إسلام ويب

مصدر عزة المسلمللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • عزة المسلم تحصل بمجرد إسلامه، ومن جوانب العزة: الإيمان وله عدة جوانب: العقيدة الصحيحة، والإيمان بالله ورسوله، وملائكته واليوم الآخر، والإيمان بأن المستقبل لهذا الدين، وعلينا صنعه بأيدينا. أما الجانب الثاني للعزة فهو وضوح الهدف ومعرفة العدو من الصديق. والجانب الثالث: هو نقاء الصف من المنافقين وفضحهم. والجانب الرابع والأخير: هو معرفة السنن الربانية في الصراع والمدافعة، وإحباط الله لعمل المفسدين، وقرب النصر، وتأييد الله لعباده بجنوده التي لا تحصى.

    1.   

    عزة المسلم تكتسب بمجرد إسلامه

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، قادنا إلى الهدى، وقادنا إلى العزة والكرامة، ونقلنا الله عز وجل به من درك الغواية، والذل والتفرق إلى قمة العز والمجد والوحدة، فجزاه الله تعالى عنا خير ما جزى نبياً عن أمته.

    عزة المسلم أيها الإخوة ليست مما يحتاج إلى تأكيد، فإن نصوص القرآن والسنة حافلة ببيان عزة المسلم، وأنه هو الأعلى بمجرد كونه مسلماً، من دون إضافة أي شيء آخر، بمعنى أن العزة للمسلم تنبع من ذاته، لا من الأشياء التي يمتلكها، فليست عزته بشبابه، أو قوته، أو صحته، أو منصبه، أو ماله، أو غير ذلك كلا، بل عزته تنبع من إسلامه، فإذا كان مسلماً، كان عزيزاً، ولذلك قال الله عز وجل وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:139] وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون:8] بغض النظر عن أي شيء آخر، وعن أي مواصفات أخرى، وهذا هو الذي فهمه المسلمون الأولون.

    قصة أسامة بن زيد

    وأكتفي هنا بضرب مثل واحد لكم، وهذا المثل حديث صحيح رواه الحاكم وغيره، في قصة أسامة بن زيد رضي الله عنه: {حينما ذهب حكيم بن حزام رضي الله عنه إلى السوق، فوجد حلة تباع -أي: ثوباً يباع- فقال: لمن هذا؟

    قالوا: هذه حلة ذي يزن ملك من ملوك اليمن، فاشتراها بخمسين ديناراً، ثم جاء بها إلى حبيبه وصديقه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأهداها إليه، فلبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصعد المنبر بها، فما رؤي من ذي حلة أجمل من رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، ثم خلعها صلى الله عليه وسلم -لأنه كان معرضاً عن الدنيا- وألبسها أسامة بن زيد حبه وابن حبه، فلبسها أسامة ومشى بها في السوق، فمر من عنده حكيم بن حزام قبل إسلامه، فتعجب وقال: أسامة بن زيد رجل كان أسمر دميم الخلقة، صغير السن، وأبوه كان مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كل هذا فيه، ومع ذلك يلبس حلة ذي يزن! فقال له أسامة بن زيد: نعم! والله لأنا خير من ذي يزن، وأمي خير من أمه، وأبي خير من أبيه}.

    إذاً: أسامة الشاب الذي لم يبلغ الخامسة عشرة من عمره يشعر على قلة ذات يده أنه أعظم منـزلة من ذي يزن ملك اليمن، لا لشيء، إلا لأن أسامة مسلم وهذا كافر، هذا هو الفارق بينهما، وهذا هو مصدر العزة بكل اختصار.

    1.   

    ربط العزة بقضية الإيمان

    ولا شك أن هناك جوانب يمكن أن نلقي عليها الضوء بشكل أكبر، وأكثر، وأوسع، وسأتحدث عن قضية الإيمان التي ربط الله عز وجل العزة بها.

    فلا شك أن من شروط الإسلام أن يؤمن الإنسان بأن هذا الدين الذي يدين به هو الحق ولا حق سواه.

    الإيمان بالعقيدة الصحيحة

    أولاً: يعتقد المسلم بأن اليهود على حق -مثلاً- أو النصارى على حق، أو الشيوعيين على حق، أو أي أمة، أو طائفة أخرى على حق، حينئذ يخرج من دائرة الإسلام، ويدخل في دائرة الكفر، فهذا اليقين العميق الراسخ بأن المسلم هو على الحق، وأن من عداه على الباطل، يجعله في موقف العزة التي لا تقبل الشك، ولا تقبل التردد، ولذلك تجد أن المؤمن من هذا المنطلق يشعر بالعزة في كل الظروف.

    أ- قصة موسى مع فرعون:

    إنَّ موسى عليه الصلاة والسلام ومن معه من أتباعه من بني إسرائيل، لما كان فرعون يطاردهم ويحاربهم، وكانت معه الجيوش الجرارة، والقوى الهائلة، والمؤمنون المسلمون مع موسى لم يكونوا يملكون من القوة إلا النـزر اليسير، مع ذلك يقول الله عز وجل له: لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى [طه:68] لا تخف يا موسى من قواهم، وإمكانياتهم، وبطشهم، ووسائلهم المادية، لأنه ما دام الله تعالى معك، فكل شيء ممكن، حتى الخوارق يمكن يجريها الله عز وجل لك، فمتى ما كنت متحققاً بهذا الشرط الإيماني لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا [طه:68-69] وكما قال الشاعر:

    إذا جاء موسى وألقى العصا      فقد بطل السحر والساحر

    فهم يكيدون، ويخططون، ويجمعون، ويتألبون، ويتنادون، ويتداعون، ويرسمون، ويدرسون، ويفعلون، كما قال تعالى: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً [الطارق:14-17].

    ب- قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام:

    هذه القوة والعزة يشعر بها إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين يلقى في النار؛ لأن الإيمان في قلبه راسخ رسوخ الجبال الراسيات، فلا يبالي بهم ويقول: أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الأنبياء:67] قوة، إمكانيات مذهلة، النار تتأجج، حتى يلقى إبراهيم في النار، أي إنسان عنده تردد، أو تلجلج في إيمانه، قد يخشى لأنه الآن يلقى في النار، يوضع في المنجنيق، ليقذف في النار، لم يبق شيء، وضعفاء الإيمان حينئذ قد يتساءلون لماذا لم تتدخل القدرة الإلهية؟!

    لكن ربك عز وجل حكيم عليم يجري قدره متى شاء، ويلقى إبراهيم في النار في تلك اللحظة، فيأتي قدر الله قال تعالى: يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69] فيكونون هم الأخسرين الأسفلين، ويكون إبراهيم هو القوي العزيز بإذن الله تعالى، قال الشاعر:

    sh= 9901241>خذوا إيمان إبراهيم تنبت لكم في النار جنات النعيم

    جـ- محمد صلى الله عليه وسلم:

    محمد عليه الصلاة والسلام يقوم ليعلن دعوته في قريش، يا صباحاه، يا صباحاه، فيجتمع إليه الناس فيقول: إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، ومنذ ذلك الوقت أصبحت الدنيا كلها معسكرين، الأول فيه محمد صلى الله عليه وسلم، ليس معه إلا أناس لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة، والدنيا كلها في معسكر آخر، تحالف عالمي، الفرس والروم والهند، والسند، والصين، وكل الدنيا، بل حتى قريش والعرب التي بعث فيها النبي صلى الله عليه وسلم هي مع المعسكرات الغربية والشرقية ضد نبينا صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك يدير الله عز وجل أمور الكون، وينقل نبيه صلى الله عليه وسلم من نصر إلى نصر، ومن عز إلى عز، ومن تمكين إلى تمكين، حتى لم يمت عليه الصلاة والسلام، حتى أنـزل الله عز وجل قوله: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً [النصر:1-3].

    د- امرأة فرعون وماشطة ابنة فرعون:

    قد يقال هؤلاء الأنبياء، فنقول وأتباع الأنبياء أيضاً، هذه امرأة فرعون، امرأة في قصر الطاغية فرعون تعرض عن زينة فرعون، ودنياه، وجاهه، وماله، ومنصبه، وترفع رأسها إلى السماء، قال تعالى: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [التحريم:11] وأعجب من ذلك ماشطة بنت فرعون، ولها قصة، رواها ابن عباس وغيره، وهي عجب من العجب، أن ماشطة بنت فرعون كانت تمشطها فسقط المشط من يدها فقالت: بسم الله، فرفعت البنت رأسها، وقالت: أبي، الله أبي، قالت: لا ربي وربك ورب أبيك الله رب العالمين، فقالت: أخبر والدي بهذا، قالت: أخبريه، فجاءت إلى أبيها وقالت: الماشطة تقول كذا وكذا، فدعاها فقالت: نعم، ربي وربك الله، امرأة تتحدى أكبر طاغية في التاريخ!! وما انتهى التحدي عند هذا الحد كان لها أطفال، فأحضر الطاغية الجبار قدراً نقره من نحاس وأوقد عليه حتى أصبح جمرة تتلهب محمرة، ثم أخذ ابنها من على كتفها ليلقيه في هذا القدر، فينحلس فيه كما تنحلس الحبة، وما هي إلا لحظة حتى يتجمع ويتمزق وينتهي، ويصبح فحمة سوداء، فتقول له بكل ثبات: لي إليك حاجة، قال: ما حاجتك؟

    قالت: أن تجعلني وأولادي وعظام أولادي في قبر واحد، قال: ذلك لك علينا من الحق، ليس هناك مانع، ثم يأخذ الآخر، ويجره وقد أمسك بثوبها، فيلقي به -أيضاً- في القدر، أي صبر هذا؟!

    ثم يأخذ الثالث ليلقي به على أثره قال تعالى: وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:10-14] وأدرك فرعون شؤم هذه الفعلة الشنعاء، وما ماثلها من الأفعال الشنيعة التي تجلى فيها طغيانه، فإذا الله عز وجل يأخذه أخذ عزيز مقتدر، قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102].

    هـ- قصة أصحاب الأخدود والغلام المؤمن:

    قصة أصحاب الأخدود والغلام المؤمن، وهي في الصحيح، الغلام يكون على كتف أمه، فلما ترددت بعض التردد أن تلقى في هذه النار، يقول: يا أماه اصبري، فإنك على الحق، فتصبر ويلقى بها وبولدها في هذه النار، وفي النهاية يكتب الله عز وجل لهم النصر، فكانوا منتصرين، وسر انتصارهم هو أنهم يموتون على الإسلام.

    إنَّ النصر الدنيوي المادي -أيها الإخوة- قد يتحول إلى هزيمة، والمنتصر الغالب اليوم قد يهزم غداً، لكن هذا النصر الذي حققته ماشطة بنت فرعون، أو امرأة فرعون، أو حققه المؤمنون الذين ألقوا في الأخدود، بالله عليكم هل هذا النصر يمكن أن يتحول إلى هزيمة يوماً من الأيام؟!

    كلا والله، لقد أصبحوا معالم على مدى التاريخ، تقول للناس: إن العقائد الراسخة العميقة في النفوس والضمائر، لا يستطيع الحديد والنار أن يفلها بحال من الأحوال، هذا هو النصر، قال تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر:51-52].

    و- قصة خبيب بن عدي:

    ومن هذه الأمة والأمثلة من هذه الأمة كثيرة: خبيب بن عدي رضي الله عنه حين أمسك به المشركون من قريش، وأسروه، ثم جاءوا به ليقتلوه ويصلبوه على جذع نخلة في مكة، تلفت فلم يجد حوله إلا شانئ معارض مبغض، وهو رجل وحيد أعزل، مكبل بالقيود ليضرب الآن بالسهام فما الذي فعل؟!

    هل ضعف؟

    أبداً، استأذنهم أن يصلي ركعتين فصلى ركعتين، ومن ذلك سن صلاة ركعتين عند القتل، ثم قام، وتلفت إليهم، يقول وهو ينظر إليهم:

    لقد جمع الأحزاب حولي وألبوا     قبائلهم واستجمعوا كل مجمع

    وكلهم مبدي العدواة جاهد     عليَّ لأني في وثاق بمضيع

    وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم      وقربت من جذع طويل ممنع

    يتفرجون على هذا المشهد:

    إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي     وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي

    فذا العرش صبرني على ما يراد بي     فقد بضعوا لحمي وقد ياس مطمعي

    وقد خيروني الكفر والموت دونه     وقد هملت عيناي من غير مجزع

    ما بكى خوفاً من الموت، أبداً:

    وما بي حذار الموت إني لميت     ولكن حذاري جَحْمُ نار ملفع

    ولست أبالي حين أقتل مسلماً     على أي جنب كان في الله مصرعي

    وذلك في ذات الإله وإن يشأ     يبارك على أوصال شلو ممزع

    ولست بمبد للعدو تخشعاً     ولا جزعاً إني إلى الله مرجعي

    ز- عزة المسلم على مدار التأريخ:

    من الذي أثبت صلابته على مدى التاريخ؟!

    هذا تاريخ الدنيا مكتوب كله، قولوا لنا أي أمة، أي شعب، أي ملة من الملل، تملك من البطولات، وتملك من الصبر، وتملك من التضحية، وتملك من الجهاد، مثلما يوجد في رصيد هذه الأمة؟!

    نتحدى الدنيا كلها من يتحملون عقائد، وملل، ونحل، وينتحلون مذاهب من العلمانية، والقومية، والحداثية، والشيوعية وغيرها، لكن هؤلاء ما أسرع ما يدخلون في جحورهم ويهربون، أما المؤمنون فهم أصبر الناس عند المصيبة، وأكثرهم تحملاً لما يلقون في ذات الله عز وجل، لأن العزة تنبع في قلوبهم، فلا حيلة في دفعها.

    وكيف لا يكون المؤمنون أعزة، وهم يملكون هذا الإيمان الراسخ العميق بدينهم، في الوقت الذي تجد أصحاب الأديان، والملل، والنحل الأخرى، والمناهج الأرضية، يعيشون غيابة الفكر، في يوم من الأيام اكتسحت الناصرية الأمة العربية، وفي يوم آخر اكتسحت القومية، وصار المنادون بها كثراً، وصدرت الكتب والمجلات، وعقدت المؤتمرات والقيل والقال، لكنهم لما جاءوا ليتحدثوا عن القومية -مثلاً- عقدوا مؤتمراً لبحث القومية ما هي القومية، وفي النهاية عجزوا، فمن الطرائف والنكت أن واحداً منهم، قال لهم: القومية شيء جيد كثيراً، هذه هي القومية، إذن ليس عندهم فكر يجمعون الناس عليه، ليس عندهم تصور صحيح يلتئمون حوله، أحياناً تجمعهم الأهداف والمطامع الدنيوية، وكل غريب للغريب نسيب، وأحياناً يجمعهم أنهم من الشذاذ الذين رفضتهم الأمة، وتخلت عنهم يوم تخلوا عنها، ودانوا بدين غير دينها، فاجتمعوا ووحدهم الهم الواحد، لكنهم سرعان ما يتفرقون، لأنهم لا يحملون فكراً معيناً، ما هو الفكر، وما هي الفلسفة التي تحملها أمريكا التي تتزعم العالم اليوم؟!

    هل عند أمريكا دين تدعو إليه؟!

    هل عند أمريكا فلسفة واضحة للحياة؟!

    أبداً، عندهم المصلحة، والمنفعة، واللذة، والشهوة، هذا كل ما لديهم، هذه أمورهم وحولها يدندنون.

    حـ- المسلمون لديهم منهج حياة:

    إذاً: ليس لدى غير المسلمين منهج، أما نحن المسلمين فنفتخر بأننا نعلم تفاصيل الحياة على ضوء كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، حتى قال يهودي لـأبي الدرداء كما في الصحيح: {علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة؟ قال: أجل لقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو نستنجي برجيع أو عظم، أو نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار} أي: أجاب أبو الدرداء على هذا الاستفزاز بجواب مناسب، اليهودي أو المشرك يسخر من أبي الدرداء حتى قضاء الحاجة الرسول عليه الصلاة والسلام قال لكم كيف يكون هذا، قال له: نعم أنت تسخر، لكن هذا حقيقة، حتى هذه القضية الإسلام نظمها وهذبها، وجعل هناك ضوابط تضبطها من عدم استقبال القبلة، وعدم استدبارها، وطريقة الاستجمار، إلى غير ذلك، فما بالك بشئون الحياة الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والعلمية إلى آخرها، الذي نظم هذا الأمر اليسير هل يمكن أن يغفل عما هو أكبر منه؟!

    كلا، ثم كل هذه الأشياء لم تكن خاصة بمرحلة زمنية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، بل ظلت الأجيال تتوارثها، حتى أنك لما تقرأ كتب سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تجد أدق التفاصيل وأعجبها، مثلاً كم شعرة بيضاء في لحية الرسول عليه الصلاة والسلام هذا مضبوط، وكيف كان لباس الرسول عليه الصلاة والسلام هذا مضبوط، وكيف يحرك أصبعه في الصلاة هذا مضبوط، وطريقة الركوع، والسجود، بل ما هو أعجب من ذلك، كيف كان يغتسل الرسول عليه الصلاة والسلام، كيف كان يتوضأ، كيف يكون مع أهله في الفراش، فضلاً عن قضية إدارة الحروب، والمعارك، وهو في حال السلم عليه الصلاة والسلام، والسفر والإقامة، والعبادة، وأمور الدنيا، والبيع والشراء، والأخذ والعطاء، إلى غير ذلك كل شيء مضبوط.

    إذاً: دين مهيمن على كل شئون الحياة، ولكل مراحل التاريخ، أفلا يحق لمن يملك هذا التصور الواضح أن يعتز ويفتخر به حين يجد أن أمم الدنيا كلها لا تمتلك أي فكر على الإطلاق، إلا فكراً محدوداً بمرحلة من الزمان، ومرحلة من المكان، وإيانا وإياكم أن ننخدع بلحظة محدودة.

    ط- اندثار الشيوعية:

    خذ الشيوعية: مضى على الشيوعية أكثر من خمسين أو ستين سنة، والناس يتخيلون أن الشيوعية أصبحت مبدأ قوياً صلباً له وجوده وله كيانه، فإذا بها بعد ذلك تسقط وتنهار في لحظة من نهار، حتى إنه في أحد المعارض في ألمانيا، معرض للصور، أحد الفنانين رسم مُنَظِّر الشيوعية - كارل ماركس - وهو يخاطب الرفاق، ويقول لهم: عفواً أيها الرفاق إنها كانت مجرد فكرة، يقول: أنتم كبرتموها قليلاً، وما كنت أقصد أن الشيوعية بهذا الحجم، إنما كانت مجرد نكتة، وأنتم أخذتموها بالجد، وعظمتموها، واعتمدتموها، حتى أصبحت شيئاً، والنهاية انكشفت وانهارت، إذاً: العالم لا يملك شيئاً، لكن نحن المسلمين نملك على الأقل المنهج الصحيح.

    الإيمان بالله ورسوله

    من جوانب الإيمان التي تغرس العزة في المسلم: إيمان بالله عز وجل يجعله يستقي من مصدر العزة، قال تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون:8] كذلك إيمانه بالمرسلين مثلاً يجعله أيضاً يحس بأنه في موكب قادته هم قادة البشرية، فهو من أتباع موسى، وعيسى، ونوح، وآدم وغيرهم من أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، وهو على نهجهم، وعلى طريقتهم، وملتهم، ودينهم، وعقيدتهم واحدة لا تتغير.

    الإيمان بالملائكة

    حين تنظر إلى قضية الملائكة، فإن الملائكة مصدر عزة، فإن كنتم تكاثروننا بالبشر، وتقولون -مثلاً- أمريكا كذا مائة مليون، أو روسيا كذا مائة مليون! فعندنا نحن رصيد من الملائكة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وفيه ملك واضع جبهته لله عز وجل أو راكع أو قائم} فإذا كانت القضية قضية عدد، فهؤلاء الملائكة من يحصيهم؟!

    والبيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، قال تعالى: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر:31] ثم ليس هؤلاء مجرد أرقام، هؤلاء ملائكة، وهم مسخرون بالدعاء للمؤمنين، قال تعالى: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [غافر:7] إلى آخر الآيات، أما هؤلاء الأرقام التي تفاخروننا بها من الروس، والأمريكان، واليهود، والنصارى، والبعثيين، إلى آخره، فهؤلاء أرقام بلا رصيد، فهم مثل الأصفار، أرأيتم لو أن إنساناً جمع أصفار الدنيا كلها، هل تصل إلى أن تصبح رقماً واحداً صحيحاً؟!

    أبداً، فلو ملأتم الدنا ما عدلتم مؤمناً، فالصفر صفر، وليس هناك فائدة في كثرة العدد إذا كانت أصفاراً لا تنفع.

    الإيمان باليوم الآخر

    إذا نظرنا إلى الإيمان باليوم الآخر، نقول: مد نظرك لا تقتصر على الدنيا، هل تفاخرنا أن الروس مكنوا خمسين سنة، أو الأمريكان ستين، أو مائة سنة، أو مائتين سنة، تفاخرونا بهذا! نحن نفترض لك بأنهم مكثوا في الدنيا كل الدنيا، أليس عندنا الآخرة؟!

    أنا لا أدعو إلى ترك الدنيا والغفلة عنها؛ لأننا متعبدون بالجهاد في هذه الحياة، متعبدون بإقامة دين الله عز وجل على هذا الوجود، متعبدون بقيادة البشرية كلها، هذا لا شك فيه، لكنني أريد أن ندرك أن مصدر العزة ليس مجرد كوننا متقدمين، أو متحضرين، أو كوننا نمتلك الصناعة، والتقنية، لا،مصدر العزة أمر وراء ذلك، فإذا كانت لهم الدنيا -جدلاً- فإن لنا الآخرة، ويجب أن نحرص نحن المسلمين على أن تكون لنا الدنيا والآخرة، هذه هي الأصول.

    أولاً: قضية الجهاد:

    إنَّ قضية الجهاد في سبيل الله عز وجل تدخل في موضوع الإيمان بالآخرة، لأن المؤمن يجاهد فيفقد آخر ما يملك في الدنيا، ومع ذلك تجده يقدم نفسه بكل بسالة وإقدام، وكثيراً ما أقف -أيها الإخوة- وأتعجب من قصة حرام بن ملحان التي رواها البخاري في صحيحه، وكثيراً ما أوردها من باب الحب:

    أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره      هو المسك ما كررته يتضوع

    فهذا الصحابي الجليل يطعنه رجل من خلفه بالخنجر، فيفور الدم من بطنه، فماذا صنع؟

    الزوجات، والإماء، والأموال، والأملاك، والدنيا، والعمر، كلها راحت، هل فقد العزة؟

    هل ندم؟

    أرأيتم أي إنسان مثلاً شيوعي، أو علماني، أو بعثي، إذا فقد الدنيا ماذا بقي له؟

    ما بقي له شيء لأن كل همه على هذه الدنيا، ولهذا يقول:

    خذ من الدنيا بحظ     قبل أن ترحل عنها

    فهي دار لست تلقى     بعدها أطيب منها

    أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، لكن المؤمن يموت وهو يـبتسم، كما قال الشاعر:

    sh= 9901255>آية المؤمن أن يلقى الردى باسم الوجه سروراً ورضا

    ولست أبالي حين أقتل مسلماً     على أي جنب كان في الله مصرعي

    فـحرام بن ملحان رضي الله عنه لما طعن استقبل الدم بيديه، ثم رشق الدم على رأسه ووجهه، وقال: [[فزت ورب الكعبة الله أكبر]] وفي بعض الروايات أن الذي قتله هو جبار بن سلمى، وقيل إنه عامر بن الطفيل، المهم إن كان جبار بن سلمى، فتقول بعض الروايات: أنه بدأ يفكر في معنى: فزت ورب الكعبة، فاز بماذا؟!

    إن الرجل قد مات وانتهى، وهذا ليس تمثيل الآن، فالرجل يتكلم عن صدق وحقيقة، فهداه هذا إلى الله عز وجل فأسلم.

    وكيف لا يكون الأمر كذلك، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيحين أيضاً في أحاديث كثيرة مثلاً: {موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها} ويقول: {غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها} ويقول: {قاب قوس أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها} ويقول: {لو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت على أهل الأرض لأضاءت ما بينهما -ما بين المشرق والمغرب- ولملأته ريحاً، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها} ما رأيك في الذي يؤمن بهذه المعاني، هل يخسر شيئاً إذا فقد الدنيا؟!

    ولذلك انظر كيف يسارع المؤمنون إلى الموت، وكأن الواحد منهم سيلقي حبيباً عزيزاً طالما اشتاق إلى لقائه: [[واهٍ لريح الجنة، إني لأجد ريحها من دون أحد]] يقطع إرباً إرباً وهو يبتسم، إنَّ هذه معجزة، هذه آية من آيات الله عز وجل لا يملكها شيوعي، ولا علماني، ولا حداثي، ولا يهودي، ولا نصراني، لأن هؤلاء القوم ليس عندهم غير هذه الحدود الأربعة، أو الستة، ليس عندهم شيء وراء هذه الدنيا، ولذلك يغرقون في اللذة؛ لأنه ليس عندهم غيرها، المؤمن يمكن أن يؤجل لذة الدنيا؛ لأنه يطمع في لذة الآخرة، وأنتم تعلمون أن الله عز وجل أباح من اللذات من الحلال ما يغني عن الحرام، لكن ما دام أن نساء الجنة بالشكل الذي وصفه الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد آمنا به وصدقناه، وشهدنا بأن ما جاءنا به حق {أنه لو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض، لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحاً، ولنصيفها على رأسها -الخمار والطرحة إن صح التعبير- خير من الدنيا وما فيها} من يوم خلقت الدنيا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

    الإيمان بمستقبل الإسلام

    من مصادر العزة فيما يتعلق بموضوع الإيمان أيضاً قضية الإيمان بمستقبل الإسلام، مع أن هذا كله من مصادر العزة، وهي أمور ترتبط بالآخرة، وبالإيمان بالله عز وجل وملائكته، وكتبه، ورسله، مع ذلك فإن من مصادر العزة إيماننا بأن المستقبل لهذا الدين، بأن المستقبل للإسلام، أما المستقبل الأخروي -فكما ذكرت لكم وأسلفت- لكن حتى المستقبل الدنيوي هو للإسلام، وليس بالضرورة حين أقول المستقبل للإسلام أنه أنا أو أنت لا بد أن نرى هذا بأعيننا، هذا ليس شرطاً، لأننا لسنا نحن الذين نملي ما يجب أن يكون، قال تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ [القصص:68] المهم أن الدين الذي نحمله هو الغالب المنتصر، قال تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات:171-173] فحتى المستقبل في هذه الدنيا هو للإسلام، ولهذا الدين.

    في آخر الدنيا هناك البشارات النبوية التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم، من نـزول عيسى ابن مريم، وخروج المهدي، وجهاد المؤمنين معهم، وقبل ذلك هناك بشائر وبشائر، وبشائر كثيرة، وقد ذكرت لبعض الإخوة موقفاً -أيضاً- من المواقف التي يجب أن نقف عندها.

    ففي الصحيحين، يقول الرسول عليه الصلاة والسلام، في حديث ابن عمر: {تقاتلون اليهود، حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي ورائي تعال فاقتله} هذا حديث متفق عليه، لكن هناك رواية في هذا الحديث في غاية العجب، ذكرها الطبراني والبزار وأبو نعيم وغيرهم عن نهيك بن سريج، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا المشركين على نهر بـالأردن، أنتم شرقي النهر وهم غربيه، حتى يقاتل بقيتكم المسيح الدجال} على نهر بـالأردن، إذاً: هناك تحديد، وهذا حديث حسنه الهيثمي والغماري، ومن ضعف الحديث فما أصاب، لأن هذا الحديث ضعفه ليس شديداً، والواقع يقويه، وينطق بأنه حديث صحيح بلا شك، ولا ريب، لأن الراوي يقول: [[ولم أكن أدري أين الأردن يومئذٍ]] إذاً هناك جولة قادمة منتصرة، هذه والله الذي لا إله غيره نقول ولا نستثني: إنها آتية، ولكن لا يمنع -أيضاً- أن هناك جولات، وجولات، وجولات يكون الإسلام فيها هو الغالب المنصور، وكم كاد الأعداء، وحاولوا فكان كيدهم في مصلحة الإسلام، وهذا أمر معروف على مدى التاريخ، كانوا يكيدون ويضعون التدابير والمكر بدون أن تأتي النتائج، وهذا المكر كله كان في مصلحة الإسلام والمسلمين.

    ثانياً: اختيار الله لأمة العرب:

    في موضوع مستقبل الإسلام هناك النصوص العامة، قال تعالى: الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود:49] وقال تعالى: وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132] وقال تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [غافر:51] وقال تعالى: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ [ص:88] إلى غير ذلك، وكذلك الأحاديث، وقد نتحدث عنها في مناسبة خاصة.

    ولكن هناك أيضاً نصوص خاصة أرى أن من المهم أن نتحدث عنها، خاصة في هذه الظروف التي تعيشها بلادنا في هذه الأيام، فإن الله عز وجل يخلق ما يشاء، ويختار من الأمم من يشاء، ويختار من البلاد ما يشاء، فلا نشك في أن الله عز وجل اختار أمة العرب وفضلها، وهذا الكلام يجب أن يكون موضع اتفاق، نحن نقول العرب لا لأنهم عرب، لكن لأن الله عز وجل جعل الرسالة فيهم، ولو تخلو لاختار الله عز وجل من غيرهم من يقوم بهذه الرسالة، قال تعالى: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [الأنعام:89] لكن الأمة العربية التي بعث فيها الرسول صلى الله عليه وسلم كانت من أكثر الناس إخلاصاً لهذا الدين ودعوة إليه، ولا يزال المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، يكنون لهذا الجنس من الاحترام والتقدير ما لا يكنونه لغيره، ولذلك قال معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه كما في سنن أبي داود: [[والله يا معشر العرب، إن لم تقوموا بهذا الدين، لغيركم أجدى أن يقوم به]] فضلاً عن أن الرسول عليه الصلاة والسلام خص قبائل بأسمائها وأعيانها، أنَّ لهم دوراً تاريخياً مشهود.

    ثالثاً: جزيرة العرب هي جزيرة الإسلام:

    أذكر منها قصة بني تميم لما قال أبو هريرة رضي الله عنه أن فيهم خصالاً ثلاثاً: لا أزال أحبهم بعد ثلاث سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها: {أنهم أشد أمتي على المسيح الدجال}.

    إنَّ هذه الأمم، وهذه الشعوب، وهذه القبائل، وهذه الأجناس التي أخلصت الولاء للإسلام في الماضي، هي نفسها مخلصة للإسلام في الحاضر والمستقبل، لا شك في هذا ولا ريب، فالله عز وجل قد اختارها لهذا الدين، وكذلك هذه البقاع التي تقطنها تلك الأمم، وتلك الشعوب، وتلك الأجناس، وتلك القبائل، هي بلاد الإسلام، منها بدأ وإليها يعود.

    والكلام فيه أحاديث كثيرة، أذكر منها -مثلاً- قول الرسول صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة، كما في حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء، أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بـالحزورة لما أخرج من مكة، فالتفت إلى مكة وقال: {والله إنك لأحب البلاد إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت} وقال تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ [القصص:85] الدجال حين يخرج لا يدخل مكة ولا المدينة، الجزيرة العربية كم فيها من النصوص؟

    {إن الدين ليأرز بين المسجدين} يأرز أي: كلما ظلم الدين في الدنيا كان مرجعه بين المسجدين، يتردد بين المسجدين، بين مكة والمدينة، حتى إن أهل العلم أو بعضهم لما ذكروا البيت العتيق، قالوا: إنما سمي البيت العتيق بهذا الاسم؛ لأنه لم يظهر عليه جبار قط، وهذا هو التاريخ ينطق، حتى أنه في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح مسلم: {إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب} هذه جزيرة الإسلام، هذه أرض الإسلام، وهذه هي القضية التي أود أن أركز عليها دائماً وأبداً، وأن تكون عقيدة مستقرة في نفوسنا، وأن نملأ مجالسنا، نملأ أفواهنا، ومنابرنا، ومجالسنا، وكتبنا، ومحاضراتنا، بالحديث عنها، يجب أن يدخل أعداء الإسلام في جحورهم، لا مكان لهم في هذه الجزيرة، فإن أحبوا أن يكونوا مع المسلمين في استقامتهم وصلاحهم ودينونتهم لله عز وجل فأهلاً بهم وسهلاً، وأما إذا أصروا فعليهم أن يخنسوا، ويدخلوا في جحورهم، فإن هذه الجزيرة لم تخلق لغير الإسلام.

    ثالثاً: راية التوحيد في الجزيرة مرفوعة:

    تصفح تاريخ هذه الجزيرة منذ أن بعث الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، لا يكاد يوجد وقت إلا وتجد في هذه الجزيرة لا أقول راية، بل رايات مرفوعة تنادي بالتوحيد الخالص، تنادي بالإسلام الصحيح، تنادي بالدعوة إلى الكتاب والسنة، وتجمع الناس على كلمة الحق، هذه جزيرة الإسلام منها بدأ وإليها يعود، وأهل هذه البلاد هم أهل الإسلام، والأحداث تثبت هذا، فإن أهل هذه البلاد يحملون بحمد الله من صدق العواطف، وقوة الغيرة، والغضب لله ولرسوله، الشيء الكبير، ولست أُهوِّن من شأن غيرهم، ففي كل بلاد المسلمين خير كثير، ولكن الواقع الذي أجد نفسي مضطراً أن أقوله في هذا الوقت، ومحتاجاً أن أقوله، إن كثيراً من البلاد قد فعل فيه الاستعمار فعله، ووجد من أبناء تلك البلاد من يجعلهم صنائع، -طابوراً خامساً يقومون بالنيابة عنه بتنفيذ مخططاته- أما في بلادنا فقد فشل، وأصبح هؤلاء الذين -أحياناً- يربيهم الأعداء في جامعاتهم، ومؤسساتهم، إذا عادوا عادوا إلى أصالتهم، عادوا إلى جذورهم، -كما يقال- استقاموا على الطريقة، نبذوا تلك الأفكار، وصاروا ينظرون إلى تاريخهم الأسود الماضي نظرة ازدراء واحتقار، أما الذين أصروا على ما هم عليه، فلا يزال الناس ينظرون إليهم بريبة وشك، وينتظرون اليوم الذي يفضحهم الله تعالى فيه على رءوس الخلائق، لتبين حقيقة الدعوات التي ينادون بها.

    الجزيرة العربية أرض الإسلام، لن تحكم هذه الجزيرة بغير الإسلام، يجب أن نشيع هذا؛ حتى يدرك الجميع أن الخطر ليس على الإسلام، فهذا دين الله عز وجل والله تكفل به، ومنذ أربعة عشر قرناً تحطمت على صخرة الإسلام حركات ودعوات وأمم وتيارات، أين التتار، والمغول، والصليبيون، وغيرهم من الأمم التي كانت أشبه ما تكون بالسيول الجارفة.

    رابعاً: للدين رب يحميه ولكن!

    هذه جزيرة الإسلام، منها بدأ الإسلام وإليها يعود: {وإن الدين ليأرز بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها} وهاهو التاريخ يشهد، هذا أبرهة يأتي إلى الكعبة، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ [الفيل:1-5] لمن ترك الله عز وجل أمر الدفاع عن البيت؟!

    هل تركه لـعبد المطلب ومن معه من قريش؟!

    لا أبداً، لم يتركه لهم، وهم رغم أنهم كانوا كفاراً كانوا يعرفون هذا، ولهذا كان عبد المطلب مشغولاً بقضية شخصية، أخذتم إبلي، ردوا علي إبلي، قالوا: هذا البيت الذي هو تراثك، وتراث آبائك، وأجدادك، قال: أنا رب الإبل، وللبيت رب يحميه، ينبغي أن يكون عندنا هذا الشعور، للدين رب يحميه، لا يجب أن نخاف على الإسلام، لكن يجب أن نخاف على أنفسنا من أن نقصر في واجبنا، أو ننحاز عن هذا الدين، أو نضعف في حمله فيسلط علينا، أما هذا الدين فلا خوف عليه، لأن الله عز وجل قد تكفل بطائفة تحمل هذا الدين، وحين أقول تكفل بطائفة تحمل هذا الدين، لا أعني أن ناموا ملء جفونكم، لأن الله عز وجل لن يتكفل بهذا الدين بواسطة ملائكة ينـزلون من السماء فحسب، بل تكفل بهذا الدين بواسطة أنه يحرك همم المؤمنين لحمل الراية، والدفاع عن الدين في كل زمن وحين، فكما أنه عز وجل تكفل بحفظ القرآن، فحرك همم الصحابة رضي الله عنهم لجمعه وتدوينه ووضعه في المصحف حتى لا يضيع، فكذلك أمر الدين لا يعني كونه منصوراً أننا ننام، فهو منصور على يدي ويدك والثالث والرابع والخامس، ولذلك كل امرئ منا على ثغرة من ثغور الإسلام، ويجب أن نصنع مستقبل الإسلام بأيدينا.

    خامساً: سنة الله الكونية:

    إن الكلام السابق يجب أن يقال، وكل شيء بيد الله عز وجل والأمور بقضاء وقدر، لكن في هذا الكون سنن ونواميس يجب أن نعيها، يجب أن نصنع مستقبل الإسلام بأيدينا، لا نقف متفرجين تجاه أي قضية، اصنع ما بيدك، اصنع ما تستطيع، وأنت تستطيع أن تصنع الشيء الكثير.

    إذا كان أبرهة هذا في غابر التاريخ، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر أنه في مقبلات الأيام يحدث أمر كما حدث لـأبرهة وجيشه، ففي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يغزو جيش الكعبة حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأولهم وآخرهم -وفي رواية- ولا ينجو منهم إلا الشريد الذي يخبر عنهم، فقالت أم سلمة: يا رسول الله كيف يخسف بأولهم وأخرهم، وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم} إذاً سنة الله عز وجل، والعادة التي عودناها رب العالمين باقية، فأمر الدفاع عن هذا الدين، وعن هذه البلاد، هو إلى الله عز وجل ونحن أدوات يحقق الله عز وجل بنا ما يشاء من قدر.

    ومن هذا المنطلق منطلق الإيمان، منطلق هذه الجزيرة التي جعلها الله عز وجل لهذا الدين، منطلق هذه الشعوب، والأمم، والقبائل التي اختارها الله عز وجل واجتباها واصطفاها، نجد اليوم أنها على ما بها، هي أنقى البلاد، وأصفاها، وأكملها، ومجتمعنا بحمد الله لا يزال نسبياً يحتفظ بقدر طيب من أخلاق الإسلام، وعقائد الإسلام، وصفاء الإسلام، وإن كنا يجب ألا نكثر من الدندنة حول هذا الموضوع، لأننا -أحياناً- نعطي الموضوع أكبر من حجمه، وكأننا ننظر إلى الوراء، ننظر إلى ماضٍ عشناه أبداً، ينبغي أن ننظر إلى واقعنا، وأن نكون كالجنود الذين كل واحد منهم مرابط حارس ينتظر من أي جهة يأتيه العدو.

    1.   

    حماية الجبهة الداخلية (المرأة)

    قضية ما يسمى بحماية الجبهة الداخلية، وأعني بها المرأة، فالمرأة أصبحت هدفاً في هذه البلاد لسهام الأعداء، وإذا كان الأعداء من العلمانيين، ومن اليساريين، وبشكل أعم من المنافقين المندسين في هذا المجتمع، وهم قوة ضاربة في هذا المجتمع، وفي كل مجتمع، حتى في مجتمع الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا موجودين، وقد هددهم الله عز وجل، قال تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً [الأحزاب:60-61].

    فهم كما قال الله عز وجل: بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ [التوبة:67] ويتناصرون في هذا الأمر، ولهذا قال (بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) يعني هم عبارة عن شبكة، أو حزب، أو تنظيم سري.

    إن المنافقين اجتمعوا لا على هدف، كما ذكرت في البداية، ولا على مبدأ، إنما اجتمعوا على الحرب للإسلام، ومحاولة إزالة التميز الذي يتميز به هذا المجتمع، إزالة الخاصية التي هي الإسلام، وجعل هذا المجتمع نمطاً من أنماط المجتمعات الغربية أو الشرقية.

    المنافقون والمرأة

    لا شك أن المرأة أصبحت اليوم هدفاً كبيراً، وذلك لأن المنافقين يدركون أنهم متى نجحوا في اقتحام حصوننا من داخلها، وتفتيت الجبهة الداخلية، وتخريب البيوت، نجحوا في نـزع العزة الإسلامية، لأن الرجل الذي يجد وراءه في المنـزل امرأة لا يثق بها، لن يكون شجاعاً بحال من الأحوال، لأنه يخشى أن تخونه في نفسها، وفي ماله، ويخشى أن تسيء تربية ولده، لكن إذا وجد امرأة، إذا ظهر لها منه بعض الضعف، أو التردد قالت له: اذهب إلى الجهاد، فإن وراءك رجلاً وليس امرأة، فإنه يندفع حينئذٍ، وإذا وجد وراءه امرأة تودعه عند باب المنـزل، وتقول أسأل الله عز وجل أن ألتقي بك في خيمة من خيام الجنة، فإن هذا الرجل سوف يجد من القوة والاندفاع الشيء الكبير.

    المنافقون وتمزيق الأمة والمجتمع الواحد

    إن المنافقين يدركون أنهم يستطيعون أن يؤثروا في عزة المسلم من خلال تحطيم الجبهة الداخلية، من خلال تفتيت هذه الجبهة، ولا شك أنه كما يقول الشاعر العربي:

    وظلم ذوي القربى أشد مضاضة      على المرء من وقع الحسام المهند

    إذا كان الإنسان يعيش مشكلة في بيته، مع أخته، مع زوجته، مع بنته، هذا الإنسان كيف يواجه الناس؟!

    سيقول كيف أحارب في الخارج وبيتي في الداخل يحاربني؟!

    أنا أحوج أن أحارب في الجبهة الداخلية، وهذا نوع من المشاغلة -أيضاً- مشاغلة المؤمنين بأوضاعهم الخاصة، وهمومهم القريبة عن العدو الخارجي المتربص، ولذلك كانت خطط التغريب والتخريب في هذا المجتمع ذات أهداف بعيدة لتمزيق المجتمع وتفتيته، وجعله طوائف، وأمماً، وتجمعات، وعداوات، وهذا خطر ينبغي أن ندركه، فإننا مستهدفون في هذا الوقت بالذات، وكأن خططهم تتجه إلى محاولة تمزيق المجتمع، بعد أن زرعوا العدوات بين الدول انتقلوا إلى زرع العداوات بين الشعوب.

    إبراز قضايا تافهة للأمة

    وهم الآن ينتقلون خطوة ثالثة إلى زرع العداوات، وإبراز خصوم الإسلام في المجتمع الواحد، وهذا لا شك أنه محاولة لإنهاك المجتمع، وإلهائه بمشكلة داخلية، وإلا فما معنى أنه بالذات في هذا الوقت الذي الأمة أحوج ما تكون فيه إلى جمع الكلمة، ووحدة الصف، والتوجه نحو الأعداء الخارجيين وما أكثرهم! أن يشغل المجتمع وتشل حركته بحركة طفولية تافهة تصرخ وتنادي وتطالب بقيادة المرأة للسيارة؟

    هل يعتقدون أن الأمة مشغولة بهمومها الكبرى عنهم ولهذا سوف تمرر مخططاتهم، وألاعيبهم؟!

    هل يعتقدون هذا؟!

    أم إن الغرب الذي يتربص بهذه الأمة يحاول أن يحرك هذه الأحجار على رقعة الشطرنج؛ لتمارس دورها في تمزيق الأمة، وتشتيت وحدتها، وإشغالها وتلهيتها بأمور تافهة، ولا تعجب إذا وجدت أن المطالبة بقيادة المرأة للسيارة أيضاً تربط بأن المرأة جبهة داخلية، والرجل يذهب للجبهة على الحدود، والمرأة جبهة داخلية، ولذلك نطالب بقيادة المرأة للسيارة، إن هذا لشيء عجاب!!

    الإسلام هو المنتصر

    أقول: ومع ذلك فهذه الجزيرة أرض الإسلام لا محالة، ولذلك المخططات فاشلة، وأقولها بملء فمي: فاشلة، إنَّ الأمة ترفض مثل هذا النوع من الفكر الدخيل، الأمة قالت كلمتها بوضوح وبصراحة، لا نريد إلا الإسلام، لا نريد إلا الإسلام، لتسقط رموز العلمانية، والبعثية، والشيوعية، واليسارية، والقومية، والناصرية كلها.

    الأمة لا تريد إلا شعاراً واحداً، وإلا راية واحدة، هي راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، لقد قالت الأمة كلمتها بلهجة واضحة، صريحة لا غموض فيها، فالحمد لله الذي أرانا بأعيننا بوادر النصر الحقيقي لهذا الدين في قلوب هذه الأمة، لأن النصر الحقيقي يصنع في القلوب أولاً، وقد رأينا من تأثر الناس وانفعالهم وغليانهم ما لم يكن يخطر لنا على بال، هذه الأمة تعبر عن هويتها في مثل هذه المواقف، لأنها تشعر أنها مستهدفة، وإن كانت هذه حركة قد يكون لها ما وراءها، وليست مجرد عمل انتهى، فهؤلاء القوم من سنين طويلة وهم يتغلغلون، ويخططون، ويعبثون بأعز ما نملك، وأغلى من كل ثروة، يعبثون بالعقول البشرية، طالما عبثوا بعقول بناتنا وأولادنا، وطالما سمموا هذه العقول من خلال المنابر التي تسللوا إليها في غيبة الرقيب، فأساءوا استخدامها، وقد صحت الأمة، وأدركت أن هؤلاء يجب أن يعودوا إلى جحورهم، أو يتوبوا إلى ربهم.

    1.   

    ثانياً: وضوح الهدف

    بناءً على ذلك الإيمان، فإن المسلم يملك هدفاً واضحاً، لماذا تقاتل مثلاً؟

    لماذا تشتغل؟

    لماذا تعمل؟

    فعند المسلم هدف واضح، إنما أريد ما أريد لله، فهدف المسلم أنه يريد في الدنيا العزة للإسلام، ويريد في الآخرة الجنة، حتى لو ترتب على هذا أن يذل نفسه كفرد، المهم هو عز الإسلام ولو قتلنا، فالمهم أن يحيا الإسلام، فالمؤمن لديه هدف واضح، فهو يعرف من يعادي، ومن يوالي، ليس العداء والولاء، والحب والبغض، بالنسبة للمسلم قضية مصلحة، أو قضية عاطفية، أو قضية دنيوية، أحب هذا لأنه ينفعني، أو يدفع عني، أو لأنه قريبي، أو جاري، لا، أنا أحب هذا لأنه ولي لله، وأبغض هذا لأنه عدو لله، وهكذا الأمة تعرف أعداءها الحقيقيين، فتحاربهم، وتعرف أصدقاءها الحقيقين فتواليهم وتقربهم، ويوم تختلط الأوراق، فيتحول العدو إلى صديق، ويتحول الصديق إلى عدو، حينئذٍ تكون الأمة في فترة من أحلك فترات تاريخها.

    فالأمة المسلمة تملك منهجاً واضحاً تعرف به العدو من الصديق وأعظم محك يميز العدو من الصديق هي الشدائد، كما قال الشاعر:

    جزى الله الشدائد كل خير      عرفت بها عدوي من صديقي

    فالأمة تعرف أعداءها الحقيقيين على ضوء كتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم، ولذلك فإنها تعرف كيف تتعامل مع هؤلاء، ومع أولئك، لا تتعامل مع العدو على أنه صديق، ولا تتعامل مع الصديق على أنه عدو، لا نقرب هذا ولا تبعد ذاك.

    وضوح الهدف يضمن عدم الفشل

    وهذا الأمر الذي هو المنهج الواضح، والهدف الواضح، يضمن للأمة عدم الفشل، يضمن للأمة وحدة الصف، لأن الله عز وجل يقول:وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46] ولو استقرأنا التاريخ لوجدنا أن كل فشل أصاب الأمة كان بسبب تفرقها، وتمزقها، في الوقت الذي تجد العدو فيه يطرق أبوابها، وما دول الطوائف عنا ببعيد، كيف كان النصارى يأكلون هذه الدول، ويلتهمونها دولة دولة، وهم مشغولون بعضهم ببعض، حتى إن منهم من قد يستنصر بعدوه على أخيه، كما قال الشاعر:

    مما يزهدني في أرض أندلس      ألقاب معتصم فيها ومعتضد

    ألقاب مملكة في غير موضعها      كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد

    إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض، فإن التنازع والفشل بين المؤمنين، بين الدعاة، بين طلبة العلم، بين الأمة كلها، هو من أقوى أسباب الفشل، ونفوذ العدو، والأمة ينبغي أن تعتصم بالوحدة، وحدة الهدف، ووحدة الصف، من مثل هذه الفرقة، والشتات التي ينفذ من خلالها العدو.

    1.   

    ثالثاً: نقاء الصف

    السبب الثالث من أسباب العزة هو نقاء الصف، وتمحيصه من أولئك المنافقين، وهذا جانب من قضية من نعادي ومن نحارب، لأن المنافقين من أعداء هذه الأمة، -كما هو معروف- كما قال الله عز وجل هُمُ الْعَدُوُّ [المنافقون:4] لكن في كثير من الأحيان قد يلتبس أمر المنافقين، لأنهم يظهرون بمظهر الصديق، ويلبسون مسوح الضأن، وأسماؤهم وألوانهم مثلنا، فيصعب تمييزهم، فحينئذ تحتاج الأمة إلى تمحيص الصف، وإخراج المنافقين وتعريتهم وفضحهم حتى تستفيق الأمة، وتدرك من قياداتها الحقيقية، ومن هم رجالها الحقيقيون، ومن هم أبناؤها المخلصون، وتدرك من يريد بها شراً، أو يضمر لها سوء.

    ظهور المنافقين

    ومتى يظهر المنافقون؟

    يظهر المنافقون عندما يجدون الفرصة المواتية لهم، وخاصة إذا انشغلت الأمة بأمر من الأمور، انشغلت بعدو، حينئذ يظهر المنافقون ليحققوا أهدافهم، فإذا كانت الأمة تملك شيئاً من القوة، فإن المنافقين حينئذٍ مضطرون إلى أن يتمسحوا بالإسلام، وهذا دليل على عظمة الإسلام، لأنه حتى عدوه يخطب وده، وإذا أراد أن يصيب المسلمين بشر، لا يقول: هذا الدين لا نريده، وهذا دين عتيق، وهذا تراث، وهذا تاريخ مضى، لا،يقول على ضوء تعاليم شريعتنا السمحة، وديننا الحنيف، وتقاليدنا المرعية، فهذه أصبحت ماركة مسجلة، لا مانع عندهم أن يتمسحوا بها في سبيل الوصول إلى أهدافهم، وهو دليل من جهة على أنهم وجدوا الأمة مشغولة بهمومها الكبرى، فرفعوا رءوسهم، ودليل من جهة أخرى على أنهم يدركون أن لهذا الإسلام في هذه الأمة عمق لا يمكن تجاهله، ولذلك يتمسحون بهذا الدين، ويعلنون الولاء له، وإن كانت قلوبهم قلوب الأعاجم، نشأوا في ديارهم، ورضعوا من لبنهم، وجاءوا لينفذوا المخطط بالنيابة عنهم.

    افتضاح المنافقين

    وافتضاح هؤلاء المنافقين هو بداية عز الإسلام، لأن وجودهم بداخل الصف من أسباب الخذلان، يقول الله عز وجل: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ [التوبة:47] فدورهم معروف أنهم يحاولون تمزيق الصف، وإيجاد الخبال والضعف، والتردد، والتثبيط في صفوف المؤمنين، ويتحركون من خلال المؤمنين لا لتقوية العزائم، بل كما قال تعالى: يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ [التوبة:47] ولهذا كان مما كانوا يقولونه مثلاً: مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب:12] على حين أن المؤمنين كانوا يقولون: هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً [الأحزاب:22] مثلاً يقولون: محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يستطيع أن يذهب لقضاء الحاجة، بهذا الشكل يحاولون أن يوجدوا نوعاً من التخلخل في نفوس المؤمنين وقلوبهم، ولذلك فإن المنافقين في كل أمة وعصر، وفي كل تاريخ من تاريخ هذه الأمة، يشكلون طابوراً خامساً يعده العدو؛ ليكون بديلاً جاهزاً لتنفيذ مخططاته، ويجب أن يكون المؤمنون واعيين لهذه الأدوار.

    1.   

    معرفة السنن الربانية

    إن مما يمنح المسلم عزة كبيرة بهذا الدين، هو قضية معرفة المسلم بسنن الله عز وجل الربانية، والسنن كثيرة، لكن معرفة المؤمن بها تجعله على يقين، لأن بعض الناس إذا رأوا قوة العدو -مثلاً- رأوا تفكك المسلمين، رأوا السلبيات الموجودة، ربما داخلهم نوع من اليأس، حتى ربما يميل بعضهم إلى العزلة، ويرى بعضهم أن هذا زمن الفتن، وكف اللسان، والإعراض، وأمسك عليك لسانك، وابك على خطيئتك، وليسعك بيتك، وكذا... إلى آخره، لماذا؟!

    لأنه رأى أمراً لم يكن يخطر له على بال، لكن تفطنه إلى السنن الألهية يجعله يعيد الحسابات.

    قانون المدافعة والصراع

    وأضرب لكم أمثلة للسنن الألهية التي يجب أن نعيها، مثلاً قانون المدافعة والصراع قال تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [البقرة:251] الكون كله مبني على دفع الله الناس بعضهم ببعض، بين الخير والشر صراع دائم، والشر نفسه لا يمكن أن يتوحد بحال من الأحوال، ولذلك كم تحالفت أمم، ثم تمزقت هذه الأحلاف.

    يتحدثون -أيها الإخوة- اليوم في بلاد العالم عما يسمونه بالنظام العالمي الجديد، والذي يريدون أن يوحدوا فيه الأمم كلها تحت حضارة واحدة، وبزعامة دولة مستبدة واحدة، يريدون أن يقضوا على أي نمط حضاري آخر، وعلى أي دين، وعلى أي تجمع يدين بدين معين، أو يتمذهب بمذهب خاص، فيتحدثون عن هذا النظام، وأقول: إن مثل هذا الحديث؛ هو معارض لسنن الله تعالى في الكون، فإن الكون كله مبني على قانون الصراع، أو كما هو التعبير القرآني: قانون الدفع، قال تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [البقرة:251] فكلما جمعوا وحزموا انفرط الحبل، ورجعت الأمور من جديد، وكلما رتبوا وخططوا فوجئوا بوضع يتغير عليهم، لأن المسلم أحياناً يقول كيف؟

    أين المفر؟

    أين المخرج؟

    أين النافذة التي منها يتحقق نصر الإسلام؟

    هنا يتذكر الإنسان أن مثل هذا الوضع الذي يتحدثون عنه، ومثل هذه الأشياء التي يرسمونها، هم يرسمونها من منطلق أسبابهم المادية، ونظراتهم القاصرة، ووفق خططهم، صحيح أن لهم عقولاً وتخطيطاً وترتيباً، لكنهم يبقون بشراً، ويبقى عنصر المفاجأة دائماً جاهز، فالذي يعمل ويقدر حقيقة هو الله عز وجل، فالتدبير في السماء حقيقة، إنما هؤلاء يترسمون على وفق ما يتصورون، وكم فوجئوا بأمور لم تخطر لهم على بال، قلبت حساباتهم رأساً على عقب.

    إذاً: علينا أن ندرك أن مثل هذا الكلام، كلام يخالف السنن الإلهية، وأننا نتوقع، وننتظر أن يكون هناك تمزق في هذه الأحلاف العالمية، يكون من خلاله نصر للإسلام وللمسلمين، كما علينا أن ندرك -أيضاً- أن التهديد الدائم الذي يواجه به المسلمون وغيرهم، هو سبب لاستفزاز الطاقات وتوحيدها، إنَّ الكون مبني هكذا، هذه هي حكمة الله عز وجل أمم كثيرة بينها صراع، هذا الصراع هو من أسباب بقائها، لأن هذه الأمة تشعر بأنها مستهدفة، فتجمع طاقاتها وقوتها، وتظهر ما لديها، لكن إذا شعرت أمة من الأمم بأن الأمر قد استتب لها، وسلمت القيادة لها، وانتهى كل شيء، حينئذ لم يوجد هناك ما يدعو إلى بذل الطاقة، لم يوجد هناك ما يدعو إلى الاستماتة، لم يوجد هناك ما يدعو إلى بذل الجهد، وهذا يتعارض مع طبيعة السنن التي وضعها الله عز وجل في هذه الحياة.

    إن الله لا يصلح عمل المفسدين

    من السنن الإلهية -أيضاً- أن الله لا يصلح عمل المفسدين، الذين يعتدون على سلطان الله عز وجل في الأرض، سواءً بأن يحكموا بغير ما أنـزل الله عز وجل، بأن يحكموا البشرية بأنظمة من وضع البشرية، حكم الشعب بالشعب كما يقولون، الذين بلغت بهم الوقاحة وقلة الأدب أن يقولوا كما قال أسلافهم من قبل.

    فرعون قال: فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى [النازعات:25] كل من حاول أن يعتدي على سلطان الله عز وجل، أو جهل قدر الله تبارك وتعالى وعظمته، فإن الله تعالى له بالمرصاد يأخذه أخذ عزيز مقتدر، هذه -أيضاً- سنة إلهية.

    قريش: لما قالوا: هل يسمع الله ما نقول، كما في صحيح البخاري: {أنه اجتمع نفر، كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم، فقالوا: هل يسمع أو لا يسمع، قال بعضهم: يسمع، وقال بعضهم: لا يسمع، وقال بعضهم: يسمع إذا جهرنا ولا يسمع إذا أسررنا، فقال الله عز وجل: وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [فصلت:23]} فلذلك أيضاً نصر الله عز وجل المؤمنين عليهم، وأُخذ هؤلاء القوم، ورأوا الذل بأعينهم في دنياهم قبل الآخرة.

    اليهود: لما قالوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران:181] وعاقبهم الله عز وجل وكتب عليهم الذل منذ أوجدوا وقالوا ما قالوا، انحرفوا إلى يومنا هذا، قال تعالى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا [آل عمران:112] وقد قلت في بعض المناسبات: إن مما يثير العجب أن اليهود إلى الآن على رغم أنهم أشد الناس عداوة للذين آمنوا، هل تتذكرون معركة تاريخية فاصلة خضناها مع اليهود باستثناء المعارك في هذا العصر، خضنا معارك شهيرة مع المشركين الوثنيين، وخضنا معارك شهيرة مع النصارى الصليبيين، وخضنا معارك مع الفرس، أما اليهود فحتى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن هناك معارك حقيقية معهم، حتى خيبر، كثير من أهل العلم يقولون فتحت صلحاً، أو بعض حصونها فتحت صلحاً، ولم يكن هناك قتال يذكر، ليس عندنا معارك تاريخية مع اليهود، لماذا؟

    لأن اليهود يشتغلون في الخفاء، مثل إخوانهم من المنافقين، يعملون في الخفاء، يعملون في الظلام، فهم مثل الخفافيش لا تعيش في النهار، يحرقها النور، إنما تعيش في الظلام وتشتغل في الخفاء، المهم أن هؤلاء اليهود، وهم أعدى أعدائنا، مع ذلك معاركنا معهم محدودة، وهذا يعني ذلهم، وعجزهم، وجبنهم، وأنهم لا يتجرءون على مواجهتنا، فقد ضرب الله عز وجل عليهم الذل من يوم أن قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء، وتعرضوا للذات الإلهية بالتنقص، فما بالكم كيف يصنع الغرب اليوم مع الله جلا وعلا؟

    لقد كفر الغرب أشد الكفر، وقال الغرب: الإنسان يقوم وحده وليس بحاجة إلى الله، وقال الغرب: إن الإنسان هو الذي يصنع ربه والعياذ بالله وحتى أهل الكتاب الذين يُفترض أنهم يدينون بأديان سماوية، ويعبدون الله عز وجل فيما يزعمون، حتى هؤلاء أصبحوا يتكلمون عن ربهم كلاماً لا يمكن أن يتكلموه عن رئيس من رؤساء دولهم، حتى إنني قرأت في بعض التقارير أنهم يتكلمون عن هذه الثروة البترولية، وكيف صارت في هذه البلاد الإسلامية، ويقولون: إننا لا بد أن نفكر بطريقة وأستغفر الله وأتوب إليه من إيراد مثل هذا الكفر، لكن كما ذكر الله عز وجل في كتابه كفر اليهود والنصارى، لأن هذا مما يؤكد السنة الإلهية التي ذكرت يقولون: يجب أن نصحح خطأ الإله، الذي وضع البترول عند قوم لا يستحقونه، إلى هذا الحد بلغت بهم الوقاحة، وبلغ بهم الكفر، فهل ترى يترك الله عز وجل من يعتدي على قدره سبحانه، وقد أرانا بالأمم السابقة الغابرة، وبالمعتدين، من أعاجيب صنعه جل وعلا ما يجعل المؤمن يقطع بأن الله تعالى سوف يأخذ هؤلاء أقوى ما كانوا، وأخبث ما كانوا، وأكفر ما كانوا، وأزهى ما كانوا، وأعظم ما كانوا، اغتراراً بأنفسهم، وشعوراً بالغنى عن ربهم جل وعلا.

    يجب أن ننطلق من منطلقات عقدية صحيحة واضحة، أنَّ هذه سنة إلهية، أن الله لا يصلح عمل المفسدين، لأنهم يكيدون، لا أقول: إنهم لا يكيدون، إنَّ عندهم أجهزة استخبارات، وعندهم مؤسسات، وعندهم مراكز دراسات، وعندهم خطط، وعندهم الدراسات المستقبلية الآن، تشتغل بطريقة غريبة، لكن اسمع الله عز وجل يقول: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً [الطارق:15-17] ويقول: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30] ويقول: وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا [النمل:50-52] ويقول: وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ [فاطر:10] إذاً مكرهم وكيدهم في ضياع، وتباب، وهلاك، يبذلون جهوداً كبيرة لكن النهاية لا بد أنها عليهم، هذا فرعون نفسه ماذا يقول عن موسى ومن معه: إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ [الشعراء:54-56] حاذرون هذه هي التي تشغل العالم الكافر اليوم، الحذر من المسلمين، فكل مؤسساته، ومراكزه في حالة استنفار، قلقاً من هذا الخطر الجديد، أي خطر؟!

    الأصوليون، الإسلام، هم يقولون في الغرب إنا لجميعٌ حذرون، كما قال زعيمهم الأول فرعون، لكن ما هي النتيجة، قال تعالى: فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ [الشعراء:57-58] وقال تعالى: وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ [الدخان:27-29] إذاً وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ [الشعراء:56] هذه قالها فرعون، وقالها هؤلاء، وكما أهلك الله عز وجل طاغيتهم الأول، فإن الله تعالى يهلكهم، ويضيع كيدهم، وخططهم، ومؤامرتهم هباء!

    والله عز وجل إذا أراد أمراً يسر أسبابه، لا تقل: كيف؟

    فإن الله عز وجل يضع ما لا يخطر لك على بال.

    ألا إن نصر الله قريب

    ولذلك أنتقل إلى سُنَّة ثالثة من السنن الإلهية: متى يأتي نصر الله؟ أحوج ما كان المسلمون إلى النصر، وأشد ما كانوا فيه من حالة الضعف، والشعور بقوة العدو، فهو وقت النصر، انظر هذه السنة في القرآن الكريم: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا [يوسف:110] لاحظ متى جاءهم نصرنا، أما استيأس الرسل، وظنوا أنهم قد كذبوا، جاءهم نصرنا، والآية الأخرى يقول الله عز وجل: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214] هنا يكون نصر الله قريب، ولذلك كان الرسول عليه الصلاة والسلام يبشر أصحابه بالنصر يوم الأحزاب، تجمعت قريش، وغطفان، واليهود، وكل الأمم، تجمعت عليه، قوة ضاربة، أحاطت بـالمدينة، وأصبح المنافقون يخافون أن يتخطفهم الناس، ما الذي حدث؟

    حينئذٍ الرسول عليه الصلاة والسلام لأنه يفقه هذه السنن، ومؤيد بالوحي، كان يضرب بالمعول، فإذا برق النور قال النبي صلى الله عليه وسلم: أعطيت مفاتيح كسرى، مرة أخرى قيصر، مرة ثالثة فتحت لي اليمن، في هذا الوضع بالذات حين تجمعت الأحزاب، الرسول صلى الله عليه وسلم كان يبشر البشائر، ليست بشائر بلا مقابل أبداً، انظروا الأحزاب لما تجمعوا حول المدينة، هل عندهم أكثر من هذا؟!

    ما عندهم أكثر من هذا؟!

    فكانت هذه مواجهة نهائية، قال تعالى: أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا [الأحزاب:9] ماذا بقى؟

    هل يمكن أن يعيدوا المحاولة؟!

    أبداً، أقصى ما في جعبتهم بذلوه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأحزاب: {الآن نغزوهم ولا يغزونا} الآن انتقلنا من مرحلة الدفاع، إلى مرحلة الهجوم، لأن العدو بذل أكثر ما عنده وفشل، فسقط، وتمرغت سمعته في التراب، هنا بدأ نجم الإسلام يطلع ويرتفع، وبدأت مرحلة الهجوم على الأمم الوثنية المشركة، في الجزيرة العربية وخارج الجزيرة العربية.

    أصحاب موسى عليه السلام ماذا حصل لهم لما لحق بهم فرعون، وأتبعهم فرعون وجنوده؟

    نظر أصحاب موسى فإذا البحر أمامهم، والعدو خلفهم، وهم قلة فماذا قالوا؟

    قالوا: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61] أي: وقعوا في الفخ الآن، ليس هناك فائدة، فقال موسى عليه السلام: كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى [الشعراء:62-63] هنا جاءت المعجزة الإلهية، لأن المعجزات أو الآيات جاهزة موجودة، كما سيأتي في النقطة الرابعة والأخيرة في موضوع تأييد الله للمؤمنين الصادقين، المهم أن المؤمنين حين قالوا إنا لمدركون هنا يأتي دور: أولاً: أهل العلم والدعوة في التثبيت، وثانياً: أن يعلم الناس أن هذه هي بدايات النصر، هنا يبدأ النصر، هنا يولد.

    - العالم اليوم:

    ولذلك أستطيع إن أقول لكم، وكلي ثقة بما أقول: إن العالم اليوم يعيش لحظة حمل أو حالة مخاض، سوف يتولد عنها أوضاع أخرى مختلفة على مستوى العالم كله، وهذه الأوضاع نقول بكل ثقة: إنها سوف تكون أوضاعاً في صالح الإسلام، وفي مصلحة الإسلام، وستكون بداية نصر حقيقي للإسلام، وهذا الكلام الذي أقوله ليس مجرد عواطف ندهده بها نفوسنا، ولا مجرد كلام نقوله لنسلي به أنفسنا، والله إننا لنقوله وقلوبنا مليئة بأن مستقبل الإسلام الحقيقي بدأ يولد الآن، وأن القرن القادم هو قرن الإسلام، وأن هذا الارتباك الذي يعيشه العالم هو لحظة مخاض سوف يتولد عنها أوضاع مهما تصور السذج والمغفلون أن هذه الأوضاع تسيء إلى المسلمين، إلا أن هذه الأوضاع سوف تكون بإذن الله عز وجل هي النار التي ينضج عليها واقع المسلمين الصحيح، حتى يكونوا جديرين بخلافة الأرض والتمكين فيها، وهذا الكلام يجب أن يتحول من مجرد عواطف إلى عقيدة راسخة في قلوبنا، لأننا لا نتكلم من فراغ.

    الآن الشيوعيون، لما كانوا يقولون: إن المستقبل للشيوعية، ويعدون العالم بجنة فردوس موعود، فكانوا يتكلمون بلا رصيد، ويتكلمون من منطلق عقيدة هم أول من نقضها، وتبين الآن فشلها، لكن المسلمين:

    أولاً: يتكلمون من تاريخ، نحن نملك لا أقول أربعة عشر قرناً، نحن نملك التاريخ كله.

    الأمر الثاني: أننا ننطلق ونملك الأدلة الشرعية والسنن والنواميس الإلهية.

    الأمر الثالث: أننا نملك الواقع الغربي المتهالك المنهار الذي يؤذن بالانهيار في أي لحظة من ليل أو نهار.

    تأييد الله للمؤمنين

    السنن الإلهية التي ينبغي أن تكون لنا على بال، تأييد الله عز وجل، سنة وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر:31] لماذا تفكر وكأن القدر خاضع لعقلي وعقلك؟

    صحيح أنا وأنت أحياناً لو آتيك بمسألة رياضية ممكن تعجز عن حلها، إذاً عقل الإنسان يمكن أن يعجز عن التحليل، ممكن أن يقول لك الإنسان الأمر كذا، لكن والله ما عندي تعليل، كيف يحدث هذا؟

    كيف هذه ليست عندي، هذه إلى الله عز وجل، الكيف هذا عند الله تعالى، لكن أنا أستطيع أن أقول لك: إن هذا هو المستقبل، أما كيف؟

    لا أدري، لكن الذي أعرفه كل الذي أعرفه أن الله عز وجل له جنود لا يعلمها إلا هو، حتى نحن لا نستطيع أن نعد الجنود، مثلاً: من جنود الله الرعب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: {نصرت بالرعب مسيرة شهر} وهذا له ولأمته على أعدائه، يُقذف في قلوبهم، وما هو الذي جعل الغرب والشرق يتحالف ويحلم بما يسمى بالنظام العالمي الجديد إلا الرعب من الإسلام، وهم يدقون نواقيس الخطر من الإسلام، هذا من الرعب، فالرعب من جنود الله عز وجل، ومن جنود الله عز وجل الملائكة، قال تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال:9] يمدنا الله عز وجل بملائكة من عنده، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يعرفون قتيل الملائكة من غيره، لقد كانوا يقاتلون إلى جوار المسلمين، هذه حقيقة واقعية، وليست مجرد تثبيت معنوي، هذه حقيقة صدح القرآن الكريم بها، جبريل عليه السلام يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح البخاري بعد ما انهزم الأحزاب يقول: {وضعت السلاح فوالله ما وضعنا السلاح بعد} يعني الملائكة معهم أسلحة أيضاً، أما نؤمن بهذا؟!

    ما يؤمن بهذا غير المؤمن {ما وضعنا السلاح بعد، اذهب إلى بني قريظة فإني ذاهب إليهم ومزلزل بهم} إذاً هناك شيء يسبقه إلى عدوه يزلزله، فالملائكة من جند الله عز وجل، وقد ذكرت لكم كثرتهم، لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم جل وعلا، من جنود الله عز وجل الريح، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور}الريح يسلطها الله على الأعداء، فينهزمون أو يهلكون، ويسخرها الله عز وجل للمسلمين فتكون سبباً في نصرهم: {نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور}.

    - الزلزلة:

    ومن جنود الله عز وجل الزلزلة، سواء كانت زلزلة معنوية، كما دعا النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث عبد الله بن أبي أوفى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في صحيح البخاري: {اللهم مجري السحاب، هازم الأحزاب، منـزل الكتاب، اهزمهم وزلزلهم، اللهم اهزمهم، وانصرنا عليهم} دعا عليهم، ولذلك البخاري رحمه الله بوَّب (باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة) فإذا زلزلت قلوبهم فليس هناك إمكانية أنها تواصل، المهزوم من الداخل ليس له حيلة، لقد ضاع وانتهى، وقد يكون المقصود الزلزلة الحقيقية، زلزلت الأرض من تحت أقدمهم، كما قال تعالى: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ [النحل:45-47] فهل أمنوا هذا، قال تعالى: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:99] فلا يأمن المؤمن من مكر الله عز وجل به إن عصى، وهو أيضاً ينتظر هذا المكر بالكافرين، والفاسقين والخاسرين.

    - الخسف:

    من جند الله عز وجل الخسف، كما ذكرت لكم وهناك رواية أخرى في الحديث الذي ذكرته قبل قليل: {يعوذ عائذ بالبيت، فيغزوه جيشٌ، حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بأولهم وآخرهم} ولعل هذا هو الخسف الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم -والله أعلم- يكون خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بـجزيرة العرب.

    المهم هذه جنود الله، وهل هذه فقط جنود الله، قال تعالى: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر:31] إنَّ الله عز وجل يسخر هذه الجنود عند اللزوم لتكون في صالح المسلمين ضد أعدائهم، كل هذه السنن الكونية، إذا امتلأ بها قلب المؤمن أدرك أننا حين نقول المستقبل للإسلام، بل والمستقبل القريب للإسلام، أننا ننطلق من معرفة بسنن الله عز وجل وعلماً بشرعه، ومن إدراك للواقع الذي يضطرب الآن، وكأنه سوف يتمخض عن وضع جديد، سيكون بكل تأكيد بإذن الله عز وجل في مصلحة الإسلام والمسلمين.

    - خاتمة:

    اللهم اجعلنا من أصحاب دينك، اللهم اكتب مستقبل الإسلام على أيدينا، اللهم أعزنا بطاعتك ولا تذلنا بمعصيتك، اللهم من أرادنا بسوء فأشغله بنفسه، اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن رحمتك، فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك، اللهم أنـزل على قلوبنا الإيمان والسكينة واليقين، اللهم ارزقنا الصدق والإخلاص فيك يا أرحم الراحمين، اللهم ارزقنا الصدق والإخلاص، اللهم انصرنا على عدوك وعدونا يارب العالمين، اللهم اهزم الكافرين أهل الكتاب والمشركين الذين يكذبون رسلك، ويحادون أولياءك، ويعبثون بدينك يا حي يا قيوم، اللهم افضح ألاعيب المنافقين ومؤامرتهم على المسلمين، اللهم افضحهم في قعر دارهم، اللهم اكشف للمسلمين عوراتهم، اللهم اكشف للمسلمين عوراتهم، اللهم يا حي يا قيوم من أراد هذه الأمة بسوء فاشغله بنفسه، اللهم من أراد هذه الأمة بسوء أياً كان من داخلها، أو خارجها فاشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه، اللهم إنهم لا يعجزونك، اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم، وندرأ بك في نحورهم.

    1.   

    الأسئلة

    دعوة تحرير المرأة في منطقة الرياض

    السؤال: تعلمون ما حصل في منطقة الرياض وغيرها من الدعوة إلى تحرير المرأة، فهلاَّ بيان في هذا الموضوع فيما يتعلق في أبعادها المتقدمة والحاضرة واللاحقة؟

    الجواب: اختصاراً للوقت، فقد سبق أن تحدثت في هذا الموضوع بشيء من الاستفاضة والتفصيل في محاضرة خاصة اخترت أن يكون عنوانها ( لسنا أغبياء بدرجة كافية) وأنا أقصد من وراء هذا العنوان أن خصومنا من العلمانيين يصورون أن المعركة بيننا وبينهم على أنها معركة على قيادة السيارة، وهل تقود المرأة السيارة أو لا تقودها؟!

    وهذا في الحقيقة نوع من المغالطة، لأنهم يجروننا إلى الميدان الذي يختارونه، ميدان الخصومة في مسألة قيادة المرأة للسيارة، وأقول: إن الذي بيننا وبينهم أعظم وأربى من قيادة المرأة لسيارة تكون أو لا تكون، الصراع بيننا وبينهم عقائدي أصولي مبدأي، وقد ذكرت شواهد في هذا الموضوع، وحفظاً للوقت كما أسلفت أدع التفصيل في هذه المناسبة.

    مواجهة المجتمع لقضية تحرير المرأة

    السؤال: كيف يواجه المجتمع المسلم قضية تحرير المرأة على جميع المستويات والطبقات؟

    الجواب: هو هذه الحادثة وغيرها، فأولاً: يجب أن لا نكون عاطفيين، ومُيِّزنا نحن المسلمين أننا لا زلنا نشتغل بالعواطف، كيف؟

    يمكن أن يحدث اليوم حدث رهيب، لكنه بطريقة ذكية، يمكن أن يمر علينا دون أن يلفت نظرنا، وعندما يحدث هذا الحدث بهذا الشكل المكشوف يستفزنا جميعاً حتى تختلط عندنا الأوراق فنشغل.

    لا بأس بالإنكار كما فصلته في المحاضرة المشار إليها، الإنكار باللسان، وبالخطبة، وبالموعظة، وبالكلمة، وبمناصحة العلماء، وبالكتابة، وبالبرقيات، وبالاتصال بهؤلاء النساء، بتذكيرهن بالله عز وجل، وبتخويفهن، وبالاتصال بأولياء أمورهن وبمناصحة المسئولين، بالهاتف، بالزيارة، وبكل وسيلة وارد، لا أقول: وارد بل واجب، وهو الدور الذي يمارسه المجتمع، وأستطيع أن أقول باطمئنان كامل: إن المجتمع قد قام بهذا الدور خير قيام، لا مزيد على ما قام به المجتمع في هذا الجانب، ويجب أن يقف عند هذا الحد، وكأنني أتصور أننا أحياناً نشاهد مسرحية، المشهد الأول: مجموعة لا أقول من الفتيات، بل من المسنات، يتظاهرن بالشوارع، ويقدن السيارات، ويفعلن ما يفعلن من هذا العمل الفوضوي الذي هو مرفوض بجميع المقاييس.

    والمشهد الثاني: أخشى أن يكون هذا العمل مخططاً من قبل أعدائنا لاستفزاز المسلمين بالقيام بأعمال غير مناسبة، ولا تخدم الدعوة في هذه المرحلة، ولذلك أحذر الإخوة وخاصة الشباب من القيام بأي عمل يتعدى الأعمال التي ذكرتها، نقول لك: تكلم بملء فمك، تحدث، ارصد تاريخ هؤلاء القوم، اكشف أعمالهم، تابع أمورهم، اتصل بالمسئولين، راسلهم، هاتفهم، اتصل بالعلماء، كل هذا لا غبار عليه، بل هو جزء من واجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، الذي لا يعذر منا أحد رجل أو امرأة، بالكتابة فيه، وأقول للنساء بخاصة: إن عليهن مسئولية كبيرة في هذا الجانب، حتى نثبت للأمم كلها أن هؤلاء لا يمثلون بعداً في المجتمع، وأنهم ليس لهم جذور في الأمة، وإنما هم يحاولون أن يفرغوا ما لديهم من خلال استيلائهم على بعض المنابر، تسللهم على بعض المواقع الإعلامية وغيرها، وإلا فالواقع أن المجتمع يرفضهم، والله لم أرَ في حياتي حدثاً هز الناس في مثل هذه الأمور، وجعل المصيبة تدخل كل بيت، كل من رأيت كأنه يعيش في مأتم والعياذ بالله، شيء عجيب! أفلحوا في صرف أنظار الأمة عن الأمور العظيمة، والقضايا الخطيرة، إلى هذه القضية، لا أقول إنها سهلة ولكنها قضية داخلية، مع الأسف فأصبح هؤلاء مع عدونا في خندق واحد:

    وليس غريباً ما نرى من تصارع     هو البغي لكن بالأسامي تجددا

    وأصبح أحزاباً تناحر بينها          وتبدو بوجه الدين صفاً موحدا

    شيوعيون جذر من يهود          صليبيون في لؤم الذئاب

    تفرق شملهم إلا علينا     فصرنا كالفريسة للكلاب

    فأقول: هذه هي الطريقة المثلى في مقاومة هذا المنكر، ويجب أن لا نكون عاطفيين، نغضب بسرعة، ونرضى بسرعة، نثور بسرعة ونهدأ بسرعة، ينبغي أن يكون الإنسان متعقلاً لا يندفع، وكذلك ينبغي ألا يكون كل شيء يجعله يحس أنه قد حقق كل ما يريد، لأن القضية ليست قضية هؤلاء النسوة فقط، بل من وراء هؤلاء النسوة، التاريخ، أليست هؤلاء النسوة منذ سنين طويلة وبناتنا أمانة في أيديهن، فنريد أن نتساءل ماذا فعلنا ببناتنا؟

    هل نأمن أن يكون هؤلاء النسوة قد خرَّجن لنا من بناتنا ذوات عقول ممسوخة؟

    هل نأمن بأن هذه المرأة التي قامت بهذا العمل المشين، كانت تعمل طيلة الوقت على استغلال منصبها، وموقعها، في اضطهاد الفتيات المؤمنات، ومحاصرتهن؟

    لا. وكأنهن يحاولن جرهن جراً إلى ما يسمى بالتطرف من خلال الضغط والمضايقة والاتهام، حتى على صفحات الجرائد والمجلات، وقد قرأت لإحداهن مقالاً في مجلةٍ هنا، تـتهم طالباتها المتدينات بالتطرف، بالإيماء والإشارة، لكن لسنا أغبياء لهذه الدرجة.