إسلام ويب

الطريق إلى الهدايةللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الطريق إلى الهداية هي الطريق إلى الله عز وجل, وهي مطلب عظيم لا يناله إلا أهل التوفيق والسداد, والعبادة، وهي أعظم الطرق المؤدية إلى الله عز وجل.

    ومن النماذج الساطعة في البحث عن الهداية: سلمان الفارسي رضي الله عنه، في قصة تنقله من عابد إلى عابد إلى أن لقي الرسول صلى الله عليه وسلم وآمن به.

    وممن بحثوا عن الهداية ونالوها: معاذ بن جبل رضي الله عنه الذي كان كثير الملازمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الطريق إلى الله تعالى

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71] اللهم صلِّ وسلم على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    حسبي وحسب المعاني حين أهديها      أني إلى ساحة الأبرار أهديها

    يا رب هب لي بياناً أستعين به      على حقوق العلا قد نام راعيها

    الطريق إلى الله عز وجل هو طريق الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، والله تبارك وتعالى ما خلق الخلق إلا ليعرفهم الطريق إليه سُبحَانَهُ وَتَعَالى قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [الذاريات:56-57] والله تبارك وتعالى ما أرسل الرسل، ولا أنزل الكتب، ولا شرع الشرائع، ولا جعل يوم القيامة، ولا نصب الميزان ومد الصراط إلا ليعرّف بنفسه تبارك وتعالى.

    وقد عَرَّف بنفسه تبارك وتعالى يوم كلمه موسى عليه السلام فقال تبارك وتعالى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى [طه:14-15] فهذا أعظم تعريف لله تبارك وتعالى عند أهل السنة والجماعة؛ أنه الله الذي لا إله إلا هو.

    والله عز وجل يوم أرسل رسولنا عليه الصلاة والسلام؛ دل الخلق على ربه، فكان يدعو إلى (لا إله إلا الله) وهي أعظم طريق موصلة إليه، ولا ينال ما عند الله تبارك وتعالى بمال ولا بمنصب ولا بجاه ولا بولد وإنما ينال بالعبادة.

    العبادة هي الطريق إلى الله

    إذاً: نتفق جميعاً كما اتفق أهل العلم أن أعظم الطرق إليه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى طريق العبادة، ويوم يمدح الله تبارك وتعالى أنبياءه ورسله يقول: وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ [الأنبياء:73] ويقول عن زكريا لما أصلح له زوجه: وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90] ولما أراد أن يشرف رسوله عليه الصلاة والسلام, ما قال له أيها الهاشمي! ولا قال له: يا أبا القاسم! ولا قال: أيها الرسول! ولا قال: أيها النبي إلا في مواطن، لكن في مواطن التشريف كالإسراء قال: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [الإسراء:1] وفي موقف الإنذار قال: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً [الجن:19] وفي موقف إبلاغ القرآن إليه قال: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً [الفرقان:1-2].

    أقرب الناس من الله أكثرهم عبادة

    وأقرب العباد من الواحد الأحد أكثرهم عبادة، وأبعدهم منه أكثرهم معصية، وقف ثلة من الصحابة على باب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه يستأذنون يوم الندوة، يوم المؤتمر الذي يعقده أمير المؤمنين كل سنة، وأردوا الدخول.. فمن هم هؤلاء الثلة؟ وما هي مواصفاتهم؟ وما هي مؤهلاتهم التي يدخلون بها على عمر بن الخطاب؟

    هم أبو سفيان بن حرب قائد قريش في حروبهم مع رسول الهدى صلى الله عليه وسلم؛ من بني عبد شمس، أسرته من أرقى أسر العرب في النسب، وسهيل بن عمرو خطيب العرب، والحارث بن هشام وقف هؤلاء الثلاثة وبجانبهم بلال بن رباح , العبد، المولى، الرقيق، الحبشي، وصهيب الرومي وسلمان الفارسي وابن مسعود الراعي, فطرقوا الباب مستأذنين في دار القضاء.

    ودار القضاء حول المسجد النبوي، لا يحضرها إلا جلة الناس، وكبراؤهم وعلماؤهم في عهد عمر رضي الله عنه وأرضاه، كان يدخل أقرب الناس من الله، فيدخل بقية العشرة، ثم يدخل أهل بدر على منازلهم، ثم يختار من الناس.

    فخرج الحاجب وقال: من بالباب؟ فقال أبو سفيان: أخبر أمير المؤمنين أنَّا هنا. قال: من أنتم؟ فعدوا له أسماءهم؛ فعاد إلى عمر وأخبره، قال: ائذن لـبلال بن رباح فليدخل، ثم قال: أدخل صهيباً، فدخل. ثم قال: أدخل سلمان؛ فدخل. ثم قال: أدخل ابن مسعود فدخل. ثم لما أدخل هؤلاء قال أبو سفيان -وقد اشتد غيظه-: والله الذي لا إله إلا هو ما ظننت أنه يطول بي حتى يدخل هؤلاء الأعبد قبلي على عمر بن الخطاب. لماذا؟ لأنه يزن الأمور بميزان الجاهلية، لا زال في ذهنه وظر من أوظار الجاهلية، أما عمر رضي الله عنه وأرضاه فإنه يزنهم بالكتاب والسنة، فقال سهيل بن عمرو وكان عاقلاً: يا أبا سفيان! والله ما علي من باب عمر ومن إذن عمر، ولكن أخشى أن يدعون يوم القيامة فيدخلون الجنة ونترك، إنهم دعوا فأجابوا وأبطأنا، وعرفوا وأنكرنا، وتقدموا وتأخرنا.

    فانظر كيف جعل عمر رضي الله عنه وأرضاه مؤهلات الناس بتقوى الله عز وجل ليس إلا!

    ولو كانت القيم تقاس بقانون هتلر أو نابليون أو لينين أو ماركس لكان لـبلال مواصفات أخرى لأنه أسود، لكن عمر رضي الله عنه وأرضاه في دولته ما ارتضى هذا، رأى أن بلالاً ينبغي أن يقدم على هؤلاء جمعياً؛ لأنه كان سابقاً إلى الإسلام.

    هل نسي المسلمون كلمة "أحد أحد" يصهر على الرمال، ويضرب، ويسحب، ويجلد، ويقولون له: تنازل عن معبودك فيقول: أحد أحد.

    أحد رميت بها بكل معطل     تشفي بحول الله قلب معلل

    فلهذا كان هذا الرجل مقدماً لأنه عرف الطريق إلى الله.

    كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً مع أصحابه فقال: {دخلت الجنة البارحة فسمعت دفي نعليك يا بلال! -أي: خشخشة الحذاء- فماذا تصنع؟ قال بلال رضي الله عنه وأرضاه: والله يا رسول! الله ما كنت كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة, ولكن ما توضأت وضوءاً في ليل أو نهار إلا صليت بعده ركعتين}.

    ما قال: لأنني ذو مال أو ولد أو منصب أو جاه, فلا جاه ولا ولد ولا منصب ولا مال، جاهه تقوى الله، ومنصبه لا إله إلا الله، وزاده لا حول ولا قوة إلا بالله، ومركبه آمنت بالله، وهو نداء الحق الذي يبعثه من منائر المسلمين، ويقع في الآذان التي تريد أن تحيا، هذا هو القريب من الله عز وجل.

    1.   

    سلمان رضي الله عنه الباحث عن الحقيقة

    يوم أتى سلمان الفارسي يبحث عن النور وعن الطريق إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى, كان في أرض فارس المجوس عبدة النار، الذين ما أطفأ نارهم إلا محمد صلى الله عليه وسلم.

    أم من رمى نار المجوس فأطفئت      وأبان وجه الصبح أبيض نيرا

    ومن الألى دكوا بعزم أكفهم      باب المدينة يوم غزوة خيبرا

    هذا الرجل كان يسجد للنار من دون الله، والعقل إذا لم يعرف الله ضل، والقلب إذا لم يهتدِ إلى الله عز وجل أصبح قلباً رخيصاً سافلاً حقيراً لا يساوى فلساً واحداً.

    فأراد أن يهتدي، ورأى بعض النصارى يقومون بطقوسهم الدينية فذهب إليهم فأعجبه دينهم، لأن دينهم أرفع قليلاً في المستوى من دين المجوسية -وبعض الأديان خير من بعض- فذهب إلى راهب فدله ذاك الراهب في قصة طويلة على راهب آخر، والآخر على آخر، وقبل أن يتوفى الراهب قال له سلمان رضي الله عنه وأرضاه: إنني صحبتك ورأيت فيك الخير فإلى من توصي بي؟ هل تعرف في الأرض رجلاً صالحاً توصي بي إليه؟ فقال هذا الراهب: ما أعلم اليوم على الأرض من رجل صالح إلا نبياً سوف يبعثه الله عز وجل، أظلك زمانه -أي: قرب حينه- فإذا سمعت به فالحق به، فهو في أرض ذات حرة سوداء وذات نخل.

    وركب سلمان رضي الله عنه وأرضاه مركب التوفيق، يوم سمع الله أكبر يُهتف بها من مكة، يوم يقول الله لرسوله صلى الله عليه وسلم:وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] حتى يقول بعض المفكرين: سبحان الله! الرسالة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام تعلن عالميتها من مكة وهو لم يكن عنده إلا شيخ واحد هو أبو بكر، ومولى وهو زيد بن حارثة، وامرأة وهي خديجة، وصبي وهو علي! ويقول الله له: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] ولما سمعها كفار مكة ضحكوا وقالوا: أي رحمة وهم لا يجرؤ أحدهم أن يبول خوفاً من سيوفنا؟! لكن بعد عشرات السنوات أصبحت أعلام لا إله إلا الله على مشارف أسبانيا وعلى ضفاف نهر السند وفي جنوب أفريقيا، سرت هذه الدعوة؛ لأنها رحمة للعالمين.

    فأتى سلمان ونزل في المدينة , وهو لا يريد المال فعنده المال، وأبوه من أغنى أغنياء الدنيا, لكنه يريد الطريق إلى الله، يريد توفيق الله، يريد أن ينقذ نفساً حملها بين جنبيه، والرسول عليه الصلاة والسلام يوم أتاه عمه - كما في الحديث الحسن-العباس بن عبد المطلب قال: (يا رسول الله! أريد إمارة -أي: أنه يريد أن يتولى إمارة- لأنك وليت فلاناً وفلاناً. فقال له: يا عباس! يا عم رسول الله! نفس تنجيها ولا إمارة تحصيها). أعظم ما يمكن أن تنفع نفسك في الحياة الدنيا أن تنجو من غضب الله ولعنته وسخطه، فوصل سلمان رضي الله عنه وأرضاه إلى المدينة وعرف الحرتين ورأى النخل, وكان يتوقع وصول الهادي عليه الصلاة والسلام ليعرض نفسه على الطبيب؛ لأنه مرض من المشارب، ومن الملل والنحل، ومن الشركيات والانحراف والتقليد، فلما وصل كان من أعظم العلامات التي أخبر بها سلمان ثلاث علامات في الرسول صلى الله عليه وسلم:

    أولها: أنه لا يقبل الصدقة ويقبل الهدية، انظر إلى هذه النفس التواقة الشريفة، نفس مرتفعة، الصدقة هي أوساخ الناس، وهي تطهير لأموال الناس وأعراضهم، فما قبلها ولا يقبلها عليه الصلاة والسلام، وفي صحيح البخاري أنه رأى عليه الصلاة والسلام الحسن بن علي -ابن بنته فاطمة - يأكل تمرة من تمر الصدقة فقال له: (كخ كخ _أي: اتركها- أما تعلم أنه لا تحل لنا الصدقة؟) طفل صغير يريد أن يربيه على الحلال فيقول له: كخ كخ، هذا لا ينبغي لنا، نحن بيت نربى على طاعة الله وعلى الحلال الصرف، فمن مواصفاته عليه الصلاة والسلام أنه لا يقبل الصدقة ويقبل الهدية.

    ثانيها: أن بين كتفيه خاتم النبوة عليه الصلاة والسلام، فأتى سلمان رضي الله عنه وأرضاه وذهب إلى النخل وأتى بشيء من الرطب وتقدم به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في أصحابه, فقال: هذه صدقة أتصدق بها عليكم، فكف صلى الله عليه وسلم يده وأكل أصحابه، وفي اليوم الثاني أتى برطب فقدمه وقال: هذه هدية أهديها لكم؛ فأكل عليه الصلاة والسلام.

    وذهب صلى الله عليه وسلم يشيع جنازة فرأى سلمان خاتم النبوة بين كتفيه، فجعل يقبل ذلك الخاتم وشهد أن لا إله إلا لله وأن محمداً رسول الله، وبعد أيام ليست بطويلة يقول عليه الصلاة والسلام: (سلمان منا آل البيت) أصبح ذلك المولى الفارسي الفقير المسكين من بني هاشم بالتقوى، والزهد، والعبادة، والإقبال على الله!

    جلس سلمان رضي الله عنه وأرضاه -بعد أن عرف الطريق إلى الله- مع قوم من العرب، فقالوا لبعضهم: انتسبوا. فيقول الأول: أنا تميمي، ويقول الآخر: أنا غطفاني، ويقول ذاك: أنا فزاري، فقالوا لـسلمان: وأنت ممن أنت؟ فقال:

    أبي الإسلام لا أبَ لي سواه     إذا افتخروا بقيس أو تميم

    وهذا هو الفخر العظيم لـسلمان رضي الله عنه وأرضاه.

    وبقيت حياته على وتيرة من الزهد والصدق والعفاف، ويوم تولى عمر رضي الله عنه وأرضاه كان لا يعرف الرجال بالطول ولا بالعرض، ولا يعرفهم بالأسر ولا بالمناصب, بل يعرفهم بتقوى الله، حتى إنه يقول لبعض الأمراء: تول ولاية كذا وكذا. فيقول: اعفني يا أمير المؤمنين! قال: والله لتتولينها فإني رأيتك في الليل تصلي وتبكي ولا يراك إلا الله. هذه هي المؤهلات عند عمر بن الخطاب، وكان رضي الله عنه وأرضاه يحاسب أمراءه وهو في عرفات , يحاسب أمراء الأقاليم على الدنيا فكان يقول: يا أيها الناس! والله ما بعثتكم لضرب أبشار الناس ولا أجسادهم, وإنما بعثتكم رحمة للناس.

    يا من يرى عمراً تكسوه بردته      والزيت أدم له والكوخ مأواه

    يهتز كسرى على كرسيه فرقاً      من خوفه وملوك الروم تخشاه

    وهذه فعلها واحد من أحفاده وهو عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد، جلس في الأيام الأُول من خلافته في السرادق -الإيوان أو الديوان- فأتى الناس وفوداً يسلمون عليه ويخرجون من الباب الآخر, فدخل ثلاثة شباب في عنفوان الصبا وفي زهرة الفتوة فجلسوا على الكراسي؛ فالتفت إليهم أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الزاهد فقال: أبناء مَن أنتم؟ قال الأول: أنا ابن الوالي الذي كان والياً لـعبد الملك بن مروان على البصرة؛ فسكت عمر بن عبد العزيز؛ لأن هذه لا تذهب عنده كثيراً، وقال للثاني: وأنت ابن مَن؟ قال: أنا ابن أحد قواد الجيش الذين كانوا مع الوليد بن عبد الملك؛ فسكت، وقال للثالث: وأنت ابن مَن؟ وهو ابن قتادة بن النعمان الأنصاري , الذي ضربت عينه يوم أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسالت على خده فردها صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة.. قال الفتى:

    أنا ابن الذي سالت على الخد عينه      فردت بكف المصطفى أحسن الرد

    فبكى عمر بن عبد العزيز والتفت إليه وقال:

    تلك المكارم لا قعبان من لبن      شيبا بماء فعادا بعد أبوالاً

    يقول: من أراد أن يفتخر فليفتخر بمثلك؛ لأن فخرك بالإسلام، وبالخدمة وبالجهاد في سبيل الله، وبرفعة لا إله إلا الله.

    سلمان يتولى إمارة الكوفة

    فهذا سلمان الذي عرف الطريق إلى الله، ولاه عمر بن الخطاب على الكوفة , فذهب وخرج أهل الكوفة لاستقباله لما سمعوا بقدومه، وظنوا أنه سوف يأتي في حشد عظيم عرمرم من الناس، فأتى على حمار..! نعم، يركب الحمار وتحته حلس وبيده عضو من لحم ينهشه نهشاً لأنه جائع، فتقدم إليه أهل الكوفة وقالوا له: هل رأيت سلمان الفارسي الذي أرسله عمر إلينا قال: أنا سلمان الفارسي. قالوا: لا تضحك علينا، لا تستهزئ بنا. فقالوا مثل ما قالت بنو إسرائيل حين قالوا: أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [البقرة:67] الوقت ليس وقت مزح.

    لماذا؟ لأن أهل العراق كانوا مجاورين للدولة الفارسية ذات القصور الشاهقة التي كانت تموه بالذهب والفضة، ذات الكنبات والديباج والإستبرق والطنافس، كان ظن أهل الكوفة أن الدين دين زينة ومظاهر, لكنه قال: نحن جئنا ببساطة وحياتنا للأرواح, وجئنا لرفع مستويات القلوب، فنزل معهم أميراً, فكان يعطيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه عطاءه -راتبه- فيوزعه ثلاثة أثلاث: ثلث له، وثلث يهديه، وثلث يتصدق به.

    وفاة سلمان رضي الله عنه

    وفي الأخير حضرته الوفاة وهو أمير, فأتوا ينظرون إلى ميراثه فإذا هو شملة وعصا وصحفة..! شملة يفترشها له ولضيوفه ويجلس عليها في محكمته، وعصا يتوكأ عليها ويخطب عليها ويحتمي بها، وصحفة يأكل فيها ويغتسل ويتوضأ بها؛ فبكى سلمان وهو في سكرات الموت. فقالوا: ما لك تبكي؟ قال: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لنا: {ليكن زاد أحدكم من الدنيا كزاد الراكب} ونحن أكثرنا من الدنيا. قالوا: غفر الله لك وأي إكثار من الدنيا؟! قال: أتتهاونون؟ إني أخاف أن أسأل يوم القيامة عن هذه الشملة والعصا والصحفة!! رضي الله عنهم وأرضاهم، هؤلاء هم الذين عرفوا الطريق إلى الله.

    1.   

    معاذ وسؤاله العظيم للنبي صلى الله عليه وسلم

    جاء عند الترمذي بسند حسن -والحديث بمجموع طرقه يصل إلى درجة الصحيح- عن معاذ رضي الله وأرضاه, وهو الداعية الكبير، قدوة كل شاب إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، معاذ الذي كان له المنصب العالي في حياته عليه الصلاة والسلام، والذي أرسله صلى الله عليه وسلم داعية إلى أهل اليمن فهدى الله به الأرواح، ويوم ودع الرسول عليه الصلاة والسلام ذاهباً إلى اليمن بكى، وهذه القصة أوردها الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة معاذ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما لك تبكي يا معاذ؟ قال: يا رسول الله أبكي لفراقك. قال: لا تجزع فإن الجزع من الشيطان، يا معاذ! اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن، يا معاذ! اذكر الله عز وجل عند كل شجر وحجر ومدر).

    يقول معاذ بن جبل رضي الله عنه: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, فدنت راحلتي من راحلته.

    أي: اقترب منه وهم في السفر، فخلا له الجو بسيد الخلق عليه الصلاة والسلام، وتصور أنت في نفسك أنك في جمع عظيم، وفي جيش عرمرم جرار، وفي ألوف مؤلفة من الناس، ثم تخلو برسول الهدى صلى الله عليه وسلم في الطريق أنت وهو! فلما خلا معاذ رضي الله عنه وأرضاه برسول الهدى صلى الله عليه وسلم أراد أن يسأله أعظم سؤال, ومن أعظم الأسئلة في تاريخ الإنسان، وأهل الدنيا يسألون للدنيا, وأهل الجاه يسألون للجاه: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16].

    اقترب معاذ من الرسول صلى الله عليه وسلم، ودنا منه الرسول صلى الله عليه وسلم, وأخذها فرصة ثمينة غالية، وكان بإمكانه أن يسأله الإمارة, أو أن يؤتيه منصباً أو أن يمنحه مالاً, لكنه رفض ذلك كله، وما سأله إلا عن سؤال عظيم في الآخرة؛ لأن الناس أتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فمنهم من سأله المال فأعطاه صلى الله عليه وسلم المال، ومنهم من سأله المنصب فأعطاه المنصب، ومنهم من سأله أعراضاً أخرى فأعطاهم عليه الصلاة والسلام: كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً [الإسراء:20-21].

    خذوا كل دنياكم واتركوا      فؤادي حراً طليقاً غريبا

    فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليبا

    عندما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يوزع غنائم حنين , وكانت -كما يقول أهل السير- أربعة وعشرين ألف رأس من الغنم، وسبعة آلاف رأس من الإبل غير البقر والذهب والفضة، فما سأله أبو بكر ولا عمر ولا معاذ ولا أبو هريرة ولا أُبي إنما أتى الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام يسألون، لا زالت قلوبهم فارغة من التوحيد ومن الإيمان ومن الذكر ومن العمل الصالح.

    أتى حكيم بن حزام فقال: يا رسول الله! أعطني. فقال: أترى الغنم التي بين الجبلين؟ قال: نعم. قال: هي لك، فأخذها. وأتى في اليوم الثاني فقال: يا رسول الله! أعطني. قال: خذ, فأعطاه مائة ناقة. وفي اليوم الثالث ظنها فرصة ويظن أنها لفضله, فجاء وقال: أعطني يا رسول الله! فأعطاه مائة ناقة، وفي اليوم الرابع قال: أعطني يا رسول الله! وكان من أغنى أغنياء مكة، يكسو الكعبة سنة وأهل مكة يكسونها سنة! فالتفت إليه صلى الله عليه وسلم وقال: يا حكيم! إن هذا المال حلوة خضرة، واليد العليا خير من اليد السفلى. فقال: والله يا رسول الله! لا أرزأ بعدك أحداً من الناس. أو كما قال. أي: لا أطلب مالاً أنقصه على أحد من الناس بعدك، حتى عطاؤه ما كان يسأله من أحد من الخلفاء، فكان أبو بكر يعطيه العطاء فيقول: لا، وكان عمر يعطيه فيقول: لا، فيقول عمر رضي الله عنه: أشهدكم أيها الناس أن حكيماً دفعت له عطاءه فأبى ذاك العطاء.

    فالمقصود أنه أتى معاذ وهو من العلماء النبلاء، وفي حديث سنده حسن أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (معاذ قائد العلماء يوم القيامة برتوة) وفي لفظ: (يدخل أمام العلماء يوم القيامة برتوة) والرتوة رمية الحجر، أي أن علماء الأمة الإسلامية إذا اجتمعوا يوم العرض الأكبر، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم, يكون قائدهم معاذ رضي الله عنه وأرضاه، يمضي قبلهم حتى يدخل الجنة.

    قال معاذ: (يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار -لا فض فوك، ما أحسن هذا المقال! وما أحسن هذا السؤال!- فقال عليه الصلاة والسلام: لقد سألت عن عظيم) هذا السؤال من أعظم الأسئلة في تاريخ الإنسان؛ ولذلك جعل أهل العلم هذا الحديث من أصول أحاديث الأعمال، وأتى به النووي في الأربعين النووية، وتكلف كثير من العلماء في شرحه، وقاموا بتوضيحه للناس وهو وصية أهديها لنفسي وإليكم جميعاً.

    قال: ( لقد سألت عن عظيم! وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله لا تشرك به شيئاً, وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت) هذا هو الإسلام، هذا السطر هو مفهوم رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، ليس فيه ألغاز ولا مشكلات ولا تصفيف كلام ( تعبد الله لا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة -أي: وقاية من العذاب ومن النار والعار والدمار- والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا عليه الصلاة والسلام تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ... [السجدة:16] حتى بلغ يَعْمَلُونَ [السجدة:17] ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: فأخذ صلى الله عليه وسلم بلسان نفسه ثم قال: كف عليك هذا. قلت: يا نبي الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ! -أي: فقدتك أمك.. لا تفهم هذه المسألة، وهو دعاء عند العرب لا يراد منه إمضاء هذا الدعاء ولا إيقاع هذا الدعاء بالمدعو عليه- وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم) -وفي لفظ آخر: (وهل يكب الناس في النار على مناخرهم أو على أنوفهم إلا حصائد ألسنتهم).

    هذا السائل عن طريق الجنة أجابه الرسول عليه الصلاة والسلام بهذه الإجابة، والطريق إلى الله عز وجل يكمن في هذا الحديث ( تعبد الله لا تشرك به شيئاً) ولذلك كان يوصي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس.

    عبادة الله وعدم الشرك به

    وعند ابن حبان بسند صحيح, أن أبا ذر رضي الله عنه وأرضاه قال: {أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثمان، من هذه الثمان: أن تعبد الله لا تشرك به شيئاً ولو قطعت ومزقت وحرقت}. والتقطيع والتمزيق والتحريق أهون والله من الشرك بالله، ولذلك كان يوصي به صلى الله عليه وسلم الناس دائماً.

    وعند مسلم في صحيحه , أن الرسول عليه الصلاة والسلام سمع رجلاً في جوف الليل يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فقال: {نجوت من النار ورب الكعبة} لأنه قالها مخلصاً من قلبه, أو أن الرسول صلى الله عليه وسلم عرف أن ذلك الرجل سوف يقوم بمؤدى لا إله إلا الله، وإلا فلا إله إلا الله وحدها لا تكفي إلا بعمل.

    عند البخاري في الصحيح أن وهب بن منبه قال: لا إله إلا الله كالمفتاح والفرائض كالأسنان، فأنت إذا جئت بالمفتاح بأسنان فتح لك الباب (الجنة) وإذا أتيت بمفتاح بلا أسنان لم يفتح لك الباب. فلا إله إلا الله محمد رسول الله هي من أعظم ما أوصى بها رسول الهدى صلى الله عليه وسلم الناس، ورسالته تكمن في هاتين الكلمتين، قال ابن القيم: " هي تجريد العبودية لله وتجريد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ". فالعبودية لله بلا شرك, والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم ألا تجعل لك قدوة مع الرسول صلى الله عليه وسلم غيره من الناس: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21].

    وضمام بن ثعلبة كما جاء في الحديث المشهور, وهو يكرر دائماً لعظمه، ولذلك أورده البخاري في كتاب العلم, ومسلم في كتاب الإيمان، وشرحه الشراح, واعتنى به أهل العلم من أهل التصنيف: كان عليه الصلاة والسلام جالساً بعد صلاة العصر, فوفد ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر على راحلته فقال: أين محمد بن عبد المطلب؟ هو ابن عبد الله صلى الله عليه وسلم، لكنه تجّوز إلى جده؛ لأن جده أشهر في العرب من أبيه، ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم يوم حنين: {أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب}.

    قالوا له: هو ذاك الرجل الأبيض الأمهق المرتفق, فتخطى الصفوف وأخذ ينادي: يا بن عبد المطلب. أتى على حاله من البادية، وأهل البادية أهل جفاء إلا من رحم ربك، أتى بأحذيته يتخطى الصفوف, يضرب هذا ويصفع هذا ويرد هذا ويقول: يا محمد، يا بن عبد المطلب ولم يقل: يا رسول الله! والله يقول: لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النور:63] فلما اقترب قال عليه الصلاة والسلام: نعم. قال إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد عليّ -يقول: سؤالي صعب وشديد وشاق فلا تغضب علي- قال: سل ما بدا لك. قال: يا رسول الله! من رفع السماء؟ قال: الله. قال: من بسط الأرض؟ قال: الله. قال: من نصب الجبال؟ قال: الله. قال: أسألك بمن رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال آلله أرسلك إلينا رسولاً؟ وكان صلى الله عليه وسلم متكئاً فتربع واحمر وجهه من عظم السؤال وقال: اللهم نعم. قال: أسألك بمن رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال آلله أمرك أن تأمرنا بخمس صلوات في اليوم والليلة؟ قال: اللهم نعم. فأخذ يسأله حتى انتهى من أركان الإسلام فتولى وفك عقال ناقته وقد تعلم الإسلام فيما يقارب العشر الدقائق! وركب الناقة وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، والله لا أزيد على ما سمعت ولا أنقص, أنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر؛ فتبسم صلى الله عليه وسلم للناس وقال: {من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا} وقال في لفظ آخر: {أفلح ودخل الجنة إن صدق} إن كان صدق على ما قال من إعطائه العهد والميثاق والملازمة وأخذ الضمان عليه أنه سوف يوفي حقوق الله وحقوق الدين فسوف يدخل الجنة لا محالة.

    أبواب الخير

    ثم يقول عليه الصلاة والسلام لمعاذ: { ألا أدلك على أبواب الخير؟} فالخير أبوب؛ ولذلك سئل ابن تيمية في الفتاوى فقيل له: أصحيح هذه الكلمة التي تقال أن الطرق إلى الله عدد الأنفاس؟ قال: إن كان قصد السائل أن طرق التبليغ من الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى إلى خلقه عدد الأنفاس فهذا ليس بصحيح، بل التبليغ عن الرسل عليهم الصلاة والسلام وعن محمد فحسب، وإن كان قصده طرق الخير فصحيح هذا الكلام؛ ولذلك جعل الله للجنة أبواباً ثمانية.

    وقل لـبلال العزم من قلب صادق     أرحنا بها إن كنت حقاً مصلياً

    توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً     به ترقَ أبوب الجنان الثمانيا

    وجاء عند البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد, قال عليه الصلاة والسلام: {إن للجنة أبواباً ثمانية، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد} والسؤال: كيف يقسم صلى الله عليه وسلم الأبواب ويجعل الناس أقساماً, مع أنه لا بد أن يكون المسلم مصلياً والمسلمون جميعاً من أهل الصلاة؟ هل المعنى أن ينادى يوم القيامة فيقال: يا أيها المصلون ادخلوا من هذا الباب، ويا أيها المجاهدون ادخلوا من هذا الباب، ويا أيها الصائمون ادخلوا من هذا الباب؟ إذاً فما هو المعنى؟

    المعنى: أن المسلمين لا بد أن يقوموا بالفرائض جميعاً, وبعضهم يزيد في الصلاة فيعرف بالمصلي من كثرة صلاته, فتصير عبادته هي الصلاة, فلا يرتاح إلا للصلاة؛ فيدعى من باب الصلاة، وبعضهم يرتاح للجهاد بعد أداء الفرائض من الصلاة وغيرها فيدعى من باب الجهاد، وبعضهم يرتاح للصيام, ولذلك قال تعالى: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ [البقرة:60] ترى بعض الناس يأخذ الطريق إلى الله من طريق الصيام؛ فتجده في شدة الحر وفي معمعان الصيف وهو صائم، فباب الريان باب الصائمين، وبعض الناس لا يرتاح إلا للذكر بعد الفرائض, فلسانه يهتف بذكر الله عز وجل دائماً وأبداً، لسانه رطب بذكر المولى سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    إذا مرضنا تداوينا بذكركم     ونترك الذكر أحياناً فننتكس

    وكذلك الجهاد، وهذا فتح من الله يفتحه على بعض الناس، يقول ابن القيم في طريق الهجرتين: بعضهم يأتي فيوفق لهذه العبادة ولهذا الباب، وأما الكُمَّل (الكاملين من الناس) فإنهم يأخذون من كل غنيمة بسهم. تجده مع المصلين مصلياً، ومع الذاكرين ذاكراً، ومع المتصدقين متصدقاً ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الجمعة:4] مثل أبي بكر الصديق فقد كان من أكثر الناس عبادة لله عز وجل بالخشية والمراقبة، صلى وتنفل بالصلاة, وصام وزكى وجاهد وعدل وبذل أمواله في سبيل الله، وحفظ أوقاته وسكب وقته ودموعه ودمه وعرقه لخدمة لا إله إلا الله ولرفع لا إله إلا الله؛ فلذلك كان سابقاً بهذا العمل. وكان عليه الصلاة والسلام يعرف مواصفات الناس وطاقاتهم وجهودهم، يأتيه الرجل فيقول: يا رسول الله! أوصني. فيوصيه صلى الله عليه وسلم بما يناسبه، يأتيه نحيف البنية الهزيل الضعيف فيقول: يا رسول الله! دلني على عمل فيقول: {لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله} لأنه لو دله على الصيام والجهاد ما استطاع، ويأتيه الرجل وله والدان فيقول: يا رسول الله! دلني على عمل. فيقول: {عليك ببر الوالدين} ويقول غيلان الثقفي القوي البدين: يا رسول الله! دلني على عمل. قال: {عليك بالجهاد في سبيل الله} وهذا لا يعرفه إلا رسول الهدى عليه الصلاة والسلام.

    الصوم جنة

    قال عليه الصلاة والسلام: {ألا أدلك على أبوب الخير؟ الصوم جنة} الصوم شيء عجيب، وفيه تربية للأرواح، وفيه من المنافع والفوائد ما لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى، وبالمناسبة أوصيكم ونفسي باستغلال الفرص السانحة الغادية الرائحة على العبد, فإنه لا يدري متى يموت, وذلك كصيام عاشوراء مع صيام يوم قبله أو يوم بعده, فإنه سئل عنه صلى الله عليه وسلم -كما في الحديث الصحيح- فقال: {أرجو أن يكفر الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى به السنة الماضية} سنة كاملة يكفرها الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بهذا اليوم فأوصيكم بهذا اليوم وغيره من الأيام الفاضلة.

    وكان الصحابة رضي الله عليهم وأرضاهم من أكثر الناس صياماً حتى في الجهاد، وفي المعركة قد يرخص المسلم لنفسه؛ لأنه يقاتل ويقارع بالسيوف ويضرب بالرماح فيقول: ولماذا أصوم؟ أريد أن أتقوى بالطعام على القتال. لكن وجد من الصحابة من يصوم والسيف على رأسه, وطنين الرمح على شرفات حاجبه وهو صائم لله.. مثل من؟ مثل عبد الله بن رواحة، الشاعر البطل، الشاب المقدام، الذي قدم نفسه قرباناً فتقبلها الله عز وجل يوم أن تقبل الله من الصادقين في مؤتة، وكان رضي الله عنه صائماً, وكان دوره في القيادة الدور الثالث بعد زيد بن حارثة وجعفر، والرسول صلى الله عليه وسلم لما أرسل الجيش كانوا ثلاثة آلاف، والجيش المقابل -كما قال بعض المؤرخين- كانوا مائة وثمانين ألفاً..! ما كنا نقاتل الناس بطائرات ولا صواريخ ولا دبابات، صحيح أن الله أمرنا أن نستعد, لكن كنا نفوز بقلوب ملأتها لا إله إلا الله..

    أمتي هل لك بين الأمم      منبر للسيف أو للقلم

    أتلقاك وطرفي حاسر      أسفاً من أمسك المنصرم

    ألإسرائيل تعلو راية      في حمى المهد وظل الحرم

    أو ما كنت إذا البغي اعتدى      موجة من لهب أو من دم

    نعم.. كانت الأمة الإسلامية موجة من لهب وموجة من دم يوم عرفت لا إله إلا الله.

    وصل ثلاثة آلاف إلى قرب عمان في أرض الأردن , ووصل مائة وثمانون ألفاً منهم العربي وغير العربي من النصارى وغيرهم إلى هناك، وتقابل الفريقان، فلما رأى الصحابة أن هذا العدد الهائل الذي أقبل كالبحر أو كالجبال بعضها يزحف على بعض، وأنت تصور مائة وثمانين ألفاً! كل كتيبة ألف مقاتل، وكل كتيبة تعرف أنها تريد احتلال الجزيرة العربية ودحض الإسلام وإنهاء الدعوة المحمدية، ووراء وأمام كل كتيبة قائد..! فلما رأى المسلمون ذلك قال عقلاؤهم: نريد الرجوع إلى المدينة ولا نقاتل؛ لأن العدد ليس متكافئ, فقال عبد الله بن رواحة الصائم المجاهد: يا أيها الناس! أما نحن فقد خرجنا لإحدى الحسنيين, إما الموت في سبيل الله وهي الشهادة وإما النصر والعزة للإسلام، والذي نفس عبد الله بن رواحة بيده لا أعود حتى أموت شهيداً أو ينصر الله الإسلام والمسلمين، ثم أخذ غمد سيفه وكسره على ركبته، وهذا عند العرب ساعة الصفر!! معناه عدم العودة إلى الوراء، وتقدم زيد فقتل ثم تقدم جعفر فقتل، وأتى دوره ليأخذ راية لا إله إلا الله مع الغروب، الشمس تودع الدنيا بأشعتها الصفراء وتريد الانتهاء وهو صائم لا يجد بلل الريق في فمه، صائم مجاهد وهو على فرسه!! فلما دعي وقالوا: أين عبد الله بن رواحة؟ يدعونه الصحابة، قال: نعم. قالوا: لقد قتل جعفر. فتقدم. فقال: ناولوني شيئاً من الطعام أتقوى به على القتال فإني أصبحت اليوم صائماً, فناولوه عرقاً من لحم فأخذ يأكله, ولما أراد أن يمضغه لم يعد للطعام مذاقاً ولا للشراب مساغاً.. سبحان الله! أيساغ الطعام ويذاق والصحابة يجندلون, ورءوس الأبطال تضرب تحت سنابك الخيل؟! يرى جعفر ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم يقطع أمامه ثم يأكل! يرى زيد بن حارثة يقطع ثم يأكل! فأخذ السيف وأخذ يقول:

    أقسمت يا نفس لتنزلنه

    لتنزلن أو لتكرهنه

    إن أقبل الناس وشدوا الرنة

    مالي أراك تكرهين الجنة

    هل أنت إلا نطفة في شنة

    ثم تقدم واقتحم على الفرس وقاتل وقتل مع الغروب، والرسول عليه الصلاة والسلام يتابع المعركة من المدينة، كشف الله له الغطاء حتى رأى الجيوش ورأى القتال ورأى القواد, فجمع الناس وهو يبكي على المنبر صلى الله عليه وسلم ويقطع صوته البكاء ويقول: لقد مر بي الثلاثة على أسرة، وفي سرير عبد الله بن رواحة ازورار وقد دخلوا الجنة جميعاً. رضي الله عنهم وأرضاهم.

    ومن الذي باع الحياة رخيصة      ورأى رضاك أعز شيئاً فاشترى

    هؤلاء هم صحابة محمد صلى الله عليه وسلم، يوم ما كان غير الله يديدن عليهم أبداً، كانت رايتهم لا إله إلا الله، لا قومية، ولا بعثية، ولا علمانية، ولا شيوعية؛ لأن هذه الرايات جربناها كثيراً في الساحات وأخفقت, وداسها أبناء القردة والخنازير بطائراتهم وصواريخهم ودكوها وردوها على أعقابها خاسرة منكسرة آسفة، نعم جربت هذه الشعارات أكثر من خمسين سنة, وهي ترفع وتقول إنها تريد تحرير فلسطين ورد القدس للمسلمين، لكن تقدمت فخسرت وخسأت وخابت لأنها علمانية، وعادت وهي تحمل العار والشنار والدمار؛ لأن لا إله إلا الله ما ارتفعت في سماء المسلمين. جاء عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: {خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد, حتى إن أحدنا يضع يده على رأسه من شدة الحر} تصور يوم تخرج في الجزيرة العربية القاحلة الرمضاء, التي تكاد تشوي البشرة وتمتص الدم من الشرايين, وتجد الرجل من الصحابة يضع يده على رأسه يتقي حرارة الشمس..! قال: {وما منا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة}.

    ولذلك استوصى أبناء أبي موسى الأشعري أباهم فقالوا: بم توصنا؟ قال: عليكم بالصيام في شدة الحر وفي المعمعمان يقيكم الله عز وجل الحر ذلك اليوم؛ لأن ذاك اليوم لا يتقى إلا بالعمل الصالح يوم لا ظل فيه إلا ظل الله، يوم لا رحمة فيه إلا رحمة الله عز وجل.

    ذكر ابن كثير في ترجمة أحد الصالحين أن روح بن زنباع , وهو أمير أموي قيل كان أميراً لـعبد الملك بن مروان , وقيل للوليد بن عبد الملك، كان روح بن زنباع مسافراً يريد مكة لأداء العمرة, ومعه موكب, وعنده سُفَر يمد عليها ما لذ وطاب من الطعام والشراب، ومن كل الفواكه والأطعمة، فرأى رجلاً صالحاً يرعى غنماً معه, كلما مشى قليلاً توضأ وصلى ركعتين، فقال روح: علي بالرجل. فذهبوا وأتوا به, فقال له ابن زنباع: أتريد أن تكون ضيفنا هذا اليوم. قال: لقد دعاني من هو أكرم منك. قال: ومن أكرم مني وليس في هذه البوادي رجل إلا أنا؟ قال: دعاني رب العالمين للإفطار الليلة عنده. قال: أإنك لصائم؟ قال: نعم. قال: أفطر عندي اليوم وصم غداً. قال: وهل تضمن لي أن تبقى عليَّ الأيام؟ يقول: هل تضمن لي أن تبقى أيامي وعمري إلى الغد؟ قال: لا. قال: فلا والله، لن أفطر هذا اليوم لأنني أخاف أن أموت غداً؛ فبكى الأمير وقال: ضاعت أيامك يا روح بن زنباع! على موائد بني أمية.

    ولذلك كان طريق الجنة للأخيار والصالحين هو هذا الطريق، وذكروا في ترجمة زيد بن سهل الأنصاري أبي طلحة رضي الله عنه, الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: {والذي نفسي بيده لصوت أبي طلحة في الجيش خير من مائة فارس} صوت أبي طلحة فحسب إذا كبر وهلل وسط قعقعة السيوف، وضرب الرماح يساوي مائة فارس, فما بالك بالرجل؟! يقول: ما صام إلا رمضان وحده في عهد الجهاد لاشتغاله بالجهاد، ثم سرد الصيام إلا يوم الفطر ويوم الأضحى أربعين سنة. ذكروا ذلك في ترجمته, ونحن لا نوردها لسرد الصيام، ولا نبحث هل يجوز سرد الصيام إلا عيد الفطر وعيد الأضحى؟ إنما نوردها للاعتبار وقوة همم هؤلاء الصحابة على العبادة.

    قال عليه الصلاة والسلام: {والصوم جنة} وعند مسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه وأرضاه؛ قال عليه الصلاة والسلام: {من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً}.

    وذكر عن ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه أنه كان يصوم في حر المدينة , وما كان هناك مكيفات ولا ماء بارد ولا ثلج ولا شيء من هذا. قال: فكان يوضع له قربة في الشجرة وتقطر هذه القربة بمائها على صدره، فيقولون له: لو تركت الصيام إلى الشتاء. قال: إني أخاف أن أموت قبل أن يأتي الشتاء. إنه عمر محسوب.

    يا متعب الجسم كم تسعى لراحته     أتعبت جسمك فيما فيه خسران

    أقبل على الروح واستكمل فضائلها     فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

    وهذا الوزير ابن هبيرة الحنبلي, صاحب كتاب الإفصاح، كان من أعظم الوزراء، ومن أزهدهم في تاريخ الإسلام، كان وزيراً للخليفة العباسي المستنجد، وهو حنبلي المذهب ومحدث، ويخشى الله عز وجل كثيراً، كان يجلس لمجلس الحديث بعد صلاة العصر من يوم الجمعة, فيقرأ عليه العلماء الحديث فيبكي حتى يقول الناس: سيموت هذه الليلة.

    حج وكان صائماً، ولما وصل إلى مكة أصاب الناس حر شديد وانتهى الماء، والتمس الناس الماء حتى أشرفوا على الهلاك من كثرة الضمأ..! فتوضأ وقام ورفع يديه وقال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا.. قال الراوي -وهذا في طبقات الحنابلة في ترجمته-: فوالله ما اقترب الغروب إلا وقد تساقط الغيث على الناس وسقط مع الغيث ثلج مبرد، فأخذ يحمل الثلج في إنائه ويبكي ويقول: يا ليتني سألت الله المغفرة، يا ليتني سألت الله المغفرة.

    كان ابن هبيرة من أعظم الوزراء شهامة وريادة وتقوى وخشية وقراءة وتلاوة وعلماً، حتى يقول فيه الخليفة المستنجد وهو يمدحه:

    صفت نعمتان عمتاك وخصتا      فخيرهما حتى القيامة يذكر

    وزهدك والدنيا إليك فقيرة      وجودك والمعروف في الناس يذكر

    ولو كان مكانك جعفر ويحيى      لكف عنه يحيى وجعفر

    ولم أر من ينوي لك السوء يا أبا الـ     ـمظفر إلا كنت أنت المظفر

    الشاهد: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {والصوم جنة} أي: يتقي به العبد يوم القيامة من غضب الله ومن سخطه، فالله الله في الصيام لكن باقتصاد، الذهبي ترجم لأحد العلماء في سير أعلام النبلاء فقال: عليك بالصيام وأكثر منه.

    قال الذهبي: باقتصاد. أي تقتصد في الصيام؛ ثلاثة أيام من كل شهر من أعظم الصيام في الإسلام، وهي صيام الدهر وهي صيام رسولنا صلى الله عليه وسلم وإبراهيم عليه السلام.

    الصدقة وفضلها

    قال عليه الصلاة والسلام: {والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار}.

    هذا مبدأ آخر وباب آخر فتحه الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى للمقبولين من عباده، والكلمة الطيبة في الإسلام صدقة، والبسمة صدقة، واللين صدقة، وفي الصحيح: {يصبح على كل سلامى من أحدكم -والسلامى هو المفصل- صدقة، كل يوم تصلح فيه بين اثنين صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل تسبيحة صدقة... ويجزئ عن ذلك ركعتان يركعهما أحدكم من الضحى} فالشاهد: الصدقة، ولذلك دخل كثير من الصالحين الجنة بسبب الصدقة.

    ومن أعظم ما يذكر في هذا الباب أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه؛ فإنه أنفق أمواله في سبيل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وما ادخر شيئاً، وعمر بن الخطاب قدم نصف ماله في سبيل الله، وعثمان جهز جيش العسرة في غزوة تبوك , حتى قال صلى الله عليه وسلم: {اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض، اللهم اغفر لعثمان ما تقدم من ذنبه وما تأخر} رضي الله عنهم وأرضاهم جميعاً.

    وجاء عن عبد الرحمن بن عوف أن قافلة قدمت المدينة إليه في أيام قحط, فقال لتجار المدينة: كم تعطوني في كل درهم؟ قالوا: درهماً. قال: وجدت من زادني. قالوا: نعطيك درهمين. قال: وجدت من زادني. قالوا: ثلاثة. قال: وجدت من زادني. قالوا: نحن تجار المدينة وما يزيدك أحد. قال: فإن الله قد زادني في الدرهم عشرة إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة قال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:261] ثم قال: أشهدكم أيها الناس أنها في سبيل الله؛ فتفرق الناس وهم يقولون: سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة.

    فقوله صلى الله عليه وسلم: { والصدقة تطفئ الخطيئة} يقول أهل العلم: من أعظم ما يكفر به العبد عن سيئاته إذا أساء الصلاة والصدقة. قال الله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114].

    فدل عليه الصلاة والسلام معاذاً على الصدقة؛ لأنها من أبواب الخير التي ذكرها المصطفى صلى الله عليه وسلم.

    صلاة الليل

    ثم قال: {وصلاة الرجل في جوف الليل، وتلا عليه الصلاة والسلام قوله تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [السجدة:16]} صلاة الليل قلّت في هذا الزمن، ونشكو حالنا إلى الله عز وجل، وسبب قلتها كثرة المعاصي وكثرة تمرسنا في المباحات وسهرنا الذي كله -إلا ما رحم ربك- ليس فيه منفعة، فكلما سهر العبد عطل عليه تلك الساعة التي يتنزل فيها ربنا سُبحَانَهُ وَتَعَالَى إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله فينادي: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأجيبه؟ فأوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذاً بهذه الوصية..

    قلت لليل هل بجوفك سر     عامر بالحديث والأسرار

    قال لم ألق في حياتي حديثاً     كحديث الأحباب في الأسحار

    فمن أحسن عبادة المسلم, وهي المربية للأرواح، والمكفرة للذنوب، والمنمية للإيمان قيام الليل, ولو كان نصف ساعة، وأقل ورد هما ركعتان، فداوم على ركعتين كل ليلة قبل صلاة الفجر يمنحك الله إيماناً ونوراً ويقيناً, ويسددك ويهديك سواء السبيل.

    ولذلك يرى ابن الجوزي في صيد الخاطر أن من أعظم ما يربي الفرد المسلم قيام الليل، وهذا الذي أوصى به رسول الهدى صلى الله عليه وسلم, فقال لعبد الله بن عمر يوم سألته حفصة: { نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل} فما كان ينام من الليل إلا قليلاً. وقال لـعبد الله بن عمر كما في الصحيح: {يا عبد الله! لا تكن كفلان كان يقوم الليل ثم ترك قيام الليل} فالله الله في هذه السنة التي تركت, وفي هذه الشعيرة العظيمة التي هجرت إلا عند من رحم الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    ويكفي العبد -كما ذكرت- أن يقوم ولو قليلاً من الليل, ويتهجد ويقرأ شيئاً من القرآن, ثم يختم ذلك بالاستغفار ويرفع يديه إلى علام الغيوب, الذي لا تغيب عنه الحوائج ولا ترد عنده المسائل، ولا تختلف عليه اللهجات، ولا تتنوع عليه الحاجات تبارك وتعالى، فيشكو إليه حاله وقلته وضعفه وذنوبه وسيئاته وخطاياه, فإذا لم يرحم الله فمن يرحم؟! وإذا لم يغفر فمن يغفر؟! وإذا لم يتب علينا فمن يتوب علينا؟!

    خطر اللسان

    ثم قال عليه الصلاة والسلام: {ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ -أي: ما يجمع عليك ذلك- قلت: بلى يا رسول الله! فأخذ صلى الله عليه وسلم بلسان نفسه وقال: كُفَّ عليك هذا} أخطر ما يمكن أن يواجه العبد في الدنيا هو لسانه، ولذلك قالوا: تسعة أعشار الذنوب من اللسان! والغزالي في الإحياء بوب أبواب الذنوب التي تصاب من اللسان فجعلها عشرة أبواب، والرسول عليه الصلاة والسلام كلما ذكر عبداً ذكره بذنب لسانه، فإنه أسرع في الذنوب وفي الخطأ, وهو يتكلم بلا حساب، وهو يفرط منك بلا شعور، فيغتاب وينم ويأتي بالبذاءة، ويأتي بكلمة مدلهمة قد تهوي بصاحبها في النار سبعين خريفاً، فنسأل الله العافية.

    ورد عن أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه أنه وقف يبكي وحده ويقول: [[هذا أوردني الموارد ويأخذ بلسانه]]. هذا أبو بكر رضي الله عنه فما بالنا نحن؟! وابن عباس بكى على الصفا وأخذ بلسان نفسه وقال: [[يا لسان.. قل خيراً تغنم أو اسكت عن شر تسلم]].

    ويقول ابن مسعود -كما نقل عنه ابن رجب في جامع العلوم والحكم -: [[والله الذي لا إله إلا هو ما في الدنيا أحق بطول حبس من اللسان]] , والشافعي رحمه الله يقول:

    لسانك لا تذكر به عورة امرئ      فكلك عورات وللناس ألسن

    وعيناك إن أبدت إليك معايباً      لقوم فقل يا عين للناس أعين

    والرسول صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيح: {من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فخذيه أضمن له الجنة} فهي ضمانة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن من يضمن؟ انظر إلى نفسك من يوم أن تصبح الصباح إلى أن تنام وأنت في كلام مستمر، ولو ذكرنا الله عز وجل بقدر كلامنا مع الناس وأخذنا وعطائنا واتصالاتنا وزياراتنا لكنا من الذاكرين الله كثيراً، لكن إذا ذكرنا ذكرنا بغفلة ونسيان وهوس، وإذا أتينا لنتكلم مع الناس استحضرنا قلوبنا وأبدعنا في الكلام، وصححنا الكلمات والنطق، وهذا ليس منهجاً سديداً؛ أن يكثر العبد من اللغو، والله وصف المؤمنين بأنهم عن اللغو معرضون.

    ذكر عن الربيع بن خثيم -أحد الزهاد العباد التابعين الأخيار- أنه كان يحسب كلامه من الجمعة إلى الجمعة! فقالوا: ما لك؟ أتستطيع ذلك؟! قال: ألا تظنون أن علي رقيباً وعتيداً يحصي ما أقول عن اليمين وعن الشمال؟

    وعطاء بن أبي رباح ذكر عنه صاحب التذكرة أنه قال: يا أيها الناس! اتقوا الله في ألسنتكم، لا تتكلموا إلا بخير أو بتلاوة أو بذكر، أو بأمر بمعروف أو نهي عن منكر؛ فإن أعمالكم تحصى عليكم.

    وسمعت عائشة رضي الله عنها وأرضاها جارات لها يتحدثن بعد صلاة العشاء, فأرسلت جارية لها وقالت: قولي لهن يتقين الله ويرحن الكتبة، لأن الملك لا يترك الكتابة حتى تنام، فمهمته أن يبقى معك حتى تنام، فما بالك بإنسان يبقى حتى الساعة الواحدة أو الساعة الثانية عشرة وهو يتكلم في هذا وذاك وفي المجريات؟ وهذا إن كان من المحسنين، ففي الأخبار والأسعار والأمطار وما جد في المجتمع، والسيء من يغتاب الناس ويأكل لحومهم وأعراضهم، يُجرح ويُعدل بعد صلاة العشاء التي كان السلف يقومون يتباكون فيها تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [السجدة:16] الوقت الذي ننام فيه نحن كان السلف يقومون فيه ويصلون.

    تجد كثيراً من المجالس تئن وتشكو إلى الله عز وجل من كثرة الذنوب والخطايا، والحرمات التي تنتهك في هذه المجالس.

    إني أدعو نفسي وإياكم إلى حفظ هذا اللسان، وإلى ذكر الله به كثيراً، وإلى تقوى الله فيه, فإنه كما ورد في حديث ابن عباس -يرفعه تارة ويقفه على نفسه تارة-: {يأتي العبد يوم القيامة أحنق شيء على لسانه, يقول: هذا أوردني الموارد}. فنعوذ بالله من لسان لا يسلم من الخطأ، ونعوذ بالله من لسان لا يتسدد على الحق، ونعوذ بالله من لسان لا يجتنب اللغو, فإن الله إذا هدى سدد ووفق, يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أيها الإخوة الكرام! أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية والسداد والرشد, وأن يلهمنا رشدنا ويقينا شر أنفسنا، وأسأله أن يعمر قلوبنا وقلوبكم بذكره سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وأن يهدينا وإياكم سواء السبيل.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون, وسلام على المرسلين, والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

    1.   

    الأسئلة

    المقصود بالأيام البيض

    السؤال: هل المقصود بصيام ثلاثة أيام من كل شهر الأيام البيض: (14،13، 15) من كل شهر, أم لا يشترط الترتيب؟

    الجواب: الأيام البيض هي ما ذكرت: (13، 14، 15) أما هل يشترط أن تسرد، وأن توقع الأيام في هذه الأيام البيض؟ فهذه مسألة أخرى، وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: {أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث لا أدعهن حتى أموت: ركعتي الضحى، وبصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام}. فأما هذا الحديث ففيه عموم: ثلاثة أيام من أوله أو من آخره أو من وسطه، وابن حجر العسقلاني في فتح الباري ذكر ما يقارب عشرة أقوال في هذه الأيام، فمن السلف الصالح والصحابة من يصوم الثلاثة في أول الشهر، ومنهم من يصوم في كل عشرة أيام يوماً واحداً، ومنهم من يصوم الأيام البيض، لكن الأفضل والأحسن والأولى، والذي هو السنة صيام الثلاثة البيض، لكن إذا عرفت من نفسك وقدرتك أنك لا تستطيع سرد الأيام الثلاثة فانثرها ولا بأس، إنما المقصود ألا يخرج عليك الشهر إلا وقد صمت ثلاثة أيام. وقد يعرض للإنسان سفر في الأيام البيض أو عمل شاق؛ فله أن يؤخر أو يقدم ولا بأس بذلك.

    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    السؤال: أرجو أن تنصحوا الشباب بكيفية إنكار المنكر والأمر بالمعروف لعامة الناس وخاصتهم؟ الجواب: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أشرف الأعمال في الإسلام، ويسمى الحسبة عند علماء الإسلام، والاحتساب يكون لوجه الله عز وجل، ولا يتقيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهيئة فحسب، ولا يمكن أن هذه الهيئة تكفي المسلمين مسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالرسول صلى الله عليه وسلم عمم الأمر بقدر الطاقة، ففي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري

    قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان} وأحسن من تكلم في هذه المسألة ابن تيمية

    في المجلد الثامن عشر من فتاويه، فله مبحث عجيب يستحسن الرجوع إليه في كيفية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, يقول: "ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف، ولا يكن نهيك عن المنكر بالمنكر". لأن بعض الناس إذا أتى لينهى عن المنكر أتى بشيء من المنكر أدهى من الذي ينهى عنه، وفوت من الأمر الحاصل أضعافاً مضاعفة على ما يطلب. ويشترط في الداعية ثلاثة شروط: أولها: الإخلاص لوجه الله، فلا يقصد رياءً ولا سمعة. ثانيها: العلم، فلا يدعو الداعية إلا وهو يعلم بما يدعو إليه, ولا يشترط أن يكون مبرزاً أو متخصصاً, لكن المسألة التي تطرقها لا بد أن تكون عالماً بها. ثالثها: العمل. وبعضهم يزيد شرطاً رابعاً, كما ذكر ذلك الشيخ محمد بن عبد الوهاب

    في الأصول الثلاثة: وهو الصبر على ما تدعو إليه، ولذلك يقول لقمان لابنه وهو يعظه ببعض الوصايا يقول: ((يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ))[لقمان:17] فانظر كيف ذكر الصبر بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والله عز وجل طلب من رسله اللين مع المخاطبين, فقال لموسى لما أرسله إلى فرعون: ((فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)) [طه:44] قال ابن عباس

    : [[أتدرون ما القول اللين؟ قالوا: لا. قال: أمره الله أن يلين له الخطاب فيقول له: إن أنت أسلمت وآمنت متعك الله بشبابك وبملكك وبمالك]] فرعون أطغى الطغاة. وأفجر الفجار، شيخ كل متكبر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها, يقول الله لموسى: ((فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى))[طه:44] لا تجرح شعوره، لا تؤذه بالخطاب القاسي، لا تحاول أن تنغص عليه فإنه لا يستجيب، والناس لهم قدرهم، ولهم شرفهم، ولهم أعراضهم، ولهم قيمتهم، فإذا شعروا أنك تكسر هذا الحاجز، وأنك تهددهم بسحق قيمهم لا يستجيبون أبداً، وتأخذهم العزة بالإثم، بينما إذا دخلت باللين وبالكلمة الطيبة وبالبسمة؛ أخذتهم وجذبتهم بإذنه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، ولذلك يقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لرسوله: ((وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ))[الأنفال:63] وقال: ((فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)) [آل عمران:159] ويقول: ((وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) [القلم:4] وأمره بوصية فقال له مخاطباً إياه عليه الصلاة والسلام: ((خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)) [الأعراف:199] ولذلك أزال صلى الله عليه وسلم غضب الناس وكسب قلوبهم، يأتيه الرجل وهو يشعر بالعداء المرير والحقد الدفين والحسد والبغض النكير؛ فما يلبث إلا ساعة فيقبل عليه صلى الله عليه وسلم بكليته, فيبتسم في وجهه ويلين له في الخطاب، ويرفع له من المقام، ويعطيه قيمته؛ فيكسبه في الدعوة.. وهذا أسلوبه عليه الصلاة والسلام. وبالمناسبة.. أوصي كل طالب علم أن يوزع علمه وينفقه على الناس، فإن العلم إذا لم يزكَّ لم يبارك الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى فيه، والله لام بني إسرائيل على كتمانهم العلم وعلى بخلهم به فقال: ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)) [البقرة:159-160] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ((وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ)) [آل عمران:187] فنعوذ بالله من علم لا ينفع، والعلم الذي لا ينفع هو الذي لا ينفع صاحبه ولا ينفع الناس، والعلم كما يقول الأندلسي

    : هو العضب المهند ليس ينبو تصيب به مقاتل من أردتا وكنز لا تخاف عليه لصاً خفيف الحمل يوجد حيث كنتا يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفاً شددتا فبادره وخذ بالجد فيه فإن أعطاكه الله انتفعتا وإن أوتيت فيه طول باع وقال الناس إنك قد رأستا فلا تأمن سؤال الله عنه بتوبيخ علمت فهل عملتا

    طلب العلم والقراءة

    السؤال: أنا شاب ولي رغبة -ولله الحمد- في طلب العلم, وأريد أن أقرأ لأن القراءة هي إحدى الطرق التي توصل إلى طلب العلم، لكنني حينما أريد أن أقرأ لا أجد العزم والقوة، وسرعان ما يتلاشى هذا الحماس فأرشدني إلى طريقة طيبة؟

    الجواب: القراءة والاطلاع وطلب العلم ليس بالأمر السهل، والعبد المؤمن إذا أراد أن يطلب العلم أو يقرأ عليه أن يصابر نفسه, فلن يؤتى خيراً من خير الدنيا أو خير الآخرة إلا بالصبر، ولذلك ذكر الله الصبر في أكثر من تسعين موضعاً، وقضية أن العلم ينال هكذا بلا صبر وبلا مثابرة ولا سهر ولا بحث ولا مدارسة فهذا بعيد، والمال أرخص من العلم، وأهل المال ورجال الأعمال وأهل رءوس الأموال دائماً في جد وفي عمل، وفي سهر وضنك حتى يجمعوا أموالهم, فكيف بالعلم الذي هو أشرف؟! فإذا علمت ذلك فاعلم أن القراءة ينبغي أن تصبر عليها حتى تكون لك عادة، وهي لا تلبث أن تكون كلفة ثم تكون ألفة بإذن الله، تتكلفها في أول الطريق ثم يتألف قلبك على القراءة.

    فهذا عبد السلام جد ابن تيمية صاحب المنتقى لأن شيخ الإسلام اسمه أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام يقولون في ترجمته: كان من شغفه على القراءة أنه إذا دخل الخلاء قال لابنه: اقرأ وارفع صوتك حتى أسمع القراءة. ولذلك ترجم له الذهبي وقال: أما عبد السلام -جد ابن تيمية - فكان قمراً, وكان أبوه نجماً, وكان شيخ الإسلام شمساً فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً [الإسراء:12].

    فالمقصود: عليك أن تتقي الله عز وجل, وأن تستعين به سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وتقرأ، وأعداؤنا من الخواجات الأمريكان والإنجليز يلومون العرب ويقولون: أقل الناس قراءة هم العرب، وقرأت في بعض المقالات أن موشي ديان وزير حرب العدو الهالك قالوا له: لقد نشرتم أسراركم في الصحف, حتى الصحف العربية نشرت أسرار الجيش الإسرائيلي, فكيف لم يكتشفه العرب؟ قال: إن العرب قوم لا يقرءون. يريدون كل شيء بارتياح، ولذلك تجد أن الكتب عندنا مصنفة ومؤلفة وموشحة ومرجحة ومحققة ومنقحة ولا نقرؤها!! مسند الإمام أحمد جمعه في أربعين سنة، مشى في الدنيا وطاف في البلاد الإسلامية في تلك الفترة ودخل مصر والعراق والشام وخراسان واليمن والحجاز ثم جمع أربعين ألف حديث وتركه وقال لأبنائه: عليكم بهذا الكتاب فإنه سوف يكون للأمة إماماً. وبعد أن طبع وأخرج للناس لا أحد يقرؤه إلا ما رحم ربك.

    دائماً نقول: نحن أصابنا الملل وأصابنا السأم, وإن لنفسك عليك حقاً ولعينيك عليك حقاً، وأحاديث الرخص تأتينا إذا أتينا نصلي ونقرأ ونذكر الله عز وجل، تأتينا أحاديث الرخص حتى نترك الخير، فالمقصود علينا بالصبر وأن نحتسب الأجر والمثوبة.

    أحد الأمريكان له كتاب دع القلق وابدأ الحياة يقول: الأمريكان يقرءون في الأربعة والعشرين ساعة اثنتي عشرة ساعة. أمريكي لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر, ولا يريد جنة ولا يخاف ناراً, ومع ذلك يقرأ اثنتي عشرة ساعة! خواجة كالكلب! فما بالك أنت أيها المسلم؛ ميراث محمد صلى الله عليه وسلم بين يديك, وكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بين يديك وأنت لا تقرأ! وهي طريقك إلى الجنة بإذن الله..!!

    تنبيه على بعض المنكرات

    السؤال: هنا بعض المنكرات التي انتشرت في المجتمع, كالغناء الماجن بالمكبرات، والرقص الجاهلي الذي يفعل في كثير من الحفلات. فهل من تنبيه على هذا الأمر؟

    الجواب: أولاً: الغناء -كما تعرفون- محرم، وقد أفتى بهذا كثير من أهل العلم، وهو مستند إلى أحاديث من المصطفى صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيح من حديث أبي مالك الأشعري يقول عليه الصلاة والسلام: {ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف} واستحلالها يكون بعد التحريم، وعند أبي داود من حديث ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم سمع زمارة راعٍ, فوضع أصبعيه في أذنيه حتى انتهى الصوت، وفعل ذلك ابن عمر.

    وعند ابن خزيمة بسند صحيح قوله عليه الصلاة والسلام: {إني نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نعمة وصوت عند مصيبة} فهذا محرم وأمره وظاهر.

    أما الحفلات والأعراس ففيه تفصيل، فإن اجتمع النساء في مكان لا يخالطهن الرجال، ولا ضيعت فيه الصلوات فلا بأس بضرب الدف، وقد جاء في سنن أبي داود عنه صلى الله عليه وسلم بسند صحيح: {أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف} فالدف في حد ذاته للنساء لا بأس به في الأعراس، وأما إذا زاد وصاحبه عود أو وتر أو مغنية فاجرة أو مغن فاجر فهذا يحرم، إنما الدف في حد ذاته مباح وحلال للنساء في الأعراس بشروطه التي وردت.

    كذلك التصوير للنساء المخدوعات وقد يصل الأمر إلى التصوير بالفيديو، وهذه من المنكرات الطامة التي بدأت تظهر في المجتمع ونسأل الله أن يكفينا شرها، وإذا انتشرت هذه السيئة فقل على الأمة السلام، إذا خرجت صورة المرأة في المجتمع، أو خرجت في الأندية أو تدوولت في المجالس فقد انتهك العرض، وانكسر الشرف على عتبة الهلاك -نسأل الله العافية- وضاع البيت وانهار، وذهبت القيم والأخلاق، وانهارت كل قيم المجتمع، وأصبحت البيوت ملطخة بالعار والدمار والشنار نعوذ بالله من ذلك.

    حتى ذكروا أن البلاد العربية التي دخلها الاستعمار ما تمكن فيها إلا يوم أن خرجت صورة المرأة.. سبحان الله! تصور وأنت العاقل الأريب البار الخير الذي تريد حماية عرضك في الدنيا والآخرة وتريد شرفك في الدنيا والآخرة, فتفاجأ وأنت في مجلس من المجالس وإذا بصورة زوجتك تتناول بين أيدي الرجال الذين لا يريدون الله ولا الدار الآخرة..! لأن في الناس فجرة، وفيهم من لا يملك القيم ومن ليس عنده مروءة، ومن يريد أن ينتشر الزنا تماماً في المجتمع، وأن تباع الخمر كما يباع البيبسي في الأسواق..! قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:19] والله أعلم بالسرائر، فتصور أن صورة زوجتك يطاف بها في المجالس, ثم تفاجأ وإذا بها في يدك، أو صورة ابنتك أو صورة أختك؛ تصبح الحياة في عينك مرة مظلمة سوداء منتنة ولا تستطيع العيش.

    فالله الله يا من آمن بالله وباليوم الآخر أن تكون كلمتكم واحدة، وأن تقوموا في وجه الذين يريدون الإفساد في الأرض؛ فإن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى طلب إيقافهم ونهيهم عن المنكر, فإن الشر يعم والخير يخص.

    ويا أهل العقول أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأوصيكم أن تقوموا في سبيل الله عز وجل دعاة خير, وأن تتآمروا بالمعروف وتتناهوا عن المنكر؛ ليرضى الله عنكم ظاهراً وباطناً، وليسعدكم في الدنيا والآخرة، وليكون الله معكم أينما كنتم وأينما سرتم، أيدوا كلمة الحق وقوموا مع المحق، ولا ترضوا بالباطل وقوموا في وجهه؛ حينها يرضى الله عنا وعنكم.

    نسأله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لنا ولكم التوفيق والهداية، والسداد والرشد، اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك الغنى في القصد والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك؛ في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة برحمتك يا أرحم الراحمين.

    وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.