إسلام ويب

في ظلال إياك نعبد وإياك نستعينللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أنزل الله سبحانه وتعالى علينا الكتاب الكريم, لنستظل تحت وارف ظله, وجعله لنا نوراً وهداية, وأمرنا بتدبره.

    وقوله تعالى: (إياك نعبد وإيك نستعين) هو ملخص رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي هذا الدرس معنى العبادة الواردة فيها، وأنواع العبادة، وأخبار العباد الذين استظلوا بظلها، ومعنى الاستعانة وأقسامها.

    1.   

    شرح قوله تعالى:(إياك نعبد وإياك نستعين)

    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه, حمداً يوافي نعماءه, والصلاة والسلام على معلم الخير وهادي البشر, الذي أتى بالكتاب المبين, والقرآن العظيم, والحبل المتين, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً, أمَّا بَعْد:

    فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته..

    ومع كتاب الله تبارك وتعالى, ومع هذه النعمة التي من الله بها على الأمة الإسلامية, يقول شوقي:

    آياته كلما طال المدى جدد      يزينهن جلال العتق والقدم

    أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له     وأنت أحييت أجيالاً من الرممِ

    أتى على سفر التوراة فانهدمت      فلم يفدها زمان السبق والقدم

    ولم تقم منه للإنجيل قائمة     كأنه الطيف زار الجفن في الحلم

    أمَّا بَعْد:

    فكنا مع الفاتحة، ولا نزال معها أبداً إن شاء الله, يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:1-7] وصلنا في هذا الدرس إلى قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].

    وهذا الدرس اسمه "في ظلال إياك نعبد وإياك نستعين" وهذه الكلمة هي ملخص لرسالته عليه الصلاة والسلام, لما أنزل الله الكتب السماوية: التوراة والإنجيل والزبور والقرآن, جمعها في المفصل, ثم جمعها في الفاتحة, ثم جمعها في قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] وفي هذه الآية ثمان قضايا:

    الأولى: إياك بالتشديد أو بالتخفيف, وما الفرق بين إياك , واياك.

    الثانية: لماذا قدم الضمير فقال: إياك نعبد ولم يقل: نعبد إياك؟

    الثالثة: لماذا جمع نعبد ولم يقل: أعبد؟

    الرابعة: ما معنى العبادة؟ وما أقسامها؟ وما أقسام العباد؟

    الخامسة: أنواع العبادة.

    السادسة: أخبار العباد، في رحلة شائقة مع العباد الذاكرين, والصائمين والمصلين, والقائمين الليل من السلف الصالح.

    السابعة: الاستعانة بقسميها الاثنين.

    الثامنة: الناس في العبادة والاستعانة أقسام, سوف أذكرها إن شاء الله.

    (إياك) بالتشديد والتخفيف والفرق بينهما

    فتقرأ (إيّاك) بالتشديد, ومن قرأها (إِيَاك) فقد أخطأ خطأً بيناً, وقد ذهب بعض القراء إلى أنها تقرأ (إِيَاك) بالتخفيف وليس (إِيّاك) وهذا خطأ؛ لأن (إياك) هي الشمس, فمن أسماء الشمس: إياك, فإذا نطقها القارئ (إياك) فمعناها: الشمس نعبد, وهو خطأ في القراءة, بل لا بد من التشديد فتقول: إيّاك نعبد وإيّاك نستعين, بالتشديد.

    وتغيير الحركات تقلب المعاني, ومن لم يتنبه إليها فإنها توصله إلى تغيير الألفاظ, بل وقع في تغيير بعض الكلمات أن أودت ببعض الرءوس, فبعض السلاطين كتب في كلمة له فقلبت الحركات والسكنات فأعدمت رءوس وأنفس؛ لأنها أزيلت حركات وسكنات, أما (إيّاك) فهي القراءة المطلوبة، التفت الخطاب هنا من الغائب إلى الحاضر, يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين) خطاب للغائب, (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) خطاب للغائب, (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) خطاب للغائب, (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) خطاب للحاضر المشاهد, وهو للتعظيم، وكأن المصلي يوم وجه وجهه إلى الله عز وجل كأنه يكلم ربه, ويناجيه, وهو الصحيح, وفي الحديث الصحيح: {إن أحدكم إذا قام يصلي فإنه يناجي ربه، فلا يبصقن أمامه} فأنت يوم تقول: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) تناجي ربك، وتخاطب مولاك جل وعلا.

    لماذا قدم الضمير فقال: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ولم يقل: نعبد إيّاك؟

    أما لماذا قدم الضمير فقال: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ولم يقل: نعبد إيّاك؟ فللحصر والاهتمام, تقول: إيّاك أريد, ولا تقول: أريد إيّاك, فإذا قلت: إيّاك أريد فكأنك تنبهه أي: انتبه فإني أريدك أنت لا أريد غيرك, و(إيّاك أريد) وهي أبلغ عند أهل اللغة من: أريد إيّاك, وأقصر كتاب في التاريخ, كتبه خالد بن الوليد سيف الله المسلول, لـعياض بن غنم وهو قائد آخر, يوم اجتمع على خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه أهل الباطل بالجيوش فضاقت على خالد بن الوليد بما رحبت, لكنه لجأ واستعان بالواحد الأحد.

    فالزم يديك بحبل الله معتصماً     فإنه الركن إن خانتك أركان

    فلما طوقته الجيوش أرسل لـعياض بن غنم رسالة هي أقصر رسالة في التاريخ قال: (بسم الله الرحمن الرحيم, من خالد إلى عياض إيّاك أريد والسلام) يقول: أدرك الموقف, فهو موقف خطير, من خالد إلى عياض إيّاك أريد والسلام, وهو يوم قصّر الخطاب, معناه انتبه وأدرك وإلا لن تدرك, فنحن في مأزق, فهذا أقصر خطاب.

    وتقديم قدم (إيّاك) في الآية يقيد الاختصاص, أي: إيّاك نعبد وحدك, وإن قلت: نعبد إيّاك فربما يحتمل أن يكون مع الله معبود غيره, سبحان الله عما يشركون, لكنك إن قلت: إيّاك وحدك نعبد, إيّاك وحدك نستعين, وإيّاك وحدك ندعو, فهو للحصر والاهتمام.

    لماذا جمع (نعبد) ولم يقل: أعبد؟

    إن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يحب اجتماع الناس, ويحذر سُبحَانَهُ وَتَعَالَى من الفرقة, ويد الله مع الجماعة, قال سبحانه: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:105] وقال: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103] وأمرنا بصلاة الجماعة, وهوّن عليه الصلاة والسلام من شأن صلاة المنفرد وحده, وذكر أن صلاة الجماعة تفوق على صلاة المنفرد بسبع وعشرين, والصلاة خلف الصف قال فيها صلى الله عليه وسلم: {لا صلاة لمنفرد خلف الصف}.

    فقول المصلين: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) أي: جميعاً كلنا لك عبيد, أما إذا قلت: إيّاك أعبد, كأن فيها أنانية وانحياز, وكأن فيها انفراد, {وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية} وإذا خلا العبد خلا به الشيطان وذم عليه الصلاة والسلام في الإنفراد، وفي حديث في سنده نظر: {يا ثوبان إيّاك والكفور -أي: السكن في القرى- فإن ساكن الكفور كساكن القبور}, قال الإمام أحمد: [[الكفور هي القرى, لأن فيها وحشة, وبعد عن مجالس الخير والذكر, وعن العون على الطاعة]] ولذلك تجد البدو غالباً من أجهل الناس في الأحكام, قال تعالى: الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:97].

    فإذا عُلم هذا فالله يحب الجمع, ولذلك كانت صلاة الجمعة ويوم عرفة من أفضل المواسم للدعاء وذلك لاجتماع الناس, وفي الحديث: {ما رئي الشيطان في يوم أغيظ ولا أدحر من يوم عرفة} , وابن القيم يقرر أن القلوب إذا اجتمعت كان ذلك سبباً من أسباب استجابة الدعاء, فاغتنم اجتماع الناس, ويكفي هذا الشعار: إيّاك نعبد أي: كلنا يا ربنا, قال أبو تمام في اجتماع المسلمين:

    إن كيد مطرف الإخاء فإننا      نغدو ونسري في إخاء تالد

    أو يختلف ماء الوصال فماؤنا      عذب تحدر من غمام واحد

    أو يفترق نسب يؤلف بيننا      دين أقمناه مقام الوالدِ

    وصح من حديث جابر قال: {كنا إذا نزلنا في غزوة تفرقنا تحت الشجر وتركنا أكبر شجرة للرسول صلى الله عليه وسلم, فأنذرنا عليه الصلاة والسلام وقال: ما لكم! اجتمعوا فكنا نجتمع حتى لو طرح البساط علينا لكفانا}.

    وفي حديث أنه عليه الصلاة والسلام دخل المسجد فوجدهم حلقاً, حلقة هنا, وحلقة هنا, وحلقة هناك, قال: {ما لي أراكم عضين -أو عزين- اجتمعوا} فجمعهم عليه الصلاة والسلام، وخرج أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه الذي مزقت همته وعزيمته والعمل الصالح بخنجر الغدر.

    مولى المغيرة لا جادتك غادية      من رحمة الله ما جادت غواديها

    مزقت كل إهاب حشوه همم      في ذمة الله قاصيها ودانيها

    قل للملوك تنحوا عن مناصبكم     فقد أتى آخذ الدنيا ومعطيها

    فدخل المسجد فوجدهم فرقاً، فجمعهم وراء أبي بن كعب سيد القراء.

    وأقف قليلاً مع سيد القراء, وقد ذكرته في مناسبات لكن لا بأس بذكره هنا:

    أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره      كما المسك ما كررته يتضوعُ

    أبي بن كعب يقول عنه أهل التراجم: كان أبيض اللحية, أبيض الرأس من الشيب, أبيض الوجه, أبيض الثياب, أبيض القلب, نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النور:35] , سبب بياض لحيته ورأسه أن الحمى اشتعلت في جسمه ثلاثين سنة, لكنه لم يتعطل عن جهاد ولا فريضة ولا عن حج, كان إذا اقترب منه الشخص وجد الحرارة, وكان لا ينام من الليل إلا القليل؛ لأن من بعد صلاة العشاء كانت تزوره الحمى, والحمى فيها حياء تستحي لا تزوره إلا في الليل, كما يقول المتنبي:

    وزائرتي كأن بها حياءً      فليس تزور إلا في الظلام

    بذلت لها المطارف والحشايا     فعافتها وباتت في عظامي

    فكان يسهر إلى الفجر, وكان عمر ينتبه له إذا ورد, وقال له أحد أهل العراق: من هذا الذي تنظر إليه إذا تكلمت يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: ثكلتك أمك, هذا سيد القراء أبي بن كعب. فجمعهم عمر وراءه في صلاة التراويح, فلما مر عمر وهو يقرأ بهم وهم يتباكون وقد استقاموا على العصي من طول قيامه, تبسم عمر وقال: [[نعمة البدعة هذه]] يعني البدعة اللغوية وليست البدعة الشرعية, فإن لها أصلاً في السنة, فإن الذي سنها هو الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وفي السير أن عمر مر وأبي يقرأ في التراويح, فسمع أبياً وقد ارتفع صوته بالبكاء في سورة الصافات: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [الصافات:24-26] وكان عمر في جولة, فلماذا كان عمر يتجول؟ أيرتاح من صلاة التراويح؟ لا والله! لكنه كان يتفقد الأرامل والمساكين والأيتام والخصومة, ويرى حال المدينة ,كيف تنام العاصمة؟ أتنام على هدوء وسكون؟ أم هي قلقة؟! فلما سمع رمى العصا من يديه وانطرح على الأرض يبكي, وحُمِلَ على أكتاف الرجال وبقي شهراً مريضاً من هذه الآية رضي الله عنه وأرضاه.

    فقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ولم يقل: إياك أعبد؛ لأن هذه فيها أنانية وانفراد, والله يحب الجمع، ويد الله مع الجماعة.

    ما معنى العبادة؟

    العبادة تطلق على معنيين:

    1- معنى العبادة اللغوي:

    وهي التذلل والخضوع والطاعة, يقال: طريق معبد أي: طريق مذلل, فتعبد: خضع وذل, وإنما سمي العبد عبداً؛ لأنه خضع وذل, قال الشاعر:

    أطعت مطامعي فاستعبدتني     ولو أني قنعت لكنت حرا

    قال ابن تيمية: المأسور من أسره هواه، فهذا المقيد والمكبل, وليس المأسور الذي سجن في السجن، إن المأسور الذي قيده هواه من حب الشهوة والمعصية والجريمة, هذا هو المأسور الذي وضع الغل والحديد في يديه. إذاً العبادة معناها في اللغة: التذلل والخضوع والطاعة.

    2- معنى العبادة في الشرع:

    تطلق على معنيين في القرآن: على الدعاء وعلى مجرد العبادة, قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60] أي: عن دعائي, وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً [الأعراف:55] هذا هو المعنى الأول للعبادة أنها بمعنى الدعاء.

    والعبادة تشمل الدعاء وغيره من أنواع العبادات, وعند الترمذي: {الدعاء مخ العبادة} وهو حديث ضعيف، في سنده دراج أبو السمح , يروي عن أبي الهيثم , وأحاديثه ضعيفة عن أبي الهيثم , وإنما الصحيح: {الدعاء هو العبادة} وهذا عند الحاكم في المستدرك , فإذا رأيت الإنسان يكثر الدعاء, فاعلم أنه قريب من الله, وأن إيمانه كثير.

    قالوا عن إبراهيم عليه السلام في قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ [هود:75] قالوا: كان كثير الدعاء, وقالوا: كان يقول: أواه من ذنوبي.. أواه من خطئي.. أواه من تقصيري وإسرافي.. وقيل: كان يدعو الله دائماً: قائماً وقاعداً.

    دخل رجل على قيس بن سعد بن عبادة بن دليم , وهذا السند, سند الكرماء عند العرب, فـقيس من أكرم العرب, وسعد من أكرم العرب, وعبادة من أكرم العرب, ودليم من أكرم العرب, ولم يجتمع في العرب أربعة من أكرم الناس إلا هؤلاء الأربعة.

    سندٌ كأن عليه من شمس الضحى      نوراً ومن فلق الصباح عمود

    يذكر ابن كثير: أن رجلاً دخل على قيس فوجد أصبعه السبابة لا تفتر, قال: تعشيت عنده, وسامرت معه, فلما أردت الانصراف سألته: ما حال أصعبك؟ قال: أدعو بها الله دائماً. ولذلك هداه الله سواء السبيل وكان من الموفقين في حياته.

    والذي يكثر من الدعاء لن يهلك أبداً, قال عمر: [[لن يهلك مع الدعاء أحد]] وقال أحد علماء الجزائر أيام الثورة في الجزائر: "رأيت عمر بن الخطاب في المنام فقلت: ما هي النجاة يا أبا حفص؟ فرفع يديه هكذا -أي: الدعاء-, وفي الترمذي قوله صلى الله عليه وسلم: {أفضل العبادة انتظار الفرج} فلا تزال تدعو الله حتى يفرج الله كربتك.

    وفي الحديث الصحيح: {لا يقولن أحدكم: دعوت فلم يستحيب لي} أو كما قال صلى الله عليه وسلم, ولا يجوز لك في الدعاء أن تقول: اللهم اغفر لي إن شئت.. اللهم ارحمني إن شئت.. اللهم أصلحني إن شئت.. هذا خطأ, بل قل: اللهم ارحمني, يقول عليه الصلاة والسلام وهو حديث صحيح: {لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت, فإن الله لا مكره له، لكن ليعزم المسألة} , لكن يجوز لك في المواعيد أن تقول: آتيك غداً إن شاء الله, قال تعالى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف:23-24] سوف ألقاك إن شاء الله, سوف أتصل بك إن شاء الله، أما في الدعاء فاعزم المسألة ولا تتردد، فإن الله لا مكره له.

    أنواع العبادة

    وهي تدور على أنواع كثيرة, لكن أكثر ما يذكر في القرآن والسنة أربعة أنواع: الصلاة, والصيام, والصدقة, والتلاوة.

    وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص كما في الصحيحين وكان عبد الله قد شدد على نفسه رضي الله عنه وأرضاه, فكان يقوم الليل كله, ويصوم النهار سرداً, فشكاه أبوه إلى المصطفى عليه الصلاة والسلام؛ فأرسل غليه، ثم نازله عليها حتى قال: اختم القرآن في سبع, وصم من كل شهر ثلاثة أيام, قال: أستطيع أكثر من ذلك, قال: صم يوماً وأفطر يوماً فهو صيام الدهر, وهو صيام داود عليه السلام}.

    قال ابن القيم في طريق الهجرتين كلاماً معناه أن للجنة أبواباً ثمانية، والعباد يختلفون بجهدهم وطاقاتهم, منهم من يستطيع الذكر, ومنهم من يقدر على الصيام, ومنهم من يفلح في الصدقة قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ [البقرة:60] فأنت أعرف بنفسك, وأفضل الناس من ضرب في كل غنيمة بسهم, مع الصائمين ومع المصلين ومع الذاكرين ومع المجاهدين ومع المتصدقين، قال تعالى: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21].

    أما أنواع العبادة فهي كثيرة منها الفرائض ومنها النوافل, وهي تصل إلى السبعين, بل في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة , يقول عليه الصلاة والسلام: {خمس عشرة خصلة أعلاها منيحة العنز, ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها, وتصديق موعودها إلا أدخله الله الجنة} قال الراوي في البخاري: فعددنا فما وصلنا إلا إلى خمس، منها تبسمك في وجه أخيك, وإماطة الأذى عن الطريق, والكلمة الطيبة إذا نويت بها ما عند الله دخلت بها الجنة, فأعمال الخير كالأنفاس, وأفضل الأعمال بعد الفرائض ذكر الله عز وجل, وهو شبه إجماع كما قال ابن تيمية في المجلد العاشر من فتاويه.

    أخبار العباد

    هذا الدرس سوف يكون أقرب إلى الآيات والأحاديث والسيرة منه إلى بعض الخلافيات, وإذا كان الأمر كذلك, فإن سير الصالحين أحسن ما يؤخذ في هذا الباب, وأنا أدل نفسي وإخوتي على مطالعة أخبار الصالحين كـالأسود ومسروق وأحمد ومالك وابن المبارك , وهؤلاء الملأ بعد الصحابة كانوا في انقطاع مع الله عز وجل ومتبتلين له سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    وأنا إذا ذكرت نماذج فإني ألزم نفسي وإياكم أن تجعلوها على السنة, فإن وافقت فبها ونعمت, وإن خالفت فاعلموا أنه اجتهاد من أصحابها الذين يريدون الخير.

    1- الأسود بن يزيد:

    أما الأسود بن يزيد فهو عابد عراقي, عالم, صام حتى اخضر جلده, ودخل عليه العلماء ووعظوه، قال: أصوم قبل أن يحال بيني وبين الصيام وأخاف من قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ [سبأ:54] من يصوم عني إذا لم أصم؟! ومن يصلي عني إذا لم أصل؟! أي: إذا مات.

    2- محمد بن واسع:

    ومنهم محمد بن واسع الأزدي كان من أعظم عباد الله عز وجل, قربوا له متكأً ليتكئ, فقالوا: اتكئ, قال: لا يتكئ إلا الآمن، وأنا خائف لأني ما جزت الصراط إلى الآن.

    محمد بن واسع حضر معركة كابول مع قتيبة بن مسلم حاصر كابول التي ضاعت عندما ضاعت لا إله إلا الله, فلما طوقوا المدينة بمائة ألف, قال قتيبة بن مسلم وقد صفت الصفوف, وهبت رياح النصر, وتنزلت الملائكة من السماء، قال لجنوده: اذهبوا وابحثوا عن محمد بن واسع، أين هو؟ وماذا يفعل في هذه الساعة؟ فذهبوا إليه فوجدوه وقد صلّى صلاة الضحى وقد اتكأ على رمحه, ورفع سبابته إلى السماء؛ يدعو الله الواحد الأحد بالنصر, فرجعوا إلى قتيبة , فأخبروه، فدمعت عيناه, وقال: [[والذي نفسي بيده لأصبع محمد بن واسع خير عندي من مائة ألف سيف شهير, ومن مائة ألف شاب طرير]] ثم فتح الله عليهم بنصره سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وبتأييده, ثم بدعاء هذا الرجل الصالح, فلما أتت الغنائم سلموا لـقتيبة رأساً كرأس الثور من الذهب, فقال لوزرائه: أترون أحداً من الناس يسلم إليه هذا الذهب فيقول: لا؟ قالوا: لا نرى أحداً يسلم إليه هذا فيقول: لا! قال: والله لأُرينكم أناساً من أمة محمد عليه الصلاة والسلام، الذهب والفضة أرخص عندهم من التراب, فدعوا محمد بن واسع فأتوا إليه وهو يصلي في خيمته, قالوا: ما لك تصلي في وقتٍ الناس فيه مشغولون بالنصر؟ قال: إن شغل النصر الشكر, فدعوه إلى قتيبة فأتى إلى قتيبة فقال قتيبة: خذ هذا, فأخذه, فتغير وجه قتيبة فقال لأحد جنوده: اذهب وراءه وانظر أين يضعه, ثم قال قتيبة اللهم لا تخيب ظني فيه, فمر فقير من المساكين يسأل فأعطاه محمد بن واسع كل هذا الذهب, فأعيد الفقير إلى قتيبة، وقال: أترون أنني أريتكم أن في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من عند الذهب والفضة أرخص من التراب!

    3- مسروق:

    ومنهم مسروق , أتى رجل إلى الإمام أحمد من طلبة العلم والحديث, فجهز له الإمام ماءً ليقوم الليل! قبل السحر فلم يقم, فقال له الإمام أحمد: لم لم تقم؟ قال: أنا مسافر, قال: طالب علم ولا يكون له ورد في الليل! سبحان الله! حج مسروق فما نام إلا ساجداً, مسروق بن الأجدع عراقي, من تلاميذ ابن مسعود الكبار, حج من يوم ذهب من العراق إلى أن رجع, كان إذا أتاه النوم توضأ واستقبل القبلة ونام وهو ساجد.

    وما عرف في العبادة مثله، منقطع النظير, حتى كانت ابنته تبكي بجانبه، وتقول: يا أبتاه هل قتلت أحداً؟ هل أخذت مال أحد؟ وهو يصلي ويبكي في الليل, فيلتفت ويقول: قتلت نفسي.

    4- أحمد بن حنبل:

    ومنهم أحمد بن حنبل صح عنه بأسانيد, أنه كان يصلي في كل يوم ثلاثمائة ركعة, قال ابنه عبد الله: فلما جلد كان يصلي مائة وخمسين ركعة.

    5- ابن المبارك:

    ومنهم ابن المبارك سئل كما في سير أعلام النبلاء: قال له رجل: ما رأيك أن أصوم يوماً وأفطر يوماً؟ قال: أنت تضيع نصف عمرك, صم الأيام كلها.

    ولكن السنة تحكم على هذا والقصد أوْلى, لكن انظر إلى همة هذا الرجل كان يصوم الدهر، ويقول للرجل: كيف تضيع نصف عمرك؟ تفطر يوماً وتصوم يوماً, صم الأيام كلها, هذا من العباد.

    6- عبد الغني المقدسي:

    ومنهم عبد الغني المقدسي كان يصلي في اليوم ثلاثمائة ركعة وهو يبكي, وكان كلما صلّى ركعتين رجع إلى الماء ليتوضأ فتتقاطر لحيته ويداه بالماء, قالوا: ما لك وأنت على وضوء؟ قال: أنا لا يطيب قلبي ولا ينشرح صدري إلا عندما أرى قطرات الماء تنسكب من على لحيتي, فهو يحب العبادة.

    سجنه السلطان في القدس وهو محدث الدنيا صاحب الكمال في معرفة الرجال. سجن في القدس مع المساجين وكانوا من اليهود والنصارى فلما كان بعد صلاة العشاء, قام فتوضأ فقام يصلي من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر وهو يبكي, فلما أتى الصباح وقف اليهود والنصارى من المحبوسين مدهوشين مذهولين, فطرقوا الباب على الحارس, قال: ما لكم؟ قالوا: نريد أن نسلم, فذهب بهم إلى السلطان، فقالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله, قال: ما لكم؟ قالوا: مرت بنا ليلة رأينا كأن القيامة قامت, قال: ولم؟ قالوا: حبس معنا عبد الغني المقدسي , فقام يصلي ويبكي فذكرنا لقاء الله فوقع الإسلام في قلوبنا, وهو ما تكلم بكلمة لكن بفعله.

    حضر السلاطين في مجلسه فقام يقرأ الحديث فقطعه البكاء, فأخذ المسجد يبكي, وبكى كثير من سلاطين الأكراد أسرة صلاح الدين الأيوبي , ونور الدين محمود , هؤلاء حضروا درسه, وكان درساً عاطراً هائلاً ما سمع في التاريخ بمثله.

    هذا من أخبار العباد, أو شيء من أخبارهم على قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.

    أقسام الاستعانة

    هي قسمان: قسم جائز, وقسم محرم, فاستعانتك بالشخص هي على قسمين: قسم يحرم أن تستعين بالمخلوق لأنه ناقص وقاصر، قال تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً [الفرقان:3] فمثلاً إذا استعنت بالرجل تقول: استعين بك على أن تشافي ابني لأنه مريض, فقد أشركت بالله العظيم, وإذا قلت: أستعين بك على أن ترزقني, أو على أن تغفر ذنبي, أو على أن تنزل علينا الغيث فهذا هو الشرك, وهذا لا يتقبل الله عمل من فعل ذلك.

    وأما الاستعانة بما يستطيع عليه المخلوق فجائز, مثل قولك: أستعين بك أن تفتح لي هذا الباب, أو على أن تخيط لي هذا الثوب, أو على أن تبني هذا الجدار.. فلا بأس فيما يستطيعه المخلوق, أما ما لا يملكه إلا الخالق فمن استعان بالمخلوق فيه فقد أشرك بالله العظيم.

    ومن مثل ذلك, من يذهب إلى القبور فيستعين بالمقبورين, ويقدم لهم حوائجهم, ويشكو عليهم, فقد أشرك بالله العظيم, لأنهم لا يملكون ضراً ولا نفعاً, ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً.

    أما الاستعانة بالله عز وجل ففي كل الأمور, وهو المستعان سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ولذلك يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى, في كثير من القصص كما قال في قصة يعقوب: وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف:18].

    أقسام الناس في العبادة والاستعانة

    أما الناس في العبادة والاستعانة فهم أقسام:

    القسم الأول: قسم يعبد الله ويستعين به فهؤلاء المؤمنون الكُمَّل.

    القسم الثاني: قسم يعبد الله ويستعين بغيره فهؤلاء فيهم نقص وفيهم معصية وذنب.

    القسم الثالث: قسم يعبد غير الله, ويستعين بالله, فهؤلاء المشركون.

    القسم الرابع: قسم يعبد غير الله, ويستعين بغير الله فهؤلاء كفرة ملاحدة, هذا أمر التقسيم وأحسنها من يعبد الله ويستعين به, فالله حصر الكلمتين لتبقى هاتان الكلمتان مبدأين للمؤمن, العبادة لله والاستعانة بالله, (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).

    1.   

    شرح قوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)

    وفي هذه الآية مسائل:

    الأولى: الفرق بين اِهدنا وأهدنا, بعض الناس يقول: أهدنا والقراءة الصحيحة: اهْدِنا.

    الثانية: الهداية وأقسامها.

    الثالثة: ما هي أسباب الهداية.

    الرابعة: معنى الصراط.

    الخامسة: ما معنى المستقيم؟

    السادسة: معنى الصراط المستقيم: معنى الجملة كلها.

    السابعة: مقتضى الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم.

    الفرق بين اهدنا وأهدنا

    أما أهدنا فمن قرأها فقد أخطأ, ومعنى (أهدنا) أي: أعطنا هذا الشيء هديةً، مثل: (أهدني) هذا الثوب, فتقول: أهدنا أي: أعطنا أو امنحنا أو هب لنا الصراط المستقيم, وهذا ليس هو المقصود, يصح لك أن تقول: أهدني هذا الثوب، لكن لا تقول: اهدني هذا الثوب, لأن معنى اِهدني بالكسر، أي: دلني, فتقول: اهدني الطريق.. اهدني الشارع.. اهدني السبيل.. أي: دلني.

    فالكسر هي القراءة الصحيحة, وكثير من العوام يقرءون: أهدنا الصراط المستقيم, وهؤلاء أخطئوا، حيث أن معناها: أعطني, وهب لي، وامنحني, وهو ليس مراداً في هذه الآية، بل المراد: اِهْدِنا أي: دلنا وأرشدنا وسددنا ووفقنا.. (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ).

    إذا لم يكن عون من الله للفتى     فأول ما يجني عليه اجتهاده

    فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور, قال تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122].

    أقسام الهداية

    والهداية قسمان:

    1- هداية الدلالة: وهي للرسول عليه الصلاة والسلام, قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52] أي: تدل الناس على الصراط المستقيم, يعني تبين للناس الصراط المستقيم, فهذه الهداية لا بأس بها, ولا بأس أن تقول: فلان يَهدي فلاناً.. أي: يدله ويرشده ويعلمه, وفلان هادٍ مهدي, أي: يهدي الناس إلى الطريق المستقيم, وقد هداه الله عز وجل.

    2- هداية التوفيق وهي خاصة بالواحد الأحد، فلا يهدي إلا الله، قال سبحانه: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص:56] أبو طالب أراد عليه الصلاة والسلام أن يدله بهداية الدلالة, ولكن هداية التوفيق لم تمنح له, ما منحه الله هداية التوفيق, فقال الله لرسوله: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص:56].

    بلال اهتدى بهداية الدلالة, وهداية التوفيق, فهداية التوفيق منه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    إن ولدك قد تحرص عليه فتعلمه وتدرسه وتقوده وتنصحه فلا يهتدي, فأنت تدله لكنه لا يهتدي؛ لأنه لم يمنح هداية التوفيق, قال تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال:23].

    فالله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى جعل الهداية قسمين: دلالة وتوفيق, فالدلالة للبشر, والتوفيق له سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال:24] فهو الذي بيديه مفاتيح القلوب قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] وقال: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف:5].

    وأما أقسام الهداية في مسألة السلوك والأخلاق والعبادة, فأقسامها لا يعلمها إلا الله, وكل درجة والأخرى ما بين السماء والأرض, وفيها درجة واحدة ليست إلا لعبد, ولا تنبغي لأحدٍ إلا للرسول عليه الصلاة والسلام.

    ما معنى قولك في الصلاة: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) وقد هداك الله؟ أما هداك الله يوم أن أصبحت تصلي؟! أما هداك الله يوم أن أصبحت مسلماً؟! فما معنى قولك: اهدنا الصراط المستقيم؟ كيف تطلب الهداية وأنت مهتدٍ؟

    الجواب: قال بعض الناس: إنه تعبدي, وليس فيه فائدة, وقد أخطئوا خطأً بيناً, بل الصحيح: أن معنى الآية زدني هداية إلى هدايتي, فإنك لا تزال تزاد كل دقيقة, وكل لحظة وكل يوم هداية حتى تبلغ ما كتب الله لك من الهداية, ومن استمر على النوافل والعبادة؛ والأذكار؛ زاده الله هدى, وزاده بصيرة وتوفيقاً وفتحاً, فمعنى اهْدِنا أي: زدنا هداية إلى الهداية, ولكنك لا تصل إلى درجة محمد صلى الله عليه وسلم ولا الأنبياء, وهي درجة واحدة يصل إليها صلى الله عليه وسلم والناس خلفه وبعده.

    أسباب الهداية

    فمن أسبابها:

    1- صدق اللجوء إلى الله الواحد الأحد: أن تصدق في قربك وقبولك ومحبتك لله؛ فيهديك الله, قال تعالى: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) وقال: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا).

    2- قراءة القرآن الكريم بتدبر: فمن لم يهتدِ به فلا هداه الله, يتدبره ويعيه ويحفظ ما يستطيع منه, ويعمل به, وهذا من أهم أسباب الهداية العظيمة.

    3- مطالعة سنة المصطفى مطالعة مكثفة.

    4- التدبر في آيات الله الكونية والشرعية: بالتدبر في السماء والأرض, في الآيات الشرعية والكونية, وسوف يمر معنا شيء من هذا إن شاء الله في غضون آيات القرآن.

    معنى الصراط المستقيم

    معنى الصراط: هو الطريق.

    ومعنى المستقيم: هو الممتد الذي لا اعوجاج فيه, بعض الناس -كما سلف معنا- يأخذون قواعد هندسية من الصراط المستقيم, يقول: أقرب خط بين نقطتين الخط المستقيم, قلنا: والدليل؟! قالوا: قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ), هذا لا يشير القرآن إليه.

    (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) أي: الطريق الذي لا اعوجاج فيه, قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا [الكهف:1] أي: مستقيماً, وهو الصراط الذي أنعم الله به على النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.

    وأما معنى الصراط المستقيم فقد قيل: الصراط المستقيم الإسلام, وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم, وقيل: القرآن, والصحيح: أنها تشمل كل هذا، والهداية للصراط المستقيم أن يهديك الله للإسلام, وفيه القرآن, والرسول عليه الصلاة والسلام, والسنة, فهذه كلها هي الصراط المستقيم.

    اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم

    من علامة اهتدائك للصراط المستقيم, أن تخالف أصحاب الجحيم, لكن من هم أصحاب الجحيم؟ إنهم اليهود والنصارى وغيرهم, ولذلك لما ذكر الله الصراط المستقيم, ثم ذكر الذين أنعم عليهم، قال: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) فمن شابههم في زيه أو كلامه أو حركاته أو سكناته, فكأنه لم يهتد اهتداءً تاماً, ومن حاول أن يقلدهم في سنته, وسيرته وذاته, فكأنه لم يهتد اهتداءً كاملاً, ومن أعجب بهم وأحبهم ووالاهم فكأنه لم يهتد اهتداءً كاملاً, فعلامة المهتدي أن يخالف أصحاب الجحيم, هذا معنى الصراط المستقيم ومخالفة أصحاب الجحيم, وأحسن من كتب عنها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم " وذكر أنهم يخالفون في أمور منها:

    أعيادهم فلا نشابههم في الأعياد، ومنها: زيهم الذي امتازوا به عن الناس, مثل أن يلبسوا لباساً خاصاً بهم فحرام تقليدهم والتشبه بهم.

    وعند أحمد وأبي داود بسند صحيح عنه صلى الله عليه وسلم، قال: {من تشبه بقوم فهو منهم} ويدخل في ذلك التشبه بهم في كلامهم, ومن أحب لغتهم فإن فيه علامة النفاق, وفيها أثر لا يصح, ولكن قال ابن تيمية إن من ينطق لغتهم دائماً ويحبها ويقدمها على العربية فهو من علامة نفاقه وهذا واقع في المجتمع, تجد بعض الناس يحب أن يتكلم الإنجليزية ولو في داخل أبها , ليظهر على نفسه التطور, ويجافي اللغة العربية, وهذا من علامة النفاق, لأنه أحبهم وأحب لغتهم, ومن أحب شيئاً أولع به.

    أحب بني السودان من أجل حبها      ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا

    حتى بني كلب وهم أخوالها أحبهم لأنه يحبها! فمن أحب شيئاً أحب ما يتبع هذا الشيء, ولذلك من يحب الله فإنه يحب المسجد والقرآن والرسول عليه الصلاة والسلام.

    قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)[الفاتحة:6-7] الصراط: مفعول به, الصراط.

    صفة للصراط, صراط: بدل من هم المستقيم, صراط الذين أنعمت عليهم, من الذين أنعم الله عليهم؟ كل من اهتدى فقد أنعم الله عليه, وكل مسلم أنعم الله عليه, ولكنهم يختلفون لأن المسلمين على ثلاثة أقسام:

    الأول: ظالم لنفسه: وهو مرتكب للكبائر.

    الثاني: مقتصد: وهو الذي يكتفي بالفرائض ولا يزيد عليها, وينتهي عن الكبائر, ولكنه قد يأتي ببعض المكروهات.

    الثالث: سابق بالخيرات: وهو الذي يأتي بالفرائض والنوافل, ويترك الذنوب والحرام والمكروه.

    فالثلاثة هؤلاء أنعم الله عليهم كلهم, لكن ليس المقتصد كالسابق, ولا الظالم كالمقتصد, بل هم درجات عند الله، فإذا علم هذا فدرجات المسلمين ثلاث درجات:

    - فهل الظالم لنفسه من الذين أنعم الله عليهم؟ نعم, من الذين أنعم الله عليهم بالإسلام جملة, ولم يخرجهم من نعمة الإسلام.

    لكن الخوارج قالوا: من ارتكب كبيرة فقد خرج من الدائرة, إذا زنى فقد خرج عندهم, إذا سرق, أو شرب الخمر, أو تناول بعض الكبائر, فإنه خرج..! والصحيح أنه: لا يزال في دائرة الإسلام, وهو من الذين أنعم الله عليهم, لكن نعمته قليلة جداً, وضوءه ينطفئ, ونوره يذهب, لولا أن يتداركه الله برحمته, ولو أنه إذا زنى يرتفع عنه الإيمان؛ حتى يصبح كالظلة على رأسه, وإذا سرق يرتفع عنه الإيمان, {لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن, ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن, ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن} يرتفع الإيمان عنه في وقت شرب الخمر, أو الزنا, أو السرقة, حتى يصبح كالظلة على رأسه, فإذا رجع من المعصية رجع عليه الإيمان.

    - أما المقتصد: فهم أكثر الناس، يتوب ويستغفر ولكنه لا يسلم من الخطايا والصغائر.

    - أما السابق بالخيرات:

    لاتعرضن بذكرنا في ذكرهم      ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد

    ذهب الذين يعاش في أكنافهم     وبقيت في خلف كجلد الأجرب

    فالسابق بالخيرات كـأبي بكر وعمر وعثمان وعلي أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:90].

    مواقف من الذين أنعم الله عليهم

    المنعم عليهم هم الذين أنعم الله عليهم بالهداية لا بالمال, والنعمة في القرآن قسمان: نَعْمة ونِعمة.

    فالنّعمَة: يشترك فيها المؤمن والكافر, فمثلاً: القصر نعمة يسكنه الخواجة والمسلم, والسيارة يركبها الخواجة والمسلم, الثوب يلبسه هذا وهذا..! التفاح يأكله هذا وهذا.., فهي دنيا يعطيها الله من يشاء, أما الإيمان فلا يعطيه الله إلا من يحب.

    دخل عمر رضي الله عنه وأرضاه حظيرة فيها إبل الصدقة, وإذا بإبل الصدقة كأنها الجوخ الأحمر من النعمة والسمن وضخامة الأجسام, فقال مولاه أسلم: صدق الله: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58] قال عمر: [[كذبت قاتلك الله! ليست هذه الرحمة, فضل الله أن تعمل بنور من الله, ترجو ثواب الله, وأن تكف عن المعصية على نور من الله تخاف عقاب الله]] أو كما قال, هذه هي النعمة.

    ليست السعادة في جمع الأموال, وسكن الدور, ورفع القصور, وأخذ المرطبات والمشهيات والأكلات والسيارات, لا والله!!

    خذوا كل دنياكم واتركوا      فؤادي حراً طليقا غريبا

    فإني أعظمكم ثروة      وإن خلتموني وحيداً سليبا

    قال معاوية بن أبي سفيان لأحد العباد: [[تدري ما هي السعادة؟ قال: لا, قال: رجل لا يعرفنا ولا نعرفه, أحسن عبادة ربه, له زوجة تطيعه, وله دابة تحمله, وله بيت يسكن فيه]].

    وقال معاوية: [[أكلت كل لذيذ, وشربت كل مشروب -يعني من الحلال- ولبست كل لباس فما وجدت كالتقوى]].

    وقيل لـهارون الرشيد وقيل غيره: كيف وجدت الحياة؟ قال: وجدتها كبيت له بابان, دخلت من هذا وخرجت من هذا, وقيل للإمام أحمد: كيف وجدت الشباب؟ قال: والله ما وصفت الشباب إلا بشيء كان في كمي ثم سقط مني.

    وذكروا عن عابد من بني إسرائيل أنه عبد الله أربعين سنة, لا يفتر من صلاة ولا ذكر ولا دعاء, ثم أتاه زيغ من الشيطان فانحرف, فبقي في المعصية أربعين سنة, ثم نظر إلى صورته في المرآة فإذا هو قد أصبح شيبة كبيراً في السن؛ فصاح وقال: يا رب عبدتك أربعين, وعصيتك أربعين, هل إذا عدت إليك تقبلني؟ فناداه الله: أطعتنا فقربناك, وعصيتنا فأمهلناك, فإذا عدت إلينا أحببناك, فقال: أشهدك يا رب إني عدت إليك.

    إن الملوك إذا شابت عبيدهم      في رقهم عتقوهم عتق أبرار

    وأنت يا خالقي أوْلى بذا كرما     قد شبت في الرق فاعتقني من النارِ

    تولى هشام بن عبد الملك الخلافة فأتي له بكل مطعوم ومشروب وملذوذ, كانت الجواري على رأسه, وكان له الخدم والحاشية والوزراء, فقال: والله من يوم أن توليتُ الخلافة ما مرّ بي يوم وسلمت من الهم والغم فيه, وقرر ذات يوم أن يختفي في حديقة قصره لينظر هل يأتيه خبر يزعجه من الصباح إلى المساء, وبينما هو في البستان إذا بسهم قد أتى وعليه ريش وفيه دم, فرفع السهم والريش وإذا رجل قد قتل وضرب السهم داخل الحديقة, قال: ولا يوم واحد!! -أي: لا أسلم ولو يوماً واحداً- ومن أراد أن يبحث عن هذه الأخبار فليبحث عنها في كتاب التذكرة لـعبد الحق الإشبيلي ليرى العجب العجاب.

    قال إبراهيم بن أدهم: والله لو يعلم الملوك ما نحن فيه من السعادة لجالدونا عليه بالسيوف, أتت سكرات الموت عبد الملك بن مروان , فبكى وأبكى الناس, ونزل فسمع غسالاً يغسل -والغسال في واد حول قصر عبد الملك لا يعلم أن عبد الملك بن مروان مات, ومن أخبره؟ لم يقرأ الصحف ولا سمع الأخبار- والغسال هذا ينشد من راحته واطمئنانه, يعبد الله، له ما يكفيه وليس له هم ولا غم ولا ديون ولا رعية ولا مسئولية, فأخذ يستمر في النشيد, فسمع عبد الملك بن مروان ذلك فقال: يا ليتني كنت غسالاً, قال سعيد بن المسيب لما سمع هذه الكلمة: الحمد لله الذي جعلهم يفرون إلينا في سكرات الموت ولا نفر إليهم.

    وقال المعتصم لما حضرته الوفاة: -ذكرها عبد الحق الإشبيلي - أنزلوني من على السرير, هل أموت اليوم؟ قالوا: نعم تموت, ثبت شرعاً أنه يموت, شهد عليه أربعة بالموت, فظن أنه سوف يأتيه خبر قبل أن يموت, قال: أنا شاب أأموت اليوم؟! قالوا: نعم تموت, قال: والله لو كنت لو أعلم أني أموت هذا اليوم ما فعلت ما فعلته من أمور, قال تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام:94].

    دخل سالم بن عبد الله الحرم، فلقيه هشام بن عبد الملك فقال: يا سالم أتريد مالاً؟ أتريد حاجة؟ قال: أما تستحي من الله؟ قال: ولم؟ قال: تقول هذا الكلام وأنا في بيت الله؟ فلما خرج من الحرم عرض له هشام قال: أتريد حاجة؟ قال: من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ قال: بل من حوائج الدنيا, قال: أما الدنيا فوالله ما سألتها من الذي يملكها فكيف أسألها منك! ومما يقول محمد إقبال:

    ومما زادني شرفاً وفخراً      كدت بأخمصي أطأ الثريا

    دخولي تحت قولك يا عبادي      وأن صيرت أحمد لي نبيا

    هذا هو الشرف, أن تكون عبداً لله, لأن الذي لا يكون عبداً لله، يكون عبداً لوظيفته ومنصبه، وحذائه وسياراته، ودرهمه وديناره.

    ذكر ابن كثير أهمية جانب الاعتزاز بالله عز وجل والركون إليه والرضا به والتشرف بخدمته، يقول: طاوس بن كيسان العالم النحرير, والمحدث الكبير, اليمني, كان مولىً من الموالي لكن رفعه الله بالتقوى والعلم والعمل الصالح، يقول: أتيت الحرم لأعتمر فطفت وصليت ركعتين, ثم جلست عند المقام أنظر إلى المعتمرين والطائفين والركع السجود, قال: وبينما أنا جالس في المقام، وإذا بجلبة السلاح والحراب والسيوف والرماح, فالتفت فإذا هو الحجاج بن يوسف!! فقال: فجلس ينتظر معه خدمه وحواشيه، قال: وإذا بأعرابي أتى من اليمن يطوف وعليه إحرام -وهذا الأعرابي لا يملك من الدنيا شيئاً, لكنه يملك قلباً فيه توحيد وعمل صالح وذكر وعبادة- فهذا الأعرابي بعد أن طاف أراد أن يدخل الصفوف، فتعلقت حربة من حراب الحجاج في قميصه فوقعت على الحجاج , فمسكه الحجاج , قال الحجاج: من أين أنت؟ -وطاوس يروي القصة- قال: من أهل اليمن -وعرف الأعرابي الحجاج , وظن الحجاج أنه لم يعرفه- قال: كيف تركت أخي محمداً؟ -أخوه محمد بن يوسف هو ظالم غاشم مثل الحجاج , لكن أقل منه بدرجة, قال تعالى: ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا [النور:40] - قال: كيف تركت أخي محمداً وأهل اليمن؟ قال: تركته سميناً بطيناً, -يظن أنه سوف يقول: إنه يقوم الليل ويصوم النهار, قال: لست أسألك عن صحته لكن أسالك عن عدله؟ قال: تركته غشوماً ظلوماً, قال: أما تدري أني أنا الحجاج؟! قال: أتظن أنه يعتز بك أكثر من اعتزازي بالله؟! قال طاوس: والله ما بقيت شعرة في رأسي إلا قامت من هذه الكلمة, قال: فأطلقه الحجاج ولم يقل له شيئاً, فبقيت أنظر إليه بين المعتمرين وهو يطوف ويدعو: أي: إن كان أنت أخوه تحميه وتمنعه وتدافع عنه فـإِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ [الحج:38].

    أصناف الذين أنعم الله عليهم

    يقول الله سبحانه: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:6] لكن من هم الذين أنعم الله عليهم؟ ذكر الله في القرآن الذين أنعم الله عليهم سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، حيث قال: مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً [النساء:69].

    توفي عثمان بن مظعون فقبله عليه الصلاة والسلام ودمعت عيناه على خد عثمان، وبعد فترة توفيت زينب ابنة الرسول صلى الله عليه وسلم, فقال لها وهو يودعها ويعانقها: {الحقي بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً [النساء:69]}.

    الذين أنعم الله عليهم في الحياة أربعة أصناف:

    الأول: النبيون وفيهم الرسل.

    الثاني: الصديقون, درجة أبي بكر الصديق , وهي أعظم الولاية وأعظم من الشهيد, يموت على فراشه، لكنه صدّيق ظاهره وباطنه سيان, أمين صادق محتسب يحفظ أنفاسه مع الله, أصبح عبداً لله، حركاته وسكناته وسمعه وبصره لله, ذاك أبو بكر الصديق.

    الثالث: الشهداء كـعمر بن الخطاب وكـأبي وحمزة وكـعلي وعثمان.

    الرابع: الصالحين, كل صالح إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهم أولياء الله، يعرفهم الله: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63].

    ففي قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) فيها النعمة هنا: الإيمان والعمل الصالح, وهو أحسن ما عرفت به, وقيل: هي أن تعمل الطاعة على نور من الله ترجو رحمة الله, وأن تترك المعصية على نور من الله تخاف عذابه, وقيل النعمة: هي جعل المقصود الواحد المعبود، وعدم التأسف على المفقود إذا بقي الموجود، وهو فيه تكلف, والأحسن أن يقال النعمة: هي التقوى والإيمان والعمل.

    1.   

    شرح قوله تعالى: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ)

    غير هنا: استثناء, يعني نستثني الذين غضب الله عليهم, والذين أضلهم, (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) وفيها مسائل:

    الأولى: من هم المغضوب عليهم؟

    الثانية: لماذا غضب الله عليهم؟

    الثالثة: ما هي آثار غضبه سُبحَانَهُ وَتَعَالى عليهم؟

    الرابعة: من هم الضالون؟

    الخامسة: ولماذا ضلوا؟

    السادسة: ما هي آثار الضلال؟

    السابعة: لماذا ذكر سُبحَانَهُ وَتَعَالى الجنسين ولم يذكر غيرهما؟

    الثامنة: مشابهة بعض هذه الأمة لليهود والنصارى.

    من هم المغضوب عليهم

    هم اليهود عليهم لعنة الله, وسموا مغضوباً عليهم؛ لأن من علمته شيئاً ثم خالفك غضبت عليه, ومن لم يتعلم منك شيئاً وعمل بجهلٍ فقد ضل, ومن خالف الشيء بعد أن يعرفه مغضوب عليه, ومن يعمل المعصية بدون أن يعرف الشيء فهو ضال, قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عن اليهود: وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ [آل عمران:112] غضب الله على اليهود ولعنهم, وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة:13] وقال سبحانه: ثُمَ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة:74] وقال: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:105] وقال: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16] وقال سبحانه تعالى عن علمائهم: كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً [الجمعة:5] وقال سبحانه عن عالمهم: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ [الأعراف:175] وقال سبحانه: وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف:176] وقال سبحانه: وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ [المائدة:18] وقال سبحانه: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64] وقال تعالى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [آل عمران:181].

    فالمغضوب عليهم هم اليهود, وسبب الغضب؛ لأنهم تعلموا ولم يعملوا, والتلميذ إذا أعطيته الواجب فلم يصنعه غضبت عليه, وتأتي إلى رجل آخر لم يحضر الدرس ولكنه خالفك، تقول: أنت ضال, فاليهود علموا فلم يعملوا, والنصارى عملوا بلا علم, وسوف يقع كما قال ابن تيمية من طوائف هذه الأمة من طلبة العلم من يعمل بلا علم وهو ضال, كعباد غلاة الصوفية يتعبدون بلا علم فهم ضُلال وفسقة، ومن يتعلم ثم لا يصلي ولا يصوم ولا يقرأ فهو مغضوب عليه, قال سفيان بن عيينة: :"من فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى, ومن فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود".

    المغضوب عليهم هم اليهود, قال عليه الصلاة والسلام في الصحيحين: {لتتبعن سَنن -أو سُنن- من كان قبلكم حذو القذة بالقذة, حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه, قالوا: اليهود والنصارى يا رسول الله؟ قال: فمن؟} وفي لفظ: {فمن الناس إلا هم}.

    لماذا غضب الله عليهم؟

    لأنهم بدلوا الكلام وحرفوه عن مواضعه, ولم يعملوا به, فعطلوا الشرائع والحدود وغيروا, ولذلك وقع التغيير في الأمة في طائفتين:

    1- طائفة غيرت الأحكام, وهم كثير ممن ولاهم الله الأمر, فغيروا أحكام الله عز وجل ولم ينفذوها.

    2- وطائفة غيرت في الألفاظ, وأولت المعاني وهم المبتدعة من أشاعرة ومعتزلة وجهمية ويدخل فيهم المعطلة.

    فهؤلاء من الذين غيروا, وأولئك غيروا, فغضب الله عليهم بهذا.

    ما هي آثار غضبه سبحانه وتعالى؟

    1- قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ) قالوا: من ترك شيئاً من الواجب المأمور متعمداً فقد استحق اللعنة, نعوذ بالله من ذلك.

    2- قال سبحانه: (وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً) قست القلوب بسبب ترك المأمور وارتكاب المحذور.

    3- قال سبحانه: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ) وهذا يقع في طوائف الأمة, فتجد بعض العلماء يحرف الفتيا ليرضي بعض الناس أو ليأخذ شيئاً من المال أو الوجاهة أو الصدارة, أو ليوافق طائفة من الطوائف فجزاؤهم اللعنة.

    4- قال سبحانه: (وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) قالوا: من لم يعمل بالواجب من علمه أنساه الله علمه, فلا يحفظ ولا يفهم, وأكثر ما ينسي العبد المعاصي, قال الشافعي:

    شكوت إلى وكيع سوء حفظي      فأرشدني إلى ترك المعاصي

    وقال اعلم بأن العلم نور      ونور الله لا يؤتى لعاصي

    من هم الضالون؟

    الضالون هم النصارى, قال تعالى: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا [الحديد:27] عبدوا الله بالجهل فضلوا وأضلوا, والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {إن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً ينزعه من العلماء ولكن بقبض العلماء, فإذا لم يبقِ عالماً؛ اتخذ الناس رءوساً جهالاً, فُسِئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا} وهؤلاء كالنصارى.

    ولِمَ ضلوا؟ لأنهم لم يتعلموا، بل عبدوا الله بلا علم, وبعض الناس الآن يهون من شأن العلم والحديث والفقه والتفسير؛ فيقع في الضلال فهذا فيه شبه من النصارى.

    آثار الضلال

    قالوا: من آثار الضلال: البدع الكبرى, فبدع النصارى بدع عملية وبدع اليهود اعتقادية, قال ابن تيمية - في كلام ما-: بدع اليهود بدع اعتقادية وبدع النصارى بدع عملية ولو أنهم يشتركون, لكن هؤلاء أكثر ما يقعون في العمل, كـغلاة الصوفية , وأما غلاة الجهمية والمعطلة ففيهم شبه باليهود, وغلاة الصوفية فيهم شبه بالنصارى, والرافضة أخذوا من هؤلاء وهؤلاء, ثم مزجوها فصارت ظلمات بعضها فوق بعض.

    لماذا ذكر الله الجنسين ولم يذكر غيرهما؟

    لأنهما أغلب جنسين في العالم، وغيرهما يندرج فيهما, وهما أهل كتابين, ولأن الله أرسل إليهما رسولين, ولأن الله أنزل عليهما كتابين، فذكرهما ولم يذكر غيرهما.

    مشابهة بعض هذه الأمة لليهود

    هذا مجال كبير وطويل، وأحسن من كتب فيه ابن تيمية في كتابه: " اقتضاء الصراط المستقيم " وإنما أشير إلى أسس فيه, وإلى دلالات من المشابهة وإلا فالمجال لا يحتمل ذلك.

    1.   

    أوجه قراءة آمين ومعناها

    قرئت: أمين, وهي قراءة ضعيفة, وقرئت: آمين.

    معنى آمين وفضلها

    آمين معناها: اللهم استجب.

    فضلها: صح عنه صلى الله عليه وسلم عليه وسلم أنه قال: {إذا قال المسلم: آمين, وقالت الملائكة: آمين, فوافقت هذه هذه غفر له ما تقدم من ذنبه}, أي: وإذا قال الإمام: ولا الضآلين, قالت الملائكة: آمين فإذا وافقت أنت تأمين الملائكة غفر الله لك ما تقدم من ذنبك.

    قال بلال -في بعض الآثار ولكن في سنده نظر-: يا رسول الله لا تسبقني بآمين, وقيل: إن أحد المؤذنين قالها لـعمر , قال: يا عمر يا أمير المؤمنين لا تسبقني بآمين, أي: أنا أرتب الصفوف فلا تبدأ الفاتحة ليقول الناس: آمين وأنا لم أدرك, ففضلها عظيم، خاصة إذا وافقت تأمين الملائكة.

    حكم قول الإمام والمأموم: (آمين)

    من السنة أن الإمام إذا قال: ولا الضالين, أن يقول: آمين, وبعض أهل العلم قالوا: يبدأ الإمام فيقول: آمين ثم يأتي الناس بعده فيقولون آمين, وهذا فيه ضعف -أي: أن يقول الإمام: ولا الضآلين, آمين فإذا سكت الإمام قال الناس: آمين, ويصبح هذا التركيب على آمين, فكأنه يقول: آمين اللهم استجب, وهم يقولون: اللهم استجب, وليس بصحيح- بل إذا قال: ولا الضالين, يقول مع الناس: آمين, وقد قال صلى الله عليه وسلم: آمين. فلا بد أن يقولها المأموم والإمام سيان.

    1.   

    الأسئلة

    وقبل أن ننتهي هنا سؤال طريف:

    قصيدة الأنباري في رثاء ابن بقية

    السؤال
    علوٌ في الحياة وفي الممات      بحق أنت إحدى المعجزا
    من قائل هذه القصيدة ما هي القصة التي ذكرت فيها؟

    الجواب: ذكر ابن خلكان وغيره من المؤرخين أن هذه من أجل القصائد في باب المراثي, وسببها أن ابن بقية أحد الوزراء العباسيين كان كريماً جواداً, بنى كثيراً من المساجد, وأعطى طلبة العلم وكان يضيف المساكين, فغضب عليه أحد السلاطين واسمه: عضد الدولة , فأتى بهذا الوزير فأنزله من قصره, ثم أعطاه الفيلة فرصعته فهوت عليه حتى مات, ثم نصبه على خشبة عند مدخل باب الطاق في بغداد عند نهر دجلة , فسمع العلماء بالخبر فساءهم كثيراً وحزنوا وبكوا ومروا يسلمون ويرون جثمانه, فوجدوه منصوباً في الصباح..!! وجعل قبره على الخشبة, فقال أبو الحسن الأنباري -أحد الأدباء والعلماء الكبار- للوزير:

    علو في الحياة وفي الممات     بحق أنت إحدى المعجزات

    يقول: كنت عالياً في الحياة, واليوم كذلك أنت عالياً في الموت, لم يدفنوك من علوك؟ يعتذر له وهذا من أحسن ما يقال:

    علو في الحياة وفي الممات      بحق أنت إحدى المعجزات

    كأن الناس حولك حين قاموا     وفود نداك أيام الصلات

    يقول: كأن الناس لما اقتربوا منك يسلمون عليك, كأنهم يريدون منك صلة مثلما كنت في الحياة.

    كأنك واقف فيهم خطيباً      وهم وقفوا قياماً للصلاة

    مددت يديك نحوهم احتفاءً     كمدها إليهم بالهبات

    ولما ضاق بطن الأرض عن أن     يواروا فيه تلك المكرمات

    يقول: بطن الأرض لا تتحمل مكرماتك.

    أصاروا الجو قبرك واستعاضوا     عن الأكفان ثوب السافيات

    عليك نفائح الرحمن تترى     برحمات غوادٍ رائحات

    وهي من أجل ما قيل وهي من أعظم المراثي وهي طويلة.

    نكتفي بهذا وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم وتسليماً كثيراً.