إسلام ويب

جزيرة الإسلامللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحتوي هذه المادة على التعريف بالجزيرة العربية، والأحاديث التي وردت في فضل أماكنها، ثم المميزات التي تمتاز بها الجزيرة العربية عن بقية الأرض.

    1.   

    تنبيهات

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه صلاة وسلاماً دائمين إلى يوم الدين.

    السلام عليكم ورحمه الله وبركاته.

    هذا هو الدرس (31) من الدروس العلمية العامة، في يوم السبت، ليلة الأحد 15 من شهر جمادى الأولى لعام (1411هـ).

    أيها الأحبة الكرام: موضوع هذه الليلة: جزيرة الإسلام. وأود أن أنبه أن بعض الإخوة بمجرد أن ينتهي الإمام من الصلاة، يأتون سراعاً إلى هذا المكان، ولا شك أننا نعلم أن الإمام -مثلاً- له حق في البقعة التي صلى فيها، والمؤذن له حق في البقعة التي صلى فيها، والجماعة الذين في الصف الأول كذلك، والإخوة أصحاب التسجيلات يحتاجون إلى مساحة تكون فارغة يتحركون فيها.

    مع هذا أقول: يعلم الله أنني إذا رأيت مثل هؤلاء الإخوة حتى من الشباب الصغار، أنني أحس بفرح كبير؛ لأننا ندرك أن مثل هؤلاء الشباب على أكتافهم -بإذن الله تعالى- يكون مستقبل الإسلام، وقد يكون من بين هؤلاء الصغار الذين ما لبسوا الغتر، قد يكون من بينهم -أحياناً- عالم جليل، وفقيه نبيل، وداعية ومرشد وخطيب ومجدد ومجاهد.

    فنحن نفرح بمجيئهم إلى هذه المجالس، ونسر بذلك أيما سرور، لكن من باب المحبة، والحرص على البعد عن كل أمر قد يعيبك به الناس؛ أحببت أن أنبه إلى ذلك.

    1.   

    المختارة والمفضلة في الجزيرة

    أحبتي الكرام: الله عزوجل وهو الخالق، وهو الذي يختار كما قال الله تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ [القصص:68] خلق البشر، واختار منهم الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وخلق الخلق واختار منهم ما يشاء، وخلق الملائكة واصطفى منهم أفضلهم كجبريل وميكائيل وإسرافيل، وخلق البلاد والأرضين واختار منها بقاعاً وهي أفضلها وأطهرها،يقول الله عزوجل: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ [القصص:68] ويقول الله عزوجل: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ [الحج:75].

    وهذا الاختيار والاصطفاء الإلهي لا بد أن يكون اختياراً على علم؛ لأن الله تعالى هو العالم، ولذلك قال عزوجل: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام:124] فالله عز وجل اختار من البشر أفضلهم، واختار من البقاع أفضلها، كما قال عزوجل: وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [الدخان:32].

    فضل مكة

    أحبتي الكرام: هناك أماكن اختارها الله عز وجل واصطفاها واختصها، وهي أماكن كثيرة جداً، أذكر شيئاً منها، وبعض ما ورد في فضل هذه الأماكن بإيجاز واختصار، لأن الموضوع مهم وطويل.

    فالله عز وجل اختار مكة والحرم من حولها، كما قال الله عزوجل: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً [آل عمران:96-97].

    ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم، فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا}.

    فلا يجوز السفر إلى بقعة في الدنيا كلها بقصد العبادة، إلا لهذه الأماكن الثلاثة، لأن الله اختارها وجعل الصلاة فيها أفضل من الصلاة في غيرها.

    ومثله في فضل مكة: ما رواه البخاري ومسلم عن أبي شريح العدوي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن مكة حرَّمها الله عز وجل، ولم يحرِّمها الناس} وفي حديث ابن عباس أيضاً: {إن مكة حرَّمها الله عز وجل يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام لا يحل لأحد أن يسفك بها دماً، فإن أحد ترخَّص بقتال النبي صلى الله عليه وسلم، فقولوا: إن الله عز وجل أذن لنبيه ولم يأذن لكم}.

    ومن المواقف الطريفة والعجيبة في فضل مكة: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما أُخرج منها في الهجرة، بعد أن آذاه كفار قريش واضطهدوه، واضطروه إلى الخروج من مكة، خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، وكانت آنذاك بلداً صغيراً محدوداً، ربما في حدود الحرم اليوم وما حوله، فلما تجاوزها النبي صلى الله عليه وسلم، وصار إلى الشمال الشرقي منها، ربما في المكان الذي توجد فيه الأسواق اليوم، التفت إلى مكة وهو يبكي عليه الصلاة والسلام يقول مخاطباً مكة التي أحبها، قال: {والله إنك لخير بلاد الله، وأحب بلاد الله إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت} والحديث رواه الترمذي وهو حديث حسن.

    ومثله ما رواه البخاري أيضاً: {أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما جعل زوجه وابنه إسماعيل في مكة، وذهب وتركهم لحقت به زوجته تقول له: يا إبراهيم، إلى أين تذهب وتدعنا في هذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ وهو لا يجيب، فلما رأت إصراره قالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذاً لا يضيعنا. فرجعت إلى ولدها، فجاءهم جبريل عليه الصلاة والسلام، فقال لهم: لا تخافوا الضيعة، فإن هاهنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه}.

    إذاً وهذا وصية من جبريل عليه السلام لأهل بيت الله وأهل حرمه، وسكان أرضه وبلاده الطاهرة الطيبة المقدسة المباركة، لا تخافوا الضيعة فإن هاهنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه.

    فضل المدينة

    المدينة المنورة -مثلاً- يقول النبي صلى الله عليه وسلم، فيما رواه أنس بن مالك وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وأخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { المدينة حرام، ما بين كذا إلى كذا وذكر موضعين، وفي رواية: ما بين عير إلى ثور المدينة حرام ما بين كذا إلى كذا، فمن أحدث فيها حَدَثاً، أو آوى فيها مُحْدِثاً فعليه لعنة الله، والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله تعالى منهم صرفاً ولا عدلاً} هذا من فضل المدينة المنورة، كما جاء في حديث سهل بن حنيف أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم أهوى بيده إلى المدينة، وأشار إليها بيده وقال: {المدينة حرم آمن} والحديث في صحيح مسلم.

    وعن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا يصبر أحد على لأواء المدينة وجهدها، إلا كنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة} وهو في صحيح مسلم، وذلك لأن المدينة فيها حُمَّى، قد تصيب بعض الذين يهاجرون إليها، أو يقيمون فيها، أو يسكنون بها، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: {لا يصبر أحد على تعب المدينة وحمَّاها ولأوائها وجهدها إلا كنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة}.

    ولذلك -أيضاً- يقول صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أبي هريرة وهو في صحيح مسلم: {المدينة كالكير تنفي خبثها} وفى رواية: {تنفي خبث الناس كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب}.

    فإن المنافق لا يكاد أن يقر له بـالمدينة قرار، ولا يكاد أن يطيب له فيها دار، فهو فيها كالسجين، كالطير في القفص يحاول الفرار منها.

    ولما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس في آخر الزمان يخرجون من المدينة إلى الشام وإلى العراق وإلى غيرها، قال عليه الصلاة والسلام: {المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون} كما في حديث سفيان بن أبي زهير، وهو حديث متفق عليه.

    ويقول عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة المتفق عليه أيضاً: {أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون يثرب وهي طابة؛ تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب}.

    إذاً الرسول صلى الله عليه سلم أُمر بأن يهاجر إلى مدينة طيبة مباركة مشرفة، وهي: المدينة النبوية، تأكل القرى، يسمونها يثرب، كما قال المنافقون: يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا [الأحزاب:13] وهي كما سماها النبي صلى الله عليه وسلم طابة.

    ولعل من فضل المدينة ومكة: ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، أنه إذا جاء المسيح الدجال لا يستطيع أن يدخل مكة ولا المدينة، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {على أنقاب المدينة ملائكة يحرسونها، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال}. وهذا الحديث متفق عليه. {على أنقاب المدينة -أي: أبوابها وطرقها- ملائكة يحرسونها لا يدخلها الطاعون} أي: مرض الطاعون كوباء، فإنه لا يدخل المدينة، بمعنى: أن أهل المدينة لا يصيبهم الطاعون وباءً عاماً ينتشر ويفشو فيهم كما يفشو في البلاد الأخرى. وكذلك الدجال لا يستطيع أن يدخل المدينة.

    قال صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي بكرة: {لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال، لها يومئذ سبعة أبواب، على كل باب ملكان يحرسانها}.

    وفي الحديث الثالث: وهو حديث أنس رضي الله عنه­، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {ليس بلد إلا وسيطؤه الدجال، -ليس بلد في الدنيا كلها إلا سيطأه الدجال- إلا مكة والمدينة، فإنه لا يطؤهما ولا يستطيع أن يدخل إليهما، لكن ينـزل في سبخة من السباخ القريبة من المدينة، فترجف المدينة ثلاث رجفات، فيخرج إليه فيها كل كافر ومنافق}.

    إذاً قوله عليه الصلاة والسلام: {فيخرج إليه كل كافر ومنافق} دليل على أنه هذا درس وعبرة كبيرة -أيها الأحبة- أنه حتى في الزمان الذي يخرج فيه الدجال، وهو أكثر الزمان ظلمةً وقترةً وسواداً وفساداً وفتنة، حتى في ذلك الوقت يكون في المدينة المنورة، وفي جزيرة العرب، أناس كثيرون يحتاجون إلى النفاق، لماذا يحتاجون إلى النفاق؟ لماذا لم يجاهروا بكفرهم وردتهم وفجورهم؟ ذلك لوجود الخير، ووجود الشوكة للمؤمنين، والصالحين، والطيبين.

    ولذلك حتى في زمان الدجال؛ المنافقون مستترون في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يستطيعون أن يُظْهِروا رءوسهم، أو يخافون على مصالحهم، ولذلك يستترون فإذا جاء الدجال كشفوا عن مقاصدهم ومآربهم، وكشروا عن أنيابهم، وخرجوا إلى الدجال في سبخة من السباخ المحيطة بـالمدينة.

    ويكفي المدينة شرفاً وفضلاً وبهاءً ومكانة؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن فيها بقعة من بقاع الجنة. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام، كما في حديث عبد الله بن زيد المتفق عليه: {ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة} وفي الحديث الآخر: {ومنبري على حوضي} فالرسول عليه الصلاة والسلام ذكر أن هذه البقعة المشرفة من مسجده صلى الله عليه وسلم أنها روضة من رياض الجنة، وهي اليوم تسمى: الروضة النبوية.

    فضل الحجاز

    ومن الأماكن الفاضلة: الحجاز بشكل عام، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر الذي رواه مسلم: {إن الدين يأرز بين المسجدين -مسجد مكة ومسجد المدينة- كما تأرز الحية في جحرها}.

    إذاً يحنّ الدين وينضم ويجتمع إلى بلاد الحجاز، إلى مكة والمدينة وما بينهما.

    وفى حديث جابر -وهو في صحيح مسلم أيضاً- يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {غلظ القلوب والجفاء في المشرق، والإيمان في أهل الحجاز} فحكم النبي صلى الله عليه وسلم؛ بأن بلاد الحجاز وأرض الحجاز مأوى للمؤمنين، يفيئون إليها مرة بعد أخرى، وأن الإيمان في أهلها أكثر، ولا شك أن هذه ليست تزكية مطلقة؛ لأن أهل الحجاز حتى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان فيهم كفار معاندون، وكان فيهم منافقون مستترون بنفاقهم وكفرهم، وكان فيهم وفيهم... ولكن الغالب عليهم يومئذ الإيمان.

    فضل اليمن

    وكذلك الحال بالنسبة لأرض اليمن، وهي جزء من جزيرة الإسلام، وجزء من جزيرة العرب، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه، عن أبي هريرة: {أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوباً، الإيمان يمانٍ، والفقه يمانٍ، والحكمة يمانية} فذكر النبي صلى الله عليه وسلم لأهل اليمن هذه الفضائل.

    و اليمن يشمل مواقع عديدة، حتى أهل المدينة هم في الأصل من اليمن، وكذلك ما تيامن عن الكعبة فهو يسمى ويعد من اليمن، وليس مقصوراً فقط على البقعة الجغرافية التي تسمى اليوم اليمن، بل الأمر أشمل من ذلك، ويشمل كل ما كان عن يمين الكعبة.

    فضل الشام

    ومثله: بلاد الشام؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم حكم لها بالفضل، حتى قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه أصحاب السنن وهو صحيح: {إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم} وذكر لأهل الشام فضائل أخرى، بل صنف فيه عدداً من أهل العلم كتباً خاصة.

    1.   

    جزيرة الإسلام في السنة النبوية

    جاء ذكر الجزيرة في أحاديث عدة، رأيت أن أسردها لكم مع شيء من التعليق عليها.

    الجزيرة العربية عاصمة الإسلام

    روى ابن عباس رضي الله عنه، كما في الصحيحين قال: {يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم بكى حتى بلَّ دمعه الثرى، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اشتد به وجعه، قال: ائتوني حتى أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً. قال: فاختلفوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع، فبعضهم قالوا: قربوا حتى يكتب لكم كتاباً. وبعضهم قالوا: ما شأنه صلى الله عليه وسلم؟ -استفهموا- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قوموا عني، فالذي أنا فيه خير من الذي أنتم فيه، ثم أوصاهم صلى الله عليه وسلم بثلاث:

    الأولى: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب.

    والثانية: أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم -أي: أعطوا الوفود التي تبايع على الإسلام بمثل ما كنت أعطيهم- قال الراوي: ونسيت الثالثة} والثالثة كما ذكر أهل العلم، هي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بإنفاذ جيش أسامة بن زيد، الذي وجهه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشام.

    وفي حديث عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب } والحديث عند مسلم وفي رواية عند الترمذي قال: {لئن بقيت لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب}. وعائشة رضي الله عنها تقول: [[آخر ما عهد للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا يترك بـالجزيرة دينان]].

    لا يجتمع ولا يتساكن في جزيرة العرب دينان، وجزيرة العرب هي جزيرة الإسلام وجزيرة الإيمان، لا يساكنه فيها دين آخر أبداً. وحديث عائشة رواه أحمد، وسنده حسن.

    ومثله حديث أبي عبيدة رضي الله عنه: {آخر ما تكلم النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته: أخرجوا يهود الحجاز ونصارى نجران من جزيرة العرب }.

    إذاً نص النبي صلى الله عليه وسلم على إخراج المشركين واليهود والنصارى، وبالذات يهود الحجاز، لأنهم كانوا موجودين في خيبر ونحوها، وكذلك النصارى كانوا موجودين في نجران، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإخراجهم، والحديث رواه أحمد.

    وروى مالك في الموطأ عن عمر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا يجتمع في جزيرة العرب دينان}.

    هذا هو القسم الأول من النصوص الواردة في الجزيرة، وهي صريحة من أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم لهذه الجزيرة بأنها عاصمة الإسلام وبقعته، وتتميز عن كل بلاد الدنيا بهذا الحكم الخاص؛ أنه لا يجتمع فيها دينان، ولا يساكن الإسلام فيها ملة أخرى، لا شرك ولا يهودية ولا نصرانية ولا مجوسية، ولا غيرها.

    وما ذلك إلا لأنها المنطلق الأول والأخير للإسلام، ولأن الله عزوجل كتب أن تكون هذه الجزيرة هي الدار، كما قال الله عزوجل: وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا [الحشر:9].

    فهي دار الإيمان وبلاده وأرضه، التي يفيء إليها، ويأتي إليها أهل الإيمان من كل مكان وفى كل زمان.

    تعليق على حديث: {إن الشيطان يئس أن يعبد في جزيرة العرب }

    النوع الثاني من النصوص: ما رواه مسلم أيضاً، عن جابر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم}. والحديث رواه مسلم، وقد جاء الحديث نفسه عن جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة وجرير وأبو الدرداء وأبي بن كعب وعبادة بن الصامت وغيرهم، كلهم ذكروا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب}.

    وهذا الكلام يحتمل أموراً منها:

    أولاً: إن الشيطان يئس أن يعود أهل الجزيرة مرتدين كلهم، وإن وجد منهم ردة، ووجد فيهم شركاً، ووجد فيهم فساداً، لكن يئس الشيطان أن يرتد الناس كلهم عن الإسلام في هذه الجزيرة.

    ثانياً: أن يكون المقصود الناس الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأسلموا، فإن الشيطان لما رأى انتشار الإسلام وعزته وقوته؛ يئس من رجوع الناس عن دينهم أو ردتهم عنه، واستسلم للأمر الواقع.

    وذكر العلماء وجوهاً أخرى لهذا الحديث، ومنها:

    أنَّ يأس الشيطان متعلق بالمصلين، فالذين يصلون وهم ورواد المساجد، قد يئس الشيطان منهم أن يعبدوه ويشركو في ولكنه رضي منهم بما دون ذلك، وهو التحريش بينهم، وإثارة العداوات والبغضاء، وملء القلوب بالإحن والضغائن، والكلام في الناس حتى تمتلئ القلوب بالضغائن والأحقاد.

    هذا هو الذي تسلط به الشيطان على المؤمنين في هذه الجزيرة وفي غيرها، فنحن نرى المؤمنين وطلبة العلم -في كثير من الأحيان- يكون في قلوبهم الحسد البغضاء وسوء الظن والقيل والقال، إلى غير ذلك من الأشياء التي يوقد الشيطان نارها في قلوب المصلين، فيرضى منهم الشيطان بذلك ويكفيه منهم هذا.

    تعليق على حديث: { عودة الجزيرة مروجاً وأنهاراً }

    ومن النصوص الواردة في جزيرة العرب: ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، وهو في صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا تقوم الساعة حتى يكثر المال، وحتى يخرج الرجل بصدقته فلا يجد من يأخذها، ولا تقوم الساعة حتى تعود جزيرة العرب مروجاً وأنهاراً} وقوله عليه الصلاة والسلام: {حتى تعود جزيرة العرب مروجاً وأنهاراً } يحتمل عدة أمور:

    الاحتمال الأول: أن يكون المقصود أن الناس ينشغلون في بعض الأزمنة بالحروب والمعارك والفتن ونحوها، عن الأرض والمزارع والمياه ونحوها، فيهملونها فتكون أنهاراً تسيح ليس لها أحد يهتم بها. وهذا ذكره النووي، وهو بعيد.

    الاحتمال الثاني: أن يكون ذلك بسبب عناية الناس بالزراعة، وحفرهم للآبار والعيون، وشقهم للترع ونحوها وزرعهم للأرض، وهذا ما نجد بوادره الآن في هذه الجزيرة؛ حيث اشتغل كثير من أهلها بالزراعة، وأخضر كثير من صحاريها الجرداء، وهو داخل -والله أعلم- في معنى الحديث.

    الاحتمال الثالث: وهو من أقوى الاحتمالات: ما ذكره جماعة من العلماء المتخصصين في هذا العصر، أن هناك احتمالاً كبيراً أن تتحول الجزيرة -فعلاً- إلى أرض ذات هواء لطيف، وجو طيب، وهناك توقع لكثير من العلماء يقولون: احتمال مجيء ما يسمونه بالزحف الجليدي القادم من جهة الشمال إلى هذه الجزيرة، والذي يتسبب في تلطف هوائها، وحسن جوها، ومزيد اعتداله، وبناءً عليه يوجد في هذه الجزيرة فعلاً مروج حقيقية، وأنهار حقيقية، كما كانت موجودة فيها من قبل، كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: {حتى تعود جزيرة العرب } فقوله: (تعود) قد يدل بظاهره على أنها كانت مروجاً وأنهاراً في غابر الزمان، وتعود في آخر الزمان أيضاً مروجاً وأنهاراً، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم. فخالقها جل وعلا قادر على أن يفجر فيها الأنهار والعيون، وأن يحول جدبها إلى خصب، وأن يحول أراضيها الجرداء القاحلة إلى رياض خضراء مزهرة، والله تعالى على كل شيء قدير: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ [القصص:68].

    ومن النصوص الواردة في الجزيرة العربية من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما رواه نافع بن عتبة، وهو في صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثم تغزون فارس فيفتحها الله، ثم تغزون الروم فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله} إذاً المسألة بالترتيب أربعة أشياء، يا أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام هكذا ذكر لكم نبيكم عليه الصلاة والسلام عملكم:

    أولاً: تغزون -والخطاب لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم- جزيرة العرب، وهكذا كان، فإنهم غزوا الجزيرة حتى لم يمت النبي عليه الصلاة والسلام إلا ومعظم الجزيرة خاضع لحكم الإسلام، وجاءته الوفود من كل مكان ففتحها الله.

    بعد ذلك انتقلوا إلى بلاد فارس، فغزوها ففتحها الله.

    ثم انتقلوا إلى بلاد الروم، ولا زالت الحروب مع الروم ومع بلاد الروم.

    ثم بعد ذلك الدجال وهو في آخر الزمان.

    أربعة مراحل في تاريخ هذه الأمة، ذكرها صلى الله عليه وسلم، وظاهر من خلالها أن جزيرة العرب هي أول ما يفتح للإسلام، ويجتمع عليه أمر هذا الدين.

    أيضاً من الأحاديث الواردة: حديث حذيفة بن أسيد رضي الله عنه، وهو في صحيح مسلم: {أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عليهم يوماً وهم يتذاكرون الساعة. فقال: ماذا تتذاكرون؟ قالوا: نتذاكر الساعة. قال صلى الله عليه وسلم: إنها لن تقوم حتى تروا عشر آيات} فذكر صلى الله عليه وسلم الخسف والدخان والدابة، إلى أن قال صلى الله عليه وسلم: {وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بـجزيرة العرب} فذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيكون في جزيرة العرب خسف في آخر الزمان قبل قيام الساعة، ولعل هذا الخسف الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، هو الخسف الذي بينه في حديث عائشة وأم سلمة وغيرهما، وهو في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يعوذ عائذ بالبيت} وفي أحد الأحاديث: {أنه صلى الله عليه وسلم يوماً من الأيام عبث في منامه -أي تحرك في منامه بحركة لم تكن معهودة منه- فلما استيقظ، قالت له عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله! صنعت شيئاً لم تكن تفعله! قال عليه الصلاة والسلام: العجب أن ناساً من أمتي أو قوماً من أمتي يؤمون هذا البيت لرجل من قريش، حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بأولهم وآخرهم}.

    وفى رواية: {يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم} وفي رواية: {ثم لا ينجو منهم إلا الشريد الذي يخبر عنهم} فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يسخر الأرض لنصرة قوم من أوليائه وحزبه وجنده، يعتصمون بذلك البيت ليس لهم منعة إلا سيوفهم واعتصامهم بالله جل وعلا وثقتهم به، فيؤمهم قوم، أي: يغزونهم ويقاتلونهم، وهم أقوى منهم وأقدر، فيسلط الله تعالى عليهم الأرض، فتفتح فمها ثم تبتلع هذا الجيش عن آخره، حتى يكون فيه أسواقهم ودوابهم ومن ليس معهم، والمجبور، والمستبصر، وابن السبيل، والتاجر وغيرهم، ثم يبعثون على نياتهم، يردون مورداً واحداً، ويصدرون مصادر شتى.

    1.   

    حدود الجزيرة العربية

    ما هي الجزيرة العربية؟

    وما هي حدود هذه الجزيرة؟

    وما المقصود بها؟

    تكلم أهل العلم كالإمام أحمد والشافعي ومالك وغيرهم، في حدود هذه الجزيرة، وغالب هذه الأقوال تذكر بعض بلاد الجزيرة العربية؛ كـاليمامة، والحجاز، ومكة، والمدينة، وخيبر، وفدك ونحوها. ويقول الخليل بن أحمد: إن الجزيرة العربية سميت جزيرة؛ لأنه يحدها بحر الحبشي من جهة، وبحر فارس من جهة أخرى. كأنه يعني الخليج العربي والبحر الأحمر، كما تسمى بلغة الناس اليوم.

    فهذه حدود الجزيرة العربية، وهي في الواقع ليست جزيرة وإنما هي شبه جزيرة؛ لأن البحر يحدها من ثلاث جهات تقريباً، وسموها جزيرة من باب التسامح، وهي أكبر شبه جزيرة في العالم، فلا يوجد شبه جزيرة في الدنيا في مساحة وسعة هذه الجزيرة العربية.

    1.   

    مميزات الجزيرة العربية

    وهذا الموقع الذي تميزت به له آثار كبيرة جداً، يدركها الإنسان بأدنى تأمل، من آثار هذا الاختيار الإلهي لهذه الجزيرة ما يلي: وسنقف وقفات عند هذا الموقع وهذه الجزيرة، وهذه الأرض التي اختارها الله تعالى للإسلام:

    الجزيرة مركز الدنيا

    أولاً: الجزيرة وسط في هذه الدنيا كلها، فإننا نحن المسلمين سرنا حتى إذا صرنا في مركز الأرض قعدنا وقلنا هذا موقعنا الذي اختاره الله تعالى لنا جزيرة العرب، ولذلك الدراسات الحديثة اليوم تقول: إن مكة هي مركز الأرض؛ بمعنى أن اليابسة موزعة على مكة بنسب منتظمة متعادلة، فـمكة في الوسط، وقد كتب أحد المتخصصين في علم المساحة؛ وهو الدكتور حسين كمال الدين، كتب في مجلة البحوث الإسلامية، التي تصدرها رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء، في العدد الثاني بحثاً طويلاً، أثبت فيه بالأدلة والدراسات والإحصائيات والبحوث؛ أن مكة هي مركز الكرة الأرضية، وهي مركز الدنيا.

    ولذلك الفقهاء القدماء -فقهاء الأحناف والشافعية وغيرهم- يذكرون أن هناك يوماً في السنة لا يكون للأشياء فيه ظل بـمكة، يوم واحد في السنة كل الأشياء في مكة عند الزوال لا يكون لها ظل، لماذا؟

    لأن الشمس تكون عمودية تماماً على مكة، فلا يكون للأشياء ظل، أما في البلاد الأخرى فإنه عند الزوال -وقت زوال الشمس الساعة 12بالتوقيت الزوالي- يكون للأشياء ظل لكنه قليل، أما في مكة، فهناك يوم أو أكثر، لا يكون للأشياء ظل عند الزوال على الإطلاق؛ لأن مكة مركز الأرض، والشمس تكون عليها عمودية تماماً، فلا يكون للأشياء فيها ظل. وهذه ميزة، ولذلك قال الله عزوجل: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ [الشورى:7].

    قال بعض أهل العلم: لأن الدنيا كلها حول أم القرى، ولا شك أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعث لينذر الدنيا كلها، لا لينذر الجزيرة العربية فحسب، ولا لينذر العرب فحسب، ولكن لينذر الأمم كلها: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107].

    صحراؤها حمتها من كيد الغزاة

    الميزة الثانية: أن أرض هذه الجزيرة الصحراوية جعلتها بمنجاة من كيد الغزاة. فإن صحراء هذه الجزيرة ورمالها مقبرة للغزاة الذين يهمون بها منذ فجر التاريخ، فقد حماها الله عزوجل بصحرائها ورمالها الممتدة، وأرضها الواسعة، من كيد الغزاة المحتلين منذ فجر التاريخ إلى اليوم، كما أن الله عزوجل حماها بذلك من تأثير الحضارات المادية، فتأثير الحضارة المادية في الماضي والحاضر على الجزيرة هو أقل تأثيراً، ففي الماضي -مثلاً- كانت حضارة الفرس والرومان واليونان والهند والصين، ومع ذلك الجزيرة كانت بعيدة عن هذا كله لا تدري ماذا يدور في الدنيا!

    أما اليوم فمع أن الجزيرة -ولا شك- قد تأثرت بالحضارات المادية الموجودة، ووجد من أبنائها من يتأثر بحضارة الشرق فيدين بمبدأ الشيوعية -مثلاً- أو يتأثر بحضارة الغرب، فيرفع راية العلمانية، وينادي بفصل الدين عن الحياة، وفصل الدين عن السياسة، وعن المرأة، وعن الاجتماع، وعن الاقتصاد، وعن التعليم، وجعله محصوراً في المسجد.

    فوجد هؤلاء ووجد أولئك، ولا تزال رياح الفساد والتغيير تهب على هذه الجزيرة من كل مكان، وهذا أمر لسنا نجهله بحمد الله، وينبغي أن نكون جميعاً على أن يكون هذا الأمر على بالنا، وألا نستنيم أو ننخدع بما نتكلم فيه.

    ولكنني أقول: مع ذلك؛ إن من العدل أن ندرك أن هذه الجزيرة على رغم هذا كله؛ لا تزال هي أطهر بقعة في الدنيا، ولا تزال أنموذجاً فريداً من بين بلاد الدنيا.

    ولو أردت أن أتحدث عن التميز الموجود الآن في الجزيرة لطال المقام، ولست أريد -كما ذكرت- أن أبالغ في مدح هذه الجزيرة ومدح أهلها والثناء عليهم، حتى كأننا لا نريد أن نصنع شيئاً، لا. ليس بين أحد وبين الله عزوجل سبب إلا التقوى، فالقرشي والعربي وساكن الجزيرة وغير ساكن الجزيرة والأعجمي، كلهم في ميزان الله تعالى سواء قال الله: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: 13] وليس لنا بلد نقول هذا بلدنا، سواء آمن أم كفر، كلا!

    أنا عالمي ليس لي     أرض أسميها بلادي

    وطني هنا أو قل هنا     لك حيث يبعثها المنادي

    فالقفر أحلى من رياض     في رباها القلب صادي

    ولست أبغي سوى الإسلام لي وطناً     الشام فيه ووادي النيل سيان

    وحيث ما ذكر اسم الله في بلد     عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني

    وميزة الصحراء في هذه الجزيرة أيضاً: أنها جعلت شعوب هذه الصحراء شعوباً قوية أبية جديرة، لا تحمل الضيم، ولا تقبل الذل، ولا ترضى به، ولا تعطي الدنية في دينها بحال من الأحوال.

    إن في الشعوب التي نشأت في الصحراء، من القوة والشهامة والعزة والأنفة والكرامة أشياء كثيرة، ولذلك يقول الرافعي -رحمه الله-:

    إنما الإسلام في الصحراء انتهد     ليجيء كل مسلم أسد

    انظر هل أنت كذلك، أم لا؟!

    وانتهد، أي: وجد ونشأ.

    إنما الإسلام في الصحراء انتهد     ليجيء كل مسلم أسد

    ليس كالمسلم في الخلق أحد     ليس خلق اليوم بل خلق الأبد

    المسلم لا أحد مثله، خاصة حين يكون نشأ في هذه الصحراء، وتربى على القوة والرجولة والفتوة فيها، بعيداً عن ترف الحضارة وزخرفها والإغراء في لذاتها ومادياتها وشهواتها.

    هذا محمد إقبال يناديكم، ويقول:

    أمة الصحراء يا شعب الخلود      من سواكم حل أغلال الورى

    أي داع قبلكم في ذا الوجود      صاح لا كسرى هنا لا قيصرا

    من هو الذي قال: {إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقنَّ كنوزهما في سبيل الله عز وجل}؟ إنه هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وعلى يد من تحقق هذا الأمر الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم؟! لقد تحقق على يدي أمته وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين.

    أي داع قبلكم في ذا الوجود     صاح لا كسرى هنا لا قيصرا

    من سواكم في حديث أو قديم     أطلع القرآن صبحاً للرشاد

    هاتفاً في مسمع الكون العظيم     ليس غير الله رباً للعباد

    لا تقل أين ابتكار المسلمين؟

    لا تقل: أين حضارة المسلمين، أين علمهم، أين تقدمهم؟!

    لا تقل أين ابتكار المسلمين؟      وانظر الحمراء واشهد حسن تاج

    دولة سار ملوك العالمين     نحوها طوعاً يؤدون الخراج

    دولة نقرأ في آياتها      مظهر العزة والملك الحصين

    وكنوز الحق في طياتها      دونها حارت قلوب العارفين

    أنتم يا شعب الصحراء، طالما كنتم جمالاً للعصور وجمالاً للتاريخ وجمالاً للأمم، تشرئب الأعناق عند ذكركم.

    فكروا في عصركم وانتبهوا      طالما كنتم جمالاً للعصر

    وابعثوا الصحراء عزماً وابعثوا     مرة أخرى بها روح عمر

    ينادي -رحمه الله- أن يكون في المسلم روح عمر من جديد، روح القوة والشجاعة والشهامة والحمية والأنفة وإباء الضيم.

    احتواؤها على ثروة طائلة

    ميزة ثالثة: تتميز هذه الجزيرة في موقعها وأرضها وهوائها وصحرائها وذلك يتعلق أيضاً بجوها وتربتها وصحرائها:

    إن الله عز وجل جعل فيها خزائن الأرض، ولذلك جاء في البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وبينا أنا نائم إذ أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي} هكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم، ولاحظ التعبير: {مفاتيح خزائن الأرض، فوضعت في يدي}.

    يقول أبو هريرة رضي الله عنه: [[فقد ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنتم تنـتـثلونها]] أي تستخرجونها.

    وكان الناس في يوم من الأيام يحسبون خزائن الأرض هي الذهب والفضة فقط، لا يعرفون غيرها، أما اليوم فقد علمت الدنيا كلها أن هناك في باطن هذه الأرض، خاصة أرض الجزيرة، أنها كما يقولون: خزان يعوم على بحر من النفط. هذا النفط الذي هو من أعظم خزائن الأرض، وأعظم ثرواته وخيراته، حتى إن حضارة الناس اليوم وحياتهم في الشرق والغرب؛ لا يمكن أن تستغني عن هذا النفط بحال من الأحوال، ولو تعطل لتوقف اقتصادهم، وتوقفت صناعاتهم، بل وتوقفت حياتهم، وسياراتهم، وأمورهم، وتدفئتهم، وغذاؤهم، وأكلهم وشربهم، كل أمورهم بنوها على هذا، خاصة في بلاد الشرق والغرب.

    إذاً: في هذه الجزيرة هذه الثروة الهائلة العظيمة التي بشر النبي صلى الله عليه وسلم بها وبغيرها، حينما قال: {وبينا أنا نائم إذ أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي} فهذا جزء من خزائن الأرض، أكثر من (70%) من نفط العالم، موجود في هذه الجزيرة وما حولها.

    وأما بلاد الدنيا كلها على سعتها أطرافها، فيها قرابة 30% من هذا النفط.

    قال تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ [القصص:68] وقد انـزعج لذلك وجزع منه أعداء الإسلام من الكفار ومن كافة الأصناف، وتعجبوا كيف يكون في هذه البلاد كل هذه الخيرات؟! كيف تكون بهذا الثراء العظيم؟! يقول تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ [القصص:68-69].

    إنهم يسخرون من هذه الجزيرة ومن أهلها، ويكيدون لهم، ولكن الله عزوجل لهم بالمرصاد قال الله تعالى: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً [الطارق:15-17].

    إن الأمة الإسلامية يوم أن تستطيع أن تتحكم تحكماً حقيقياً بخيراتها، فهي بلا شك الأمة القادرة على قيادة البشرية، وتزعَّم الإنسانية، ونشر دينها في أرجاء المعمورة من أقصاها إلى أقصاها، وأن تكون هي الأمة القائدة والرائدة العظيمة، التي تذعن لها جميع بلاد الأرض.

    اعتدال جوها وهوائها

    ميزة رابعة: وهي من طريف ما ذكره بعض العلماء، خاصة من يسمونهم بعلماء الفسيولوجيا، يقولون: إن هذه الجزيرة بحكم وجودها في المنطقة المتوسطة بين الشرق والغرب، فإن هواءها وجوها معتدل نسبياً، ولذلك فإن الإنسان الذي يعيش فيها يستطيع أن يتكيف مع الأجواء الأخرى شديدة البرودة مثلاً، بخلاف الناس الذين يعيشون في الأجواء الباردة، كالمناطق القطبية مثلاً، والبلاد الأمريكية؛ فإنهم لا يستطيعون أن يتكيفوا مع جو هذه الجزيرة.

    ولذلك إذا جاءوا إليها، سرعان ما تتأثر وجوههم وسحناتهم وأشكالهم، ثم ينتقل التأثير بعد ذلك إلى أجهزة أجسامهم، وتتأثر بذلك تأثراً كبيراً.

    وهذه ميزة؛ أن هذه الجزيرة هي لأهلها، لأهل هذه البلاد، لأهل الإسلام، أما أهل الإسلام فيستطيعون أن يغزوا بلاد الدنيا كلها، فهم يذهبون إلى كل البلاد فيستطيعون أن يعيشوا فيها، لينشروا فيها دين الله عز وجل، وينشروا فيها القرآن، وينشروا فيها أحاديث الرسول عليه والصلاة والسلام، فهم يستطيعون أن يتكيفوا مع كل الأجواء ومع كل البلاد.

    الموقع الاستراتيجي

    ميزة خامسة: إن هذه الجزيرة في موقع استراتيجي هام، فهي تمسك بخناق العالم كله، وتتحكم بطرق تجارته، فهي صلة الوصل بين عدد غير قليل من الدول الكبيرة والقارات، وهي تربط بينها، وتهيمن على عدد من الممرات المهمة، التي يعتبر إيقافها -لو أوقفت- يعتبر قطعاً لشريان الحياة عن جزء كبير من هذه الأرض، وهذه ميزة أيضاً لهذه الجزيرة اختارها الله عزوجل لها.

    نعمة الشمس

    وأخيراً فيما يتعلق بالميزات الموجودة في هذه الجزيرة: هذه الشمس التي أنعم الله بها على هذه الجزيرة، أتدرون أنهم يحسدوننا على كل شيء، حتى على هذه الشمس التي تشرق علينا؟!

    كم في هذه الشمس من الخيرات: وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً [النبأ:13] هذه الشمس التي تكون سبباً في الصحة والعافية، وقتل كثير من الأوبئة والأمراض الموجودة في الهواء، وفي النباتات، وفي الإنسان، وفي غيرها.

    هذه الشمس التي تكون سبباً في ظهور نباتات كثيرة يستفيد منها الناس، كالليمون وغيره، والذي يقول بعض الغربيين: لو كان عندنا هذا ما احتجنا إلى مستشفيات، ويحسدوننا عليه أيضاً.

    هذه الشمس التي بدءوا الآن يفكرون بما يسمونه بتخزين الطاقة الشمسية؛ بحيث يمكن أن تحول إلى أشياء يستفاد منها في الزراعة، وفي التهوية، وفي التصنيع، وفي الإضاءة، في أشياء كثيرة جداً بواسطة ما يسمونها بالطاقة الشمسية. وهم -أيضاً- يحاولون أن يعرقلوا هذه المشاريع، ويقفوا في وجهها.

    هذه الشمس التي هي سبب في خيرات كثيرة أنعم الله بها على هذه الأرض.

    ولذلك بمجمل هذه الأشياء؛ فإن هذه الجزيرة -باختصار- تستطيع أن تستغني عن الدنيا كلها، بثرواتها وخيراتها، بمزروعاتها وحيواناتها وألبانها، بشمسها وهوائها، تستطيع أن تستغني عن الدنيا كلها، فهل تستطيع الدنيا أن تستغني عن هذه الجزيرة؟!

    كلا! إن هذه الجزيرة تملك -قبل ذلك كله- أمراً آخر هو أعظم من هذا، ألا وهو أنها تملك إيصال الهداية إلى البشرية كلها، تملك أن توصل هذا الدين وتحمل هذا النور، الذي حمّله الله عزوجل أهل هذه البلاد، وحمَّله المسلمين أجمعين من ورائهم، على حين أن الدنيا لا تملك إلا الضياع والدمار والخراب والبوار.

    1.   

    فضل العرب ومميزاتهم

    العرب الذين يسكنون في هذه الجزيرة ومن حولها، أي شعب هم؟ وما ميزتهم؟ وما خصائصهم؟

    لست من القوميين الذي يريد أن يمدح العرب ويتغزل بهم، ويجعل العرب أفضل الشعوب أياً كانوا: مسلمين، أو يهوداً أو نصارى، أستغفر الله فإن القومية دين آخر غير دين الإسلام بهذا المعني.

    ولكنني أيضاً، لست من الشعوبيين الذين يحاولون أن يقللوا قيمة العرب، ويتهموا العرب، أو يفضلوا عليهم شعوباً أخرى.

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في كتابه العظيم الكبير اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، يقول: إن أهل السنة والجماعة على أن جنس العرب أفضل من جميع الأجناس، من عجمها ورومها وعبريها وفارسيها وغيرهم. فجنس العرب أفضل من جميع الأجناس على سبيل الإجمال، وقد يوجد في العجم أفراد أفضل من العرب، وقد يوجد في الفرس أفراد أفضل من العرب، لكن الجنس -بشكل عام- العرب أفضل، كما أننا نقول مثلاً: جنس الرجال أفضل من جنس النساء. ومع ذلك قد يوجد في النساء من هي أفضل من الرجال.

    هكذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله: إن جنس العرب أفضل من جنس العجم، والروم والفرس وغيرهم. وهذا أمر معروف، حتى لا يكاد أن يجادل فيه أحد من الذين فقهوا عن الله تعالى وعن رسوله.

    وهذا الفضل للعرب من جوانب عديدة منها:

    اللغة

    الحفظ

    الميزة الثانية فيما يتعلق بالعرب هي: الحفظ؛ فإن العرب عندهم أذهان قوية قادرة على الحفظ؛ ولذلك تجد أن العربي يستطيع أن يحفظ من القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، ومن الأشعار، والأقوال، وغيرها ما لا يستطيع غيره من الشعوب، وهذه ميزة.

    العقول

    الميزة الثالثة: العقول؛ وأعتقد أن العرب، وخاصة في هذه البلاد يتميزون بعقول عملية، أي: أن العرب يتميزون بالعقول التي تعلمهم كيف يعملون؛ وكيف يخطون الطريق لنصر دينهم؛ كيف يجاهدون في سبيل الله؛ كيف يصلون إلى ما يريدون، وليست العقول التي دمرتها الفلسفة والترف والضياع في أمور لا طائل تحتها.

    فإن الفلسفة ضيعت كثيراً من العقول الأجنبية، فالعرب لا يعترفون بهذه الفلسفة، ولا يلتفتون إليها.

    فالعقول عندهم هي التي ترشد الإنسان إلى الطريق المستقيم الذي يكون به سعيداً في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.

    الأخلاق

    ومن أعظم الميزات للعرب أيضاً: الأخلاق والغرائز؛ فإنهم يتميزون بأخلاق لا يتميز بها غيرهم، وهذا لا يشك فيه أحد عايش العرب، وعايش غيرهم من الأمم والشعوب.

    فهم أطوع للخير، وأقرب للسخاء، والحلم، والشجاعة، والكرم، والوفاء، والعطاء من سواهم حتى في الجاهلية كان العرب عندهم طبيعة طيبة لكنها مثل الأرض الطيبة التي لم ينـزل عليها مطر، فلما جاء الإسلام كان المطر الذي نـزل على أرض طيبة فـ: اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج:5].

    كان العرب في جاهليتهم يهيمون بالحرية، ويأبون الذل، والرق، والاستعباد، ويبعدون عن الغطرسة، والازدراء ولا يقبلون الضيم بحال من الأحوال، ولم يتعودوا على حمل الضيم، ولهم في ذلك قصص عجيبة.

    أما الأمم الأخرى فإنها تقبل الضيم، وأذكر لذلك قصة طريفة، يقال:

    أن كسرى أمر جنوده أن -يمسحوا الأرض- يمسحوا بلاده ويقوموا بإحصائية عن المزارع والأراضين وغيرها، فمسحوها وقدموها بين يديه، فجمع كسرى الناس، وقال لهم: قد جمعنا الأرض، ومسحناها، وقررنا أن نأخذ منكم في السنة (3) مرات مقداراً معيناً من المال، نضعه في بيت المال حتى إذا حصل أمر عارض، احتجنا فيه إلى المال، أخرجنا من هذا المال وأنفقناه في حاجتنا، فما رأيكم؟ فسكتوا وأعاد مرة أخرى: ما رأيكم؟ وسكتوا. ومرة ثالثة، يقول: ما رأيكم؟

    فقام إنسان مسكين رديء الحال وبدأ يعطيه من ألفاظ التبجيل، والتقدير، والتوقير المعروفة للطغاة، ثم قال له: كيف تجعل هناك خراجاً وجُعْلاً ثابتاً في السنة ثلاث مرات، على أرض غير ثابتة؟ فإن الزرع يهيج ويموت، والماء يتوقف، والنبع يجف، والكَرْم يهلك، فكيف نخرج عطاءً ثابتاً على أشياء قد تموت وقد تهلك؟! فقال: يا مشئوم، يا مشئوم ماذا تعمل أنت؟ ما هو عملك؟ قال: أطال عمرك! أنا كاتب. فقال أين الكتاب؟ فجاء الكتاب كل واحد معه الدواة. قال: اقتلوه بالدواة، فبدأ كل واحد يضرب هذا المسكين بالدواة حتى قتل هذا المسكين.

    وبعد ذلك قال كسرى للناس: ما رأيكم؟ قالوا: رضينا، رضينا، والذي تراه هو المبارك.

    فهذه الأمم الأخرى تحملت الضيم، وتعودت على حمله، وأذعنت له حتى لا يهم أحد منهم أن يتكلم بالحق.

    أما العرب فكانوا على النقيض من ذلك؛ حتى في جاهليتهم؛ ولذلك أمثلة كثيرة من أمر الجاهلية يطول الكلام فيها، وهي موجودة في كتب الأدب والشعر، لكن لا بأس أن أضرب شيئاً منها:

    هناك رجل عربي في الجاهلية كان عنده فرس نفيسة يسميها: سكاب، فجاءه شيخ القبيلة، أو ملكهم، فقال له: أريد هذا الفرس، أريدها لي، أو أعطني إياها، أو أهدها إليّ، فرفض وأنشأ يقول أبياتاً من الشعر:

    أبيت اللعن! إن سكاب علق     نفيس لا يعار ولا يباع

    أبيت اللعن: حجية معروفة عند العرب. علق نفيس: يعني شيء مهم جداً، لا يعار ولا يباع.

    فلا تطمع أبيت اللعن فيها     ومنعكها بشيء يستطاع ما دمت

    مادامت أستطيع أن أمنعكها، فلن أعطيكها بحال من الأحوال.

    أيضاً عمرو بن كلثوم، وهو شاعر جاهلي معروف، طلب منه عمرو بن هند؛ وهو ملك من ملوك العرب، طلب منه أن يزوره، قال: تأتي أنت وأمك، فجاء هو وأمه -اسمها ليلى- وزاروا هذا الملك.

    فجلس هو عند الملك عمرو بن هند، وجلست أمه عند أمه، فقالت أم الملك لـأم عمرو -هذا الزائرة-: يا ليلى أعطيني الطبق هذا، وكانت قد أوحت للخادمات أن اذهبن، فهي خططت خطة، وقالت لهن: اذهبن كلكن. وقالت لها: يا ليلى أعطيني الطبق، تريد أن تكون خادمة لها.

    فقالت لها: صاحبة الحاجة تقوم إلى حاجتها، لا أعطيك الطبق قومي أنتِ.

    فألحت عليها، فلما أصرت عليها، صاحت وقالت: واذلاه، يا لتغلب، -تغلب قبيلتها- فسمعها ولدها وكان جالساً عند الملك عمرو بن هند في الرواق، فقام إلى سيف معلق في الرواق فأخذه وضرب به رأسه حتى برد، ثم عدا وسطا هو وقومه على كل ما في هذا الرواق فأخذوه وذهبوا، وهربوا إلى جزيرتهم، ثم أنشأ يقول:

    بأي مشيئة عمرو بن هند      تطيع بنا الوشاة وتزدرينا

    تهددنا وأوعدنا رويداً     متي كنا لأمك مقتوينا؟!

    يعني: متى كنا خداماً لأمك؟!

    إذاً: هذا كان حال العرب في الجاهلية، وهذه لا شك أنها خصائص فطرية ليست بالسهلة.

    وأذكر -أيها الإخوة- على سبيل المثال في مجال الكرم -مثلاً- العربي حتى الآن والمسلم كريم، وفي بلاد الكفار لا يعرفون شيئاً اسمه الكرم، بل إنهم إذا رأوا مسلماً يجود بالمال لغيره ضحكوا به، وقالوا: هذا مجنون، كيف يعطي المال بدون مقابل؟! فهم لا يتذوقون طعم الأخلاق الفاضلة؛ فضلاً عن أن يعملوا بها.

    أما لما جاء الإسلام ظهر صدق العرب في أمور؛ حتى الذين كانوا يحاربون الإسلام ظهر صدقهم، مثلاً: سهيل بن عمرو لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما اتفقوا على كتابة الكتاب، قال: { اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: لا تكتب رسول الله، فوالله لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك } فكانوا صرحاء، أي: الكافر منهم صريح في كفره، والمؤمن صريح في إيمانه.

    ولذلك كان المنافقون في المدينة غالبهم من اليهود، ولم يوجد في مكة منافق، بل إن في صحيح مسلم: {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوماً من الأيام جالساً تحت شجرة نائم، فجاءه رجل من الأعراب، اسمه غورث بن الحارث وهو مشرك، فرفع السيف على النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم، فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم والسيف في يده، فقال يا محمد: من يمنعك مني؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله، فسقط السيف من يده، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم السيف ومده، وقال: من يمنعك مني؟ قال: لا أحد؛ يا محمد! كن خير آخذ. قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله -والسيف أمامه الآن، قال: لا -فهو لم يخف من الموت- قال: ولكن أعاهدك أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك. فخلى سبيله النبي صلى الله عليه وسلم }.

    إذاً هذا دليل أن هذا الرجل ليس عنده استعداد للنفاق، فهو إما مسلم صريح، أو كافر صريح.

    عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه قاتل النبي صلى الله عليه وسلم كما هو معروف ثم أسلم، وفي معركة اليرموك ضايقوا عكرمة، وضايقوه، وضايقوه، وتألبوا حوله حتى أرادوه أن يفر من المعركة، فقال: [[قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في الكفر في مواطن كثيرة، وأفر منكم اليوم!؟ لا والله، من يبايعني على الموت؟ فبايعه خلق على الموت، فصار يضرب ويقاتل بسيفه، حتى أثبتوه بالجراحة، ثم قتلوه رضي الله عنه]] يقول: غير معقول أني أفر من المعركة، وأنا بالأمس أقاتل الرسول عليه الصلاة والسلام، والآن بعد أن هداني الله للإسلام أفر من أمام الروم.

    ولذلك أثنى الرسول صلى الله عليه وسلم على قبائل كثيرة من قبائل العرب، والكلام في هذا يطول.

    من القبائل التي أثنى النبي صلى الله عليه وسلم عليها قريش قال: { الناس تبع لقريش مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم }.

    كما أثنى صلى الله عليه وسلم على أسلم فقال: { أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها }.

    وعلى الأنصار، وجهينة، ومزينة، وأشجع، وبنو تميم، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم عن بني تميم: { إنهم أشد الناس على المسيح الدجال}.

    1.   

    شواهد التاريخ والواقع والمستقبل

    نقطة سادسة في الموضوع وهي: شواهد التاريخ والواقع والمستقبل.

    شواهد التاريخ

    أما شواهد التاريخ فكثيرة.

    أولاً: البيت العتيق، قال الله تعالى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29] قال جماعة من المفسرين: إنما سمي بالبيت العتيق؛ لأنه لم يظهر عليه جبار قط، ولا يزال محفوظاً بحفظ الله تعالى من تسلط الطغاة والكفار والمفسدين عليه.

    ثانياً: ما ذكر الله عزوجل في سورة الفيل، لما جاء أبرهة بجيشه لهدم الكعبة، فسلط الله عليهم الطير الأبابيل، وأنـزل في ذلك قرآناً يتلى، يمتن به على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى أهل بيته فقال: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ [الفيل:1-5].

    ثالثاً: إن هذا البيت من لدن أول الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهو يُحج ويُعتمر، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين، عن ابن عباس رضي الله عنه: {أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بواد بين مكة والمدينة فقال: أي واد هذا؟ قالوا: هذا وادي الأزرق. قال: كأني بموسى هابطاً من هذه الثنية، له جؤار إلى الله تعالى بالتلبية -إذاً البيت مزار الأنبياء- ثم مر بثنية أخرى ثنية هرشة، قال: أي ثنية هذه؟ قالوا: هذهثنية هرشة. قال: كأني بيونس بن متى عليه جبة من صوف، راكباً على ناقته له جؤار إلى الله تعالى بالتلبية} فالبيت مزار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

    أيها الإخوة، هذه الجزيرة لم تذعن يوماً من الأيام -مثلاً- لتسلط أهل بدعة من البدع، لم يحكمها الرافضة يوماً من الأيام -مثلاً- ولا حكمها القرامطة، ولا حكمها الخوارج، ولا حكمتها أي نحلة أو ملة ضالة مضلة، فهذا تعبير عن بقائها للإسلام، وإنما قد يتسلطون على بقعة من بقاعها في وقت محدود، في مكان محدود وزمان محدود، ثم يبعدهم الله تعالى عنها على أيدي المؤمنين الصادقين. وأمثلة ذلك كثيرة، وما أخبار القرامطة عنا ببعيد.

    شواهد الواقع

    أما فيما يتعلق بالواقع: فإن هذه الجزيرة -بحمد الله تعالى- تحظى وتفرح اليوم، وتعلن سرورها بهذه الصحوة المباركة العارمة، التي قد أينعت وآتت أكلها بإذن ربها، هذه الصحوة في هذه الجزيرة ليست خاصة بـالجزيرة ولكنها عامة، وإنما تتميز الصحوة في هذا البلد بأربع مميزات، لا تكاد توجد في أي بلد آخر إلا ما شاء الله.

    الميزة الأولى: أنها سبقت تيار الفساد. فإن البلاد الأخرى عم فيها الفساد وطم، وسيطر فيها العلمانيون والمفسدون والمنافقون، ثم استيقظ المؤمنون بعد ذلك فبدءوا من جديد، فكانوا مسبوقين بالفساد، وكأن فعلهم كان استجابة لهذا الفساد الموجود ورداً عليه.

    أما في هذه الجزيرة؛ فإنها منذ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- منذ ذلك الوقت وإلى اليوم، وهي لا تزال تعيش في أوضاع -على سبيل الإجمال- جيدة، وتنتقل من خير إلى خير، ولا يزال العلم والعلماء، والدعاة وطلبة العلم، والحلقات والدروس العلمية فيها قائمة على قدم وساق، لم يمر بها خلال ذلك فترة ركود أو جمود، أو غفلة أو انهيار، أو تسلط الفساد والمفسدين عليها، وهذه نعمة كبيرة.

    فالخير سبق تيار الفساد، ولذلك رأينا الفتيات -مثلاً- الملتزمات بالحجاب، واللاتي يلبسن القفازين في أقدامهن وأيديهن، وهذا مظهر، وأنا لا أقول أن هذا كل شيء وأن هذا هو الإسلام، لكن هذا مظهر يدل على الالتزام بالحجاب وعلى التدين، رأينا هذا قبل أن نسمع أصوات الأفاعي المنادية بتحرير المرأة بزمان طويل. وهذا دليل على أن تيار الصحوة واتجاه الناس إلى الخير والإسلام؛ سبق تيار الفساد والعلمنة والتغريب في هذه البلاد، وهذه ميزة كبيرة ولا شك.

    يتبع هذه الميزة ميزة أخرى وهي: أن هذه الصحوة في هذه البلاد هي من المجتمع وجزء لا يتجزأ منه، ليست الصحوة في هذه البلاد عبارة عن جمعية خاصة، أو فئة معينة، أبداً.

    الصحوة هي المجتمع في هذه الأمة، وهي الناس الذين أعلنوا أنهم دائماً وأبداً مع هذه الصحوة، ومع الإسلام، ومع الخير، ضد كل دعوة تناوئ الدين وتحاربه.

    ولذلك فالصحوة جزء من هذا المجتمع لا يتجزأ، بل هذا المجتمع كله يعيش صحوة كبيرة، بخلاف بلاد أخرى كثيرة، فقد تجد أهل الخير فئة محدودة منعزلة، وقد تجد الغلبة في المجتمع للشر وأهله، وقد يرمى هؤلاء بشتى التهم فيجدون من يصدق ما يقولون.

    الميزة الثالثة -وهي أيضاً من ميزات الصحوة في هذه البلاد خاصة- هي: أنها سلمت من الغلو، فإننا نجد في كثير من البلاد أن الصحوة الإسلامية قد ابتليت ببعض الأطراف التي شذت عن القاعدة وغلت وزادت، وربما يكون ذلك بسبب الفساد الموجود في تلك البلاد، كما نجد -مثلاً- شيئاً من ذلك في مصر، أو نجد شيئاً من ذلك في الصومال، أو نجد شيئاً من ذلك في باكستان، أو في الهند، أو في الجزائر، أو غيرها، حتى إنه يوجد نماذج -وإن كانت قليلة- ممن يسمون حقيقةً بالمتطرفين، وهم فعلاً غلاة وإن كانوا قليلين.

    والعدو يستغل هؤلاء، ويحاول أن يطلق لفظ التطرف ليشمل كل المؤمنين، حتى في هذه البلاد يحاول أن يرميهم بهذا اللقب الجارح، فيحاول أن يصف كل ملتحٍ يضع المسواك في جيبه، ويقصر ثوبه، ويتردد على المسجد، يحاول أن يصفه بأنه متطرف.

    فلا علينا من الأعداء، وليقولوا ما شاءوا، فنحن لم نعبأ بهم يوماً من الأيام، ليقولوا عنا متطرفين، وليقولوا عنا أصوليين، وليقولوا عنا ما شاءوا، فقد عرفنا طريقنا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلم نعد نلتفت إلى ما يقولون عنا، بل العيب عندنا والذي يحزننا لو مدحونا، فلو مدحونا لكان هذا دليلاً على أننا فينا شيء يعجبهم ويرضيهم، وهم أعداء لا يرضيهم إلا ما يسخط الله عزوجل، فالذي يسرنا هو أن يذمونا.

    لكن يوجد في البلاد الأخرى أناس قد يكون عندهم شيء من الغلو، أما في هذه البلاد ففي حدود ما أعلم؛ فإن الله تعالى حمى هذه البلاد وهذه الصحوة، وقد تجولت في كثير من مدنها ومناطقها، وجلست مع الشباب، فلم أر هناك ما يسمى بالتطرف.

    صحيح أن الآراء قد تختلف، وقد يوجد الإنسان عنده شدة، وقد تختلف أساليب معالجة الأخطاء، ولكن ليس هناك غلو في حدود ما أعلم.

    وأرجو الله عزوجل الذي حفظ هذه الصحوة، وهذه الأمة فيما مضى، أن يحفظها فيما بقي، فإن العدو يتربص الدوائر، ويحاول أن يجد ولو نموذجاً يسيراً حتى يعمم هذا النموذج، ويحاول أن يرمينا كلنا بمثل هذا الأمر: وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21].

    ميزة رابعة: إن هذه الصحوة بنيانٌ واحد متصل بعضه ببعض، ليست شيعاً وأحزاباً، كما هي الحال في عدد من البقاع، تتحارب فيما بينها، وكل واحدة ترفع راية، فهذه الصحوة بنيان واحد متصل، يدور حول العلماء الكبار، وحول طلبة العلم، وحول الدعاة المعروفين المشهورين، وحول الخطباء الذين تستمع إليهم الأمة في كل جمعة، وحول الأئمة وأمثالهم ممن هم قادة الصحوة، وزعماؤها وأئمتها وموجهوها، وهذه نعمة كبيرة، فليست الصحوة شيئاً آخر غير الإسلام، وغير المجتمع المتدين، والعلماء، وطلبة العلم، كله أمر واحد لحمته وسداه، لا يمكن تمييز بعضه عن بعض.

    وهذه كلها نعم يدركها العقلاء العارفون بأحوال الأمم الأخرى.

    شواهد المستقبل

    أما فيما يتعلق بمستقبل هذه الجزيرة فسأتحدث عنه في نقاط.

    ذكرت قبل قليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم هدد جيشاً بالخسف؛ لأنه يغزو الكعبة، ويحاول أن ينتهك الحرمة، ويسيء إلى بلاد الله تعالى وأهله وحرمه، فالله عزوجل يأخذه بهذه الطريقة التي بيَّنها الرسول صلى الله عليه وسلم.

    كذلك الحارث بن مالك، كما في الحديث الذي رواه الترمذي، وسنده حسن، أن النبي صلى الله عليه وسلم -بعد ما فتحت مكة- قال: {لا تغزى مكة بعد اليوم أبداً} وهذا دليل ووعد صادق من الرسول صلى الله عليه وسلم؛ بأن مكة وما حولها محفوظة بحفظ الله عز وجل، فلا تغزى -بعدما غزاها النبي صلى الله عليه وسلم وفتحها- لا تغزى إلى قيام الساعة، لا يغزوها عدو كافر، يهودي أو نصراني أو شيوعي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك ووعد به.

    وفى ذلك بيان لحفظ الله عزوجل لهذه البلاد ولأهلها، وأنه وإن قصرت فيهم النفقة، وإن عجزوا، وإن كان فيهم نقص في إمكانياتهم وقدراتهم المادية والعسكرية، إلا أن الله عزوجل يحفظ هذه البلاد بقوم صالحين يقومون على أمر هذا الدين، وهم جزء من الطائفة المنصورة التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم في غير ما حديث.

    إذاً فجهود الأعداء الخارجيين أياً كانوا، الذين يحاولون غزو هذه الأمة، وتحطيم قوتها وإمكانيتها، سوف تذهب أدراج الرياح، وسوف تدفن في رمال الصحراء، وكذلك جهود الأعداء الداخليين أياً كانوا أيضاً، وبأي اسم تسمو، وتحت أي راية حُشِرُوا، جهودهم سوف تبوء بالفشل، وسوف يدركون في النهاية أنه ليس أمامهم إلا أحد ثلاثة أمور:

    إما أن يتوبوا إلى الله عز وجل، ويقلعوا عما هم عليه ويتركوا مثل هذا الأمر.

    وإما أن يهربوا إلى غيرها، فإن هذه الجزيرة كـالمدينة، كما ذكر هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {تنفي خبثها، وتنصع طيبها} فهي تنفي الخبث والنفاق والمنافقين، فإذا جاء الدجال وهو الفتنة الكبرى، لا يدخل مكة ولا المدينة، ويخرج إليه كل منافق ومنافقة، ولا يطيقون البقاء، ويلحقون بزعمائهم، سواء كانوا من اليهود، أو النصارى، أو القوميين أو الشيوعيين أو المنافقين أو سواهم، لا مقام لهم هاهنا، وإلا فليأذنوا بحرب من الله ورسوله، كما قال تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً [الأحزاب:60-61].

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد، الذي رواه البخاري: {ليُحجنَّ هذا البيت، وليُعتمرنَّ بعد يأجوج ومأجوج} إذاً البيت باق، والمدينة باقية، ومكة باقية، والجزيرة محفوظة بحفظ الله جل وعلا، وما دورنا إلا أن نعمل على أن نكون نحن المؤمنين الذين يحفظ الله تعالى بنا البلاد والعباد، فهذا هو واجبنا.

    وسأتحدث عن جوانب أخرى من الموضوع في محاضرة قادمة.

    1.   

    الأسئلة

    .

    الجمع بين حديثين

    السؤال: كيف الجمع بين قول الرسول صلى الله عليه وسلم: {المدينة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد} وقوله عن المسيح الدجال: {إنه ينـزل في سبخة، ثم ترتج ويخرج كل كافر ومنافق}؟

    الجواب: هذا من نفي المدينة لخبثها، فالخبث موجود لكنها تنفيه غالباً، ولذلك هذا من نفي المدينة لخبثها، أنه إذا جاء الدجال نفت المدينة خبثها فخرج الكفار والمنافقون منها.

    جزيرة العرب للإسلام فقط

    السؤال: هل نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن أن يبقى في جزيرة العرب دينان مجرد نهي أن يوجد أو أمره بإبعاد أي دين غير الإسلام، أم فيه إخبار بأنه لا يمكن أن يستمر في جزيرة العرب دينان باقيان يدينون بهما؟

    الجواب: بعض أهل العلم قالوا: هذا نهي: { لا يجتمعْ في جزيرة العرب} وبعضهم قالوا: إنه خبر: { لا يجتمعُ في جزيرة العرب } والأظهر والله تعالى أعلم: أن هذا نهي من النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر بإخراج اليهود والنصارى وسائر أصحاب الملل والأديان الأخرى من هذه الجزيرة؛ بحيث تبقى عاصمة الإسلام، ولا يقيم فيها إلا المسلمون.

    إشكال حول الخسف في جزيرة العرب

    السؤال: ذكرت الحديث الذي فيه الخسف في جزيرة العرب، علماًً بأنه قد ذكر في إحدى المناسبات؛ أن الشيخ الزنداني يقول: بحكم وجود السلسلة الضخمة من جبال السروات يكون فيها الخسف؟

    الجواب: الحقيقة لم أسمع ولم أقرأ هذا الكلام، الذي ذكره الشيخ الزنداني، ولهذا لا أستطيع أن أتكلم عنه.

    حكم من يكره مكة والمدينة

    السؤال: ما رأيكم في من يكره مكة لوجود الرائحة وغير ذلك، وكذلك المدينة؟

    الجواب: نستغفر الله تعالى ونتوب إليه، مكة والمدينة لا يكرههما إلا منافق، كيف تكره البيت الحرام؟! البيت العتيق الذي تهفو إليه أرواح المؤمنين وأفئدتهم من كل مكان؛ استجابة لأمر الله عز وجل: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ [الحج:27-28] واستجابة لدعاء إبراهيم عليه السلام: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ [إبراهيم:37].

    فلا بد أن يخفق قلب المؤمن بحب مكة والمدينة، ولا يلزم من ذلك أن يحب كل ما فيهما، فقد يكون فيهما من الناس، ومن الأحوال، ومن الأوضاع، ومن الأشخاص ما لا يُحَب، فيميز الإنسان بين هذا وهذا.

    سبب تسمية الدرس

    السؤال: لماذا اخترت الموضوع أن يكون "جزيرة الإسلام"، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: {جزيرة العرب

    الجواب: هي جزيرة العرب، لكنني أحببت من خلال العنوان أن أؤكد للناس كلهم أن جزيرة العرب هي جزيرة الإسلام، أن جزيرة العرب التي اسمها في التاريخ والجغرافيا جزيرة العرب، اسمها في الواقع العملي جزيرة الإسلام في الماضي والحاضر والمستقبل، فهي لا تصلح إلا للإسلام، ولا يصلح لها إلا الإسلام.

    فضل وادي العقيق

    السؤال: وادي العقيق في المدينة المنورة، هل ورد فيه شيء؟

    الجواب: نعم. ورد في الحديث الصحيح عن عمر وغيره: {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في وادي العقيق، فقال: أتاني الليلة آت من ربي، فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة، وفى رواية: {فقل: عمرة وحجة}.

    فضل جبل أحد

    السؤال: كذلك جبل أحد هل ورد فيه شيء؟

    الجواب: نعم. ورد في الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: {هذا أحد جبلٌ يحبنا ونحبه}.

    سبب تسمية البقيع ببقيع الغرقد

    السؤال: ما هو سبب تسمية البقيع بـبقيع الغرقد؟

    الجواب: سبب تسميته بذلك؛ لكثرة شجر الغرقد في ذلك البقيع.

    مخطط دولة اليهود

    السؤال: ما رأيك في تخطيط أبناء القردة والخنازير -اليهود- في وضع دولة كبيرة لهم، ومنها أجزاء من بلاد الإسلام سموها دولة إسرائيل الكبرى؟ هل هذا صحيح؟

    الجواب: نعم. اليهود يخططون لمراحل:

    الأولى: إسرائيل الصغرى، وهي الموجودة الآن.

    المرحلة الثانية: إسرائيل الكبرى، وهي تمتد امتداداً كبيراً، وتأخذ أجزاءً كبيرة من بلاد العرب، ومنها: بلاد في هذه الجزيرة، يخططون لها، فهم يحلمون بأراض كبيرة، كـخيبر مثلاً، وتيماء، وفدك، وغيرها من البلاد التي يدعون أنها كانت لهم، يخططون لذلك ويكيدون.

    والمرحلة الثالثة التي يحلم بها اليهود هي: إقامة دولة إسرائيل العالمية التي تحكم الدنيا كلها، وهذه كلها أحلام تكتب على الماء، مثل الذي يرقم على الماء لأننا نملك وعداً من الرسول عليه الصلاة والسلام، يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أيمن بن صريم: {تقاتلون المشركين -والمقصود بالمشركين هاهنا اليهود- على نهر بـالأردن، أنتم شرقيه وهم غربيه. قال الراوي: ولا أدري أين الأردن يومئذٍ } والحديث حسن، كما حسنه جماعة من أهل العلم، والأدلة قويه وقائمة على أنه حديث ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فإسرائيل لن تتعدى حدودها الحالية كثيراً، وسوف نقاتلهم على نهر الأردن وننتصر عليهم: {حتى يقول الحجر والشجر: يا مسلم، يا عبد الله هذا يهودي ورائي تعال فاقتله}.

    خطأ استدلال دعاة الوطنية بحديث: { إنك لأحب البلاد إليَّ...}

    السؤال: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لـمكة: { إنك لأحب البلاد إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت}.

    فالدعاة إلى الوطنية، وإلى حب الأرض والتراب، قد يستغلون هذا الحديث لإقناع الناس بصحة ما يدعون إليه من حب الوطن والدفاع عن الوطن، دون ذكر للدين، فما قولكم؟

    الجواب: في الواقع، أما دعاة الوطنية فإننا نحثو في وجوههم التراب، ونقول لهم:

    خلوا خيوط العنكبوت لمن     هم كالذباب تتطايروا عمياً

    وطني كبير لا حدود له     كالشمس تملأ هذه الدنيا

    في إندونيسيا فوق إيران     في الهند في روسيا وتركيا

    إذاً بلاد الإسلام واسعة، والمسلم لا يشده إلى الوطن أنه ولد فيه، وأظلته سماؤه، وأقلته أرضه، ولا تراب الوطن، ولا خضرة الوطن، ولا زيتون الوطن، ولا شيء من ذلك، ولا هذه الصحراء العفراء كما يقولون، كلا! وإنما يشده للوطن أنه بلد الإسلام، فأي بلد يحكم بالإسلام وهو وطن الإسلام ندافع عنه دفاعاً عن الإسلام.

    ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم أحب مكة؛ لأنها بلد الكعبة، ولأنها البلد الذي يحبه الله عزوجل، فليس حبه لها لأنها مكة التي ولد فيها، كلا! وإنما لأن الله تعالى يحبها، وهكذا المؤمن يحب ما يحبه الله تعالى من البقاع والأشخاص والأعمال والأقوال والأسماء وغير ذلك، ويبغض ما يبغضه الله تعالى، أما دعاة الوطنية فاحثوا في وجوههم التراب.

    مفهوم الوحدة العربية القومية الديمقراطية

    السؤال: الوحدة العربية، القومية العربية، حكم الشعب بالشعب، ما معنى هذه المصطلحات؟

    الجواب: الوحدة العربية: هذه دعوة إلى توحد العرب كلهم تحت راية واحدة، مسلمهم وكافرهم ويهودهم ونصرانيهم، وهذه لا شك دعوة قومية باطلة مناوئة للإسلام.

    أما القومية العربية، فهي كذلك.

    وأما حكم الشعب بالشعب: فهو ما يسمى بـالديمقراطية، فالغرب ينادي بـالديمقراطية، والمقصود بـالديمقراطية؛ أن لا يُحكم بالإسلام، وإنما يحكمون بما يراه الشعب. فالشعب يختار ممثلين له، يكونون في مجالس معينة، فإذا أريد مسألة تنادوا فيها، مثلاً لو أرادوا البحث في قضية، أوضاع المرأة، هل نأذن للمرأة بالاختلاط بالرجال أو لا تختلط بالرجال مثلاً، يقولون: لا نرجع إلى القرآن والسنة، إنما نعرض الموضوع على الممثلين الذين يمثلون الشعب، والذين اختارهم الشعب. فنقول: ما رأيكم؟ فإذا قال أكثرهم: لا مانع أن تختلط المرأة بالرجل فتختلط، وقل مثل ذلك في قضايا العقوبات، والحدود، والمعاملات، والأحكام وغيرها، لا يؤمنون بحلالٍ ولا حرام. فهذا معنى الديمقراطية في الأصل.

    وبعض الناس يطلق الديمقراطية ويقصد بها الشورى. ونحن لا يعنينا هؤلاء، بل يعنينا مصطلح الديمقراطية كما هو في أصله، وهي كلمة يونانية أصلها: ديموكراتي، أي: حكم الشعب، ويعرفها بعضهم: بأنها حكم الشعب بالشعب. فالشعب مصدر هو السلطات، وهو الذي يحلل ويحرم، ويأمر وينهى، ويمنع ويبيح، هذا معنى الديمقراطية في الأصل.

    ذو السويقتين والكعبة

    السؤال: ذكرتَ في المحاضرة أن الكعبة لا يغزوها غاز، فما رأيك في ذي السويقتين الذي يغزو الكعبة ويهدمها، ويقلعها حجراً حجراً؟

    الجواب: ذو السويقتين أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم: {من الحبشة، رجل صغير الساقين، أو أعوج الساقين، يقلع الكعبة حجراً حجراً} فكيف نقول؟

    يمكن الإجابة عنه بأجوبة:

    إما أن يقال: إنه لا يغزوها غزواً؛ لأنها حينئذٍ يكون من ضياع الأمر، وقبض أرواح المؤمنين، ما يجعل أنه يأتي إليها بدون حاجة إلى غزو وجند وأعوان وأنصار.

    الجواب الثاني: أن يقال: هذا مستثنى؛ لأنه أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم فلا يغزوها غيره.

    حكم الحجز في المسجد

    السؤال: أخ يسأل عن الذين يضعون الحجز -كما يقول- في الصف الأول، كالورق أو قلم أو مفاتيح، وهم إما في الصفوف الأخيرة يقرءون، أو يكون بعضهم خارج المسجد؟

    الجواب: على كل حال، إذا كان الذي وضع علامة الحجز -كما يقول الأخ الكريم- موجوداً داخل المسجد فأرى أنه له الحق في ذلك إذا أراد أن يتكئ، أو أطال البقاء في المسجد. أما إذا كان خارج المسجد فليس له الحق في ذلك.

    وأنصح الإخوة أن لا يضعوا هذا الحجز؛ لأن كثيراً من الناس يلاحظون وينتقدون، ونحن نحب ألا يكون عليكم كلام، وكلكم -بحمد الله وشكره- من أهل الخير، الذين أنتم علامة أو كالشامة بين الناس، فنريد أن لا يلاحظ الناس أي أمر مهما كان قليلاً ودقيقاً، وإن كان الأمر من حقك والناس قد يلاحظونه فكونك تتركه وتتنازل عنه لوجه الله عزوجل؛ فهذا شيء طيب وتشكر عنه.

    فضل الشام

    السؤال: ما الجمع بين ما ورد في فضل الجزيرة وعودة الشام إليها، وما ورد في فضل الشام لا سيما في آخر الزمان؟

    الجواب: الجزيرة والشام كلها من بلاد الإسلام، وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم في الطائفة المنصورة وهم بـالشام، فإن المقصود من قوله: {وهم بـالشام } والله تعالى أعلم، أي: في آخر الزمان. فإن المهدي وعيسى بن مريم عليهما السلام يكونان بـالشام، كما ثبت ذلك في الأحاديث الكثيرة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    معنى: { ومنبري على حوضي }

    السؤال: ذكرت حديث النبي صلى الله عليه وسلم: {ومنبري على حوضي} فهل هذا يعني يوم القيامة، أي هل هذا الكلام على معناه الظاهر أم ماذا؟

    الجواب: ظاهر الكلام أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن منبره على حوضه، وهو قد يدل على أن هذه البقعة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم هي روضة فعلاً من رياض الجنة.

    حدود جزيرة العرب

    السؤال: ذكرت إخراج اليهود، فما هي حدود جزيرة العرب؟

    الجواب: حدود جزيرة العرب مختلف فيها، لكن أكثر العلماء يحددون الجزيرة بتحديد قريب من الذي يحددها به الجغرافيون اليوم.

    وبعضهم قد يقتصر على الحجاز. ومسألة إخراج بعضهم لا يلزم إخراج اليهود والنصارى من كل الأنحاء في الجزيرة، إلا ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإخراجهم منها، بمعني: أن الرسول عليه الصلاة والسلام -مثلاً- أقرهم في اليمن، وكذلك أبو بكر وعمر أقروهم فيها.

    من العادات السيئة

    السؤال: ذكرت أن الناس سواسية عند الله وأن أكرمهم عند الله أتقاهم، وهناك ميزة سيئة في هذه الجزيرة وهي التفاخر بالأنساب. وهناك من لا يقبل تزويج الرجل حتى إذا كان ذا دين أو عالم إذا كان أقل منهم نسباً، فأرجو نصح المسلمين في ذلك؟

    الجواب: في الواقع هذه القضايا التي نخصص لها محاضرة.

    لكن بشكل عام أحذر أهل الجزيرة من أمور:

    أولها: أن لا يغتروا بهذا الكلام ويعتقدوا أن مؤدى هذا الكلام أن نضع خدودنا على أيدينا وأن لا نعمل شيئاً، فإن الله عزوجل -كما ذكرت في ثنايا المحاضرة- لم يخصص شخصاً أو بقعة لذاتها فقط؛ إلا بالعمل الصالح، فمن كان من أهل العمل الصالح فهو من أقرب الناس إلى الله عز وجل، وأولى الناس بالإسلام، ولو كان في أقصى بلاد الدنيا، ومن كان كافراً أو فاجراً أو منافقاً؛ فإنه أبعد الناس عن الله، وأقرب الناس إلى سخطه وعقوبته ولو كان في جوف الكعبة، فلا نغتر بهذا الأمر.

    أمر ثانٍ: لا نغتر بالكلام الذي ندندن حوله كثيراً حين نقول: نحن أفضل من غيرنا، وبلادنا أحسن من غيرها، والمرأة لا تزال عندنا محجبة، والاختلاط غير موجود. لا تنظر إلى الوراء، بل يجب أن ننظر إلى الخطوات والمخططات التي تحاك ضد هذه البلاد وأهلها، وإلى الأخبار التي تترامى إلى مسامعنا يوماً بعد يوم، والتي تدل على أن هناك من يريد بهذه البلاد شراً.

    وقد استمعت إلى مقابلة مع رجل ذي مكانه في إحدى الإذاعات، وهو يُسأل عن وضع المرأة في هذه البلاد، فقال للأمريكان الذين يقابلون معه: إنه يجب عليكم أن لا تقيسوا وضع المرأة في هذه البلاد مع وضع المرأة في أمريكا؛ فوضعها في أمريكا لم تحصل على حقوقها إلا بعدما ناضلت (200) سنة، وحصلت على حق التصويت بعد (120) سنة، فلا تقيسوها بالمرأة في بلادكم -أي أن المرأة في بلادنا متخلفة هكذا معنى كلامه- فلا تقاس بوضع المرأة في أمريكا التي حصلت على حقوقها، وكأن المعنى: انتظروا فعامل الزمن سوف يجعل المرأة هنا تكون كالمرأة في تلك البلاد.

    ثم قال كلاماً آخر لا أود أن أقوله، يتحدث عن الدعوة إلى المدنية، وأننا نريد المدنية للناس، ومعروف ماذا يقصد بالمدنية، لكن لا نريد أن نفرضها على الناس بالقوة، والمقابلة مسجلة عندي.

    أمر ثالث أنبه إليه، وهو ما أشار إليه الأخ، وهي قضية التفاخر بالأحساب فهذا من أمر الجاهلية، كما قال عليه الصلاة والسلام: {أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت} فلا ينبغي الفخر بالأحساب، قال صلى الله عليه وسلم: {كلكم لآدم وآدم من تراب}.

    الناس من جهة التمثال أكفاء     أبوهم آدم والأم حواء

    فإن يكن لهم في أصلهم نسب     يفاخرون به فالطين والماء

    ولذلك لا فضل لأبيض على أسود، ولا لعربي على أعجمي، ولا لقبيلي -كما يقولون- على خضيري، أو شعوبي، أو أو... إلى آخره إلا بالتقوى والعمل الصالح.

    فالناس كلهم سواسية، ولا بأس أن يتزوج هذا من هذه، أو هذه من هذا، والكفاءة لا تتعلق بذلك.

    فتح القسطنطينية

    السؤال: ذكر بعض طلبة العلم أن فتح القسطنطينية التي تم على يد الفاتح لا يعد فتحاً إسلامياً؟

    الجواب: بل هو فتح إسلامي، لكن ليس هو الفتح الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الفتح الأخير يكون قُبيل خروج الدجال.

    أسأل الله عز وجل أن يغيث قلوبنا وبلادنا وأرواحنا، وأن يجعل هذه البلاد حصناً حصيناً للإسلام وأهله، وأن يكفيها ويكفي أهلها شر أعدائها الظاهرين والمستترين.

    وأسأل الله عزوجل أن يحفظ بيته وأهله وبلاده، إنه على كل شيء قدير.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.