إسلام ويب

الحصن الحصين من الشيطان الرجيمللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الشباب فترة القوة والعطاء، هو وقت بناء الدين في النفس والتربية في كل شأن من شئون الحياء، وقد فرض الغرب رؤيته الخاصة على التقدم التقني والتجريبي، وحيث لا مبدأ أخلاقياً عنده؛ فقد تأثرت البلاد الآخذة منه، فلابد من توعية الشباب ونصيحتهم ودلالتهم على طريق المسلمين حتى لا يجرفهم التيار.

    1.   

    تسخير الكفار شتى الوسائل لخدمة أغراضهم

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد.

    أما بعـد:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    أيها الأحبة الشباب: إن جلوسي مع أمثالكم يطيب، وما ذاك إلا لأن الإنسان يشعر وهو يتحدث إليكم أنه يقدم إلى أمته شيئاً قد ينفع، أو أنه يدفع عنها ضراً قد يصيبها في صميمها.

    وأعتقد أنكم أصبحتم تدركون جيداً -الآن- أننا أمام عدوٍ كشَّر عن أنيابه، مدجج بأحدث السلاح، وهو عدو يملك الحضارة؛ وبالتالي أصبح يهيمن على الدنيا إلا ما شاء الله، وسخر كل المنجزات وكل الإبداعات وكل العلوم؛ سخرها لمسخ هوية المسلم، وسحق بقايا الإسلام.

    فمثلاً: سخر الإعلام الذي جعل العالم كله قريةً واحدة فتقال الكلمة في المغرب؛ فتسمع في المشرق، ويحدث الحدث هنا؛ فيرى في كل أنحاء الدنيا في اللحظة التي حدث فيها.

    وسخر العدو الكافر الكاسر هذا الإعلام لتضليل المسلمين، وتغيير عقولهم، ومسخ أخلاقهم، التلفاز -مثلاً- نموذج، والإذاعات نموذج، وأفلام الفيديو نموذج، والمجلة الخليعة نموذج، وشريط الغناء الماجن نموذج، وآخر ذلك ما يسمى بالبث المباشر الذي أصبح بعض بني قومنا يستقبلونه بكل ترحاب، وإنه لعجبٌ من العجب.

    هل رأيتم إنساناً يستقبل عدوه بالأحضان، ويفتح له ذراعيه، ويضحك في وجهه، ويفتح له البوابة على مصراعيها، ويقول له: تفضل؟!

    هذا هو والله ما يحدث تماماً.

    من هؤلاء الذين تشاهدهم في التلفاز أو في المجلة أو في الشريط؟

    أليسوا يهوداً، ونصارى، ووثنيين، أي: أنهم بشكل عام من أهل النار، وأي مرض لقلبك أمرض من أن تفتح عينيك لمشاهدة أهل النار، فمشاهدة الأخيار؛ تقربك إلى الله عز وجل وتذكرك به، تدعوك إلى الإيمان، فكذلك مشاهدة وجوه الكافرين تدعوك إلى النار.

    1.   

    العبر من قصة جريج العابد

    ألم تعرف قصة جريج العابد؟

    لما كان في صومعته يصلي فنادته أمه وهو يصلي، فتردد وقال: يا رب، أمي أو صلاتي؟!

    أي: هل أجيب أمي أم أستمر في صلاتي، فترك أمه وظل يصلي، فنادته مرة أخرى، ومرة ثالثة، فغضبت عليه وقالت له: -وهذا هو أسوأ دعاء يمكن أن تدعو به على ولدها- قالت: لا أماتك الله حتى يريك وجوه المومسات! والمومسات هن الزانيات اللاتي يتعاطين البغاء والفجور.

    فقط دعت عليه أن يريه الله وجوه المومسات، وهذا أسوأ دعاء، وأعظم عقوبة يمكن أن توجهه إليه، وكانت هناك امرأة بغي من بني إسرائيل فأعطاها بعضهم مالاً على أن تفتن جريجاً، فجاءت إليه فلم تظفر منه بشيء، حيث إنه أعرض عنها وأقبل على صلاته، فذهبت إلى الراعي الذي يرعى الغنم، ومكنته من نفسها، فزنى بها، وحملت، فجاءت إليهم وقالت: هذا من جريج، قد زنى بي جريج وأنا حملت منه! فجاءوا إليه وكانت صومعته من طين فهدموها وجرجروه، وقالوا: انـزل يا خبيث! أنت تتظاهر بالدين وأنت كذاب، فعلت الفاحشة في هذه المرأة، وهذا الولد منك، فبهت جريج لبعده عن هذه الأمور، ودعا الله تعالى أن ينقذه من هذه الدعوى الكاذبة، فأقبل على الغلام، وقال له: يا غلام، يا باقوس، من أبوك؟

    يصرخ بهذه الكلمة لأنه ينادي الله الذي لا يتخلى عن الصادقين أبداً، فأنطق الله هذا الغلام وقال: أبي هو الراعي، فاندهش الناس، لأنهم علموا أن جريجاً أبرأ وأطهر من السحابة في سمائها، واندهشوا لأنهم علموا أن له من المنـزلة والمكانة عند الله ما جعل هذه الكرامة تتحقق له فينطق الطفل الرضيع ببراءته، واندهشوا لأنهم قد عرفوا أنهم قد اتهموه وآذوه وظلموه، فأقبلوا إليه يضمونه ويقبلونه، ويقولون له: نبني لك صومعة من ذهب، قال: لا، أعيدوها من طين كما كانت؛ لأن أهل العبادة وأهل الآخرة لا تهمهم المظاهر!

    فالمهم في القصة أنهم لما جرجروه وجاءوا به من الصومعة، ومشوا به في أحد الشوارع؛ فالتفت -حانت منه التفاتة- وإذا به يجد لوحاتِ وبيوتَ وأماكنَ البغاء -هذا يوجد حتى مع الأسف في بلاد إسلامية، لكن في بلاد الغرب معروف، أماكن خاصة للفساد- فلما التفت وجد البغاء، ووجد البغايا على الأبواب يعرضن أنفسهن، فضحك ضحكة مشوبة بالدموع؛ لأنه تذكر دعوة والدته وأنها هي التي جرته إلى هذا المكان، حتى يرى وجوه البغايا ووجوه المومسات، ثم استغفر الله تعالى.

    ففي هذه القصة عبر، من هذه العبر:

    خوف الأطهار السابقين من مجرد النظر إلى الفاجرات

    انظر إلى هؤلاء الأطهار -من بني إسرائيل- كيف كان مجرد النظر إلى وجه المرأة الفاجرة يؤذي قلوبهم، وكان أقصى ما تدعو به المرأة على ولدها أن يرى وجوه المومسات، وقارن هذا بأناس من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أصبحوا بمحض اختيارهم وطوع إرادتهم يتمتعون بالنظر لا إلى وجوه المومسات فقط، بل إلى ما هو أكثر وأعظم وأفضع من ذلك!!

    وانظر كيف انكسر الحاجز الآن؟!

    فهل أنت تشعر يا أخي وأنت ترى الكافر، سواء وأنت تراه على الشاشة أم تراه على الطبيعة، أياً كان هذا الكافر ولو كان خبيراً كبيراً، ولو كان دكتوراً ولو أخصائياً؛ ولو كان بروفيسوراً أو لو كان أي شيء آخر، هل نسيت أنه كافر؟!

    أم أنك أصبحت تستحي أن تطلق هذه العبارة، كأنه عيب أنك تقول: كافر، بل هو كافر بالتأكيد، وإذا كان غير مؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ولا متبع لشريعته فهو حطب جهنم، والله عز وجل يقول: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44] وقال في الآية الأخرى: أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179] وقال في الآية الثالثة: يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً [النبأ:40] متى يقول هذا؟ يقول هذا حينما يقال للحيوانات في الدار الآخرة: كوني تراباً، فيتمنى أنه لو كان حيواناً ليقال له كن تراباً.

    كفى بك داءً أن ترى الموت شافياً     وحسب المنايا أن يكن أمانيا<

    الإعراض عن زينة الدنيا والتغلب على النفس

    في قصة جريج -التي أسلفتها لكم قبل قليل- أمر الإعراض عن زينة الحياة الدنيا، من الحرام، أو من الحلال الذي قد يجر إلى الحرام، فأنت ترى جريجاً هذا، من أي شيء خلق؟

    من تراب ومن طين، مثله مثلي ومثلك، فالطبيعة واحدة، والطبيعة التي خلق منها الأبرار الأطهار حتى الأنبياء خلقوا من طين من تراب، والصحابة والفضلاء والزهاد والعباد، وأهل الفردوس الأعلى وأهل الجنة كلهم مخلوقون من تراب، فإن أباهم آدم خلق من تراب: خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:59].

    فالعواطف واحدة، والمشاعر واحدة، والغرائز موجودة، فـجريج أو غير جريج إذا رأى ما يثير تثور أعصابه، وتثور عواطفه وغريزته، فليس هو حجراً أصمَّ لا؛ ولكنه في مقابل ذلك يجد من وازع الإيمان ما يردعه ويمنعه، ولهذا قال الله عز وجل في وصف أهل الجنة: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40-41]

    إذاً: فالهوى موجود في النفس، ولكنه ينهى نفسه عن ذلك ويدافعها ويستعيذ بالله عز وجل.

    1.   

    قصة يوسف

    يوسف عليه الصلاة والسلام، شاب قوي في بلدٍ غريب، ليس له أهل، ولا أب، ولا أم، ولا زوجة، ولا قريب! وأيضاً هو في أي مكان؟

    في قصر الملك! وتصور ماذا يوجد في قصر الملك من الفتن والمغريات والزخارف ومن الزينة الدنيوية والإغراءات؟!

    وحدث ولا حرج! وهو شابٌ في غاية الوسامة والجمال، أعطي شطر الحسن، يتعرض للإغراء على يد من؟!

    ليس على يد الخادمة أو على يد الممرضة، إنما على يد امرأة العزيز نفسه، زوجة رئيس الوزراء، قتغلق الأبواب، وليس هناك خوف من العقوبة، وتقول له: هَيْتَ لَكَ [يوسف:23] تعال، أنا مستعدة وهي امرأة جميلة وهذا واضح لأن العزيز لن يتزوج إلا امرأة في غاية الجمال، وسيبحث عن أجمل النساء، وتتهدده إذا لم ينفذ بالعقوبة: وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلِيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ [يوسف:32].

    فهناك تحديات عديدة، وإغراءات لا نهاية لها، ومع ذلك يعرض عنها ويشيح عنها بوجهه ويقول: مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ * وَاسْتَبَقَا الْبَابَ [يوسف:23-25] انظر الآية: (واستبقا الباب) وتصور يوسف وهو يركض هارباً والمرأة تركض وراءه أيهما يصل أولاً، حتى يدخل العزيز إلى آخر القصة المعروفة.

    1.   

    الخطر الذي يواجه الشباب العاملين في المجال الصحي

    أعتقد أيها الشباب أن أخطر شيء يواجهكم الآن هو المغريات وفتن الشهوات، فأنت الآن تضع قدمك في بداية طريق نهايته معروفة، نهايته المستشفى أو المستوصف، والواحد منا حين يزور المستشفى لحاجة لابد منها -للمرض- يشعر بالضيق حتى يخرج منها مع أن بقاءه فيه لحظات معدودة، أو ساعة أو ساعتين؛ لما يرى فيها من المظاهر التي لا تسر من اختلاط الرجال بالنساء، ووجود الممرضات بأبهى زينة، وبملابس تحدد وتحجم الجسم، والعطور تفوح، والشعور والنحور مكشوفة، والمكياج على الوجه، والضحكات تتعالى في الفضاء، والابتسامات توزع بالمجان يمنة ويسرة، وربما تعتقد الممرضة أن هذا جزء من عملها وما يقتضيه واجبها!

    وفوق هذا كله قد تكون الممرضة في حالاتٍ كثيرة غير مسلمة أصلاً، بمعنى أنه ليس عندها دين يردعها أو يمنعها، وفوق هذا وذاك هي في بلدٍ غريب، وليس عندها زوج، أضف إلى هذا كله أن غير المسلمات قد أتين من بلاد لا يرون أصلاً في هذه الأمور والعلاقات المحرمة -عندنا- لا يرون فيها هم بأساً، فبلادهم في الغالب بلاد إباحية.

    وبالمقابل أنت شاب في سن المراهقة، وهيجان الغريزة، وقوة الشباب، وقد تكون أيضاً غير متزوج وأنت تعيش في مثل هذا الجو، فلو أردنا أن ننظر للقضية بالمقياس العادي، القضية هذه مثلما لو قلت: (بترول) ووُضِعت بجواره نار فإن النتيجة معروفة وهي الحريق، فهذا هو الأصل، وقد يقول قائل: أنت ما زدت على أن وصفت لنا الأمر الواقع، فأقول: نعم، أحياناً قدرتك على تصور ما أنت مقبلٌ عليه والواقع الذي تعيشه تعنيك على البحث عن الحل.

    طبعاً هناك فئة من الناس قد يكون أصل توجهه إلى هذا العمل رغبة في مثل هذه الأجواء والفئات، وهذا لا شك جر نفسه إلى أمر خطير، ونحن نقول: أعظم ما عليك هو سلامة نفسك، والبحث عن النجاة، فسعيك في نجاة نفسك وفكاكها وخلاصها أعظم من كل شيء، وهب أنك عشت فقيراً، أو هب أنك مت جوعاً أيضاً، ما يضيرك شيء لأنك إن مت وأنت مؤمن فأنت إلى الجنة، وماذا يضير الإنسان أن يكون عاش عشرة أو عشرين سنة في تعب وشقاء إذا كان مآله إلى جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

    إذاً: أهم ما عليك هو السعي لنجاة نفسك وخلاصها، لكن قد يأتي الإنسان لهذا العمل لغرضٍ آخر، قد يكون جاء لغرض شرعي، وهذا وارد؛ فمن الممكن أن يقول قائل: أنا أتيت لأن هذا المجال مهم وحيوي وحساس ولابد للمجتمع منه، فأنا أتيت لأسد هذا الفراغ بدلاً من غيري وأحاول أن أصلح بقدر ما أستطيع وآمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأحافظ على أعراض المسلمين وعلى نسائهم وعلى أمورهم وأنصح لهم؛ ولا شك أن هذا الكلام معقول ومنطقي، فنحن ماذا ننتظر -مثلاً- من بوذي، أو هندوسي، أو نصراني، أو يهودي إذا كان هو يقوم بترتيبات لإجراء عمليات على مسلم أو مسلمة، أقل شيء أنه يكون متهاوناً وغير مبال، وقد يدخل الرجل أو قد تدخل المرأة في المستشفى -كما تعرفون قصصاً وأخباراً من هذا القبيل- سليماً معافى، وتكون هناك عملية عادية، فنتيجة الإهمال أو نتيجة عمل مقصود أيضاً قد يتسبب في وفاته، فإذا كان غير مسلم فماذا تنتظر من عدو دينك إلا هذا؟!

    وقد يكون مجيء الإنسان لمثل هذه المجالات أيضاً لا لهذا ولا ذاك، فيقول: أنا لم آت لغرض سيئ والحمد لله، وفي نفس الوقت لم آت لغرض صالح وهو أني أريد خدمة ديني والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمحافظة على أعراض المسلمين، إنما أتيت للمعاهد الصحية أو للمجال الصحي لمجرد أنه مجال وظيفي متاح لي، وقد لا أجد مجالاً آخر مثله، بمثل هذا المستوى الدراسي، وبمثل هذا العطاء، وبمثل هذا الخير، وبمثل هذا المستوى الوظيفي؛ فأقبلت عليه من هذا المنطلق.

    1.   

    أمور لا بد منها لتحصين النفس

    ولمثل هؤلاء الإخوة لابد للإنسان أن يحصن نفسه بأمور:

    الإقبال على العبادة

    الأمر الأول: عبادة الله تعالى والإقبال عليه بالمحافظة على الصلوات وقراءة القرآن والذكر والاستغفار وغير ذلك، هذه أولاً صيانة لك، فربما يهم الإنسان بسوء فيحفظه الله بسبب ذكر أو صلاة، وأنت قبل قليل سمعت قصة يوسف: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:24] فقد همَّ رجل وهناك إنسان همَّ أن يسافر إلى بلاد الكفر مع مجموعة من الفاسدين من أصدقائه وقرناء السوء، وكان قصده أن يقع في الفساد والرذيلة، ولكن الرجل كان عنده بعض الخير والصلاح والاستقامة ومحافظاً على الصلوات، فعصمه الله تعالى بصلاته وذكره؛ ففاتته الطائرة ولم يذهب إلى هناك، وتاب بعد ذلك فلم يعد.

    الحرص على بر الوالدين

    الأمر الثاني: الحرص على بر الوالدين وطاعتهما، فربما ينجيك الله تعالى من الشر والسوء بسبب دعوة صالحة من أبويك، ودائماً وأبداً افعل الأسباب المادية واجعل دعاء الوالدين زاداً لك، فالأم العجوز -التي خلفتها في المنـزل- احرص على إرضائها بقدر ما تستطيع، وقبِّل رأسها عند الدخول وعند الخروج، واجعلها دائماً في رضىً عنك بطيب الكلام، وتقديم ما تستطيع لها وخدمتها وطاعتها وإرضائها ولو سهرت الليل من أجل ذلك فليس بكثير أبداً، بحيث تزودك بالدعوات حتى حين تخرج إلى عملك ودراستك وأنت مسرور القلب، لأن آخر ما سمعت من البيت وأنت خارج دعوات الوالدة: يا ولدي، يحفظك الله، يساعدك الله، يبارك الله في عمرك، يردك لي سالماً، وما أشبه ذلك من الكلمات التي ترن في أذنك وتسعد قلبك؛ وقد تكون مستجابة عند ربك.

    وقبل قليل أنت رأيت دعاء أم جريج وكيف أجابها الله على ولدها، فقد أجابها الله على ولدها وهو العابد الذي كان مشغولاً عن إجابتها بالصلاة! فماذا رأيك أنت لو دعت عليك أمك أنت؛ وأنت قد رفضت إجابة طلبها ليس لأنك مشغول بالصلاة أو بالقرآن؛ وإنما مشغول مع شلة من الأصدقاء الذين تقضي معهم الوقت وقد لا يكونون صالحين أحياناً، أو أنك تريد أن تذهب إلى عملك وتعرف أنت أنه لا يرضي الله، أو لأنك جالس أمام التلفاز تشاهد مسلسلاً -مثلاً- أو تستمع إلى أغنية! أليس هذا أولى بالقبول لو دعت عليك أمك؟!

    فحاذر دعوة الوالد أو الوالدة! فإن دعاء الوالد على ولده أو لولده لا يرد.

    التمسك بالصحبة الصالحة

    الأمر الثالث: تشبث وتمسك بالأصدقاء الصالحين، ابحث عنهم حيث كانوا: في حلقة المسجد، أو في المكتبة، أو في الدرس، أو في المعهد نفسه، أو في الحارة، المهم ابحث عن الأخيار حيث كانوا وتمسك بهم بكلتا يديك، ولا تفارقهم أبداً حتى لو أساءوا إليك، ولو قسوا عليك، ولو جفوا في معاملتك، قل لهم: أنا أريدكم لنفسي ولا أبحث عنكم من أجل المتعة، فالمتعة لو أردتها لوجدتها عند غيركم، إنما أبحث عنكم لأنني أعتقد أن نجاتي مرهونة بصحبتي لكم، فأنا أعيش في بيئة غير صالحة، وطبيعة عملي طبيعة تدعو إلى التحلل، وتدعو إلى الوقوع في الحرام، وأقل ما تدعوني إليه أن تقع عيني على حرام، أو تستمع أذني إلى حرام، أو تتحرك يدي إلى حرام، أو تمشي قدمي إلى حرام.

    وكل هذا صنفه رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت كلمة خطيرة جداً: الزنا، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {كتب على ابن آدم حظه من الزنا، مدرك ذلك لا محالة، فالعين تزني وزناها النظر، والأذن تزني وزناها السمع} سواء سمعاً مباشراً؛ أم تسمع كلاماً يحرك مشاعرك فيها، كلمات غرام وغزل أو عبر الهاتف: {واليد تزني وزناها البطش} فمصافحتك لامرأة أجنبية، وضعك يدك على كتفكها أو ظهرها أو على ساعدها أو بأي صورة من الصور، هذا من الزنا: {والرجل تزني وزناها المشي} فالمشي إلى الحرام، عندما تذهب إلى مكان لا لتقوم بعمل، ولا لتخدم أمتك ودينك وأهل بلدك، ولا من أجل الرزق المباح، وإنما تذهب إلى عمل وكل ما في مخيلتك هذه المغريات التي تنتظرك، فهذه الخطوات معدودة في الزنا.

    إذاً: كل عضو من الأعضاء يزني، فمثلاً: الشفتان تزنيان وزناهما القبلة الحرام، واللسان يزني وزناه الكلام المعسول، وعبارات الغزل والغرام التي يتعاطاها بعض الشباب بعفوية ولا مبالاة، ولا يدرون أن في هذا العطب والهلاك لهم في الدنيا والآخرة: {والقلب يتمنى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه} ولاحظ الحديث: {كتب على ابن آدم حظه }.

    إذاً: أنا أريد أن أنبهك مرة أخرى إلى قضية وهي: أنت -إن كنت تعرف من نفسك أخطاء وانحرافات- فأنت وذاك الإنسان التقي النقي الطاهر العابد، كلاكما من طينة واحدة، وكلكم من بني آدم وكلكم ينطبق عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: {كتب على ابن آدم حظه من الزنا } أنت وهو، ولكن الفرق أنك استجبت لدواعي الهوى ونوازع الشهوة، أما هو فأعرض وأبى واستعاذ بالله عز وجل؛ فأعاذه الله!

    فالمقصود أن عليك التشبث بأصدقائك الصالحين الطيبين وتتمسك بهم، ولو ركلوك بأقدامهم! وتقول لهم: أنا في بيئة لا تعينني على الخير والصلاح، فإن تخليت عنكم أو تخليتم عني، فإن معناه أنني كالغريق الذي كانت يده تمسك بحبل النجاة فانفلتت يده من هذا الحبل وهو لا يجيد السباحة، كيف ترى يكون مصيره؟!

    الغرق ولابد، فلابد من صحبة الأخيار والبحث عنهم.

    مجاهدة النفس دائماً

    الأمر الرابع: أنه لابد من مجاهدة النفس في كل لحظة، ففي كل ساعة أنت في جهاد والشيطان يدعوك، فإذا نظرت إلى المرأة قال لك الرسول صلى الله عليه وسلم: {اصرف بصرك؛ فإن لك الأولى وليست لك الثانية} النظرة الأولى -النظرة العفوية- التي كانت بغير قصد، لكن النظرة الثانية: لا، ومن قبل قال لك الله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30].

    وقال لك الشيطان: كرر، انظر هذا الجمال لا يفوتك، وهذه فرصة! فأيهما تطيع: الله أم الشيطان؟!

    فهي مسألة تحدٍ بينك وبين الشيطان، وهي مفرق طريق ولها ما بعدها، فإذا أدمنت النظر؛ تحول النظر عندك إلى طبيعة لا تستطيع أن تنفك عنها، وهذه قضية انتبه لها جيداً، فلو أنك قاومت النظر انتهى ما بعده، لكن إذا استسلمت للنظر؛ فإنه يجرك إلى التلذذ بالجمال، والجمال أغراك، والقلب تمنى، والشيطان يدعو وينادي، والغريزة موجودة، وإمكانية وقوع الحرام ممكنة، فهلك الإنسان وأهلك.

    ولا تقل: مرة وأتوب.

    يقول بعض السلف: من يُسوِّف في فعل المعصية وترك الطاعة؛ مثل إنسان خرج من بيته إلى المسجد، فوجد شجرة مغروسة في الطريق -في طريق الناس شوك- فأراد أن يقتلع هذه الشجرة، حاول بيده فلم يستطع؛ فتركها، وقال: أعود إليها بعد سنة، ونسي أنه بعد سنة هذه الشجرة زادت قوة ورسوخاً، وضربت جذورها في التربة، وبسقت أغصانها وفروعها، فأصبحت أصعب على الاقتلاع منها أول ما حاول أول مرة، وكذلك هو ضعفت قواه وانهدت، سنة مضت من عمره فأصبح أضعف من يوم أن حاول اقتلاعها أول مرة.

    فإذا عجزت الآن عن مقاومة نفسك عن النظر أو ما هو أشد من النظر؛ فلا تطمع أنك تستطيع بعد مضي زمن طويل؛ لأن قوتك ضعفت، وقد تعود جسمك وألف على هذا الشيء.

    والمؤسف أنه حتى اللذة الدنيوية تفقدها، فتفطّن لهذا! هل تحسب أن الذين يرتكبون الحرام يتلذذون به؟

    لا والله، لكن أصبح إدماناً؛ كما يقول الشاعر الجاهل عن الخمر:

    وكأسٍ شربت على لذةٍ     وأخرى تداويت منها بها

    فالكأس الأولى شربها فعلاً للذة، لكن الكأس الثانية شربها فقط من أجل الإدمان، وليتداوى بها من الكأس الأولى.

    فالله يعلم أن الأبرار الأعفاء البعيدين عن الحرام؛ يجدون من اللذة في الحلال ما لا يجده أفجر الناس في الحرام؛ لأنه افتتن وأصبح لا يشبع، مثل الماء الذي ورد إلى صحراء، لا يشبع أبداً؛ لو جيء له بنساء الدنيا كلهن؛ ما شبع، ولا وجد اللذة التي يريد، لكنه يريد ذلك الحرام والعياذ بالله؛ فإنه قد انفتق قلبه وافتتن؛ فلا يهنأ بعيش، ولكنه مدمنٌ على هذه الأمور لا يعرض عنها، وخسر دينه، وخسر أخلاقه، وخسر حتى صحته.

    وأنتم تدركون الآن أن أعظم مرض يهدد العالم هو مرض (الإيدز)، وأن ضحاياه بالملايين أو مئات الملايين، والذين توجد فيهم الجرثومة -وقد انكشفوا- أيضاً أضعاف أضعاف هذا العدد، فـأمريكا -مثلاً- فيها أعداد غفيرة جداً، وأعظم مكان يوجد فيه هذا المرض هو في بانكوك وما حولها في جنوب شرق آسيا؛ حيث السياحة، والسياحة العربية على وجه الخصوص، والسياحة الخليجية بصفة أخص، وحيث تجد شباباً -أحياناً- من هذه البلاد وغيرها في سن الخامسة عشرة والسادسة عشرة يذهبون إلى هناك، يقعون ضحايا الشذوذ الجنسي والمخدرات وعصابات الإجرام وغير ذلك، ويرجعون أو لا يرجعون أحياناً، لكن إن رجعوا؛ رجعوا بلا دين، بلا أخلاق، بلا صحة، بلا مال، بلا شرف، بلا رجولة، بلا شيء، فأعلى نسبة في الإيدز هي هناك، ولكن السلطات هناك تتستر على هذه النسبة؛ لأنها لا تريد أن يقل عدد السواح، فلا تعطي الأرقام الحقيقية، لكن منظمات الصحة والمعاهد المختصة تؤكد أن أعلى نسبة للإيدز هناك، وفي مستشفياتنا هنا أعداد، والعجب كيف نتستر على هذه الأرقام؟!

    كيف نتستر عليها؟!

    يجب أن يعلم الناس أن هذا المرض لا يبالي بأحد، ولا يسأل المرض ما هي جنسيتك؟!

    ولا ما هي ديانتك؟!

    ولا من أي بلد أنت؟!

    ولا يبالي المرض إذا كانت ظروفك لا تسمح كخشية الفضيحة والأسرة والعائلة والأقارب والجيران، فهو لا يبالي بهذا كله، وكل هذا يهدد المخالفين لأمر الله عز وجل.

    فاستجمع قواك، وتذكر أن طاعة الله وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم خير لك، وأن القضية إنما هي على الضربة الأولى، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: {الصبر عند الصدمة الأولى} إن الذي استسلم للشيطان وانقاد، فإنه يجد صعوبة، ومع ذلك نحن لا نغلق الأبواب، فمن الممكن أن الإنسان حينما جرب وذاق ألم العذاب بالمعصية؛ فإن هذا قد يكون من أسباب توبته إلى الله عز وجل وإقلاعه عما هو فيه، لأنه ربما أغراه قرناء السوء، وربما جره الشيطان، ولكنه لما ذاق عرف وجرب فتاب إلى الله عز وجل، وباب التوبة مفتوح.

    وفي حديث صفوان بن عسال أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن للتوبة قبل المغرب باباً مسيرة سبعين عاماً لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها} فمن تاب تاب الله عليه، {والله تعالى يبسط يده في الليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده في النهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها} ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: {كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون} ويقول الله عز وجل: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31].

    1.   

    الأسئــلة

    .

    حكم أشرطة الفيديو التعليمية المحتوية على محظورات

    السؤال: ما رأي فضيلتكم في استخدام أشرطة الفيديو التعليمية التي يظهر فيها أمثلة وتطبيقات على جميع الأعمار والأجناس وفيها أشياء محرمة؟

    الجواب: قلت لكم قبل قليل إن الحضارة بيد العدو الكافر، ولهذا أدخل قناعاته، وأدخل أفكاره في كل شيء، فهذه الوسائل التعليمية كان من الممكن أن يعدها المسلم لتكون وسائل نافعة ناضجة وبعيدة عن ما حرم الله، تجد السلاح -مثلاً- كان من الممكن أن يخترعه المسلم فيكون سلاحاً لإعلاء كلمة الله، وإحقاق الحق، وإبطال الباطل، وحماية المستضعفين، لكن تولاه الكافر فجعله وسيلة للهدم والتدمير والقضاء على كل معالم الإنسانية والأخلاق والأديان، فهذه الوسائل -وسائل الإيضاح والوسائل التعليمية- تدخل في حكم غيرها، فمشاهدة صورة المرأة المتبرجة حرام، سواء كان على الطبيعة أم بالتلفاز، وسماع الغناء والموسيقى حرام سواء كانا من شريط الفيديو أم من غيره، وفي هذا الإطار عليك أن تحكم على أية وسيلة إن سلمت من مثل هذه الأمور؛ فلا مانع من استخدامها.

    إجراء الرجال لعمليات النساء

    السؤال: ما حكم من يعمل عملية من الرجال على نساء في مجال الطب أو العكس؟

    الجواب: أنتم بطبيعة الحال طلاب في مجال التدريب، وهذا غير إجراء العملية، فبالنسبة للعمليات التي تجرى على نساء الأصل أن تتولاها نساء، وهنا نرجع لنقول: إن الحضارة في يد العدو الكافر.

    ولذلك أبرز هذه الجوانب: قضية الاختلاط بين الجنسين حيث ركزها ودعمها، لأنه لا يفرق بين الرجل والمرأة، لكن في الإسلام فرق، فالأصل في المجتمعات الإسلامية أن يتولى تطبيب النساء نساء؛ ويتولى تطبيب الرجال رجال، لكن الآن تجد حتى في مستشفياتنا -مع الأسف- تجد أن الرجل قد يعالج النساء، وتجد أن المرأة تعالج الرجال، فهذا انتكاس في المفاهيم وتقليد أعمى للغرب.

    وإلا فالأصل أن أي عملية على امرأة الأصل أن تتولاها وتقوم بها نساء، حتى ولو كن من غير المسلمات -إذا لزم الأمر- ولا يجوز أن يتولى رجل عملية على امرأة إلا بقدر الضرورة إذا لم توجد امرأة تتولى هذا الأمر ولابد من إجرائها، فهنا يلجأ لجوءاً إلى الطبيب وفي أضيق نطاق، لكن هنا وفي الحالة هذه لا يجوز أن يكون أمام المرأة مجموعة من الطلبة يتدربون أو يتفرجون لينظروا كيف يتم إجراء العملية كنموذج تطبيقي أو عملي لأنه لا حاجة لهذا، فمن الممكن أن يتم هذا على رجال.

    المحافظة على التوبة

    السؤال: أنا شاب حاولت كثيراً أن أتوب ولكني لا أستمر في هذا الطريق، أرجو منكم إرشادي.

    الجواب: لا مانع من تكرار التوبة، فمن الممكن أن تتوب ولو عصيت غداً، ولو عصيت بعد غد تتوب، ولو عصيت مائة مرة تتوب، وكثير من الشباب يكون عنده معصية كالعادة السرية -مثلاً- فيكون يفعلها اليوم ثم يشعر بالندم فيتوب، وبعد فترة تتجدد عنده دوافع الغريزة فيفعلها مرة أخرى فيتوب، وهكذا.

    وهاهنا أنبه إلى عدة أمور:

    الأمر الأول: لو تكرر منكم الذنب كرر التوبة، ولا مانع ولو مائة مرة فلا تقل لا داعي أن أتوب لأني أعرف أني سأنقض، لا، ليس شرطاً، فقد تموت قبل أن تفعل مرة أخرى، فلتمت على توبة، ولا تعتقد أنك إذا فعلت الذنب مرة ثانية أن الذنوب السابقة التي تبت منها تعاد عليك، لا،الله إذا أعطاك شيئاً لا يرجع فيه سبحانه، فهو لا يعود فيه، فالله كريم إذا أعطاك شيئاً لا يعود فيه، فالذنوب التي تبت منها سابقاً لا تكتب عليك، لكن يكتب عليك الذنب الأخير تب منه وامسحه عنك أيضاً بإذن الله تعالى، هذا أولاً.

    الأمر الثاني: إياك أن تنذر نذراً على نفسك لتجبر نفسك على ترك الذنب، فبعض الناس -مثلاً- من أجل أن يجبر نفسه على ترك المعصية؛ يستعمل أسلوب النذر، فيقول: عليَّ نذر إن فعلت هذا الذنب أن أصوم ستة أشهر -مثلاً- وفي النهاية عندما تغلبه الشهوة يغيب عنه كل شيء ويفع مرة أخرى، فيكون قد أوقع نفسه في حرج آخر، وجر نفسه إلى معصية أخرى، وهي أنه ألزم نفسه بالنذر ولم يفعل.

    لا تفعل هذا أو تقول: أعاهد الله فهذا خطأ، قل: أستغفر الله، وأتوب إلى الله، وأرجو الله ألا أعود وأستغفر الله عز وجل.

    وأسأل الله أن يعينك على نفسك.

    الأمر الثالث: إياك إياك! أن يكون وقوعك في هذا الذنب سبباً في تركك للطاعات، فبعض الشباب -مثلاً- يكون مع أناس صالحين يقرأ القرآن فيتصور نفسه وهو بينهم، ثم يتخيل نفسه وهو يفعل هذه العادة، فيشعر باستقذار لنفسه وتوبيخ وأنه ليس جديراً بالبقاء مع هؤلاء الطيبين الصالحين، وبالتالي يقول له الشيطان: لا تجلس معهم لأنك منافق، فيخرج من بينهم، وإذا خرج من بينهم تفرد به الشيطان، ففعل به الأفاعيل وعبث به كما يحلو له.

    لا. بل عليك أن تجلس معهم، وأنت -إن شاء الله- طيب وطاهر ولو وقع منك هذا الذنب، فتب منه غداً أو بعد غد أو يسامحك الله أو يعاقبك الله عليه ثم يكون مصيرك إلى الجنة -إن شاء الله- لأنك من أهل التوحيد والإيمان والصلاة، لكن لا تترك الأخيار؛ لأنك إن تركتهم زدت الطين بلة -كما يقال- وأضفت إلى العلة علة، فكن معهم، وربما تُرْحَم بسبب صحبتك لهم، وما من إنسان إلا وعليه ذنوب ومعاصٍ.

    الأمر الرابع: فكر بالأسباب التي تدعوك إلى تكرار المعصية: كمشاهدة حرام، الذهاب إلى الأسواق -مثلاً- صحبة الأشرار، سماع الغناء، السفر، أي شيء تجده هو السبب في وقوع المعصية؛ اخرج منه، ولذلك تعرفون قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، ثم جاء إلى راهب فسأله هل لي من توبة؟

    قال: لا، فقتله وأكمل به المائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُل على عالم، فقال: هل لي من توبة؟

    قال: نعم، ولكن لا تعد إلى أرضك فإنها أرض سوء انتبه إلى السبب، لماذا هذا الرجل كرر المعصية وكل يوم يقتل؟

    لأنه في بلد يغري بالقتل.

    وعلى سبيل المثال: هذا الرجل مشغول بالجريمة فكل أصدقائه وأقاربه دائماً وأبداً يثنون عليه بالفروسية لأنه بطل، فهو يسمع عبارات الإعجاب من المجتمع الذي حوله، فيغريه بالفساد، فلو أراد أن يترك ويتأخر لدفعوه هم بالقوة إلى الأمام، تماماً كما تجد كثيراً من الشباب، مثلاً: شاب مغنٍ يحب أن يترك الغناء، لكن التصفيق وعبارات الإعجاب هذه تمنعه من الترك، ويستحي من الأصدقاء والمعجبين والذين يراسلونه ويتصلون به. حتى إني أعرف واحداً يعيش أزمات نفسية ويتمنى أن يترك هذا الأمر، ولكنه يدفع دفعاً بواسطة المعجبين.

    وأيضاً تعرفون قصة محمد عبده وكيف كان يتوب ويعلن توبته ويتكلم في الصحف، وقد قرأت له مقابلة في جريدة المدينة عجيبة للغاية؛ حتى تكلم عن كلام العلماء في الموسيقى في تحريمها ومنعها، وكانت مقابلة في غاية الصراحة، وقابلت الرجل في مكة وكان تظهر على وجهه آثار الخير.

    إذاً: انظر السبب الذي يجرك جراً ويدعوك إلى الوقوع في الذنب فاعمل على تجنب هذا السبب، وعليك بكثرة الاستغفار، فالمؤمن واهٍ راقع، يشق ويرقع، فأكثر من الاستغفار.

    النظر إلى النساء في العمل

    السؤال: عندما نشارك النساء في العمل فسوف نضطر لرؤيتهن وهن كاشفات، فما هي نصيحتكم لنا؟

    الجواب: نصيحتي أن لا تنظر نظر تلذذ وتشهٍ، وأن تكون نظرتك إذا احتجت إليها نظرة عادية، فإن الإنسان مع كثرة الإمساس والاحتكاك قد تقل عنده دوافع النظر المتعمد المغرض، فعليك أن يكون نظرك الذي تحتاج إليه بطبيعة عملك نظراً عادياً بعيداً عن النظر الحرام، لأن القضية في القلب، والذي يحاسبك هو الله، وهو الذي يعرف دوافع النظرة.

    رأي الشيخ في دخول المعاهد الصحية

    السؤال: بعد كل هذه التصورات: هل أنت مؤيدٌ لدخول المعهد الصحي أم لا؟ نرجو ذكر الأسباب في الحالتين.

    الجواب: أولاً: هذا سؤالٌ شجاع وطيب، ويجب أن يطرح لأن التستر على أمورنا لا أعتقد أنه يحلها، وخلاصة رأيي بالنسبة للدخول في المعهد أني لا آمر به مطلقاً ولا أنهى عنه مطلقاً، بل أقول: هذا يختلف من شخص لآخر، فهناك شاب -مثلاً- أنا أثق بقدرته على المقاومة والصبر، وقوة إيمانه وصبره -وإن كان المعصوم من عصمه الله- ودوافعه للذهاب إلى هذا العمل دوافع نبيلة، كخدمة للأمة، ومن باب إصلاح أوضاع المستشفيات، ومن باب القيام بخطوة عملية في التصحيح الذي نطالب به على كافة المجالات.

    فنحن نطالب بإصلاح أوضاع المستشفى، فإذا لم يوجد الممرض المؤمن لن تصلح الأوضاع بطبيعة الحال، وإذا لم يوجد الطبيب المؤمن لن تصلح الأوضاع، وإذا لم يوجد الإداري المؤمن لن تصلح الأوضاع، وإذا لم يوجد المدير العام المؤمن لن تصلح الأوضاع، ومجرد الكلام والنقد والإنكار لا يصحح الأوضاع، فهي خطوة عملية لتصحيح الوضع، فمن كانت دوافعه من هذا القبيل، وأيضاً غرضه المحافظة على أعراض المؤمنات والمسلمات وصيانتهن، فهذه دوافع نبيلة، وأعتقد أن ذهابه حينئذٍ مما يشجع عليه.

    وقد يكون هناك شاب آخر دوافعه ليست كذلك، كل ما يغريه هو العيش في مثل تلك الأجواء المختلطة؛ أو حتى قد يكون شاباً لا يريد هذا ولا ذاك، لكنه يعرف أنه إن ذهب إلى هناك أنه ضعيف المقاومة، قليل الصبر، وأنه يقول: لعلي أستقيم وأصلح وأنا بعيد فكيف إذا اقتربت! فهذا نقول له صريحة: أنج بنفسك، وباب الرزق واسع.

    إذاً: نفصل بين شخص وآخر.

    أخبار المجاهدين في أفغانستان والبوسنة والهرسك

    السؤال: أرجو من سماحتك أن تخبرنا عن أحوال الجهاد في أفغانستان والبوسنة والهرسك، وما هي آخر الأخبار عنهم؟

    الجواب: أفغانستان -والحمد لله- تعرفون أنهم حققوا نصراً بفضل الله، وتهاوت معاقل الشيوعية في أفغانستان بعد رمضان، وشكل المجاهدون حكومة ليست هي الحكومة المرضية، لكنها حكومة مؤقتة لشهرين، ذهب أكثرها وبقي القليل منها؛ ونحن في انتظار تسلم الأستاذ برهان الدين رباني رئيس الجمعية الإسلامية للحكومة باعتباره الرئيس المنتخب للدولة، وتسلم الحزب الإسلامي برئاسة حكمتيار لرئاسة الوزراء وهو المرشح لها، وتسلم الوزراء المرشحين لمناصبهم، وأعتقد أن أفغانستان في هذا الوضع دولة إسلامية، ووجودها مزعج جداً للغرب، وهذا يؤكد لنا أن الغرب مهما أجلبت قوته فهو أعجز من أن يفرض إرادته على الشعوب الجادة، فهو يحارب وبشراسة كل وجود إسلامي على المستوى الحكومي، ومع ذلك فشل في أفغانستان، وفشل في السودان على رغم أنه يعلنها صريحة أنه يحاول إسقاط تلك الحكومات، ولكنه فشل حتى أن هذه الأحداث كأنها تقول لنا: إن الغرب مهما كانوا يملكون من الأسلحة النووية والقوة الاقتصادية والسياسية وغيرها؛ إلا أن الله تعالى يوهن كيدهم ويحبط مكرهم ويجعل الدائرة عليهم.

    أما بالنسبة للبوسنة والهرسك فلازالت الأخبار متتابعة في ضربات موجعة للمسلمين، مجازر لا يستطيع الإنسان أن يتكلم عنها، ويشعر بانكسار في القلب، وماذا تأخذ وماذا تترك. أنا يومياً تأتيني عشرات الأوراق يومياً عن آخر التطورات في البوسنة والهرسك، آخر التطورات هي أخبار الأمس وأخبار اليوم وهي أخبار الغد وأخبار بعد الغد: قَتْل أعداد غفيرة من المسلمين، سفك دمائهم، ذبحهم كما تذبح الشياة، تدمير منازلهم، حرق بيوتهم، تدمير للمساجد، احتلال، ضرب بالمدافع… إلى غير ذلك، البارحة ضربت سراييفو بالمدافع ولعلكم سمعتم عما يسمى بالحصار الذي تريد أن تفرضه الأمم المتحدة على الصرب، ولأن الأمم المتحدة كافرة وهي في الواقع ألعوبة في يد الولايات المتحدة الأمريكية العدو الأكبر للمسلمين، فـالأمم المتحدة أعطت الصرب فرصة فيها الكفاية، قالت لهم: عجلوا بسرعة واضربوا واحتلوا البلاد، جلسوا يوماً، أسبوعاً، شهراً، يظنون أن المسلمين من السهل اجتياحهم، والأمور تحدث والعالم يصيح، فما استطاع الصرب أن يفعلوا هذا، ووجدوا مقاومة لأن المسلمين -الحمد لله- في هذه البلاد وفي غيرها دعموا إخوانهم بالمال وبالسلاح وبغير ذلك.

    وأنا أقول لكم إن مبالغ طيبة جداً قدمتها الشعوب الإسلامية لهم، وأعلم أن هناك مبالغ كبيرة إليهم ذهبت لم تتبرع بها الحكومات، فوجدوا دعماً من إخوانهم المسلمين، فقووا جانبهم وقاوموا وصبروا، ومع ذلك يقولون: نحن أقوياء، فقط أعطونا السلاح، فأبطأت عملية الاحتلال لبلادهم.

    فوجدت الأمم المتحدة وأمريكا نفسها أمام فضيحة؛ أنه إذا ظللتم متفرجين فإن العالم بدأ ينكشف الأمر له يوماً بعد يوم، وهناك دول متعاطفة مع البوسنة والهرسك لأسباب مختلفة مثل ألمانيا وغيرها، فارتفعت اللهجة وصار هناك نقد شديد على هذا الخبيث النصراني بطرس غالي، وعلى أمريكا وعلى الغرب الذي وقف موقف المتفرج، فخشي الغرب أن تنكشف اللعبة وأنها حرب صليبية ضد الإسلام، وصار الناس يقولون: لماذا الغرب يتدخل هنا وهناك ولا يتدخل في البوسنة والهرسك؟!

    فالغرب أتقن اللعبة، لعبة سماها الحصار، حصار اقتصادي، حصار بترولي، عدم إشراك صربيا في مباريات الكرة كأن صربيا إذا لم تشارك سوف تنهزم وتضطر للانسحاب من سراييفو، لماذا؟

    لأنهم منعوا فريقهم من المشاركة في الدوري الذي يقام في أسبانيا، مع أنهم يعرفون أن بلاد الصرب فيها اكتفاء ذاتي في أكثر الأشياء!

    وقد سمعت أحد التقارير، يقول: إن هذا الحصار الاقتصادي لن يظهر له أثر يذكر إلا بعد شهور، وهذا الأثر قد يكون بسيطاً، وقد لا يكون الحصار محكماً، ومن الممكن أن يستطيع الغرب أن يسرب إلى تلك البلاد ما يريد، خاصةً وأن هناك تعاطفاً من قبل الجمهوريات السوفييتية مع صربيا.

    ولذلك فإن ذلك الحصار غير مرشح للنجاح أبداً، وهو فرصة جديدة للصرب، يقول لهم: أسرعوا بالضرب واحتلوا تلك البلاد حتى تنتهي الأزمة.

    فالغرب الكافر يد واحدة ضد الإسلام والمسلمين، ولذلك إخوانك لا يستغنون عن القرش والريال الذي تدفعه أنت، فكن وسيطاً لدعوة الناس بالتبرع لهؤلاء المسلمين ولو بشيءٍ يسير فاليسير مع اليسير كثير، وقبل أيام أخبرني أحد المشايخ بقصة طريفة، يقول لي: طرق عليَّ الباب في البيت إنسان، فخرجت، فوجدت طفلاً صغيراً عمره يقارب إحدى عشرة سنة، وكان معه اثنان وستون ريالاً في جيبه، فقال لي: هل تعرف أحداً يجمع أموالاً للمسلمين في يوغسلافيا؟

    يقول: فتبسمت، وقلت: نعم، أنا أجمع لها، يقول: فأخذ الريالين وضعهما في جيبه وأعطاني الستين، وقال: هذه أوصلها للمسلمين في يوغسلافيا.

    فقضية يهتم بها أطفال المسلمين هي -إن شاء الله- قضية إلى نجاح بإذن الله تعالى.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.