إسلام ويب

مطارق السنن الإلهيةللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لله تعالى في خلقه شئون، وفي الكون سنن إلهية لا تتبدل، ولا تتغير، وهي عامة شاملة لكل البشر إذا تحققت أسبابها تتحقق نتائجها، ومن ذلك التقدم والتطور والقوة والقهر، والمسلم ربما غاب عن ذهنه بعض ذلك، فأثر على إيمانه. وهذا من جهة، ومن جهة أخرى غاب عنها التفاعل والتسخير لهذه السنن، وهذا الدرس محاولة لوضع المسلم في طريق التفكير السنني ومعالجة السطحية والغفلة عند التعامل مع الوقائع والأحداث.

    1.   

    الدنيا دار ابتلاء

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

    هذا الدرس التاسع والأربعون من سلسلة الدروس العلمية العامة، ينعقد في هذه الليلة، ليلة الإثنين الثالث من شهر جمادى الثانية لعام ألف وأربعمائة وثلاث عشرة للهجرة، وعنوانه -كما أعلنت في المجلس السابق- (مطارق السنن الإلهية).

    ومن الواضح جداً أن هذا العنوان يتحدث عن سنن التدمير لمن عصوا الله سبحانه وتعالى وخالفوا أمره، خلق الله تعالى الحياة للابتلاء فقال تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:2] فالإنسان -جنس الإنسان- مبتلى، قال تعالى: إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الإنسان:2] المؤمن مبتلى بإيمانه، قال الله عز وجل أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:2] والكافر أيضاً: هو الآخر مبتلى، قال الله تعالى: كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [الأعراف:163] وهذه الحياة قُلبٌ لا تدوم على حال، ولا تبقى لأحد، كما قال فيها القائل:

    حكم المنية في البرية جاري          ما هذه الدنيا بدار قرار

    بينا يرى الإنسان فيها مخبرا      حتى يرى خبراً من الأخبار

    طبعت على كدر وأنت تريدها      صفواً من الأقذاء والأكدار

    ومكلف الأيام ضد طباعها      متطلب في الماء جذوة نار

    فإذا أردت المستحيل فإنما       تبني الرجاء على شفير هار

    فالعيش نوم والمنية يقظة      والمرء بينهما خيال سار

    والنفس إن رضيت بذلك أو أبت منقادة بأزمة المقدار

    فاقضوا مآربكم عجالى إنما      عماركم سفر من الأسفار

    وتراكضوا خيل الشباب وبادروا     أن تسترد فإنهن عواري

    إن الحياة كاسمها حركة لا تتوقف، وتغير لا ينتهي، وأحوال شتى يخلف بعضها بعضاً، ويخطئ كثير من الناس حين يعتقدون أن التاريخ يتوقف عند شخص معين، أو بلد، أو حاكم، أو دوله، أو أمة أبداً، ما زالت الدنيا تزول وتتغير، ولو بقيت لبقيت لرسل الله وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام، ولو بقيت لبقيت للذين حكموا بشريعة الله تعالى، وقاتلوا دون كلمة التوحيد، وقدموا أرواحهم رخيصة في سبيل الله تعالى:

    تروح لنا الدنيا بغير الذي غدت     وتحدث من بعد الأمور أمورُ

    وتجري الليالي باجتماع وفرقة     وتطلع فيها أنجم وتغورُ

    وتطمع أن يبقى السرور لأهله     وهذا محال أن يدوم سرورُ

    ويقول آخر:

    يا راقد الليل مسروراً بأوله       إن الحوادث قد يطرقن أسحارا

    هذه الحركة في الحياة، ليست عبثاً ولا ارتجالاً، بل هي مربوطة بسنة وناموس تحكمها بإذن ربها، وهذه السنن والنواميس كثيرة جداً ومتنوعة، وما سوف يتناوله هذا الدرس -بإذن الله تعالى- هو جزء من هذه النواميس فحسب، يتعلق بسنن التدمير، تدمير الله تعالى للكافرين والفاسقين والظالمين، ويتعلق بالعقوبات الإلهية التي تحكم حركة الأمم حينما تضل عن الصراط المستقيم وتخالف أمر الله عز وجل، يتعلق بالسنة التي تحكم حركة الأمم في صعودها وهبوطها وشدتها ورخائها ونصرها وهزيمتها.

    1.   

    لماذا الحديث عن السنن الإلهية

    وهاهنا سؤال يطرح نفسه: لماذا نتحدث عن هذا الموضوع؟

    تعظيماً لله تعالى

    أولاً: نتحدث عن هذا الموضوع من باب تعظيم الله عز وجل، ومزيد الإيمان به، وذلك بالاطلاع على شيء من بديع حكمته وعظيم صنعته؛ إذ يعرف الإنسان الذي اطلع على سنن الله تعالى في الكون والحياة، أنه لا مكان في الحياة للصدفة العمياء -كما يقال- لا مكان في الحياة للفوضى والارتجال، قال تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49] وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: {كتب الله تعالى مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء} فكتب الله تعالى كل ما هو كائن في هذه الدنيا، سواء على مستوى الفرد، أم الجماعة، أم الأمة، أم الدولة، أم على مستوى البشرية كلها، وهكذا جاء عند أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة بنحوه بسند صحيح.

    إن الطبيب حين يطلع على شيء من خلق الله الخفي في الإنسان؛ يندهش ويصيح (لا إله إلا الله)، والعالم حين يرصد في منظاره نظام الأفلاك البديع الدقيق العظيم، ويرى عظيم ما أودع الله تبارك وتعالى فيها من جميل الصنعة وجليلها؛ يرتعش مسبحاً للخالق المبدع الكبير سبحانه وتعالى، بل الفلاَّح الذي يضع الحبة في التربة، ثم يسقيها بالماء فيراها تنشق عن شجيرة، ثم تصبح شجرة مثمرة مونعة مورقة، يشاهد فيها نفس الحياة ونماءها وجمالها فيسجد لله تعالى شكراً، فتجد أن الذين يرون صنعة الله تعالى، هم أقرب الناس إلى الله تعالى، وأولى الناس بالإيمان، ولعل مقارنة سريعة -مثلاً- بين الفلاح وبين الصانع تبرز ذلك، فالفلاح يتعامل مع صنعة الله تعالى، ومع خلق الله، ومع الأرض، ومع النبتة، مع الزهرة، ومع المطر؛ فيرى صنع الله تعالى فيكون أقرب إلى الإيمان، ولهذا جاءت نصوص كثيرة في الحث على الزراعة والفلاحة وبيان فضيلتها، لكن الصانع في أحيان كثيرة يتعامل مع ما عملته أيدي الناس، ويتعامل مع الآلة، لهذا يقسو قلبه، وتجمد نفسه، وتجف عينه؛ إلا من رحم الله تعالى لأن بينه وبين التعامل مع خلق الله تعالى، حاجزاً من صناعة الإنسان نفسه.

    إذاً معرفة هذه السنن الكونية التي تحكم حياة الإنسان، وحياة الناس، وحياة الأمم والجماعات والأفراد؛ تدلك على شيء من عظيم صنع الله تعالى وبديع حكمته، فإذا اطلع المؤرخ -مثلاً- أو عالم الاجتماع، أو حتى الإنسان العادي، على آثار صنعة الله تعالى في حياة الأمم، وكيف حقت عليها كلمة الله، وكيف مضت عليها سنته، على غير ما يترقب الناس وعلى غير ما يتوقعون، فإنه يمتلئ إجلالاً وتوقيراً للواحد الأحد الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت، فيهتف قائلا كما قال الله عز وجل وأمر: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران:27] سبحانه! يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:29] من شأنه أن يعز أفراداً ويذل آخرين، ويرفع أقواماً ويضع آخرين، يغني هذا ويفقر ذاك، ويحيي هذا ويميت ذلك:

    لك في البرية حكمة ومشيئة          أعيت مذاهبها أولي الألباب

    إن شئت أجريت الصحاري أنهراً          أو شئت فالأمواج فيض سراب

    ماذا دهى الإسلام في أبنائه          حتى انطووا في محنة وعذاب

    فغناهُمُ فقر ودولة مجدهم               في الأرض نهب ثعالب وذئاب<

    الاطمئنان إلى وعد الله بالنصر

    أما ثانياً: فإن النظر إلى هذه السنن يهب المؤمن الاطمئنان إلى وعد الله تعالى بنصر المؤمنين والمسلمين والصادقين، وبالتدمير على الكافرين والفاسقين والمعاندين، فلا ييأس المؤمن؛ لأن عنده رسوخاً في إيمانه بأن المستقبل لهذا الدين.

    إذاً معرفة هذه السنن تجعل المؤمن يرى حركة هذه السنن في الأمم الكافرة الممكنة وهي تتهاوى دولة بعد أخرى، ويوماً بعد آخر، وتحق عليها السنن في فساد اقتصادها، وفي فساد صناعتها، وفي فساد صحتها، في فساد اجتماعها، وفي المشاكل التي تواجهها، وفي التناقضات التي تعيشها، فيؤمن بأن الله تعالى الذي يحرك حياة الناس، ينتقل بهذه الأمم الكافرة من حضيض إلى آخر، وربما انتقل بالأمم الممكنة إلى درجات بعدها دركات، فيطمئن المؤمن إلى مصير هؤلاء الكافرين، وكذلك يرى المؤمن صنيع الله تعالى لعباده المؤمنين، وهو يجمعهم بعد تفرق، ويقويهم بعد ضعف، ويوحدهم بعد شتات، ويعلمهم بعد جهل، ويقيمهم بعد انحراف واعوجاج؛ فيطمئن، أما بالنسبة للكافرين فكما قيل:

    إذا تم شيء بدا نقصه     ترقب زوالاً إذا قيل تم

    وأما بالنسبة للمؤمنين:

    وإذا رأيت من الهلال بدوه      أيقنت أن سيصير بدراً كاملا<

    مجاراة المؤمن لهذه السنن والانتفاع بها

    وثالثاً: معرفة هذه السنن الإلهية، تجعل المؤمن يجاري هذه السنن، وينتفع بها ويستفيد منها، فإن موافقة السنن الإلهية سبب للنجاح والفلاح، وإهمال هذه السنن أو الجهل بها سبب للدمار والبوار.

    وقد قص الله علينا في كتابه أخبار أمم كثيرة، ممن استفادوا من هذه السنن، آمنوا بها وعرفوها وراقبوها ورصدوها، واغتنموا الانتفاع بها، فوهبهم الله تعالى النصر، والتمكين، والقوة، والسعادة في الدنيا وفي الآخرة، كما قص علينا قصص أمم أخرى جهلت هذه السنن، أو عرفتها ولكنها لم تعمل بموجبها، فحقت عليها كلمة العذاب، فلم ينقذهم بعد ذلك ما كانوا فيه من قوة ونصر حينما بدأت عوامل الانحراف وعوامل الضعف تعمل فيهم عملها.

    القدرة على تفسير الأحداث

    رابعاً: إن معرفة الإنسان بالسنن الكونية تمنحه بإذن الله تعالى قدرة على تفسير الأحداث -خاصة الكبرى- تفسيراً شرعياً سليماً.

    كثير من الناس ينطلقون من منطلقات صغيرة، ومنطلقات آنية ووقتية، ولا يملكون القدرة على ربط النتائج بالأسباب، وقد يبهرهم الواقع الماثل المشهود، فيغفلون بمشاهدته والنظر إليه عن رؤية الماضي العريق أو عن رؤية المستقبل المنشود.

    أحد الدكاترة يقول: كنت مع صديق لي في قاعدة في بلاد الغرب، وهي التي أطلقوا منها ما يسمى بالمكوك الفضائي (تشالنجر) فيقول: كان زميلي إلى جواري ونحن نترقب إطلاق هذا القمر، فكان يتحدث بإفاضة واسترسال عن التقدم الغربي والتكنولوجيا الغربية، وما وصلوا إليه من تقنية، وهذا التقدم المذهل الذي حصل، ويتكلم عن ذلك حديث المعجب المبهور، يقول: فما هي إلا ثوانٍ حتى أطلقوا هذا الصاروخ، فانفجر بعد ثوانٍ من إطلاقه، فانقلب زميلي في لحظة واحدة، واعتبر أن هذا الذي حصل من انفجار الصاروخ في ثوانٍ، قال: هذه ضربة إلهية قاصمة، موجهة لغطرسة أمريكا التي ما فتئت تعتدي على الشعوب الضعيفة المضطهدة والتي والتي والتي، فانقلب رأساً على عقب خلال ثوانٍ بدلاً من أنه كان يطري الحضارة الغربية، وتقدمها المذهل، انقلب ليتكلم عن هذه الضربة الإلهية الموجهة إلى غطرسة أمريكا وكبريائها، وهذا يدل بكل تأكيد أنه لم يكن يملك معرفة صحيحة بالسنن الكونية، لا أولاً ولا ثانياً، أما أولاً فإن هذه الغطرسة، وهذه القوة، وهذه التقنية التي يملكها الغرب تمت لهم وفق سنة إلهية مدروسة معروفة، ويمكن أن تواجهها وتقضي عليها سنة إلهية أخرى أيضاً، كما أن هذا الانفجار نفسه، لا يعني أن الإنسان يتجاهل كل ما سبق وكل ما مضى، لأنه ما مر زمان طويل إلا واستطاعوا أن يتلافوا بعض الأخطاء، وبعض الأمور التي جعلتهم يحاولون هذا الأمر مرة أخرى، وثانية، وثالثة، ورابعة.

    إذاً: هم يحاولون أن يستفيدوا من السنن، ولا ييأسون ويعملون بالأسباب، أما المسلم فإنه في كثير من الأحيان يجهل هذه السنن، فضلاً عن أن يعرفها أو أن يفيد منها.

    إذاً من يملك المعرفة بالسنن الإلهية؛ فإنه يعرف التاريخ، ويعرف الواقع، ويعرف -بإذن الله تعالى- بشائر المستقبل، وفي كثير من الأمثال يقولون: التاريخ يعيد نفسه.

    صحيح أن السنن الإلهية التي حكمت في القرون الغابرة، هي التي حكمت الناس اليوم، وهي التي تحكمهم غداً -بإذن الله تعالى-

    إن للحياة البشرية سنناً كحياة الإنسان فكما أن لحياة الإنسان سنناً، وكما أن للوجود وللكون أيضاً سنناً، فكذلك الحياة البشرية. وأضرب لك مثلاً: الإنسان يمر بحالة الطفولة، أول ما يولد من ضعف كما قال الله تعالى: والله خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ [الروم:54] ثم ينتقل إلى مرحلة الشباب، وفيها الفتوة والقوة، ثم يصل إلى درجة الكمال البشري المقدر له، وهو بكل حال ضعف، ليس كمالا مطلقا، لكنه أقوى، وآخر ما يصل إليه الإنسان حينما يبلغ الأشد، كما قال تعالى: حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً [الأحقاف:15] بعد ما يبلغ الإنسان القمة، يبدأ في النقص، فالهرم ثم الموت، إذاً هي حركة بإذن الله تعالى تبدأ من الضعف وتنتهي إلى الضعف، ثم الموت، هذا بالنسبة للإنسان.

    اننتقل إلى الكون، انظر إلى الشمس -مثلاً- تجد أن الشمس تطلع كل يوم في كل صباح، وأول ما تطلع الشمس تكون أشعتها باهته باردة، بل تطلع وبعضها صفراء ليس فيها ذاك التوقد، ولا تلك الحرارة، ولا ذلك الإشراق القوي، فهي بداية كأية بداية، وما تزال الشمس ترتقي في كبد السماء وتشتد أشعتها وتتوهج أكثر وأكثر، حتى إذا توسطت كبد السماء في وقت الزوال كانت في قمة حرارتها، وقمة توهجها، بعد ذلك مباشرةً يبدأ نقصها، فتنتقل إلى جهة الغروب، وتبدأ تفقد حرارتها وقوتها وإشراقها وبياضها وصفاءها، وهكذا حتى تغرب في آخر النهار.

    وإذا كان هذا الكلام بالنسبة للإنسان، وهذا الكلام بالنسبة للشمس، فالكلام بالنسبة للأمم، أو للدول، أو للحضارات، هو كذلك فمثلاً الحضارة تبدأ ببذرة بسيطة، همة عالية في نفس إنسان، أو طموح وتوقد، ويرتقي في مدارج الكمال شيئاً فشيئاً، ثم يصل إلى القمة في النبوغ والعلو، وبعد ما يصل الإنسان إلى غايته وقمته تصل الأمم إلى غاية كمالها، ثم تبدأ عوامل النقص وعوامل الاسترخاء والدمار تنخر فيها شيئاً فشيئاً، ويبدأ -كما يقولون- العد التنازلي الذي لا يحول دون تحققه أن يتيقظ له بعض العقلاء، فينتبهون إلى أن الأمة بدأت تسقط، بدأت تنهار، وبدأت تضعف، لكن كما يقول المثل: (العين بصيرة واليد قصيرة) لا يملكون دفع هذه السنن الإلهية، لأنها سنة جارية عليهم بلا ريب، وهذه السنة هي الناموس الدائم الذي وضعه الله تعالى للكون والإنسان، أو كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله قال: " هي عادة الله تعالى المعلومة في أوليائه وأعدائه".

    1.   

    سبب جهل الناس بالسنن الإلهية

    وهاهنا سؤال أيضاً، سؤال آخر يطرح نفسه، لماذا يجهل الناس هذه السنن والنواميس الإلهية؟

    العمى والغفلة

    أولاً: يجهلونها بسبب العمى الذي يجعل الإنسان يغفل عن هذه السنة، بل إن من الناس من يعتبر الحديث عن السنن نوعاً من التهويل والمبالغة، ويقول: أنتم أحياناً تستخدمون هذه السنن لمجرد التسلية، فأنتم تنظرون إلى الأمم الغربية الكافرة وهي ممكنة، وتنظرون إلى الأمم المسلمة وهي ضعيفة مغلوبة على أمرها، فتحاولون أن تتسلوا، أو تغرُّوا أنفسكم بالحديث عن المستقبل أو الحديث عن السنن، هكذا لأنهم أصيبوا بالعمى، فأصبح الواحد منهم غير قادر على النظر إلى الماضي، ولا إلى المستقبل، بل وليس قادراً على النظر إلى الواقع نظرة عميقة تتجاوز السطح إلى الأعماق.

    الفارق الطويل بين السبب والنتيجة

    والسبب الثاني الذي يجعل كثيراً من الناس يجهلون هذه السنن، هو أن السنة أثرها بعيد، والفارق والفاصل بين السبب والنتيجة طويل قد لا يدركه الإنسان في عمره المحدود، إنما يدركه الذين ينظرون إلى مساحة واسعة، وربما امتدت المسافة بين السبب وبين النتيجة -مثلاً- بين الظلم الذي يقع وبين عقوبته، وربما امتدت المسافة إلى عمر جيل بأكمله، فربما حصد جيل ثمرة لم يكن هو الذي غرسها، وربما غرس جيل آخر شجرة، يقطف ثمرتها غيره.

    مثال: الظلم يقع اليوم وتظل الجهة التي قامت بالظلم، ومارست الظلم، وتسلطت على البلاد والعباد، وظلمت الناس في أنفسهم، وفي أرزاقهم، وفي حقوقهم وفي أعراضهم، تظل هذه الجهة الظالمة لفترة ما، ممكنة في الأرض، منهمكة في قهرها، وتسلطها وطغيانها، فحينئذ يشك بعض الناس- أصحاب النظر القصير- يشكون في هذه السنن ويقولون: أين السنة الإلهية من هذا الظلم الفادح الواقع الذي لم تأت عقوبته؟ ثم تقع نتيجة هذا الظلم بعد زمان يطول أو يقصر، الله تعالى أعلم به، فهو مقدر الأقدار سبحانه، تقع نتيجة هذا الظلم -مثلاً- بعد عشرات السنين، فبعض الناس يعون ويدركون، ويقولون: هذه العقوبة نتيجة ظلم قديم يتذكرونه، أما آخرون، فإنهم يصرون على تجاهل السنة، محتجين بواقع آخر ظالمٍ لم تجر عليه السنة، فإذا قلت لهم اليوم مثلاً: إن ما حصل بهذه الجهة أو تلك سبب للظلم الذي حصل قبل عشر أو عشرين أو ثلاثين أو مائة سنة، قالوا: لا يا أخي، لو كان هذا كذلك، فلماذا تجد المكان الآخر فيه ظلم ومع ذلك لم تحق عليه السنة الإلهية، ولم يؤاخذه الله تعالى بظلمه؟

    مثال لجهل الناس بالفارق

    فمثلاً: تسلط شاه إيران زمانا على بلاده، وسام الناس سوء العذاب، واستخدم كل ما وهبه الله تعالى وكل ما مكنه منه من القوة والبطش والإرهاب والمال والتخطيط والخبراء والأجهزة الأمنية الضخمة التي كان على رأسها جهاز السافاك المشهور، استخدمها في التسلط والقوة، والبطش والقضاء على إنسانية الناس، على أنفسهم، وعلى أرواحهم، وتدمير المعنى الحقيقي لوجود الإنسان، واستخدم من وراء ذلك الدعم الغربي الذي كان يملكه، لأنه كان يقوم بالدور المشبوه، كشرطي في المنطقة يعمل لخدمة المصالح الغربية.

    وظل على هذا زماناً طويلاً، وبالمقابل أيضاً كان هذا الرجل فاسداً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، فاسداً في أخلاقه، لا يعرف إلا في الليالي الحمراء الداعرة التي كان يقيمها في كل مكان، وما زالت الوثائق تحتفظ بتاريخه الأسود في مثل تلك الليالي الحمراء السوداء، ظل على هذا زماناً طويلاً، ثم حقت عليه سنة الله تعالى فسقط.

    فالذين يدركون حقيقة السنن الإلهية، نظروا واعتبروا، وقالوا: لقد حقت السنة على هذا الظالم الآثم الفاجر اليوم، وتحق السنة غداً على إخوانه ونظرائه ممن فعلوا مثل فعله، وسلكوا مثل طريقه، لكن آخرين ممن يجهلون السنن الإلهية، ولا يعرفون ربط الأسباب بالنتائج، يقولون: لا، لا يمكن أن يكون هذا نتيجة انطباق سنة على هذا الظالم الآثم الباغي، بدليل أن هناك ظالمين آثمين باغين طغاة آخرين، لم تجر عليهم هذه السنة، ولا زالوا يتمتعون بمثل ما كان يتمتع به في الأمس، فيجهلون لذلك السنة، وينسون أن هؤلاء لم يأت عليهم الدور بعد، وسنة الله تعالى ماضية في الأولين، كما هي ماضية في الآخرين.

    مثل آخر: سقوط الشيوعية -مثلا- لمخالفتها للسنة، ومخالفتها للشرع، ومخالفتها للفطرة، هذا السقوط يمكن أن يفسره إنسان على أنه سنة إلهية حقت على هذه الأمة الكافرة الظالمة الملحدة، لكن تجد آخر يقول لك: لا، يا أخي، لو كان ذلك كذلك، فلماذا نجد أن الغرب الآن ممكَّن، يملك القوة، ويملك البطش، ويملك الإرهاب، ويملك كل وسائل التمكين في الأرض، فلو كانت السنة حقت على الشرق الكافر الملحد، لماذا لم تحق السنة على الغرب العلماني أيضاً؟

    وأقول: إن السنة التي حقت على الشرق، ستحق على الغرب، والسنة التي حقت على شاه إيران، ومن قبله من الطغاة، كـالنمرود، وفرعون، وهامان، وقارون، وأبي جهل، وأبي بن خلف، وغيرهم، سوف تحق على إخوانهم شاءوا أم أبوا، عرفوا أم جهلوا، أدركوا أم لم يدركوا، فسنة الله تعالى لا تحابي أحداً، ولا تجامل أحداً، وهي ماضية على هؤلاء كما مضت على أولئك، لكن لا يلزم أبداً أن تكون الصورة واحدة، فمثلاً سقوط الغرب، لا يلزم أن يكون بنفس الصورة التي سقط بها الشرق.

    الشيوعية -مثلاً- كانت تسلك أسلوب القوة، وأسلوب الاستبداد والقهر والدكتاتورية، الحكم بالبطش والحديد والنار، وهذا يستفز مشاعر الناس، يهيجهم، ويحركهم، ويبعث فيهم التحدي والمواجهة والمقاومة، ولذلك فإن الشيوعية تهاوت بسرعة، لأن الناس كانوا مليئين بالأحقاد والضغائن والكراهية، عليها فما أن أتيحت لهم أول فرصة مما يسميه جورباتشوف بالبروسترويكا، أي الإصلاح والتغيير، أو إعادة البناء، إلا وبدأ الناس يتذمرون ويعربون عن مشاعرهم، حتى وصلت الشيوعية لا أقول وصلت، لأنها لم تصل بعد إلى الحضيض، لكنها بدأت تتهاوى، وبدأ الغرب يتخوف من النتائج الأليمة، التي سوف تتبع ذلك، فقبل أيام كنت أقرأ تقاريراً، تتوقع احتمال حصول حروب أهلية نووية مدمرة بين الجمهوريات السوفيتية، ويتكلمون عن أن أكبر خطأ في تقديرهم هم، في تقدير مخابراتهم الغربية أكبر خطأ، وقعوا فيه، هو أنهم لم يسارعوا إلى إسعاف الاقتصاد الروسي، في فترة مضت، تأخروا وتباطئوا في ذلك مما ترتب عليه وصول الجمهوريات السوفيتية إلى درجة لا يمكن تداركها أو تلافيها.

    أما الغرب فلا شك أن النظام الذي يحكمه ليس نظاما استبدادياً، ولكن نظام ديمقراطي، ولذلك سوف تكون الطريقة التي ينهار بها الغرب، مختلفة -والله تعالى أعلم- عن الطريقة التي انهار بها الشرق، فإذا كان انهيار الشرق انهياراً سريعا عارماً في لحظة، فانهيار الغرب لا يمنع أن يكون بطيئا تدريجياً، قد لا يحس به الكثيرون، إلا الذين يرقبون الأحداث بدقة وبصيرة.

    1.   

    القرآن الكريم والسنن الإلهية

    لقد عنى القرآن الكريم بذكر هذه السنن بطرائق مختلفة، فأحياناً بذكر نصوص تتعلق بهذه السنن، كما في قوله تعالى في تأديب وتعليم نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه، عندما أصابتهم الهزيمة في أحد: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:140] إذاً هذه سنة تجري عليكم كما تجري على غيركم.

    ومثله قول الله تعالى: وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلاً [الإسراء:76] سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً [الأحزاب:62] لو أنهم أخرجوك من هذه القرية، واستفزوك أخرجوك وحاربوك وقاتلوك، لحقت عليهم كلمة الله تعالى بالعذاب، كما حقت على من كان قبلهم ممن أخرجوا رسلهم وأنبياءهم، وقاتلوهم أو قتلوهم.

    ويقول الله عز وجل: وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً [الكهف:55] فذكر الله عز وجل أن الناس امتنعوا وتوقفوا عن الإيمان، ينتظرون أن تأتيهم سنة الأولين، ينتظرون العذاب، وإذا جاء العذاب ونـزل بهم لم يكن ينفعهم إيمانهم: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ [غافر:85] ويقول الله عز وجل: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ [الأنعام:109] ويقول سبحانه: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ [غافر:85] ويقول تعالى: وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً [الفتح:22-23].

    إذاً لو التقى الحق الصراح البواح الواضح النقي مع الكفر المدجج بالسلاح؛ لكانت سنة الله تعالى أن يولي الذين كفروا الأدبار: وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً [الفتح:22] فأحياناً يذكر الله تعالى السنة ذكراً صريحاً مباشراً، وأحياناً يذكر الله تعالى آثار هذه السنن على الأمم السابقة، كما في قوله -وهذا كثير جداً أكتفي بضرب مثلاً أو مثلين- في قوله تعالى: وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ [الأحقاف:21] وكما في قوله تعالى: وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ [الرعد:6] فيذكر عز وجل عقوبة الكافرين، كما يذكر نجاه المؤمنين وفلاحهم وحمايتهم بقصص من قصصهم فيقول: وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الأنعام:84] إلى غير ذلك من الآيات.

    فيربط الله تعالى تراوح الأمم بين النصر والهزيمة، والقوة والضعف والهدى والضلال، والاجتماع والفرقة، يربط ذلك كله بالسنن الإلهية التي لا تختلف ولا تتغير ولا تتبدل أبداً، وأحياناً يذكر الله هذه السنن بغرض دعوة الناس إلى النظر، والتأمل، واستخراج السنة من الأرض والتاريخ، فيقول: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا [محمد:10] أي: سيروا في الأرض، انظروا مصارع الغابرين، مصارع الكافرين، فهذه آثارهم وهي بقايا، هذه بقية من منازلهم ومعالمهم، وبقايا حضارتهم تدل عليهم وعلى ما صاروا إليه، وما حدث لهم بعد ذلك.

    تطابق الواقع مع ما قرره القرآن من سنن كونية

    ولا زالت سنة الله تعالى ماضية، فنحن نجد ونشاهد آثار قرى ثمود، وكيف أهلكهم الله تعالى، وبقيت معالمهم ومصانعهم عبرة حتى نهى النبي صلى الله عليه وسلم غشيانها وإتيانها أصحابه، إلا أن يكونوا باكين معتبرين، يعرفون ما هذه السنة التي جرت على هؤلاء فيتجنبونها.

    كذلك نجد أن الله تعالى برحمته يبقي آثار بعض الكافرين والفاسقين والمعاندين يعتبر بها من بعدهم، فنحن نرى -مثلاً- آثار بعض البراكين، وبعض الزلازل، وبعض الأمور التي حصلت لأمم سابقة، ونجد آثار الفساد الذي ارتكبوه، وقد ذكر عدد من المؤلفين مدينة في إيطاليا، اسمها فيزوف، فقالوا: إن هذه المدينة أصابها بركان عظيم ضربها زلزال دمر أولها وآخرها، وبقيت الآثار التي تدل على سبب هذه العقوبة، بقيت الرسومات والصور، صور العرايا من النساء المومسات البغايا موجودة ماثلة ما مسها شيء، تقول للناس: ما أصاب هذه المدنية، إنما هو بسبب ما ارتكبوه من الفواحش والإثم والبغي والعدوان، ومخالفة أمر الله عز وجل... ويقول تعالى: قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [يونس:101] فيبين الله تعالى أو يأمر الناس، بأن يذهبوا ويتأملوا ما جرى للأمم، وما في الأرض حتى يعتبروا ويعرفوا هذه السنن، والنواميس التي تحكم الحياة بإذن ربها.

    السنن الإلهية في كتب المسلمين

    ومع أن هذه السنن ظاهرة في القرآن الكريم وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن كثيراً من المسلمين قد غفلوا عنها، فقلما تجد كتاباً يتكلم عنها أو درساً أو محاضرة!

    وقد كان للإمام ابن خلدون رحمه الله تعالى جهد في ذلك من خلال مقدمته الشهيرة كتاب بـمقدمة ابن خلدون، وبعد ذلك نجد زماناً طويلاً، أنه قل من العلماء من أن كتب أو تكلم عن هذه السنن، اللهم هناك لمحات ولفتات جيدة جميلة في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وفي كلام الإمام ابن القيم رحمه الله، وكذلك نجد في كتابة بعض العلماء والكتاب المعاصرين، فمثلاً هناك رسالة دكتوراة في هذا الموضوع، عنوانها: السنن الإلهية في الحياة الإنسانية للدكتور شريف الخطيب، وهناك بحث للأستاذ حسن الحميد وهو أيضاً بحث دكتوراة، وهناك كتاب اسمه أزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله تعالى في الخلق للدكتور أحمد محمد كنعان وهو كتاب جيد، وهناك كتاب اسمه حول التفسير الإسلامي للتاريخ للأستاذ محمد قطب، عموماً الكتب التي تكلمت عن تفسير التاريخ، تعرضت كلها تقريباً للكلام عن السنن الإلهية.

    1.   

    خصائص السنن

    الثبات من خصائص السنن الإلهية

    فهي ثابتة ومطردة إلا أن يشاء الله، لا يعارض ذلك وجود الخوارق والمعجزات والكرامات، فإن الخوارق والمعجزات والكرامات هي نفسها سنة إلهية أخرى، فمثلاً قبل قليل قرأت عليكم قوله تعالى: وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ [الفتح:23].

    إذاً من سنة الله تعالى أنْه إذا التقى المسلمون مع الكافرين، وبذل المسلمون وسعهم وطاقتهم، ومع ذلك بقى هناك نقص، فإن الله تعالى يسدد نقصهم برحمة من عنده، ويعينهم بجنوده التي لا يعلمها إلا هو: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر:31] فيسلط على عدوهم الريح، أو الخسف، أو الزلزال، أو الطوفان، أو الفيضان، أو الغرق، أو المرض، أو أية آفة من الآفات، حتى تضعف قوته، وطالما أثر ما يسمونه بالكوارث الطبيعية المفاجئة في نتائج الحروب.

    فالجليد -مثلاً- قد يغير نتيجة معركة، والخيانات في أوساط الكفار قد تغير نتائج المعركة، وهناك أمور كثيرة جداً ليس هذا مجال الحديث عنها، المهم أنه حتى المعجزات والخوارق والكرامات، أو ما يمكن أن يعبر عنها بالتعبير الشرعي: وهو الآيات، حتى هذه لها سنة إلهية بإذن ربها وهي مربوطة بها، فالسنة ثابتة، ويقابلها سنة أخرى وأحياناً تتقدم عليها.

    الخاصية الثانية من خصائص السنن الإلهية: الشمول؛ أي أن هذه السنن شاملة لجميع الأمم بدون استثناء، فكوننا نسمى المسلمين، أو نعيش في رقعة إسلامية، أو لنا تاريخ معين أو انتماء معين، لا يغير من واقع السنن الإلهية شيئا قط، كلا يقول الله عز وجل: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً [النساء:123] فليست القضية مجرد تمنيات، أو أحلام، أو أقوال، أو ادعاءات، بل القضية قضية عمل وجزاء، من يعمل سوءاً يجز به، في الدنيا ويجز به في الآخرة، أما جزاء الدنيا فإن الإنسان إذا جد واجتهد حصل على النتيجة التي يعملها، وأما في الآخرة فكما قال الله تعالى: وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً [الإسراء:19].

    بل حتى الرسل! يقول الله تعالى لنبيه المصطفى عليه الصلاة والسلام: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الزمر:66] فحتى الرسل تحق عليهم هذه السنة.

    ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب الحسبة: " إن الله تعالى ينصر الدولة العادلة أو يقيم الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة، أو مؤمنة، فالباغي يصرع في الدنيا، وإن كان مغفوراً له مرحوماً في الآخرة، وذلك لأن العدل هو نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بالعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها عند الله تعالى من خلاق"، وهذا الكلام الذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله كلام مشرق نظيف يدل عليه التاريخ، كما يدل عليه الواقع.

    فمثلاً: اليوم نحن نرى الأمم الغربية وهي أمم كافرة بجميع المقاييس، -وهذا أمر معروف- لكن هذه الأمم الغربية سعت فحصلت ما سعت إليه.

    فمثلاً: سعت إلى التقدم التكنولوجي والصناعي، فاستطاعت أن تصل من ذلك إلى شيء لا يزال المسلمون عاجزين عن فهم بعضه، فضلاً عن مجاراته أو الوصول إليه في كثير من الأحوال، وهذا بكد يمينهم، فإن الله تعالى جعل في المادة أيضاً نواميس من استطاع أن يكتشفها سخر الله له هذا الكون كما هو معروف: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ [الجاثية:13] حتى وصلوا إلى مسألة تفجير الذرة، وإلى أشياء وأمور، واكتشافات ما كان الناس يتوقعونها خلال قرون طويلة، فضلاً عن عشرات السنين، ومن عرف -مثلاً- الاكتشافات العلمية، أو الطبية، أو الصناعية؛ فإنه يصاب بذهول عجيب، فهذا سبب وصلوا من خلاله إلى نتيجة.

    أمثلة على ثبات السنن الإلهية

    مثال آخر في واقع الأمم الغربية: وهي أمم كافرة -كما ذكرنا- ولكنها سعت إلى إرساء دعائم العدالة بين أفرادها، وهذا أمر ليس بدعاً من القول، يقول لي بعض الناس: كيف تتكلمون عن الغرب؟

    وكيف تثنون على بعض الجوانب المشرقة فيه؟

    فأقول: يا سبحان الله! الأمة التي ائتمنها الله تعالى، وجعلها قيمة، وأمرها بالعدل تمتنع عن أن تشهد لقوم بحق موجود فيهم، أين نحن من قول عمرو بن العاص رضي الله عنه، كما في صحيح مسلم: {لما ذكر المستورد بن شداد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تقوم الساعة والروم أكثر الناس، فقال له عمرو بن العاص انظر ماذا تقول؟!

    قال: إني لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له عمرو بن العاص: أما لئن قلت ذاك إن فيهم لأربع خصال} لاحظ! عمرو بن العاص صحابي جليل يتكلم في تقويم الواقع الاجتماعي والسياسي للروم، ولا شك أن الغرب هم امتداد للأمم الرومانية، فـعمرو بن العاص يقيم الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي للروم أو الغرب فيقول: [[إن فيهم أربع خصال هم أحلم الناس عن الفتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم]] أي أن من مزاياهم التضامن التكافل الاجتماعي، وعندهم محاولة التفكير واستخدام العقول، وعندهم سرعة الإفاقة بعد المصيبة، وخذ مثالاً ما ذكرناه قبل قليل، لما تحطم الأتوبيس الفضائي، ما قالوا: انتهينا، ونلغي المحاولات، بعد أسابيع كرروا المحاولة ونجحت، ثم قال عمرو رضي الله تعالى عنه وأرضاه: [[وخامسة حسنة جميلة]] أفردها عمرو بن العاص لأهميتها في نظره، وفي نظر كل إنسان، وقال: [[وأمنعهم من ظلم الملوك ]] إذاً هم فيهم قوة، وامتناع، وليس من السهل السيطرة عليهم، وليس من السهل ابتزازهم، وليس من السهل أن تقوم وتنشأ وتستقر عندهم النظم الاستبدادية المتسلطة التي تحكم الناس بالقهر والقسر وقوة الحديد والنار.

    فنحن لا يمكن أن نقول في الغرب الآن أكثر مما قاله عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه في أمم الرومان، الأمم الغربية الآن تقيم أنظمة يسمونها ديمقراطية، ونحن نقول: هذه الأنظمة الديمقراطية هي أنظمة ديمقراطية في الظاهر، ولكنها في الحقيقة ديكتاتورية، كيف؟

    صحيح أنهم لا يفرضون على الناس شيء بالقوة، ولكنهم من خلال وسائل الإعلام ذات التأثير البليغ على كل مواطن عندهم؛ يوصلون إلى عقول الناس ما يريدون.

    فإذا أرادوا من الناس التصويت لصالح أمر من الأمور سلطوا وسائل الإعلام على التصويت لهذا الأمر، وفي النهاية يحصل الأمر الذي يريدونه برضا الناس وطواعيتهم وقناعتهم وليس بالضغط أو الإكراه، ولكن هذا كله لا ينفي صبغة الديمقراطية عنهم، ولذلك تجد أن الأمم الغربية أمماً مستقرة، ليس فيها قلاقل وزلازل وزعازع واضطرابات أمنية، وبالتالي أصبحت مكاناً للاستثمار الاقتصادي، بل تؤوي حتى المضطهدين -مع الأسف الشديد- من بلاد الإسلام، وقد رأيت بعيني المطرودين من ظلم وبطش الأنظمة المستبدة في العالم الإسلامي، والله رأيتهم في بلاد الغرب، وأعدادهم أحياناً تصل إلى عشرات الألوف، بل مئات الألوف، ربما أحياناً تقول: أمم بأكملها، ودول بأكملها لم يبق منها في البلاد إلا من يجيد فن النفاق، أما الذي لا يستطيع أن يعيش في جو النفاق الموبوء، فإنه اضطر إلى أن يهرب بدينه.

    التعامل مع الإنسان في الغرب وفي بلاد الإسلام

    هذا كله يقع مع الأسف الشديد، بل إنني أقول: إن كثيراً من تلك الأمم، وتلك الدول الكافرة المحاربة، كثيرٌ منها تتعامل مع المسلمين أحسن مما تتعامل أنظمة إسلامية مع المسلمين أنفسهم، ولذلك في مرة من المرات التقيت ببعض المسلمين هناك، وكنت أتكلم عن قضية الإقامة بين أظهر المشركين، وتحريم الإقامة بين أظهر المشركين، وأذكر الآيات والنصوص الواردة في ذلك، واستطردت فيه واستفضت، فلما انتهيت قاموا عليّ، وأحرجوني أيما إحراج، قالوا: بالله عليك انقلنا إلى أي مكان تريد في بلاد الإسلام، إذا كنا هنا نعمل برواتب ضخمة وبأعمال كبيرة، فنحن نقبل وعلى يدك أو يد أمثالك أو يد غيرك من الناس، ومن الدعاة وممن يأتوننا، فيعاتبوننا ويوبخوننا، نقبل أن نعمل ولو كنا في كنس الشوارع في بلاد الإسلام، لكن أين هذا؟

    وكيف يكون هذا؟

    نحن نحترق شوقاً إلى بلاد الإسلام، نتحرق شوقاً إلى الأذان يجلجل في سمائها، نتحرق شوقاً إلى المساجد والمقدسات، يقول قائلهم:

    كم ذا أحن إلى أهلي إلى ولدي     إلى صحابي وعهد الجد واللعبِ

    إلى المنازل من دين ومن خلق     إلى المناهل من علم ومن أدبِ

    إلى المساجد قد هام الفؤاد بها     إلى الأذان كلحن الخلد في صببِ

    الله أكبر هل أحيا لأسمعها           إن كان ذلك يا فوزي ويا طربيِ

    إني غريب! غريب الروح منفرد     إني غريب! غريب الدار والنسبِ

    ألقى الشدائد ليلي كله سهر     وما نهاري سوى ليلي بلا شهبِ

    أكابد السقم في جسمي وفي ولدي     وفي رفيقة درب هدها خببي

    هذا لسان حال أكثرهم، ولكنهم لا يجدون مفراً من ذلك.

    ومثلٌ آخر أقرب: دولة إسرائيل التي تحارب الإسلام والمسلمين اليوم، وهي تمثل التحدي المباشر لنا جميعاً، هذه الدولة بماذا تفتخر؟

    بماذا استطاعت إسرائيل أن تكون دولة نموذجية في نظر العالم؟

    لأنها أولاً دولة القوة، فهي لا تتعامل بالألاعيب والضحك على الذقون والخداع للشعب، تتعامل بالوضوح والنقاء، وتعد شعوبها فتفي بما وعدت، وعدتهم بأن تؤمنهم ففعلت، وضمنت لهم قدراً من القوة لا تملكه كثير من الدول العربية، بل أكثرها، بل كلها، وهي أيضاً دولة تفتخر بأنها دولة قد أرست دعائم الحكم الذي تسميه -ويسمونه- هم بالحكم الديمقراطي، فكل واحد من زعمائها يراعي حال الناس، يراعي أمورهم، ويسعى إلى كسب رضاهم، لأنه يدري أنهم إذا لم يرضوا عنه فإنهم لن يرشحوه، ولن ينتخبوه مرة أخرى، ولذلك كانوا مخلصين أمناء على مصالح شعوبهم.

    أما حين تنتقل إلى الصورة المقابلة صورة الدول العربية والإسلامية، فماذا ترى؟ ترى أولاً تحطيم إنسانية الإنسان، ونحن لن نخاطب هؤلاء من منطلق الدين والإسلام، لأن كثيراً منهم ممن تربوا في أحضان الغرب، وهم من العلمانيين الذين لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة، فإذا حادثتهم وخاطبتهم من منطلق أنهم اعتدوا على الدين، وحطموه، قالوا لك: هذا مقتضى الوحدة الوطنية، وقد رأينا الوحدة الوطنية في عدد من البلاد الإسلامية، الوحدة الوطنية أن مائة وخمسين مليون مسلم في بلد عطلتهم يوم الأحد، هذه هي الوحدة الوطنية، الوحدة الوطنية أن مائة وخمسين مليون مسلم لا يقام لهم مسجد إلا ويقام بجواره كنيسة، ويقام بجواره معبد للبوذيين أو الهندوس، الوحدة الوطنية إنه إذا قُدم للمسلمين برنامج في الإذاعة أو التلفاز في يوم الأحد أو الاثنين، قُدم للنصارى في يوم الثلاثاء، وقدم للبوذيين في يوم الأربعاء.

    هذه هي الوحدة الوطنية عندهم!!

    أقول: حين تنظر إلى البلاد الإسلامية، تجد التخلف العلمي والتقني، والابتزاز الاقتصادي، وإهدار إنسانية وكرامته، وكأن الواحد منهم ينهب نهبا بسرعة، لأنه يقول: لا أدري قد لا أُمكَّن إلى الغد، فهو يحاول أن يغتنم كل دقيقة وساعة لينهب ما استطاع، من أموال الناس وأعراضهم، وخيراتهم وكل هم أولئك الزعماء هو أن يضمنوا لأنفسهم مستقبلاً زاهراً إذا ما طردوا من كراسيهم ومناصبهم، ولذلك ينتقل المسلمون من استبداد إلى استبداد، ومن بطش إلى بطش، يفرحون بحاكم جديد، فإذا به أشر وأشدّ سوءاً من الأول... وهكذا.

    ومع ذلك أقول: إن هذه الأشياء لا يجوز ولا يمكن أن يحابي فيها أحد، لأن سنة الله تعالى كما حقت على الغرب، وحقت على اليهود، وحقت على النصارى، وحقت على الشيوعيين، كذلك تحق على المسلمين، فهؤلاء المسلمون المستضعفون، لم يكونوا مظلومين: وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [النحل:33].

    من هؤلاء الساكتون؟      أفهؤلاء المسلمون

    أبداً تكذبني وترجمني     الحوادث والظنون

    وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ [الزخرف:76] إذاً سنة الله تعالى شاملة للجميع بدون استثناء خصائص السنة الإلهية أيضاً أنها سنن واقعية: أي أنها تتحقق من خلال تسخير الله تعالى الناس، فمثلاً الظالم حينما يعاقب، على أيدي بشر آخرين، يسلطهم الله تعالى عليه ممن هم أقوى منه يداً، وأشد منه بطشاً، فينتقم الله تعالى من الظالم بظالم مثله، وكذلك الكفار يعاقبهم الله تعالى بالمؤمنين كما قال تعالى: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ [التوبة:14] يعذبهم الله تعالى بالمؤمنين: يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ [التوبة:14].

    إذاً هذه السنن تتحقق من خلال عمل الناس وسعيهم، فهي إذاً حادٍ للعمل، وداعٍ للفاعلية والإيجابية والمشاركة، وليست مجالاً للقعود، لأن بعض الناس يقول: ما دام الأمر سنناً إلهية، فلماذا نعمل؟

    لماذا لا نترك السنن الإلهية تعمل؟

    أقول: لا! السنن الإلهية تعمل من خلال عمل البشر أنفسهم، يسخر الله تعالى الناس لتحقيق هذه السنن والسعي في طريقها أو اتجاهها الصحيح.

    إذاً ليس في إقرار السنن دعوة للمظلوم أن يرضى بالظلم، بأن يقول هذه سنة، لا! ولا دعوة بأن يرضى بمصادرة حرياته وحقوقه أو تقبيل اليد التي تغتاله، لا،إنما هي دعوة إلى أن يقاوم هذا الظلم، وأن يعرف أنه ما حاق عليه الظلم إلا بسببه هو، وقد قال الله: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165] إذاً السنن الإلهية سنن فعالة، من خلال عمل الناس أنفسهم، وهذا في الإسلام ظاهر كما أسلفت، قال تعالى: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ [التوبة:14] ويقول عز وجل: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ [التوبة:52] عذاب سماوي أَوْ بِأَيْدِينَا [التوبة:52] إذاً قد يكون العذاب على أيدي البشر أنفسهم.

    أما الشعوب الأخرى، فكثيراً ما تجهل هذه السنن، أو يتجاهلونها ويعتقدون أن هناك شيئاً سماوياً ينـزل عليهم دون أن يكون لهم فيه جهد يحسب.

    1.   

    خصائص المؤمنين الصادقين

    وهذا لا يعني أنني أقول: وليس للمسلمين خاصية، فالمسلمون الصادقون لهم خصائص، وليسوا هم المسلمين الذين ورثوا الإسلام عن أب وجد، لا! فهذه مُسوخ، كما قال أحدهم:

    أتقول المسلمون انهزموا     أمة المختار في حرز الصمد

    إنما تلك مُسوخ ورثت     نسبة الإسلام عن أم وجد

    فإذا ذلت لباغٍ فكما     يعبث الفأر بتمثال الأسد

    المسلمون الصادقون، الذين رضوا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، هؤلاء خصهم الله تعالى بخصائص وميزات في ضمن هذه السنن.

    لا يفنيهم عدوهم

    من هذه المميزات: أن الله تعالى إذا سلط عليهم عدوهم، فليس تسليط إفناء تامٍ واستئصالٍ عام، كلا! فإن الأمة الإسلامية تمرض ولكنها لا تموت، خذ هذه القاعدة: الأمة الإسلامية تمرض، ولكنها لا تموت بإذن الله تعالى، والرسول صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: {سأل ربه ثلاثاً منها ألا يهلك أمته بسنة بعامة فأعطاه الله تعالى ذلك، ومنها ألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم} فلا يسلط الله تعالى على هذه الأمة عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، حتى يكون بعضهم يقتل بعضاً، وبعضهم يسبي ويهلك بعضاً.

    عصمتهم إذا اجتمعوا

    أيضاً من الخصائص التي خص الله وميز بها المؤمنين: أنهم: لا ينساقون وراء الضلال أجمعهم، فقد ينساق بعضهم، وقد يضل بعضهم، وقد ينحرف بعضهم، لكنهم لا يجتمعون على ضلالة قط، لأن اجتماعهم معصوم، فاجتماعهم حق لا شك فيه، ولهذا قال الله عز وجل: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83] وقال: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59] فدل على أنه إن لم تتنازع الأمة، فعدم تنازعها دليل على أنها أصابت الحق، وكذلك أمر الله تعالى المؤمنين باتباع سبيل المؤمنين، وحذرهم من ضد ذلك فقال: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً [النساء:115].

    إذاً هذه الأمة اجتماعها معصوم عن أن تجتمع على ضلالة أو فساد.

    تمكين الرضا وطمأنينة القلب والبركة

    الأمر الثالث: أن الله تعالى إذا مكن هذه الأمة في الأرض، فان تمكينه لها تمكين رضا أما تمكينه الكافرين فهو تمكين إملاء، قال تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً [آل عمران:178].

    الأمر الرابع: أن الله تعالى يختص المؤمنين إذا أعطاهم ومكنهم بخاصيتين مهمتين:

    الأولى: خاصية البركة: لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف:96].

    الثانية: خاصية الطمأنينة في قلوبهم وأرواحهم، هذا مع خاصية الجزاء في الدار الآخرة.

    أيها الأحبة، يقول بعض الناس في كثير من الأحيان -وهذه كلمة دارجة- يقول: اعمل ولا تنتظر النتيجة، وهذا دليل على أننا نجهل هذه السنن، أو نعتقد أننا نحن المسلمين لسنا بمنجاة، أو أننا بمنجاة منها ولسنا واقعين تحت طائلتها، وهذا في الواقع يوحي بفصل النتيجة عن السبب، وكثيراً ما يعزل المسلم نفسه عن الآخرين، فتجد المسلم يتبرأ من الأخطاء أو يعجز عن معالجة الأخطاء الموجودة في نفسه، ولكننا كثيراً ما نكون شجعاناً في الحكم على الآخرين، جبناء في الحكم على أنفسنا، كثيراً ما نـزكي واقعنا العقائدي والسلوكي، ونتهم واقع الآخرين.

    مثلاً تقع مصيبة في أي بلد، فتجدنا نسارع إلى أن نقول: هذا بما كسبت أيديهم، هذا بذنوبهم لكننا ننسى أننا نحن الآخرين، معرضون للمصائب والمشكلات بسبب ما كسبت أيدينا، وبسبب ذنوبنا، وأن المصائب الكبرى الموجودة هنا وهناك هي موجودة عندنا أيضاً، كما قيل: إن بني عمك فيهم رماح.

    وفي كل واد بنو سعد!

    فالكوارث الموجودة في بلاد الإسلام موجودة في كل بلد، ولا يجوز بحال من الأحوال أن نـزكي أنفسنا، أو نـزكي واقعنا، فتجد الإنسان يقول: الحمد لله، نحن بخير، ونحن ونحن، فإذا قلت: يا أخي! ألا ترى المنكرات؟

    ألا ترى بيوت الربا التي تحارب الله ورسوله؟!

    ألا ترى أجهزة الإعلام وكيف تمسح عقول الناس؟!

    ألا ترى مصادرة حرية الدعاة إلى الله تعالى وطلبة العلم؟!

    ألا ترى..؟

    ألا ترى..؟

    قال لك: يا أخي نعم، ولكننا بحمد الله نمتلك العقيدة الصحيحة، وعندنا التوحيد، وعندنا، وعندنا…! وينسى أن كثيراً من الناس انسلخت قلوبهم حتى عن العقيدة الصحيحة، فأصبح عندهم عبادة للمادة، وعبادة للدرهم والدينار، وتوكل على الأسباب، وغفلة عن الله عز وجل، وأصبح عند كثير منهم تضييع لحدود الله تعالى، وجهل وتفريط وانحراف ونحن ما زلنا نتغنى بأمجاد سابقة، وأمور كان أجدادنا يتكلمون عنها في الماضي، وننسى الانحراف الموجود عندنا الآن، ونـزين واقعنا ببعض الطلاء الحسن اللَّماع، الذي يعفينا من تغيير هذا الواقع والمجاهدة في إصلاحه نحو الأفضل ونحو الأحسن.

    1.   

    النموذج الأول من السنن الإلهية: سنة التغيير

    وأذكرها على شكل آيات لأن هذا أجود وأقوى، أولاً: قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:11] ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الأنفال:53].

    إذاً التغيير من الأمن إلى الخوف، ومن الغنى إلى الفقر، ومن الوحدة إلى الشتات، ومن القوة إلى الضعف، ومن النصر إلى الهزيمة، ومن حال إلى حاله، هو بإذن الله تعالى، بسبب سنة حقت على هؤلاء القوم، فهم غيرَّوا فغيرَّ الله تعالى ما بهم، كما قال الشاعر:

    لو أَنصفوا أُنصفوا؛ لكن بغوا فبغى      عليهم الدهر بالأرزاء والنوب

    القصص القرآنية وسنة التغيير

    وقد ذكر الله تعالى عدداً من القصص منها قصة سبأ -مثلاً- وذكر ما كانوا فيه: لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ [سبأ:15-17] إذاً حقت عليهم سنة من سنن الله تعالى كما ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم قصة الثلاثة الأبرص والأقرع والأعمى، وكيف تغيرت أحوالهم، من حسن إلى قبيح، ومن قبيح إلى حسن بسبب أعمالهم وهذه القصة باختصار وهي في الصحيحين: {أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر أن ثلاثة من بني إسرائيل أو أراد الله تعالى كما في الرواية الأخرى في الصحيح أن يبتليهم، فجاء مَلَكٌ في صورة إنسان إلى الرجل الأول، وقال له: أي شيء أحب إليك؟

    وكان أقرع، فقال: أن يذهب عني هذا الذي قدرني الناس به ويعود إليَّ شعر حسن، فقال: أي المال أحب إليك؟

    قال: الإبل أو البقر، وأتى إلى الأبرص، وقال: يذهب عني هذا الذي قذرني الناس به، ويعود لي جلد حسن، وسأله أي المال احب إليك؟

    قال: الإبل أو البقر، والثالث أعمى قال: أن يرد الله عليَّ بصري قال: أي المال أحب إليك؟

    قال: الغنم -فذهب عنهم ما فيهم من الآفات وأعطاهم الله تعالى من المال ما أعطاهم، إذاً هذا التغيير حكمة لله تعالى- وبعد ذلك جاء هذا الملك في نفس الصورة إلى الأول، وذكَّره بحاله، وقال: أريد شيئا أتبلغ به، قال: إنما ورثت هذا كابراً عن كابر، والحقوق كثيرة، قال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت! وجاء للثاني فرد عليه نفس الأول كذلك، وجاء للأعمى فقال: نعم! قد كنت أعمى فرد الله عليَّ بصري، وقد كنت فقيراً فأغناني الله، فخذ ما شئت ودع ما شئت، والله لا أرزؤك اليوم بشيء أخذته لله عز وجل، فقال: أمسك عليك مالك، فإنما أراد الله تعالى أن يبتليكم، وقد رضي الله تعالى عنك، وسخط على صاحبيك}.

    جرائم خطيرة مؤذنة بفساد الأحوال

    إذاً: هذه أيضاً من السنن الإلهية، فالتغيير -مثلاً- من العدل إلى الظلم، سواء ظلم النفس أم ظلم الرعية، حتى أهل الذمة ممن لا يجوز ظلمهم، فكيف بالمسلمين الذين قد يُظلمون وتضرب أبشارهم وجلودهم؟! وتؤخذ أموالهم أو يمنعون من الجهر بكلمة الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويحال بينهم وبينها؟! هذا الظلم هو من التغيير الذي يعاقب الله تبارك وتعالى عليه، ولهذا قال الإمام أحمد في مسنده: عن أبي قذم قال: وجد رجل في زمن ابن أبي زياد صرة من حب -من البُر- أمثال النوى -أي كبيرة جداً- مكتوب فيها، هذا نَبت في زمن كان يُعمل فيه بالعدل.

    إذاً: حتى ما يجده الناس من النقص هو بسبب الظلم.

    كذلك التغيير من الإيمان إلى الكفر، وواقع الدولة الإسلامية كله شاهد على ذلك، وقد ذكر الله تعالى في كتابه قصة هذه القرية: قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112] (فكفرت) وهذا هو الشاهد بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112].

    والاتجاه المعاكس -أيها الإخوة- فالتغيير من الخير والسعة والسعادة والغنى والقوة إلى ضد ذلك هو بسبب أعمال الناس، كذلك العكس التغيير من الضعف إلى القوة، ومن الهزيمة إلى النصر هو بتوفيق الله تعالى بسبب عمل الناس.

    كيف يتم التغيير؟

    يبدأ الاتجاه من النفس، وأول ما يبدأ التغيير نحو الأحسن من قناعتك أنت بفساد الحال، ولهذا يتساءل الكثيرون: لماذا الكلام عن فساد الواقع؟

    فنقول: لأنه لا يمكن إصلاح الواقع- أي واقع كان- إلا بعد الاقتناع بأن الواقع فيه جوانب من الفساد لابد من إصلاحها، فأول خطوة:هي الاقتناع بفساد الحال.

    وثاني خطوة: هي الاقتناع بإمكانية التغيير، أن يمكن تغيير هذا الواقع نحو الأحسن.

    وثالث خطوة: هي القناعة بإمكانية أن تكون أنت، شخصياً، شريكاً في هذا التغيير، وليس غيرك، لا نريد إنساناً يقول: أنا لا حيلة لي، أو لا أستطيع، لا،نقول حاول جرب.

    ورابع خطوة: هي أن تقتنع بأن الإصلاح لا يمكن أن يتم إلا وفق المنهج الشرعي.

    وخامساً وأخيراً: أن تبدأ بالإصلاح ولو بخطوة واحدة، بإصلاح نفسك أو أهل بيتك أو من حولك.

    1.   

    المعيشة الضنك لمن أعرض عن الله

    السنة الثانية: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طه:124] المعيشة الضنك هي الفساد في البر والبحر، كما قال الله تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41] الفساد في البر، كقلة الأمطار -مثلاً- وجدب الأرض والقحط الذي يصيب الناس والزروع والثمار والدواب وغيرها، ولذلك تجد أن الناس في كثير من الأحيان يستسقون فلا يسقون، ويستمطرون فلا يمطرون، ويعودون إلى أنفسهم وربما شكك بعضهم في أهمية الاستسقاء، أو سؤال الله تعالى، ونقول: هذه سنة من سنن الله تعالى، لأن توقف الأمطار في كثير من الأحيان له سبب، فإذا أزال الناس الأسباب التي بها حرموا الغيث بإذن الله تعالى سقوا، وقد كان العلماء السابقون إذا طُلب منهم أن يذهبوا للاستسقاء يطلبون من الناس إصلاح الأوضاع، بدءاً من الحاكم ومروراً بكل أفراد المجتمع، ولعلكم تعرفون قصة الإمام المنذر بن سعيد البلوطي رحمه الله، وهو عالم من علماء الأندلس، لما أرسل إليه الحاكم يطلب منه أن يخرج إلى صلاة الاستسقاء، قال للذي جاءه، (للرسول) اذهب فانظر ماذا يصنع الحاكم، هل هو منكفئ على شرب الخمور، وعلى سماع غناء المغنيات، وعلى اللعب بالأحجار وغيرها وعلى الفساد؟

    فلا داعي أن نستسقى، أما إذا كان بخلاف ذلك فتعال وأخبرني، فلما ذهب الرسول إلى الحاكم وجد أنه ساجد يبكي، يدعو الله، وقد بلل لحيته بالدموع، وهو يقول: يا رب! هاأنا عبدك منطرح بين يديك، لماذا تؤاخذ العباد كلهم بسبب جرمي أنا؟ فهذا أكبر شخص يشعر أنه هو المخطئ الأكبر والمسئول الأول، وأنه ربما عوقب الناس بسببه، فرجع وقال للشيخ المنذر بن سعيد: وجدت الحاكم يفعل كذا وكذا وكذا، فقام المنذر بن سعيد لتوه وقال: يا غلام، احمل الممطرة، إذا خشع جبار الأرض رحم جبار السماء.

    قلة البركة

    من فساد البر، قلة البركة وإذا وجد المطر، ولم توجد البركة، فلا نفع فيه حينئذ، وقد يستفيد منه أفراد معدودون يختزلونه لأنفسهم، ويدخرونه، أو يحوطونه ويمنعون الناس من الانتفاع به، أو رعيه، أو الاستفادة منه بأي وجه من الوجوه، فيوجد ولكن لا توجد البركة في الانتفاع به والاستفادة منه، فكأنه لم يوجد حينئذ.

    ومن صوره: قلة الربح في التجارة، وقلة الريع في الزراعة، وقلة الدر والنسل في الحيوانات، وكثرة الأمراض والأوبئة، وكثرة الحرائق إلى غير ذلك، فهذا كله من فساد البر، قال تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم:41] والمصيبة أننا في كثير من الأحيان قد نعزوا الأمر إلى سببه المباشر، فنقول: هذا بسبب التماس كهربائي، أو بسبب سوء الطريق، نذكر السبب المباشر وننسى السبب الذي هو وراء الأسباب كلها، وهو أن هذا جزء من الفساد الذي ظهر بما كسبت أيدي الناس، ولعل من حكمة الله تعالى أن الله تعالى قد يسلط بعض هذه الأمور على أماكن الفساد، حتى تكون عبرة للمعتبرين.

    اختلال الأمن وقلة المنافع

    من الفساد في البر اختلال الأمن، وقلة المنافع، ومحق البركات، والخذلان في كل ما يتوجه إليه الإنسان.

    إذا لم يكن عون من الله للفتى      فأول ما يجني عليه اجتهاده

    خذ على سبيل المثال: ما يتكلم عنه الإعلام الآن، وهو مرض الإيدز، قبل خمسمائة سنة، كان هناك مرض الزهري الذي يسميه الناس عندنا وفي أماكن أخرى يسمونه بمرض الإفرنج، لأن الناس هنا لم يعرفوا هذا المرض إلا من خلال الإفرنج الذين قدموا إلى البلاد، وكانوا مصابين بمرض الزهري: وهو مرض جنس بسبب العلاقات الجنسية المحرمة، ولهذا كان الناس هنا يسمونه الإفرنج، هذا المرض نشره ملك فرنسا الذي يسمى شارل الثامن، لما غزا إيطاليا وكان معه جيش ضخم وجعل في هذا الجيش خمسة آلاف أو قريباً من هذا العدد من البغايا المومسات من أجل الفساد والإفساد، فانتقل بفساده إلى أوروبا ونقل لها هذا المرض الخبيث، وهو مرض الزهري، ثم التقى بطائش آخر مثله، وهو البابا إسكندر السادس، ففعلوا معه الأفاعيل من الجرائم والموبقات، وكان ذلك كله قبل أن يكتشف البنسلين، الذي هو -بإذن الله تعالى- يقتل جرثومة هذا المرض.

    بعد ذلك نجد أن الله تعالى سلط على أصحاب المعاصي وعلى أصحاب الشذوذ، وعلى أصحاب المخدرات مرض الإيدز، الذي هو مرض فقدان المناعة المكتسب -كما يسمى- والعدد الفعلي لحالات الإصابة بهذا المرض تقدر بمليون ونصف مليون، ثلثهم تقريباً من الأطفال، وتذكر بعض المعلومات أن ما بين تسعة إلى أحد عشر مليوناً مصابون بالفيروس الذي يسبب مرض الإيدز، بل تقول بعض الدراسات: إنه يتوقع -والعلم عند الله تعالى- أنه بحلول عام ألفين سوف يدخل هذا الفيروس أجسام أربعين مليون شخص، وهذه عقوبة إلهية عاجلة لمن خالفوا أمر الله تعالى وارتكبوا نهيه، وهو نموذج من الفساد في البر.

    الفساد في البحر

    أما الفساد في البحر، فعلى سبيل المثال: التلوث، والزلازل في البحار وما تسببه من فيضانات، والفيضانات نفسها، وموت الحيوانات، ولعل أقرب مثال يمكن أن نلفت إليه الأنظار بقعة الزيت العائمة التي تكلم عنها الإعلام كثيراً، وربما بالغ الإعلام الغربي في تهويلها والكلام عن آثارها على الحيوانات، وعلى صعوبة الاستفادة من ماء البحار في الشرب وغيره، هذا نموذج أيضاً من الفساد في البحر، هذا وذاك فساد دنيوي.

    الفساد الديني

    أما الفساد الديني في البر والبحر -كما فسره بعض العلماء- فحدث ولا حرج، فأما الفساد الديني في البر فألوان المعاصي والموبقات التي ترتكب، وأما الفساد في البحر فحدث أيضاً ولا حرج عن العرى، وعن الأماكن التي تقام في البحار والقصور الفارهة الفخمة القائمة على الفساد وعلى المعصية، وعلى مخالفة أمر الله عز وجل، وعلى الخلوة بالمنكرات، وعلى الظلم، وعلى الكفر والإلحاد، ولعله سبق في هذا المكان الكلام عن قصر الرئيس السوفيتي، ووصفه وما فيه من أعاجيب الصنعة التي هي من أموال الكادحين، ومن عَرَقِ العمال المساكين.

    إذا لم تقم الحدود الشرعية تحولت إلى عقوبات كونية

    قال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طه:124] هذا كله جزء فقط من المعيشة الضنك، التي توعد الله تبارك وتعالى بها من أعرضوا عن ذكر الله عز وجل، ولعل من طريف ما يمكن أن يقال فيما يتعلق بالمعيشة الضنك: أن الله تعالى أمرنا نحن المسلمين أن نقيم الحدود على أصحاب المعاصي، فإذا تخلينا عن إقامة الحدود فإن هذه العقوبة الشرعية التي كان من المفروض أن نقوم بها نحن، تتحول بإذن الله تعالى إلى عقوبة كونية عامة، وإذا كان الحد الشرعي إنما يتناول العاصي فقط، فإن العقوبة الكونية العامة قد تشمل المباشر للجريمة وغير المباشر، ولهذا جاء في الصحيحين {أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كلم في المخزومية التي كانت تسرق، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أسامة بن زيد حبه وابن حبه، فقال: النبي صلى الله عليه وسلم: أتشفع في حد من حدود الله؟!

    ثم قال: إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت؛ لقطع محمد صلى الله عليه وسلم يدها} وحاشاها رضي الله عنها من ذلك، لكن هذا مثال في العدالة، حتى على بنت الرسول عليه الصلاة والسلام، وليس في المجتمع الإسلامي من يجري في عروقه دم مقدس، فهو فوق النظام والعدالة أو -كما يقال- فوق القانون، إنما يخضع الجميع لشريعة الله عز وجل، الكبير والصغير أمام شريعة الله تعالى سواء، وقد جاء عمر رضي الله عنه بـابن عمرو بن العاص، وطلب من القبطي الأجنبي البعيد بل والكافر أن يأخذ الدرة ويضعها على رأسه ويضربه ويقول: اضرب ابن الأكرمين، خذ حقك، انتصر من ابن الأكرمين، وفي بلاط أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، الذي اشتهر عنه قوله: [[متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً]].

    إذاً: عقوبة الحد -مثلاً- على السارق بالقطع، أو عقوبة رجم الزاني المحصن، أو عقوبة جلد غير المحصن، أو أي حد شرعي أمر الله تعالى به، إذا فعله الناس أمنوا واطمأنوا على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وأرغد عليهم الله تعالى بالعيش، فإذا قصروا ولم يقوموا بالحدود، فإن هذه العقوبة الشرعية تتحول إلى عقوبة كونية، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: { إنما أهلك الذين من قبلكم } أهلكوا لماذا؟

    لأنهم عطلوا الحدود؛ لم يقيموا الحدود الشرعية، فنـزلت عليهم العقوبات الكونية القدرية التي لا يدلهم في دفعها، وهي عقوبات عامة تشمل الجميع، ثم يبعثون على نياتهم كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم.

    كيف نجت الأمم الغربية من السنن الكونية

    حين نتكلم عن المعيشة الضنك والعقوبات الإلهية، ونضرب لكم مثلاً بمرض الإيدز كما قلت قبل قليل، يبرز سؤال يطرحه كثير من الناس ويقولون: كيف نجت الحضارة الغربية القائمة اليوم من طائلة السنة الكونية؟

    وأقول: إن الحضارة الغربية حضارة منحرفة في عقيدتها، قد كفرت بالله تعالى وتنكرت له، فهي منحرفة في تصورها عن الإنسان وقيمة الإنسان، منحرفة في تصورها عن الحياة وهدفها وسر وجودها، منحرفة في سلوكها، وفي نواحي الحياة كلها السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والأخلاقية، والفنية، فهي انحراف علمي وعملي شامل لكل شيء، إنها حضارة مشركة كافرة، والإنسان فيها جعل من نفسه إلهاً من دون الله عز وجل، وجعل المال إلهاً، من دون الله، وجعل الهوى إلهاً يعبد من دون الله، وجعل المادة إلها وجعل الآلة إلهاً، وجعل الإنتاج إلهاً، بل جعل الجنس إلهاً، فقد كفروا بالله تعالى وعبدوا كل شيء، ولهذا من كفر بالله عبد غير الله، فالإنسان لا بد له من عبودية قال تعالى: يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً [مريم:44] فإذا ترك الإنسان عبادة الله تعالى، سلط الله عليه أن يعبد غير الله، حتى قد يعبد الإنسان نفسه، وقد يعبد الجنس، وقد يعبد الحيوان، كل ذلك منهم هروب من عبادة الله تعالى وطاعته، فلا بد أن تحل عليهم عقوبة الله تعالى، ولا بد أن تنتفض وتنتصر الفطرة الحقة التي فطر الله الناس عليها، ولا بد أن يؤدي الغرب ضريبة انحرافه العميق البعيد، وسوف تكون بالتأكيد هذه الضريبة ضريبة فادحة قاصمة مدمرة!

    وإذا كان الإنسان الغربي -مثلاً- قد أدى جزءاً من هذه الضريبة من أعصابه وبدنه، من عافيته وصحته، من سعادته وطمأنينته وسرور قلبه، من مواهبه وخصائصه وعقله، ومن دنياه وآخرته، إذا كان أداها نقصاً في المال، ونقصاً في النسل يهدد بالانقراض، ونقصاً في الاهتمامات والطموحات، فإنه بالتأكيد سوف يؤديها على مستوى الحضارة كلها انهياراً متسارعاً لا يقف في طريقه شيء. ولكن هذا الانهيار لا يجب أن يكون بالضرورة كانهيار الأنظمة الشرقية في لحظة واحدة.

    إننا نجد أن أجداد هؤلاء ومن ورثوا عنهم الحضارة من اليونان والرومان، مروا بالتجربة نفسها.

    فمثلاً كانت العاهرات والفاجرات في حضارة اليونان تتبوءان مكانة عالية رفيعة، وقد وصل حب الجمال عندهم إلى درجة كبيرة، حتى جعل في نفوسهم اضطراباً واضطراماً وشهوة لا تتوقف عند حد، فصاروا مثل الذي يشرب من البحر لا يمكن أن يروى أبداً، حتى صنعوا التماثيل العارية يتفننون في صنعها، وينظرون إليها ويتلذذون بها.

    ثم تبدلت مقاييس الأخلاق عندهم، فصاروا لا يرون في الفواحش غضاضة يلام المرء عليها أو يعاب بها، بل إنهم حرفوا دينهم وغيروه وبدلوه حتى يتوافق مع هذا الانحراف الخطير الذي بلوا وافتتنوا به، ثم ظهرت الغريزة البهيمية عندهم بانتشار سوءة قوم لوط انتشاراً كاد يأتي على الأخضر واليابس، ورحبت بذلك أديانهم وأخلاقهم أيضاً فحرفوا الأخلاق والأديان حتى تتوافق مع هذا.

    وهذا كله نجد اليوم حرفاً بحرف يقع في بلاد الغرب، فقد وجدت عندهم أنظمة وقوانين تبيح كل ألوان الفساد الجنسي والإباحة الجنسية، ثم سقطت دولهم وتهاوت حضارتهم.

    وبعد هذا فالتاريخ اليوم شاهد بأن اليونان لم يكن لهم من المجد والرقي نصيب بعد ذلك أبداً إلى يوم الناس هذا، ثم جاءت الحضارة الرومانية، وكانت تهزأ بالدين في المسرح على حين تمارسه في المعبد، ففي الوقت الذي تعبد الله تعالى في معابدها فيما تزعم وتدعي، كانت تقيم التمثيليات والمسرحيات التي تهزأ بالدين وتهزأ بالله تعالى والرسل والأنبياء، ومع الأسف هذا هو الأمر يمارس اليوم في طول بلاد الإسلام وعرضها، سواء من خلال المسرحيات والتمثيليات التي جُلبت من بلاد الكفر، أم التي مارسها وقام بها أناس كانوا مسلمين يوماً من الأيام، ولكنهم انسلخوا عن هذا الدين وصاروا يهزءون ويسخرون به وبأهله.

    المهم الحضارة الرومانية كانت تهزأ بالدين في المسرح في حين أنها تمارسه في المعبد، وقد وصلت من غلوها في القوة وتسلطها إلى شيء كبير، واستغلت الأمم كلها لمصلحة وطنها القومي فقط، وضخمت اللذات الحسية وسعت وراءها، ثم صار ما صار من انهيار هذه الأمم.

    الأمة الغربية والحضارة الغربية اليوم، هي -أيضاً- آيلة إلى الزوال والفناء إن عاجلاً أو أجلاً، ومعالم الزوال والفناء بدأت تبرز ملامحها عندهم، ويكفي أن أقول لكم: إنه وقع في يدي أمس كتاب اسمه المسلمون قادمون، ألفه روائي بريطاني اسمه انطوني برجس، وبرجس هذا يتكلم في هذا الكتاب عن الخوف من الإسلام، من خلال مسرحية يصور فيها الإسلام وقد اكتسح بلاد الغرب وبريطانيا وغيرها، وطبعاً لا يصور الإسلام الحق، لكنه ويصور الإسلام الموجود اليوم، ويصور الانحراف الموجود عند المسلمين اليوم، وقد امتد إلى بلاد الغرب، وانتصر المسلمون واكتسحوا ذلك العالم.

    إذاً: الخوف من الإسلام لم يعد هاجساً في التقارير السرية الأمنية التي تتناقلها أجهزة الاستخبارات الغربية، بل تعدى ذلك إلى أن أصبح مادة يتناولها الأدباء والشعراء والكتاب والروائيون وغيرهم، فهم يدركون فعلاً أن حضارتهم إلى زوال وإلى فناء، وأن الإسلام هو البديل، ونحن نقول هذا سيكون بإذن الله تعالى، وعندنا من الأدلة على ذلك الشرعية، والواقعية، والتاريخية الشيء الكثير.

    1.   

    سنة المداولة

    ومن السنن أيضاً: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:140] سنة المداولة مع أن العاقبة للتقوى وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف:128] فكل هيمنة للشرك والكفر تتلوها بإذن الله تعالى جولة ظافرة للإسلام وللمتقين، ولهذا قال الله تعالى في نفس الآية: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [آل عمران:141].

    إذاً، الكافرين، صار لهم دولة ونصر في تلك المعركة، ولكن هذا لا يعني أن لهم استمراراً، كلا! بل إن الله تعالى أعطاهم ما أعطاهم حتى يمحص المؤمنين ويجعل العاقبة لهم، ويمحق الكافرين ويقضي عليهم ويزيلهم ويبيدهم، فأشار إلى أن العاقبة هي محق الكافرين، ويكفي أن تعلم أنه كما أن أول من كان في الدنيا وهو آدم عليه السلام وكان على الدين الحق وعلى الحنيفية هو وأولاده، علمهم الإسلام فكانوا طائعين مؤمنين.

    كذلك آخر ما يكون في هذه الدنيا ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من نـزول عيسى عليه السلام، وخروج المهدي، حيث تخرج الأرض بركاتها وخيراتها وكنوزها، حتى أن الجماعة أو الفئة من الناس يأكلون الرمان ويستظلون بقحفها، وحتى تملأ الأرض عدلا وقسطاً، كما ملئت ظلماً وجوراً، وحتى لا يوجد بين الناس حقد، أو حسد أو بغضاء... إلى آخر ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يبعث الله تعالى الريح الطيبة فتقبض أرواح المؤمنين، ولا يبقى إلا شرار الناس، فعليهم تقوم الساعة، فالمداولة إذاً نهايتها ونتيجتها للمؤمنين.

    حكم وأسرار المداولة

    وللمداولة حكم وأسرار منها:

    أولاً: تحقيق عدل الله تعالى بين الأطراف، فالمقصر ينال جزاءه أياً كان.

    ثانياً: تمحيص الله تعالى للمؤمنين، سواء تمحيصهم بإزالة العيوب والأمراض الموجودة فيهم أم تمحيصهم بتكفير السيئات عنهم، أم تمحيصهم بإزالة المنافقين من بين الصف المسلم.

    ثالثاً: أن يتخذ الله تعالى ويصطفي ويجتبي من المؤمنين شهداء، كما قال: وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ [آل عمران:140] يختارهم إلى جواره ويرفعهم إلى أعلى المنازل، ولهذا قال هرقل لـأبي سفيان: "هل قاتلكم الرسول عليه الصلاة والسلام؟

    قال: نعم، قال: فكيف الحرب بينكم وبينه؟

    قال: سجال؛ ينال منا وننال منه، أو يدال منا وندال منه، فقال له هرقل: كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة".

    إذاً المداولة توحي بالحركة الدائمة والتجدد والأمل، وأن الأيام ليست ملكاً لأحد من الناس، إنما هي ملك لله تعالى، ولهذا قال الله تعالى: {وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار} فالأيام ليست ملكاً لأحد من البشر، ولا داعي لليأس والهزيمة، فمن هم الآن في القمة وسوف تنتهي بهم السنن الكونية إلى الحضيض، ومن هم في القاع سوف تصعد بهم أعمالهم الصالحة وفق السنن الإلهية الكونية بإذنه تعالى إلى القمة وإلى القوة.

    نماذج المداولة من الكتاب العزيز

    وهذه نماذج ذكرها الله تعالى في كتابه أسردها سرداً، والله تعالى ذكر -مثلا- من الأمم الصالحة الممكَّنة التي أدال الله تعالى لها، داود وسليمان وذو القرنين: إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً فَأَتْبَعَ سَبَباً [الكهف:85] وذكر من الأمم التي فسدت وكفرت وطغت؛ فعاقبها الله تعالى وحقت عليها سنته، سبأ وفرعون وثمود وعاد، ونحن نجد من الأمم القريبة والبعيدة من ذلك شيئا كثيراً.

    1.   

    سنة المدافعة والصراع

    من السنن الكونية أيضاً قوله تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة:251] هذه سنة الصراع، -كما يسميها بعضهم- أو سنة المدافعة، أو سنة الخصومة، وهي سنة جارية في الكون بين المؤمنين والكافرين، بل بين الناس بعضهم بعضاً، يقول الله عز وجل: وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُواً [الكهف:56].

    مظاهر الصراع

    إذاً: الصراع يكون أولاً: بالجدال بين الحق والباطل، أي: والصراع بالكلمة، والصراع بالفكرة، الصراع ومن خلال الكتاب والدرس والمحاضرة، ومن خلال المناظرة، ومن خلال الدعوة، فهذا هو صراع، ولذلك الله تعالى ذكر في الآية: وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الكهف:56] إشارة إلى أنه جدال مستمر، فالفعل المضارع يدل على التجدد والاستمرار والدوام، فدائماً الكفار يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق، ويستهزئون بالآيات وبالنذُر، فهذا جزء من الصراع بين الحق والباطل، لكن هذه المجادلة نتيجتها أيضاً مقررة في القرآن فلا داعي إلى أن تتعب ذهنك وعقلك في معرفة النتيجة، لكن تعب ذهنك وعقلك أو في مجادلة أهل الباطل، وفي الدعوة إلى الحق، لكن نتيجة لا تتعب وراءها، لأنها مقررة: وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ [الكهف:56] النتيجة هي قال الله تعالى: وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [غافر:5].

    فالنتيجة هي أخذ الله تعالى للمجادلين بالباطل، فلا تغتر بكثرتهم، ولا تغتر بهيلمانهم، ولا تغتر بالمقالات الطويلة العريضة، والكتب الضخمة، والأجهزة المسخرة للباطل، فلا تغتر بها، لأن في انتظارها جميعاً: فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [غافر:5] وقد ضرب الله تعالى مثلاً للكلمة الطيبة، والكلمة الخبيثة في كتابه فذكر: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا [إبراهيم:25] فهي تدل على الخضرة، الظل، الثبات، البقاء، العمق، الارتفاع، والخير، هذه هي الكلمة الطيبة، فهي مثل للحق والكلمة الخبيثة: وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ [إبراهيم:26] فهي غير نافعة ولا خضراء ولا مثمرة ولا طويلة ولا عميقة ولا ممتدة مالها من قرار، ولذلك قبل دولة الباطل ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة.

    إذاً: الخصومة أولاً تكون بالكلمة، ثم تنتقل بعد ذلك إلى مجالات وميادين أخرى قال الله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ [النمل:45] لا حيلة يا أخي! لا تتصور أن البشرية كلها سوف تسلك الطريق، إنما لابد من الخصومة بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والإسلام والكفر.

    والخصومة بكل صورها تبدأ من الكلمة، وتنتهي بالمدفعية والدبابة والطائرة والصاروخ، الخصومة لابد منها، فالحرب نموذج من الخصومة، وهي أرقى وأعلى وآخر صور المدافعة بين الحق والباطل، ولهذا الله تعالى ربط قضية الحرب بين المؤمنين والكفار بالمدافعة، فقال: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ [الحج:40] إذاً أذن لهم بالقتال وبالجهاد لأنه وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:40].

    إذاً تبدأ بالمدافعة الفكرية والدعوية والعقدية، وتمر بمراحل كالمدافعة الاقتصادية -مثلاً- والمدافعة الاجتماعية للهيمنة على مؤسسات المجتمع، ومدارسه، وأجهزته، وأجهزة إعلامه، القوة الموجودة فيه، والتأثير في الناس، وتنتهي بالصراع في ميادين الحرب والقتال بين المؤمنين والكفار.

    ويقول ابن خلدون رحمه الله عن الحرب كنتيجة أخيرة من نتائج الصراع الفكري -إن صح التعبير- يقول: " اعلم أن الحروب وأنواع المقاتلة لم تزل واقعة في الخليقة منذ أن برأها الله تعالى، وأصلها إرادة انتقام بعض البشر من بعض، يتعصب كل منهم لأهل عصبيته، فإذا تذامروا لذلك وتوافقت الطائفتان، إحداهما تطلب الانتقام والأخرى تدافع؛ كانت الحرب، وهو أمر طبيعي في البشر، لا تخلو عنه أمة ولا جيل، وسبب هذا الانتقام في الأكثر إما غيرة وإما منافسة، أو عدوان، وإما غضب لله تعالى ولدينه، وإما غضب للمُلْك وسعي في تمهيده " انتهى كلام ابن خلدون.

    فالحرب جزء من الحياة البشرية لا تنفك عنها بحال، ومغرقون في السطحية أولئك الذين يتصورون أو يعتقدون أن بالإمكان الاقتصار على الحوار، والحديث الهادئ، والمجادلة بالحجة، وأنه لا حاجة إلى القتال، وأننا يمكن أن نحول العالم إلى عالم مسلم من خلال الكلمة الهادفة.

    سطحية مفرطة، وجهل بالدين -أيضاً- هل تتوقعون أن طبيعة الإنسان تتغير؟

    كلا! هل حقائق التاريخ تتغير؟

    كلا، هل طبيعة الكفر تتغير؟

    الله تعالى يقول: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:254] فالكفر قرين الظلم دائماً وأبداً، هل تتغير طبيعة الكفر والظلم؟

    الكلام في هذا يعني أختصره، وقد سبق أن ذكرت طرفاً منه في محاضرة (حي على الجهاد) وربما أطنبت في هذه النقطة بالذات، وعلى كل حال فإن الله تعالى قرر هذا وبينَّه أتمَّ بيان بقوله تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة:253].

    فالقتال والجهاد والحرب بين الإسلام والكفر قائم ولابد، وقادم أيضاً.

    1.   

    كل ما ارتفع في الدنيا سيوضع

    من سنن الله تعالى -وأختم بها- قول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان {حقٌ على الله تعالى ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه} وقد قال عليه الصلاة والسلام هذا بمناسبة أن ناقته العضباء كانت لا تسبق، ثم جاء أعرابي على قعود له فسبقها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك.

    وهذه سنة عامة في كل الأمم، حتى أمم الدعوة إذا قامت لها حكومات وقامت لها دول، تبدأ فيها عوامل الضعف تدب شيئاً فشيئاً حتى تضعف، ثم تنحرف عن دعوتها وعقيدتها وما قامت من أجله، فتحق عليها السنة، وهي في مجال الخير، فمن باب أولى ما كان في مجال الشر، ونحن الآن نجد أن الأمم الغربية قد ارتفعت وبلغت أوجها، فالآن العالم يتكلم عن أمريكا على أنها هي القطب الأحادي الذي يدير العالم -كما يزعمون ويتصورون- وأنها أعظم الأمم، وأكبر القوى... إلى غير ذلك من الهالات التي أطلقوها عليها ووصموها بها، وفعلاً قد أصابها من غطرسة الكبرياء، والقوة، والتسلط، والانفراد خاصة بعد انهيار النظام الشيوعي؛ أصابها من جراء ذلك شيئاً كبيراً، ولذلك فإن من حكمة الله تعالى {حقٌ على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه} فأقول: إن هذه القوة الكافرة المتنفذة اليوم، قد بلغت أوجها ونحن بمقتضى هذا الوعد النبوي نقول: حق على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه الله تعالى.

    إذاً: سوف تتضع هذه القوى وتنهار، ويبدأ عدها التنازلي بمقتضى هذه السنة التي حددها وقررها وبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    يتوقع البعض أن وجود الروس والجمهوريات الاشتراكية في الماضي كان يحفظ التوازن بين الشرق والغرب، وهذا الكلام يحتاج إلى إعادة نظر، فأي توازن حفظه، ربما نقول إن وجود الشرق الشيوعي الملحد كقوة منافسة للغرب في الماضي جعل كثيراً من القوى التي تخاف من الشيوعية ترتمي في أحضان أمريكا وترتبط معها بالعهود والمواثيق الطويلة، وتقبل أن تكون أراضيها ميداناً لقوتها ولنشر صواريخها، أما بعد ما أنهار النظام الشيوعي الشرقي الكافر، فربما يزول ذلك الخوف، الذي جعل كثيراً من الدول تمد حبالها إلى أمريكا، إضافة إلى أنه سوف يجعل تلك الدول تشعر بخطورة أمريكا عليها، فتقوم بعمل وحدة فيما بينها، أو تحالفات لمواجهة الغطرسة الأمريكية والتسلط الغربي، وهذا ما نجد بشائره فيما يسمونه الآن بـأوروبا الموحدة التي يتوقعون أن تظهر تقريباً عام ألف وتسعمائة واثنين وتسعين تقريباً، والتي بدءوا يوجدون لها المؤسسات والأجهزة التكاملية، وهذه أصبحت أمريكا تنظر إليها على أنها موجهة إليها، وأنها هي المستهدفة من ورائها.

    إذاً: {حقٌ على الله ألا يرتفع شيء إلا وضعه} وربما يهلك الله تعالى بعض هؤلاء ببعض كما سبق ذكره في سنة أخرى، فطبيعة الحياة لا بقاء ولا قرار لها، وطبيعة الصراع بين الحق والباطل لابد أن تفعل فعلها بإذن الله تعالى، وعلى المؤمنين أن يعقلوا ويعرفوا هذه السنن الكونية، ليكون في قلوبهم أمل دائم بانتصار الإسلام، ولئلا تكبر في قلوبهم قوى الغرب الكافر، أو تعظم في نفوسهم فيظنوا أنه لا زوال لها، كما كان يتوقع بعض المفكرين في زمن مضى.

    وفي الأسبوع القادم إن شاء الله سوف يكون عنوان الدرس (مجرد إشاعة).

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.