اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , التوازن في حياة الشباب للشيخ : عائض القرني


التوازن في حياة الشباب - (للشيخ : عائض القرني)
طلب العلم أمر مهم، وفرض محتم، ولكن قد تشوبه بعض الأمراض التي ينبغي التنبه لها؛ منها عدم الاهتمام بتزكية القلب وخشوعه، أو عدم الاهتمام بما يخدش المروءة، أو يفتي المرء بما لا يعلم، أو يطغى جانب العلم أو الدعوة على بقية مناحي الحياة، وهذا الدرس معالجة لذلك.
أهمية التوازن
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ سلاماً أزكى من المسك، وأنقى من ماء الغمام، وأبيض من الفجر، سلاماً ثابتاً ثبات مبادئكم، صادقاً صدق إيمانكم، راسخاً رسوخ معتقدكم. ما أسعدني هذه الليلة أن أجلس بين أيديكم، أشكر أخي وزميلي الشيخ/ عبد الله الشهراني على مقدمته، وأشكركم على حضوركم.سبب السعادة أمران: الأمر الأول: أنني ألتقي أنا وإياكم هذه الليلة تحت النسب الذي أتى به محمد عليه الصلاة والسلام، نسب لا إله إلا الله محمد رسول الله، فنحن وإياكم نزاع من القبائل، التقينا لا على سبب ولا على حسب ولا على نسب إلا نسب لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله عليه الصلاة والسلام: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:62-63].لما جلست ورأيت الجمع تذكرت بعض الاجتماعات في مثل ليالي رمضان لكنها من نوع آخر، هناك شباب يجتمعون مثلما تجتمعون، لكنهم يجتمعون على سهرات حمراء، وموسيقى حالمة وبلوت وضياع، فقلت: يا سبحان الله! كم بين الواديين والفريقين والحزبين!! فأسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن سلك بهم طريق الهدى وهم أتباع محمدٍ عليه الصلاة والسلام.نعم. كما سمعتم عنوان المحاضرة: التوازن في حياة الشاب المسلم.نحن بحاجة إلى هذا الموضوع نزن به أعمالنا وأقوالنا ونشاطنا، نحن بحاجة إلى أن يكون الشاب فقيهاً قبل أن يكون مندفعاً ذا عاطفة، أن يكون فقيهاً في دين الله عز وجل، وصحيحٌ أن في أول الطريق يحدث للإنسان شيء من العاطفة أو عدم الاتزان، أو تغليب جانب على جانب، وسوف أدور في هذه الليلة في مسائل:منها الروحانية في حياة الشاب، وجذوة القلب، وتوقد الروح، أن يعيش هذا الدين.ومنها طلب العلم وطرق تحصيله ومحاذيره.ومنها الجرأة على الفتيا وتغليط أهل العلم، والتشنيع بالزملاء والإخوة.ومنها التوازن وهو لب المحاضرة، كيف توازن بين العبادة: النوافل كقراءة القرآن، وبين أن تكون داعية، وبين حضور المراكز الإسلامية، وبين حقوق الوالدين وحقوق الأصدقاء والحقوق العامة.أتحدث لكم عن مسائل نعيشها، كخوارم المروءة التي لا يسلم منها إلا الفطناء، وأخطاء في منهج طلب العلم، والالتزام الظاهر على حساب التزام الباطن، ومنها الآداب العامة التي يخل بها كثير من الناس. أيها الإخوة الفضلاء.. الرسول عليه الصلاة والسلام ربى أصحابه، ووجد في المنهج الأول الذي عاشه النبي صلى الله عليه وسلم أخطاء من هؤلاء في أول الطريق فبَصَّرهُم الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد وجد شباب أرادوا أن يغلبوا جانب العبادة على جانب طلب العلم، وعلى جانب التفكر والتأمل، والدعوة؟ووجد من يقول: والله لأصومن النهار ولا أفطره، وآخر يقول: لأقومن الليل ولا أنامه، وثالث يقول: لا أتزوج النساء، ورابع يقول: لا آكل اللحم، فاستدعهام صلى الله عليه وسلم لأنهم أرادوا تنظيم مبدأ جديد؛ لأنه هو المنظم وحده عليه الصلاة والسلام، ليس للإنسان أن يقترح بين يدي الله عز وجل ولابين يدي رسوله عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات:1]. فليس لك أن تقترح أو تأتي بشيء؛ إنما عليك أن تتوقف أمام الشرع، فأخبرهم الرسول صلى الله عليه وسلم: (أن من رغب عن سنتي فليس مني) أولاً هو القدوة، قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21].يصلي فيقول: (صلوا كما رأيتموني أصلي) يحج عليه الصلاة والسلام فيقول: (خذوا عني مناسككم) إذاً لا بد أن يتبع.وعند الدار قطني وقال النووي: رويناه في كتاب الحجة بسند صحيح، يقول عليه الصلاة والسلام: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) إذا علم هذا فالواجب علينا أن نتقيد بالشرع، وتقيدنا بالشرع يجعلنا نفكر في حركاتنا وسكناتنا، هل توافق الشرع أم لا.
 

أسباب فقد الروحانية في حياة الشباب
من المسائل التي نعيشها مثلاً: فقد الروحانية من القلوب، قلة البكاء والخشية، عندنا علم كثير وكلام وخطب؛ لكن ليست عندنا خشية لله إلا في القليل النادر، من علامات الساعة عند كثير من أهل العلم؛ أن ينـزع الخشوع حتى لا ترى خاشعاً، ولها أسباب.
 كثرة الخلطة وتأثيرها على الخشوع
من أسباب فقد الروحانية كذلك: كثرة الخلطة؛ فإن ابن القيم جعلها داءً؛ إلا خلطة الصالحين وطلبة العلم والإخوة والأخيار، فإن كثيراً ما يختلط الناس على غير طاعة، بل والله إن خلطة كثير منهم تظلم القلب، بل رؤية بعض الناس تجعل قلبك قاسياً؛ مر الحسن البصري فرأى قصور المترفين فغمض عينيه فقالوا: مالك؟ قال: وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه:131]. وقرأت أن أحد الصالحين رأى سلطاناً مترفاً يمر على فرس فغض بصره وقال: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَار [هود:113]. قال أحد حاشية الظلمة لـسفيان الثوري: يا أبا سعيد! هل أنا من أتباع الظلمة والله يقول: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا [هود:113] قال: لا. أنت لست من الحاشية، قال: ممن؟ قال: أنت منهم. أنت من الظلمة مباشرة، لست من الحاشية لأن الحاشية هم المشجعون والمطبلون، والمتعاطفون، فالمقصود أن هذه الأسباب تجتمع على القلب حتى يصير قاسياً.
طلب العلم
المسألة الثانية طلب العلم: وأنا أنهى وأحذر الإخوة من أن يستجيبوا لكل من ثبطهم عن العلم، يقولون: إنما نحن دعاة لا علماء، وكيف يدعو الإنسان بدون علم، وهل هناك أشرف من طلب العلم، هل كان محمد صلى الله عليه وسلم إلا عالماً معلماً، وهل أنزل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى قوله: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19] وقوله: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه:114] وقوله تعالى: وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43] إلا على النبي صلى الله عليه وسلم.
 مدلول كلمة (المفكرين)
ما معنى كلمة (مفكرون)؟ هل سمعتم في القرآن كلمة (مفكرين) إلا اشتقاق يتفكرون أو التفكر؛ لكن (مفكرون) من أين أتتنا؟! في الإسلام علماء وجهلة فقط أما كلمة فكر فدخيلة علينا، تجد المفكر الآن يتكلم ست ساعات لا قال الله ولا قال الرسول عليه الصلاة والسلام هذا يسمى مفكراً، والمفكر أحياناً لا يصلي صلاة الجماعة مع الناس، وإذا قلت له: صل صلاة الجماعة مع الناس، يقول: أنا أنظر للأمة، قلنا: لماذا لا تقوم الليل يا فضيلة المفكر؟ قال: القضية ليست قضية قيام الليل.قلنا: ما هي القضية؟ قال: هي قضية حياة الإسلام ورسوخه في الأرض.قلنا: ولماذا لا تطلق لحيتك؟ قال: القضية ليست إطلاق اللحية.قلنا ماهي القضية؟! قال: القضية أكبر من ذلك، عموم الدين وشموله في مناح الحياة.يلبس دبلة الذهب، ويترك صلاة الجماعة، ويحلق لحيته، ويسدل ثوبه، فإذا حدثته في هذه القضايا، قال: لا، هذه قضايا تسمى قشور الدين، وإذا كلمك فلا تفهم كلامه، مثل كلام المناطقة، الذين يقول فيهم الإمام الشافعي: رأيي فيهم أن يطاف بهم في القبائل والعشائر ويجلدوا بالجريد والنعال ويقال: هذا جزاء الذين تركوا علم الكتاب والسنة وأتوا إلى هذا.ثم إن العلم شيء، والثقافة العامة شيء آخر، بعض الإخوة يدرس الجرائد اليومية ويحفظها ويتدبرها وقد يبكي منها، ثم يظن أنه من العلماء الراسخين في العلم، وبعضهم ليس عنده في المكتبة إلا دوريات ومجلات وجرائد، هذه ليست علمية، ثقافة عامة تصلح، للأمي وللعالم؛ لكن ما تكسبك علماً، العلم قال الله وقال رسوله عليه الصلاة والسلام، ولذلك يراد الآن بالعالم الإسلامي كما يقول أحد المفكرين: أن يكون هناك لطلبة العلم مستوى من الثقافة يشتركون فيه جميعاً، لذلك تجد في الجامعات الحذف في المقررات، أحياناً تجد الفقه مجرد عشرين ورقة أو ثلاثين فقط، يحذف باب كامل، والأحاديث المخرجة، ويحذف منه نقاط، حتى يخرج الشباب مثقفين فقط، أما علماء فهذا ليس مقصوداً، وربما صُرح في بعض المناهج بذلك حتى يكون عند الناس طبقة واحدة من المثقفين جرياً على عادة الغرب.
أخطاء في الطلب
ومما يقع فيه كثير من الشباب وهو أمر غير محمود أنهم قدموا على القرآن غير القرآن، الآن يحفظ بعضهم الرحبية، والبيقونية، ولا يحفظ كتاب الله بل بعضهم حفظ القرآن، ثم انشغل بالمتون، حتى ترك القرآن، وترك أم المتون وأباها ورأسها وتاجها كتاب الله، فالله الله في حفظ القرآن، وأقول: إن كتاب الله عز وجل يغني عن غيره، فإن كان ولا بد أن تحفظ متناً واحداً فعليك بكتاب الله، ثم تزود بعد ذلك، فالخطأ الشنيع -يا أيها الإخوة- أن يهدر كتاب الله عز وجل بسبب متون أخرى، أو بحفظ أشياء أخرى، وأنا أرشح كتاب الله عز وجل للحفظ ومختصر البخاري للزبيدي، ومختصر مسلم للإمام المنذري، فهذه هي المتعة وهي الحياة، وأنا أعتقد أن من حفظ هذا وتدبر وتأمل سوف يصبح عالماً له أثر وله مستقبل بإذن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى.
 الوسوسة في الفتيا
وهناك الوسوسة؛ فغير مطلوب من الإنسان أن يوسوس في الفتيا التي هي من البديهيات والفتيا فيها تنفع العامة، كرجل يسأله بدوي كم أتوضأ الوضوء فيقول له: الله ورسوله أعلم، لماذا لا تفتيه يا فضيلة الشيخ؟ يقول: الورع، وقد كان الصحابة يتدافعون الفتيا، هذه مسألة جاهزة وسهلة، كتمت علمك، لأن الحذر من طرفين اثنين: الطرف الأول: التسرع، وهو القول على الله بغير علم قال تعالى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم ) [الإسراء:36] وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ... [النحل:116].الطرف الثاني: طرف الكتمان: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:159-160]. وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ [آل عمران:187]. وفي السنن بسند صحيح: {من كتم علماً ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار}.
التوازن في الحياة
من المسائل التي يمر بها الشباب وما استطاع إلا القليل أن ينضبط فيها مسألة التوازن في الحياة، أن يوفق بين متطلبات الدين والدنيا، أن يكون وسطاً، ألا ينقص جانبٌ من حياته جانباً آخر، الآن علماء الفلسفة يرون أن الدخول إلى الجنة من باب النظر والتأمل، والصوفية يرون أنها في الزوايا فقط، والمجاهدون يرون بأخذ السيف فقط، وطلبة العلم يرون بالتحصيل، والفقهاء يرون بالفتيا.وانظر إلى أهل البضائع: إذا جئت إلى مفكرٍ أو داعيةٍ يهتم بالجهاد والذهاب إلى أفغانستان، تجد خطبه في الجمعة ومحاضراته عن الجهاد والمجاهدين، وعن الشهداء وكراماتهم وما وقع في أرض الجهاد، ويرى أن الإسلام هو الجهاد، ويأتي طالب علم عاشق للعلم، وحديثه ودروسه وخطبه في طلب العلم، تناقشه في الجهاد فيسكت ولا يتفاعل معك، تأتيه في العبادة فلا يتفاعل معك، إنما في طلب العلم ليلَ نهار، وتأتي إلى العابد في النوافل يريد الحديث أن يكون فيه، والذي جمع الجميع هو محمد عليه الصلاة والسلام، وأعتقد أن تغليب جانب على حساب الجوانب الأخرى نقص... ربما في الإنجاز وربما في القدرة العلمية، وربما في الطاقة، كلٌّ ميسر لما خلق له: أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً [الرعد:17] فكل شيء بقدر. لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقر والإقدام قتال إذا علم هذا -أيها الإخوة- فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أتى بحياة وسطية، قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [البقرة:143] وأنا ذكرت قصة الشباب الذين أتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فأرادوا أن يجعلوها صلاةً وصياماً وقراءة قرآن ويتركون جميع الحقوق، حق الضيف، وحق العين،وحق الأهل،وربما يجعلون الحق كله لله ويتركون هذه الحقوق، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لأحدهم وهو ابن عمرو: (إن لربك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً، وإن لضيفك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، فأعطِ كل ذي حق حقه) هل سمعت أحسن من هذا التوازن؟!
 التخصص وأهميته
الوقت عندنا رخيص يصرف بدون ثمن، تجد الناس يحرصون على الدراهم والدنانير، هل رأيت من حين خلقك الله عشرة ريالات في الطريق وأنت تمشي؟ الآن لو نظفت أبها في هذه الليلة من أولها إلى آخرها ما عثرت على ريال واحد في الطريق، بينما تجد من يقضي الساعات الطوال في غير طائل، وفي غير طاعة وذكر. والوقت -يا أيها الإخوة- أغلى من الذهب والفضة، وهو الحياة؛ فحذار حذار من ضياعه، اعلموا أن الله خلقنا وإياكم بصفات كل صفة لا تشابه صفات الآخرين، والحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق بها، وهي كلام لـعلي رضي الله عنه ولو أن بعض العلماء رفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويغنينا حديث الترمذي: {لا يكون أحدكم إمَّعة} نحن الذين في الصالة عددنا يقارب مائة وخمسين إلى مائتين، اعلموا أنه لا أحد منا يشابه الآخر في صفاته جميعا أبداً، ومنذ خلق الله آدم إلى قيام الساعة لا تجد اثنين يتشابهان في الصفات والمقومات والخصائص: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا [البقرة:148] قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ [البقرة:60].. {كل ميسر لما خلق له} فانظر استعدادك للدعوة وهل تريد أن تكون خطيباً أو أنك مؤهل لتكون كاتباً، ولذلك تجد بعض الشباب يقحم نفسه في أمور ما خلق لها أصلاً، ثم لا يكشف ذلك إلا في سن الثلاثين، فالشاب يريد أن يكون مفتياً وخطيباً وأديباً وكذلك داعية، فإذا وصل إلى الثلاثين تبين له أنه لا يستطيع أن يخطب ولا يستطيع أن يؤلِّف ويستطيع أن يفتي. تعال اليوم إلى بعض المفتين في بلادنا ودعه يعظ الناس ربما لو تلكم ساعتين ما بكت عينك، لأنه ليس بخطيب، تعال إلى بعض الخطباء في أصقاع العالم الإسلامي يريد أن يفتيك في مسألةٍِ فلا يستطيع.الرسول صلى الله عليه وسلم آمن بهذا وجعله منهاجاً لأصحابه، فـخالد بن الوليد، لا يفتي في الفرائض، وما سمعت في حياتي أن خالد بن الوليد شارك في مسألة، لم يقل للجدة كذا، ولا لبنت الابن كذا، ولا لابن الابن، شارك في قتل بعض النفوس، وفي فصل الرءوس عن الأكتاف، فإذا ذبح الكفار ترك الميراث والتركة لـزيد بن ثابت يقسمها، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {أفرضكم زيد} وخالد بن الوليد سيف سله الله على المشركين، وعلي بن أبي طالب قاض، ومعاذ بن جبل أعلم الأمة بالحلال والحرام، حسان، هل سمعت أن حسان يفسر القرآن، كيف يدخل الجنة حسان؟ يدخل بطريق القافية، والشعر الجميل:وبيوم بدر إذ يصد وجوههم جبريل تحت لوائنا ومحمد فأنا أقول -أيها الإخوة!- من أجاد منكم في باب، ومن نفع الله به الدعوة في باب، فليمسك هذا الباب وليحرص على تنمية موهبته، أنا أعرف بعض الإخوة خطاطين -مثلاً- أنا أوصي الخطاط أن ينظم وقته، وأن يكون له وقت محدد لهذه الموهبة التي فتح الله عليه بها، لينفع الإسلام من هذه الطريق، أحد الإخوة شاعرٌ فلا يميت هذه الموهبة، باب فتحه الله عليك لا تغلقه، اشتغل بهذه الموهبة لكن لا تجعلها تأخذ عمرك، وعليك بتنسيق كلماتك، وحاول أن تطالع وتقرأ حتى تكون شاعراً يخدم لا إله إلا الله محمد رسول الله.بعض الإخوة خطيب؛ فعليه أن يتصدر ويخطب وأنا أقترح على المركز وربما فعل ذلك أن تكون هناك حصةٌ لأهل المواهب، تسمى حصة المواهب، محاضرة ودرس عام، فيصنف الشباب في كل فصل إلى أهل المواعظ وأهل الأدب وأهل التحصيل المبرزين، وأهل الخط. وهناك قضية أخرى، ولا أظنها في هذا المركز وأنا قد شاركت في بعض المراكز فوجدتها فيه: فالنشارة والنجارة مضيعة للوقت، نحن لا نريد نجارين وخشابين، نحن دعاةٌ وطلبةُ علم، يبقى الواحد يصنع دولاباً في شهرٍ فيضيع القرآن والحديث، وتسمع الأصوات وكأنك في منجرة من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر، وهذا ينصب الخشب وهذا يسحب المنشار، ويقولون: (مهنة في اليد أمان من الفقر) قلنا: لماذا؟! قال: الإسلام دين علم، دين نجارة، ودين خشابة، ودين نظافة، ودين خبازة، وهذا فن، لا. أنتم تعرفون ونحن نعرف أن المراكز الصيفية اشتغلت كثيراً بهذه الدواليب، وأنا أقول: الحمد لله والشكر لله نذهب إلى المنجرة ونشتري دولاباً بخمسين ريالاً، ولا نشغل الشاب شهراً كاملاً ويخرج نجاراً، لا نريد هذا، وكذلك الاعتناء بالخياطة.أما صنع الطعام فإلى الآن ما رأيت شيئاً، ولو أنهم في المدارس الابتدائية يعلمونهم صنع الطعام، أحضر حفنة من البيض مع قليل من الزيتون مع قليل من الملح مع أشياء أخرى! هذا للنساء ليس للرجال، فاقتراحي أن يكون في المركز أهل المواهب، فكل من عنده موهبة ننميه ونلاحقه ويكون له درس محدد حتى نخرج للناس، الأمة لم تخرج خطباء، كل الخطباء الموجودون بجهدهم الشخصي، لكن في بعض البلدان مثل تركيا عندهم معهد الخطباء، وهناك معهد الأدباء، ومعهد الخطاطين، والواجب أن نقوم بهذا نحن أنفسنا فنعتني بهذه المواهب ونركز عليها، ثم لا نزدري موهبة الآخر، وبعض الناس يجمع الله له مواهب يضرب في كل غنيمة بسهم، فتجده أديباً، كاتباً، خطاطاً، مؤلفاً، مفتياً.
تنبيهات مهمة

 نماذج من خوارم المروءة
وحذار من أن الإنسان يأتي بهذه الخوارم، منها: أن البعض في صلاة الفجر يأتون بثوب النوم المخطط، هذا الذي كأنه من نيجيريا، يأتي بثوب النوم، ولو دعاه سلطان من الناس لتجمل قبل الدعوة بيوم، والبعض في الأعراس يأتي كأنه تحفة، الإنسان لابد أن يعتني بمظهره.منها أنه يشاهد بعض الإخوة وهو يمشي في الطريق يبصق عن اليمين وعن اليسار في طريق المارة، وهذا شاب يمثل الإسلام! أحياناً تجده يدخل عجولاً مهرولاً في مشيته، وهذا لا يليق؛ لأن الإنسان يقدر بالعقل والاتزان، وليس كل ما لم يذكر في القرآن ولا في السنة معناه أن يترك ويهمل، لا. قد علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم من سيرته الكثير.وأعرف كذلك نماذج كثيرة من خوارم المروءة كما قلت في المثل، كثير من الناس يشرب الماء وهو ماش في السيارة، أو يشرب الببسي ثم يرمي العلبة وراءه فتقع على سيارات الناس، ثم يكتشفون هذا الوجه النير الطاهر فيقولون: كيف تفعل هذا؟ أليس هذا خطأ؟ بلى.منهم من يقطع الإشارة -مثلاً- ويقول هذه إشارة المرور لم تذكر في الكتاب ولا في السنة، ما هذا الفقه؟! وقس على ذلك.والذكي يعرف وإلا فهناك نماذج كثيرة من خوارم المروءة يقع فيها كثير من الناس، ومنها ما هو سوء أدب كأن تجد بعض الشباب ولو كانوا طلبة علم وشاركوا في المراكز وهم دعاة في نفس الوقت لا يقدرون الكبير، أنا حضرت مجالس يدخل طالب علم مشهور بطلب العلم أو قاضي أو عالم أكبر منه سناً، فيجلس الطالب لا يقوم أبداً تقول: لماذا لا تقوم للشيخ يا أخي؟ قال: الرسول صلى الله عليه وسلم نهى أن يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن في هذا الموقف لا أدري يتسنى للإنسان أن يبقى في صدر المجلس وتنظر إلى رئيس المحاكم -مثلاً- أو إلى عالم من العلماء وهو عند الأحذية بين الأطفال.أنا رأيت بعض الشباب كذلك يدخل بعض الشيوخ الكبار فيقوم المجلس كله ويبقى هو جالس، وهذا والله لا يصلح، أنا أدري أن عندهم أدلة لكن الأدلة على خلاف ما يقولون، وربما المسألة اجتهادية، وفرضاً أنه مصيب وأنا مخطئ في الدليل؛ لكن هل من اللائق أن يقوم مجلس فيه خمسون لشيخ من المشايخ الكبار، ولا يقوم طالب العلم معهم؟! ليس بالصحيح.ولـابن تيمية إشارة إلى هذه المسألة وأن حق المسلم مقدر، وأن المسائل المرجوحة هذه قد يكون المرجوح أعظم في بعض المناسبات -مثلاً- في المسجد إذا أتت محاضرة أتينا لبعض المشايخ في بعض المحاضرات والصف الأول فيه شباب، قلت: يا أخي! من فضلك مشايخ وضيوف أتوا قال: من العصر وأنا هنا، ما أقوم من هنا أبداً قلت: يا أخي! بالتي هي أحسن، قال: ولا أقوم، فجعلنا بعض الضيوف في الصف الثاني، انظر إلى الشكل والمظهر. كذلك كثير من الشباب لا يعطي المشايخ الكبار قدرهم كالتقبيل على الرأس -لا تظنوا سوء نحن كلنا شباب، لكن أقصد العلماء الكبار- يقبل أحدهم على رأسه ويحترمه وألا تتكلم بين يديه.من سوء الأدب أن تعرض المسألة في المجلس وفيه من هو أعلم منك، فلا تتلكم حتى يتكلم هو، ويقفز لك شاب من الثانوية بينما المشايخ موجودون، قال: الذي تطمئن إليه نفسي في هذه المسألة بعد ما رجعت إلى ابن تيمية وابن القيم أن فيها كذا وكذا، هذا لو سكت ولو مات كان أحسن، ثم الناس لن يقبلوا بكلامه أولاً، والأمر الثاني: أنه تعدى على حرمة ومكانة هؤلاء، وقس على ذلك. أيها الإخوة الكرام: المقصود من هذا كله أن نكون متزنين في حركاتنا وسكناتنا ولا تأتي هذه إلا بتربية، وأرى أن أحسن ما يربي بعد تدبر كتاب الله عز وجل مطالعة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتراجم العلماء، وأنا أرشح سير أعلام النبلاء للذهبي أن تتأملوا آداب العقلاء والفطناء والعلماء حتى يعرف الشاب كيف يتعامل مع الناس، كيف يزور وكيف يجلس، العقل، الأدب، الهدوء، الاتزان، حسن التصرف.أنا أذكر لكم مثلاً حياً: قبل البارحة اتصل بنا شاب -والمؤذن يؤذِّن- يسألني في مسألة، فلم يجد من أربعة وعشرين ساعة إلا وقت الأذان يقول: ما رأيك في نزيف الأنف، يفطر أم لا؟! فلا بد أن يعرف الإنسان كيف يتصل، ومتى يزور ومتى يأتي.إنسان يزورك قبل صلاة المغرب، ويوقفك عند الباب، وتقول تفضل ويقول: لا أنا مستعجل، فلماذا توقفه الآن في هذا الوقت، أو إنسان يتصل بك مع الأذان، أو عند النوم في الهاتف، لا بد أن يكون الإنسان محافظاً على نفسه ويعتني بتصرفاته، وبزياراته وباتصالاته، وقد كررت كثيراً.مما يقول الإنسان من كثرة الإحراج الذي يواجهه من الشباب أن لو كان ذلك من العامة والجهلة لكانوا معذورين، لكن ما بالك بهذه الصفوة المختارة، النخبة التي تربي الناس فتأتي منهم هذه الأخطاء.على كل حال أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية والرشد والسداد، وأن يزيدنا وإياكم بصيرة وتقوى، وهداية، وأن يجعلنا وإياكم من المقبولين، وأن ينفعنا بما سمعنا، وأكرر شكري لكم، ونطلب منكم الدعاء في ظهر الغيب، وصلى الله على محمد وسلم تسليماً كثيراً.
الأسئلة

 الفكر والمفكرون
السؤال: فضيلة الشيخ: هل يعني كلامك عن الفكر والمفكرين وقراءة الصحف أن نقرأ المتون والمطولات والمختصرات، ونترك الواقع وما يحدث حولنا، وكيف نحصل فقه الواقع، ثم ما قولك في أقوال سيد ومحمد قطب وغيرهم؟ الجواب: أنا لا أعني هذا حفظك الله لا من قليل ولا من كثير، وأنا أهتم بهذه الكتب التي ذكرت ولا بد للإنسان أن يطالع ما يكتب، ويطالع الصحف، لكن ما أقصد أن يكون متخصصاً في فن الصحافة، يحفظه من أوله إلى آخره ويترك القرآن والحديث؛ لأنه طغى هذا الجانب على بعض الناس، وأنا ما قصدت هذا، لا بد من معرفة الواقع: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام:55].والداعية إذا ما عرف الواقع أخطأ وأساء في تصرفه، أما كتب من ذكرت من سيد ومحمد، فأثابهم الله فقد أحسنوا كل الإحسان، وليسوا بمعصومين، وأعرف أنه لا يسلم عالم من خطأ أو زلل، وهم أرادوا الخير فيما ظهر لنا، وهذا ما نعتقده وندين الله به أنهم ما قصدوا إلا الخير وما قصدوا الإساءة للإسلام والمسلمين، وإن أتى خطأ فهم بشر، فعلى كل حال نرى أن يستفاد منهم، وأن يدعى لهم في ظهر الغيب، وأن ينبه على الخطأ الذي يوجد في كتبهم، حتى يكون الإنسان على بصيرة، ويكون طالب العلم على برهان.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , التوازن في حياة الشباب للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net