اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الحصن الحصين من الشيطان الرجيم للشيخ : سلمان العودة


الحصن الحصين من الشيطان الرجيم - (للشيخ : سلمان العودة)
الشباب فترة القوة والعطاء، هو وقت بناء الدين في النفس والتربية في كل شأن من شئون الحياء، وقد فرض الغرب رؤيته الخاصة على التقدم التقني والتجريبي، وحيث لا مبدأ أخلاقياً عنده؛ فقد تأثرت البلاد الآخذة منه، فلابد من توعية الشباب ونصيحتهم ودلالتهم على طريق المسلمين حتى لا يجرفهم التيار.
تسخير الكفار شتى الوسائل لخدمة أغراضهم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد.أما بعـد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.أيها الأحبة الشباب: إن جلوسي مع أمثالكم يطيب، وما ذاك إلا لأن الإنسان يشعر وهو يتحدث إليكم أنه يقدم إلى أمته شيئاً قد ينفع، أو أنه يدفع عنها ضراً قد يصيبها في صميمها. وأعتقد أنكم أصبحتم تدركون جيداً -الآن- أننا أمام عدوٍ كشَّر عن أنيابه، مدجج بأحدث السلاح، وهو عدو يملك الحضارة؛ وبالتالي أصبح يهيمن على الدنيا إلا ما شاء الله، وسخر كل المنجزات وكل الإبداعات وكل العلوم؛ سخرها لمسخ هوية المسلم، وسحق بقايا الإسلام. فمثلاً: سخر الإعلام الذي جعل العالم كله قريةً واحدة فتقال الكلمة في المغرب؛ فتسمع في المشرق، ويحدث الحدث هنا؛ فيرى في كل أنحاء الدنيا في اللحظة التي حدث فيها.وسخر العدو الكافر الكاسر هذا الإعلام لتضليل المسلمين، وتغيير عقولهم، ومسخ أخلاقهم، التلفاز -مثلاً- نموذج، والإذاعات نموذج، وأفلام الفيديو نموذج، والمجلة الخليعة نموذج، وشريط الغناء الماجن نموذج، وآخر ذلك ما يسمى بالبث المباشر الذي أصبح بعض بني قومنا يستقبلونه بكل ترحاب، وإنه لعجبٌ من العجب.هل رأيتم إنساناً يستقبل عدوه بالأحضان، ويفتح له ذراعيه، ويضحك في وجهه، ويفتح له البوابة على مصراعيها، ويقول له: تفضل؟! هذا هو والله ما يحدث تماماً. من هؤلاء الذين تشاهدهم في التلفاز أو في المجلة أو في الشريط؟ أليسوا يهوداً، ونصارى، ووثنيين، أي: أنهم بشكل عام من أهل النار، وأي مرض لقلبك أمرض من أن تفتح عينيك لمشاهدة أهل النار، فمشاهدة الأخيار؛ تقربك إلى الله عز وجل وتذكرك به، تدعوك إلى الإيمان، فكذلك مشاهدة وجوه الكافرين تدعوك إلى النار.
 

العبر من قصة جريج العابد
ألم تعرف قصة جريج العابد؟ لما كان في صومعته يصلي فنادته أمه وهو يصلي، فتردد وقال: يا رب، أمي أو صلاتي؟! أي: هل أجيب أمي أم أستمر في صلاتي، فترك أمه وظل يصلي، فنادته مرة أخرى، ومرة ثالثة، فغضبت عليه وقالت له: -وهذا هو أسوأ دعاء يمكن أن تدعو به على ولدها- قالت: لا أماتك الله حتى يريك وجوه المومسات! والمومسات هن الزانيات اللاتي يتعاطين البغاء والفجور. فقط دعت عليه أن يريه الله وجوه المومسات، وهذا أسوأ دعاء، وأعظم عقوبة يمكن أن توجهه إليه، وكانت هناك امرأة بغي من بني إسرائيل فأعطاها بعضهم مالاً على أن تفتن جريجاً، فجاءت إليه فلم تظفر منه بشيء، حيث إنه أعرض عنها وأقبل على صلاته، فذهبت إلى الراعي الذي يرعى الغنم، ومكنته من نفسها، فزنى بها، وحملت، فجاءت إليهم وقالت: هذا من جريج، قد زنى بي جريج وأنا حملت منه! فجاءوا إليه وكانت صومعته من طين فهدموها وجرجروه، وقالوا: انـزل يا خبيث! أنت تتظاهر بالدين وأنت كذاب، فعلت الفاحشة في هذه المرأة، وهذا الولد منك، فبهت جريج لبعده عن هذه الأمور، ودعا الله تعالى أن ينقذه من هذه الدعوى الكاذبة، فأقبل على الغلام، وقال له: يا غلام، يا باقوس، من أبوك؟ يصرخ بهذه الكلمة لأنه ينادي الله الذي لا يتخلى عن الصادقين أبداً، فأنطق الله هذا الغلام وقال: أبي هو الراعي، فاندهش الناس، لأنهم علموا أن جريجاً أبرأ وأطهر من السحابة في سمائها، واندهشوا لأنهم علموا أن له من المنـزلة والمكانة عند الله ما جعل هذه الكرامة تتحقق له فينطق الطفل الرضيع ببراءته، واندهشوا لأنهم قد عرفوا أنهم قد اتهموه وآذوه وظلموه، فأقبلوا إليه يضمونه ويقبلونه، ويقولون له: نبني لك صومعة من ذهب، قال: لا، أعيدوها من طين كما كانت؛ لأن أهل العبادة وأهل الآخرة لا تهمهم المظاهر!فالمهم في القصة أنهم لما جرجروه وجاءوا به من الصومعة، ومشوا به في أحد الشوارع؛ فالتفت -حانت منه التفاتة- وإذا به يجد لوحاتِ وبيوتَ وأماكنَ البغاء -هذا يوجد حتى مع الأسف في بلاد إسلامية، لكن في بلاد الغرب معروف، أماكن خاصة للفساد- فلما التفت وجد البغاء، ووجد البغايا على الأبواب يعرضن أنفسهن، فضحك ضحكة مشوبة بالدموع؛ لأنه تذكر دعوة والدته وأنها هي التي جرته إلى هذا المكان، حتى يرى وجوه البغايا ووجوه المومسات، ثم استغفر الله تعالى. ففي هذه القصة عبر، من هذه العبر:
 الإعراض عن زينة الدنيا والتغلب على النفس
في قصة جريج -التي أسلفتها لكم قبل قليل- أمر الإعراض عن زينة الحياة الدنيا، من الحرام، أو من الحلال الذي قد يجر إلى الحرام، فأنت ترى جريجاً هذا، من أي شيء خلق؟ من تراب ومن طين، مثله مثلي ومثلك، فالطبيعة واحدة، والطبيعة التي خلق منها الأبرار الأطهار حتى الأنبياء خلقوا من طين من تراب، والصحابة والفضلاء والزهاد والعباد، وأهل الفردوس الأعلى وأهل الجنة كلهم مخلوقون من تراب، فإن أباهم آدم خلق من تراب: خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:59].فالعواطف واحدة، والمشاعر واحدة، والغرائز موجودة، فـجريج أو غير جريج إذا رأى ما يثير تثور أعصابه، وتثور عواطفه وغريزته، فليس هو حجراً أصمَّ لا؛ ولكنه في مقابل ذلك يجد من وازع الإيمان ما يردعه ويمنعه، ولهذا قال الله عز وجل في وصف أهل الجنة: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40-41] إذاً: فالهوى موجود في النفس، ولكنه ينهى نفسه عن ذلك ويدافعها ويستعيذ بالله عز وجل.
قصة يوسف
يوسف عليه الصلاة والسلام، شاب قوي في بلدٍ غريب، ليس له أهل، ولا أب، ولا أم، ولا زوجة، ولا قريب! وأيضاً هو في أي مكان؟ في قصر الملك! وتصور ماذا يوجد في قصر الملك من الفتن والمغريات والزخارف ومن الزينة الدنيوية والإغراءات؟! وحدث ولا حرج! وهو شابٌ في غاية الوسامة والجمال، أعطي شطر الحسن، يتعرض للإغراء على يد من؟! ليس على يد الخادمة أو على يد الممرضة، إنما على يد امرأة العزيز نفسه، زوجة رئيس الوزراء، قتغلق الأبواب، وليس هناك خوف من العقوبة، وتقول له: هَيْتَ لَكَ [يوسف:23] تعال، أنا مستعدة وهي امرأة جميلة وهذا واضح لأن العزيز لن يتزوج إلا امرأة في غاية الجمال، وسيبحث عن أجمل النساء، وتتهدده إذا لم ينفذ بالعقوبة: وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلِيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ [يوسف:32]. فهناك تحديات عديدة، وإغراءات لا نهاية لها، ومع ذلك يعرض عنها ويشيح عنها بوجهه ويقول: مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ * وَاسْتَبَقَا الْبَابَ [يوسف:23-25] انظر الآية: (واستبقا الباب) وتصور يوسف وهو يركض هارباً والمرأة تركض وراءه أيهما يصل أولاً، حتى يدخل العزيز إلى آخر القصة المعروفة.
 الإعراض عن زينة الدنيا والتغلب على النفس
في قصة جريج -التي أسلفتها لكم قبل قليل- أمر الإعراض عن زينة الحياة الدنيا، من الحرام، أو من الحلال الذي قد يجر إلى الحرام، فأنت ترى جريجاً هذا، من أي شيء خلق؟ من تراب ومن طين، مثله مثلي ومثلك، فالطبيعة واحدة، والطبيعة التي خلق منها الأبرار الأطهار حتى الأنبياء خلقوا من طين من تراب، والصحابة والفضلاء والزهاد والعباد، وأهل الفردوس الأعلى وأهل الجنة كلهم مخلوقون من تراب، فإن أباهم آدم خلق من تراب: خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:59].فالعواطف واحدة، والمشاعر واحدة، والغرائز موجودة، فـجريج أو غير جريج إذا رأى ما يثير تثور أعصابه، وتثور عواطفه وغريزته، فليس هو حجراً أصمَّ لا؛ ولكنه في مقابل ذلك يجد من وازع الإيمان ما يردعه ويمنعه، ولهذا قال الله عز وجل في وصف أهل الجنة: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40-41] إذاً: فالهوى موجود في النفس، ولكنه ينهى نفسه عن ذلك ويدافعها ويستعيذ بالله عز وجل.
الخطر الذي يواجه الشباب العاملين في المجال الصحي
أعتقد أيها الشباب أن أخطر شيء يواجهكم الآن هو المغريات وفتن الشهوات، فأنت الآن تضع قدمك في بداية طريق نهايته معروفة، نهايته المستشفى أو المستوصف، والواحد منا حين يزور المستشفى لحاجة لابد منها -للمرض- يشعر بالضيق حتى يخرج منها مع أن بقاءه فيه لحظات معدودة، أو ساعة أو ساعتين؛ لما يرى فيها من المظاهر التي لا تسر من اختلاط الرجال بالنساء، ووجود الممرضات بأبهى زينة، وبملابس تحدد وتحجم الجسم، والعطور تفوح، والشعور والنحور مكشوفة، والمكياج على الوجه، والضحكات تتعالى في الفضاء، والابتسامات توزع بالمجان يمنة ويسرة، وربما تعتقد الممرضة أن هذا جزء من عملها وما يقتضيه واجبها!وفوق هذا كله قد تكون الممرضة في حالاتٍ كثيرة غير مسلمة أصلاً، بمعنى أنه ليس عندها دين يردعها أو يمنعها، وفوق هذا وذاك هي في بلدٍ غريب، وليس عندها زوج، أضف إلى هذا كله أن غير المسلمات قد أتين من بلاد لا يرون أصلاً في هذه الأمور والعلاقات المحرمة -عندنا- لا يرون فيها هم بأساً، فبلادهم في الغالب بلاد إباحية.وبالمقابل أنت شاب في سن المراهقة، وهيجان الغريزة، وقوة الشباب، وقد تكون أيضاً غير متزوج وأنت تعيش في مثل هذا الجو، فلو أردنا أن ننظر للقضية بالمقياس العادي، القضية هذه مثلما لو قلت: (بترول) ووُضِعت بجواره نار فإن النتيجة معروفة وهي الحريق، فهذا هو الأصل، وقد يقول قائل: أنت ما زدت على أن وصفت لنا الأمر الواقع، فأقول: نعم، أحياناً قدرتك على تصور ما أنت مقبلٌ عليه والواقع الذي تعيشه تعنيك على البحث عن الحل.طبعاً هناك فئة من الناس قد يكون أصل توجهه إلى هذا العمل رغبة في مثل هذه الأجواء والفئات، وهذا لا شك جر نفسه إلى أمر خطير، ونحن نقول: أعظم ما عليك هو سلامة نفسك، والبحث عن النجاة، فسعيك في نجاة نفسك وفكاكها وخلاصها أعظم من كل شيء، وهب أنك عشت فقيراً، أو هب أنك مت جوعاً أيضاً، ما يضيرك شيء لأنك إن مت وأنت مؤمن فأنت إلى الجنة، وماذا يضير الإنسان أن يكون عاش عشرة أو عشرين سنة في تعب وشقاء إذا كان مآله إلى جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر. إذاً: أهم ما عليك هو السعي لنجاة نفسك وخلاصها، لكن قد يأتي الإنسان لهذا العمل لغرضٍ آخر، قد يكون جاء لغرض شرعي، وهذا وارد؛ فمن الممكن أن يقول قائل: أنا أتيت لأن هذا المجال مهم وحيوي وحساس ولابد للمجتمع منه، فأنا أتيت لأسد هذا الفراغ بدلاً من غيري وأحاول أن أصلح بقدر ما أستطيع وآمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأحافظ على أعراض المسلمين وعلى نسائهم وعلى أمورهم وأنصح لهم؛ ولا شك أن هذا الكلام معقول ومنطقي، فنحن ماذا ننتظر -مثلاً- من بوذي، أو هندوسي، أو نصراني، أو يهودي إذا كان هو يقوم بترتيبات لإجراء عمليات على مسلم أو مسلمة، أقل شيء أنه يكون متهاوناً وغير مبال، وقد يدخل الرجل أو قد تدخل المرأة في المستشفى -كما تعرفون قصصاً وأخباراً من هذا القبيل- سليماً معافى، وتكون هناك عملية عادية، فنتيجة الإهمال أو نتيجة عمل مقصود أيضاً قد يتسبب في وفاته، فإذا كان غير مسلم فماذا تنتظر من عدو دينك إلا هذا؟!وقد يكون مجيء الإنسان لمثل هذه المجالات أيضاً لا لهذا ولا ذاك، فيقول: أنا لم آت لغرض سيئ والحمد لله، وفي نفس الوقت لم آت لغرض صالح وهو أني أريد خدمة ديني والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمحافظة على أعراض المسلمين، إنما أتيت للمعاهد الصحية أو للمجال الصحي لمجرد أنه مجال وظيفي متاح لي، وقد لا أجد مجالاً آخر مثله، بمثل هذا المستوى الدراسي، وبمثل هذا العطاء، وبمثل هذا الخير، وبمثل هذا المستوى الوظيفي؛ فأقبلت عليه من هذا المنطلق.
 الإعراض عن زينة الدنيا والتغلب على النفس
في قصة جريج -التي أسلفتها لكم قبل قليل- أمر الإعراض عن زينة الحياة الدنيا، من الحرام، أو من الحلال الذي قد يجر إلى الحرام، فأنت ترى جريجاً هذا، من أي شيء خلق؟ من تراب ومن طين، مثله مثلي ومثلك، فالطبيعة واحدة، والطبيعة التي خلق منها الأبرار الأطهار حتى الأنبياء خلقوا من طين من تراب، والصحابة والفضلاء والزهاد والعباد، وأهل الفردوس الأعلى وأهل الجنة كلهم مخلوقون من تراب، فإن أباهم آدم خلق من تراب: خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:59].فالعواطف واحدة، والمشاعر واحدة، والغرائز موجودة، فـجريج أو غير جريج إذا رأى ما يثير تثور أعصابه، وتثور عواطفه وغريزته، فليس هو حجراً أصمَّ لا؛ ولكنه في مقابل ذلك يجد من وازع الإيمان ما يردعه ويمنعه، ولهذا قال الله عز وجل في وصف أهل الجنة: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40-41] إذاً: فالهوى موجود في النفس، ولكنه ينهى نفسه عن ذلك ويدافعها ويستعيذ بالله عز وجل.
أمور لا بد منها لتحصين النفس
ولمثل هؤلاء الإخوة لابد للإنسان أن يحصن نفسه بأمور:
 مجاهدة النفس دائماً
الأمر الرابع: أنه لابد من مجاهدة النفس في كل لحظة، ففي كل ساعة أنت في جهاد والشيطان يدعوك، فإذا نظرت إلى المرأة قال لك الرسول صلى الله عليه وسلم: {اصرف بصرك؛ فإن لك الأولى وليست لك الثانية} النظرة الأولى -النظرة العفوية- التي كانت بغير قصد، لكن النظرة الثانية: لا، ومن قبل قال لك الله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30]. وقال لك الشيطان: كرر، انظر هذا الجمال لا يفوتك، وهذه فرصة! فأيهما تطيع: الله أم الشيطان؟! فهي مسألة تحدٍ بينك وبين الشيطان، وهي مفرق طريق ولها ما بعدها، فإذا أدمنت النظر؛ تحول النظر عندك إلى طبيعة لا تستطيع أن تنفك عنها، وهذه قضية انتبه لها جيداً، فلو أنك قاومت النظر انتهى ما بعده، لكن إذا استسلمت للنظر؛ فإنه يجرك إلى التلذذ بالجمال، والجمال أغراك، والقلب تمنى، والشيطان يدعو وينادي، والغريزة موجودة، وإمكانية وقوع الحرام ممكنة، فهلك الإنسان وأهلك.ولا تقل: مرة وأتوب. يقول بعض السلف: من يُسوِّف في فعل المعصية وترك الطاعة؛ مثل إنسان خرج من بيته إلى المسجد، فوجد شجرة مغروسة في الطريق -في طريق الناس شوك- فأراد أن يقتلع هذه الشجرة، حاول بيده فلم يستطع؛ فتركها، وقال: أعود إليها بعد سنة، ونسي أنه بعد سنة هذه الشجرة زادت قوة ورسوخاً، وضربت جذورها في التربة، وبسقت أغصانها وفروعها، فأصبحت أصعب على الاقتلاع منها أول ما حاول أول مرة، وكذلك هو ضعفت قواه وانهدت، سنة مضت من عمره فأصبح أضعف من يوم أن حاول اقتلاعها أول مرة. فإذا عجزت الآن عن مقاومة نفسك عن النظر أو ما هو أشد من النظر؛ فلا تطمع أنك تستطيع بعد مضي زمن طويل؛ لأن قوتك ضعفت، وقد تعود جسمك وألف على هذا الشيء. والمؤسف أنه حتى اللذة الدنيوية تفقدها، فتفطّن لهذا! هل تحسب أن الذين يرتكبون الحرام يتلذذون به؟ لا والله، لكن أصبح إدماناً؛ كما يقول الشاعر الجاهل عن الخمر:وكأسٍ شربت على لذةٍ وأخرى تداويت منها بها فالكأس الأولى شربها فعلاً للذة، لكن الكأس الثانية شربها فقط من أجل الإدمان، وليتداوى بها من الكأس الأولى. فالله يعلم أن الأبرار الأعفاء البعيدين عن الحرام؛ يجدون من اللذة في الحلال ما لا يجده أفجر الناس في الحرام؛ لأنه افتتن وأصبح لا يشبع، مثل الماء الذي ورد إلى صحراء، لا يشبع أبداً؛ لو جيء له بنساء الدنيا كلهن؛ ما شبع، ولا وجد اللذة التي يريد، لكنه يريد ذلك الحرام والعياذ بالله؛ فإنه قد انفتق قلبه وافتتن؛ فلا يهنأ بعيش، ولكنه مدمنٌ على هذه الأمور لا يعرض عنها، وخسر دينه، وخسر أخلاقه، وخسر حتى صحته. وأنتم تدركون الآن أن أعظم مرض يهدد العالم هو مرض (الإيدز)، وأن ضحاياه بالملايين أو مئات الملايين، والذين توجد فيهم الجرثومة -وقد انكشفوا- أيضاً أضعاف أضعاف هذا العدد، فـأمريكا -مثلاً- فيها أعداد غفيرة جداً، وأعظم مكان يوجد فيه هذا المرض هو في بانكوك وما حولها في جنوب شرق آسيا؛ حيث السياحة، والسياحة العربية على وجه الخصوص، والسياحة الخليجية بصفة أخص، وحيث تجد شباباً -أحياناً- من هذه البلاد وغيرها في سن الخامسة عشرة والسادسة عشرة يذهبون إلى هناك، يقعون ضحايا الشذوذ الجنسي والمخدرات وعصابات الإجرام وغير ذلك، ويرجعون أو لا يرجعون أحياناً، لكن إن رجعوا؛ رجعوا بلا دين، بلا أخلاق، بلا صحة، بلا مال، بلا شرف، بلا رجولة، بلا شيء، فأعلى نسبة في الإيدز هي هناك، ولكن السلطات هناك تتستر على هذه النسبة؛ لأنها لا تريد أن يقل عدد السواح، فلا تعطي الأرقام الحقيقية، لكن منظمات الصحة والمعاهد المختصة تؤكد أن أعلى نسبة للإيدز هناك، وفي مستشفياتنا هنا أعداد، والعجب كيف نتستر على هذه الأرقام؟! كيف نتستر عليها؟! يجب أن يعلم الناس أن هذا المرض لا يبالي بأحد، ولا يسأل المرض ما هي جنسيتك؟! ولا ما هي ديانتك؟! ولا من أي بلد أنت؟! ولا يبالي المرض إذا كانت ظروفك لا تسمح كخشية الفضيحة والأسرة والعائلة والأقارب والجيران، فهو لا يبالي بهذا كله، وكل هذا يهدد المخالفين لأمر الله عز وجل. فاستجمع قواك، وتذكر أن طاعة الله وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم خير لك، وأن القضية إنما هي على الضربة الأولى، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: {الصبر عند الصدمة الأولى} إن الذي استسلم للشيطان وانقاد، فإنه يجد صعوبة، ومع ذلك نحن لا نغلق الأبواب، فمن الممكن أن الإنسان حينما جرب وذاق ألم العذاب بالمعصية؛ فإن هذا قد يكون من أسباب توبته إلى الله عز وجل وإقلاعه عما هو فيه، لأنه ربما أغراه قرناء السوء، وربما جره الشيطان، ولكنه لما ذاق عرف وجرب فتاب إلى الله عز وجل، وباب التوبة مفتوح. وفي حديث صفوان بن عسال أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن للتوبة قبل المغرب باباً مسيرة سبعين عاماً لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها} فمن تاب تاب الله عليه، {والله تعالى يبسط يده في الليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده في النهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها} ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: {كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون} ويقول الله عز وجل: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31].
الأسئــلة
.
 أخبار المجاهدين في أفغانستان والبوسنة والهرسك
السؤال: أرجو من سماحتك أن تخبرنا عن أحوال الجهاد في أفغانستان والبوسنة والهرسك، وما هي آخر الأخبار عنهم؟الجواب: أفغانستان -والحمد لله- تعرفون أنهم حققوا نصراً بفضل الله، وتهاوت معاقل الشيوعية في أفغانستان بعد رمضان، وشكل المجاهدون حكومة ليست هي الحكومة المرضية، لكنها حكومة مؤقتة لشهرين، ذهب أكثرها وبقي القليل منها؛ ونحن في انتظار تسلم الأستاذ برهان الدين رباني رئيس الجمعية الإسلامية للحكومة باعتباره الرئيس المنتخب للدولة، وتسلم الحزب الإسلامي برئاسة حكمتيار لرئاسة الوزراء وهو المرشح لها، وتسلم الوزراء المرشحين لمناصبهم، وأعتقد أن أفغانستان في هذا الوضع دولة إسلامية، ووجودها مزعج جداً للغرب، وهذا يؤكد لنا أن الغرب مهما أجلبت قوته فهو أعجز من أن يفرض إرادته على الشعوب الجادة، فهو يحارب وبشراسة كل وجود إسلامي على المستوى الحكومي، ومع ذلك فشل في أفغانستان، وفشل في السودان على رغم أنه يعلنها صريحة أنه يحاول إسقاط تلك الحكومات، ولكنه فشل حتى أن هذه الأحداث كأنها تقول لنا: إن الغرب مهما كانوا يملكون من الأسلحة النووية والقوة الاقتصادية والسياسية وغيرها؛ إلا أن الله تعالى يوهن كيدهم ويحبط مكرهم ويجعل الدائرة عليهم. أما بالنسبة للبوسنة والهرسك فلازالت الأخبار متتابعة في ضربات موجعة للمسلمين، مجازر لا يستطيع الإنسان أن يتكلم عنها، ويشعر بانكسار في القلب، وماذا تأخذ وماذا تترك. أنا يومياً تأتيني عشرات الأوراق يومياً عن آخر التطورات في البوسنة والهرسك، آخر التطورات هي أخبار الأمس وأخبار اليوم وهي أخبار الغد وأخبار بعد الغد: قَتْل أعداد غفيرة من المسلمين، سفك دمائهم، ذبحهم كما تذبح الشياة، تدمير منازلهم، حرق بيوتهم، تدمير للمساجد، احتلال، ضرب بالمدافع… إلى غير ذلك، البارحة ضربت سراييفو بالمدافع ولعلكم سمعتم عما يسمى بالحصار الذي تريد أن تفرضه الأمم المتحدة على الصرب، ولأن الأمم المتحدة كافرة وهي في الواقع ألعوبة في يد الولايات المتحدة الأمريكية العدو الأكبر للمسلمين، فـالأمم المتحدة أعطت الصرب فرصة فيها الكفاية، قالت لهم: عجلوا بسرعة واضربوا واحتلوا البلاد، جلسوا يوماً، أسبوعاً، شهراً، يظنون أن المسلمين من السهل اجتياحهم، والأمور تحدث والعالم يصيح، فما استطاع الصرب أن يفعلوا هذا، ووجدوا مقاومة لأن المسلمين -الحمد لله- في هذه البلاد وفي غيرها دعموا إخوانهم بالمال وبالسلاح وبغير ذلك.وأنا أقول لكم إن مبالغ طيبة جداً قدمتها الشعوب الإسلامية لهم، وأعلم أن هناك مبالغ كبيرة إليهم ذهبت لم تتبرع بها الحكومات، فوجدوا دعماً من إخوانهم المسلمين، فقووا جانبهم وقاوموا وصبروا، ومع ذلك يقولون: نحن أقوياء، فقط أعطونا السلاح، فأبطأت عملية الاحتلال لبلادهم.فوجدت الأمم المتحدة وأمريكا نفسها أمام فضيحة؛ أنه إذا ظللتم متفرجين فإن العالم بدأ ينكشف الأمر له يوماً بعد يوم، وهناك دول متعاطفة مع البوسنة والهرسك لأسباب مختلفة مثل ألمانيا وغيرها، فارتفعت اللهجة وصار هناك نقد شديد على هذا الخبيث النصراني بطرس غالي، وعلى أمريكا وعلى الغرب الذي وقف موقف المتفرج، فخشي الغرب أن تنكشف اللعبة وأنها حرب صليبية ضد الإسلام، وصار الناس يقولون: لماذا الغرب يتدخل هنا وهناك ولا يتدخل في البوسنة والهرسك؟! فالغرب أتقن اللعبة، لعبة سماها الحصار، حصار اقتصادي، حصار بترولي، عدم إشراك صربيا في مباريات الكرة كأن صربيا إذا لم تشارك سوف تنهزم وتضطر للانسحاب من سراييفو، لماذا؟ لأنهم منعوا فريقهم من المشاركة في الدوري الذي يقام في أسبانيا، مع أنهم يعرفون أن بلاد الصرب فيها اكتفاء ذاتي في أكثر الأشياء!وقد سمعت أحد التقارير، يقول: إن هذا الحصار الاقتصادي لن يظهر له أثر يذكر إلا بعد شهور، وهذا الأثر قد يكون بسيطاً، وقد لا يكون الحصار محكماً، ومن الممكن أن يستطيع الغرب أن يسرب إلى تلك البلاد ما يريد، خاصةً وأن هناك تعاطفاً من قبل الجمهوريات السوفييتية مع صربيا.ولذلك فإن ذلك الحصار غير مرشح للنجاح أبداً، وهو فرصة جديدة للصرب، يقول لهم: أسرعوا بالضرب واحتلوا تلك البلاد حتى تنتهي الأزمة.فالغرب الكافر يد واحدة ضد الإسلام والمسلمين، ولذلك إخوانك لا يستغنون عن القرش والريال الذي تدفعه أنت، فكن وسيطاً لدعوة الناس بالتبرع لهؤلاء المسلمين ولو بشيءٍ يسير فاليسير مع اليسير كثير، وقبل أيام أخبرني أحد المشايخ بقصة طريفة، يقول لي: طرق عليَّ الباب في البيت إنسان، فخرجت، فوجدت طفلاً صغيراً عمره يقارب إحدى عشرة سنة، وكان معه اثنان وستون ريالاً في جيبه، فقال لي: هل تعرف أحداً يجمع أموالاً للمسلمين في يوغسلافيا؟ يقول: فتبسمت، وقلت: نعم، أنا أجمع لها، يقول: فأخذ الريالين وضعهما في جيبه وأعطاني الستين، وقال: هذه أوصلها للمسلمين في يوغسلافيا. فقضية يهتم بها أطفال المسلمين هي -إن شاء الله- قضية إلى نجاح بإذن الله تعالى.والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الحصن الحصين من الشيطان الرجيم للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net