مكتبتك الصوتية

مستخدم جديد

الاشتراك

كلمة السر أو رمز التفعيل

اسم المستخدم

كـلمـــة الســــر

الأكثر استماعا لهذا الشهر

1

سورة يوسف

1178645

عبد الباسط عبد الصمد
2

ماذا بعد رمضان

8426

محمد حسان
3

دعاء ختم القرآن الكريم..

6443

4

قصص الأنبياء - قصة ابر..

3455

طارق السويدان
5

تكبيرات العيد وتلبية ا..

2669

(...)
6

أذان بصوت- الشيخ ياسر ..

1932

ياسر الدوسري
7

قراءة متن الشاطبية

1830

مشاري راشد العفاسي
8

دعاء ختم القرآن الكريم..

1614

9

خطبة عيد الفطر المبارك

1574

محمد المنجد
10

دعاء ختم القرآن الكريم..

1535

في هذا الدرس شرح لحديث: (الحياء من الإيمان) وفيه تعرض الشيخ لكثير من المسائل والأحكام المتعلقة بالحياء، تعريفه، أنواعه، ... ثم تطرق للحديث عن بعض مسائل الإيمان، فذكر أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان وأن الشهادتين مجردة عن الأعمال لا تعصم الدم عند أهل السنة والجماعة خلافاً للأشاعرة وغيرهم، وأن الأحكام للظاهر، والسرائر إلى الله تعالى, وفيه عدم تكفير أهل البدع إلا ما استثني كغلاة الرافضة، وتقديم النفع المتعدي على القاصر, وأن اختلاف إجاباته صلى الله عليه وسلم إنما هو بحسب الأحوال والمخاطبين.

إن الحمد لله، نحمده ونستيعنه ونستغفرهونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أمَّا بَعْد:

فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

يقول الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-: باب الحياء من الإيمان.

حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك بن أنس عن ابن شهاب , عن سالم بن عبد الله , عن أبيه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعه، فإن الحياء من الإيمان).

هذا الحديث، وأحاديث أخرى معه هي موضوع درسنا إن شاء الله.

 ترجمة لرجال السند

أما رجال هذا السند, فقد مروا معنا, عبد الله بن يوسف هو التنيسي من مصر، وهو من أعظم شيوخ الإمام البخاري.

ومالك بن أنس يكفي أنه نجم هذا العلم وشمسه.

ومالك حيث أفتى في مدينته     فلست أرضى بفتوى غير فتواه

يكفي أنه كالنار على العلم فلا يُعرّف.

وأما ابن الشهاب فهو الزهري , واسمه: محمد بن شهاب الزهري من بني زهرة.

وسالم بن عبد الله هو ابن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم جميعاً، وسالم هو من علماء التابعين, ومن فقهاء المدينة السبعة، وكان ابن عمر يقبله وفي رأسه الشيب، ويقول: انظروا إلى شيخ يقبل شيخاً، ولذلك كان سالم إذا فارقه لا يستطيع أن يصبر، بل كان يبكي حتى يعود، ويقول ابن عمر:

يلومونني في سالم وألومهم     وجلدة بين العين والأنف سالم

[[دخل سالم البيت الحرام يطوف به معتمراً، فلقيه الخليفة هشام بن عبد الملك، فسلَّم عليه، وقال: يا سالم! ألك حاجة إلي؟ أعليك دين أقضيه؟ وهشام بن عبد الملك كان خليفة المسلمين آنذاك، فقال سالم -وقد احمر وجهه غضباناً-: "أما تستحي تقول لي هذا الكلام في بيت الله" أي: أنه لا يُسأل في هذا المكان إلا الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

فلما خرج هشام بن عبد الملك ومعه موكبه من الحرم تعرض لـسالم، فلمَّا خرج سالم، وحِذَاؤه بشماله؛ قال هشام بن عبد الملك: إنني عرضت عليك قبل فاعتذرت، وأريد أن تخبرني بحاجتك.

قال سالم: أمن حوائج الدنيا، أو من حوائج الآخرة؟

قال هشام: وهل أملك أنا حوائج الآخرة؟!

فقال سالم: "والله ما سألت الدنيا ممن يملكها -وهو الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى- فكيف أسألها منك أنت؟!]] فكان رضي الله عنه وأرضاه من أزهد الناس، وكان من أجمل الناس، حتى إن هشام بن عبد الملك لما زار المدينة جلس معه سالم، فنظر إليه، فقال: يا سالم! أتأكل اللحم؟

قال: إن اشتهيته أكلت قليلاً فأصابه بالعين، فمرض؛ فمات؛ فقال أهل المدينة: لا رحم الله هشاماً؛ أخذ جيشنا وأرسله في بلاد الروم حتى قتله عن آخره، وقتل عالمنا بعينه، وهذه أوردها الذهبي وغيره من أهل العلم.

يقول: عن أبيه عبد الله بن عمر رضي الله عنهم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل من الأنصار، وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال: {دعه، فإن الحياء من الإيمان}.

مجمل معنى الحديث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم مرَّ على رجل يؤنب أخاه، ويقول: قد أضر بك الحياء، وقد استحييت حتى تركت حقوقك، وتركت ما ينبغي لك، وقد بالغت في الحياء، هذا معنى الحديث.

وقد يفهم على أنه يقول له: استحي، أو استحي من الله عز وجل.

وهذا فهم مقلوب، بل الفهم الذي صرح به أهل العلم أنه يقول له: إنك أصبحت تستحي حتى أضر بك الحياء، فما هذا الحياء؟! فيقول صلى الله عليه وسلم ينكر على الناصح الذي يوصي أخاه: {دعه -أي: لا تنصحه- فإن الحياء من الإيمان}.

أتى الإمام البخاري رحمه الله بهذا الحديث ليدلل على أن أعمال القلوب تدخل في مسمَّى الإيمان، وهو لا يزال يشن حرباً ضروساً على المرجئة من أول الكتاب, فمرة يتجه إلى الخوارج فيرد عليهم، ومرة إلى المرجئة، ومرة إلى الكرامية، فهو بهذه الفصول والأبواب المتأخرة يرد على المرجئة.

والقضية التي نتكلم عليها هنا هي: ما هو الحياء المطلوب؟ وما هو الحياء المحمود؟ وهل كل حياء يحبه الله عز وجل؟ وهل هناك حياء مذموم لا يحبه الله عز وجل ولا رسوله؟

 أنواع الحياء في الإسلام

الحياء في الإسلام قسمان: قسم ممدوح، وقسم مذموم.

فأما الممدوح فهو: ما حملك على الجميل من الأقوال, والأفعال, والأعمال, والأحوال، وكذلك ما ردك عن المنكر، وعن كل ما يدنس المروءة، فهو من الحياء الممدوح؛ لأن المسلمين في الإسلام على ثلاث طبقات:

1- أناس يحافظون على الفرائض ويستحيون من الله ثم من الناس أن يخلوا بالفرائض، وبعض الناس يحملهم إيمانهم وحياؤهم على ألا يخلوا بالفريضة حياءً من الله عز وجل.

2- وبعضهم يستحي من الله ثم من الناس أن يخل بالسنن كالنوافل والسنن الرواتب، وغيرها من السنن الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم، وبعض الناس يرتقي به الإيمان إلى أن يستحي من الله عز وجل فيحافظ على السنن والنوافل.

3- ثم من الناس بعد أداء الفرائض والنوافل من يحافظ على آداب المروءة؛ فلا تراه يأكل واقفاً في السوق، ولا يمازح في السوق، ولا يأكل وهو يمشي، ولا يرفع صوته، ولا يمدح بمدح لا يليق بالمسلم، فهذا حياء محمود, وإن كان ليس بواجب عليه.

أما الحياء المذموم: فإنه ما رد صاحبه عن الخير.

يقول مجاهد رحمه الله: [[لا يطلب العلم مستحٍ ولا مستكبر]] فالحياء إذا منعك من طلب العلم، فهذا مذموم وباطل، وقد يأثم به الإنسان.

والحياء إذا منعك من حضور مجالس الذكر فهو مذموم؛ لأن بعض الناس يقول: كيف أنا أتواضع وأذهب وألبس بشتي، ثم آتي إلى المجالس؛ وأجلس من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء، وأدخل مع الناس.

ذكر الذهبي أن بعض الناس يقول: أنا لا أصلي مع الجماعة في المسجد؛ لأنه سوف يصلي معك الزبالون والبائعون..؛ وأنا مروءتي تمنع ذلك، قال الذهبي معلقاً عليه: "لعنها الله من مروءة!!"

نعم, إن كانت مروءة تحمل صاحبها إلى أن يترك الأعمال الصالحة والسنن ومجالس الذكر فهذه مروءة ملعونة؛ لأن المروءة كل المروءة في أن تتواضع، وتجلس في حلق الذكر، وتأتي إلى من هو أقل منك علماً وفهماً وديناً واستقامةً فتستفيد منه.

[[ كان علي بن الحسين (زين العابدين) رضي الله عنه وأرضاه يأتي إلى زيد بن أسلم -وهو مولى- فيجلس بين يديه، فقال له التابعون: يا علي! كيف تجلس لهذا المولى وأنت سيد من السادات؟

قال: السيد من اتقى الله، وإنما يجلس الإنسان إلى من يستفيد منه، أو يفيده علماً]].

ومن الحياء المذموم ما منعك عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا باطل ويأثم عليه العبد؛ لأنه ليس مقبولاً عند الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

 تعريف الحياء

تعريفات الحياء عند أهل السنة والجماعة كثيرة أبسط بعضها، وبعضها أتركه اختصاراً.

قيل: الحياء هو أن تذكر الآلاء والانكسار من عدم القيام بالحق.

تذكر الآلاء: أي: أن تتذكر النعم التي أنعم الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بها عليك؛ فتنكسر وتخجل وتستحي أن تعصي الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى, هذا من الحياء.

ولذلك يؤثر أن رجلاً أتى إلى مالك بن دينار رحمه الله فقال: يا مالك! إنني تبت إلى الله من المعاصي إلا معصية واحدة، قال: وما هي؟ قال: كبيرة من الكبائر، قال: تب إلى الله، واتركها، قال: لا أستطيع.

قال: سوف أعرض عليك أموراً.

إذا أردت أن تفعل هذه المعصية فلا تعص الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في أرضه.

فقال الرجل: إلى أين أخرج؟ والأرض كلها أرض الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى؟

فقال: كيف تعصي الله تبارك وتعالى على أرضه، أيدخلك داره، ثم تعصيه فيها؟!

قال: إذا أردت أن تعصيه فلا تأكل من طعامه، ولا تشرب من شرابه.

قال: ومن أين آكل وأشرب؟ والأكل والشراب من رزقه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

قال: فكيف تستعين بنعمه على معاصيه؟!

قال: فإن لم تستطع وعصيته فحاول ألا تلقاه يوم القيامة.

قال: لا أستطيع إلا لقاءه.

وفي الرابعة قال له: وإذا أردت أن تعصيه، فاختبئ في مكان لا يراك فيه.

فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأتوب إلى الله.

فإذا تذكر الإنسان الآلاء؛ فإنه يعود بإذن الله من المستقيمين والتائبين إلى الله عز وجل.

التعريف الثاني: قالوا: هو انتفاض النفس خشية المكروه.

بعض الناس يترك أعمال الشر لا ديناً منه، ولكن حياء من الناس، وهذا محمود، ولو أن من تركها مخافة من الله أحمد منه، ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: {إذا لم تستح فاصنع ما شئت} وهذا حديث ثابت عنه صلى الله عليه وسلم.

قال أهل العلم: الحديث يحمل على معنيين اثنين:

إما أن المعنى: إذا لم تستحِ من الله عز وجل فما عليك، أي: فقد انفرط حبلك، فافعل ما شئت من الكبائر، وارتكب ما شئت من المعاصي، هذا معنى.

والمعنى الثاني: إذا لم تستحِ من الشيء، وعلمت أنه حلال، وأنه مباح، وعلمت أنه ليس معصية، فافعله، فإنه مباح وحلال.

وهذان المعنيان واردان في شرح الحديث.

أما التعريف الثالث للحياء: فهو حفظ الجميل بترك القبيح، يعطيك الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فتكافئه بالطاعة.

ولذلك ذكر الإمام أحمد في كتاب الزهد يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: {عجباً لك يابن آدم! ما أنصفتني، خلقتك وتعبد غيري، ورزقتك وتشكر سواي، أتحبب إليك بالنعم وأنا غني عنك، وتتبغض إليَّ بالمعاصي وأنت فقير إليَّ، في كل يوم لي إليك رزق نازل، وفي كل يوم لك إليَّ عمل سيء صاعد} أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

يقول: ما أنصفت أي: ما عدلت في الخصومة بيني وبينك، وفي هذا تذكير بالآلاء, وحفظ الجميل بترك القبيح يحمل صاحبه على الحياء من الله.

والتعريف الرابع للحياء هو: مراقبة القهار مخافة من النار، وبعداً من العار.

فإن من لم يراقب الواحد القهار، فعليه أن يخاف من النار، فإن لم يخف من النار، فليخف من العار في الدنيا؛ لأن المعاصي تكسب صاحبها ذلة ووصمة لا يعلمها إلا الله، ولذلك يقول سعيد بن المسيب رضي الله عنه وأرضاه: [[الناس في كنف الله، وفي ستر الله، فإذا شاء أن يفضح أحدهم؛ أخرجه من كنفه ومن ستره، والمفضوح من فضحه الله]].

وهذا الذي يصاب بالخذلان؛ لعدم إخلاصه في القصد والتوجه إلى الله عز وجل، فإذا افتضح بالمعاصي؛ أصابه الخذلان, نسأل الله العافية.

 حياء الرسول صلى الله عليه وسلم

أتى الرسول صلى الله عليه وسلم بالحياء المحمود وترك المذموم، فهو قدوتنا في كل عمل، فمن لا يأخذ قوله وهديه وحاله صلى الله عليه وسلم فقد ذل، فيؤخذ القول من قوله صلى الله عليه وسلم، ويقتدى به صلى الله عليه وسلم بالأفعال والأحوال، ولذلك يقول أبو سعيد رضي الله عنه في الصحيحين: {كان صلى الله عليه وسلم أشد حياءً من العذراء في خدرها}.

ولا يحمل ذلك بعض الناس على أن يظن أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد يرى منكراً أو حقاً لله فيستحي ويحجم، لا. فإن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا رأى حدود الله تنتهك، غضب غضباً لا يقوم له أحد عليه أفضل الصلاة والسلام، لكن حياءه كان حياء عبادة، وحياء تكليف من الله عز وجل, وكان من حيائه إنه ما كان يمد بصره إلى الناس؛ لأنهم يجلسون أمامه صلى الله عليه وسلم في الصلوات, بل كان ينكس رأسه صلى الله عليه وسلم وربما نظر إلى بعضهم.

قال البراء بن عازب رضي الله عنه: {كنا نصلي على يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم عله أن ينظر إلينا، فيبتسم إلينا ونبتسم إليه}.

ويقول أنس: {كان صلى الله عليه وسلم يبقى في بيته إلى قرب إقامة صلاة العشاء} أو كما قال.

فكان لا يخرج صلى الله عليه وسلم إلا وقت الإقامة، فإذا اجتمع الناس خرج عليه أفضل الصلاة والسلام من الجهة اليمنى؛ لأن بيت عائشة رضي الله عنها كان في الروضة من الجهة اليمنى للمصلي إذا استقبل الناس، قال أنس: {وكان في علية القوم، وفي الصف الأول أبو بكر وعمر، فينظر إليهم صلى الله عليه وسلم، وينظرون إليه، هو مقبل، فيبتسم إليهم، ويبتسمون إليه، ثم تقام الصلاة}.

كان من هديه صلى الله عليه وسلم: أنه ما كان يبدي للإنسان نظره إذا أخطأ, وما كان يقوم على المنبر، ويقول: أنت يا فلان فيشهره أمام الناس، أو يعلن توبيخه على الناس، لا. بل كان يقول صلى الله عليه وسلم: {ما بال أناس يفعلون كذا وكذا} فيعرف المخطئ، ويعرف العاصي، فيعود بإذن الله ويتوب إلى الله عز وجل، هذا هديه صلى الله عليه وسلم.

والتشهير بالناس وبأخطائهم مذهب خاطئ، وغلط في المنهج والمبدأ، لا يقبله الإسلام، ولذلك ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من حديث سلمان أنه قال: {إن الله حيي يحب الحياء} وفي لفظ: {ستير}.

وقد سألني بعض الإخوة: كيف تورد مثل هذه الألفاظ في صفات الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى, كقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {إن الله نظيف يحب النظافة، وجميل يحب الجمال، وستير يحب الستر} وهل الحديث في ذلك ثابت؟

فنقول: هذه الألفاظ أطلقت من الرسول صلى الله عليه وسلم، والحديث في الترمذي.

ويرى ابن تيمية أن هذه الأسماء واردة منه صلى الله عليه وسلم، يقول: لكننا نتوقف فيها، فلا نطلقها حتى نتأكد من أسانيدها هل هي صحيحة أم لا؟ مع العلم أن في الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم: {إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة} قال ابن حزم الظاهري:"أحصيتُ الأسماء الحسنى في الكتاب والسنة، فوجدتها ستة وستين، لا زيادة" فقال ابن تيمية: وجدت أكثر من الستة والستين.

والواجب في الأسماء والصفات أن نقولها كما قالها صلى الله عليه وسلم، ونقف على ذلك؛ لأن الأسماء توقيفية، وليس لنا أن نزيد في أسماء الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى, كبعض الناس يسمي ابنه عبد الموجود, وعبد اليقظان، فهذه ليست من الصفات التي ورد بها التكليف والتشريع والاعتقاد.

وإنما ذكرت هذه المسألة عرضاً واستطراداً، والشاهد عند قولنا: إن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يحب الستر، ولا يحب التشهير بالناس، حتى إنه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يكره من الإنسان العاصي أن يجاهر بالمعصية، يعصي بالليل، ثم يخرج بالنهار، فيخبر الناس أنه عصى، وأنه ارتكب، وأنه فعل وفعل، فهذا لا يغفر له { كل أمتي معافى إلا المجاهرين} أي الذين يجاهرون بالخطأ، ولذلك من استصلاح القلوب: ألا يشهر المسلم بالعاصي، بل يأخذه على انفراد وينصحه؛ لأنهم يقولون: إن الدعوة: إما نصيحة، وإما فضيحة.

وقد سبق لنا أن ذكرنا كلام الشافعي للإمام أحمد في رسالته له، قال:

أحب الصالحين ولست منهم      لعلي أن أنال بهم شفاعة

وأكره من تجارته المعاصي      ولو كنا سواء في البضاعة

تعمدني بنصحك في انفرادٍ      وجنبني النصيحة في الجماعة

فإن النصح بين الناس نوع      من التوبيخ لا أرضى استماعه

فإن خالفتني وعصيت أمري      فلا تجزع إذا لم تعط طاعة

 قوة النبي صلى الله عليه وسلم في الحق

ثبت في سنن أبي داود:{ أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مضمخ بطيب -والطيب له لون أحمر، ونحن منهيون جملةً عن الصبغة الحمراء، أو عن لبس الثوب الأحمر الذي ليس فيه أعلام؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عنه- فنظر صلى الله عليه وسلم إلى الناس، ثم قال: لو نهيتم هذا} وهو صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم، وهو المسئول عن إخبار الناس بالأحكام، لكن حياءً ألا يواجه الناس بما يمكن أن يثير في أنفسهم شيئاً، فهو صلى الله عليه وسلم حيي ويستحي, لكنه لا يستحي صلى الله عليه وسلم من الحق، بل تقول عائشة: {كان إذا غضب صلى الله عليه وسلم لله لا يقوم لغضبه أحد} ونحن نعلم أنه ليس هناك أشجع منه صلى الله عليه وسلم، حتى يقول علي رضي الله عنه -وتعرفون من هو علي أبو الحسن -: [[كنا إذا لقينا القوم، واشتد الكرب اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أقربنا إلى القوم]] وكانوا يتقون به من السيوف والرماح.

ولذلك لم يثبت أبداً -وهذا معروف بالاستقراء- أنه صلى الله عليه وسلم فر من معركة، بل واجب عليه ألا يفر، ويحرم عليه صلى الله عليه وسلم لو فر الناس جميعاً أن يفر، حتى يقول بعض أهل العلم منهم القرطبي وابن العربي: لو قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الدنيا بأسرهم، وكانوا في صف وكان في صف، لما تأخر ولما فر أبداً، لأن الله يقول: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ [النساء:84] فهو لا يكلف إلا نفسه بالثبات، أما غيره فله أن يوصيهم بالثبات عليه الصلاة والسلام.

ولذلك في حنين، لما أتى مالك بن عوف النصري، واقتحم باثني عشر ألف مقاتل على جيش الرسول صلى الله عليه وسلم، ففر الناس، قال جابر: فأمطرونا بالنبل حتى كأنه الغمام على رءوسنا، ففرت الدواب، والجمال والخيول بأصحابها.

فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: {يا عباس! نادِ في الناس}.

فأخذ العباس يرفع صوته -وكان جهوري الصوت حتى كان ينادي أبناءه من بيته في المدينة، وفي الغابة فيسمعون صوته- فيقول: يا أهل سورة البقرة! يا من بايع تحت الشجرة! هلموا رحمكم الله، فلا يجيبون، ومالك بن عوف بهوازن وغطفان تعلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم الجبل.

فقال صلى الله عليه وسلم: {نادِ بالأنصار، قال: يا أيها الأنصار! يا حماة الدار! يا آخذين بالثار! عودوا إلى الرسول المختار، فما سمع ولا رأى صلى الله عليه وسلم أحداً يعود} بل فروا؛ وبعضهم فرت به دابته، وبعضهم متشكك من أول الطريق، ما صمم على القتال أصلاً، منهم مسلمة الفتح.

وقال صفوان بن أمية: اليوم بطل السحر - نسأل الله السلامة-، لأنه من مسلمة الفتح.

فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {نادِ بني الحارث، فنادى العباس في بني الحارث، وكانوا أشجع الأنصار من الخزرج، فأتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهم ثمانون- فاجتلدوا أمامه}.

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقاتل من أول النهار، لم يفر أبداً ولم يتأخر، حتى يقول العباس: كنت آخذ ببغلته علها ألا تتقدم، فأبى صلى الله عليه وسلم إلا أن يتقدم، ثم نزل عن بغلته، وسل سيفه، ويقول: {أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب} حتى رد صلى الله عليه وسلم كتيبة مالك بن عوف النصري على وجهها.

قال الأنصار -بني حارثة-: ما أتينا إليه صلى الله عليه وسلم إلا وقد انهزم القوم، وأخذ حفنة من التراب فسفا بها في وجوههم، وقال: {شاهت الوجوه} فما بقيت عين إنسان من العدو إلا دخل في عينه من هذا التراب، فأخذت عيونهم تدمع، وأتى بنو حارثة, فقاتلوا أمامه صلى الله عليه وسلم حتى سمع لشظايا السيوف كسير من على رءوس الناس.

فرفع صلى الله عليه وسلم صدره، وقال: {الآن حمي الوطيس} وهو أول من قالها من العرب كما يقول أبو قتيبة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أول من قالها وتمثل بها, والوطيس أي: اشتد الكرب، واعتلت المعركة.

المهم أنه صلى الله عليه الصلاة والسلام في وقت الشجاعة، والإقدام، وإقامة الحدود، لا يمكن أن يتأخر، ولذلك يقول فيه مالك بن عوف النصري لما رآه، وهزم جيشه، ورده صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، وأنزله مكرهاً مرغماً، قال:

ما إن رأيت ولا سمعت بمثله      في الناس كلهم كمثل محمد

أعطى وأجزى للنوال إذا اجتدى     ومتى تشأ يخبرك عما في غد

وإذا الكتيبة عردت أنيابها      بالزمهرير وضرب كل مهند

فكأنه ليث على أشباله      وسط الهباءة يخاذل في مرصد

فحياؤه عليه الصلاة والسلام حياء تعبدي تكليفي، ولو أن الله أعطاه من الحياء الغريزي، لكان المقصود الذي نتبعه فيه صلى الله عليه وسلم هو حياء العبادة التكليفي الذي يحجم صاحبه عن القبيح، وسبق في تعريف لأهل العلم في الحياء: مراقبة القهار مخافة من النار، وبعداً من العار، فهذا هو الحياء الذي يذكره صلى الله عليه وسلم والذي قال للأنصاري: {دعه فإن الحياء من الإيمان}.

ومقصد البخاري رحمه الله أن يستدل بهذا على أن أعمال القلوب والآداب تدخل في الإيمان، وهو بهذا يرد على المرجئة؛ وقد بدأ الصحيح في الرد على الطوائف المبتدعة, فرد أولاً على الخوارج، ثم على الكرامية، ثم واصل المسيرة في الرد على المرجئة، وسوف يمر معنا أنه سوف يرد على من قال: بخلق القرآن من الجهمية المعطلة.

الحديث الخامس والعشرون بوب له البخاري بقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة:5].

وهذا تفنن منه رضي الله عنه وأرضاه، وقد سلف معنا قول ابن حجر وأهل العلم: إن للبخاري أساليب في التبويب منها: أن يأتي بآية تشريفاً للموضوع الذي سوف يتكلم عنه، وتعضيداً إلى ما يذهب إليه، ومنها: أن يأتي بحديث إما صحيح، وإما ضعيف، فالصحيح اكتفى به في إيراده؛ لأنه على شرطه، والضعيف ليجمع بين فائدة الحديث الذي ليس على شرطه؛ لأنه لم يشترط في التعليق، ولا في الأبواب أن يكون حديثاً صحيحاً، بل اشترطه في الأحاديث المسندة.

ومنها: أن يأتي باستنباط في التبويب، وهذه مهمة أهل العلم أن يستنبطوا كما استنبط هو.

قال الإمام البخاري رحمه الله: بابٌ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة:5].

حدثنا عبد الله بن محمد المسندي قال: حدثنا أبو روح الحرمي بن عمارة قال: حدثنا شعبة , عن واقد بن محمد قال: سمعت أبي يحدث عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى).

هذا من أعظم الأحاديث في الإسلام، وفيه أصول يجب وينبغي أن تعتقد وأن تفهم, وفي هذا الحديث قضايا.

 دخول الأعمال في الإيمان

مقصود البخاري وأهل السنة والجماعة أنهم يدخلون الأعمال في الإيمان، وأما إيمان بلا أعمال فهو مضحكة على الإنسان وعلى المسلمين؛ فكون الإنسان يؤمن ويعتقد، ثم لا يعمل هذا كذاب دجال مفتر على الله عز وجل, والذي قال هذا القول هم المرجئة، ومنهم الأحناف، قالوا: يكفي الإنسان أن يعتقد، وأما الأعمال فهي باب زائد لا يدخل في مسمى الإيمان، ولذلك يرد عليهم بقوله: " باب دخول الأعمال في الإيمان " ويؤخذ هذا من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: { أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة} فإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة عمل.

فالأعمال تدخل في الإيمان، ومن ترك العمل -على تفسير- كالصلاة جحداً أو تهاوناً فقد كفر، لأن بعض الفقهاء قسم الترك إلى جحد وتهاون.

ويرى ابن تيمية: أن التقسيم إلى جحد وتهاون لا أصل له, يقول في كلام ما معناه: إنه لا يبلغ بالمسلم الترك إلى درجة أن يترك الصلاة إلا وقد بلغ درجة الكفر، سواء تهاون، أو جحد.

أما أن نأتي للإنسان (إذا ترك الصلاة) فنقول: أتركتها تهاوناً أم جحداً؟ يمكن أنك كسلان عنها؛ هذا الذي جعله يترك الصلاة، وهو يعرف أنها فريضة إلى درجة الكفر، فهذا التقسيم أحدث اضطراباً كثيراً عند الناس، وهو قول للمرجئة؛ لأنهم يريدون أن يبرئوا الناس، أو يعتذروا لهم، أو للمجرمين والعصاة حتى يجعلوا العمل لا يدخل الإيمان على أصلهم -وهذا لا ينبغي أبداً- بل من ترك الصلاة فقد كفر.

لأن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم لم تذكر جاحداً ومتهاوناً، إنما قال صلى الله عليه وسلم: {ومن تركها فقد كفر} وهذا كَفَرَ على الكفر المعروف، لا على الكفر دون الكفر؛ كما يقول بعض الناس.

 عظم الصلاة والزكاة

هذا الحديث أحدث خلافاً بين الصحابة رضوان الله عليهم لما مات الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الحديث الذي تدارسوه، والذي أراد البخاري أن يأتي به في هذا المكان، وقد تكلم الشراح عند شرح هذا الحديث على اختلاف أبي بكر وعمر في قتال المرتدين، وهذا الاختلاف وارد، والله عز وجل له الكمال المطلق, وهو عز وجل يعطي البعض علماً لا يعطيه للآخرين وسوف يتبين لنا هذا من قضايا الحديث.

لما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم قال بعض العرب: نرى أن هذا الدين لا بد أن يستمر معه صلى الله عليه وسلم، فإذا مات؛ فقد انتهى الدين، فارتدوا، وهؤلاء قسم قليل من المرتدين، لا يعدون ولا يذكرون.

والقسم الثاني قالوا: الزكاة إنما كانت تدفع للرسول صلى الله عليه وسلم، فلما مات الرسول عليه الصلاة والسلام، قالوا: كيف نؤديها لـأبي بكر؟ هل النبوة وراثة؟ حتى يقول شاعر بني حنيفة من اليمامة:

رضينا رسول الله إذ كان بيننا     فما بالنا نرضى بحكم أبي بكر

أيملكها بكر إذا مات بعده     فتلك لعمر الله قاصمة الظهر

يقول: كيف يملكنا أبو بكر بعد الرسول صلى الله عليه وسلم؟

قاتلهم الله إلا من تاب منهم، فقد تاب الله عليه، فقد فرقوا بين الصلاة والزكاة.

 قتال أبي بكر لمانعي الزكاة

أتى أبو بكر رضي الله عنه إلى الناس يوم الجمعة في المسجد -لأنه يقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم فكان يجعل المسجد للأمور المهمة وللدعوة وللعلم وللشغل العسكري- فكان يكلم الناس في حال هؤلاء المرتدين, وماذا يفعل معهم, ثم أكمل رضي الله عنه خطبته، وصلى بالناس، ثم عاد إلى المنبر، فقال: [[إني رأيت أن أقاتلهم.

فقام عمر رضي الله عنه وقال: كيف تقاتل من قال لا إله إلا الله وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: {أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله}]] الحديث الذي استدل به عمر لم يذكر فيه إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وهو حديث ثابت.

حتى يقول ابن حجر وابن تيمية رحمهما الله: ربما لم يتذكر أبو بكر هذا الحديث، أو أنه لم يسمعه رضي الله عنه، فإن العالم قد يخفى عليه بعض أمور العلم، وبعض المسائل، وإن كان أعلم من غيره في الجملة، فـأبو بكر أعلم من عمر وابن عمر، ومن كثير من الصحابة في الجملة, لكن خفي عليه هذا، فاستعمل القياس رضي الله عنه وأرضاه، فقال: [[والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال]].

قال ابن حجر: "هذا من استعمال القياس، وهو وارد، وفيه رد على من أنكر القياس".

فقام عمر فأنكر على أبي بكر رضي الله عنه.

فقال أبو بكر للناس: ما ترون؟ قالوا: نرى ألا نقاتلهم، فقال أبو بكر: [[والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه]].

عجيب! كل المسجد من الصحابة من المهاجرين والأنصار يجمعون على رأي، وأبو بكر رضي الله عنه على رأي واحد، ويصبح الحق والصواب مع أبي بكر رضي الله عنه!

قال عمر: [[فتأملت أن الله عز وجل ما شرح صدر أبي بكر رضي الله عنه إلا للتي هي خير، فقمت فأيدته، فقام الناس، فأيدوه]].

لأن الله عز وجل ثبته وسدده، وما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يختار إلا أحسن وأتقى الناس لله عز وجل ويقدمه في الصلاة.

حتى يقول عمر: [[والله لئن أتقدم في غير حد من حدود الله، فتضرب عنقي، لكان أهون علي من أن أتقدم بقوم فيهم أبو بكر رضي الله عنه]] لأنه يعرف حقه، خلافاً لما تدعيه الشيعة -الذين يقول فيهم ابن تيمية: قاتلهم الله، لو كانوا من الوحوش، لكانوا حمراً -يعني حميراً- ولو كانوا من الطيور، لكانوا رخماً- يقولون: أنه اغتصب الخلافة غصباً.

يقول علي - كما ثبت في الصحيحين - على منبر الكوفة يوم الجمعة: [[والله لا يأتي أحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري]] ثمانين جلدة؛ لأنه كذاب على الله، وعلى رسوله، وعلى المؤمنين.

فـأبو بكر رضي الله عنه رأى قتالهم، ثم أرسل خالداً إلى أهل اليمامة، وإلى كذابهم العنيد المجرم الدجال مسيلمة، فلما وصل الجيش إلى هناك قاتلهم خالد رضي الله عنه، ومر بطريقه فأخذ سادات فزارة من غطفان منهم عيينة بن حصن، وأدخله في المسجد كرهاً حتى أدخله ملبداً في عمامته.

هذا الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: {ائذنوا له بئس أخو العشيرة}.

وكان مسلماً ذاك الوقت، لكن عليه الصلاة والسلام كأن عنده خبر أن هذا الرجل سوف يفعل شيئاً، فلما مات صلى الله عليه وسلم ارتد، فأدخله خالد، وهو ملبد في العمامة يقوده أمام أبي بكر، فقال أبو بكر للمرتدين: [[اختاروا واحدة من اثنتين: إما حرب مجلَّية، وإما سلم مُخْزِية.

قالوا: يا خليفة رسول الله! -الآن عرفوا خليفة رسول الله بعد سيف أبي سليمان خالد بن الوليد - ما هي الحرب المجلية؟ وما هي السلم المخزية؟

قال: أما السلم المخزية: فتسلمون سلاحكم وعتادكم، وتبقون معنا كالحريم وكالنساء، لا تحضرون قتالاً، ولا لكم حظ في الفيء.

وأما الحرب المجلية: فهي أن نخرج لكم وتخرجون لنا مرة ثانية، فمن ينتصر، فليأخذ الأمر.

فقالوا: بل سلم مخزية]] فبقوا في الإسلام، ولكن بعضهم ربما أدخله أبو بكر وعمر باستثناء في أمور الحروب.

الشاهد: أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: { أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة} فكيف غاب هذا الحديث عن أبي بكر رضي الله عنه؟

قال أهل العلم: إما أنه لم يسمعه رضي الله عنه، ويعذر في ذلك، فإن الصحابة ليس هناك أحد - كما يقول الشافعي في الرسالة - ما هناك أحد من الأمة جمع السنة كلها، وقد يجمع العالم غالب السنة، لكن تفوته بعض الأمور.

الأمر الثاني: يمكن أن أبا بكر رضي الله عنه سمع بهذا الحديث، لكن نسيه مع الغضب، ومع أمور المعركة، أو نسيه غفلة وهي التي تعتري البشر، وذكَّره ابن عمر رضي الله عنه فيما بعد في آخر حياته رضي الله عنه بهذا الحديث، فسكت رضي الله عنه وأرضاه، ولو أن هذا الحديث معه، لعرضه على الناس، لكنه استخدم القياس، فقال: [[والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة الزكاة؛ فإن الزكاة حق المال]] فاستخدم القياس، وترك النص رضي الله عنه؛ لأنه لم يبلغه، أو نسيه.

 التلفظ بالشهادة لا تعصم الدم والمال

الشهادة وحدها لا تعصم الدم، على رأي أهل السنة والجماعة إلا المرجئة، فـالمرجئة يرون أن من فقد انتهى الأمر، من اعتقد وشهد سواء صلى أم لم يصلِّ، ولذلك يقولون: لا يكفر من ترك الصلاة، لأن الصلاة عندهم عمل زائد على الإيمان.

أما أهل السنة: فإنهم يرون أن الشهادة وحدها لا تعصم الدم، بل لا بد من الصلاة معها.

وأما الزكاة فلا تدخل في هذا الحديث؛ لأن فيها خلاف؛ ولأن بعضهم منع الزكاة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وما قاتلهم, وقال فيمن منع أداء الزكاة: { فإنا آخذوها وشطراً من ماله عزمة من عزمات ربنا تبارك وتعالى} وامتنع من أداء الزكاة بعض الناس، بعضهم لعذر، وبعضهم لنفاق، فما سمعنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلهم، لكن هذا الحديث -كأنه والله أعلم- يخصص فعله صلى الله عليه وسلم من قوله.

أما الصلاة فإنهم يقاتلون، ويكفر من ترك الصلاة سواء جحداً، أو كسلاً على ما قسمه بعض الفقهاء، ولا أثر لهذا التقسيم وليس بصحيح.

والمرجئة يقولون: اعتقاد وقول فحسب.

والكرامية يقولون: قول فحسب، يقول: لا إله إلا الله، ويدخل الجنة، سواء اعتقد، أو لم يعتقد، صلى، أو لم يصلِّ، فهم ينقصون عن المرجئة بأنهم يقولون: قول فحسب.

وقد مر معنا تقييم مذهبهم الباطل، فالشهادة وحدها لا تعصم الدم، فمن شهد أن لا إله إلا الله، ثم لم يصلِّ فدمه حلال، ولم يعصم دمه.

 المقاتلة غير القتل

يرى الشافعي في هذه المسألة: أن قوله: { أمرت أن أقاتل الناس} هو على عمومه فيقاتلهم جملة هو في صف، وهم في صف، لا أنه قال: أمرت أن أقتل تارك الصلاة والزكاة، لكن بعض أهل العلم قالوا: لا، هذا لا يؤخذ من هذا الحديث، وإنما يؤخذ من أحاديث أخرى، فقاتلوا المشركين، يعني: قاتلوهم جملة، أما على الأفراد، فقد يسلم بعضهم، أو يتوب، أو بعضهم مستضعف لكنه خرج مع الجيش، فالمقاتلة غير القتل، ولا تؤخذ من هذا الحديث، وإنما ذكرت هذا؛ لأن ابن حجر أورده، واستراح لهذا الرأي؛ لأنه شافعي فصادف قلباً خالياً فتمكن.

وابن تيمية رأى: أنهم يقاتلون على القتل، لا على المقاتلة؛ لأنه من المفاعلة المشاكلة, يقول: فمن يقتل يقتل على الجملة، ومن يتب يتب، لكن على القتل، من ترك الصلاة فإنه يقتل.

 أهل المعاصي لا يقاتلون

أخذ هذا من أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما حصر المعاصي في ترك إقامة لا إله إلا الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فغيرها يؤخذ بالمفهوم، فما سكت عنه لا يؤخذ حكم المنطوق، كما أقره ابن حجر في هذا الخبر، وكذلك العيني في عمدة القاري، فإن أهل المعاصي لا يقاتلون.

فإن من شرب الخمر وزنا؛ فإن من عقيدة أهل السنة والجماعة أنه يقام عليه الحد، إلا أن يستحل هذه الأمور، فإنه يقتل.

أما إذا عصوا الله عز وجل، فإنهم لا يقاتلون، لكن تقام عليهم الحدود، أما من استحلها، ورأى أنه لم ينزل الله تحريمها، أو أنكر التحريم، فهذا لو استحل أي سنة من السنن؛ فقد كفر، نسأل الله السلامة.

 ترك تكفير أهل البدع المؤدين للشرائع الملتزمين بالتوحيد

أهل البدع لا يكفرون، وهذا أصل من الأصول ينبغي أن يفهم، وقد فهم، ويفهمه كثير، لكن أهل البدع إن ابتدعوا بدعة في الدين، فهم فسقة، ولا يكفرون ببدعهم إلا ما استثنى بعض أهل العلم مما سوف أذكره.

وابن تيمية رحمه الله له كلام جميل منقول في منهاج السنة، وجمعه الشيخ/ عبد الفتاح أبو غدة من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية فيما يقارب ثلاثين صفحة في حكم أهل البدع هؤلاء.

يرى ابن تيمية رحمه الله: أنهم لا يكفرون، والحديث الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم: {تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة، واثنتان وسبعون في النار} أو: {كلها في النار إلا فرقة واحدة} هم أهل السنة والجماعة يقول: إنه لا يلزم من ذلك تخليدهم ولا تكفيرهم، وهذا الحديث يقول: ليس في الصحيحين ولا في أحدهما، بل هو حديث حسن بمجموع طرقه في السنن، ثم يقول: لأن الله عز وجل ذكر بعض العصاة، وقال: يدخلون النار, كالقاتل وكغيره ممن ارتكب بعض المحرمات، فدخوله النار لا يستوجب كفره.

هذا الأمر الذي يُفهم، فـالأشاعرة مثلاً والمعتزلة والجهمية على وجه العموم -إلا ما خصصه بعض أهل العلم بأعيانهم، أو من فعل كذا فهو كذا- لا يكفرون.

أما الشيعة، فقسمهم ابن تيمية إلى قسمين: قسم أتى بما يوجب الكفر، فنكفره أبداً، وقسم أتى بما يوجب التفسيق، فنفسقه.

فأما من أتى بما يوجب الكفر، كمن قال: بأن القرآن ناقص، ومن قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم خان الأمانة. ومن تكلم في عرض عائشة رضي الله عنها الصديقة بنت الصديق المبرأة من فوق سبع سماوات، ومن كفَّر الصحابة، فإنه يأخذ هذا الحكم.

وأما غير ذلك, كأن قدم علياً رضي الله عنه على أبي بكر وعمر، فهذا فاسق، أو اتهم بعض الصحابة، أو سب، فهذا يأخذ هذا الحكم، فلا يؤخذ من هذا الحديث تكفير أهل البدع، لأنه لم يذكر صلى الله عليه وسلم إلا هذه الأمور، فمن أداها، وقام بها، ولم يأت بموجب الكفر الذي يعارض هذه الأمور، فهو مسلم على الظاهر، والسرائر عند الله تبارك وتعالى.

 قد يخفى على العالِم ما يعلمه من هو أقل منه

وهذا معروف في قصة أبي بكر، وقد خفي على العلماء من الصحابة بعض المسائل علمت من صغار الصحابة رضي الله عنهم.

فالمقصود: أنه لا يغتر بالكثرة الكاثرة أنها سلكت منهجاً، أو اعتقدت مبدأ أو طريقة أنها بذلك هي التي مع الصواب.

أتى رجل إلى علي رضي الله عنه يوم الجمعة، فقال: يا علي أرى أنك ظلمت.

قال: [[ثكلتك أمك، ومن أخبرك أني ظلمت؟

قال: أتظن أن الزبير وطلحة وعائشة، وفلاناً وفلاناً ضلال وأنت على الحق؛ لأنهم قاموا في مواجهته.

فقال علي رضي الله عنه: ثكلتك أمك، اعرف الحق تعرف أهله، ولا تعرف الحق بالرجال]].

اعرف الحق أنه حق؛ تعرف أهله تبعاً لا أصلاً، ولا تعرف الحق بالرجال، أي: لا تقل فلان يفعل كذا، وفلان كذا إذاً هو مصيب، فهذا خطأ، فالحق قد يكون مع الواحد، ويكفي أن يكون الواحد على الحق، وأهل السنة هم من اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم، ولو كان واحداً.

 بيان أن الحكم للظاهر وإيكال السرائر إلى الله تعالى

العمل في الظاهر مقبول من الناس، والسرائر إلى الله تبارك وتعالى؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة...} قد يكونون منافقين، وفعل هذا الأمر كثير من الناس عند الرسول صلى الله عليه وسلم فما قاتلهم، فنحن نقبل سرائر الناس، ولذلك نأخذ بالتعديل في الشهادة، وفي التوفيق الظاهر من الناس، حتى في الإمامة لا نأتي إلى إمام مسجد، فنقول له: قبل أن تكبر اصبر، ما هو معتقد أهل السنة في الأسماء والصفات؟ وهل الله عز وجل مستوٍ على عرشه حقيقة، وهل تعتقد كذا؟ فإن هذا تنطع وتعمق وبدعة ما أنزل الله به من سلطان.

وكذلك يقول أهل العلم فيمن يذبح الذبائح وظاهره أنه مسلم لا نأتي إليه ونقول: هل أنت تصلي الخمس في جماعة؟ وتحضر الفجر؟ وتعتقد مذهب أهل السنة والجماعة في الصفات والأركان؟ وترى وترى وترى..! هذا ليس بوارد، بل نكتفي في الجملة أننا نعرف أنه من المسلمين، وأنه يصلي -إن شاء الله- في الظاهر، ولكن السرائر إلى الله عز وجل، فهذا يعرف ويعلم من هذا الحديث، وعليه كلام أهل العلم.

وفي الحديث أن كلمة (لا إله إلا الله) وإقام الصلاة، عصمت دم المنافق وماله في الدنيا، لكن حسابه عند الله ناراً تلظى، وهو في الدرك الأسفل من النار.

 عدم التعنيف على المخالف فيما يسوغ فيه الخلاف

ويستفاد من هذا الحديث: اجتهاد الصحابة رضوان الله عليهم، وعدم تثريب بعضهم على بعض، والخلاف وارد، ولذلك يقول سفيان الثوري رحمه الله: "من قلة علم الرجل أن يعنف على المخالف" إذا رأيت الإنسان يعنف على المخالف، فاعرف أنه لا أدب عنده ولا علم، ولذلك اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في الفروع، يقول ابن القيم في أعلام الموقعين: لكنهم بحمد الله وبفضله وبعونه لم يختلفوا في الأصول أبداً، وما تكلموا في الأسماء والصفات، ولا اختلفوا فيها، بل أجروها على الظاهر وسكتوا، ولذلك ما سمعنا من اختلف في الأصول، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يلقي عليهم الأسماء والصفات، فما كانوا يناقشونه، كان يقول صلى الله عليه وسلم: {يضحك ربك} وهم فيهم العلماء والعباد والأعراب، فما كانوا يقولون: هل ضحك يليق بجلاله يا رسول الله أم لا؟ سكتوا؛ لأنه يعرف على الظاهر، أما في مسائل الفروع فاختلفوا، ولذلك يؤخذ من هذا عدم التثريب والتعنيف من بعض المخالفين على بعض، ومسائل الاجتهاد واردة.

وابن تيمية له كتاب" رفع الملام عن الأئمة الأعلام " يبين أن الخلاف أنه قد يكون وارداً من عهد الصحابة، وقد ورد، ثم يعلل ويعتذر للأئمة بستة أعذار، قد سبق أن أوردنا بعضها، وبعض الناس يعنف على بعض المسلمين في سنن صغيرة لا تحتاج إلى هذا التشدد والتنطع والتعمق الذي لامه صلى الله عليه وسلم.

فأحدهم إن رأى بعض المسلمين يضم يديه على صدره قال: أين أنت من حديث علي: أنه تحت السرة. ثم يغضب عليه ويهجره، وهذا ما عنده من العلم إلا الجهل، والآخر يقول كذلك في دعاء الاستفتاح: لا تستفتح بذاك الدعاء؛ لأنه في أبي داود، وذاك في الصحيحين ثبت من طرق.

فلسنا مأمورين بهذا، بل المنازع لا يثرب عليه، ولا يعنف، فما دام أن في المسألة خلافاً، فالأمر فيه سعة.

هناك مسائل خلافية، فمن فعل هذا فقد أصاب، ومن فعل هذا فقد أصاب، لكن الإنسان يتحرى لنفسه الحديث الصحيح دون ما يعرضه على الناس، لك أن تعرف أن الحديث الصحيح الذي في البخاري يقدم على الحديث الضعيف في أبي داود، فتعمل به، لكن ترى بعض الناس يفعل هذا فلا تثرب عليه، وهذا من الاشتغال بالخلافيات، ومن التشديد على المسلمين، والتجهيل بسبب هذه المخالفات البسيطة التي ما أنزل الله بها من سلطان، ومن فعلها فهو آثم.

حتى أن ابن تيمية رحمه الله في كتاب أصول الفقه يرى أن المسائل المتنازع فيها يكون فيها سعة، وأنه لا يحرج على من فعلها، ولا يعنف عليه بل حتى ولا يرد عليه.

مثلاً: الصلاة لمن دخل المسجد بعد صلاة العصر, فإن هذا وقت نهي عند بعض أهل العلم, لقوله صلى الله عليه وسلم: {لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس} وبعض أهل العلم يرجح أنه يصلي ركعتين لقوله صلى الله عليه وسلم: {من دخل المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين} فإن رأيت أحداً من الناس يصلي ركعتين، وأنت ترى عدم الصلاة؛ فلا تثرب عليه، ولا تعنف، لأن هذا الأمر فيه سعة، نسأل الله عز وجل لنا ولكم التوفيق والهداية.

ثم قال الإمام البخاري رحمه الله: باب من قال: إن الإيمان هو العمل، لقول الله تعالى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72] وقال عدة من أهل العلم في قوله تعالى: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:92-93] قال: عن قول لا إله إلا الله، وقال: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ الصافات:61].

قال: حدثنا أحمد بن يونس , وموسى بن إسماعيل قالا: حدثنا إبراهيم بن سعد , قال: حدثنا ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: (أي الأعمال أفضل؟ فقال: إيمان بالله ورسوله قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور).

في الحديث كثير من القضايا التي مرت معنا لكن بقيت بعضها، منها:

 اختلاف الأجوبة بحسب الحال والمخاطب

أولاً: يعرف أن الرسول صلى الله عليه وسلم أجاب بأجوبة مختلفة، وقد مر معنا بعض الأسئلة التي عرضت عليه صلى الله عليه وسلم، والسؤال هو السؤال، ولكن الجواب تغير منه صلى الله عليه وسلم، فما هو سر هذه المسألة؟.

ثانياً: لماذا كان يسأل صلى الله عليه وسلم من بعض الناس عن فضائل الأعمال، وعن بعض المعاصي، فيجيب صلى الله عليه وسلم بإجابات مختلفة؟

والقاعدة في هذا: أنه صلى الله عليه وسلم كان يجيب على اختلاف الأشخاص والأحوال؛ لأنه معصوم عليه الصلاة والسلام، لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، أما غيره فإنه لا يستطيع ذلك مهما بلغ من العلم، فبعض أهل العلم يأتيه إنسان، فيقول: دلني على أفضل عمل، فيقول: أدلك على الجهاد في سبيل الله، وهذا السائل من أخوف الناس، يموت قبل الموت؛ لأن بعض الناس يموت قبل الموت مرات، فالرسول صلى الله عليه وسلم ليست إجابته هكذا، كان صلى الله عليه وسلم يعرف استعدادات الناس وما يستوعبونه، وما يمكن أن يقوموا به، وأن يوفوه حقه، فيخبرهم على قدر حاجتهم، وعلى ما يستطيعون له، ويقدرون عليه.

أتاه أبو ذر رضي الله عنه، وأبو ذر فيه حدة رضي الله عنه قال: أوصني يا رسول الله! لو قال له صلى الله عليه وسلم عليك بالصدقة، فأي مال عند أبي ذر حتى يتصدق؟ أو إنفاق في سبيل الله، أو الجهاد؟ لكن قال له: {لا تغضب، قال:أوصني، قال: لا تغضب، قال: أوصني، قال: لا تغضب} فعرف صلى الله عليه وسلم أن هذا الرجل دواؤه وعلاجه عدم الغضب؛ لأن الغضب مركوز فيه، ووجد فيه رضي الله عنه حتى فيما بعد لم يستطع أن يسيطر عليه، لكنه غيَّر ما استطاع منه رضي الله عنه وأرضاه.

وروى عبد الله بن بشر كما في سنن الترمذي أن رجلاً قال: {يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت عليَّ، فأخبرني بشيء أتثبت به} هل يقول عليك بالجهاد في سبيل الله؟ ماذا يفعل هذا عمره ثمانون سنة؟ قال: {لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله} يذكر الله وهو راقد على الفراش، لا يصلي، ولا يصوم، ولا ينفق، ولا شيء من تلك النوافل، بل يسبح فقط، يحرك لسانه لأن أقوى شيء فيه لسانه.

وأتاه ابن غيلان الثقفي وكان من أشجع الناس, كان جثة هامدة قوية، فأتاه فلما دخل عليه أسلم، فأحيا الله هذه الجثة بالإيمان، وأصبح حياً يقظان، فقال: دلني يا رسول الله على أفضل عمل، قال: عليك بالجهاد في سبيل الله؛ لأن هذا إذا حضر معركة نفع الله به.

ويأتي الآخر، فيخبره صلى الله عليه وسلم بما يمكن، لكن هذا لا يتهيأ لكل الناس، ولا لأهل العلم مهما بلغوا، وإنما يتهيأ للرسول صلى الله عليه وسلم، فيقول ابن حجر هنا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل نفس هذا السؤال في حديث ابن مسعود، وفي حديث أبي ذر، وفي حديث أبي هريرة، فتغيرت الإجابات.

فهنا يقول صلى الله عليه وسلم حين سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: { إيمان بالله ورسوله} وعند ابن مسعود سئل: أي العمل أفضل؟ فقال: {الصلاة في أول وقتها} وفي حديث أبي ذر سئل أي العمل أفضل؟ فقال: { الجهاد في سبيل الله}.

المقصود: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر بهذا راعى حال المخاطبين، فإنه قد يوجد في هذا المجلس الذي تكلم فيه صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث لفيف من الناس لم يقوَ إيمانهم، فلو قال: الصلاة في أول وقتها، ما كان حاجتهم إلى ذكر الصلاة أول الإجابة، بتلك الحاجة التي تحوجهم إلى أن يتعلموا الإيمان، فعرض صلى الله عليه وسلم الإيمان، أما ابن مسعود فعالم من علماء الصحابة.

وهل إذا سأل الرسول صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل، وهو مؤمن من أخمص قدميه إلى شغاف رأسه هل يقول له صلى الله عليه وسلم: إيمانك بالله ورسوله وهو مؤمن، لا. فقال: {الصلاة في أول وقتها} لأن لسان الحال يقول لـابن مسعود: لأنك إمام وعالم ومعتبر، فعليك بالصلاة في أول وقتها.

ولذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، صاحب هذا السؤال أدرك أمراء يؤخرون الصلاة عن أوقاتها، فأفاده هذا الحديث، فكان يصلي في بيته الصلاة في أول وقتها، ثم ينزل إليهم في مساجدهم، فيصلي معهم، وصرح له صلى الله عليه وسلم بأن قال- وهذا من حديث ابن مسعود وحذيفة - { يا رسول إذا أدركت قوماً يميتون الصلاة عن وقتها -يؤخرونها حتى أصبحت ميتة، ولا أصبح لها أثر، ولا قبول، ولا محبة، ولا رفعة- فماذا أفعل؟ قال صلى الله عليه وسلم: صل الصلاة على وقتها، ثم صلِّ معهم} وفي رواية أبي ذر: {ولا تقل إني صليت} لكن صل في بيتك، ثم تعال فصل معهم، فكان يفعلها الصحابة لما أتى بنو أمية، فأماتوا الصلاة، وأخرجوها عن وقتها، حتى يقول ابن تيمية: إن من سبب زلزلة ما كانوا عليه من سلطان، تأخير الصلاة عن أوقاتها، لما أخروها أخرهم الله عز وجل.

فالمقصود: أن الرسول صلى الله عليه وسلم يغير الإجابات بحسب أحوال السائلين.

وفي الحديث أيضاً: ترتيب الأعمال على الإيمان؛ لأنه وجد في المجلس من لم يستعد أولاً بالإيمان, أو لفيف من المسلمين الذين هم حديثو عهد بالإسلام، فأخبرهم صلى الله عليه وسلم أنه لا عمل، ولا قبول، ولا حج إلا بالإيمان.

 تفضيل الجهاد على الحج لما فيه من نفع متعدٍ

قدم الرسول صلى الله عليه وسلم هنا الجهاد على الحج، مع أن الحج ركن والجهاد في سبيل الله ليس بركن عند جمهور العلماء، وإن كان بعضهم قالوا: إنه ركن، عدوه ركناً سادساً؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في حديث معاذ عند الترمذي: {وذروة سنامه الجهاد} لكن الصحيح أنه ليس بركن، وقالوا: إن سبب تقديم النبي صلى الله عليه وسلم له على الحج، لما فيه من نفع متعد؛ لأن المجاهد يرفع راية الله، ويحمي حوزة المسلمين، ويدفع الكفار، وأما الحج، فإنه يحج لنفسه، فاهتم به صلى الله عليه وسلم.

 الاعتقاد القلبي عمل

القضية الرابعة: اعتقاد القلب عمل.

يريد البخاري بهذا الكلام أن يبين أن اعتقاد القلب عمل؛ لأنه صلى الله عليه وسلم سأله سائل: {أي العمل أفضل؟ فقال: إيمان بالله ورسوله} فجعله صلى الله عليه وسلم عملاً، ولذلك يقول البخاري: باب من قال: إن الإيمان هو العمل. ثم أتى بهذا، وهو شفاف دقيق رحمه الله رحمة واسعة وهو من أذكياء العالم كما يقول أهل العلم عنه، يأتي بالفائدة، فلا تدرك عند كثير من الناس، وحتى يأتي ابن المنير كثيراً، فيقول: ما مناسبة هذا الباب لهذه الترجمة؟ من أين أتى البخاري بهذا الباب لهذه الترجمة؟ ويقول ابن التين: أظن البخاري غلط وأتى بباب وركب حديثاً عليه، لكن ابن حجر يقول: لم يغلط، ولا ركب، ولا اضطرب، بل هو الصحيح معه، ثم يوجه ما قاله.

 معنى قوله سبحانه وتعالى: (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)

قال أهل العلم: إنما قال الله عز وجل: أُورِثْتُمُوهَا [الزخرف:72] دليل على الاستحقاق، أي لما أحقها الله عز وجل كانت كأنها حق لكم في الإرث, لا أنكم ورثتموها كابراً عن كابر.

وقال بعضهم: لا. لما قسمت الجنة بعلم الله عز وجل أصبحت ميراثاً ينتظره المؤمن وكل من يدخل الجنة. فنسأل الله ألا يحرمنا ذاك الميراث: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72] كيف هنا يقول: بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72] وهناك يقول عليه الصلاة والسلام: {لن ينجوا أحدكم بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته} فكيف ينفي صلى الله عليه وسلم دخول الجنة بالعمل، والله عز وجل يقول: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72].

لـابن القيم في هذا مذهب، ولبعض أهل العلم مذهب آخر، فـابن القيم رحمه الله يقول هنا: هي المنازل في الجنة بالعمل، أما الدخول فبرحمة الله، وأما المنازل والدرجات فبالعمل، من يدخل الجنة برحمة الله -نسأل الله من فضله- لكن المنازل والدرجات تختلف باختلاف العاملين، فالله عز وجل يقول: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا [الزخرف:72] أي: الدرجات والمنازل: بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72] أما الدخول فعلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم فهو برحمة الله.

وبعضهم يقول ويميل إليه ابن حجر: أن معناها: أنكم لما عملتم العمل، قبله الله منكم، وقبول العمل من الله رحمة، فمعنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: { إلا أن يتغمدني الله برحمته} أي يقبل عملي الصالح، ويتجاوز عن السيىء، كقوله عز وجل: أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [الأحقاف:16]

فهناك تقبل من الله للعمل الصالح، وتكفيره للسيء رحمة وهذا كأنه أولى -والله أعلم- وعليه كثير من أهل العلم؛ ولأن الآيات تأتي بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72] بالمقابلة والعوض، وعلق عليه الشيخ/ عبد العزيز بن باز، قال: إنها للسببية، وابن حجر يرى: أنها للمقابلة والعوض، فأما السببية، فإنه قد لا يدرى، لكن هي سبب في الأعمال، لكن الصحيح أن الله عز وجل يرحم من يرحم منا بقبول العمل، وبتكفير السيئات، وهي رحمة.

وأما قول البخاري (وقال عدة من أهل العلم) أبهم الكلام وهم أنس رضي الله عنه، وابن عمر، وأبو ذر , قالوا في قول الله عز وجل: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:92-93] قيل: عن قول: لا إله إلا الله، فشاهد البخاري أنه لما قال: لا إله إلا الله اعتده عملاً، فالقول والاعتقاد والعمل كله دين، وهنا يريد أن يثبت هذا، ويريد أن يرد على الكرامية الذين قالوا: العقيدة إنما هي قول، وعلى المرجئة الذين قالوا: إنما هي اعتقاد وقول، ثم يريد أن يثبت أن القول والعمل والاعتقاد كلها دين من دين الله عز وجل: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:92-93] أي عن قول: لا إله إلا الله، وهذا مذهب، وقيل: عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:93] وهو رأي لبعض المفسرين: عما كانوا يعملون من الجرائم في الحياة الدنيا.

وقال: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ [الصافات:61].

أي لمثل هذا النعيم الذي ذكره الله في سورة الصافات فليعمل العاملون، فاستدل به البخاري على أنه لابد أن يقدموا عملاً، فإنه دين يدخلون به الجنة، وهو دين الله عز وجل، وابن المبارك كان يدعو الله أن يتوفاه غريباً؛ لأنه ثبت في بعض الأحاديث أن الغريب شهيد، وأتى به السيوطي في تنوير الحوالك في شرح موطأ الإمام مالك، وذكر أن الغريب شهيد.

وكان ابن المبارك له ثوب يصلي فيه, فإذا صلى قال: [[اللهم أمتني غريباً وكفني في ثوبي هذا]] واستحب بعض أهل العلم مثل: ابن المبارك وإسحاق بن راهويه أن المسلم يدفن في ثيابه التي كان يصلي فيها ويصوم فيها، ويعبد الله فيها؛ لأن آثار العبادة عليها، ولذلك كفن صلى الله عليه وسلم في ثيابه التي كان يصلي فيها صلى الله عليه وسلم، وكفن أبو بكر في ثيابه رضي الله عنه.

الشاهد: أن ابن المبارك أنه لما حضرته الوفاة توفي في جيت -بلد من البلدان في الشمال- وهو غريب، فبكى غلامه وقال: يا أبا عبد الرحمن! أبعد العلم، وبعد الإفادة، وبعد تلك المجالس تموت وحيداً، قال: اسكت، فإني سألت الله أن يميتني غريباً، ثم التفت ابن المبارك، ثم تبسم وضحك - وهو في سكرات الموت- ثم قال: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ [الصافات:61] وكأنه والله أعلم رأى مقعده في الجنة، أو رأى بعض المبشرات.

قال البخاري رحمه الله: باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، وكان على الاستسلام، أو الخوف من القتل، لقوله تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات:14].

فإذا كان على الحقيقة، فهو على قوله جل ذكره: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ [آل عمران:19].

حدثنا أبو اليمان , قال: أخبرنا شعيب عنالزهري , قال: أخبرنا عامر بن سعد بن أبي وقاص عن سعد رضي الله عنه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى رهطاً -وسعد جالس- فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً هو أعجبهم إلي، فقلت: يا رسول الله! ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمناً، فقال: أو مسلماً.

فسكت قليلاً، ثم غلبني ما أعلم منه، فعدت لمقالتي، فقلت: ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمناً، فقال: أو مسلماً، ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي، وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا سعد إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليَّ منه خشية أن يكبه الله في النار) ورواه يونس وصالح ومعمر وابن أخي الزهري عن الزهري.

 ترجمة سعد بن أبي وقاص

سعد رضي الله عنه هو خال الرسول صلى الله عليه وسلم, وخوله يعني: قريبه من قرابة خئولته صلى الله عليه وسلم، وهو أحد المبشرين بالجنة.

قال له صلى الله عليه وسلم يوم أحد: {ارم سعد فداك أبي وأمي} يقول علي: [[والله ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفدِّي أحداً إلا سعد]] وقال صلى الله عليه وسلم: {هذا خالي فليرني كل خاله}.

وسأل سعد الرسول صلى الله عليه وسلم عن أسباب إجابة الدعوة، فقال له: {أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة} ولذلك قال له صلى الله عليه وسلم: {اللهم سدد رميته، وأجب دعوته} فكان كلما دعا أصابت دعوته بإذن الله.

وثبت عنه أنه لما قطعت الجسور بالنار، قال: يا خيل الله اركبي -خيل المسلمين- وقد وقعت في الماء، ووقع كثير من الجيش، فجمَّد الله لهم النهر فمشت بإذن الله حتى خرجتْ.

يقول أبو إدريس وكان معهم: فَقَدَ رجل منا مخلاه، فرجع إليها، فوجدها معلقة في شجرة في النهر، فأخذها وخرج.

وثبت في البخاري أن عمر رضي الله عنه ولاه على الكوفة , وأهل الكوفة كانوا من أشغب الناس حتى انتقم الله لسعد، وعلي بن أبي طالب بـالحجاج بن يوسف الثقفي، علمهم كيف يتعاملون مع المؤمنين، فهؤلاء نقموا على سعد حتى الصلاة يقولون: لا يعرف يصلي، فحاكموه إلى عمر رضي الله عنه.

قال سعد: [[عجباً لبني أسد، قاتلتهم على الإسلام بيدي هذه، وأدخلتهم بسيفي في الدين، ثم ينقمون علي الصلاة، والله إني كنت أركد في الأوليين، وأحذف في الأخريين]] قال عمر رضي الله عنه: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق، ثم أرسل عمر رضي الله عنه، ليستجلي الأمر؛ لأنه رضي الله عنه كان فيه من الدهاء والذكاء الشيء العجيب، والعلوم بالله عز وجل، لكن لا بد من الفطنة.

فأرسل محمد بن مسلمة وقوماً معه من الأنصار، فلما وصلوا الكوفة مروا بالمساجد جميعاً ومعهم سعد شبه المعزر يماشيهم ويقول محمد بن مسلمة: هذا أميركم أتنقمون عليه شيئاً، فيثنون عليه، وعلى صدقه وأمانته، وزهده وعبادته، فمروا بمسجد بني عبس - ناحية من نواحي الكوفة - فقال شيخ كبير: أما إذا سألتمونا فوالله ما كان يمشي مع السرية، ولا يعدل في الرعية، ولا يقسم بالسوية، ولا يحكم في القضية، أو كمال قال، سجع كلامه.

فقال سعد: [[اللهم إن كان عبدك هذا قام رياءً وسمعة فأطل عمره، وكثر ماله وولده، وعرضه للفتن]] فكبر هذا الشيخ على كبر سنه وتعرض للفتن، وأكثر الله ماله وولده وشغله، حتى كان يتعرض للجواري -للبنات- في سكك الكوفة ويغمزهن، ويقول: شيخ مفتون، أصابتني دعوة سعد.

وذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء: أن سعداً رضي الله عنه كان يخطب في الكوفة، فنزل من على المنبر بعد أن صلى بالناس وخرج، فإذا الناس مجتمعون ويسمع ضجة وصجة، فقال: ما هذا؟

قالوا: هذا رجل يسب علي بن أبي طالب، فتقدم إليه سعد، وقال: لا تسب أخي -يقصد أخاه علي رضي الله عنه- فقال الرجل: والله لأسبنه، فقال سعد: اللهم اكفناه بما شئت-يعني هذا الرجل- قال: فندّ جمل من الكوفة، وأتى إلى المسجد، فتأخر الناس عنه، فقرب من هذا الرجل فلطمه الجمل بيده - لطم الرجل، وهذا سنده صحيح- فوقع الرجل ميتاً على الأرض، فأجاب الله دعوة سعد.

قيل لـعامر الشعبي: ما قولك في أهل صفين؟ في قوم معاوية وعلي.

قال: أهل الجنة التقوا، فاستحيا بعضهم من بعض.

استحيا بعضهم أن يقر من بعض، هؤلاء من الجنة وسلفت أعمالهم.

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [البقرة:134] وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر:47].

إنما الشاهد أنه اعتزل الفتنة رضي الله عنه، وخرج بخيمة وبغنم يرعاها في الصحراء، فقال له ابنه: أتترك الخلافة والناس يتقاتلون على الملك وترعى شويهاتك؟

قال: اغرب عني لا أم لك، والله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:{إن الله يحب العبد الخفي النقي التقي}.

ولما أتته الوفاة كانت ابنته عائشة عند رأسه، فبكت، قال لها: [[ابكي، أو لا تبكي والله إني من أهل الجنة]].

قال الذهبي: صدق والله، هنيئاً له ومريئاً، فقد أخبره صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة.

 الإرجاء عند الأحناف

السؤال: لقد ذكرت أن من المرجئة الأحناف، فمن من الأحناف من المرجئة؟

الجواب: أما أبو حنيفة رضي الله عنه، يقولون: نسبة القول له خطأ، وكتاب" الفقه الأكبر " ليس له، وإنما ألفه بعض طلاب طلابه في القرن الثالث، مصرحاً: بأن الأعمال تدخل في الإيمان، أما بعضهم، فصرح بهذا ووجد عنه وذكر ذلك اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، وابن حجر دائماً يتعرض له، كما مر معنا في أكثر من ستة مواطن، وهذا معروف أنه قولهم مما أعرف بالذات من الذي قاله بأعيانهم، لكن هذا قول للأحناف.

 الجمع بين حديث: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) وبيان ذم الكثرة

السؤال: قلت: إن الكثرة دائماً معها الضلالة والخطأ، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {لا تجتمع أمتي على ضلالة} فما هي درجة هذا الحديث؟ وكيف يوفق بين هذا الحديث وما قلت؟

الجواب: أنا ما قلت دائماً أن الكثرة معها الخطأ، بل قلت في الغالب وفي الجملة، وفي الاستقراء من الكتاب والسنة أن الكثرة دائماً مذمومة، وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ [المائدة:100].

ولكن لا بد من احترازات؛ فإن الكثرة قد تصيب، وأنا ما قلت ذلك على إطلاقه، أما قول الرسول صلى الله عليه وسلم: {لا تجتمع أمتي على ضلالة} فهذا الدليل على الإجماع، فلا تجتمع على ضلالة، إذا اجتمعت الأمة علماؤها واجتمع جمهورها على أمر، فيعلم أنه حق، مع العلم أن هذا الحديث ليس بصحيح وفيه ضعف، ولو أنه صحيح لأخذه الشافعي به من أول الطريق وارتاح؛ لأنه جلس يقرأ القرآن عشرات المرات حتى أخرج دليل الإجماع الذي يقول فيه ابن حزم الظاهري والشوكاني: ليس بدليل للشافعي رحمه الله؛ لأنه يقول: قرأت القرآن أبحث عن الإجماع حتى وجدت قول الله عز وجل: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً [النساء:115].

مع العلم أنه ليس كما تعرفون، وليس بقاطع في الإجماع؛ لأنه: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ [النساء:115] والذي يخالف في رأي ما شاق الرسول صلى الله عليه وسلم بل فهم أمراً: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً [النساء:115].

فقالوا: إن التهديد والتنديد والتوعيد بنار جهنم إنما هو على أمور كفرية اعتقادية تخرج صاحبها، مع العلم أني لا أناقش أدلة الإجماع في هذا المكان إنما أقول: إن هذا الحديث ضعيف.

وأما استدلال الجمهور بالإجماع، فهذا له بحث آخر، والإجماع حجة عند أهل العلم، إلا من أنكره بأدلة، لكن يقول بعض أهل العلم: لم تثبت مسألة واحدة أنه أجمع عليها الناس حتى نقلت إلينا, حتى إجماعات ابن المنذر يقول الإمام أحمد: هي كمهب الريح، يقول: أجمع الناس على أن الظهر أربع. معروف، وأجمعوا على أن المغرب ثلاث، وأجمعوا على أن الفجر ركعتان، فهذه تعرف من النصوص الصريحة الصحيحة، لكن الإجماع حجة لا شك، والأمة إذا أجمعت وإذا تألفت كلمتها، فإجماعها حجة، ولا يرد الإجماع إلا من لا يرى حجية الإجماع، "وفسر الماء بعد الجهد بالماء".

 الحياء الممدوح

السؤال: ذكرت أن الحياء قسمان: ممدوح ومذموم، فكيف نجمع بين هذا، وبين قول الرسول صلى الله عليه وسلم: {الحياء خير كله

الجواب: قوله: {الحياء خير كله} يريد به الحياء الممدوح فهو خير كله, والمذموم شر كله، فجمع بين الحديث وهذا، أما المذموم فيقول مجاهد -كما يمر معنا- في باب طلب العلم: "لا يتعلم العلم مستحي، ولا مستكبر".

فهذا الحياء المذموم الذي يرد عن تعلم العلم، وطلبه، وعن الجلوس في حلق الذكر، وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن الدعوة، وعن أمور الخير، فهذا حياء مذموم، وأما الحياء الممدوح فهو: ما حمل على الجميل، ورد عن القبيح.

في ختام هذا الدرس نتوجه إلى الله العلي القدير أن يجعل العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يهدينا وإياكم سواء السبيل، وأن يرزقنا الاستقامة في الأقوال والأعمال، وأن يثبتنا حتى نلقاه.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

نسخة نصية للطباعة , الحياء من الإيمان للشيخ : ( عائض القرني )

إحصاءات الموقع
عدد مرات الاستماع
2702374071
عدد مرات الحفظ
682553584

المركز الأول في فئة المحتوى الإلكتروني - مسقط 2009