إسلام ويب

أولئك هم الصابرونللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصبر ضرورة من ضرورات الحياة، فإنه لابد من البلاء لكل إنسان، فمن رضي واحتسب كان على خير، ومن سخط مر عليه القدر وكُتب غير صابر، والصبر أنواع يجب معرفتها، وهو درجات، وأحوال الناس فيه مختلفة، وللناس فيه نماذج مشرقة في الأنبياء والصالحين، والجنة لا يلقاها إلا الصابرون.

    1.   

    ضرورة الصبر

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إمام الصابرين وقدوة الخلق أجمعين عليه صلوات الله تعالى وسلامه إلى يوم الدين، وعلى آله وأزواجه وأصحابه وأتباعه إنه تعالى جواد كريم بر رءوف رحيم.

    ثم أما بعــد:

    فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته:-

    أيها الإخوة والأخوات عامة! ويا أهل البكيرية خاصة! إني والله لأحبكم في الله، وأحب ذكركم وزيارتكم ومجالستكم ومحادثتكم، وأفرح بسماع أخباركم وأخبار بلدكم الطيب المبارك هذا، فالحمد لله تعالى الذي جمعنا في هذا المكان الذي هو أطيب وأحب البقاع إلى الله تعالى، في هذا المسجد العامر المبارك، العامر بذكر الله تعالى ودعائه واستغفاره، ثم الحمد لله أيضا على أن جعل في بلاد الإسلام أمثال هذه البلاد المباركة، البلاد الودود الولود التي تأتي بالأكابر الأفاضل الكرام البررة الأخيار في كل ميدان وفي كل مجال.

    فأسأل الله تعالى أن يجعلكم وسائر بلاد المسلمين جميعاً بلاداً عامرة بالإيمان والتقوى، وأسأل الله تعالى أن يجمع القلوب على طاعته، ثم إن حديثي إليكم هذه الليلة هو بعنوان: أولئك هم الصابرون وهو درس ضمن سلسلة الدروس العلمية العامة، رقمه سبع وتسعون، في هذه الليلة ليلة الإثنين الثالث عشر من شهر ربيع الأول من سنة (1414هـ) في هذا المسجد العامر الجامع الكبير بـالبكيرية.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3]. كيف يُحتاج التواصي بالصبر بعد هذا البيان الرباني العظيم، كيف يحتاج إلى تسويغ أو تدليل، وهل نفتقر بعد هذا إلى ذكر أسباب أو دوافع تدعو إلى طرق هذا الحديث، أو الكلام عنه، أو التفصيل فيه، كلا، إن الحياة كلها لا تقوم إلا على الصبر، وإن المشكلات كافة لا دواء لها إلا بالصبر.

    صبر أهل الكهف

    هؤلاء فتية آمنوا بربهم وزادهم الله تعالى هدى، فرفعوا رءوسهم وقالوا: هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّن [الكهف:15] فسلطت عليهم ألوان العذاب والنكال، وأوذوا في سبيل الله تعالى وطردوا وشردوا فوق كل أرض وتحت كل سماء، فهذا قتيل يتشحط بدمه، وهذا جريح، وهذا شريد، وهذا طريد، وهذا كسير، وهذا أسير، وهذا فقير، وهذا وهذا...، مالهم بعد الله تعالى إلا الصبر؛ به يعتصمون، وإليه يلجئون، ومنه ينطلقون.

    وهؤلاء قوم ناضلوا في دنياهم وكابدوا وجاهدوا فاحتاجوا بعد ذلك إلى صبر يتمنطقون به ويعتصمون به حتى يستمروا على طريقهم الطويل.

    ضرورة صبر الداعية إلى الله

    وهذا داعية إلى الله تعالى دعا قومه ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً، وسلك كل سبيل، وطرق كل جادة، واستخدم كل أسلوب فربما أبطأ عنه النصر، وربما تأخرت الإجابة؛ فهو محتاج إلى الصبر ليعلم أنه لا نجاح لدعوته ولا قبول لندائه إلا بصبر في هذا السبيل: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ [الروم:4-5]

    صبر المرأة في بيت زوجها

    وهذه امرأة في عقر بيتها تجد زوجاً تقدم إليه الجميل فيقدم لها ضد ذلك، وتطلب منه اليسير فيعاملها بغير ما أمر الله تعالى وغير ما شرع، فتبحث عن علاج أو حل هنا أو هناك، وتمارس كل أسلوب وطريقة وسبيل، لكنها لا تجد إلا أبواباً مغلقة، فتشتكي إلى الله تعالى؛ والله تعالى يسمع تحاورهما إن الله سميع بصير، فما بقي لها بعد الله تعالى إلا الصبر تزين به حياتها، وتجمل به علاقتها بزوجها.

    صبر الرجل على زوجته

    وهذا أيضاً رجل ابتلي بزوجة نغصت عليه عيشه، وكدرت عليه حياته. وقلبتها إلى جحيم لا يطاق إلا بصبر يلين كل شديد، ويسهل كل عسير، ويقرب كل بعيد.

    إن حياة الفرد في مجتمعه، وحياة الزوج مع زوجه رجلاً أو امرأة، وحياة الولد مع أبيه، وحياة الداعية، والعالم، والمجاهد، وحياة الإنسان، بل وحياة التاجر والمدير والأمير والكبير والصغير، إنه لا نجاح لهذه الحياة إلا بالصبر، وقديماً قال الإمام الكبير عمر بن الخطاب رضي الله عنه: [[وجدنا خير عيشنا بالصبر]].

    1.   

    جولة قرآنية في مدلولات الصبر

    الوقفة الثانية: جولة قرآنية.

    قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "ذكر الله تعالى الصبر في تسعين موضعاً"، قال ابن القيم في مدارج السالكين: "وهو مذكور في القرآن على ستة عشر نوعاً"، ثم أوصلها في عدة الصابرين إلى اثنين وعشرين نوعاً، ومن هذه الأوجه والأنواع التي جاء ذكر الصبر فيها في القرآن والسنة، منها على سبيل الإجمال لا على سبيل التفصيل:-

    الأمر بالصبر: كما قال الله تعالى: (فَاصْبِرْ) في مواضع كثيرة والنهي عن ضده، وما هو ضد الصبر؟ الجزع ضد الصبر: إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلاَّ الْمُصَلِّينَ [المعارج:19-22].

    إن الاستعجال ضد الصبر، قال الله تعالى: اصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ [الأحقاف:35] فاستعجال الخطوات، والطريق، والعذاب الذي ينـزل بالكافرين كل ذلك نقيض الصبر، والله تعالى أمر رسله الكرام بالصبر ونهاهم عن الاستعجال، ولهذا جاء في الصحيحين أن الصحابة رضي الله عنهم اشتكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقالوا: {ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ فقال لهم عليه الصلاة والسلام إن من كان قبلكم كان يحفر له في الأرض فيوضع فيها، ثم يمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يثنيه ذلك عن دينه، ويشق نصفان لا يصده ذلك عنه دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يصير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله تعالى والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون} فالاستعجال نقيض الصبر.

    واليأس نقيض الصبر: إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف:87] أما المؤمن فصبور مؤمن بوعد الله تعالى لا يجد اليأس إلى قلبه سبيلاً.

    والاستخفاف نقيض الصبر،قال الله تعالى: وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ [الروم:60].

    وكذلك الاستفزاز قال الله: وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ [الإسراء:76].

    والفتنة عن المنهج والطريق قال الله: وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الإسراء:73].

    أما الصبور فهو لا يراوح في مكانه، صابر يموت مثلما تموت الشجرة، بقوتها وقامتها وصبرها وثباتها تواجه الرياح والعواصف والأعاصير والرمال والنكبات، وهي ذات جذع غليظ ضارب في التربة راسخ لا يتزعزع ولا يتزلزل، ولا تنكفئ به الرياح ذات اليمين وذات الشمال. فهو لا يجزع؛ إن مسه الخير صبر وشكر، وإن مسه الشر صبر وثبت، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: {عجباً لأمرالمؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له}.

    ولذلك جاء في الأثر [[إن الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر]] فالصبر في الضراء والشكر في السراء، قال عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه: [[لو أن الصبر والشكر كانا جملين ما أبالي أيهما ركبت]] إما أن يبتلى فيصبر أو أن ينعم عليه فيشكر.

    فالمؤمن لا يجزع ولا يستعجل الخطوات، ولا يستبطئ النصر، ولا ييأس من روح الله، ولا يستخفه الذين لا يوقنون فيحملونه على أن يترك منهجه، أو ييأس من طريقه، أو يشكك في دعوته، أو تأتيه الظنون وتراوح به الخواطر في قلبه، فيشك فيما وعد الله، وما وعد الله تعالى حق وصدق: ولَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً [الأحزاب:22].

    ولا يستفز المؤمن فيستعجل طريقه، أو يبطئ في خطواته، أو يترك منهجه، أو يفتن عن شيء منه.

    ومن الصور الواردة في القرآن الكريم، أن الله تعالى علق الإمامة في الدين بالصبر واليقين، قال تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24] قال سفيان: [[بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين]] وكذلك علق الله تعالى به الفلاح، وأخبر أنه يحب الصابرين، وأنه مع الصابرين، وأنه تعالى جعل الصبر عوناً وعدة، وأمر بالاستعانة به في كل نازلة تنـزل بالعبد، مصيبة دنيوية أو دينية، أو هم أو غم أو كرب أو حزن، كما قال الله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:45-46].

    وبين سبحانه أن الصبر مع التقوى سبب للنصر والثبات، كما قال سبحانه: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيئَاً [آل عمران:120] وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {واعلم أن النصر مع الصبر} وأخبر أن الصبر جنة عظيمة من كيد العدو، كما قال الله فيما سبق: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ [آل عمران:120] فلم يتوقف كيدهم ساعة من نهار.

    اليهود والنصارى والمشركون والوثنيون، وسائر أعداء الدين ما فتئوا يكيدون لهذا الدين ويحاربون أهله، ويرسمون الخطط سراً وجهارا بالتكفير والتضليل والتجويع والتفريق بين المؤمنين، لكن الله تعالى جعل الجنة والعصمة للصابرين المتقين، وأخبر أن ما حصل للأمم السابقة من التمكين والنصر والتثبيت في الأرض إنما هو بصبرهم، كما قال سبحانه: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ [الأعراف:137].

    فهؤلاء الطغاة الذين كادوا ودبروا وصنعوا وتآمروا دمر الله تعالى عليهم تدميراً، وللكافرين أمثالها: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ [الأعراف:137] وعلى غيرهم من الأمم المؤمنة بما صبروا، فنصرهم الله تعالى ومكن لهم في الأرض، وجعل الله تعالى ما حصل لنبيه يوسف عليه الصلاة والسلام من العز والتمكين في الأرض بعد البلاء والغربة وما جرى له في قصر العزيز إنما هو بصبره وتقواه: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فإن اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:90].

    وجمع للصابرين من الأمور ما لم يجمع لغيرهم، قال سبحانه: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:45-46] أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:157] ثم أخبر عن مضاعفة الأجور للصابرين وأنهم يجزون بأحسن أعمالهم: وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:96].

    ورتب الأجر الكبير والمغفرة على الصبر والعمل الصالح: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [هود:11] وأخبر سبحانه أن الملائكة تدخل عليهم يوم القيامة من كل باب تسلم عليهم، وتهنيهم بالأجر العظيم والثواب الجزيل الذي حصل لهم بصبرهم: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:23-24].

    وجعل الصبر على المصائب من عزائم الأمور الذي ينبغي على كل امرئ مسلم رجلاً أو امرأة كبيراً أو صغيراً أن يلجأ إليه ويسعى له: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى:43] كما أخبر أن خصال الخير والحظوظ العالية لا يلقاها إلا الصابرون: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا [فصلت:35] كما أخبر سبحانه أن خصال الخير كما ذكرت إنما ينالها الصابرون وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35].

    وذكر أن الذين ينتفعون بالآيات ويعتبرون هم أهل الصبر والشكر: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [لقمان:31] ثم اثنى على بعض عباده بالصبر؛ كما اثنى على أيوب: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً [ص:44] وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: {وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر} وقال عليه الصلاة والسلام: {ومن يتصبر يصبره الله} وقال في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي مالك الأشعري: {والصبر ضياء} ضياء ينير لك الظلام، ويمهد لك الطريق، ويفتح لك السدد والأبواب بإذن الحي القيوم الوهاب.

    1.   

    أحوال الناس مع الصبر

    ثالثاً: فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن:2].

    قال الله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً [الحديد:20] ولهذا تجد أن الكافر الذي كان في الدنيا منتهى قصده وغاية مراده ومطمح نظره، أن يعب من اللذات ما استطاع لأنها فرصته الوحيدة، فيسكر بخمر اللذة والشهوة، ثم يسكر وهو ينادي:

    سمعت صوتاً هاتفاً في السحر

    نادى من الغيب رفات البشر

    هبوا املئوا كأس الطلا

    قبل أن تملأ كأس العمر كف القدر

    أفق وهات الكأس أنعم بها

    واكسب خفايا النفس من حجبها

    وروي أوصالي بها

    قبل ما يصاغ دن الخمر من تربها

    ويفرق الكافر من البلاء والعناء، ويضيق بكل مصيبة تنـزل به فتمتلئ نفسه كآبة وحسرة ويمتلئ قلبه هماً وغماً وندماً، وتنتهي حياته نهاية بائسة محطمة أليمة دون أن يدري لماذا ابتدأت؟

    ولا لماذا تنتهي؟

    فأنت تجد الكافر هلوعاً جزوعاً منوعاً، ربما غابت عنه صديقته أو حبيبته أو ذهبت إلى عشيق آخر فلا يجد مخلصاً إلا أن ينتحر أو ينهي حياته بشر حال؛ لأنه جعل الحياة كلها ملخصة مقتصرة بهذه العشيقة أو الكأس أو الصفقة أو هذا المنصب أو الكرسي، فهو يقول:

    أوراء القبر بعد الموت بعث ونشور

    فحياة فخلود

    أم ثناء ودثور

    أكلام الناس صدق

    أم كلام الناس زور

    أصحيح أن بعض الناس يدري؟

    لست أدري

    أما المؤمن فنظرته الصادقة الملتزمة المتزنة تؤكد له ألاَّ يجزع عند مصيبة، ولا ييأس عند ضائقة، ولا يبطر عند نعمة، وأن يقتصر من متاع الدنيا على المباح طلباً للمتعة الكاملة عند الله تعالى في الدار الآخرة.

    قرب لـعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وهو من أثرياء الصحابة وأغنيائهم، وأصحاب الملايين منهم، قرب له طعام فلما نظر إليه تذكر ماضي حياته، فبكى ثم بكى ثم بكى، وأمر بالخوان فرفع، قيل له: ما يبكيك رحمك الله؟ قال: [[كنت مع أخي مصعب بن عمير رضي الله عنه وأرضاه، وكان خيراً مني وأفضل، ومات ولم نجد ما نكفنه به إلا بردة إن غطينا رأسه ظهرت رجلاه، وإن غطينا رجليه ظهر رأسه، فأمرنا النبي عليه الصلاة والسلام أن نغطي رأسه، وأن نجعل على رجليه الإذخر، ثم أصابنا من الدنيا ما أصابنا فأخشى أن تكون حسناتنا عجلت لنا في الحياة الدنيا]].

    إن التصور بين المؤمن والكافر كبير، والمنهج والطريق متباعد، ولهذا صارت الحياة صراعاً بين المؤمنين والكافرين بين الحق والباطل، بين الهدى والضلال، بين أهل الدنيا وأهل الآخرة، فيبتلي الله تعالى بعض الخلق ببعض، يبتلي المؤمن بالكافر، كما يبتلي الكافر بالمؤمن، وهذا النوع من الابتلاء هو قاسم مشترك بينهم جميعاً، قال الله تعالى: وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [محمد:4] وقال: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة:253] وقال سبحانه في الحديث القدسي الذي رواه مسلم، قال لرسوله عليه الصلاة والسلام: {إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك} فالله تعالى يداول الأيام بين الناس، يديل للمؤمنين من الكفار تارة، ويديل للكفار من المؤمنين تارة، ويجعل الكفار تحت سلطة المؤمنين وقهرهم أحياناً، كما جرى ذلك عبر أكثر من عشرة قرون؛ حيث كان اليهود والنصارى تحت سلطة المسلمين، كأهل ذمة أو أهل عهد أو مقهورين مأسورين محاربين يشرد بهم المؤمنون من خلفهم في كل مكان.

    وأحياناً يجعل الله المؤمنين تحت قهر الكفار أو المنافقين وتسلطهم، والدهر هكذا لا يدوم على حال له شأن، كما قال الشاعر:

    وهذه الدار لا تبقي على أحد     ولا يدوم على حال لها شان

    وهذا البلاء الذي يلقاه المؤمن في سبيل الدين أثر من آثار الاستقامة على المنهج، فإذا أصابه في سبيل دينه ما أصابه من أذى سواء كان هذا الأذى من قريب، من والد أو زوج أو أخ أو صديق، أو من المجتمع كله، من أسرة، دولة، أمة، من جهة، فإن هذا البلاء يجعل المؤمن بين موقفين لا ثالث لهما:

    الموقف الأول: النكوص والتراجع عن هذا الطريق الذي سبب له الآلام وعرضه للمحن، وهذا حال صنف من الناس وصفهم الله تعالى في كتابه فقال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ [العنكبوت:10] وقال سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ [الحج:11] أي: على طرف أو على حال معينة، يعبد الله على حال السراء فقط، أما إذا جاءت الضراء تغيرت عبادته وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فإن أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الحج:11]. جاء في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنه: [[أن الرجل من الأعراب كان يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا ولد له بعد الإسلام غلام، ونتجت خيله وكثر ماله، قال: هذا دين حسن، هذا دين جيد فآمن وثبت، أما إذا لم يولد له غلام، ولم تنتج خيله، ولم يكثر ماله، أو أصابه قحط، أو جدب، قال: هذا دين سيئ ثم خرج من دينه وتركه إلى كفره وعناده]].

    وبعض الناس يقول: لو كان هذا الدين خيراً ما تسبب في حرماني من وظيفتي -مثلاً- أو حرماني من الترفيع والعلاوة، أو مصادرة حريتي، أو كساد تجارتي، أو فراق زوجتي، أو إيذائي، أو قحط أرضي، فيفرق فيترك الطريق.

    أما الموقف الثاني: فهو موقف الصبر والإصرار، والثبات مهما تطلب الصبر من الجهود والتضحيات، ومضاعفة الصبر كلما تضاعف الألم، والاستمرار على الصبر مهما طال الطريق، ولهذا قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا [آل عمران:200] فأمر بالصبر، ثم قال: وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200] فهي أربعة أمور:

    الأول: (اصْبِرُوا): وهذا أمر بالصبر، ثم ترقى بعد ذلك فقال: (وَصَابِرُوا) أي: إذا واجهتم قوماً صبروا كما صبرتم، لأن الكافر يصبر أيضاً في سبيل دينه.

    إذاً المؤمن لا يكفي منه الصبر، بل لا بد أن يصابر حتى يتغلب على الكافر، ثم قال: (وَرَابِطُوا) أي: استمروا على المصابرة، فإن الكافر أيضاً قد يصابر ولكنه لا يرابط، فيصابر ساعة أو ساعتين أو يوماً أو يومين ثم يزول بعد ذلك، ولهذا قال الله عز وجل: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فإنهم يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ [النساء:104].

    وأخيراً: (وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) فإنه لا بد مع الصبر من تقوى، وبعض الناس قد يكون عنده صبر، ولكن ليس عنده تقوى كما سوف يأتي، وهذا هو موقف المؤمنين الصادقين في عقد الإيمان، الذين لا تزيدهم المحن إلا إيماناً بالله وتسليماً وتصديقاً بوعده ووعد رسوله عليه الصلاة والسلام، كما حصل للمؤمنين يوم الأحزاب، وذلك لتميز مدعي الإيمان من الصادقين في إيمانهم، كما سمى الله عز وجل الابتلاء فتنة، لأنه يمحص الصادق من الكاذب، ويبين للإنسان قوته من ضعفه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: {ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب} وقال الله تعالى: الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:1-3].

    ومن رحمة الله بعباده المؤمنين أن الله تعالى يسلط عليهم البلاء، ليربيهم به، ويرقيهم به شيئاً فشيئاً، ثم يرزقهم الثبات عليه لينالوا عنده عظيم الأجر وجزيل الثواب، فيربيهم بالمحن والشدائد، ويصفي قلوبهم من الدخل والدغل والغش والريبة والنفاق والضعف، وكلما خرجوا من محنة أو فتنة بالصبر والثبات والإصرار قيض لهم أخرى أشد منها وأقوى، بعد أن وعوا درس المحنة الأولى، وارتقى مستوى إيمانهم ويقينهم، ولهذا جاء في حديث سعد بن أبي وقاص، الذي رواه أهل السنن وهو صحيح أنه قال: {يا رسول الله! أي الناس أشد بلاءً؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه؛ وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي في الأرض ما عليه خطيئة}.

    وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: {دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك تصيبه الحمى، ويشتد عليه الوعك والبلاء، قال: فوضعت يدي عليه فوجدت حره في يدي من فوق اللحاف، فقلت: يا رسول الله! ما أشدها عليك؟ قال: نعم إنا كذلك يضاعف لنا البلاء ويضاعف لنا الأجر قلت: يا رسول الله! أي الناس أشد بلاءً، قال: {الأنبياء} قلت: ثم من؟ قال: ثم الصالحون، وإن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يحويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء}.

    الحديث رواه ابن ماجة والحاكم والبيهقي وغيرهم وهو حديث صحيح، ومثله أيضاً حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: {إني أوعك كما يوعك رجلان منكم قال: ذلك يا رسول الله أن لك أجرين؟ قال: أجل ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى؛ شوكة فما فوقها إلا كفر الله بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها} والحديث رواه الشيخان وغيرهما.

    وحديث أبي عبيدة بن حذيفة

    أمر بسقاء فعلق بشجرة، ثم اضطجع تحته فجعل يقطر على فؤاده وهو يقول: إن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل}.

    إذاً: هي سنة نتلقاها عن أنبياء الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام، فلو أن العبد وجد الروح والسكينة والطمأنينة طيلة عمره، لا بلاء، ولا أذى، ولا مرض، ولا شكوى، ولا موت صديق، ولا إصابة في مال أو في أهل أو في زوج، فإن الإنسان حينئذٍ يراجع إيمانه ويشك في صدقه مع الله تعالى، لأنه طريق موصوف لنا أن فيه الأشواك والصعاب والمصائب الكبار، فإذا لم يجدها الإنسان فإنه يراجع طريقه ويتأكد من مسيره.

    1.   

    صور الفتنة

    الرابعة: صور الفتنة.

    إن الفتنة تأخذ صوراً شتى، منها:

    أن يتعرض المؤمن للأذى من الباطل وأهله، ثم لا يجد النصير الذي يسانده ويساعده ولا القوة التي يواجه بها الأذى والطغيان من أعداء الله تعالى ورسله.

    ومنها: فتنة الأهل والأحباب الذين يخشى عليهم الإنسان أن يصيبهم بسببه أذى وهو لا يملك لهم دفعاً، وقد يهتفون به ليسالم أو يستسلم أو يحفظهم في قرابتهم.

    ومنها: فتنة إقبال الدنيا على أهل الباطل وأهل الكفر، وتعظيم الناس لهم وهم ملء سمع الدنيا وملء بصرها، وهو مهمل منكر لا يحس به أحد ولا يشعر بقيمة الحق الذي معه إلا القليل.

    ومنها: فتنة الغربة، غربة الإنسان في بيته، استيحاشه في عقيدته حين ينظر المؤمن فيرى ما حوله غارقاً في الضلالة وهو وحده موحش غريب طريد.

    ومنها: فتنة ظهور الأمم الكافرة المنحلة الغارقة في الرذيلة ورقيها في مجالات الحضارة المادية رقياً هائلاً، وهي مع ذلك محادة لله تعالى.

    ومنها: فتنة إبطاء النصر عن المؤمنين وتعرضهم للأذى والضرب والتنكيل والقتل والتشريد على أيدي أعداء الله تعالى وأعداء رسله.

    ومنها: فتنة فتح الدنيا على الإنسان بالمال، أو الجاه، أو الوظيفة، أو المنصب، كما قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فيما رواه أهل السنن وهو صحيح، قال: [[ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر]].

    إذاً: هي فتن عظيمة، منها فتن الدنيا، وفتن الدين، وفتنة السراء والضراء، وفتنة الأهل والمال والولد، والمجتمع، وفتنة موت الأقارب والأحبة، والأصحاب، وفوات المال والفقر والجوع، كما قال الله تعالى: وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ [البقرة:155].

    ومنها فتنة ضعف الإنسان وقلته وذلته وعدم وجود الناصر والمعين، ولا بد للعبد أن يصبر على هذا كما يصبر على ذاك.

    1.   

    وما يلقاها إلا الصابرون

    خامساً: وما يلقاها إلا الصابرون.

    الصبر في اللغة والشرع

    الصبر في اللغة هو الحبس، تقول: صبرت نفسي على ذلك، أي: حبستها عليه، ومعنى الصبر المشروع: هو صبر النفس عن الجزع، وصبر اللسان عن الشكوى، وصبر الجوارح عن شق الجيوب، أو خمش الوجوه، أو الدعاء بدعوى الجاهلية.

    أنواع الصبر

    وهو على ثلاثة أنواع:

    صبر على طاعة الله تعالى، وصبر عن معصيته، وصبر على امتحانه وقضائه وقدره.

    ومعنى النوعين الأولين: الصبر على الطاعة والصبر عن المعصية: معناه الثبات على الدين فعلاً لما أمر الله تعالى وتركاً لما نهى، واستمراراً على ذلك فلا تصرفه عنه الصوارف، وهذا أكمل وأعظم من النوع الثالث الذي هو الصبر على المصيبة، إذ أن صبر الإنسان على المصيبة كصبر المضطر الذي لا يملك إلا الصبر، فالمصيبة واقعة كالموت مثلاً، أو المرض أو البلاء الذي ينـزل بالإنسان بلا رغبة ولا اختيار، وبالمناسبة فإن من المصادفة أن تأتيني رسالة من إحدى الأخوات في بلد إسلامي منكوب -في الجزائر- لإحدى بنياتي تعزيها بوفاتي، وتقول:

    بلغنا وفاة فلان فإنا لله وإنا إليه راجعون، وإن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى، وتدعوها إلى أن تصبر وتحتسب ما أصابها في ذات الله تعالى، فالحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني وإليه النشور.

    أقول: إن الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله تعالى، أعظم وأكمل من الصبر على القضاء والقدر لأن الصبر على القضاء والقدر صبر اضطراري لا بد منه، ولهذا كان صبر يوسف عليه السلام عن امرأة العزيز، ورفضه الاستجابة لإغرائها لما غلقت الأبواب وتزينت وتجملت وتعطرت وانفردت به، وقالت: هيت لك، تعالَ، هلم. أعظم وأكمل من صبره على كيد إخوته وما صنعوا به من الأذى.

    والمؤمن مطالب بأنواع الصبر الثلاثة كلها، خاصة وأنها قد تتداخل فتصبح لحمة واحدة، وذلك حين يلحق أعداء الإسلام الضرر بالمؤمن أو ببعض أفراده، بالقتل، أو التشريد، أو السجن والاعتقال، أو الإخافة، أو سلب المال، أو قتل الأولاد والأزواج وغير ذلك، فيحتاج المؤمن إلى صبر على قضاء الله، وعلى طاعته، وعن معصيته.

    فهاهنا يكون الأمر القدري الواقع الذي لا حيلة للإنسان في دفعه ناتج عن الصبر على الطاعة والثبات عليها، والصبر عن المعصية والعزوف عنها، فهو صبر على القدر، وهو -أيضاً- صبر على الطاعة والإيمان والاتِّباع، إذ لو تخلَّى المؤمن عن دينه، ووافق هؤلاء الكفار ومن في حكمهم فيما هم عليه لسالموه وتركوه، بل ربما والوه وصاحبوه، ودافعوا عنه بما يملكون وما يستطيعون.

    ولرب نازلة يضيق بها الفتى      ذرعاً وعند الله منها المخرج

    ضاقت فلما استحكمت حلقاتها           فرجت وكان يظنها لا تفرج<

    أنواع الصبر الضروري

    إن الصبر على الدين لا بد منه، ومن لم يكن عنده صبر لا يكون عنده إيمان، وكلما ترقى العبد في مدارج العبودية والجهاد، واشتدت عليها التكاليف وثقلت وطأتها زادت حاجته إلى الصبر، وكلما فسدت الحياة وأسن المشرب، واستحقرت غربة الدين، وقل الأنصار، وكثر الأعداء والمناوئون والكائدون، زادت الحاجة إلى الصبر، حتى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في حديث أبي ثعلبة الخشني، قال لأصحابه: {فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن كقبض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله قالوا: يا رسول الله! أجر خمسين منا أو منهم. قال: بل أجر خمسين منكم} وهو حديث رواه أهل السنن وهو حسن بشواهده، ومثله أيضاً حديث عتبة بن غزوان: {إن من ورائكم أيام الصبر للمتمسك فيهن يومئذٍ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم قالوا: يا نبي الله! أو منهم؟ قال: بل منكم} وهو حديث حسن أيضاً.

    الصبر على الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيل الله، والإنفاق، وسائر الأعمال التي تحتاجها الدعوة، من التضحية بالنفس أو بالمال، أو بالأهل والعشيرة، أو بالوقت أو بالراحة، والصبر على أذى المشركين والمنافقين والفاسقين والمناوئين، فلا يخرج الإنسان عن طوره، ولا يتسرع أو يتهور أو يستعجل، بل يظل على منهجه الذي آمن به، واطمأن إليه، ولا يستجيب لاستفزاز الذين لا يوقنون.

    الصبر على ما يلقاه الإنسان داخل الصف المؤمن أحياناً من النقائص بين المؤمنين والتناقض والمآخذ والعيوب، حتى من إخوانه وأصحابه وأقرب الناس إليه، كما قال عليه الصلاة والسلام: {المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم }.

    إن من الطبيعي أن يجد الإنسان تخلخلاً في الصفوف، أو ضعفاً في العزائم، أو قلة في الاتباع، أو إخلاداً إلى الراحة، أو تناقضاً في الجهود، فيكون دأب المؤمن الصابر العمل على الإصلاح وتلافي العيوب ما وجد إلى ذلك سبيلاً.

    والصبر عن المعاصي التي تنتشر وتفشو ويصبح التحرز منها أمراً صعباً، فمعصية في البيت، ومعصية في السوق، ومعصية في الطائرة، ومعصية في البر، ومعصية في البحر، ومعصية عبر الهاتف، وأخرى عبر المذياع، وثالثة على شاشة التلفاز، ورابعة في الجريدة، وخامسة في كتاب، وسادسة في المدرسة، وسابعة في العمل، وثامنة في الحي، وتاسعة ربما كانت على أبواب المساجد، فيحتاج الإنسان إلى أن يتمنطق بالصبر على هذه المعاصي لينال رضا الله سبحانه وتعالى.

    وهذا الزمن الذي تفاقمت فيه الأمور، وكثرت الفتن، واشتدت فيه الكروب على المسلمين، وأصبح المسلم يخاف على دينه صباحاً أو مساء، وأصبح المؤمنون يشردون في مشارق الأرض ومغاربها، ويودعون غياهب السجون بغير ذنب اقترفوه، ولا جرم افتعلوه إلا أن يقولوا: ربنا الله، ولينكل بهم غيرهم، فلا يقوم إلى الله تعالى داع، ولا يتحرك إلى الله تعالى ناصح، ولا يأمر أحد بمعروف، ولا ينهى أحد عن منكر، ولا يطالب أحدٌ بتحكيم شريعة الله تعالى، فيشرد بهؤلاء، وينكل بهم، ويؤذون، ويضيق عليهم ويضطهدون، ويجد الإنسان من ذلك شيئاً كثيراً عظيماً في سائر بلاد الإسلام، ويجد هذه المعاصي المنتشرة الكثيرة الظاهرة، بينما تجد الطاعات قد أغلقت أبواب كثير منها، أو كادت، فيحتاج إلى الصبر على ذلك كله.

    وهاهنا يأتي مصداق ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أنس بن مالك الذي رواه الترمذي وغيره: {يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر}.

    وهذا زمان الصبر من لك بالتي      كقبض على جمر فتنجو من البلا

    وفي حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: {ويل للعرب من شر قد اقترب، فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويبيع قوم دينهم بعرض من الدنيا قليل } نعم فقد باع دينه بوظيفة، أو راتب، أو مقابل، أو جعل، أو عطاء، أو مرتبة، أو ما أشبه ذلك مما يتقرب به من الناس ويباعده عن رب العالمين.

    وكثير من الناس يحاول الواحد منهم أن يثبت ولاءه، وإخلاصه لهذا بأن يطعن في هذا، ويشتم ذاك، ويسب هؤلاء، ويتهم أولئك، ولسان حاله يقول: أنا وحدي المخلص الصادق الوفي لك أو لفلان أو لزيد أو عبيد، فيشتري الدنيا ويبيع الآخرة -والعياذ بالله- ويبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، قال عليه السلام: {المتمسك يومئذٍ بدينه كالقابض على الجمر -أو قال- على الشوك}.

    وفي مثل هذه الحال يتأكد الصبر ويتحتم ويصبح من أوجب الواجبات، لأنه ضرورة بالنسبة للمسلم العادي، ليحافظ على إسلامه ويحتمي من الردة التي تطل برأسها على صورة مبادئ ومذاهب إلحادية، أو موجات تشكيكية، أو انجراف في الحياة المادية، أو على صورة تخل بالشعائر من الصلاة والزكاة وغيرها، أو الغفلة عن المعتقدات التي بعث الله بها رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام أو على أي صورة أخرى.

    الصبر على أعداء المؤمنين بجميع أصنافهم

    وإذا كانت ضرورة للمسلم العادي فما بالك بالداعين إلى الله تعالى، أو المجاهدين الصابرين في سبيله، إنهم أحوج إلى الصبر، وكيف لا يحتاجون إلى الصبر وهم يواجهون ألواناً من الأعداء الظاهرين والمستترين.

    فمن أعدائهم المحادون لله ورسله، النابذون شريعة الله تعالى وراءهم ظهرياً، من أهل التمكين والنفوذ الذين يحاربون السنة وأهلها، لعلمهم أن التمسك بالإسلام يهب المسلمين الاستعلاء والعزة والتحرر من العبودية للمخلوقين، أو الخوف منهم، وهذا يحملهم على رد الباطل على أهله، حتى ولو كان أهله هم السادة والقادة، وأن التمسك بالإيمان يجعلهم أمة واعية داعية متميزة، عارفة بحقوقها التي يجب أن توصل إليها، عارفة بواجباتها التي يجب أن تؤديها، فهي لا تجهل حقها فتقصر عن المطالبة به، ولا تجهل واجبها فيلبس عليها بجعل ما ليس بواجب واجباً.

    لعلمهم أن التمسك بالإسلام يجعل المسلمين أمة عقيدة لا يقر لها قرار؛ إلا بتطبيق شريعة الله تعالى في أرضه، فالمسلمون ليس همهم -مثلاً- الرفاهية المادية فحسب، ولا همهم فقط التيسيرات الدنيوية فحسب، وإنما همهم الأول والأخير أن تطبق شريعة الله تعالى في عباده.

    ولعلمهم أن التمسك بالإسلام الصحيح يحملهم على القيام بالقوامة على المجتمع ومراقبة سيره، ومعالجة انحرافه، ومقاومة القوى الخفية العلمانية التي تسعى إلى إضلال الناس وتخريب عقولهم وأديانهم، وإغراقهم في الشهوات، وهذه شريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهر بكلمة الحق، والقيام بواجب الدعوة إلى الله تعالى، وهؤلاء المتسلطون على المسلمين يعملون على إغراء العلماء والدعاة بالمال والمنصب والجاه، وسائر الحظوظ الدنيوية لصرفهم عمَّا هم عليه، وواجب العالم والداعية حينئذٍ الصبر ومقاومة الإغراء، كما يتعرض العالم إذا استعلى على المادة والإغراء يتعرض للتهديد والتخويف والتضييق، وربما أخرج من بلده، أو أوذي أو قتل أو أوذي في نفسه أو أهله أو ماله، ولا بد من احتمال ذلك كله في الضراء والسراء.

    ومن ألد أعداء المؤمنين حملة المذاهب الأرضية، من الشيوعيين والاشتراكيين والقوميين والبعثيين والعلمانيين الذين يستخدمون كل سبيل لنشر مذهبهم، كالإذاعة والتلفاز والجريدة والمقالة والقصة والكتاب والديوان والشعر وكل سبيل، وقد أصبحت اليوم وسائل كثيرة مما يتمكنون بها أن يخاطبوا المسلمين، وغالب هؤلاء قد تشبعوا بالمبادئ الغربية أو الشرقية، وتربوا عليها خلال فترة دراستهم أو طلبهم؛ ومُنُّوا بالأماني الباطلة أن الدولة ستكون لهم، وأنهم سيتمكنون من قلب الأوضاع السياسية في العالم الإسلامي، والأوضاع الفكرية والاجتماعية وصياغتها وفق ما يريدون، وهم يعلمون أن الخطر الحقيقي على مخططاتهم من دعاة الإسلام وعلمائه الصادقين، الذين يستفرغون جهادهم وجهدهم وطاقتهم في تجديد أمر الدين والدعوة إليه.

    فيسعى هؤلاء العلمانيون وغيرهم جاهدين إلى الحيلولة بين العلماء وبين الأمة، بتشويه سمعتهم، وإلصاق التهم بهم، فهم حيناً يصفونهم بالجمود والتخلف والرجعية، وحيناً يصفونهم بأنهم متطرفون إرهابيون، أصوليون، وحيناً يصفونهم بأنهم يسعون إلى قلب الأوضاع، والسيطرة على مقاليد الأمور والوصول إلى مقاليد الحكم، وأنهم لا يريدون ديناً ولا إصلاحاً ولا أمناً ولا إيماناً وإنما همهم الدنيا ووظائفها ورئاساتها.

    وحيناً يتهمونهم بأنهم خطر على الأمن، وأنهم سوف يمزقون المجتمع إلى شيع وأحزاب وطوائف.

    ويستغلون في ذلك سائر الوسائل التي يسيطرون عليها، من أجهزة الإعلام المسموعة والمرئية والصحافة والكتابة وترويج الإشاعات وغير ذلك مما قد أصبح معروفاًمكشوفاً، ولعل هؤلاء الذين يحاربون الدعوة داخلون فيما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في حديث حذيفة الشهير: {دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، قال حذيفه: صفهم لنا يا رسول الله؟ قال: قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا} قال ابن حجر قال القابسي: "معناه أنهم في الظاهر على ملتنا؛ وفي الباطن مخالفون لنا".

    ومن أعداءالمسلم أصحاب الفرق والأهواء من الفرق الضالة المخالفة للسنة، كـالصوفية والباطنية بشتى فرقها وشيعها، والمعتزلة وغيرهم، فهؤلاء منهم، وهم على الباطل بلا خفاء وهم يلبسون الحق بالباطل، فيغتر الناس أحياناً بما معهم من الحق، ويقبلون كل ما عندهم من حق أو باطل بلا تمييز.

    وكثيراً ما تقف هذه الطوائف الثلاث:

    الحكام المتسلطون، ودعاة المذاهب الأرضية من العلمانيين وغيرهم، وشيوخ البدعة والضلالة وأتباعهم، يقفون في خندق واحد ضد السنة وأهلها، ويتعاونون في تضييق الخناق على أهل الحق والاتباع حتى يصل الحال إلى ما قيل:

    وأي اغتراب فوق غربتنا التي     لها أضحت الأعداء فينا تحكمُ

    وهناك الأعداء الخارجيون من اليهود والنصارى والمشركين، الذين هم أشد عداوة وكيداً ومكراً وخبثاً، وبيدهم اليوم مقاليد الإعلام والاقتصاد في العالم، وبواسطتها يؤثرون تأثيراً بالغاً في سياسات الدول الشرقية والغربية، ولهم جمعيات سرية، ومنظمات خفية يتحركون باسمها حتى في بعض البلاد التي تتظاهر بحرب اليهود والنصارى، تجد أن لهمالماسونية، ويهود يوه، ونوادي الروتاري، وبعض الجمعيات النسائية، والجمعيات الفنية، والجمعيات الرياضية، والنقابات وغيرها، ومثلهم النصارى أيضاً وهم حلفاء اليهود الذين يهيمنون على بلاد الغرب كـأمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا بل وروسيا، يحاربون المسلمين علانية في كثير من البلاد، فيحملون السلاح في البوسنة والهرسك، وفي الصومال، وفي طاجكستان، وفي كثير من البلاد.

    حتى إني قرأت خبراً قديماً أوصله إلي أحد الإخوة يذكر أن بعض الوسطاء الدوليين في قضية البوسنة والهرسك يجلس جلسات خاصة مع رادوفان كراديتش زعيم الصرب، ويتباسطون ويتبادلون الحديث، وأنه صار بينهم رهان على أن المسلمين يقبلون بتلك المؤامرة، وأن الأرض الذي أعطيت للصرب تشكل (28%) أو (30%)، فقال: إن الفائز بالرهان له قارورة ويسكي! وقد قال وسيط من الوسطاء الدوليين إنه قد خسر الرهان واضطر إلى أن يدفع قيمة هذه القارورة!

    ونسي هذا المجرم الكبير أن المسلمين خسروا مئات الآلاف من الأرواح، وخسروا عشرات الآلاف من المسلمات المغتصبات، وخسروا آلافاً من الأطفال الأبرياء الذين قتلوا، وخسروا مسافات شاسعة من الأراضي، أما هو فكل خسارته أنه خسر زجاجة (وسكي) في مقامرة فعلها أو مراهنة مع صديقه الصربي الكافر!

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة:51] إن اليهود والنصارى الذين يملون سياسة غريبة علىالمسلمين، فيطالبونهم بموالاة أعداء الإسلام وبالمصالحة معهم، وبتطبيع العلاقة مع هؤلاء وأولئك، وبفرض لون من التغريب والتخريب على عقول المسلمين، وفرض التعاسة الأخلاقية على المجتمعات الإسلامية، وتضييق الخناق على الدعاة إلى الله تعالى، وتقليص مكانة العلماء المصلحين الصادقين، إن هؤلاء اليهود والنصارى حينما يملون مثل هذه السياسات إنما يريدون أن يضربواالمسلمين بعضهم ببعض.

    وليس غريباً ما نرى من تصارع     هو البغي لكن بالأسامي تجددا

    وأصبح أحزاباً تناحرُ بينها      وتبدو بوجه الدين صفاً موحدا<

    1.   

    مواقف الناس تجاه الأقدار الجارية

    سادساً: الناس أربعة.

    إن الأقدار تجري على كل إنسان، ولكن الفرق في مواقف الناس، وأنت لو تأملت الناس كل الناس لوجدتهم لا يخلون من أحد أربعة أصناف:

    أهل الصبر والتقوى

    الصنف الأول: من أهل الصبر والتقوى، يقول تعالى:لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24] وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران:120] وهؤلاء هم الذين أنعم الله عليهم من أهل السعادة في الدنيا والآخرة، ممن صبروا على أقدار الله، وعلى طاعته، وعن معصيته، واتقوا الله تعالى فكفاهم شر ما يخافون في الدنيا والآخرة، قال قائلهم:

    قد عشت في الدهر أطواراً على طرق     شتى وقاسيت منها اللين والشبعا

    كلاً بلوت فلا النعمى تبطرني     ولا تخشعت من لأوائها جزعا

    لا يملأ الأمر صدري قبل موقعه     ولا أضيق به ذرعاً إذا وقعا<

    أهل الصبر بلا تقوى

    الثاني: الذين لهم نوع من الصبر بلا تقوى، مثل أولئك الفجار الذين يصبرون على ما يصيبهم من الأهوال، فاللصوص -مثلاً- وقطاع الطرق، ومدمنو المخدرات قد يسجن الواحد منهم ويضرب ويؤذى، وقد يتعرض للقتل أو الإعدام في عدد من البلاد، ومع ذلك فهم يصبرون ويصابرون ويستمرون في هذا الطريق، بل أقول بأسف شديد: أحياناً صبرهم وتجلدهم وإصرارهم يفوق حتى صبر بعض ضعفاء الإيمان على ما يلقونه في سبيل الله تعالى.

    فهؤلاء يغتصبون، ويأخذون الحرام، وتحصل لهم أموالٌ بالخيانة وغيرها، ومثل هؤلاء أيضاً في الصبر بلا تقوى، طلاب الرئاسة والحكم والسلطة والعلو على غيرهم، فإنهم يصبرون على ذلك وعلى ألوان من الأذى لا يصبر عليها أكثر الناس.

    ومثلهم أيضاً أهل المحبة -محبة الصور المحرمة- العشاق فإن العاشق يصبر على ما يلقى من معشوقه من الأذى والنكال والإعراض والإيذاء، كل ذلك من أجل الدنيا وهؤلاء هم كما قال الله تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً [القصص:83] فهؤلاء إما أنهم يريدون علواً في الأرض -كما يكون حال الحكام- أو يريدون فساداً -كما هو حال أهل الشهوات- أما المؤمنون أهل الآخرة فهم عن هؤلاء وأولئك بمعزل.

    أهل التقوى بلا صبر

    أما القسم الثالث: فهم الذين لهم نوعٌ من التقوى بلا صبر، وهم الذين يصلون، ويتركون المحرمات، ويصومون ويزكون، لكن إذا أصيب أحدهم بمرض في بدنه أو في ماله أو في عرضه أو ابتلي بعدو يخيفه، فإنه يعظم جزعه ويظهر هلعه، وهذا حال أكثر الناس اليوم، فإن الواحد منهم إذا ابتلي ولو بشيء يسير في دينه أو في دنياه، ظهر عليه الخوف والتوتر والقلق، حتى أن منهم من يترك الصلاة مع الجماعة، ومنهم من لا يتعاطى الكتب، ومنهم من يبتعد عن الأشرطة، ومنهم من يترك صحبة الأخيار، ومنهم من يتجنب السلام على بعض أصدقائه أو زملائه خشية أن يصيبه من ذلك سوء.

    شر الأقسام

    أما القسم الرابع: وهو شر الأقسام، فهم الذين لا صبر لديهم ولا تقوى، لا يتقون إذا قدروا، ولا يصبرون إذا ابتلوا، بل هم كما قال الله تعالى: إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ [المعارج:19-22] فهؤلاء تجدهم من أظلم الناس وأجبرهم وأكثرهم طغياناً وظلماً إذا ملكوا وقدروا، ومن أذل الناس وأجزعهم إذا قهروا وغلبوا:-

    ملكنا فكان الصفح مِنَّا سجية     فلما ملكتم سال بالدم أبطح

    ولا عجباً هذا التغاير بيننا     فكل إناء بالذي فيه ينضح

    فهؤلاء القوم إذا قهرتهم ذلوا لك ونافقوك، وقدموا لك جميل الكلام ومعسول القول، أما إذا غلبوا فإنهم يكونون أظلم الناس وأقساهم قلباً وأبعدهم عن الرحمة واللين والعدل والإنصاف وأقلهم إحساناً وعفواً، كما جرب ذلك المسلمون على كل من كان أبعد من الإيمان، سواء من الكفار المعلنين كالتتر الذين قاتلهم المسلمون ووجدوا منهم الأذى العظيم، أو الصليبيين النصارى، أو اليهود، أو من بعض المنافقين المنتسبين إلى الدين المتظاهرين بلباس المسلمين وزهادهم، وحقائقهم خلاف ذلك، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: {إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وإلى أعمالكم}.

    1.   

    أسباب تقوي القلب

    سابعاً: أسباب تقوى القلوب.

    الإيمان بالقضاء والقدر

    أول ذلك الإيمان بالقضاء والقدر قال الله تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ [الحديد:22-23] إنه ما أصاب من مصيبة للإنسان في نفسه ولا في أهله ولا في ماله ولا في زوجه ولا في ولده؛ إلا وقد كتبت في كتاب عند ربي لا يضل ولا ينسى.

    والخوف والجزع لا يزيل هذه المصيبة، ولكنه يحرم الإنسان من أجرها وثوابها، قال علي رضي الله عنه:

    أي يومي من الموت أفر     يوم لا يقدر أم يوم قدر

    يوم لا يقدر لا أرهبه     ومن المحذور لا ينجو الحذر

    دفن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ولده عبد العزيز، فلما دفنه قام على قبره فقال: يا ولدي والله نعم الولد لي كنت، صبوراً، براً، قواماً، صواماً، عالماً، فاضلاً، أبياً، حيياً، والله يا ولدي ما كنت أسعد بك مني اللحظة وقد واريتك التراب، فلأجرك عند الله أعظم عندي من ثوابك في الدنيا.

    استشعار عموم البلاء

    الثانية: أن يعلم أن الأمر لا يخصه هو، بل ما من أحد في الدنيا إلا وهو أحد اثنين، إما مصاب أو ينتظر مصيبة، قال الله تعالى: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فإنهم يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ [النساء:104]

    إذا ما الدهر جر على أناس     بكلكله أناخ بآخرينا

    فقل للشامتين بنا أفيقوا     سيلقى الشامتون كما لقينا

    كل الناس وأهل الأديان كلها، وكل العقائد، والمذاهب، والأمم، وكل الرجال، والنساء، لا بد لهم من المصائب: المرض والفقر والموت والخوف والهلع والجزع، قاسم مشترك بين البشر كلهم، فالأمر لا يخصك وإنما الشيء الذي يمكن أن تختص به هو الصبر على قضاء الله تعالى والرضا والتسليم، لترتفع بذلك درجات عند الله الكريم.

    الاقتداء بسير الرسل الكرام

    الثالث: الاقتداء بالرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، فإنهم أصيبوا؛ بل هم أعظم الناس مصاباً، قال الله تعالى: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا [الأنعام:34] لقد أوذي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وشج رأسه، وكسرت رباعيته، ودخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنتيه عليه الصلاة والسلام، وجرح قدمه حتى سال منها الدم، وأوذي وضرب بالحجارة، وأخرج من بلده، وأوذي في زوجته، ونسبت إليها قالة السوء، وأوذي في ولده وقيل له: أبتر، وقيل له: فقير، وطرد وأوذي وحبس وهدد عليه الصلاة والسلام، وجرت عليه مؤامرات بقتله أو حرمانه من السفر والخروج من مكة، أو إخراجه منها وطرده في الأرض، ومع ذلك كله صبر وصابر، حتى جعل الله تعالى له العاقبة، وحتى حكمه الله تعالى في هؤلاء القوم الذين كانوا بالأمس سادة وقادة، فقال عليه الصلاة والسلام: {ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، فقال عليه الصلاة والسلام: اذهبوا فأنتم الطلقاء}.

    نعم، الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام لقوا من الأذى ما لم يلقه أحد قط، وهذا دليل على أن الدنيا ليست مقياساً ولا ميزاناً، فإن الرسل هم أفضل الخلق على الله، ولو كانت الدنيا هي المقياس، لجعلهم الله تعالى في الدنيا أهلها وسادتها، فقد خير النبي صلى الله عليه وسلم بين الخلد في الدنيا والجنة أو الموت، فاختار ما عند الله عز وجل.

    استشعار حسن العاقبة في الدنيا

    استشعار حسن الجزاء في الآخرة

    الخامس: تذكر حسن الجزاء في الآخرة للصابرين، يوم يتمنى أهل العافية أن لو قرضت أجسادهم بالمقاريض -كما جاء ذلك في الأثر الصحيح- وحين يكون عظم الجزاء مع عظم البلاء يوم القيامة، وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: {ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها من خطاياه} وفي حديث آخر: {ما يصيب المؤمن من هم ولا غم ولا نصب ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله عنه من خطاياه}.

    استشعار قرب الفرج

    اليأس مما فات

    السابع: اليأس مما فات الإنسان: فإن اليأس قوة وصبر لقلب الإنسان، وربما تمنى الإنسان شيئاً فطال شوقه وتلهفه إليه، زوجة -مثلاً- أو ولداً أو مالاً أو جاهاً أو وظيفة، فإذا يئس منه رزقه الله تعالى الغنى عنه وقوى قلبه، وأعزه بالغنى، ولذلك يروى أن رجلاً كان يحب ولده ويشتاق إليه في غيبته، فلما مات رُزِقَ صبراً، فكان يقول:

    عجبت لصبري بعده وهو ميت     وقد كنت أبكيه دماً وهو غائب

    على أنها الأيام قد صرن كلها     عجائب حتى ليس فيها عجائب

    ومن ذلك الاستعانة بالله تعالى، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، ولهذا كان المؤمن دائماً وأبداً يقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] فلا بد من أن يستعين بالله تعالى على تحمل المصائب الدينية والدنيوية، فالاستعانة بالله تعالى تهون على العبد المصيبة فلا يجد وقعها ولا يتبرم منها، بل ربما تحولت إلى نعمة وربما سر بها، واعتاد عليها وألفها، كما يألف الإنسان البلد الغريب إذا أقام فيه واختلط بأهله، وكما يألف السجن إذا طال مكثه فيه، وكما يألف الفقر فلا يحب الغنى، والمهم هو أن تحصل السعادة للإنسان في الحالين في قلبه، ومن ذلك أيضاً أن في الجزع شماتة العدو وحزن الصديق، وفي الصبر إبرار الصديق وغيض العدو

    فإن تسأليني كيف أنت فإنني      صبور على ريب الزمان صليب

    يعز علي أن ترى بي كآبة      فيشمت عاد أو يساء حبيب

    ومن ذلك تذكر الموت فإنه نهاية الحياة، وهو قمة الابتلاء، وآخر ما يلقاه الإنسان في هذه الدنيا، لا حزن ولا كرب على الإنسان بعد ذلك من المؤمنين بإذن الحي القيوم، قال عليه الصلاة والسلام: {ليس على أبيك كرب بعد اليوم} والموت حتم على الجميع، وأحسن الموت، الموت في سبيل الله تعالى، فإنه حياة وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ [آل عمران:169].

    عجباً لمن يلقى الحروب      فلا يقاتل أو يجالد

    لا سيما إن كان يوقن أنه إن مات عائد

    خوفاً وإشفاقاً وإرصاد      الحتوف له رواصد

    إن قال إن النفس واحدة فإن الموت واحد

    ومن ذلك التأمل فيمن أصيبوا بأعظم مما أصاب الإنسان، فإنه من أردأ المشاعر في النفس التطلع إلى ما عند الآخرين، والنظر إلى من فوقه، ومن أحسن المشاعر أن ينظر إلى من دونه، فمن مرض مرضاً يسيراً ينظر للمرض الخطير، ومن مرضه خطير ينظر للموت، ومن أصيب بقريب أو حبيب ينظر إلى من أبقى الله تعالى له من الأحياء والأحبة، ومن أصيب بدنياه ينظر إلى من أصيب بدينه، فله الضلال والعار والنار، ومن نقص ماله أو ثمرته، يقارن ذلك بمن ركبته الديون العظام.

    ومن ذلك أن يعلم أن المصيبة اختبار واختيار من الله سبحانه وتعالى، فإنما يبتلى الأقوياء، والمجاهدون، والدعاة، والصادقون، والمغامرون، أما الذين يسايرون الأوضاع فقد لا يتعرضون لشيء، لكن حياتهم تختصر وتختزل في رفاهية العيش، وكثرة المال، ورفعة المنصب، ولحظة جنس، أو لحظة طعام أو شراب، وهي أيام قلائل وليال ثم ينتهي، ولذلك قال بعض المغامرين الدنيويين، قال: تَغَرّب، أي ابحث عن بلد آخر، ليس شرطاً أن تجلس في بلدك وتحيا وتموت فيها، ابحث عن العز والقوة ولو كانت في بلد غريب:-

    إني رأيت ركود الماء يفسده     إن ساح طاب وإن لم يجرِ لم يطب

    تغرب فما الدار الحبيبة دار          وفك المطايا فالمناخ أسار

    ولا تسأل الأقدار عما تجره     مخافة هلك فالسلامة عار

    إذا لم يسعك الأمن في عقر دارها     فخاطر بها إن العلاء خطار

    مقامي مع الزوراء وهي حبيبة     مع الظلم غبن للعلا وخسار

    وكم حلة محفوفة ولها الهوى     وأخرى لها البغضاء وهي تزار

    إذا حملت أرض التراب مذلةً      فليس عليها للكرام قرار

    ولا عيب إن أهزلت وحدي وأسمنوا     إذا أنا أنجدت العلا وأغاروا

    ولست أرى الأجسام وهي نواحل          تضاءل إلا والنفوس كبار

    ومن ذلك أيضاً أن يعرف الإنسان ما وراء الصبر من الشرف في الدنيا، والعزة، والرفعة، والمقام، والمنـزلة، وأنها لحظات وتنتهي، وما وراء الصبر من الجنة والثواب في الدار الآخرة: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10] ولهذا كان من منهج السلف سلوك مسلك الترغيب والترهيب، حتى يعرف الإنسان ما له من الصبر على الطاعة فيصبر عليها، وماله من الصبر على المعصية فيكف عنها، وماله من الصبر على ما قضى الله تعالى وقدر. قال العبد الصالح لموسى: وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً [الكهف:68].

    1.   

    الأسئلة

    السماح ببيع أشرطة بعض الدعاة

    السؤال: يقول: هل هناك بوادر انفراج للسماح لبيع أشرطتكم وأشرطة بعض المشايخ الممنوعة؟

    وما توجيهكم في هذا الموضوع؟

    الجواب: في الواقع أنه ليس هناك شيء جديد، والذي أعلمه أن اللجنة الخماسية التي يرأسها سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز سبق أن أحيل إليها الموضوع وأصدرت توصيات أن يكون هناك لجنة من المشايخ والعلماء تتولى أمر الأشرطة والترخيص لها، لكن لم يحدث من ذلك شيء، أما ما يتعلق بموضوع الأشرطة فإنه لم يأتِ فيها جديد، إنما الذي أعلمه وأنتم تعلمونه أيضاً أن تسجيل المحاضرات ليس ممنوعاً، وأن سماعك هذا الشريط الذي سجلته في سيارتك ليس ممنوعاً، وأن إهداءك هذا الشريط الذي سجلته لجارك أو زميلك ليس ممنوعاً، وأن قيام هذا الإنسان بتسجيل نسخة له أو لن يعرف ليس ممنوعاً.

    إنما الممنوع أن يتم بيع ذلك في المحلات العامة على الملأ والإعلان عن ذلك، وإصدار التراخيص، وهي أشرطة لا نستطيع أن نقول هي ممنوعة، لكن الصواب أنها غير مرخصة فقط، وهذا لو كنا أقوياء وقادرين وأهل همم عالية، لاستطعنا أن نصنع شيئاً كثيراً في هذا المجال فما دام أن التسجيل ممكن بحمد الله تعالى من خلال الدروس والمحاضرات فليس هناك منع للتسجيل، وأن الإهداء ممكن أيضاً، وأن كون الإنسان يتولى هذا الأمر مع أهل حيه أو زملائه أو جيرانه أو زملاء عمله، أن ذلك كله لا شيء فيه، فحينئذٍ نحن نود لإخواننا أصحاب التسجيلات كل خير، ونتمنى أن يكون هناك فسح ليتمكنوا من البيع، وذلك مفيد لهم في الدنيا بلا شك، ومفيد لهم في الدين، وإن شاء الله مطامحهم الدينية أعظم من المطامح الدنيوية.

    لكن إذا لم يتيسر هذا فعلى كل إنسان أن يقوم بدوره في هذا السبيل، وهو دور مسموح ليس ممنوعاً، ولا محرماً، ولا حظر فيه، ولا حكر على أحد.

    فآمل من الإخوة الشباب أن يقوموا بدورهم في هذا الميدان حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، ولعل بعض الجهود تفلح في إعادة بعض الأمور إلى مجاريها، والسماح ببيع الأشرطة على النطاق العام من خلال محلات التسجيلات الإسلامية وغيرها، كما أرجو من الإخوة الذين مكنهم الله تعالى من شيء، ممن يكون عندهم أجهزة تسجيل، أو عندهم مال، أو عندهم وقت، أو عندهم اتصالات واسعة، أن يستغلوا ما أعطاهم الله تعالى في التمكين لنشر الخير، شريطاً أو كتاباً أو فتوى أو نصيحة أو ما أشبه ذلك.

    أخبار الشيخ عائض القرني

    السؤال: ما هي آخر أخبار الشيخ عائض بن عبد الله القرني؟

    الجواب: لقينا الشيخ خلال هذا الأسبوع في اجتماعنا الشهري ليلة الخميس الماضي في الطائف عند الشيخ المفتي عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وهو طيب وبخير ويقرأ عليكم السلام، ولا يزال يستعذب أيامكم التي عاشها معكم وذكرياتكم ويرددها ويذكركم بخير ويدعو لكم ويثني عليكم، وهو إن شاء الله على ما عهدتم يقرأ ويذاكر ويراجع ويكمل فضائله ومحاسنه، وينتظر فرج الله تعالى له، بأن يطلق سراح كلمته لتنطلق صادحة مدوية في مشارق الأرض ومغاربها، أسأل الله تعالى أن يعجل فرح المؤمنين وفرجهم بإطلاق أسر الكلمة الحرة الصادقة من الشيخ عائض القرني ومن غيره، كما أسأله تعالى أن يفرج كرب المكروبين وأسر المأسورين من المسلمين في كل مكان.

    طريقة الدعوة

    السؤال: نرى في الآونة الأخيرة كثرة الكتابة عن خطب الجمعة والخطباء، وأنهم متسرعون في التحريم والتكفير ويكثرون من إثارة الناس، وأنه لا بد من الإشادة بالمشاريع الإنشائية وحث الناس على الوحدة الوطنية، فما رأيكم؟

    الجواب: ربما كان هؤلاء يريدون أن تتحول خطبة الجمعة، إلى نوع من نشرات الأخبار التي تذاع هنا أو هناك، وبعضهم يريدون أن تكون خطب الجمعة في مجالات معينة فحسب، في الترغيب في الجنة، والتخويف من النار وهذا صحيح، لكن إذا رغبنا الناس في الجنة لا بد أن نبين لهم طريق الجنة، وإذا رهبنا الناس من النار، لا بد أن نبين لهم طريق النار ليجتنبوه ويبتعدوا عنه.

    والدين ما جاء ليكون في الزوايا، ولا ليحكم التكايا، وإنما جاء الدين ليهيمن على الحياة كلها، في اقتصادها، وسياستها، واجتماعها، وإعلامها، وتعليمها، شاء من شاء وأبى من أبى، وكلمة "لا إله إلا الله" منهج حياة تهمين على الدقيق والجليل، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة:208] وقال: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة:85].

    فليس صحيحاً أن خطيب الجمعة يجب أن يكون مقصوراً على شيء، ولا أن الدعوة إلى الله يجب أن تكون محصورة، بل الدعوة والخطبة والكلمة ينبغي أن تنطلق هادية إلى كل مكان، نعم نقول بملء أفواهنا: حق على كل داعية أو خطيب أو كاتب، حق عليه أن يكون هادئاً في كلمته، متأملاً فيها، دارساً لأبعادها، متثبتاً مما يقول، مدللاً عليه، منطقياً، بعيداً عن التعميم، والمبالغة، والتهويل، وعن كل ما لا يتوافق مع المهمة الجليلة التي أسندت إليه.

    لكننا نقول أيضاً: هذا حق ليس على الخطباء فقط، بل حق على الصحفيين، والإعلاميين، وكل متحدث ومتكلم، وكل إنسان، كبيراً أو صغيراً، رئيساً أو مرءوساً، حق علينا جميعاً أن نتحلى بذلك، فلم يقال هذا الكلام في حق الخطباء وكأنهم هم فقط الفئة التي تخطئ أو تزل؟

    التربية على الصبر

    السؤال: ذكرت الصبر وأنه يُحتاج إليه في كل الأوقات، فهل هناك تربية معينة للنفس لأن الابتلاء يأتي فجأة أحياناً ولا يحسب الإنسان له حسباناً؟

    فهل تذكر شيئاً من ذلك؟

    الجواب: العبادات كلها تربية على الصبر، وترك المعاصي تربية على الصبر، وقراءة سيرة الأنبياء والصالحين تربية على الصبر، وصحبة الأخيار تربية على الصبر، وهذه المصائب والنوازل -حتى لو كانت مفاجئة- هي أيضاً تربية على الصبر، فإن الله تعالى يختار لعباده ويربيهم.

    أخبار البوسنة والهرسك

    السؤال: ما هي آخر أخبار البوسنة والهرسك؟

    الجواب: آخر الأخبار أن العالم الغربي الكافر النصراني قد قر قراره على أن يحفظ ماء الوجه بمثل هذا الاتفاق الذي هو ورقة توت يستر بها سوءته وعورته وعيبه وعجزه أمام العالم فيما يسمى بمؤتمر جنيف، الذي أقر العدوان الصربي والكرواتي على المسلمين، وقدّم البلاد التي تعرضت للتطهير العرقي -كما يسمونه- والتطهير الديني، وقتل المسلمين، قدمها هدية لأعداء الله تعالى الصرب ليقيموا فيها دولتهم، وقد أعلن الكروات أمس جمهورية مستقلة لهم هناك، وحاربوا المسلمين وقتلوهم.

    وقد جرت البارحة في بعض الإذاعات مقابلة مع اثنين من النصارى العاملين في الإغاثة ثبت أنهم يدعمون المسلمين بالأسلحة، وقالوا: رأينا شيئاً لا صبر لنا عليه، ونحن مستعدون أن ندعم المسلمين حتى آخر لحظة، فإذا صح هذا الخبر فإنه تحدٍ لنا نحن المسلمين، في الوقت التي بلغت ضراوة وشراسة الحرب على المسلمين أن بعض النصارى غاضهم ما يرون، فقالوا: لا بد أن ندعم المسلمين ونساعدهم، في هذا الوقت يتخلى المسلمون عن إخوانهم، والجيد هو من يعطيهم طعاماً أو شراباً أو كساءً فقط، ثم يتركهم حتى يقتلوا ويذبحوا وتغتصب نساؤهم، ويقتل أطفالهم ويشردون وينصّرون، لا،نريد أن يكون هناك دعمٌ متواصلٌ للمسلمين، من خلال القنوات الخاصة التي توصل إلى المسلمين السلاح الذي يدافعون به عن أنفسهم ويقتلون به عدوهم ويقاتلون.

    وقد أعلن برلمان المسلمين البارحة أيضاً رفضه للخطة التي قررها مؤتمر جنيف، وإن كان يوافق على استمرار المفاوضات، فعلينا ألا نمل من الدعاء لإخواننا، ودعمهم بما نستطيع من المال وغيره، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {والله تعالى في عون العبد مادام العبد في عون أخيه}.

    ظاهرة الانتكاس

    السؤال: ظاهرة كثرت في أوساط الشباب الذين يلتزمون فترة، ثم لا يلبثون أن ينحرفوا إلى حالتهم السابقة، فأرجو توجيه النصيحة إلى مثل هؤلاء، ونصيحة إلى من لديه القدرة من أصدقائهم وأقاربهم لردهم إلى الطريق المستقيم.

    الجواب: هذا سبق أن تكلمت عنه، أولاً: في محاضرة "الثبات حتى الممات"، وثانياً: في مجموعة من الأشرطة في أول هذه الإجازة (يا شباب!)، و"(حوار مع الشباب)"، و"(مصارع العشاق)"، فأرجو من الأخ الكريم أن يستمع إليها، ويبعث بها إلى بعض من يلاحظ عليهم ذلك من الشباب.

    سبب البلاء

    السؤال: كيف نجمع بين هذين القولين: [[ما نـزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة]] وأن الابتلاء سنة من سنن الله تعالى في عباده الصالحين.

    الجواب: نعم.. ما نـزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة، هذا قاله العباس رضي الله عنه لما طلب منه عمر رضي الله عنه أن يستسقي للمسلمين، والجمع بينهما من وجوه أحسنها في نظري أن يقال: إن المصائب العامة ما نـزلت إلا بسبب الذنوب كالقحط والجدب والفقر وتسليط الحكام الظالمين، وتسليط الأعداء الخارجيين، وتفرق الكلمة، وما أشبه ذلك من المصائب العامة التي تنـزل بالأمة هذه سببها الذنوب والمعاصي.

    أما المصائب الخاصة الشخصية، فهذه قد تكون بسبب الذنوب، وقد تكون لرفعة الدرجات، كما هو الحال بالنسبة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

    الكيل الغربي للمسلمين

    السؤال: هناك إخوة لنا في بعض البلاد يلقون أذى ومحناً ويشردون ويطردون ويشهر بهم في أجهزة الإعلام، فما رأيكم في ذلك؟

    الجواب: نعم أصبح الإعلام العالمي كله، أصبح وتيرة واحدة للتشهير بالشباب المسلم المؤمن، وأصبحت ألقاب التطرف والأصولية والإرهاب تلصق بكل متدين، فمثلاً: بلدٌ يشرد فيه ملايين المسلمين كما يقع في البوسنة والهرسك، لم نسمع لفظ الإرهاب يلصق بـالصرب، ورأينا أنهم يستقبلون زعماءهم بالأحضان، ويعقدون معهم الجلسات السرية الخاصة، ويتبادلون معهم زجاجة اليوسكي والخمر والليالي الحمراء، أما بلد كـالسودان -مثلاً- إذا قاتل بعض النصارى الذين يدمرون أمنه ويحاربونه، فإنه سرعان ما يلصق بالدول التي تدعم الإرهاب كما سمعتم، من هذه الدولة الكافرة الفاجرة حامية النصرانية والصليب أمريكا، نسأل الله تعالى أن يسقطها عاجلاً غير آجل، وأن يجعل ولاياتها دولاً، وأن يلبسها شيعاً، ويذيق بأسها بأس بعض، ونسأله جل وعلا أن يدمر اقتصادها ويخرب اجتماعها وأن يجعلها عبرة للأمم كلها.

    أقول: إن هذه الدولة ومن ورائها العالم كله أصبح يعلن الحرب على المسلمين وخاصة على المتحركين منهم، ويتهمهم بشتى التهم، وأصبح اليوم لا يقع حادث تفجير، ولا اغتيال، ولا تخريب ولا قتل، ولا مشكلة إلا وتلصق بالمتدينين، حتى ولو كان وراءها اليهود، أو كانت وراءها أجهزة المخابرات، أو كانت وراءها بعض الأجنحة المتصارعة في بعض الدول، أو كان وراءها أعداء داخليون، أو ما أشبه ذلك، حتى قال أحدهم متندراً:

    والله لولا خشية العذال     لقلت أنتم سبب الزلزال

    غفلة الناس عن سبب البلاء

    السؤال: ما يراه بعض الناس من أن محنة المسلمين في بلادهم بسبب ذنوبهم ولا يعلمون أنه ابتلاء؟

    الجواب: نعم، هو ابتلاء، وهو أيضاً بسبب الذنوب، ولهذا كان من أعظم الأسباب التي ترفع بها المحن، عودة الناس إلى دينهم، وتوبتهم إلى الله عز وجل، وصدقهم معه، وتصحيح عقائدهم، وجمع كلمتهم، وإزالة الخلافات فيما بينهم، وتطهير قلوبهم من الأحقاد والضغائن، والإحن، والبغضاء، والاختلاف، والتناحر، فإن تأليف القلوب ووحدة الصفوف، من أعظم ما يستنـزل به نصر الله تعالى من المؤمنين.

    فعلى من أبطأ عليهم النصر في بلاد الإسلام -في كل بلد من بلاد الإسلام- عليهم أن يعلموا أن الداء فينا نحن، في اختلافنا وتفرقنا وأهوائنا، وشتاتنا، وفي عدم تجردنا لله عز وجل، وربما كان في جهلنا، أو في خطأٍ موجود عندنا، أو في تقصير في طاعة الله سبحانه وتعالى.

    من أخبار المسلمين

    السؤال: هل لنا ببعض الأخبار السارة في البلقان والصومال وكشمير وطاجكستان؟

    الجواب: الأخبار السارة هي أن المسلمين بدءوا، نعم..

    بدأنا نمزق ثوب العدم

    ونلطم بالحق وجه السدم

    بدأنا كما بدأ التائهون

    بدأنا كما بدأ الميتون

    إذ الصور في جانبيهم ألم

    بدأنا وفينا الأسى والهوان

    وفينا الضياع وفينا السقم

    ولكننا بدأنا، بدأ المسلمون بداية لا مرد لها من الله بإذنه تعالى، إن النصر لهذه الأمة ولو طال الزمان، نعم توجد الأخطاء، ويوجد التسرع، ويوجد الطيش، وتوجد العجلة، ولكن المسلمين بدءوا وعلينا أن نوقن بنصر الله تعالى إن عاجلاً أو آجلا وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ [الروم:4-5].

    إذا ما التقى الجمعان جمع يقوده      غرور أبي جهل كهر تأسدا

    وجمع عليه من هداه مهابة      وحاديه بالآيات فالصبر قد حدا

    وشمر خير الخلق عن ساعد الفدى      وهز على رأس الطغاة المهندا

    وجبريل في الأفق القريب مكبرٌ     يلقي الونا والرعب في أنفس العدا

    هنالك قد فر العداة بجمعهم     وعافوا أبا جهل صريعاً ممددا

    الصبر على المنع من الدعوة

    السؤال: من مُنع من الدعوة وكلمة الحق هل له أن يصبر ويسكت وهل ذلك محمود، وهل نفرق بين الصبر وعمل الواجب؟

    الجواب: إذا كان يستطيع أن يصبر فعليه أن يدعو إلى الله تعالى، ولو أوذي فإني رأيت بعض الناس لا يصبرون، كثيرون يسمعون عن الصبر دروساً ومحاضرات، لكن إذا جاء المحك العملي لا يصبرون.

    هذا إنسان طلب منه هل معك ترخيص؟

    قال: ما أدعو، لماذا؟

    قال: سئلت، وماذا إذا سئلت؟

    وآخر سجن لأنه نصح بدون ترخيص، وماذا إذا سجنت؟

    وفي سبيل الله ما لقيت، هذا أخ يقول: دعوت أخي، ودعوت ودعوت وما استجاب لي، فماذا تصنع؟

    قال الله تعالى: وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فإن اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ [الأنعام:35].

    يا أخي: ما معنى الصبر إذا كان الواحد منا إذا دعا ثم دعا ثم دعا ترك الدعوة.

    المطلوب منك الاستمرار، فهذه زوجة تقول مثلاً: زوجي دعوته وقدمت له شريطاً وكتاباً ودعوت الله تعالى وهو لا يزيد إلا انحرافاً، ونقول: بقي شيء آخر، وهو الصبر والاستمرار حتى يأذن الله تعالى بالفرج، وما يدريك أن ما لا يتم اليوم يتم غداً، وما لا يتم هذا الشهر يتم في الثاني، ومالا يتم هذا العام يتم في العام القادم أو الذي بعده.

    ذكرى المولد النبوي

    السؤال: من يبشر غيره من إخوانه بذكر المولد النبوي، حيث يوافق هذا اليوم، وإذا حصل ماذا أرد عليه وهل يشرع شيء شرعي؟

    الجواب: أبداً.. لا يشرع شيء البته، لا احتفال ولا تهنئة، ولا إقامة مساجد تفتح في هذه الأيام، ولا احتفالات، ولا تجمعات، ولا قراءات، ولا غير ذلك، بل هو يوم كسائر الأيام مر على أبي بكر وعمر، ومر في فترة الخلافة الراشدة، ومر في عصور بني أمية فما أحدث المسلمون فيه شيئاً، وحتى القول بأن هذا اليوم هو يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى إثبات من الناحية التاريخية، ولو ثبت لم يكن فيه شيء مشروع قط، وإنما المسلم يعيش النبي عليه السلام في ذهنه أبداً، وفي قلبه يحبه ويثني عليه، ويصلي عليه -عليه الصلاة والسلام- ويدعو له، ويدعو إلى دينه، ويحيي سنته وشريعته.

    الصبر وإذلال النفس

    السؤال: ما الفرق بين الصبر وإذلال النفس؟

    الجواب: لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، إذلال النفس هو أن يتعرض المؤمن من البلاء لما لا يطيق، أما تعرضه لما يطيق من البلاء فهذا احتساب عند الله تعالى.

    خطورة العمالة الكافرة في بلاد المسلمين

    السؤال: ما رأيكم في طبيبة هندوسية عملت عملية لزوجتي وبعد العملية طلبت مني إحضار علاج من السوق، ولما طلبته أفاد الصيدلي أن هذا العلاج مسحوب حيث أنه يحتوي على فيروس، فإلى متى وهؤلاء الخبثاء يعملون بيننا، وهم لا يريدون بنا ولا بالإسلام خيراً؟

    الجواب: أولاً: أرجو من الأخ صاحب الحادثة أن يتصل بي حتى أتثبت منها، وثانياً: أزيدك من الشعر بيتاً، أنهم يتزايدون الآن خاصة في مستشفياتنا رجالاً ونساءً عشرات بل مئات، وأحياناً تكون لهم المسئولية ولهم الرئاسة على المسلمين أحياناً، وقد يوجد ممرضون وممرضات وأطباء مسلمون تحت تسلطهم، فيسومونهم سوء العذاب، ويكتبون عنهم التقارير السيئة، ويطالبونهم بأعمال شاقة، ولا يقدرون لهم شيئاً، ولا يهتمون بهم أدنى اهتمام.

    فإلى الله تعالى المشتكى أن يوجد مثل هذا، ويُكتب ويُخطب ويُنصح ويُكلم، ولا يزيد الأمر إلا شدة، ومع ذلك فلا زال الأمر يتطلب منا الصبر، وأن نصبر ونصابر ونرابط ونتقي الله تعالى، فنكتب للمسئولين، ونخاطبهم، ونذكرهم بالله تعالى، ونطالبهم بإبعاد جميع الهندوس عن المسلمين، واستبدالهم بمسلمين من الأطباء والطبيبات، والممرضين والممرضات، سواء كانوا في مجال العلاج، أو في غيرها من الخدمات الطبية والعلاجية، علينا ألا نيأس ونخاطب المسئولين هنا أو في وزارة الصحة أو في غيرها، ونكاتب العلماء.

    كما أن علينا أن نخاطب أصحاب الشركات والمؤسسات الذين يستقدمون هندوساً أو غيرهم إلى بلاد المسلمين، ومطالبتهم بمجرد انتهاء العقود ألا يجددوا لهم، بل أن يستقدموا مسلمين حنفاء.

    توزيع الأشرطة في الأماكن البعيدة

    السؤال: نحن مجموعة من أهل الخير في المنطقة الشرقية، ولا توجد طريقة لوصول أشرطتكم إلينا بالشكل المطلوب، فهل عندكم خطة مقترحة لوصولها إلينا؟

    علماً أن شباب الشرقية يحبون سماع الخير؟

    الجواب: سبق أن ذكرت شيئاً من ذلك، وعلى كل حال لا يعدم المؤمن وسيلة أو ذريعة إلى تحصيل الخير وإيصاله إلى من أراد، وهذا الأشرطة بحمد لله ليست مخدرات تلاحق وتحارب، وليست أشرطة (إباحية) تتابع في محلات الفيديو، ويغرم من وجدها خمسمائة ريال أو يغلق محله يوماً أو أسبوعاً، وليست مواداً مدمرة، وليست تحمل أفكاراً معادية للدين، وليست تحمل عقائد مخالفة لما هو معلوم عند المسلمين وأهل السنة والجماعة، إنما فيها قال الله، وقال رسول الله.

    ومن ذا الذي يعلن أنه يحارب قال الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يتابع ذلك، نعم قد تكون هناك ظروف خاصة جعلت أنها لا تباع الآن في محلات التسجيلات، بناءً على أوامر صريحة من وزارة الإعلام، ومن غير وزارة الإعلام، لكن يبقى أن المؤمنين والشباب الأخيار، لا أقول: أنهم ألوف، ولا أقول: أنهم عشرات الألوف، بل أقول: إنهم مئات الألوف، فلو أن كل واحد منهم طبع ثلاثة أشرطة، ووزعها على أحبته أو أقاربه، لكان ذلك الأمر كافياً ومغنياً بحول الله تعالى وقوته، حتى يأذن الله تعالى بالفرج ويفتح المجال أمام هذه الأشرطة، وأرجو الله تعالى أن يكون قريباً غير بعيد.

    اللهم أعطنا ولا تحرمنا، اللهم أعِنَّا ولا تعن علينا، اللهم أكرمنا ولا تهنا، اللهم انصرنا على من بغى علينا، اللهم إنا نسأل للمسلمين في كل مكان أن تفرج عنهم يا حي يا قيوم، اللهم فك أسر المأسورين، اللهم أطلق سراح المعتقلين، اللهم أخرج المساجين يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك من كان فقيراً فأغنه يا حي يا قيوم، ومن كان جائعاً فأطعمه، ومن كان عارياً فاكسه، ومن كان ذليلاً فأعزه، ومن كان ضالاً فاهده يا ذا الجلال والإكرام، اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق، اللهم اجمع كلمتهم يا حي يا قيوم، اللهم وحد صفوفهم، اللهم ارزقهم سعة البال، اللهم ارزقهم سعة القلب، اللهم ارزقهم عمق النظرة، اللهم ارزقهم بعد التفكير، اللهم ارزقهم الصواب في أقوالهم وأفعالهم يا حي يا قيوم يا قدوس يا سلام يا ذا الجلال والإكرام.

    اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق، اللهم أصلح ذات بينهم، اللهم ألف بين قلوبهم، اللهم وحدهم يا حي يا قيوم، اللهم اجعل كلمتهم واحدة، اللهم اجعل رايتهم واحدة، اللهم اجعل طريقهم واحدة، اللهم أزل كل أسباب الفرقة والخلاف بينهم، اللهم من أراد أن يشتت شملهم أو يفرق صفهم يا حي يا قيوم فخذه أخذ عزيز مقتدر، وافضحه في عقر بيته يا ذا الجلال والأكرام.

    اللهم إنا نسألك لإخواننا المضطهدين في كل مكان أن تنـزل عليهم نصرك يا حي يا قيوم، اللهم أنـزل عليهم السكينة يا ذا الجلال والإكرام، اللهم فرج عنهم يا رب يا كريم، اللهم إنا نسألك للمسلمين في البوسنة والهرسك وفي الصومال وفي طاجكستان وفي أفغانستان وفوق كل أرض وتحت كل سماء، اللهم إنا نسألك للمسلمين في بلاد العرب وفي بلاد العجم وفي البلاد القريبة والبعيدة يا حي يا قيوم، اللهم كن لهم ولا تكن عليهم، وانصرهم على من اعتدى عليهم.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201]

    رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8] اللهم إنا نسألك علماً نافعاً وعملاً صالحا ورزقاً حلالا واسعاً يا ذا الجلال والإكرام، اللهم أصلح نياتنا وذرياتنا، اللهم أصلح أزواجنا يا حي يا قيوم رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [الفرقان:74] اللهم إنا نسألك لإخواننا الحاضرين خاصة، وقد مشت أقدامهم إلى هذا المكان الطيب إلى بيت من بيوتك يا حي يا قيوم، اللهم إنا نسألك أن تحرم وجوههم على النار رجالاً ونساءً كباراً وصغاراً يا حي يا قيوم، اللهم اكتب لهم الجنة والرضوان يا رحيم يا رحمان، اللهم اغفر لهم ذنوبهم، اللهم كفر عنهم سيئاتهم، اللهم ارفع درجاتهم، اللهم ثقل موازينهم، اللهم وفقهم لكل خير يا حي يا قيوم، اللهم أصلح ظاهرهم وباطنهم سرهم وعلانيتهم، اللهم ارزقهم المال الحلال الطيب المبارك يا حي يا قيوم، اللهم وفقهم للإنفاق في سبيلك.