الصفوة المختارة، النخبة التي تربي الناس فتأتي منهم هذه الأخطاء.

    على كل حال أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية والرشد والسداد، وأن يزيدنا وإياكم بصيرة وتقوى، وهداية، وأن يجعلنا وإياكم من المقبولين، وأن ينفعنا بما سمعنا، وأكرر شكري لكم، ونطلب منكم الدعاء في ظهر الغيب، وصلى الله على محمد وسلم تسليماً كثيراً.

    1.   

    الأسئلة

    ظاهرة ضعف حفظ القرآن وعلاجها

    السؤال: بعد أن هداني الله تعالى إلى طريق الحق والحمد لله، أعاني من مشكلة حفظ القرآن الكريم فبماذا تنصحني حفظك الله؟

    الجواب:

    أولاً: إنني أبشركم أن هناك بحثاً لأحد طلبة العلم سوف يخرج بعنوان (كيف تحفظ القرآن) وهو بحث قيم بإذن الله عز وجل؛ أسأل الله عز وجل أن ينفع به، وهذا الأخ طالب علم في المدينة المنورة، ولكن مما يعرف بالاستقراء والتجربة وسماع بعض الحفاظ، أن مهمة حفظ القرآن ليست بالسهلة.

    ثانياً: تريد من الإنسان إخلاصاً وتجرداً لله، ثم أن تبتهل إلى الله في سجودك وأدبار الصلوات أن يزيدك وأن يوفقك ويعينك على حفظ كتابه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    الأمر الثاني: أن تقتصد في الحفظ فتأخذ آيتين، فإن زدت فخمس آيات في اليوم، كرر عليها كثيراً كثيراً حتى تتصورها كالفاتحة.

    الأمر الثالث: أن يكون لك زميل تحفظان معاً.

    الأمر الرابع: أن يكون لك وقت للمراجعة، وحبذا لو راجعت في النوافل.

    الأمر الخامس: أرى أن تطالع التفسير ولو مختصراً حتى تفهم معنى الآية؛ لأن فهم معنى الآية يعنيك على حفظها.

    ثم منها: كثرةُ الاستغفار، ثم أن يكون لك مصحف واحد.

    ثم منها أن تختار الوقت المناسب كوقت السحر أو بعد الفجر، ثم منها: أن يكون المكان الذي تحفظ فيه هادئاً ومغلقاً، أي ألا تكون فيه مناظر مزعجة وملفتة للنظر، إلى غير ذلك والله والموفق.

    الحوار والفتيا والفرق بينهما

    السؤال: يقول السائل: ما رأيكم أن بعض طلبة العلم في مجلس، ثم تعرض قضية في الفقه أو غيره ثم يعطي كل منهم ما يعرف في المسألة، وتناقش حتى يظهر الحقُّ أو تبحث؛ فهل هذه هي الفتيا والقول على الله بغير علم؟

    الجواب: يختلف النقاش العلمي عن مسألة الفتيا، فالفتيا: أن يأخذ منك سائل ما تدلي به من علم، أي أن يعتمد عليك فيحلل ويحرم بسببك وبفتياك، أما المناقشة فلو أخطأت مع زملائك فهم لا يأخذون قولك لأنها وجهة نظر ولا بأس بذلك، فإنه مما ينمي العلم، وهي المذاكرة، ولو أوردت حديثاً ضعيفاً وبان أن رأيك خطأ، لكان لا ينبني على كلامك شيء، سوف يرد عليك زميلك ويلاحظ عليك؛ فالمباحثة مطلوبة، وهي إحياء العلم، وكان الإمام أحمد، يباحث أبا زرعة -حسب ظني- حتى طلع الفجر، وقالوا تماسك الفضيل وابن المبارك يتساءلان عند باب الحرم حتى أذن الفجر، فالمذاكرة واردة وهي طيبة، وخاصة إذا كانت في مكتبة، وكانت الكتب قريبةً حتى تبحثون بقرب من كلام أهل العلم.

    ضابط الحكم الشرعي على المسائل

    السؤال: هل التسرع في إصدار حكم كقول القائل: حلال أو حرام أو جائز ونحوه هل هذا قول على الله بغير علم مع أن مصدر الحكم ليس عليه دليل، أو مصدر الحكم ليس عن دليل، بل قد يكون هناك خلاف أو أدلة أخرى لا علم له بها، وما ضابط إصدار الأحكام الشرعية على المسائل الملقاة على السائل.

    الجواب: أيها الإخوة: أدعوا نفسي وطلاب العلم ألا يتسرعوا في كلمتين؛ في قول: حلال، وفي قول: حرام. يقول سبحانه: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ [النحل:116].

    لأنَّ تَسرعك وقولك هذه الكلمة توقيع عن رب العالمين، ولذلك سمى ابن القيم كتابه: إعلام الموقعين عن رب العالمين أي أفهم يوقعون ويمضون عن الله عز وجل، ثم إذا لم يكن هناك نص يحرم المسألة، فلا يجوز لك أنت حتى تتيقن وتبلغ درجة الإفتاء في المسائل المختلف فيها، أما مسائل ظاهرة التحريم مثل الزنا وشرب الخمر، والسرقة، فإنك تقول: حرام ولا تتلافى، كما تقول شرب الماء حلال، مصافحة الرجل للرجل حلال، فهذه بائنة لكن هناك مسائل مختلف فيها هي التي أحذر كل التحذير أن تتسرع في التحليل والتحريم، كان الإمام أحمد لخوفه من الله يقول: أرجو، أكره، أخشى، لا أدري، وكذلك مالك، وذكر ابن القيم فصلاً في إعلام الموقعين عن تحرزهم في الفتيا، وصعب أن تقول: حلال، وصعب أن تقول: حرام، حتى رأيت بعض المنافقين يهاجمون كثيراً من طلبة العلم أنهم يقولون: حرام، يقول أحدهم: كل شيء حرام ويعلم الله أنه ما قاله أحد، ولا يقوله طالب العلم، لكن من التجريح، سمعت أحدهم يضحك مع زملاء له ويقول: خطيب قام فقال: الدخان حرام، والموسيقى حرام، والتبرج حرام، كل شيء حرام!! وهل يقول هذا عاقل؟ فمثل المسائل الظاهرة يتكلم طلبة العلم، وأرى أن الذين في المنطقة يجتمعون حتى يتحد رأيهم على كلمة، وأما المختلف فيها فيحيلونها إلى العلماء، حتى لا تتضارب الأقوال ويهتز موقف الشباب أمام الناس.

    الفتوى بغير دليل ولا برهان

    السؤال: يسألني بعض الشباب عن بعض المسائل وأنا أعرفها، ولكن لا أحفظ الدليل فهل أجيب أم لا؟ وشكراً.

    الجواب: إذا بلغ طالب العلم إلى الدرجة أنه بحث المسألة وقتلها بحثاً وتأكد واطمأن قلبه فلا بأس، وذكر النووي في أول مجموعه أنه لا يلزم المفتي أن يذكر الدليل للعامي أو الذي لا يسأل الدليل لا يلزمك، لكن إذا طلب طالب علم منك أن تذكر له الدليل فتبحث، الكثير من المسائل قد لا يستحضر طالب العلم الدليل فيها، نعلم -مثلاً- نحن الآن جميعاً أن قدر المضمضة في الوضوء ثلاث مرات، لكن أعرف أن كثيراً ممن هو جالس الآن لو قلت له: ما هو دليل المضمضة ثلاث مرات من الأحاديث النبوية لا يستحضر أن يقول حديث عثمان في البخاري ومسلم وهو برواية: وتمضمض ثلاث مرات واستنثر، وحديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وحديث أبي هريرة وحديث عائشة؛ لا يستطيع لكن يعرف الجميع أنها ثلاث مرات.

    مشكلة النسيان

    السؤال: يقول أنا شاب كثير القراءة وأحبها كثيراً حتى أنني قد أقرأ الكتاب المكون من مائتي صفحة في الصباح وأنتهي منه بالليل دون أن أترك كلمة واحدة، وأحس بعد الانتهاء أني قد فهمته، ولكن بعد مرور الوقت أنسى كل ما قرأت ماذا أفعل؟

    الجواب: أولاً -يا أخي- تشكر على القراءة، وأنا أوصيكم بكثرة القراءة، من أراد العلم والتوسع فليقرأ أكبر قدر من الكتب التي يجدها، يقول ابن الجوزي في صيد الخاطر: إنه قرأ في وقت الشباب ما يقارب من عشرين ألف مجلد؟ ويقول: إذا رأيت كتاباً جديداً كأني ظفرت بكنز، فكثرة المطالعة مطلوبة ولا يخلو كتاب من فائدة.

    الأمر الثاني: سرعة القراءة تكون موهبة وأنا رأيت مقالة في مجلة البيان عن القراءة السريعة، وعن مالها وما عليها، أو فن القراءة السريعة، أو شبه هذا، فأعجبني الموضوع، وهو جيد، والقراءة السريعة موهبة وممن كان سريع القراءة ابن حجر، لأنها ولو لم تفهم لكنها تجمع لك شتات الموضوع وتكون عندك موهبة وملكة، والذي يقول: ما فهمت شيئاً، ليس بصحيح، يأتي يوم تسأل في مسألة تعرف أنها في الكتاب أو تبحث عن حديث أو عن رجل تعرف أنه مر بك، وعلى كل حال قل إنك فهمت (1%) من الكتاب، فكم في الكتاب من مسألة قد تكون ألف مسألة، فإذا فهمت عشر مسائل فهو خير كثير، لكن على كل حال: أرى أن تكثر من الاستغفار حتى لا تنسى كثيراً، وأن يكون عندك قلم وقت القراءة، لتلخص ما قرأت أو تكتب بعض الفوائد أو تفهرس المقروء.

    الملل من القراءة

    السؤال: إني أجد في نفسي تحمساً للقراءة، ولكني عندما أفتح كتاباً وأقرأ فيه شيئاً قليلاً أمله ولا أستطيع إكماله فما الحل؟

    الجواب: كثير من الإخوة يرى أن القراءة أمر سهل، فإذا ناسب نفسه يجعلها متعة؛ فإن استطاع أن يقرأ فبها ونعمت، وإن لم يستطع تركها، ولذلك تجد بعض الإخوة عنده مكتبة كاملة ما قرأها، ويعرف المؤلف والعنوان، والطبعة، طبعة دار الشروق أو بولاق، ويمسح بيده هكذا، ينظر هل هذا مصور أم مخطوط؟! هذه ما تنفع، قراءة العناوين والمؤلفات ما تنفع حتى تدخل أنت في صلب الكتاب، ولا يحصل المسلم على خير الدنيا والآخرة إلا بالصبر، فلا بد أن تجاهد نفسك، علماً أن النفس إذا دعوتها لتقرأ فتح الباري -مثلاً- دعتك إلى قراءة العقد الفريد، أخبار وأسمار وأشعار وأحياناً ترهات تنفعه في وقت الملل، لكن النفس أمارة بالسوء، والنفس تهوى لا تريد أن تجالد؛ فما معك إلا الصبر، واصبر لأنك سوف تصل بقراءتك هذه إلى ما تتمنى إن شاء الله، ورحم الله من يقول:

    اطلب العلم وحصله فمن     يعرف المطلوب يحقر ما بذل

    تصور الآن الذين صبروا في شبابهم، كيف تجدهم الآن، تجد كبار الناس يسلمون على رءوسهم، العالم إذا مر أو جلس لا ينظرون لنسبه، أنا رأيت علماء من الموالي، ومر في التاريخ مثل عطاء بن أبي رباح مولى عبد، وكلنا عبيد الله، أسود، مهلهل الشعر، أهنس، ما عنده من الدنيا درهم، وقف سليمان بن عبد الملك يريد أن يستفتيه في الحرم فقال لـسليمان: لا أفتيك خذ دورك مع الناس فقال سليمان لأبنائه وهم خلفاء ملوك: يا أبنائي! عليكم بطلب العلم، والله ما ذللت في الحياة إلا لهذا العبد، بسبب العلم. إذا تصور الإنسان أنه سوف ينفع الله به لا لرئاسة الدنيا لكن ينفع الله به ويصلح على يديه، ويكون مرجعاً للناس ثقة.

    الآن أضرب مثلاً: الشيخ عبد العزيز بن باز، الآن تجد في البادية في تهامة في القرى، بل في أمريكا في المراكز الإسلامية رأيت الخلاف في مسائل محتدماً على أشده، والناس من نواحي الكرة الأرضية من بلاد الإسلام، فيقوم شاب عند المايكروفون، يقول: قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز فيقولون: اسكتوا نسمع ما يقول، فإذا سمعوا لقوله سلموا له وارتفع الخلاف، وهذا أمر حصل عليه بالسهر، وكذلك غيره من كبار أهل العلم الذين مروا في التاريخ.

    الفكر والمفكرون

    السؤال: فضيلة الشيخ: هل يعني كلامك عن الفكر والمفكرين وقراءة الصحف أن نقرأ المتون والمطولات والمختصرات، ونترك الواقع وما يحدث حولنا، وكيف نحصل فقه الواقع، ثم ما قولك في أقوال سيد ومحمد قطب وغيرهم؟

    الجواب: أنا لا أعني هذا حفظك الله لا من قليل ولا من كثير، وأنا أهتم بهذه الكتب التي ذكرت ولا بد للإنسان أن يطالع ما يكتب، ويطالع الصحف، لكن ما أقصد أن يكون متخصصاً في فن الصحافة، يحفظه من أوله إلى آخره ويترك القرآن والحديث؛ لأنه طغى هذا الجانب على بعض الناس، وأنا ما قصدت هذا، لا بد من معرفة الواقع: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام:55].

    والداعية إذا ما عرف الواقع أخطأ وأساء في تصرفه، أما كتب من ذكرت من سيد ومحمد، فأثابهم الله فقد أحسنوا كل الإحسان، وليسوا بمعصومين، وأعرف أنه لا يسلم عالم من خطأ أو زلل، وهم أرادوا الخير فيما ظهر لنا، وهذا ما نعتقده وندين الله به أنهم ما قصدوا إلا الخير وما قصدوا الإساءة للإسلام والمسلمين، وإن أتى خطأ فهم بشر، فعلى كل حال نرى أن يستفاد منهم، وأن يدعى لهم في ظهر الغيب، وأن ينبه على الخطأ الذي يوجد في كتبهم، حتى يكون الإنسان على بصيرة، ويكون طالب العلم على برهان.