إسلام ويب

مشاهدات في يوغسلافياللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يوغسلافيا جزء من الأمة الإسلامية، ولكن النصرانية الحاقدة المتمثلة بالصرب أرادت أن تستأصل المسلمين من هناك وبالتالي من أوروبا، وفي هذا الدرس شهادة شاهد عدل عاين الكارثة وعايشها وذكر المصائب هناك.

    1.   

    أسباب البشارة بوجود الخير

    قال الشيخ: سلمان بن فهد العودة حفظه الله:

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.. أما بعد:

    فالمفترض في هذه الليلة، أن المجلس هو من مجالس الأمالي شرح بلوغ المرام وهو المجلس التاسع عشر بعد المائة، ولكنني رأيت أن في الأخبار الجديدة والأحوال التي نقلها لنا فضيلة الدكتور صالح بن محمد السلطان الأستاذ بقسم الفقه بجامعة الإمام بكلية الشريعة فرع القصيم رأيت فيها ما يستوجب أن يسمعه الإخوان غضاً طرياً من فمه، فلذلك كان هذا المجلس ندوة في الحديث عن مشاهدات في يوغسلافيا.

    وأريد أن أقدم -أيها الأحبة- برأي أراه وأعتقد أن فيه بشارة كبيرة، وتسرية عن القلوب والنفوس:

    ليس صحيحاً أن ما يعانيه المسلمون اليوم في يوغسلافيا أو غيرها أمر جديد غريب لم يمر حقبة من حقب التاريخ. كلا.. بل أزعم أن المسلمين عاشوا منذ سنوات ليست بالبعيدة، عاشوا أوضاعاً أصعب وأشد من الأوضاع التي يعيشونها الآن، بل إن ما نسمعه اليوم من أخبار المسلمين في تلك البلاد أو غيرها ينبئ بخير كثير ينتظر المسلمين في القرون والعقود المقبلة، وأعز هذا الزعم بأمور:-

    تمسك المسلمين بدينهم

    أولها: أن المسلمين ما لقوا من هذه الحرب الضروس التي يلقونها الآن إلا لأنهم قد تمردوا واستعصوا على التهجين والتدجين والتكفير الذي يحاوله الأعداء، ولو أن المسلمين أعطوا الدنية في دينهم ورضوا أن يتخلوا عن دينهم إلى غير رجعة، لما كان بينهم وبين الكافرين من النصارى واليهود والشيوعيين مشكلة تذكر، ولعاشوا إخواناً في وطنيتهم وفي مصالحهم المشتركة، وفي تربتهم التي توحدهم، ولكن المسلمين قد أصروا على التشبث بدينهم حتى آخر قطرة من دمهم وحتى آخر نفس، ولذلك لقوا ما لقوا من الحرب التي تقول: لو أن هؤلاء المسلمين رضوا بطريق المهادنة للكفار والرضا بما يطلب منهم؛ لما لقوا هذا الأمر، هذا أولا.

    الحرب بين النصرانية والإسلام

    وثانيها: أن النصارى واليهود وسائر أعداء الدين لو لم يشعروا الآن بأن المسلمين الآن خطر داهم لما قاوموهم بهذه الطريقة الغريبة، فإنك لا تكاد تجد اليوم حرباً أو مشكلة ذات بال في الشرق أو في الغرب، إلا وتجدها مواجهة بين دين الإسلام ودين النصرانية.

    الحرب في يوغسلافيا -وهي موضوع الحديث- هي حرب بين الإسلام والنصرانية والحرب التي تدور رحاها الآن في عدد من ولايات الاتحاد السوفيتي مثلاً بين الأرمن والأذاريين هي حرب بين الإسلام والنصرانية، والحرب في بورما والحرب في بلاد العرب هي بين الإسلام والنصرانية.

    ولا أعتقد أن النصارى الآن يستطيعون أن يخفوا سمة هذه الحرب أو يلبسوها لبوساً آخر، فهي حرب صليبية ضد الإسلام، وإلا فأي معنى أن تكون تلك الدول التي تنادي بالديمقراطية هي أول من يرضى بذبح الديمقراطية في البلاد العربية والإسلامية؟ لأنهم يقولون: إن تلك الديمقراطية سوف تكون معبراً وجسراً للأصوليين، ولن تكون في صالحنا في يوم من الأيام، وأي معنى أن تكون الدول التي تنادي بحقوق الإنسان، وتتشدق بحفظ حقوق الإنسان أول من يبصم ويوقع على انتهاك حقوق الإنسان في الجزائر ومصر وتونس بل وإسرائيل وغيرها من البلاد؟!

    أي معنى في أن الجمعيات في فرنسا تنتقد تصرفات الحكومة الجزائرية تجاه شعبها، أما الحكومة الفرنسية فتوافق على وضع الديمقراطيةعلى الرف إلى أجل غير مسمى، وتعلن أنها تقر وتؤيد تصرفات المجلس الأعلى بدون تحفظ، ثم تتبعها أمريكا فتؤيد أيضا بدون أي تحفظ جميع التصرفات والقرارات التي اتخذها المجلس الأعلى!

    وأي معنى أن تكون المواجهة في بعض البلاد في مصر بين الأقباط وبين المسلمين تُصوَّر على أنها تصرفات من بعض الأصوليين؟؟ وتقوم الدول العلمانية لتقدم للدول الغربية عربوناً على أنها ضد كل ما هو إسلامي، فتقول: إن أجهزة أمنها تلاحق الأصوليين المتطرفين وتعمل على اجتثاث جذورهم، وأنها تسعى إلى حماية حقوق الأقباط والمسيحيين والنصارى، وكأنها تقول للغرب: نحن أكثر منكم إخلاصاً لما تريدون، وأكثر منكم حرباً على الإسلام، وأكثر منكم حماية للآليات، فاطمئنوا فلن تهدأ لنا عين، ولن ينعم لنا بال، ولن يقر لنا قرار إلا بعد أن نقلم أظفار كل من ينتسبون إلى الإسلام والدعوة الإسلامية.

    الحرب -الآن- في كل بلاد العالم حرب -كما يعبرون هم- بين الهلال والصليب، ونحن نقول: حرب بين التوحيد والتثليث، حرب بين الإسلام وبين النصرانية ويعجبني أن عدداً من الكتاب الذين هم أبعد ما يكونون عن تمثل هذه المعاني وإدراكها، أصبحوا يدركون الآن بشكل واضح بل ويكتبون بصورة قوية عن حقيقة هذه الحرب، وألفت أنظاركم مثلاً إلى كتابات الدكتور فهمي هويدي والدكتور فهمي هويدي من الكتاب الذين لم نعهد منهم أي نظرة لتعميق مفهوم الولاء والبراء في الإسلام، أو مفهوم الحرب على النصارى، أو أي مفهوم من هذه المفاهيم التي كنا وكان غيرنا يتحدث عنها منذ زمن بعيد، ولكني رأيت كتاباته الأخيرة تنضح بالتركيز على هذا المعنى وإبراز هذه الحقيقة؛ لأنها لم تعد مجرد حقيقة دينية موجودة في النصوص السماوية، كلا، بل أصبحت حقيقة سياسية واقتصادية وعسكرية واجتماعية وإعلامية يدركها كل متابع للأحداث والأوضاع والتطورات في العالم، وليس فقط يدركها الذين يقرؤون النصوص القرآنية والنبوية بعمق وإدراك.

    ما لقيه المسلمون في الماضي أشد مما يلاقونه اليوم

    الأمر الثالث: أن المسلمين واجهوا فيما مضى أشد مما واجهوا الآن على حسب ما تقوله التقارير والإحصائيات، فأنت مثلاً لو قرأت ما لقيه المسلمون تحت مطارق الشيوعية في الاتحاد السوفيتي وماذا فعل استالين في المسلمين، لوجدت أنه أجرى الدماء أنهاراً من أهل لا إله إلا الله، بل أقرب مثال يوغسلافيا نفسها -وهي موضوع حديثنا الليلة- ألم تعلم أنه هجَّر من المسلمين اليوغسلاف بعد الحرب العالمية الأولى أكثر من ستة ملايين، أي أكثر من العدد الموجود الآن هجروا إلى تركيا وغيرها من البلاد، وأنه قتل منهم ما يزيد على مائتين وخمسين ألفاً، ولم يطلق طلقة واحدة من المسلمين أنفسهم، ولم يتكلم خطيب واحد آنذاك عن تلك المجازر، ولا عن هذه الهجرة الجماعية، ولا عما لقيه المسلمون تحت مطارق الشيوعية.

    إذاً ليس الفارق أن المسلمين الآن يواجهون ما لم يواجهوا من قبل، ولكن أن المسلمين الآن أصبح لهم عيون يبصرون بها، وآذان يسمعون بها، وألسن يتحدثون بها.

    صحيح أن هناك جهوداً كبيرة لسمل تلك العيون وقطع تلك الآذان، ولمحاولة تدمير تلك العيون، ولقطع تلك الألسن، والحيلولة بينها وبين كلمة الحق، نعم.. ولكن العيون تبصر والأذان تسمع، والألسن تتكلم، والمسلمون الآن الفارق بينهم وبين المسلمين قبل ثلاثين وأربعين وخمسين وستين سنة، أن المسلمين آنذاك لم يكونوا يكترثون لما يجري لإخوانهم في أي مكان، ولم يكن هناك من يتحدث عن أحوال المسلمين وما يلاقون، فكان يجري ما يجري في غيبة المسلمين، وفي ظل التجهيل الكامل والقطيعة الكاملة بينهم وبين إخوانهم.

    أما اليوم فكل ما يجري إنما يقع على مرأى ومسمع من العالم كله، بما في ذلك المسلمون الذين أصبحوا الآن أكثر وعياً وإدراكاً وتعاطفاً وتحمساً وغيرة، فأصبح المتكلم يتحدث بحرقة، والسامع يستمع بلهفة، وأصبح المسلم الذي يضرب في يوغسلافيا ينادي ويستغيث بالله عز وجل، ثم بإخوانه المسلمين في كل مكان من الأرض، ويدري أنهم يسمعون ويرون، وأنهم يعملون على نصرة إخوانهم بقدر ما يستطيعون.

    إذاً هذا هو الفارق، فلا يصيبنك -يا أخي الكريم- شيء من اليأس أو القنوط، وأنت تسمع مثل هذه الأحداث، واعلم أن ما يجري للمسلمين اليوم جرى قبله الكثير الكثير، بل إننا نلمح بوادر تقدم كبير في الواقع الإسلامي الآن، تقدم في التجاوب، وما اجتماعكم هذا إلا نموذج للتجاوب، فإن هذا المجلس لم يقرر إلا البارحة في مثل هذه الدقائق، ولم يكن ثمَّ وقت كافٍ للإعلان عنه، ولا لدعوتكم إليه، ولم نكن نتوقع أننا نجد ولا شيئاً يذكر بالنسبة إلى هذا الجمع الحاشد الحافل الذي احتشد لسماع هذا الحديث، هذا مع أنكم سمعتم قبل ذلك عن أوضاع يوغسلافيا الكثير، فسمعتم في الدروس العلمية على مدى ثلاثة أسابيع، وسمعتم في المحاضرات والدروس والندوات الذي خصصت لهذا الموضوع، ثم ها أنتم أولاء تقبلون في مثل هذا المجلس وتملئون هذه الساحة الواسعة في هذا المسجد المبارك لهفةً إلى سماع الجديد والمزيد والمفيد، فجزاكم الله خيراً.

    وهذا دليل مادي قريب على أن المسلمين الآن أصبحوا أكثر تماسكا، وأكثر استعداداً للتضحية، وأكثر حرصاً على سماع أوضاع إخوانهم وبشكل عام أن المسلمين اليوم يعيشون واقعاً أكثر حيوية وتجاوباً مع إخوانهم مما كان من قبل، وتجاوب المسلمين مع أوضاع إخوانهم في أفغانستان هو نموذج آخر، فإن الحرب الأفغانية دامت أربع عشرة سنة، وهذه مدة طويلة كانت كفيلة بأن تزرع في النفوس اليأس والقنوط، وتجعل الذين يقبلون على الجهاد الأفغاني دعماً بالمادة أو بالسلاح أو ذهاباً إليهم للمشاركة أن يتخلوا عنه، ولكن الواقع يشهد أن المسلمين لم يتخلوا عن الجهاد في أفغانستان وما كانوا أكثر حماساً للجهاد في أفغانستان منهم في شهر رمضان من هذا العام وما بعده؛ حيث بشائر النصر المبين تزف إلى المسلمين في هذا البلد وفي كل بلد.

    فأقول أيها الإخوة... لننظر إلى هذا الواقع من هذا المنطلق، ولندرك أن هذا يشبه إلى حد كبير ما تسمعونه من المنكرات التي تقع اليوم في المجتمع، فكثيرون يقولون: والله أصبحنا اليوم نسمع منكرات ما كنا نسمعها من قبل.

    أقول: نعم هذا صحيح وأنا واحد من هؤلاء، لكن هذا ليس لأن المنكرات لم تكن موجودة، كلا، بل كانت موجودة ويوجد أضعاف أضعافها في الماضي، ولكن لأن كثيراً من المنكرات في الماضي كانت تتم في الظلام، وفي غيبة الرقيب وفي غفلة الناس، ولم يكن الناس يعرفون لمن يشتكون، ومن يخبرون، ومن يبلغون، بل ربما تجد أحياناً مؤسسات كبيرة، يقع فيها المنكر فلا يوجد من ينكره، ولا من يبلغ به، ولا من يخبر أهل العلم عنه، فلذلك مضت أمور كثيرة طافت على المسلمين وتمت في غيبتهم.

    أما اليوم فكل ما يفعل أو ينشر في الصحف، أو يقال في المجالس أو يتم؛ حتى ولو كان عليه من التحفظات والسرية الشيء الكثير، فإنه بعد ساعات قلائل يصل إلى أسماع من يعنيهم إنكار المنكر، وأحياناً كثيرة يصل موثقاً بالصوت أو بالصورة أو بالوثائق التي لا تقبل الجدل إذ هي وثائق دامغة، ولذلك أصبحت المنكرات تعرف، ويسهل مقاومتها ومحاربتها والقضاء عليها.

    أما في الماضي فكانت تقع دون أن يعلم بها أحد، أقول هذا الكلام لأننا بحاجة إلى أن يكون عندنا قدر من الثقة بمستقبل الإسلام، ووالله إننا كلما رأينا مزيداً من الضغط على الإسلام والمسلمين، ومزيداً من الحرب وجدنا في ذلك آية من آيات الله تعالى في النصر المبين للمؤمنين، لأن الله عز وجل يقول: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ [البقرة:214] يقولون ذلك وقد أبطأ النصر عليهم وتأخر، وأصابهم ما أصابهم، وتحرقت قلوبهم، وتلهفت نفوسهم، فسألوا متى نصر الله؟ وهاهنا يأتيهم الجواب من الله جل وعلا: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214].

    المسلمون في حال دفاع لا إقامة خلافة

    أيها الأحبة: وفيما يتعلق بـيوغسلافيا فسوف يحدثكم شاهد عيان انتدبه الإخوان المشايخ في هذا البلد قبل أيام ليرى ويسمع ويطمئن، وجاء يحمل لكم الأخبار الجديدة، ولكنني أختم كلمتي بملاحظة واحدة فقط هي: أن المسلمين في يوغسلافيا الآن يدافعون عن أنفسهم، هذا هو تشخيص الوضع القائم هناك، ويجب أن يكون هذا واضحاً فالمسلم يدافع عن نفسه، وعن زوجته، وعن أطفاله، وعن بيته، وعن مزرعته، وعن ممتلكاته، فلم يقم المسلمون بـيوغسلافيا بإعلان الجهاد المقدس، والزحف على البلاد المجاورة لضمها إلى دولة الإسلام، لا،وإنما هم يدافعون عن أنفسهم، والدفاع عن النفس مشروع بجميع المقاييس، وبكل الديانات، وبكل الأعراف، وبكل القوانين، فلا أحد يعتب عليهم، لماذا يدافعون عن أنفسهم؟ من حق كل مسلم في يوغسلافيا وهو يقتل أن ينتقم من قاتله وقاتل أولاده إن استطاع قبل أن يموت، هذه هي الصورة، وبناء عليه فالمطلوب مساعدة المسلم في يوغسلافيا حتى يستطيع أن يدافع عن نفسه، أو ينتقم من قاتله قبل أن يموت، فلا تتصور أنك إذا بذلت ما تبذل من المساعدة لإخوانك هناك، أنك ستسمع الأخبار غداً أو بعد غد عن قيام الإمبراطورية الإسلامية التي تضم بلاد البوسنة والهرسك والصرب والكروات والجبل الأسود وغيرها وإن كان هذا ممكناً وما هو على الله بعزيز؛ لكن ضع الأمور في نصابها، مسلم يقتل يريد أن يدافع عن نفسه، ومن حقه أن يدافع، ومن حقه على أخيه المسلم أن يساعده بما يستطيع، ونحن نعلم أن أخوة الإسلام جعلت المعتصم يثأر للمرأة المسلمة في عمورية وهي تقول (وامعتصماه) فيسيِّر الجيوش الجرارة حتى يفتح هذا البلد وينتصر لهذه المرأة الوحيدة التي ديست كرامتها، فكذلك من حق إخواننا وأخواتنا المسلمات في يوغسلافيا وغيرها أن نساعدهم؛ خاصة وقد تخلت عنهم السياسة في كل مكان، من منطلق التحالفات الدولية والإحراجات والتحفظات وغير ذلك، فلم يبق إلا القرش والريال التي يدفعها إخوانهم المسلمون، وهي مهما قلَّت يبارك فيها ربنا -جل وعلا- لأنها مساعدات صادقة غير مشروطة، والله تعالى يربي الصدقات ويبارك فيها.

    رب وامعتصماه انطلقت     ملء أفواه الصبايا اليتم

    لامست أسماعهم لكنها     لم تلامس نخوة المعتصم

    لا يلام الذئب في عدوانه     إن يك الراعي عدو الغنم

    أمتي هل لك بين الأمم     منبرٌ للسيف أو للقلم

    أتلقاك وطرفي مطرق     خَجَلاً من أمسك المنصرم

    ويكاد الدمع يهمي عابثا     ببقايا كبرياء الألم

    أين دنياك التي أوحت إلى     وترى كلِّ ينيم نغم

    أو ما كنت إذا البغي اعتدى     موجة من لهب أو من دم

    فيمَ أقدمت وأحجمت ولم     يشتف الثأر ولم تنتقم

    أمتي كم صنم مجدته     لم يكن يحمل طهر الصنم

    فاحبسي الشكوى فلولاك لما     كان في الحكم عبيد الدرهم

    اسمعي نوح الحزانى واطربي     وانظري دمع اليتامى وابسمى

    واتركي الجرحى تداوي جرحها     وامنعي عنها كريم البلسم

    ودعي القادة في أهوائها     تتفانى في خسيس المغنم

    أيها الإخوة: أترككم مع مشاهدات أخينا فضيلة الدكتور صالح بن محمد السلطان، فإلى حديثه جزاه الله خيرا.

    1.   

    نظرات حول القضية

    قال الشيخ: صالح بن محمد السلطان حفظه الله:

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.

    أما بعد:

    فإن هذه الأمة لا تكاد تفيق من صدمة موقف حل بها إلا والصدمة الأخرى تنتظرها، فبالأمس قضية المسلمين في بورما وقبلها في فلسطين وفي كشمير وفي أفغانستان وفي إريتريا وفي الصومال وفي الجزائر وفي تونس وفي يوغسلافيا وفي البوسنة والهرسك.

    واليوم تعود محاولة تصفية المسلمين مرة أخرى، كما حدث في أثناء الحرب العالمية الثانية، حينما جرت الأنهار بدماء المسلمين في تلك الحقبة، لكنها اليوم تعود أكثر عنفاً وشراسة وقد تطورت وسائل الفتك والتدمير في ظل غيبة الأمة وتداعي الأمم عليها، وفي هذه الندوة، وفي هذه الدقائق ألقي نظرة سريعة على قضية المسلمين في تلك الديار من خلال الفقرات أو النقاط الآتية:-

    أولا: أطماع النصارى في هذه الجمهورية، ثم مشاهدات من تلك البلاد، ثم حديث عن الأحوال الاقتصادية، فالأحوال العسكرية، فالأحوال السياسية، فالنواحي الإعلامية، ثم أختم ذلك بما تعنيه البوسنة للمسلمين في رأي أهلها ونظرهم.

    أطماع النصارى

    قبل الكلام على ما حصل من مشاهدات في تلك البلاد أبدأ الحديث:

    ببيان أطماع النصارى في هذه الجمهورية فأقول:

    دأب النصارى هناك على ذكر أن البوسنة جزء من أراضيهم، وأنه لا يمكن انفصالها، وأن من فيها من المسلمين إنما هم أخلاط وفدوا إليها وينبغي أن يرحلوا منها، أو يبقوا تحت ظل وهيمنة هذه الدولة الصربية النصرانية ولا شك أن هذه دعاوى باطلة لا رصيد لها من الواقع، بل إن عند المسلمين هناك من الوثائق ما يثبت أن هذه الدولة كانت مستقلة منذ أكثر من ثمان مائة وخمسين عاماً، ولكن مع ذلك فقد اقتطع الصرب وكذلك الكروات منذ الحرب العالمية الثانية أجزاء كبيرة واستراتيجية ومهمة من هذه الجمهورية، واضطروها وحصروها في وسط هذه الجمهورية، ولم يبق لها إلا منفذ صغير على البحر لا يوجد فيها ميناء بحري، كما يزعمون.

    ولكن السبب الحقيقي في هذه الأطماع: هو ما تحويه هذه الجمهورية من المواد الخام التي توجد فيها، ولا توجد في غيرها من الجمهوريات، إضافة إلى السبب الرئيسي، وهو الحقد الشديد على الإسلام وعلى المسلمين، والذي ظهر جلياً أثره في أثناء هذه الحروب المتتابعة على هذه البلاد، بعد ذلك أذكر مشاهد من داخل تلك البلاد وهذه المشاهد التي وقفنا عليها، هي على قسمين:-

    قسم: رأيناه بأعيننا.

    وقسم: رأيناه عن طريق التصوير وتارة كان ينقل التصوير حياً على الهواء، وتارة يعرض بعد أن ينقل.

    مأساة اللاجئين

    فالمسلمون يعيشون في داخل البوسنة أوضاعاً مأساوية لا يعلمها إلا الله، وقد شاهدت أوضاعاً تصور حجم هذه المعاناة والأسى والألم الذي يكابده هذا الشعب الأعزل، وسأذكر بعض هذه المشاهد، وهي نماذج لمشاهد أخرى تتكرر في كل يوم، بل في كل ساعة، فمن هذه المشاهد:

    رأينا يوم الجمعة بعض اللاجئين الذين وفدوا من تلك البلاد، واستقبلهم المسلمون في المركز الإسلامي في زاغرد وعندما أرادوا ترحيلهم رأيت امرأة مسنة تبلغ السبعين وهي تبكي وحولها ثلاثة أطفال الأكبر منهم يبلغ أربع سنوات وثلاث وسنتين، وهي تبكي ثم تشيح بوجهها عن الناس، فسألنا عن حالها، فقالوا: إنها خرجت من هذه البلاد بعد أن هجم الصرب على منـزل ابنها، فأراودوا امرأته عن نفسها فأبت، فقتلوها وبقروا بطنها وتركوا هؤلاء الأطفال، فما كان من أم أبيهم إلا أن هربت بهم بمساعدة بعض المسلمين، حتى وصلت إلى هذا المركز، وهي في حالة من الإرهاق والخوف والتعب والألم والفقر فليس معها شيء غير ثيابها، وعلبة واحدة من الحليب لا تدري لمن تكفي من هؤلاء الأطفال، وهي تناشد المسلمين في المركز أن يبقوها عندهم في المركز، ولا يتركوها تذهب إلى معسكر اللاجئين في سلوفينيا وهي دولة نصرانية كافرة؛ لأن سلوفينيا تستقبل اللاجئين المسلمين استقبالاً سيئاً.

    فهذا نموذج من النماذج التي رأينا في تلك الديار، وبعد ذلك قمنا بزيارة لأحد المراكز هناك، جُمع اللاجئون في صالة رياضية واحدة وحشروا -وهي عبارة عن صالة رياضية كأنها غرفة رياضية- جمعوا فيها ما يزيد على مائة وخمسين من الأطفال والنساء والشيوخ، وحالهم لا يعلم بها إلا الله، رأيت امرأة تبلغ الستين وهي تبكي ولا تقف عن البكاء، فسألناها عن ذلك فقالت: إنها مصابة بمرض في القلب، وإنها تركت أولادها السبعة في سراييفو يدافعون عنها ولقد انقطعت أخبارهم ولا تعلم عنهم، ثم طلبت منا أن نلمس الفرش التي ينامون عليها فإذا هي كالحجارة، ثم رأيت والإخوان امرأة تبكي بجانبها وهي دونها في السن، فقالت: إنها تركت أبناءها يدافعون عن سراييفو ولا تعلم عنهم شيئاً، وقد انقطعت أخبارهم منذ أكثر من ثلاثة أيام، ثم رأينا أيضاً امرأة تبلغ الثمانين أو تزيد، وهي لا تتكلم فوقفنا عندها وسألناها عن حالها، فقالت إنها أتت مع ابنتها وأبناء ابنتها وهم أطفال وهم الآن مرضى وبحاجة إلى الحليب، وإنها قد تركت ابنها وزوج ابنتها يدافعون عن بلادها، وما يحزنها هو أن أخبارهم لا تصل إليها وتخاف على هؤلاء الأطفال الذين أنهكهم المرض.

    نقص السلاح

    ومن المشاهد التي رأينا، أنّا كنا في المركز الإسلامي في زغراد فجاء أحد الجنود القواد والشجاعة ظاهرة في محياه، ولو هز سارية لهزها من شجاعته وقوته، لكنه عاجز عن الكلام ويفرك إحدى يديه بالأخرى، فاستوقفناه وسألناه فعجز أن يتكلم، ثم قال: -ومعنا المترجم- قدمت لتوي والناس في بلدنا يذبحون كما تذبح الأنعام، وهو يفرك يديه إحداهما بالأخرى ويقول: نريد السلاح نريد السلاح، إنهم جبناء لا يمكن أن يقفوا في وجوهنا، لكن ينقصنا السلاح، ثم يشيح بوجهه عنا وتذرف الدموع من عينيه، ورأيت بجانبه شاباً صغيراً يبلغ الثالثة أو الرابعة عشرة، وقد لبس بدلة عسكرية وظهر على عقله شيء من الخفة، فسألنا عن حاله، فقالوا: لقد أمسك به الصرب عند منـزله مع أخيه الذي يبلغ الثامنة عشرة من عمره، فشنقوا أخاه وهو ينظر، فهرب هذا الصغير فأطلقوا عليه النار فأصابوه في قدمه، لكنه -بحمد الله- تمكن من الهرب، فتلقفه بعض المسلمين وحمله إلى كرواتيا ومكث أسابيع يعالج ومنذ شفائه وهو يلبس هذه البدلة، ويقول: لن أخلعها إلا في سراييفو.

    هذه بعض المشاهد التي رأيتها بعيني أنا والإخوان الذين كانوا معي.

    وهناك مشاهد رأيناها حية على الهواء، ومشاهد رأيناها وكلها حدثت بعد يوم الثلاثاء الماضي، فيوم السبت الماضي رأينا في التليفزيون في الصورة على الهواء جندياً صربيا يستوقف مسلماً، ثم يقول له: أنت تقاتل الصرب ثم يطلق النار على رأسه، فتمر امرأة فيطلق النار على وجهها، فيرديها قتيلة وتنـزف الدماء من فمها.

    القتل والحرق والتخريب

    أما عن القتلى والجرحى في شوارع المدن فقد رأينا العشرين والثلاثين بجانب بعضهم البعض لا يمكن أن يقترب منهم أحد، ولا يمكن أن يواريهم المسلمون، ورأينا امرأة أطلق عليها النار، فالتف الناس حولها وأسرعوا بها لكنها ماتت بين أيديهم، ورأينا الأطفال عند إلقاء القنابل يهربون، لكن لا يدرون إلى أين يذهبون، وقد قتل عدد كبير منهم، كما سنقرأ بعد قليل -إن شاء الله-.

    كذلك شاهدنا الناس في مقبرة مدينة سراييفو العاصمة يحفرون القبور، ويدفنون الموتى ولا يصدق المنظر إلا من رآه، كأنك تشاهد من في هذا المسجد، من كثرة من يحفر القبور ومن يقوم بدفن الموتى، وهذا لا شك أنه يدل دلالة قاطعة على عظم المصيبة وكثرة القتلى.

    أما عن الحرائق فلا تسل، فرأيت قبل ليلتين سراييفو وهي تحترق جميعها، في كل مكان تحترق هي والمدن الكبيرة، وتنقلها التليفزيونات الألمانية والنمساوية حية على الهواء، رجال المطافي يتركون النار؛ لأن القنابل تتساقط عليهم، وبدأ الصرب في الآونة الأخيرة بإلقاء القنابل الكبيرة التي لم تكن تُعرف إلا في الحروب الكبيرة، كحرب الخليج فبدءوا يلقون القنابل التي يبلغ زنة الواحدة منها مائتين كيلو، وقد رأيتها وهي تلقى على أحد المنازل فتدمره تدميراً عظيماً حتى خلصت إلى الملجأ الذي دخله النساء والأطفال فقتلتهم جميعاً وهم ست عشرة نفساً، وقد بلغ عدد من فر إلى كرواتيا أكثر من مائتين وخمسين ألف لاجئ، وإلى سلوفينيا أكثر من ثلاثين ألفاً، أما الذين يدورون في داخل البوسنة يتنقلون من مكان إلى مكان، فيزيدون على الثلاث مائة ألف.

    ويتبع الصرب في طريقة دخولهم للمدن الإسلامية وضربها أسلوباً في غاية الخبث، فيحيطون بالمدينة -كما وصف لنا أحد من خرج من تلك المدن واسمه حارث رجيج وهو من مدينة جفنسا، وقد خرج منها قريبا ورأيناه هناك- فقال: إنهم يحيطون المدينة بالدبابات، ثم يطلبون من المسلمين أن يسلموا أسلحتهم، وسواء سَلَّمْ المسلمون أسلحتهم أم لم يسلموا فإنهم يبدءون بضرب المدينة بالدبابات والمدافع ثلاثة أيام، ثم بعد أن يضربوا المدينة يدخلونها، فيقتلون كل من قابلوه على السواء ذكوراً وإناثاً، ويطلبون من الرجال أن يكشفوا عن عوراتهم، فمن وجدوه مختتناً قتلوه، ثم بعد ذلك يطردون من بقي، ويحضرون الشاحنات الكبيرة ويحمِّلونها بما تحويه هذه المخازن والبيوت من المواد الغذائية ومن الأثاث، ثم بعد ذلك يطلبون من الناس العودة، فإذا بدأ الناس بالعودة صوروا عودتهم إلى منازلهم، ثم تبع ذلك عرض في تليفزيوناتهم للعالم كله بأنهم لا يتعرضون للمسلمين، وأن المسلمين هم الذين يقاتلون الصرب ويطردونهم، وبعد ذلك يقومون بإحراق ما يشاءون من المدن، ويركزون على المساجد والمنشآت الحيوية في هذه المدن.

    هذا عرض موجز لبعض المشاهد ولطريقة دخول الصرب وهتكهم للحرمات والأعراض، وسفكهم للدماء، وضربهم للرقاب.

    1.   

    الجانب الاقتصادي

    قال الدكتور: صالح بن محمد السلطان حفظه الله:

    بعد ذلك أنتقل لأتحدث عن الناحية الاقتصادية وأحوال المسلمين هناك: فالمسلمون يمرون بحالة اقتصادية سيئة وتسوء الأحوال يوماً بعد يوم، والأغذية تكاد تنفد، وساعد على سوء هذه الأحوال ما تقدم ذكره من نهب الصرب للحوانيت والمنازل، ومما زاد في ذلك أن الصرب شددوا القبضة على الجمهورية، فلا يمكن أن تدخلها الأغذية إلا في عسر شديد وبمجازفة كثير من البوسنيين عبر طرق جبلية شاقة ووعرة وفي الليل، وحينما كنا هناك اتصل بعض الإخوان من اليوغسلاف الذين درسوا في جامعة الإمام بأقاربه في سراييفو فرد عليه طفل صغير -وذلك بعد أن عادت الاتصالات يوم الجمعة- فسأله عن الأحوال فقال يا عم إنني الآن آكل الحب اليابس لا أجد ما آكل شيئاً، ومع صعوبة إدخال المواد الغذائية إلى تلك البلاد فإنها قليلة جداً، وقد قمنا بزيارة للمستودعات التي تجمع فيها الأغذية عن طريق هيئة الإغاثة، وكذلك بنك التنمية الإسلامي، ولجنة المرحمة البوسنوية وهي لجنة تجمع التبرعات من العمال البسنوييين في ألمانيا فوجدنا أن الطعام -وهذا الطعام خاص بالمسلمين في داخل البوسنة- وجدنا أن هذا الطعام لا يزيد على حمولة عشر شاحنات، مع أن الناس هناك في الداخل في غاية الضيق والجوع.

    أما الأدوية فلا تزيد على الثلاثين أو العشرين كرتوناً.

    أما الحليب فقد لا أبالغ إذا قلت: إنه لا يزيد على أربعين كرتوناً، الحليب الذي سيدخل إلى أطفال اللاجئين هناك، الذين يزيدون على ثلاث مائة ألف، وأثناء تفقدنا لهذه المستودعات وصلت شاحنتان من ألمانيا تحملان الأغذية، وكان في انتظارهما بعض الشاحنات قدم بها المتطوعون من البوسنة فشحنوها مباشرة، وذهبوا بها إلى داخل البوسنة عبر هذه الطرق الوعرة وبعضها لا يمكن أن تصل، ثم توقف وتدخل في داخل الغابات، ثم يبدأ الرجال بنقلها على ظهورهم عبر هذه الطرق الجبلية الشاقة، والحق أن الإخوة من منسوبي هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية هناك يقومون بجهود كبيرة يشكرون عليها، ويشرف على ذلك الأخ الفاضل الدكتور عبد الله العبدان الذي حضر شخصياً لمتابعة الأعمال هناك والإشراف عليها.

    أقول: وبحمد الله فرغم ما يحصل للمسلمين هناك من الجوع والفقر والمعاناة، إلا أن معنويات المسلمين هناك مرتفعة بحمد الله، وكل ما يحتاجونه هو المال الذي يشترون به السلاح.

    1.   

    الناحية العسكرية

    قال الدكتور: صالح بن محمد السلطان حفظه الله:

    أما الناحية العسكرية فقبل أن أتكلم عن أحوال المسلمين عسكريا، أقدم ذلك بنبذة مختصرة عن القوات في يوغسلافيا وكان توزيعها على النحو التالي:-

    القسم الأول: الجيش النظامي ويبلغ تعداده مائتين وخمسين ألفاً، وهذا الجيش خاضع للحكومة الفيدرالية في بلغراد عاصمة صربيا وجله من الصرب.

    والقسم الثاني: قوات الدفاع الشعبي في كل جمهورية، وهذه القوات تخضع لحكومة هذه الجمهورية، ولما كان الصرب يسيطرون على الجيش، فقد استولوا على جميع أسلحة الجيش، وبعد أن استولوا على جميع الأسلحة، قاموا بتوزيع جزء كبير منها على المواطنين الصرب في المدن والقرى الصربية، حتى إنهم نقلوها إلى القرى التي طُرُقها وعرة بطائرات الهيلوكبتر، فسلحوا جميع الصرب وفي مقابل ذلك نجد أن المسلمين لا يملكون شيئاً، مما حدى بحكومة البوسنة أن تبيع عليهم الأسلحة، مما اضطر بعضهم أن يبيع ما يملكه من دواب وأثاث ويشتري به سلاحاً يدافع به عن نفسه وأهله.

    أما قوات الدفاع الشعبي الخاصة بكل جمهورية، -فمع الأسف- خدع الصربُ المسلمين، فقبل فترة طلب الصرب أن يقوم الجيش بحراسة مخازن الأسلحة -أسلحة قوات الدفاع الشعبي- فوافقوا في البوسنة بحسن نية، فبدأت قوات الجيش -القوات الصربية- تحرس هذه المستودعات، يحرسونها من الأمام ويحفرون الأنفاق من الخلف حتى فرغوا جميع ما فيها من الأسلحة، ولما أعلنت البوسنة استقلالها،لم يكن في حوزتها أي شيء من السلاح، في مقابل ما تملكه الصرب من الأسلحة المتطورة، التي يبلغ عدد الدبابات فقط فيها أكثر من ألفين وخمسمائة دبابة، هذه المفارقة في السلاح مع الصرب أدت إلى انهيار معنويات المسلمين وضعفها، لاسيما بعد أن تأخر وصول الإمدادات إلى المسلمين، وهذا بالطبع أدى في أول الأمر إلى سقوط عدد كبير من المدن والقرى الإسلامية، بل وصل الحال إلى أن المسلم إذا رأى دبابة ألقى بسلاحه وهرب.

    بعد ذلك قام بعض الإخوة العاملين هناك في المراكز الإسلامية بالاتصال بالحكومة وحثهم على الدفاع عن بلدهم وأخبرهم بأن الأسلحة والأغذية والأدوية في طريقها إليهم، وأن عليهم أن يخبروا أفرادهم بذلك، بعد ذلك مباشرة بمجرد هذا الخبر ارتفعت معنويات الحكومة والأفراد واستماتوا في الدفاع عن بلادهم، ووصلهم بعد ذلك بعض الأسلحة التي تم شراؤها بأموال بعض المحسنين من المسلمين، ولا يخفى عليكم ولا أخفيكم ولا أكتمكم أنهم في أمس الحاجة إلى تبرعاتكم وإلى مد يد العون.

    فهم في حاجة ماسة إلى سلاح يشترونه ليدافعوا به عن أنفسهم، ولما حُمِلتْ التبرعات التي تبرعتم بها أنتم وإخوانكم من المسلمين في كثير من البلاد، لما وصلت اشُتُري السلاح بعد وصولها بسويعات، ورأيناه وهو يحمل إلى داخل الجمهورية، أنا بعيني رأيته يحمل إلى داخل البوسنة بعدها مباشرة وبعد أن حصل المقاتلون من المسلمين على الأسلحة في مدينة كننس على سبيل المثال لما حصلوا على هذه الأسلحة، مباشرة بعون الله استطاعوا تحرير هذه المدينة، وأسقطوا أربع طائرات وطائرة هيلوكبتر، واستولوا على عدد من الدبابات، مع أن الأسلحة التي قدمت إليهم أسلحة بسيطة وصغيرة لا تساوي شيئاً في مقابل ما يملكه الصرب، لكن بحمد الله وبتوفيقه أمكنهم من دحر الصرب وإخراجهم من هذه المدينة.

    ويقول الإخوة هناك: لو كان عندنا (10%) من سلاح الصرب لاستطعنا تحرير البوسنة خلال أيام قليلة، لكن المشكلة التي نعاني منها هي مشكلة السلاح، ولما حصلوا على المال اشتروا به مضادات للدبابات، ودمروا بها أكثر من مائة دبابة بمجرد حصولهم على نوعية من الأسلحة هي r.b.g المضادة للدبابات، فيحتاجون إلى أموال.

    وهناك من أقرضهم لكنه جعل هذا القرض مربوط بمدة معينة، إذا لم تسدد هذه الأموال فإنه لن يمنحهم سلاحاً آخر.

    وأثناء مقامنا هناك حضر بعض الشباب من بعض المدن في شمال البوسنة يطلبون السلاح فلم يكن هناك شيء من السلاح لأنه حمل في الليل فوقفوا حائرين، وفي أثناء ذلك قدم بعض الإخوة المسلمين من ألمانيا وقد جمع منها التبرعات من بعض العمال المسلمين هناك، فأعطاهم عشرين ألف دولار فقط يعني ما يعادل اثنين وسبعين ألف ريال، فطاروا من الفرح وسارعوا واشتروا بها سلاحاً، وعادوا أدراجهم إلى بلادهم، مع أن المبلغ يسير جداً، لكنهم قالوا: بإذن الله سنحرر بلادنا بهذا السلاح وإن كان يسيراً.

    ورأيت مع الإخوة بعض القواد وهو القائد الوحيد الذي يهاجم، أي أن جميع القواد في البوسنة من المسلمين يدافعون عن المدن البوسنوية، ورأيت هذا القائد الوحيد الذي يهاجم رأيته قد أتى لأخذ الأسلحة، وقد استطاع أن يستولي -بحمد الله- على خمسة عشر كيلو متراً في طريقه إلى سراييفو، ويقول: بقي علينا خمسة عشر فقط ونصل إلى المدينة، وإذا وصلنا إلى هذه المدينة فإن الطريق ينفتح إلى سراييفو لكن نريد الأسلحة، ونريد أن تكون الأسلحة مضاعفة، مع أن الذي حمل لهم من السلاح شاحنة واحدة وهي تفي ببعض حاجاتهم، لكن كما قال بعض الإخوان: إن ما نحصل عليه من السلاح يساوي (1.5%) مما نحتاجه، وهم الآن يحاولون قطع الطريق الرئيسي بين صربيا وبين البوسنة والهرسك ومحاولاتهم جادة، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقهم لقطع هذا الطريق، ومتى قطع هذا الطريق فإن الإمدادات التي تصل إلى داخل البوسنة إلى الجنود الصرب ستنقطع ويصعب عليهم خط الرجعة، ويحاصرهم المسلمون من الجهتين، وطلبوا منا أن ننقل لكم شكرهم ودعائهم لكم على ما قدمتموه، وأن نبين لكم أنهم بأمس الحاجة إلى مساعداتكم، وأنهم قد مدوا أيديهم إلى الكثير والكثير، ولكنهم بحاجة إلى مساعدات المحسنين من المسلمين بعد أن تعذر عليهم وصول المساعدات من غير المحسنين.

    1.   

    الجوانب الأخرى

    قال الدكتور: صالح بن محمد السلطان حفظه الله:

    الجانب السياسي

    أما الناحية السياسية: فتحاول الحكومة البوسنوية الآن أن تستفيد من جميع القنوات السياسية المتاحة، وهي تعلم أن الغرب يريد أن يضعف هذه الجمهورية حتى تدوم حاجتها إليهم، وهذا ظاهر من قراراتهم التي لا تعدو أن تكون حبراً على ورق، ولم يوجد ضغط حقيقي من هذه الحكومات، وإن كانت تزعم كذباً أنها تضغط على حكومة صربيا من أجل أن تسحب قواتها، لكن الإخوة هناك يعلمون أن هذه الأخبار أخبار مزورة وغير صحيحة، والمجموعة الأوروبية وهي تجتمع لتعاقب صربيا -كما يزعمون- تخرج بقرارات كلها لا تعدو عن كونها لفت نظر بوجوب سحب هذه القوات.

    لماذا؟ لأن هذه الدولة -صربيا- تسفك دماء المسلمين، وهي دولة نصرانية كافرة مثلهم، وليس لهم مصلحة في إضعافها كمصلحتهم في إضعاف الكثير من الدول الإسلامية كما شاهدناه في حرب الخليج، وهذا الشيء ليس بغريب عنهم، بل متوقع منهم، ومثله ما يصدر من قرارات هيئة الأمم المتحدة التي هي في الواقع لا تعدو أن تكون ألعوبة في يد الولايات المتحدة تصرفها كما شاءت، وتديرها كما يحلو لها، وكما يتمشى مع مصالحها، فهذا أمر متوقع حتى للمسلمين هناك في البوسنة كانوا يتوقعون ذلك، ويعلمون أن الغرب الكافر لا يريد دولة إسلامية في أوروبا كما صرح بذلك الرئيس الفرنسي، أقول: لكن الذي لم يتوقعوه ولم يخطر على بالهم، وحز في نفوسهم وآلمهم أشد الألم، هذا الموقف الهزيل من الدول الإسلامية، فدول لم تعترف بهذه الجمهورية المسلمة كـالمغرب والجزائر، ودول لم تعترف بها إلا بعد أن اعترف بها الغرب -أوروبا والولايات المتحدة- وكان اعترافها اعترافاً هزيلا، بعكس إيران مع الأسف التي تستغل هذه المواقف وتجريها لمصلحتها، وتدافع في الظاهر عن المسلمين هناك، وتدافع عن حقوقهم، لكن بحمد الله أنهم يعرفون حقيقة الموقف الإيراني منهم، ويزداد ألمهم حينما يرون سكوت الحكومات الإسلامية على هذه المذابح الجماعية والمجازر، وكأن الأمر لا يعني هذه الحكومات الإسلامية من قريب ولا بعيد، فأي إسلام هذا الإسلام؟! وأي موالاة هذه الموالاة؟! بل وصل الحال بهم مع ما حل بهم أنهم قالوا: لو جاء مجرد شجب أو استنكار من الدول الإسلامية لكان لذلك أثره في نفوسنا، ولكان ذلك مؤثراً على الصرب لأن الصرب يهمهم مثل هذه الأمور، بل قالوا: لو جاء تهديد من الدول الإسلامية بقطع العلاقات والمعاملات لكان موقف الحكومة الصربية موقفاً مغايراً لما هي عليه الآن من مذابح ومجازر.

    أقول: وهل وصل الضعف بنا أن نعجز حتى عن مثل هذه الأمور، أن نعجز عن مجرد شجب أو استنكار، مع أن مثل هذه الأمور -تعد ضعيفة وهزيلة- أمور لا تنقص منا شيئاً، وهي في نفس الوقت مثمرة للمسلمين هناك، ومن هذا المكان ومن هذا المنبر أذكر المسئولين في الدول الإسلامية عامة وفي هذه الدولة خاصة بمسئوليتهم تجاه ما يتعرض له المسلمون هناك من مجازر، وأشعرهم بتقصيرهم بسبب المواقف التي يقفونها من المسلمين هناك، كذلك أنادي طلبة العلم والدعاة وعلماءنا الأكابر بالوقوف مع إخوانهم، وحث المسئولين على كل ما يقدرون عليه في نصرة إخوانهم سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وإعلاميا، وإلا فإن العلماء والدعاة قد قصروا في واجب النصح الذي تحملوه، وهم مسئولون عنه عند الله تعالى، والجميع كذلك كلٌ بحسبه، فإن عضواً من الأمة يقطع ويراد استئصاله، فالله الله أيها المسلمون في إخوانكم ما دام في الأمر مهلة، وقبل أن تندموا حين لا ينفع الندم.

    الجانب الإعلامي

    أما الناحية الإعلامية: فالكلام عنها في غاية الأسى والأسف، فالذي يسمع ويشاهد الإعلام الإسلامي يظن أنه لا يوجد في البوسنة حرب إبادة وتصفية، بل يقطع أن الأمر لا يعدو كونه مجرد مناوشات بسيطة ومحدودة جداً، نعم هذا واقع الأمر وقد سمعت الإذاعة تقول: قتل اليوم اثنان فصار العدد ثمانية، أي سخف هذا السخف وأي هراء؟! المدن يُصَفُّ فيها الرجال ثم يكشف عن عوراتهم فمن وجد مختونا ذبح كما تذبح الأنعام، وفي مدينة واحدة وفي ليلة واحدة ذبح أكثر من أربعمائة وعشرين مسلماً، ثم تأتي الإذاعة وتقول اليوم قتل اثنان والأمس ستة فصار العدد ثمانية، أو ليرتفع العدد إلى ثمانية، وهذا قبل أيام قليلة جداً سراييفو والمدن الكبيرة -كما أسلفنا- تحترق وصارت خراباً، وكما أسلفنا أنهم بدءوا في الأيام الأخيرة بإسقاط القنابل الكبيرة التي تدمر أحياء بأسرها، ولكن ليس لمثل هذه الأخبار ذكر، ولا تعرف في وسائل إعلامنا الإسلامي.

    قضية المسلمين في تلك البلاد لا يعرفها الكثير من المسلمين، ومن يعرفها فإنه يجهل الكثير مما يحدث بسبب نقص تغطية الإعلام لهذه الأحداث تغطية صحيحة، ولا شك أن الإعلام يتحمل قسطاً كبيراً من نتيجة ما حصل وما يحصل للمسلمين هناك، حيث لم يتفطن لهذه القضية إلا متأخراً فكان الدعم قليلاً ومتأخراً، ولو ألقيت نظرة عابرة على معظم الجرائد لوجدت أخبار المسلمين هناك قليلة إن لم تكن معدومة، وإن وجدت فإنها توجد في أماكن لا يتنبه لها، ومع الأسف فإن هذه القضية تتصدر الصحف الغربية في ألمانيا والنمسا وغيرها، مع أن الأمر لا يعنيهم في قليل ولا كثير.

    أما في صحفنا الإسلامية التي من المفترض أن تكون قضية المسلمين هناك قضيتهم، فإنهم لا يعرفون عنها شيئاً.

    فالإعلام الإسلامي مع الأسف في واد، وقضايا الأمة في وادٍ آخر، وكأن الأمر لا يعنيهم من قريب ولا بعيد، فأين الولاء والبراء؟ وأين هذا من ترديد الشعارات الفارغة؟ إن الناس في هذه الأيام وفي هذا الزمان صاروا يعقلون ويفهمون، ولهم عقول يميزون، فعودوا أيها الإعلاميون إلى رشدكم، واهتموا بقضايا أمتكم، فقد نبذ إعلامكم وترك: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [الشعراء:227].

    ماذا تعني البوسنة للمسلمين

    الفقرة الأخيرة: ماذا تعني البوسنة للمسلمين في رأي أهلها؟

    يقول الدكتور عرفان سكرتير حزب العمل الذي يرأسه الرئيس علي عزت -قابلناه هناك- يقول: على المسلمين أن يعرفوا جيداً أهمية بقاء البوسنة وقيامها، وأثر ذلك على انتشار المسلمين في أوروبا فهي رأس الحربة في الإسلام في أوروبا مع مراعاة أن الأوروبي بطبيعته يمكن أن يتقبل الإسلام ويدخل فيه إذا كان من يدعوه أوروبياً أكثر ممن لو كان من غير الأوروبيين، انتهى كلامه.

    وهذا الكلام جيد من حيث الجملة، وقد صرح الرئيس الفرنسي بأنه لن يسمح بقيام دولة أصولية في أوروبا وهذا ما يفسر عدم الضغط على صربيا كما حدث مع بعض الدول التي للغرب مصالح في بقائها، ومن هذا أقول: إن وجود دولة إسلامية في أوروبا سيكون فاتحة خير على المسلمين، وطريقاً قريباً لدعوة الناس هناك.

    وأختم كلامي ببعض الأخبار التي وصلت من هناك، أقرأ الخبر الأول: وهو من أخبار يوم الجمعة، ثم أقرأ الخبر الذي وصل اليوم.

    من الأخبار في مدينة فوجا والقرى المجاورة كما أفادت الأنباء التي وصلت إلى المركز: قتل عشرات المسلمين في المذابح الجديدة التي ارتكبها الصرب ضد المدنيين العزل، وفي مدينة أوجاك قصف الجيش اليوغسلافي المدينة الساعة السادسة والنصف مساءاً بالقنابل التي تزن كل قنبلة منها مائتي كيلو، ولا يعلم عدد القتلى والجرحى والخسائر المادية حتى الآن، في مدينة بنيلوكا أطلق العدو الصربي أمس صاروخا على مسجد فرحات باشا، وهو من المساجد القديمة فأصاب منارته، ويستمر هدم منازل المسلمين ونهب محلاتهم التجارية.

    أيضاً من مدينة بنيلوكا المدينة محاصرة ويتعرض سكانها للقهر، والشعب على حافة المجاعة، والقوات الصربية تنهب وتهدم مباني وبيوت المسلمين وخاصة بالقنابل الحارقة، كما أن الحزب الإسلامي في هذه المدينة يطلب من رئاسة الجمهورية أن يوقفوا هذا القهر وهذا التجنيد الإجباري.

    في مدينة سراييفو في إحدى القرى القريبة، قامت القوات الصربية بقتل جميع الأسرى من النساء والأطفال، وكذلك في مبنى مدرسة ابتدائية في مدينة دوربانيتيه قام الصرب بذبح جميع الأسرى المسلمين، وكان أغلبهم من النساء والأطفال.

    وهذا الخبر وصلنا اليوم قبل صلاة المغرب، أعلن نائب رئيس الأركان في البوسنة بأنه إذا لم يتم إرسال أسلحة قريبة إلى الجيش، فلن يتمكن الجيش البوسنوي من الدفاع عن المنطقة التي تحت سيطرته، ولكن مع ذلك -بحمد الله- فكما أسلفت بالأموال التي قدمت لهم تم بها شراء بعض الأسلحة ووصلت قبل يومين إليهم وصلت البشائر: ففي مدينة يوسنكي بوردو تم تحرير أجزاء المدينة التي كانت تحتلها القوات الصربية، وتم تحطيم دبابتين وقتل مائة وعشرين جندياً من القوات الصربية، وفي مدينة شابلن قامت القوات الصربية بنسف الجسر الذي على نهر المدينة من أجل قطعه بين شطريها، وفي مدينة أوجاك التي ذكرت قبل قليل أنها تضرب بالقنابل التي تزن مائتي كيلو، في هذه المدينة تم تحرير ضواحي المدينة وما حولها من القوات الصربية، وأسر حوالي ألفين من القوات الصربية، والاستيلاء على عدد كبير من الأسلحة، وفي مدينة سيريرفستا تم تحرير المدينة جميعها من قوات العدو، وتم أسر ثلاثمائة واثنين وخمسين صربياً، والاستيلاء على كمية كبيرة من الأسلحة والذخيرة، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

    1.   

    دعوة للتعاون

    قال الشيخ: سلمان بن فهد العودة حفظه الله:

    جزاك الله خيراً على هذا البيان المفيض المفيد، وهاهنا مجموعة من الأسئلة حول هذا الموضوع، قبل أن أعرضها أو أقرأ شيئاً منها أقول: أنتم الآن سمعتم، ولسنا نريد منكم مجرد السماع، بل نريد منكم -وقد تخلى الرسميون عن المسلمين- أن تصدقوا الله -تعالى- وتروا الله -تعالى- من أنفسكم قوة، وإذا كان لنا شيء من الحق عليكم فإننا نناشدكم به بحكم أخوة الإسلام، ألا يبخل أحد منكم على المسلمين بما يستطيع قلَّ أو كثر، بما تجود به نفسه، فنحن حين نرى هذه الحرب التي تديرها دول، وإمكانيات مذهلة، وطائرات، وقنابل، ودبابات بالآلاف، وإمكانيات هائلة، والعالم كله يتفرج، والأمم المتحدة، تقول: إن التدخل غير ممكن لأسباب مادية وتكاليف وغير ذلك، نعلم أن الأصل أنه كان يجب على القوة الإسلامية، التي مكن الله لها في الأرض أن تدعم إخوانها، ولكن إن تخلى عنهم الرسميون، فإنه يجب علينا أن نبذل نحن ما نستطيع.

    ولا ننسى أبداً أن المجاهدين الأفغان، استطاعوا أن يقاوموا دولة روسيا التي كانت إمبراطورية هائلة تنافس أقوى أمم الأرض آنذاك، استطاعوا أن يتغلبوا عليها ويحاربوها هذه السنين الطويلة، ليس كما يدعي الصحفيون من خلال الدعم الأمريكي، لا،ولا من خلال دعم الحكومات العربية والإسلامية، كلا، وإنما من خلال الدعم الشعبي، بل أقول: من خلال جزء من الدعم الشعبي، لأن هناك أموالاً من دعم الشعوب الإسلامية حيل بينها وبين الوصول إلى المجاهدين، فالقدر الذي وصل إلى أيدي المجاهدين الأفغان جعل الله تعالى فيه البركة فقاوم به هزيمة أقوى إمبراطورية في العالم آنذاك، وبإذن الله فإن القرش والريال الذي تدفعه أنت سينتصر به أخوك المسلم البوسنوي على قوات الصرب، وعلى غيرها، فلا تقل أين يقع هذا المال مما أريد؟ الله -تعالى- يبارك ولا حد لبركته، والله -تعالى- ينـزل نصره على من يشاء.

    لكن بشرط أن تكون المعركة في البوسنة والهرسك هي معركة المسلمين جميعاً وليس معركة قلة لا يملكون من السلاح إلا (1.5%) مما يحتاجون إليه ومما يتطلبونه، فلا نسامحكم والله أبداً إلا أن تشاركوا بقد ر ما تستطيعون، وحتى من دفع بالأمس يوم جمعنا التبرعات نطالبه أن يدفع اليوم ويدفع غداً، ومن لا يملك إلا ريالاً أو عشرة ريالات فليدفعها، ومن استطاع أن يتخلى عن شيء من حاجته فليتخل عنها، ليس هذا فقط، بل نطالبكم أن تنقلوا هذه القضية إلى الشيوخ والرجال والنساء والكبار والصغار، وأن تحدثوا بها الأطفال وأن تطلبوا من كل من تتحدثون معه أن يساهم بشيء من المال لدعم إخوانكم، ونطالبكم أن تتحدثوا إلى الخطباء وإلى العلماء وإلى طلبة العلم، وإلى الدعاة أن يثيروا هذه القضية على أعواد المنابر، وفي المجالس، وفي الميادين، وفي كل مكان، أن يجمعوا التبرعات للمسلمين هناك، وأن يعلموا أنها تبرعات المقصود منها سد جوعة الجائع.

    1.   

    الأسئلة

    الجهاد الفعلي

    السؤال يقول: لقد سمعنا هذه المشاهد عما يجري في بلاد المسلمين من التعذيب والقتل، وقد سمعنا من قبل مثل ذلك، وسوف نسمع الكثير، ولكن هل مجرد الكشف عن المرض سوف يشفيه؟ وهل سمعت أن المدن حررت باللسان المجرد؟ وهل سمعت أن السلاح ينـزل من السماء على معوقين؟ كم نسمع هذه الأصوات المتدفقة بالحق في المحاضرات والدروس والمناسبات، ولكن من تخاطب؟ هل تخاطب من يزينون سياراتهم بأصواتكم، ومنازلهم بأسمائكم، أين العمل وأين السبيل إلى التطبيق؟ ثم قال:

    السيف أصدق إنباء من الكتب     في حدِّه الحد بين الجد واللعب

    الجواب فأقول: إن كانت قصصاً نتسلى بها، فما قاله الأخ صحيح (100%) وإن كانت هذه الأحاديث حركت حميتكم، وربطتكم بإخوانكم، ودعتكم إلى مزيد من الدعم والبذل، فإنها -إن شاء الله- جزء من الحرب التي نديرها على أعداء الله من أهل الكتاب، من اليهود والنصارى والمشركين، وبإذن الله تعالى نحن على ثقة من موعود ربنا عز وجل أنه تعالى سوف ينصرنا عليهم، وسوف تقوم للإسلام دولة في أوروبا على رغم أنوفهم، وسوف تقوم للمسلمين قائمة، ويجتمع المسلمون كلهم تحت دولة الخلافة التي توحد ما تشتت وتفرق من أمرهم.

    التبرعات وإمكانية الجهاد

    السؤال: هل من الممكن أن يقوم في يوغسلافيا جهاد إسلامي، مثلما حصل في أفغانستان ونرجو التحدث عن التبرعات أين تذهب هل للجياع أم للجهاد؟

    الجواب: تذهب للجياع وتذهب للجهاد كما شرح الشيخ صالح في كلمته، أما هل سوف يقوم في يوغسلافيا جهاد إسلامي، فنحن نقول الآن كما أسلفنا في مقدمة الحديث: المسألة الآن مسألة دفاع المسلم عن نفسه، ودعك من قضية الجهاد فهو أمر سابق لأوانه. الشيخ صالح يريد أن يعقب على هذا الموضوع.

    قال الشيخ صالح بن محمد السلطان:

    بسم الله الرحمن الرحيم، أقول فيما يتعلق بالأموال التي تصرف فقد بذلنا الكثير في محاولة معرفة الطرق التي يصرف فيها هذا المال، ورأينا أنه بحمد الله يصرف في قنواته الصحيحة، وأن الرئيس علي عزت قد كلف لجنة للطوارئ برئاسة مفتي المسلمين هناك، وبعضوية رئيس مجلس شورى المسلمين هناك ونائبه، ورأيناهم وهم يقومون بشراء ما يحتاجه المسلمون في الداخل من كل شيء، ويقومون بتوزيعه ويبذلون الجهد العظيم في ذلك، ولقد رأيناهم إلى الساعة الثانية من الليل وهم يتابعون هذه الأعمال، ثم يقومون لصلاة الفجر ويستمرون في أعمالهم، وقبل أن نفارق تلك البلاد بلحظات كنا في مكتب رئيس لجنة الطوارئ، في مكتب هيئة الإغاثة فدخل علينا رئيس لجنة الطوارئ وهو منفعل لا يدري كيف يتصرف، وهو يقول: وصلنا الآن خبر أن هناك تسعة وعشرين ألف لاجئ بلا طعام، ويحض الإخوة على سرعة حمل الأطعمة من هذه المستودعات، فثقوا -إن شاء الله تعالى- أن ما تتبرعون به يصل إلى إخوانكم، وقد بذلوا الكثير والكثير، وهناك من أقرضهم وينتظر سداد هذه الأموال حتى يتم تزويدهم بأسلحة وأغذية أخرى.

    حاجة يوغسلافيا إلينا

    السؤال: هل يحتاج المسلمون هناك إلى ذهابنا إليهم وكيف؟ كذلك السؤال للشيخ صالح.

    الجواب: سألنا الإخوة هناك فقالوا: نحن لسنا بحاجة إلى أحد يقاتل معنا، يوجد عندنا من الجنود المدربين العاملين أصحاب الخبرات في القتال ما يمكن أن يدافعوا به عن بلادهم ويحرروها، ولكننا فقط بحاجة إلى السلاح.

    وقال الشيخ سلمان: ولذلك يمكن أن نقول لهذا الأخ: أعطنا قيمة التذكرة التي سوف تسافر بها، واجلس هنا سوف تزودهم بالدعوات الصادقة قيمة التذكرة خمسة آلاف فقط.

    وقف الحرب

    السؤال: يسأل الكثيرون عن سؤال محير وهو: من الذي -بعون الله تعالى- سوف يكون وقف الحرب على يديه؟

    الجواب: أنا أخبرك الخبر اليقين بهذا، الذي سوف يكون وقف الحرب على يديه هو محمد بن عبد الله المهدي الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه يخرج في آخر الزمان، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، فبذلك تدين الأرض كلها للإسلام، وتخرج الأرض خيراتها وكنوزها، أما قبل فإن الحرب بين المسلمين وأعدائهم ستظل سجالاً، حتى وإن انتصر المسلمون في يوغسلافيا وإن قام للمسلمين دولة، وإن قام للإسلام خلافة، وإن اجتمع المسلمون، مع ذلك كل هذا لا يعني أن النصارى سوف يلقون السلاح، وينامون ملء جفونهم ويقولون لا حيلة في ذلك، لا،هذه سنة الله تعالى أن الحرب قائمة بين الإسلام وخصومه في كل مكان، ولكن من ذا الذي يستطيع أن يوصل السلاح إلى المسلمين، المهم أنت أعطنا المال ودع الباقي لمن يستطيع أن يقوم به.

    النصارى العرب

    السؤال: لماذا لا يقاطع المسلمون النصارى العرب الموجودين على الأقل في الصيدليات والورش هنا، وفي جميع بلاد المسلمين وهم من النصارى؟ ولماذا لا يتصل بأصحاب الصيدليات والمحلات ويخوفون بالله؟

    الجواب:هذا طالبت به في درس الأحد، وأرجو الله تعالى أن يجد هذا الطلب آذاناً صاغية، فإذا كانت الحكومات الإسلامية عاجزة عن مقاطعة دولة الصرب والضغط عليها، فأقل شيء أن تفلح الشعوب الإسلامية في مقاطعة النصارى، واستقدام المسلمين سواء للخدمة أو للعمل أو للوظيفة أو لغير ذلك.

    التبرع بالزكاة

    السؤال يقول: هل يصح تقديم الزكاة لهم؟

    الجواب: يا أخي الزكاة تقدم لمن هو دون ذلك، الذي لا يملك الأمور الحاجية تُقدم له للسكن، وللغذاء، وللطعام، وللشراب، وللباس الذي يحفظه من أذى الحر والبرد، فما بالك بإنسان يُقتل أما تعطيه السلاح من الزكاة حتى يدافع عن نفسه؟! إن هؤلاء من أحوج الناس إلى الزكاة، وخاصة ونحن نعلم أنها تصل من طرق -إن شاء الله- موثوقة ومضمونة.

    بيع الكتاب للإنفاق

    السؤال: لا أملك المال لكن أملك الكتب، فهل يستحب لي أن أبيعها لأنفق المال؟

    الجواب أقول: إذا كانت كتباً لا يحتاج إليها فبإمكانه أن يبيع منها، وإلا يستطيع أن يبيع بعض الأشياء الأخرى غير الكتب، يا أخي الساعة التي في يدك بعها وأعطنا قيمتها، إذا كان عندك أشياء فائضة عن حاجتك، وفي الحديث: {سبق درهم ألف درهم}. وهذا ينبه إلى أنه من الممكن أن من ليس معه شيء من المال، أن يرسل مالاً أو شيكاً في أي شيء آخر هذا أمر معلوم.

    تذكير بالدعاء للمسلمين في يوغسلافيا

    السؤال: هذا أخ يقول: إن القلوب قد تهيجت والدموع قد ذرفت فهلا استغل هذا اللقاء للدعاء للأخوة هناك؟

    الجواب: نعم، هذا كان في ذهني أن ندعو للإخوة هناك، فأنتم الآن جمع غفير لعل من بينكم من لو أقسم على الله تعالى لأبره، ولعل من بينكم صاحب قلب صادق، ولقمة حلال، وسر بينه وبين الله عز وجل يجيب الله تعالى به دعوته، أو يشعر بالضرورة الآن وهو يرى دماء المسلمين تنـزف في كل مكان، وثمرات جهادهم يقطفها خصومهم، وبيوتهم تهدم عليهم، ورجالهم يقتلون، ونساؤهم تنتهك أعراضها، وأطفالهم يحرمون حتى من لبن الأم، بل حتى من الحليب الذي به قوام حياتهم، فلعل إنساناً يشعر بالضرورة فيدعو الله -تعالى- وهو مضطر والله تعالى يجيب المضطر إذا دعاه، وإن شاء الله لا تعدم هذه الأمة أن يكون من بينها من هو كذلك.

    فاللهم، يا سامع الأصوات، ويا مجيب الدعوات، ويا قاضي الحاجات: نسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلى واسمك الأعظم الذي إذا سُئلت به أعطيت، وإذا دعيت به أجبت، أن تنصر إخواننا في يوغسلافيا نصراً مؤزراً، اللهم كن لهم ولا تكن عليهم، اللهم انصرهم ولا تنصر عليهم، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم يا حي يا قيوم، اللهم إنهم جياع فأطعمهم، وعراةٌ فاحملهم، اللهم إنهم عاجزون فقوهم بقوتك يا قوي يا عزيز، اللهم إنهم فقراء فأغنهم، اللهم إنهم فقراء فأغنهم، اللهم افتح لهم أبواب الخير والنصر وطرقه بقدرتك يا حي يا قيوم، اللهم انصرهم، اللهم انصرهم، اللهم انصرهم، اللهم افتح لهم أبواب الخير، اللهم حرك لهم قلوب المسلمين في كل مكان، اللهم حرك لهم قلوب المسلمين في كل مكان، اللهم أدر الدائرة على محاربيهم من النصارى وأهل الكتاب، اللهم أدر الدائرة على عدوهم، اللهم أنـزل على الصرب بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم أنـزل عليهم بأسك، اللهم أنـزل عليهم نقمتك.

    اللهم يا حي يا قيوم، يا ناصر المستضعفين انصر المسلمين، ويا جابر المنكسرين اجبر كسرهم، اللهم اجبر كسرهم، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم أسمعنا من أخبارهم ما تقرُّ به عيوننا، وتطمئن به قلوبنا، اللهم لا تكلهم إلى ضعفهم، ولا إلى فقرهم، ولا إلى مسكنتهم، ولا إلى الحكومات التي تخلت عنهم، اللهم إنك أنت الله لا إله إلا أنت، أنت القوي ونحن الضعفاء، أنت الغني ونحن الفقراء، إنا نسألك سؤال المستغيث الملهوف، سؤال من ذلت لك رقبته، وخضعت لك جوارحه، يا حي يا قيوم لا تدعهم لأنفسهم، اللهم لا تكلهم إلى أحد من خلقك أبداً، اللهم أنـزل عليهم نصراً سريعاً مؤزرا يا حي يا قيوم.

    اللهم ونسألك للمسلمين في أفغانستان ونسألك للمسلمين في بورما ونسألك للمسلمين في كشمير، ونسألك للمسلمين في فلسطين ونسألك للمسلمين في الجزائر ونسألك للمسلمين في تونس ونسألك للمسلمين في مصر ونسألك للمسلمين فوق كل أرض وتحت كل سماء، يا حي يا قيوم عجل لهم بالنصر والفرج، يا فارج الكربات يا قاضي الحاجات يا مجيب الدعوات، اللهم حرك قلوب المسلمين أن يرفعوا إليك الدعوات الصادقة يا حي يا قيوم، اللهم وافتح لدعواتهم أبواب السماء، اللهم لا تدعهم لأنفسهم، ولا تكلهم إلى عدوهم، يا حي يا قيوم، إن لم يكن بك عليهم غضب فهم لا يبالون؛ لكن عافيتك هي أوسع لهم، نعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل بهم غضبك أو ينـزل عليهم سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

    ونحن نطالب الإخوة أيضاً أن يقوموا بنشر هذا الشريط وما شابهه وتوزيعه على المسلمين.