إسلام ويب

التوحيد أولاً!للشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أجل كلمة التوحيد أنزلت الكتب، ومن أجلها أرسلت الرسل، ومن أجلها نصبت الموازين، ومن أجلها خلقت الجنة والنار.

    وفي هذه المادة بيان لأهميتها، وآثارها، ونواقفضها، ومقتضياتها..

    1.   

    أهمية التوحيد

    التوحيد هو أول ما يدعى إليه

    الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الحمد لله فاطر السماوات والأرض، جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه الله بالتوحيد، فهدى به الله البشرية، وأنار به أفكار الإنسانية، وزلزل به كيان الوثنية، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أمَّا بَعْد:

    سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    سلام الله عليكم سلاماً لا ينقطع إلا بانقطاع دمع العين، ولا ينتهي إلا بانتهاء النفس بعد شكر الله، أشكركم شكراً جزيلاً، لأنكم أهل الأصالة والطموح، أما الأصالة، فإن منطقتكم وبلادكم هذه كانت وما زالت مصدر إشعاع، وهي رصيد للإسلام، وهي قوة لهذا التوحيد الذي بعث به محمد عليه الصلاة والسلام، أنتم الذين كنتم ولا زلتم ترسلون الدعاة للدنيا ليعلموا الناس ويفقهوهم ويخرجوهم من الظلمات إلى النور، فهي أصالة عريقة، ولا غرو أن ينشأ الابن على ما نشأ عليه أبوه.

    وهل ينبت الخطي إلا وشيجه     وتغرس إلا في مغارسها النخل

    وأما طموحكم فحضوركم هذا ينبئ عن غيرة لدين الله، وحب لـ" لا إله إلا الله " واتباع لرسول الله عليه الصلاة والسلام.

    أهل الفن يجتمعون على فنهم، وأهل الطرب يجتمعون على طربهم، وأهل اللغو واللهو يجتمعون على لغوهم ولهوهم، وأنتم جئتم هنا لتقولوا: البقاء لـ" لا إله إلا الله " والعزة لـ" لا إله إلا الله " والأصالة والطموح لـ" لا إله إلا الله " وأشكر كل من ساهم في إحياء هذا اللقاء المليء بالآباء وبالإخوة والمحبين, وعنوان هذه المحاضرة "التوحيد أولاً".

    قبل أن نبدأ في أمورنا، وأعمالنا وعباداتنا ومعاملاتنا، التوحيد أولاً.

    قبل أن نتكلم مع الناس، ونفقه الناس، التوحيد أولاً.

    منهج الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام هو التوحيد، كل نبي وكل رسول يقول: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59]

    بعث محمد عليه الصلاة والسلام من الأرض الجرداء المرداء السوداء، فقال الله له: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:9] فقبل أن تدعو الناس، اعلم أنه لا إله إلا الله، وقبل أن تفهم الناس، وتجاهد وتأدب الناس، فاعلم أن لا إله إلا الله.

    وعند أحمد في كتاب الزهد بسند جيد عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {يقول الله تبارك وتعالى: عجباً لك يا ابن آدم، خلقتك وتعبد غيري، ورزقتك وتشكر سواي، أتحبب إليك بالنعم وأنا غني عنك، وتتبغض إلي بالمعاصي وأنت فقير إلي، خيري إليك نازل، وشرك إلي صاعد.

    فلا إله إلا الله ما أضل الإنسان! وأجهله! وما أعمى الإنسان يوم يعرض عن توحيد الواحد الديان! يقول سبحانه: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الزمر:65-66]

    فالتوحيد أولاً إخلاصاً، واعتقاداً، وتوجهاً، وعملاً وحياةً قبل أن نبدأ في أمورنا، وقبل أن نتناول أعمالنا، هذه رسالتنا في الحياة.

    وقد ورد عند الإمام أحمد في كتابه المسند في باب الإيمان بسند صحيح عن أبي بن كعب قال: {جاء المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: انسب لنا ربك، فأنزل الله عز وجل: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:1-4]}.

    حال الأمة مع التوحيد

    وقبل التوحيد، وقبل لا إله إلا الله، كنا أمة عربية مبعثرة جاهلة عمياء؛ تطوف بالصنم , وتسجد للوثن، وتشرب الخمر، وتنهب وتسلب، لا حضارة، ولا طموح، ولا ثقافة، ولا عرفان، فلما بعث الله فينا محمد عليه الصلاة والسلام رفع رءوسنا بين الرءوس، وشرح صدورنا بلا إله إلا الله، وبنى لنا منارة من الحضارة:

    إن البرية يوم مبعث أحمد     نظر الإله لها فبدل حالها

    بل كرم الإنسان حين اختار من      خير البرية نجمها وهلالها

    لبس المرقع وهو قائد أمة     جبت الكنوز فكسرت أغلالها

    لما رآها الله تمشي نحوه     لا تبتغي إلا رضاه سعى لها

    هذا الرجل العظيم عليه الصلاة والسلام الذي سكن بيت الطين، وما شبع من خبز الشعير ثلاثة أيام متواليات؛ فتح بجيوشه الدنيا.

    الأعراب الذين كانوا يشركون ويخونون ويكذبون، لما كتب في قلوبهم رب العزة لا إله إلا الله، خرجوا بالسيوف من الجزيرة، فصلوا على ضفاف دجلة، وسجدوا على ضفاف النيل والفرات، وسبحوا بحمد الله في أسبانيا، وسمرقند وطاشقند والهند والسند بماذا؟

    بلا إله إلا الله، بالتوحيد الخالص، وهذه هي العقيدة التي يوم وهنت في قلوبنا وضعفت ومرضت؛ هزمنا أمام العالم.

    يا مجد يا كنـز أحلامي ومروحتي      أشكو العروبة أم أشكو لك العربا

    أدمت سياط حزيران ظهورهم      فقبلوها وباسوا كف من ضربا

    وطالعوا كتب التاريخ واقتنعوا     متى البنادق كانت تسكن الكتبا

    لكن لك الحمد يا رب! عاد شيخونا، وعاد شبابنا، وعاد جيلنا إلى الله مرة ثانية، عادوا يكتبون لا إله إلا الله في قلوبهم، جربوا الأغنية، وقرءوا المجلة الخليعة، وطالعوا الفيديو المهدم، وسافروا، وبحثوا عن السعادة، فلم يجدوها إلا في لا إله إلا الله.

    إذاً أول الطريق: التوحيد، وهو الذي يثبتك في الأزمات، وهو عنوان السعادة في الدنيا والآخرة، وهو كفارة السيئات , وهذه البلاد لا تصلح إلا بالتوحيد، ومنذ أن جاء المجدد العظيم محمد بن عبد الوهاب رحمه الله واستفاقت هذه الجزيرة على لا إله إلا الله، وهي تزداد من حُسْنٍ إلى أحسن، ومن أصالة إلى أصالة، ومن مجد إلى مجد.

    1.   

    التوحيد سر من أسرار الله في القلوب

    المسألة الثانية: إن التوحيد هو سر من أسرار الله أنزله في القلوب، التوحيد ليس علوماً تقال في الأذهان، أنا أعرف رجلاً عامياً يحفظ الفاتحة وسوراً صغيرة، لكن التوحيد في قلبه أرسخ من الجبل، جاء ابنه -وابنه يدرس في المتوسطة- وعنده الكتاب المقرر في التوحيد، مكتوب فيه" الدليل على وجود الله" الأب لا يستطيع أن يتفاهم مع هذه القضايا، وجود الله مثل وجوده هو، أو أعظم، أو وجود الجبل أمام عينيه، فيقول لابنه: ما هذا الكلام؟ قال: هذا الكلام يقول الدليل على وجود الله، قال: هذا كلام الكفار، الله لا يحتاج إلى تدليل على وجوده، لا تقل هذا الكلام...

    وفي كل شيء له آيـة     تدل على أنه واحد

    فيا عجباً كيف يُعصى الإله     أم كيف يجحده الجاحد

    قيل للإمام أحمد إمام أهل السنة رحمه الله ما هو التوكل! قال: التوكل مثل توكل إبراهيم عليه السلام.

    وتوكل إبراهيم أن جعله النمرود بن كنعان في المنجنيق، ورمى به إلى نارٍ أوقدها، فلما أصبح إبراهيم عليه السلام في الجو، واقترب من النار، جاءه جبريل عليه السلام، فقال: يا إبراهيم! ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فنعم، فلما اقترب من النار، قال إبراهيم: حسبنا الله ونعم الوكيل، فجعلها الله برداً وسلاماً عليه.

    قال ابن عباس معلقاً كما في صحيح البخاري: [حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم، فجعل الله له النار برداً وسلاماً، وقالها محمد عليه الصلاة والسلام يوم قيل له: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران:173-174]]]

    تصحيح لا إله إلا الله

    ولا يزال بعض الناس يصلي، ويصوم ويحج، ويعتمر، ولكنه مشرك حقيقة، كيف يكون مشركاً؟ يتعلق قلبه بغير الله في النفع والضر، والعافية والشفاء من المرض، وغيرها من الأسباب، يقول عليه الصلاة والسلام كما صح عنه: {من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد} ويقول عليه الصلاة والسلام: {من أتى عرافاً، أو كاهناً، لم تقبل له صلاة أربعين يوماً} ليبقى الشافي الله، والمعافي الواحد الأحد، والنافع الله، والضار الله.

    قل للطبيب تخطفته يد الـردى     من يا طبيب بطبه أرداكا

    قل للمريض نجا وعوفي بعدما     عجزت فنون الطب من عافاكا

    وقل للنحل يا طير البوادي     ما الذي بالشهد قد حلاكا

    فسبحان الله! آياته في الكون، في الزهر، في الماء، في السماء، في الهواء، في الإنسان، في كل شيء، هذه من أسرار التوحيد، لكن المشركين قالوا: لا. أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5] كيف يجمع سبعة آلهة في إله واحد؟!

    أين تذهب اللات والعزى؟!

    وأين تذهب مناة؟!

    قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19].

    جاء حصين بن عبيد، جاهلي مشرك، قبل أن يسلم، فقال له عليه الصلاة والسلام، والحديث عند أبي داود في السنن: {كم تعبد يا حصين؟! قال: أعبد سبعة، قال: أين هم؟! قال: ستة في الأرض، وواحد في السماء.

    هم يشهدون أن الذي خلق السماوات والأرض الله، والذي أجرى الهواء الله، والذي سير الماء الله، لكن يقولون: لا بد من الآلهة، هذا الإله يستشفون به، وهذا لقضاء الحاجات، وهذا للأسفار وهكذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {من لرغبك ولرهبك قال: الذي في السماء، قال: فاترك التي في الأرض، واعبد الذي في السماء، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله}

    هذا هو التوحيد، والتوحيد معناه: أن تعيش به في حياتك مراقبة لله، لأن بعض المرجئة يقولون: يكفي أن تقول: لا إله إلا الله، انظر بوش، وريجان، وبيجن، وأعداء الله، يقولون: لا إله إلا الله، لكنها على اللسان كذباً وزوراً، بعض الناس يقول: لا إله إلا الله، ولكن لا يعرف المسجد، والقرآن، ولا يغضب لدين الله، ولا يحب أولياء الله، ولا يتبع رسول الله عليه الصلاة والسلام، يقول: لا إله إلا الله، لكن ليله سهرة حمراء، وقرآنه الأغنية، وأتباعه الشياطين والمردة والفسقة، وعداؤه متأصل لأولياء الله وأحباب الله، يقول: لا إله إلا الله، ولكن لا يعرف من سيرته عليه الصلاة والسلام شيئاً، لا قليلاً ولا كثيراً، يقول: لا إله إلا الله، وهو معجب بأعداء الله، وبالمناوئين لشرع الله.

    يا مدَّعٍ حب طه لا تخالفه     فالخلف يحرم في دنيا المحبينا

    أراك تأخذ شيئاً من شريعته     وتترك البعض تدويناً وتهويناً

    خذها جميعاً تجد فوزاً تفوز به      أو فاطرحها وخذ رجس الشياطينا

    نقول: لا إله إلا الله، لكن لو صدقنا في لا إله إلا الله ما تخلفنا عن الصلوات الخمس جماعة، لأن مفهوم لا إله إلا الله: أن تقوم إلى الصلاة يوم تسمع: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ولو صدقنا في لا إله إلا الله ما تعاملنا بالربا، ولا لبسنا من الربا ولا شربنا، ولو صدقنا في لا إله إلا الله، ما جعلنا مجالسنا للأغنيات الماجنات، وللفسق والانحراف عن منهج الله.

    إذن نحتاج إلى تصحيح لا إله إلا الله، ويوم نصدق في لا إله إلا الله لا نخاف إلا من الله.

    أثر لا إله إلا الله في التوكل على الله

    يدخل عليه الصلاة والسلام -والقصة عند ابن اسحاق وابن هشام في السيرة - في غار ثور فاراً من المشركين، طاردوه بالسيوف، والرماح يريدون اغتياله، فدخل في الغار معه أبو بكر ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ [التوبة:40] فطوق المشركون الغار، وأرادوا دخول الغار، فأرسل الله عز وجل العنكبوت، فنسجت بيتها، وأرسل الحمامة، فبنت عشها على فم الغار، فأتى شباب مكة يريدون دخول الغار، وإذا العش والبيت في فم الغار، قالوا: لم يدخل محمد الغار:

    ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على     خير البرية لم تنسج ولم تحم

    عناية الله أغنت عن مضاعفـة     من الدروع وعن عال من الأطم

    فصعدوا على ظهر الغار، وأخذوا ينظرون إلى داخل الغار، وأبو بكر يرتجف، ولكن الموحد الكبير أستاذ العقيدة وشيخ التوحيد محمد عليه الصلاة والسلام، الذي أتى بلا إله إلا الله بجانبه كالجبل، قال أبو بكر: يا رسول الله! والله لو نظر أحدهم إلى موطئ قدميه لرآنا، فقال عليه الصلاة والسلام وهو يتبسم: لا تحزن إن الله معنا.

    هذا هو التوحيد، لا تحزن إن الله معنا، ومن كان الله معه، فمن يخاف، ولماذا يخاف؟ ومن يرهب؟ ولماذا يرهب؟ لأن مدده وسنده.

    يقولون كما يذكر الذهبي وغيره: حضر خالد بن الوليد معركة اليرموك، كان جيش خالد ثلاثين ألفاً، وجيش الروم أكثر من مائتي ألف.

    يوم قاتلنا بلا إله إلا الله، لم نغلب الناس بالجيوش ولا بالعتاد، لكن غلبناهم بالتوحيد، يقول محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: عامي موحد يغلب ألف مخلط.

    فحضر خالد بن الوليد، فخرج الروم كتائب كالجبال، قال أحد المسلمين: يا أبا سليمان يا خالد! ما أكثر الروم وما أقلنا! قال خالد: لا. والله ما أكثرنا وما أقل الروم! قال: يا أبا سليمان، نفر اليوم إلى جبل سلمى وجبل آجا - يعني في حائل - قال خالد: لا والله، إلى الله الملتجأ، حسبنا الله ونعم الوكيل، فقاتل خالد، فنصره الله نصراً مؤزراً فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:45].

    أتى عليه الصلاة والسلام، فعلم الصحابة التوحيد تعليماً عملياً، طبقها في حياتهم، علمهم أن الله معهم، علمهم أن الله يراقبهم، علمهم أن الله يطلع على أسرارهم، يبيع الواحد في السوق سمنه وعسله وبضاعته فيراقب الله، يسافر أحدهم والله معه بعلمه، يتكلم أحدهم أو يخاصم أو يدعي والله نصب عينيه كما قال صلى الله عليه وسلم: {اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه؛ فإنه يراك}.

    هذا هو التوحيد، يقول أبو بكر، كما ذكر عنه الإمام أحمد في ترجمته في كتاب الزهد: [يا أيها الناس، استحيوا من الله حق الحياء، فوالذي نفسي بيده إني لأخرج لقضاء حاجتي، فأضع ثوبي على وجهي حياءً من ربي]] هذا أبو بكر لأنه أصبح في منزلة الإحسان، أو درجة الإحسان العظمى: {اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تره؛ فإنه يراك}.

    وعلمهم عليه الصلاة والسلام أن الله معهم بعلمه كما قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة:7] بعلمه وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ [المجادلة:7] بعلمه سبحانه.

    يقول أهل السير بأسانيد صحيحة: جلس عمير بن وهب - جاهلي من كفار مكة جلس تحت ميزاب الكعبة مع صفوان بن أمية، فقال عمير بن وهب: يا صفوان، أما ترى ماذا فعل بنا محمد، يعني في معركة بدر، قتل آباءنا وإخواننا، وأرحامنا، يا ليت لي من يكفيني بأهلي ومالي، وأذهب إليه، فأقتله في المدينة، قال صفوان: أنا أكفيك مالك وأهلك، واذهب إليه، فاقتله، فسم عمير بن وهب سيفه بالسم شهراً كاملاً، حتى أصبح السيف أزرق، ثم ذهب يمشي في الليل، وينام في النهار، حتى وصل إلى المدينة، ليقتل محمد عليه الصلاة والسلام.

    يقول الله: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67] الذي يحفظك من الناس هو رب الناس.

    وصل عمير بن وهب، فلما اقترب رآه عمر، ورأى الشر في وجهه، فأخذه بتلابيب ثوبه، وأدخله على الرسول عليه الصلاة والسلام، قال له عليه الصلاة والسلام: يا عمير بن وهب، ماذا جاء بك؟ قال: جئت أزور إخواني الأسارى -أسارى بدر- قال عليه الصلاة والسلام: كذبت، وإنما جلست أنت وصفوان بن أمية تحت ميزاب الكعبة يوم كذا وكذا، فقلت أنت كذا وكذا، وقال لك كذا وكذا، فقلت له: أنا أقتل محمداً وما كان الله يخلي بيني وبينك لتقتلني، قال عمير: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، فمن الذي أعلمه؟ قال تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:59].

    جزاء تحقيق التوحيد

    التوحيد أولاً، ليعيش المسلم وقته وعمره، في صلاته، في سوقه، في دكانه، في مكتبه، في فصله، بالتوحيد، هذا هو معنى التوحيد.

    أما قراءة التوحيد مجرداً في كتاب التوحيد والطحاوية ومعارج القبول، ثم تجريده من الواقع، فهذا ليس بصحيح ولا نافع، فإن أكثر المعلومات يعلمها الكافر ولا يعمل بها، فلا تنفعه عند الله.

    يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة:1] خولة بنت ثعلبة أتت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام تشتكي زوجها، قالت عائشة: والله ما كنت أسمع كلامها في طرف البيت، فسمع الله كلامها من فوق سبع سماوات، فأنزل الله: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة:1] عقيدة التوحيد تؤخذ من القرآن، وتؤخذ بياناً من سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، ليعيش العبد صادقاً مع الله، متوكلاً على الله، كما كان إبراهيم عليه السلام، وكما كان رسولنا صلى الله عليه وسلم.

    يقول عليه الصلاة والسلام: {واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك} لماذا؟ لأن كل شيء بقضاء وقدر، والذي أجرى الأمور وسيرها وقدرها هو الله.

    فيوم تعلم ذلك ترسخ العقيدة في قلبك، وتكون صامداً أمام الحوادث والأزمات، متوكلاً على الله، وهذه هي عقيدة الصحابة، والتي انتصروا بها- بإذن الله- توحيدهم توحيد الباري تبارك وتعالى لا يتعلقون إلا بالله.

    حضر السلف الصالح لفتح كابول عاصمة أفغانستان، كابول التي ضيعناها يوم ضيعنا لا إله إلا الله، كابول التي ذهبت من أيدينا رخيصة، يوم رخصت في قلوبنا لا إله إلا الله، كابول التي تنادينا لندخلها بلا إله إلا الله، ونحن لن نرجع فلسطين، وكابول، ولن نستعيد مجدنا وكرامتنا إلا بلا إله إلا الله.

    العرب قاتلوا إسرائيل أربعين سنة، فما انتصروا؛ لأن بعض جيوش العرب كانت تسير المسيرة الصباحية، والهتاف لهم في الصباح يقول:

    آمنت بـالبعث رباً لا شريك له     وبالعروبة ديناً ماله ثاني

    هذا هتافهم على الموسيقى في الصباح.

    فأراهم الله من هو الديان، وأخبرهم الله من هو الواحد الأحد الذي يضر وينفع: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7].

    حضر السلف الصالح في تطويق كابول جيش عرمرم، فطوقوا كابول، فقال قائدهم قتيبة بن مسلم -رحم الله قتيبة، ورضي الله عن قتيبة، يقولون: كان قبل المعركة يمرغ وجهه بالتراب ويبكي ويقول: اللهم انصرنا نصراً من عندك، رضي الله عنك ورفع منزلتك-.

    رفيق صلاح الدين هل لك عودة     فإن جيوش الروم تنهى وتأمر

    رفاقك في الأغوار شدوا سروجهم     وجيشك في حطين صلوا وكبروا

    يقولون: لما حضر قال: التمسوا لي محمد بن واسع العابد الشيخ الكبير، لكن موحد، قال: اذهبوا، فابحثوا لي عنه، فوجدوه صلى ركعتين، ورفع إصبعه إلى السماء يطلب النصر من الله- إصبع التوحيد- لا إله إلا الله، فرجعوا إلى قتيبة، قالوا: وجدناه يدعو للجيش بالنصر، وقد رفع إصبعه، فبكى قتيبة بن مسلم، وقال: والله الذي لا إله إلا هو، إن أصبع محمد بن واسع خير عندي من مائة ألف سيف شهير، ومن مائة ألف شاب طرير، وفتحوا كابول بإذن الله، وأذنوا في مآذنها، ورفعوا لا إله إلا الله.

    من ذا الذي رفع السيوف ليرفع      اسمك فوق هامات النجوم منارا

    كنا جبالاً في الجبال وربما     سرنا على موج البحار بحارا

    عاقبة تضييع التوحيد وإهماله

    لما ضيع الناس التوحيد في عقائدهم، وفي عباداتهم ومعاملاتهم، خسروا سعادة الدنيا، وأتاهم من الهموم والغموم ما الله به عليم، لأنه كما يقول ابن تيمية رحمه الله: يقرن الله بين الاستغفار والتوحيد؛ لأن العبد دائماً يقصر، ولا يكمل تقصيره إلا التوحيد.

    يقول سبحانه في الاستغفار والتوحيد: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19] وقال حكاية عن ذي النون بن متى عليه السلام لما وقع في البحر، وأصبح في ظلمات ثلاث: ظلمة الماء، وظلمة الليل، وظلمة الحوت، فمن يدعو ذو النون، هل يدعو زوجته؟ هل يدعو قبيلته؟ هل يدعو أسرته؟ هل يدعو ولده؟ لا.

    فالزم يديك بحبل الله معتصماً      فإنه الركن إن خانتك أركان

    فقال كلمة وهو في بطن الحوت، بين ضلعي السمك، قال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، يقول سبحانه بعدها مباشرة: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء:88] وأخرجه الله، فالتوحيد والاستغفار هو العقيدة المثلى التي يعيشها المسلم في حياته في الجزئيات، لكن فسدت عقائد بعض الناس، فخسروا سعادة الدنيا والآخرة.

    كان عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري إذا اهتم يقول: {لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم} وكان يقول إذا قام من الليل كما في صحيح مسلم من حديث عائشة: {اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم}.

    يقول بعض العلماء: قرن عليه الصلاة والسلام في هذا الدعاء دعاء الله بأشرف أسمائه، ثم بأشرف مخلوقاته، ثم طلبه سبحانه أن يهديه سواء السبيل. هذا هو التوحيد.

    وعند البخاري عن ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام قام يصلي صلاة الليل التي ضيعها كثير من الناس، يوم ضيعوا مفهوم لا إله إلا الله، صلاة الليل التي استبدل بها كثير من الناس السهرة الماجنة، والمجلة الخليعة، والرقصات، واللهو، والغيبة، والنميمة، صلاة الليل التي هي إيمان وحياة.

    فكان عليه الصلاة والسلام إذا قام من الليل يقول: {اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض، ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك حق، وقولك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد صلى الله عليه وسلم حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت}.

    1.   

    أسباب فساد العقيدة

    عقائد الناس فسدت بأسباب، من هذه الأسباب:

    تقديس بعض الناس كمشايخ الصوفية، وصرف بعض العبادات لهم، واعتقاد النفع والضر منهم، أو بعض المشعوذين أو السحرة، أو الكهنة الذين صدوا عن منهج الله، عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين؛ لأنهم أعداء الرسل عليهم الصلاة والسلام.

    أحد هؤلاء الصوفية وهو البوصيري يقول:

    يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به     سواك عند نزول الحادث العمم

    إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي     فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم

    يقول: ألوذ بك، وأعوذ بك، شافني وعافني واغفر ذنبي، والرسول صلى الله عليه وسلم لا يغفر الذنب، ولا يملك ضراً ولا نفعاً، إنما هو بشر يأتيه الوحي ويبلغ الرسالة، ويهدي الناس بإذن الله، لكن لا يملك ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً.

    والصوفي الآخر يقول عند قبر الرسول عليه الصلاة والسلام:

    يا رسول الله يا من ذكره     في نهار الحشر رمزاً ومقاما

    فأقلني عثرتي يا سيدي     في اكتساب الذنب في خمسين عاما

    يقول: يا رسول الله! أنا أذنبت خمسين سنة، أريد منك أن تقيلني عثرتي، وتغفر لي ذنوبي، فلا إله إلا الله كم خدشوا وجه التوحيد، وكم غيروا معالمه، وجماله وإبداعه، هذا سبب فساد العقيدة.

    وعند أبي داود في السنن بسند جيد: (أن وفد عامر بن صعصعة وفدوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فجلسوا عنده، فقالوا: أنت سيدنا، وابن سيدنا، وأفضلنا فضلاً، وأطولنا طولاً، وكذا وكذا، فغضب عليه الصلاة والسلام، وقال: يا أيها الناس، قولوا بقولكم، أو ببعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان) خاف أن يطروه فيرفعوه عن منزلته، لأنه بشر قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [فصلت:6] بشر يأكل ويشرب، وينزل السوق وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ [الفرقان:7] فهو بشر عليه الصلاة والسلام فأراد عليه الصلاة والسلام أن يخبرهم أنه بشر.

    أتاه أعرابي من الصحراء، قال: (يا رسول الله! جاع العيال، وضاع المال، وانقطع الغيث، فاستسقِ لنا الله، فإننا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك، فقال عليه الصلاة والسلام: سبحان الله! سبحان الله! سبحان الله! ويحك! ويلك! أجعلتني لله نداً إن الله أعظم من ذلك إن شأن الله عظيم، إنه لا يستشفع به على أحد من خلقه ) أصاب في قوله: نستشفع بك على الله وهو حي، وأخطأ في قوله: ونستشفع بالله عليك، لا. لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، لأن الله أعظم وأكرم وأجل، وقطع عليه الصلاة والسلام الطرق الموصلة إلى الشرك، أو تسهيله أو إلى إماتة التوحيد في القلوب.

    يقول عمر في الصحيح: (كنت في قافلة مع أناس من الصحابة، فحلفت بأبي، قال عليه الصلاة والسلام: أيها الناس، إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، قال عمر: فوالذي نفسي بيده، ما حلفت بأبي ذاكراً ولا آثراً) أذكره عن نفسي، أو آثره عن أحد، انتهى.

    وجاء في السنن: (أن أعرابياً قال: ما شاء الله وشئت، فقال: بل ما شاء الله وحده، ويلك أجعلتني لله نداً!).فسبحان الله! ما أعظم العقيدة والتوحيد والأسماء والصفات يوم ترسخ في قلوب عباد الله!

    1.   

    أعداء التوحيد

    واعلموا بارك الله فيكم، أن للتوحيد أعداء:

    من أعداء التوحيد إبليس وفرعون

    ومن أول أعدائه إبليس عليه لعنة الله، رفض لا إله إلا الله، ورفض أن يسجد لرب لا إله إلا الله، وسار على منواله فرعون، وكل من سار على موكب فرعون.

    يقول فرعون في التوحيد: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38] ويقول: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [الزخرف:51] فأجراها الله من فوق رأسه.

    نعم، دخل عليه موسى عليه السلام- رسول التوحيد- قال: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً [الاسراء:102] وقبلها من الذي علم موسى التوحيد؟ الله، أول لقاء بين موسى وبين ربه في المكالمة، يقول له: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى [طه:11] إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه:14].

    أعظم تعريف عند أهل السنة والجماعة لله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أنه الله الذي لا إله إلا هو يَا مُوسَى [طه:11] إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه:14] هذا هو التعريف العظيم.

    يقولون سيبويه صاحب الكتاب في النحو رحمه الله توفي، فرئي في المنام، قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وأدخلني الجنة، قالوا: بماذا؟ قال: لأني لما وصلت إلى لفظ الجلالة "الله" قلت: الله أعرف المعارف، فأدخله الله الجنة.

    فيقول الله لموسى -يعلمه التوحيد في أول لقاء-: يا موسى إنني أنا الله..

    أي: قبل أن تدعو فرعون، وقبل أن تتحرك بالدعوة، وقبل أن تؤدب الناس.

    يا موسى قبل أن تجاهد في سبيل الله، يا موسى قبل أن تقيم دولتك في الأرض.. اعلم أنه لا إله إلا الله.

    يعلمها الناس، ولا بد أن كلنا جميعاً، يعلمها المسلم، ويعلمها الأستاذ في فصله، والمزارع في مزرعته، والتاجر في دكانه، والجندي في مهمته، كل يعلم هذه القضية لنعيش حياة الإيمان، وإذا ما علمناها، فسوف تبقى حياتنا مضطربةً متمزقةً بعيدةً عن الله.

    دخل موسى على فرعون، فقال: يا ملعون يا فاجر، أنت تدري في قلبك أن الذي خلق السماوات والأرض الله، لكنك تعاميت: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ [الاسراء:102].

    يقول ابن تيمية عند هذه الآية: لم ينكر الخالق في الظاهر إلا فرعون، وإلا فالأمم جميعاً أقروا بالخالق أنه الله.

    وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87] وكفار قريش: أبو جهل وأبو لهب وأمية بن خلف إذا ركبوا في السفينة، وأرسل الله عليهم الريح الصرصر، وتمايلت بهم السفينة، يقولون: الله الله، قال سبحانه: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [العنكبوت:65] أي: وقت الأزمات والشدائد، لكن إذا خرجوا إلى البر تساهلوا في مسألة لا إله إلا الله.

    يوجد منا اليوم من يصلي ويصوم ويحج ويعتمر، لكن يخاف من البشر أعظم من خوفه من الله، كثير من الناس، يخاف من مرءوسه في العمل أن يحاسبه على تغيبه، ولكنه لا يستشعر مراقبة الله عز وجل، ولو خلا له الحال لفعل لأفاعيل، وما خوفه إلا من البشر، لا من رب البشر.

    من أعداء التوحيد: النمرود

    ومن أعداء التوحيد: النمرود بن كنعان، حتى بلغ من عتوه قوله بأنه سوف يقتل ربه! دخل عليه إبراهيم عليه السلام - إمام التوحيد- قال الله عز وجل عن هذه القصة: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [البقرة:258] لم يقل إبراهيم: ربي عليم، لأن هذه قد تكون أسماء مشتركة فلو قال: عليم، لقال النمرود: وأنا عليم، ولو قال: ربي حي، قال: وأنا حي، لأن لله حياة تليق بجلاله، وللمخلوق حياة تليق به، ولله علم يليق به سبحانه، وللمخلوق علم، وهذا أمر معلوم، فأتى إبراهيم عليه السلام بصفة لا ينازع فيها المخلوق ربه، قال: ربي الذي يحيي ويميت، قال: أنا أحيي وأميت، قال إبراهيم: كيف تحيي وتميت؟! فأخرج مسجونين محبوسين، وقال: هذا أحييه أطلقه وأعفو عنه، وهذا أميته فأقتله، فذبحه -وهذا خطأ وليس إحياءً ولا إماتةً، قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب، فبهت الذي كفر، واندحر ورسب والله لا يهدي القوم الظالمين.

    1.   

    دروس مهمة في التوحيد

    هنا دروس مهمة؛ منها:

    تغير الكون بأمر الله

    أن التغيرات في الفلك بأمر من الله عز وجل.

    تقضون والفلك المقدر سائـر     وتقدرون فتضحك الأقدار

    وملاحدة علماء الفلك لا يعترفون بهذه القضية، يقولون: إذا وقعت زلزلة أو بركان قالوا: السبب انصداع في القشرة الأرضية، لكن من قدر هذا وكتبه وقضاه؟!

    علم الكيمياء والتوحيد

    كثير من علماء الكيمياء لا يعيشون التوحيد في علومهم، وفي بعض المقررات الموجودة في الساحة عبارة، يقولون: المادة لا تستحدث ولا تفنى، وهذه من كيس استالين ولينين وفرعون , وأما محمد عليه الصلاة والسلام فهو منها براء، وهي تخالف التوحيد.

    "المادة لا تستحدث ولا تفنى" قصدهم (لا تستحدث) أنها قديمة، فيثبتون مع الله قديم والله عز وجل هو الأول والآخر: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:88].. كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ [الرحمن:26-27].

    التعلق بغير الله

    دخل بعض الشعراء يمدح سلطاناً، وبعض الناس ينسى الله في بعض المواقف، هذا الشاعر مدح السلطان، ولكنه جرح التوحيد، وخلع الإسلام عند الباب، يقول الحسن بن هانئ في السلطان:

    ما شئت لا ما شاءت الأقدار     فاحكم فأنت الواحد القهار

    لا إله إلا الله! جل الله! يقول: أنت الذي يحكم لا الأقدار، لا قضاء ولا قدر، أنت تفعل ما تريد.

    فخرج من قصر السلطان، فابتلاه الله بمرض عضال، يقولون: كان يعوي كالكلب على فراشه، أعيا الأطباء في فراشه، وأعيا العواد، وأخذ يتقلب الليل والنهار، وعرف أن المرض بسبب البيت الشعري، علمه الله من هو الواحد القهار، فزاره السلطان الممدوح، ووضع يده على صدره، وقال: ماذا أصابك؟ قال:

    أبعين مفتقرٍ إليك نظرتني      فأهنتني وقذفتني من حالقِ

    لست الملوم أنا الملوم لأنني     علقت آمالي بغير الخالق

    يقول: أنا لا ألومك، ألوم نفسي، لأنني مدحتك بشيء يقدح في التوحيد والعبودية والألوهية، إنما أنا الملوم، لأنني تعلقت بغير الله، ومن تعلق بغير الله وكله الله إليه.

    وفي السنن بسند صحيح: {أن الرسول عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً في يده خيط قال: ما هذه؟! قال: أخذتها من الواهنة، قال: ألقها، فإنها لا تزيدك إلا وهناً، فألقاها} وقال عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه: {من تعلق بتميمة فلا أتم الله له} أي: لا أتم الله أمره ولا صحته ولا عافيته؛ لأنه جرح التوحيد، بتميمة عبارة عن قرطاس يعلق، أو كتاب يكتب فيه، أو خيط يربط ليشفى به المريض أو من به العيب، وهذا هو الصحيح، قطعاً للعلائق ولو كان من القرآن، فإن الصحيح عند أهل العلم من جمهور أهل السنة، أنه لا يعلق شيء من القراطيس والكتابات بالنحور ولا بالصدور، ولو كان من القرآن؛ لأنه جرح لمعالم التوحيد، لأنه التوحيد أولاً، فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19].

    التفكر في آيات الله الكونية

    أيها المسلمون: أقف معكم في بعض الآيات في التوحيد وأشرحها.

    يقول ابن كثير: رئي أبو نواس في المنام، والمنامات عندنا لا نتركها تركاً، ولا نجعلها أصلاً، ولا نعلق عليها أحكاماً، والذين قالوا: لا نأخذها ولا نذكرها، أخطئوا، والذين قالوا: نعتبرها أصولاً وأحكاماً أخطئوا، والوسط أنها مبشرات، وقد ذكرها عليه الصلاة والسلام والسلف.

    هذا الشاعر رئي في المنام، قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، قالوا: بماذا؟ قال: بقصيدتي في النرجس وهي قصيدة اسمها النرجسية في ديوان أبي نواس، يذكر توحيد الله في الورود؛ لأن الله خلقه في الكون وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:191].

    والتوحيد أمر عجيب! هناك بعض الكبار لا يكتبون ولا يقرءون، لكن توحيدهم أعظم ممن يحمل رسالة الدكتوراه، فبعض الناس عنده دكتوراه لكن لا يصلي في المسجد، عنده فقط تصحيح المخطوط، وطبعة بولاق على دار الشروق، وأخر صلاة المسجد حتى الشروق! فما صلى لأنه مشغول برسالته، وسوف يجد الرسالة العظمى تنتظره عند الله، فليست المسألة بكثرة المعلومات التي تصب في سلة الأذهان، إنها سلة مهملات، لا تقيم وزناً في حياة العبد.

    بعض الناس لا يقرأ ولا يكتب، لكن قرأ التوحيد في الكون.

    وكتابي الفضاء أقرأ فيه      سوراً ما قرأتها في كتاب

    يقرأ التوحيد في السماء والأرض.

    الرسول صلى الله عليه وسلم أمي لا يكتب ولا يقرأ، وأول ما أنزل الله إليه قوله: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1].

    قال أهل العلم: أين يقرأ عليه الصلاة والسلام، هو لم يقرأ ولم يكتب، قالوا معنى الآية: اقرأ في كتاب الكون، اقرأ في السماء اللامعة، اقرأ في النجوم الساطعة، اقرأ في الجدول والغدير، اقرأ في الماء النمير، اقرأ في الشجر، اقرأ في القمر، اقرأ في كل شيء.

    يقول أبو نواس:

    تأمل في نبات الأرض وانظـر     إلى آثار ما صنع المليك

    يقول لماذا لا تتفكر في الأرض؟ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ [ق:9-11] قال:

    تأمل في نبات الأرض وانظـر     إلى آثار ما صنع المليك

    عيون من لجينٍ شاخصات     بأحداق هي الذهب السبيك

    على قضب الزبرجد شاهـدات     بأن الله ليس له شريك

    فأدخله الله الجنة، لأنه وحّده، وعرف أنه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في هذا الكون، هذه قضية لا بد أن تفهم.

    خرج أهل اليمن من صنعاء، يطلبون الغيث من الله، وكان معهم شيخ علم أمامهم، فلما استسقى بهم، ألقى قصيدة اسمها" قصيدة الاستسقاء" منظومة على وزن منظومة ابن دريد: يا ظبية أشبه شيء بالمها، يقول:

    سبحان من يعفو ونهفو دائمـاً     ولا يزل مهما هفا العبد عفا

    يعطي الذي يخطي ولا يمنعه     جلاله عن العطا لذي الخطا

    لطائف الله وإن طال المدى     كلمحة الطرف إذا الطرف سجى

    كم فرج من بعد يأسٍ قد أتى     وكم سرور قد أتى بعد الأسى

    إلى أن ذكر الاستسقاء، فما انتهى منها إلا والناس يبكون والغيث يملأ البلاد، هو التوحيد الخالص، وهو التوحيد الذي يجعلك تترك فراشك لتقوم لصلاة الفجر في شدة البرد.

    هذا التوحيد عاش مع أبنائنا، وبعض شبابنا في أمريكا وبريطانيا ودول الغرب، وهم بين دول الكفر، عندنا شاب طالب علم من الجزيرة، خرج بلا إله إلا الله ملئ قلبه، ما خرج بالغناء الماجن، ولا خرج بهل رأى الحب سكارى مثلنا، بل خرج بلا إله إلا الله، ووصل إلى لندن هناك، وكان مع أسرة إنجليزية، يعمل معهم، ويسكن معهم، وكان إذا حانت صلاة الفجر بتوقيت لندن، قام إلى الصنبور وفتح الماء وتوضأ، وقام يصلي، فتقول له عجوز إنجليزية: مالك تقوم في هذه الساعة؟! قال: أصلي، قالت: لو أخرت قليلاً؛ فإن الجو بارد، قال: لو أخرت ما قبل الله مني صلاتي! فهزت رأسها، وقالت: هذه إرادة تكسر الحديد، إرادة لا إله إلا الله، وقوة لا إله إلا الله، أن تجعل الشاب هناك وهو يعيش بين المعاصي والمنكرات والشهوات، يعيش كأنه من الصحابة، والله وجد هناك من يعيش في تلك البلاد الآثمة البغيضة اللعينة، وهو يقوم الليل ويصوم الإثنين والخميس، ويقرأ القرآن، ويدعو، ويجوب الولايات كلها، للدعوة إلى سبيل الله، لصدق لا إله إلا الله، ووجد عندنا هنا عند الركن والحطيم من لا يصلي الصلوات الخمس، حكمة بالغة، وقدرة نافذة، فما تغني النذر؛ لأن أولئك حملوا التوحيد الخالص الذي أتى به عليه الصلاة والسلام، وأما هؤلاء، فإنهم ركنوا إلى الشهوات والفروج والبطون فنسوا معالم لا إله إلا الله.

    1.   

    مقتضيات التوحيد

    أيها المسلمون: التوحيد لا فيه قضايا.

    ترديد لا إله إلا الله كثيراً

    تدبر معنى لا إله إلا الله

    ثانياً: أن نتدبر معنى لا إله إلا الله!

    وأن نفهم محتواها، وأن نعيش معها بقلوبنا، لأنها هي الكلمة التي زلزلت من أجلها الأرض، وجاء الطوفان من أجل لا إله إلا الله، والصيحة، والريح الصرصر، والحاصب، والبركان، كلها أتت من أجل إقامة لا إله إلا الله، وكان إرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام، ونزول الكتب، وخلق الجنة والنار والصراط من أجل لا إله إلا الله، فلابد أن نعرف معنى لا إله إلا الله، إن معناها: أن لا معبود بحق إلا الله، ولا نافع ولا ضار إلا الله، ولا مقصود إلا الله، ولا كاشف للضر إلا الله، ولا شافي ولا معافي إلا الله الذي يجب أن نرهبه أعظم من كل من نرهب، ونخاف منه أعظم من الناس جميعاً، هذا هو التوحيد.

    تطبيق لا إله إلا الله في الواقع

    ثالثاً: أن نعيش لا إله إلا الله عملاً، وأخلاقاً، وسلوكاً، فإذا عشنا لا إله إلا الله، ليس بنا حاجة إلى علم النفس، أو علم التربية من الغرب، إلا من باب الاستقراء والسبر والمقارنة، لا نأخذ علومهم على أنها مادة نفتقر إليها، لا وألف لا. لكن للسبر والمقارنة والاستقراء فقط، وإلا عندنا لا إله إلا الله، عندنا الدستور الخالد، عندنا القرآن والسنة.

    من بلادي يطلب العلـم ولا     يطلب العلم من الغرب الغبي

    وبها مهبط وحي الله بل     أرسل الله بها خير نبي

    قل هو الرحمن آمنا به     واتبعنا هادياً من يثرب

    يقول عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم: {والذي نفسي بيده، لا يسمع بي يهودي، ولا نصراني، ثم لا يؤمن بما أرسلت به، إلا دخل النار} هم عالة علينا، هم فقراء إلى ثقافتنا وحضارتنا، نحن معنا القرآن.

    فتحنا بك الدنيا فأشرق نورها     وسرنا على الأفلاك نملأها أجرا

    سمعتك يا قرآن والليل واجـم     سريت تهز الكون سبحان من أسرى

    يقول ابن تيمية نظر الله وجه ذاك الرجل العملاق العظيم حقاً، الموحد الذي داس المبتدعة والخرافيين والزنادقة والملاحدة بقوة لا إله إلا الله، يقول: من اعتقد أنه سوف يهتدي بهدي غير هدي الله الذي أرسل به محمد عليه الصلاة والسلام، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ويقول في مختصر الفتاوى: كل أرض لا تشرق عليها شمس الرسالة فهي أرض ملعونة، وكل قلب لا يرى نور هذا الدين فهو قلب مغضوب عليه، لا إله إلا الله عمل، يخرجك من فراشك تسمع: الله أكبر، فتخرج إلى المسجد لصلاة الفجر، لماذا جلس شبابنا في الفرش وما قاموا لصلاة الفجر؟ لماذا يأتي الوالد العجوز يقوم قبل الفجر بساعتين، وابنه القوي المتين صاحب البنية والعضلات لا يقوم؟! لأن قلب ذاك حي بلا إله إلا الله، وقلب هذا ميت بالغناء والمجون والبعد عن منهج الله.

    وعند الطبراني: يضحك ربك لثلاثة: ذكر منهم رجل خرج في قافلة مسافراً، فلما نزلوا في آخر الليل نامت القافلة جميعاً إلا هذا الرجل ما نام، قام إلى الماء البارد يتوضأ ويصلي ويبكي ويدعو الله، فجمع الله الملائكة، وباهى بهذا الرجل، وقال: يا ملائكتي انظروا لعبدي، ترك فراشه الوفير، ولحافه الدفيء، وقام إلى الماء البارد يتوضأ ويدعوني، أشهدكم أني غفرت له وأدخلته الجنة، هذه لا إله إلا الله.

    لا إله إلا الله يوم ترسخ في القلوب لن تترك الصلاة من أجل لعبة أو تسلية أو رحلة أو نزهة، ويوم ترسخ فينا لا إله إلا الله: لا نأكل الربا ولا نتعامل به؛ لأن لا إله إلا الله تقول: الربا حرام، يقول عليه الصلاة والسلام رسول لا إله إلا الله في صحيح مسلم: {لعن الله آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه}

    ويوم ترسخ لا إله إلا الله في قلوبنا نعمل بها، فنغض أبصارنا.

    يقول أحد الصالحين: نظرت مرة إلى امرأة فجأة، قال: فنسيت القرآن بعد أربعين سنة، وهذا من آثار الذنوب والمعاصي.

    وإذا خلوت بريبة في ظلمة     والنفس داعية إلى الطغيانِ

    فاستحي من نظر الإله وقل لها     إن الذي خلق الظلام يراني

    هذه لا إله إلا الله، لا إله إلا الله عمل وحياة، يأتي الإنسان التاجر يزن بضاعته، ويزن تمره وحبه، ويبيع قماشه، فيتذكر لا إله إلا الله، ولذلك كان الصحابة في الأسواق صحابة بلا إله إلا الله، وفي المسجد صحابة بلا إله إلا الله، أما أن نأتي ونميت لا إله إلا الله ففي وقت الصلاة عباد أخيار، ولكن عندما نخرج الأسواق ننسى أو في الخصومات، والمعاملات.

    لماذا كثر الكذب؟ لأن لا إله إلا الله ماتت.

    لماذا كثرت الغيبة؟ لماذا قطع الأرحام؟

    لماذا عُقَّ الوالدان؟ لأن لا إله إلا الله ماتت.

    تقوية التوحيد بالتفكر في مخلوقات الله

    رابعاً: أن نعيش لا إله إلا الله في الكون بالتفكر والتأمل والتدبر، تنظر إلى الماء، فتتفكر من أجرى الماء، وتنظر في الهواء، فتتفكر من سير هذا الهواء، والسماء والأرض. وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:191] والله يعرض التوحيد في القرآن بأسلوبين:

    أسلوب الابتداء، وأسلوب القصص والأمثال:

    يصف لك الورد، والحدائق، والبساتين، فيردك إلى التوحيد، يصف لك الجبال، والسماء، والأرض، فيردك إلى التوحيد، فلا بد أن نعيش لا إله إلا الله في حياتنا قال تعالى: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21].

    تدبر لا إله إلا الله في القرآن

    خامساً: أن نعيش لا إله إلا الله في القرآن، فنتدبر آيات الله على مفهوم لا إله إلا الله، مفهوم التوحيد الصادق، فإن بعض المبتدعة يحفظ القرآن، لكن تجده صوفياً غالياً يدور في القبور، ويذهب إلى المشعوذين والسحرة والكهنة، وهو حافظ لكتاب الله، لم ينفعه القرآن؛ والسبب أنه ما أخلص لا إله إلا الله، وما عرف لا إله إلا الله.

    أيها المسلمون: هذه معالمنا نفقهها ونعلمها، نعلم أنه لا ينفع ولا يضر إلا الله، ونعيش التوحيد أولاً، ثم نعيش عبادتنا ومعاملاتنا وسلوكنا وأخلاقنا ثانياً.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

    1.   

    الأســـئلة

    قصيدة: سأعود للدنيا

    موضع سجود السهو

    السؤال: متى يكون سجود السهو قبل السلام، ومتى يكون بعد السلام؟

    الجواب: عموماً من جعل السجود دائماً بعد السلام فقد أصاب، وليس في الأمر مخالفة بإذن الله، لكن في المسألة أولى وأحسن , ومن جعله قبل السلام دائماً فقد أصاب، لكن الأولى والأحسن كما يقول ابن تيمية: أنه إذا كان السهو عن زيادة فبعد السلام، كأن زاد خامسة في صلاة رباعية، وإذا كان عن نقص، فهو قبل السلام، هذا هو الصحيح على الأحاديث باختصار، ونكتفي بهذا، لأنه شبه قاعدة وهو رأي الإمام مالك.

    زكاة الحلي الملبوس

    السؤال: هل على الحلي التي تلبسها النساء زكاة أم لا؟

    الجواب: قبل أن أجيب عن هذا السؤال، يا أيها الإخوة تعلمون أن أهل العلم يختلفون في الفروع، وقد ذكر ابن تيمية في مختصر الفتاوى جملة طيبة يقول: هذا وإجماع الأمة حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، فأهل العلم يختلفون في الفروع، لكن في الأصول لا يختلفون، والحمد لله قد أجمعوا على الأصول وعلى المعتقد، فما اختلفوا بحمد الله أبداً، وللعلماء عذر إذا اختلفوا، من أعذارهم أنه ربما يصل الدليل لعالم ولا يصل العالم الآخر، ومنها أن يكون هذا الحديث صحيح عند هذا العالم، ضعيف عند العالم الثاني، ومنها أن يكون الحديث ثابت عند هذا منسوخاً عند ذاك، ومنها أن يفهم هذا العالم غير ما يفهم ذاك العالم، فهذه أعذار.

    أما زكاة الحلي؛ فالصحيح أن في الحلي الملبوس للمرأة من ذهب وفضة زكاة، لعموم قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة:34] ولقوله عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم:{ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاته، إلا صفحت يوم القيامة صفائح، ثم تكوى بها جبهته، وجنبه وظهره} وعند أبي داود والحاكم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بسند حسن: {أن امرأة أتت رسول الله عليه الصلاة والسلام، وفي يديها سواران من ذهب، قال: أتؤدين زكاته؟ قالت: لا. قال: أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار؟ فألقتهما، وقالت: هما لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام} وعند أبي داود وصححه الحاكم: {أن أم سلمة كانت في يديها أوضاح، فقال صلى الله عليه وسلم: أتؤدين زكاته؟ قالت: أكنز يا رسول الله! قال: أتؤدين زكاته؟ قالت: نعم. قال: فليس بكنز} فالصحيح أن في الحلي زكاة على رأس الحول يثمن، ويدفع من ثمنه في الألف خمسة وعشرين، وفي المائة ريالين ونصف، هذا هو الصحيح والراجح عند أهل العلم.

    المسافة التي تقصر فيها الصلاة

    السؤال: ما هي مسافة السفر التي تقصر فيها الصلاة؟

    الجواب: المسافة على الصحيح لم تحدد، ويقول ابن تيمية: ما سمي سفراً فهو سفر، فإن الله لم يحد في كتابه مسافة، ولا رسوله عليه الصلاة والسلام، وإنما بعضهم: ثلاثة فراسخ، أو ثلاثة برد، أو أربعة برد، لا. لم يحد الله عز وجل ولا رسوله عليه الصلاة والسلام مسافة، وإنما ما سمي عند الناس وفي اللغة والعرف سفراً فهو سفر، لأن الله يقول: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ [النساء:43] ولم يحدد مسافة، فمن حدده بمسافة فقد خالف الدليل، فمن قال: سوف أسافر إلى الطائف، هذا صحيح، لأن العرف يصدقك، والناس يصدقونك، هذا يسمى سفر، لكن إذا قلت أسافر إلى الباحة، ليس بسفر، وهذا ليس بوارد، إذن فما سمي سفراً فهو سفر.

    الغسل من الجنابة

    السؤال: كيفية الغسل من الجنابة؟

    الجواب: الغسل الكامل أن تتوضأ وضوءك للصلاة قبل أن تغتسل من الجنابة، كما فعل عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة وميمونة، ثم تبدأ فتغسل رأسك، والمرأة تنقض شعرها في الحيض على الصحيح إذا كان لها ظفائر وجدائل، ولا تنقض شعرها عند غسل الجنابة، يكفيها أن تروي الرأس، فإذا أتيت إلى شعرك فاروه، ثم أفض عليه ثلاث مرات، ثم اغسل ما ارتفع من جسمك قبل أسفله، ويمينك قبل أيسرك، هذا الغسل الكامل أما الغسل المجزئ، فهو أن ترش جسمك بالماء، وتنوي الوضوء فيدخل فيه، إلا إذا مسست فرجك، فإنك تعيد الوضوء، هذا هو الصحيح.

    معنى حديث (النهي عن بيعتين في بيعة)

    السؤال: ما معنى حديث: {أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة

    الجواب: هذا الحديث في سنن أبي داود، وهو حديث حسن, ومعنى نهى صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة، عند بعضهم: هو أن تقول هذه السلعة (السيارة) بثلاثين ألف الآن، أو بأربعين ألف بعد شهر، وهذا خطأ ليس هذا المراد في الحديث، يقول ابن القيم: معنى: نهى صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة، هي بيع العينة، وهي أن تبيع سلعة من رجل بدين بنسيئة؛ مثلاً سيارة بستين ألف بعد سنة يدفعها، ثم تشتري السيارة منه نقداً بأربعين ألف، هذا محرم، وقد يفعله بعض الناس في المعارض، يبيعون سيارات للناس بدين، ثم يدفعون لهم نقداً لحاجة أولئك للنقد، ويريدون السيارة يترجعونها، هذا بيع باطل، وهو بيع العينة، وقد قال عليه الصلاة والسلام في سنن أبي داود:{إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم بأذناب البقر، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه إلا أن تراجعوا دينكم} أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فهذا معنى البيعتين في بيعة، أما الصورة التي يذكرها بعض العلماء فهي جائزة كأن تقول: هذه سيارتي إن كنت تدفع الآن فهي بثلاثين ألف، أو بعد شهرين بأربعين ألف، فجائز، قال أهل العلم: زيادة الثمن من أجل زيادة الأجل جائزة؛ لأن عقلاء العالم يعرفون أن النقد ليس كالدين أبداً، من ينقد لك القيمة ليس كمن يدين، فلك أن تزيد الثمن من أجل زيادة الأجل.

    ضعف حديث (الدعاء مخ العبادة )

    السؤال: ما صحة حديث {الدعاء مخ العبادة

    الجواب: حديث: {الدعاء مخ العبادة} رواه الترمذي بسند ضعيف، وفي سنده دراج أبو السمح، يروي عن أبي الهيثم الشامي، وروايته عن أبي الهيثم ضعيفة، لكن صح عنه عليه الصلاة والسلام عند الحاكم أنه قال:{الدعاء هو العبادة.

    حكم زيادة: إنك لا تخلف الميعاد

    السؤال: ما حكم زيادة " إنك لا تخلف الميعاد" بعد الأذان؟

    الجواب: "اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة آت محمد الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، إنك لا تخلف الميعاد" زيادة صحيحة، وابن حجر يرى أنها حسنة، والبيهقي يحسنها، وبعض الناس مثل الألباني يقولون: ضعيفة، لكن الصحيح إن شاء الله أنها صحيحة ثابتة فتقال.

    ضعف حديث: ( رجعنا من الجهاد الأكبر إلى الجهاد الأصغر )

    السؤال: ما صحة حديث{رجعنا من الجهاد الأكبر إلى الجهاد الأصغر

    الجواب: حديث ضعيف، قال ابن تيمية: لا أصل له، بل هو باطل.

    ضعف حديث: (قيدوا العلم بالكتاب)

    السؤال: ما حكم حديث: {قيدوا العلم بالكتابة}؟.

    الجواب: حديث موضوع.

    حديث: ( من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر ..)

    السؤال: ما حكم حديث: {من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر؛ لم يزدد من الله إلا بعداً

    الجواب: الحديث باطل لا أصل له، بل العبد الذي يصلي ولو كان مذنباً، أقرب إلى الله من العبد الذي لا يصلي.

    حكم من خلط العمل الصالح بالسيء

    السؤال: أنا رجل أصلي وأصوم، ولكني أسمع الأغنية، وأطالع المجلة، فهل يقبل الله عملي؟

    الجواب: أنت من الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، والله يحاسبك بصلاحك، وبما فيك من سيئات، ولكن نصيحتي لك أن تصلح عملك، وأن تصحح مسيرتك، وأن تجتنب الغناء، فإنه محرم بالإجماع عند أهل العلم، وهو يورث النفاق، والبعد عن الله، ويورث قسوة القلب، ويقطعك عن ذكر الله عز وجل، وعن ذكر الآخرة، وكذلك المجلة الخليعة، ورفقة السيئين قال تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67].

    خطر غلاء المهور والرشوة والإسراف

    السؤال: ابتلينا في منطقتنا بغلاء المهور، وكذلك الرشوة، والمبالغة في الولائم، أرجو التعليق على ذلك؟

    الجواب: أما غلاء المهور، فهو من شر ما ابتليت الأمة، وكان له عواقب ونتائج منها:

    أن الله لا يبارك في هذا المهر الذي يحوزه الوالد، حتى وجد أن من أفقر الناس من يتاجر في بناته، عنده ثمان بنات، ويأخذ في الواحدة مائة ألف، وهو من أفقر الناس، لأن الله لا يبارك في هذا، وبارك الله في أقلهن مهراً، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه، فزوجوه، إلا تفعلوا؛ تكن فتنة في الأرض وفساد كبير.

    غلاء المهور من عواقبه عزوف كثير من الشباب والفتيات عن الزواج، وهذا أمر سبب ارباكات في مجتمعنا، وسبب ويلات منها والعياذ بالله: المعاصي، ومنها كذلك: تفويت الزواج على كثير من الشباب والشابات، وهذا أمر خطير، وبعض الآباء لم يفهموا هذه القضية، ولم يتأملوها، ولم يفقهوا فيها، إنما همهم المال، فوصيتي تقليل المهر، والمساعدة للمتقدمين، ووصيتي للشباب أن يتقدموا ويعفوا أنفسهم بالزواج، وألا تكون الدراسة، وبعض الأسباب الدنيوية عائقاً عن الزواج، فإن الزواج أهم عند المرأة من مواصلة دراستها، فهو الحياة الحقيقة، والحياة بغير الزواج للمرأة أو الرجل ليست بكاملة.

    وأما بالنسبة للرشوة: {لعن صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي} وفي بعض الروايات {والرائش} وتعرفون كم أفسدت من الحقوق، وكم عطلت من الأحكام، وكم صرفت من الواجبات، وكم أدمت من قلوب.

    الرشوة إذا وجدت في مجتمع ضاع الضعيف؛ وأخذ مال المظلوم؛ وانتهكت المحارم.

    الرشوة إذا وجدت؛ فسد الأمر، ونسأل الله عز وجل أن يصلح لنا ولكم البطانة، وأن يتولانا وإياكم، فإن من عواقب الرشوة أنها أكلٌ حرام {كل جسد نبت من السحت، فالنار أولى به}

    وأما المبالغة في ولائم الرياء والسمعة فإن أثرها وخيم، وصاحبها يدخل في عموم الحديث: أول من تسعر بهم النار ثلاثة، منهم الجواد الذي صنع الولائم في الدنيا وأكرم الناس يستدعيه الله عز وجل يوم القيامة، فيقول: يا فلان بن فلان أما منحتك المال؟ أما أعطيتك؟ قال: بلى يا رب، قال: فأين ذهبت به؟ قال: أطعمت الجائع، وكسوت العاري، وأنفقت في سبيلك، قال الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت،ويقول الله: إنما فعلت هذا ليقال جواد، وقد قيل، فخذوه إلى النار، فيأخذونه فيسجرون به النار، ونعرف والله كثير من الناس ذبح في بعض الولائم خمسين رأساً من الغنم، ويوم طلب يتبرع في أفغانستان وبعض المساجد رفض، وهذا يدل على أنه ما فعل ذاك إلا رياءً وسمعةً ومجاملةً، وطلب مديح الناس، فجزاؤه عند الله والعياذ بالله!

    حاتم الطائي أنفق أمواله كلها، فيقول ابنه: {يا رسول الله، أينفع أبي أمواله التي أنفق، قال: لا. إن أباك طلب شيئاً فأصابه} طلب الرياء والسمعة والصيت، فأعطاه الله السمعة والصيت , وليس له أجر عند الله وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23].

    وقال تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف:110].

    وصيتي بالاقتصاد في الولائم، وأن تكون الوليمة على قدر المدعويين, وأن يختصر في الزواجات حتى تكون أقل تكلفة على الناس، وعلى المتزوجين؛ لأن العرف إذا ساد بالتكليف، كلف الفقراء والمساكين ما لا يستطيعون مجاراة للناس.

    حكم العرضة المقرونة بالزير والمزمار في العرس

    السؤال: ما الحكم في العرضة المقرونة بالزير والمزمار، وشعر المدح في أهل المعرس، أو القبيلة بما ليس فيهم؟

    الجواب: هذه مسألة من أكثر ما سئلت عنها، وهي موجودة في المنطقة، ونحن نعرف، لأننا من أهل هذه المنطقة، نعرف هذه العرضات، وما يصاحبها من زير وزلفة ودف وطبل، وقد سألت عنها شخصياً سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز، ومعي الشيخ/ سعيد بن مسفر في الطائف، قال الشيخ: الذي يظهر أنها محرمة لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: {ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف} وهذه من المعازف، فلا يجوز الزير للرجال، ولا الدف، ولا الطبل، ولا الزلفة، ولهم أن يعرضوا بنشيد وبقصائد بدون طبل ولا زلفة، وقلنا لبعض الناس، قالوا: مالها طعم بدون زلفة وزير هذه ما تصلح، قلنا: أهم شيء الشريعة، يقول ابن القيم: بعض الناس فسدت أفهامهم، فعارضوا الشريعة بالعادات: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50] فلهم أن يعرضوا بدون دف، ولا طبل، ولا مزمار، فيقول الشيخ: إنها من أدوات العزف، وفي مسند أحمد قال: والكوبة، والكوبة هي: مثل الدف والطبل والمزمار.

    أما النساء، فيجوز لهن في الأعراس الضرب بالدف بالأيدي - الدف: الذي من وجه واحد- أما الزيرة هذه، فهي من الزأر الذي يأتي بالجنان، هو خمر العقول، حتى بعض الناس إذا سمع الزير هذا يغمى عليه، وبعضهم يقوم بلا شعور، فهذا دليل على أنه يخمر العقول، وهو العلة في تحريم المعازف التي حرمها رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    أما شعر المديح، فسوف يوقف الله كل عبد بما قال، والشعراء غالبهم إنما يأتون أجراء بالمال، فيمدحون صاحب البيت، ولو كان لا يعدل قرشين، أو ريالين، فيقول: أنت حاتم الطائي، وأنت فعلت، وأنت صنعت، وأنت بركة العصر، ودرة الدنيا، ومجدد هذا القرن، وهو لا يساوي شيئاً، وعلمهم عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى، وهم في جانب آخر يواشون ويناكتون بين القبائل، ويحيون العصبيات الجاهلية، حتى سمعنا من كثير من كبار السن أن بعض القبائل تقاتلت من أجل قصائد قيلت في العرضات، فهؤلاء إثمهم على الله، وهم من مشعلي الفتنة؛ لأنهم يمدحون بعض القبائل على بعض، ونحن ليس عندنا قبلية، ولا عصبية، جمعنا الله بلا إله إلا الله تحت لواء واحد، وعقيدة واحدة، وفي مسيرة وقيادة ولاة الأمر، وفقهم الله لما يحبه ويرضاه قال الله: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:63] وقال تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:103].

    حال عصاة الموحدين في القبور

    السؤال: ما حال العصاة الموحدين في قبورهم، أفي عذاب دائم، أم يعذبون فترة وينقطع عنهم العذاب؟

    الجواب: معتقد أهل السنة والجماعة: أن الموحدين قد يعذبون، وأنهم لا يخلدون في النار، وأن الموحدين قد يدخلون النار بذنوبهم، كشارب الخمر، والزاني والسارق، قد يدخل النار بذنبه، لكنه لا يخلد في النار، خلاف معتقد الخوارج والمعتزلة.

    وهل يعذبون في قبورهم؟

    نعم، يعذب الموحد إذا كان مذنباً، كتب الله عليه العذاب فترة من الفترات، منهم من يعذب يوماً أو أسبوعاً أو سنة، نسأل الله العافية, أو أكثر أو أقل بحسب ذنبه، والظاهر في حديث صاحب العصا عن ابن عباس في الصحيحين التي قسمها عليه الصلاة والسلام على القبرين، الظاهر أنهم موحدون , وهذا هو الصحيح، لكن أحدهم كان لا يستبرئ من البول، والثاني كان يمشي بين الناس بالنميمة، فبذنوبهم عذبوا، قال عليه الصلاة والسلام: {فأرجو أن يخفف عليهما ما لم تيبسا} يعني العصا.

    حقيقة الحجاب الشرعي

    السؤال: ما هو الحجاب الشرعي للمرأة المسلمة؟

    الجواب: أن تغطي ما ظهر من زينتها بما فيها الوجه والكفين إلا في الصلاة، فإن المرأة عورة إلا وجهها وكفيها في الصلاة، لحديث عند الحاكم عن عبد الله بن جعفر، وهو صحيح: {المرأة عورة إلا وجهها وكفيها في الصلاة}.

    حكم تربية اللحية وحلقها

    السؤال: ما حكم تربية اللحية وحلقها؟

    الجواب: تربية اللحية واجب، وحلقها محرم، وكل الناس يعرفون الحكم، والحمد لله، لا ينقصنا عدم معرفة الأحكام، لكن ينقصنا معرفة التوحيد أولاً.

    حكم الكشف على غير المحارم

    السؤال: أنا عندي سبعة أبناء، وأنا منهم، والمشكلة أننا في بيت واحد، ويكشف إخواني على زوجتي، وإذا قلت لأبي: إن هذا حرام، يقول: إن هذا ليس فيه شيء، وإذا قلت له: إني سوف أذهب، يقول: لا. ولن أرضى عنك؟

    الجواب: والدك مخطئ في هذه المسألة، وأنت المصيب، وعليك أن تنصحه بالتي هي أحسن، ونسأل الله أن يهدي والدك، وأن يدله سواء السبيل، بل الصحيح أنه لا يجوز للإنسان أن يكشف على غير محارمه، ومنها زوجة الأخ، فإن هذا من المحرم، وقد وصف صلى الله عليه وسلم الحمو أخو الزوج بأنه الموت.

    والناس يتساهلون كثيراً في البيوت بأخي الزوج فيدخل على زوجة أخيه، ويجلس معها ويشرب معها الشاي، وهو الموت، لا يأتي ولا يلدغ إلا من جانبه؛ لأن جانبه مؤتمن، فيأتي السوء منه والعياذ بالله!

    ووصيتي أن تفصل بينك وبين غير المحارم، ولا بأس باجتماعك بإخوانك الرجال في مكان والنساء في مكان، ولا تطع والدك؛ لأن هذا معصية، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لكن بالتي هي أحسن.

    حكم الصدقة علىآل البيت وتعظيم الصوفية

    السؤال: يوجد عندنا إمام وشيخ، وسمعنا منه بعض الأمور، وهو إمام لمسجد، يقول منها: إنه لا يأكل الصدقة، لأنه من أهل البيت؟

    الجواب: والله ما أدري، قد يكون من أهل البيت، إن كان شريفاً فهو من أهل البيت، فالله أعلم، فيراجع إلى حفيظة نفوسه، وإلى نسبه، ويتأكد منه.

    السؤال: الثاني يقول: إنه يتمنى أن يكون شعرة في رأس أحد الصوفية؟

    الجواب: نعوذ بالله، هذا التمني ليس وارداً، والصوفية فيهم وفيهم، لكن عموماً هذه الفرقة فيها خزعبلات، وعليه أن يتمنى أن يهديه الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى سواء السبيل، وأن يريه الله الحق، وأظن أن هذا فيه مرض، فما دام يتمنى هذه الأماني ففيه نظر!

    حكم من انتسب إلى غير نسبه

    السؤال: ما حكم من اتخذ أماً غير أمه، يقول لصلاحها وتقواها؟

    الجواب: يعني أخذ عجوزاً، وتبناها أنها أم له وهي ليست بأمه، هذا خطأ، ولا يجوز، لا يجوز سرقة الأمهات! عليه أن يعود إلى أمه، قال عليه الصلاة والسلام: {من ادعى إلى غير أبيه، فالجنة عليه حرام} وفي لفظ حديث علي :{ملعون من ادعى إلى غير أبيه، أو من انتسب إلى غير أبيه} وكذلك أمه، فلا يجوز له أن ينتسب إلى غير أمه، إلا من باب التوقير كأن يقول للعجوز: يا أماه، أو يقول لأحد الشيوخ الكبار: يا أبتاه، وهو ليس بأبيه، من باب التوقير جائز، لكن الادعاء والانتساب حرام.

    عدم السماع للأشرطة والمحاضرات وذمها

    السؤال: هناك من لا يسمع أشرطة المشايخ، ويقول: إنها بلا روح، وهي لا تنفع؟

    الجواب: ربما أنه ملغم، هو ضدها، ولذلك يظن أنها لا تنفع، وإلا فهي نافعة، وقد نفع الله بها في المشرق والمغرب، وبعض الملاحدة سمعها، فأصبح يصلي.

    وكيف يصح في الأذهان شيء     إذا احتاج النهار إلى دليل

    أجمعت الناس جميعاً أنها نافعة، وهذا يقول ما هي بنافعة.

    وهذا مثل رجل ذكره أبو سليمان الخطابي في كتاب العزلة: أن أحد الصوفية أخد لصقة، فألصق على عينه اليسرى، قالوا له: مالك؟ قال: إسراف أن أنظر إلى الدنيا بعينين، خلق له عينين، وهو يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ [البلد:8-9] وهو يقول: إسراف أن أنظر إلى الدنيا بعينين، وسمعنا أن أحد الناس يقول: لا أركب السيارة؛ لأن آجال الناس في السيارة، ويظن أن الذي لا يركب السيار يتأخر سنة أو سنتين، والله عز وجل يقول: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49] الذي في السيارة والطائرة.

    مات المداوي والمداوى والذي     صنع الدواء وباعه ومن اشترى

    فذكروا -هذا نقل عن بعض الشباب- أنه كان دائماً يركب الحمار فقط، حتى عند الإشارات تراه بالحمار صباح مساء، الناس في السيارات وهو على الحمار، إما ورعاً، وإما خوفاً من السيارات، قالوا: فأتته سيارة في صباح مبارك، فشلته والحمار، فمات!

    لقد ذهب الحمار بأم عمرو     فلا رجعت ولا رجع الحمار

    حكم العرضة في العرس

    السؤال: هل العرضة حلال؟

    الجواب: العرضة ذكرت لكم قول سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل.

    إذا قالت حذام فصدقوها      فإن القول ما قالت حذام

    حكم الغناء

    السؤال: سمعت أحد الأشخاص هنا يقول: إنه يجوز الاستماع إلى الغناء ولا يحرمه؟

    الجواب: هذا يظهر عليه أن عفشه بائر، يحتاج إلى أنه يدعى له بالهداية، أو ثلاث ضربات بالكورباج، نسأل الله أن يتوب علينا وعليه، لكن ينصح، وأظنه ليس في هذه المنطقة، إنما قد ينقل من بعض المناطق والحمد لله، لأنا نعلم أن هنا علماء ويستفاد منهم ومشايخ خير، وما أعلم صوفية في هذه المنطقة، فهي إن شاء الله بريئة براءة الذئب من دم يوسف.

    حكم الركعتين في غير المسجد كالمصلى وغيره

    السؤال: دخل بعض الناس في هذا المصلى قبل الغروب، وعند دخولهم قاموا وصلوا تحية المسجد؟

    الجواب: ليس لهذا المصلى تحية مسجد، لأنه ليس مسجداً، فمن دخل قبل الغروب يجلس مكانه ولا يتنفل ركعتين؛ لأن النافلة إنما هي للمساجد، لعموم قوله عليه الصلاة والسلام في الصحيحين من حديث أبي قتادة:{إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين} وهذا ليس مسجداً، هذا مصلى، ولذلك ما أمرنا يوم العيد أن نصلي، بل نأتي يوم العيد ونجلس بدون نافلة.

    قبل أذان المغرب، والوقت وقت نهي، يقول عليه الصلاة والسلام:{لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس} إلا لمن دخل في مسجد، هذا هو الصحيح.

    أيها الإخوة الكرام: نكتفي بهذا القدر من الأسئلة على أمل أن نعود إليكم، وأن نراكم، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق والهداية، ونسأله سبحانه أن يجمع بيننا وبينكم في دار الكرامة، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2738837909

    عدد مرات الحفظ

    684554265