إسلام ويب

بعض أخطائنا في التربيةللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تعرض الشيخ لأهمية التربية في حياة الجيل مفصلاً للأزمات التربوية التي يعاني منها المربون وأسباب تلك الأزمات، مع بيان ما ينتشر من أخطاء تربوية، مع ذكر حلولها وعلاجها.

    1.   

    افتقار الأمة إلى العلماء والمصلحين

    إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد: أيها الأحبة الكرام! فسلام الله تعالى عليكم ورحمته وبركاته..

    أيها الأحبة.. إن الإنسان لا يكون أحقر في عين نفسه ممن هو في مثل هذا الموقف, فإن هذه الأعداد الكبيرة منكم التي أسرعت وأحسنت الظن، فجاءت لتستمع إلى مثل هذه الكلمات؛ إنها تنبئ عن فقر عظيم في هذه الأمة؛ فقر إلى الرجال الأكفاء, وفقر إلى العلماء, والمصلحين.

    وإلا فأي معنى لأن تتهالك هذه الأمة على كل متحدث, وكل قائل, وكل مُبيِّن أو متكلم، لمجرد أنه ألقى درساً أو قام بمحاضرة, أو أنه تكلم! إن ذلك لدليل على فقر الأمة إلى الرجال الأفذاذ الحقيقيين, وأنها تعيش فعلاً في فترة من أحلك فتراتها.

    وإنني أقولها لكم صريحة -ويعلم الله تعالى حقيقة ما أقول حسبما أعتقده- إننا على يقين أن الله تعالى لا يدع الصحوة, ولا يدع الدعوة لأمثالنا من المقصرين والمسرفين على أنفسهم؛ بل إن الله تعالى يختار لها من الصادقين المخلصين من يكون فيهم الرشد والكفاية, إلا أن يصلح الله تعالى الأحوال ويتدارك بمنه وفضله ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [المائدة:54], أما بعد:

    فحديثي إليكم هذه الليلة هو عن بعض أخطائنا في التربية, وهذه ليلة الجمعة الخامس من شهر جمادى الأولى من سنة ألف وأربعمائة وثلاث عشرة للهجرة, وهذا جامع الراجحي بـالرياض.

    1.   

    أهمية التربية

    التربية -أيها الإخوة- لها مفهوم أوسع وأعمق، إن التربية هي: الحياة بكل تفاصيلها، وبكل أشخاصها، وبكل مؤسساتها, والحياة تعني وجود الإنسان من يوم أن ظهر على ظهر الأرض, وإلى أن يغادرها, فهي تبدأ مع الإنسان بشهادة الميلاد، وتنتهي مع الإنسان بشهادة الدفن.

    وإذا عرفنا أن التربية هي: المعنى الشامل للإنسان من يوم أن ولد إلى يوم أن يموت, أدركنا أن الحياة هذه أو التربية ليست أمرا مقصوراً على وجود الإنسان في منـزله, أو بيته, ولا وجوده في مدرسته, أو حارته أو حيه أو مسجده, بل هي وجود الإنسان في الحياة كلها بكل مؤسساتها: من بيت، ومدرسة، ومسجد، وإعلام، وصحة، وغير ذلك, بل وجود الإنسان من خلال الأَنَاسِيِّ الذين يقابلونه في حياته, بكل تناقضهم، فهذا يحييه ويسلم عليه, وذاك يعيره ويشتمه, وهذا يحادثه, وهذا يبايعه أو يشاريه, وهذا يعلمه أو يتعلم منه, وهذا يوافقه, وهذا يخالفه, وهذا يمدحه, وهذا يذمه.

    فالتربية تشمل الحياة كلها, وإذا أدركنا هذا أيضاً، أدركنا أنه لا يمكن أن يستقل جهاز من الأجهزة، أو مؤسسة من المؤسسات بتربية الإنسان, فإن الإنسان كائن مؤثر متأثر, ولا يمكن أن نستهين بشيء يواجه الإنسان, فالجو العام في المجتمع مثلاً هو عبارة عن تيار كتيار الماء أو تيار البحر يجتاح الإنسان -وأحياناً- يكون الإنسان مخالفاً للتيار, فيكون كأنه يسبح ضد الموج, يتقدم بقوته الضعيفة أمتاراً ثم يدفعه الموج إلى الوراء عشرات الأمتار.

    ولهذا جاء الشرع بتحميل الإنسان مسئوليته الفردية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وجاء الشرع أيضاً بتحميل المجتمع مسئولية القيام بالحسبة, كأمة مؤمنة لا يميزها إلا الإيمان بالله تعالى، الذي عليه اجتمعت, ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, الذي به قوامها وبقاؤها كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] ويقول الله عز وجل: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة:71] الآية, ولذلك فإن الإنسان محتاج إلى المجتمع كله من حوله, ليتأثر بهم، وينتفع منهم، وينظر ما عندهم من خير فيقتبسه, أو خطأ فيجتنبه، أو نصيحة يعمل بها, ثم هو محتاج أيضاً إلى المؤسسات الموجودة في المجتمع، والتي يتربى من خلالها, فهو يتربى قاعداً في المسجد ينتظر الصلاة, ويتربى وهو في مدرسته, ويتربى وهو في سوقه, ويتربى وهو في بيته, حتى والإنسان في متجره هو يتربى.

    يتربى على الأخلاق الإسلامية في المعاملة، والبيع والشراء، والأخذ والعطاء، وغير ذلك, وحين يفسد الزمان، وبمعنى أصح وبالاصطلاح الشرعي، ينحرف الناس، يؤمر الإنسان باعتزالهم, حتى يسلم من شرهم، أو يسلمهم من شره, كما في الحديث المتفق عليه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه،وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل: أي الناس خير؟ قال: {مؤمن مجاهد في سبيل الله تعالى بماله ونفسه, قيل ثم أي؟ قال: مؤمن في شِعْب من الشعاب معتزل يعبد ربه، ويَدَعُ الناس من شره}.

    فإنه إنسان غير قادر على التربية، لا يستفيد من الناس علماً وعملاً وأخلاقاً, ولا يستفيد الناس منه أيضاً, فهذا كان الأجدر في حقه أن يعتزل الناس ويدع الناس من شره, ليس من الناس إلا في خير.

    فالتربية إذاً: عملية ضخمة وكبيرة, تبدأ مع الإنسان من يوم ولد, لا بل أقول تبدأ قبل الميلاد. ومن الطرائف والنكت أن رجلاً جاء لأحد العلماء, فقال له: أنا قد تزوجت, وحَمَلَتْ زوجتي وهي في الشهر الرابع, وأريد أن تعطيني بعض التعليمات في أسلوب تربية هذا الطفل, فقال له: هذا الطفل قد فات عليك مادام في الشهر الرابع, لكن أعطيك تعليمات للطفل القادم, وهذه لا شك نكته, ولكنها لها دلالتها ولها معناها.

    والمقصود أن التربية تبدأ حتى من يوم اختيار الزوجة, فإن الزوجة هي المحضن السليم المناسب الذي ينشأ معه الطفل, ويتربى في أحضانها, ويقتبس من أخلاقها, فهي تبدأ قبل أن يولد الإنسان وفى صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن قُضي بينهما ولد لم يضره الشيطان}.

    فالشيطان يفر من ذكر الله تعالى, والتربية تبدأ مبكرة جداً, إنها تبدأ من هذا الأوان ولا تنتهي إلا بأن يموت الإنسان قال الله عز وجل: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99], أي: الموت, ثم هي ليست عملية مقصورة على جانب واحد من جوانب النفس الإنسانية, فهي تربية تتعلق بالخلق, وتتعلق بالعقيدة, وتتعلق بالعلم, وتتعلق بالعمل, وتتعلق بالجسم, وتتعلق بالعبادة.

    وهي أيضاً ليست مسئولية جهة بعينها فحسب, فالبيت وحده لا يمكن أن يستقل بالتربية, والمسجد وحده لا يستقل بها, والمدرسة وحدها لا تستقل بها, والزملاء والأصدقاء والصالحون أيضاً, وإنما المجتمع كله بكل مؤسساته، وكل أفراده، وكل أجهزته هو مسئول عن التربية.

    1.   

    الإنسان موضوعاً

    لقد بعث الرسل عليهم الصلاة والسلام, وأنـزلت الكتب من السماء إلى البشر, من أجل تقويم هذا الإنسان, من أجل أن يترقى حتى يتأهل لجنة عرضها السماوات والأرض, بل حتى يتأهل لرؤية الله تعالى في جنة عدن. قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23], فهي تتمتع بالنظر إلى وجه الله تعالى الكريم في جنة عدن.

    إن الإنسان يترقى بالتربية حتى يتأهل لهذا المستوى الرفيع: وقد ينحط حتى يصبح حطباً ووقوداً لجنهم مع الحجارة, وشبيها بالأنعام، قال الله عز وجل: وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [البقرة:24], وقال سبحانه: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44], وفي آيه أخرى: أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الأعراف:179].

    إذاً بالتربية: يرتقي الإنسان حتى يصبح أهلاً لرؤية الله تعالى في الجنة, وبنقص التربية أو تضييعها ينحط حتى يصبح حطباً لجهنم.

    إذاً: بناء الإنسان -أيها الأحبة- هو محط الاهتمام، وهذه القضية الكبرى التي يجب أن نرفع شعارها, ونتحدث عنها, ونملأ بها مجالسنا, هي قضية الإنسان, إن بناء الإنسان أهم من بناء الجسور, وأهم من تعبيد الطرق, وأهم من تشييد العمارات الشاهقة, وأهم من توفير الخدمات, مع أنني لا أهون من بناء الجسور وتعبيد الطرق وتشييد العمارات وتوفير الخدمات, ولكن لا قيمة لهذه الأشياء كلها في ظل غياب الإنسان.

    إن هذه الأشياء كلها لا تعدو أن تكون تيسيرات وتسهيلات للإنسان, فقل لي بربك أي معنى للإنسان، حسن البزة، حسن الثياب، جميل الهيئة، بهي الطلعة، ممتلئ الجسم، معتدل الصحة، ولكنه يرسف في قيوده، في أسره وسجنه؟! وأي قيمة لإنسانٍ هذا شأنه إذا كان بلا عقل؟! وأي قيمة لإنسانٍ هذا شأنه إذا كان بلا دين، ولا خلق، ولا عقيدة؟!.

    إن الإنسان هو المقصد الأول من الوسائل التربوية كلها, ولا قيمة لإنسان لا يعبد ربه, ولا يسجد لله تعالى, ولا يُمَرِّغُ جبهته خضوعاً لرب العالمين, ولا يسبح بحمد ربه عز وجل, إنه في دنياه يعيش الشقاء بكل صوره وألوانه, وفي آخرته إلى نار لا يخبو قرارها كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً [الإسراء:97].

    إن تحقيق وجود الإنسان بالمعنى الشرعي تحقيقٌ لكل المكاسب الأخرى, فلنفترض -مثلاً-: أننا أمة فقيرة, ليس همنا أننا نطلب المال, لأن بناء الإنسان الصالح سيجعله قادراً بإذن الله تعالى على تحصيل المال, لنفترض أننا أمة متأخرة في المجال الصناعي والتقني، كما هو الواقع فعلاً, إن بناء الإنسان الصالح العاقل العالم الرشيد هو السبيل إلى تطويع الصناعة, وإلى الحصول على أسرار التصنيع، وإلى الوصول إلى أعلى المستويات في الحضارة المادية, لنفترض أننا أمة متخلفة في كافة مجالات الحياة الاجتماعية، والمالية، والاقتصادية، وغيرها. فإن الإنسان إذا بُنِىَ وأُصْلِح وأُعِدَّ إعداداً صحيحاً، فإنه هو الذي يستطيع أن يخطو تلك الخطوات التي تحتاجها الأمة، فهو الذي يحصل على المال, وهو الذي يبني ويصنع ويفكك أسرار العلم, ويستطيع أن يُطَوِّعَها بإذن الله عز وجل.

    إذاً المخرج من كل أزماتنا ومصائبنا التي نعيشها وتعيشها الأمة معنا, هو بناء الإنسان، تتعدد الحلول ولكنها تتفق على أن الذي يمكن أن يتولى تمثيل هذه الحلول هو الإنسان ذاته.

    وأقولها لك صريحة: لن يحصل الإنسان على كرامته الحقيقية, إلا بالتزامه بدين الله تعالى, وذلك بسبب واضح تزيدنا به الأيام بصيرة, وهو: أن الإسلام هو كلمة الخالق أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14], على حين تعترف كل الدراسات النفسية والتربوية في هذا العصر، تعترف بجهلها بحقيقة الإنسان, وعجزها عن إدراك خفاياه وأسراره, وأنها تبحث في ميدان مجهول, أما الشرع فنـزل من عند حكيم حميد، يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير.

    1.   

    أزمات تربوية

    أما حديثى الرابع: فهو بعنوان "أزمات تربوية" وهذه الأزمات أزمات عامة ليست أزمات في البيت فحسب, ولا في المدرسة، بل تستطيع أن تقول: إنها أزمة في أزمة في الأمة كلها, تبدأ من البيت وهو الدائرة الصغيرة، وتنتهي بالأمة في وجودها العام.

    وهذه الأزمات متعددة لها أسبابها ومظاهرها ونتائجها, وأذكر شيئاً منها دون استيعاب.

    أزمة غياب الثقة داخل الأمة

    هناك أزمة نستطيع أن نعبر عنها بأزمة الثقة, غياب الثقة داخل الأمة، فهناك أزمة ثقة بين الحاكم والمحكوم، تبادل المخاوف والشك والظن وعدم الثقة. هناك أزمة ثقة بين الطالب والمدرس, هناك أزمة ثقة بين الناصح والمنصوح, بين جيل الشباب والشيوخ, بين الرجل والمرأة, بين المدير والموظف.. وهكذا.

    وكل هذه الأزمة مبنية على سوء الظن يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات:12], جعلت الأمة تتمزق إلى طوائف شتى, وإلى فرق مختلفة, وإلى طبقات متناحرة, لا يثق بعضها في بعض, ولا يتعاون بعضها مع بعض.

    وترتب على ذلك تعطيل المهارات والكفايات وقدرات الأفراد, وأصبحت هذه الأزمة, أزمة الثقة، تكبل الفرد عن الإبداع والإنتاج والاجتهاد والتعاون, وهذا مصداق ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم حينما قال لـمعاوية: {لا تتبع عورات الناس، فإنك إن تتبعت عوراتهم أفسدتهم أو كدت تفسدهم}.

    إن تتبع العورات من قبل المدرس -مثلاً- الذي يتتبع عورة الطالب, أو الابن الذي يتتبع عورة أبيه, أو الحاكم الذي يتتبع عورات الرعية, أو الرجل الذي يتتبع عورة المرأة, أو العكس في ذلك كله, إنه دليل على فقدان الثقة, بحيث أصبح الإنسان يبحث عن العيوب, وإذا لم يجدها حاول أن يصطنعها ويختلقها، وهكذا يقع الفساد العريض في المجتمع.

    أزمة غياب القدوة

    نموذج آخر: أزمة القدوة, القدوة التي لا يمكن أن تحقق التربية إلا بوجودها لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21], فهذه هي القدوة العظمى، الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم, الذي هو المثل الكامل في هديه وأقواله وأفعاله وأخلاقه وعبادته عليه الصلاة والسلام, ثم ما دون ذلك من القدوات، التي يمكن أن تحرك الإنسان فقط إلى عمل صالح متفق عليه، كما يومئ إلى ذلك حديث جرير -وهو في الصحيح- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من سَنَّ في الإسلام سنة حسنة؛ فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده إلى يوم القيامة} هو لم يأت بشيء من عنده, إنما أحيا سنة قد أميتت، وأثارها، وحركها، ودعا الناس إليها بقوله وفعله, فاقتدوا به، واندفعوا إليه بصدقة, أو إلى جهاد, أو إلى علم, أو إلى عمل, بسبب أنهم رأوا فلاناً فعل فقلدوه وحاكوه في ذلك، وذكرهم بما كان غائباً عن وجدانهم.

    أزمة القدوة: القدوة الحية -التي هي أصل التربية والسلوك- لم تعد تتوافر في المجتمع, فأحياناً لا توجد القدوة في المنـزل عند الأب بالنسبة للولد, أو عند الأم بالنسبة للبنت, لا توجد في الإعلام، فالإعلام قد يقدم -مثلاً- الفنان على أنه قدوة, أو يقدم اللاعب على أنه قدوة, أو يقدم الوجيه والثري على أنه قدوة, أو يقدم الشخصيات المرموقة اجتماعياً بغض النظر عن كفاءتها, وبغض النظر عن موقعها في دين الله عز وجل, وبغض النظر عن التزامها في السلوك والأخلاق.

    ولهذا أنت لو أمسكت بأصغر طفلٍ, وقلت له: ماذا تتمنى أن تكون؟ ما كان له إلا أن ينطق بأولئك الأشخاص الذين يبجلهم المجتمع، ويفرح بهم ويعظمهم ويقدرهم ويوقرهم, فهو يحب أن يكون مثلهم.

    التعامل والسلوك في المدرسة لا تقدم القدوة الصالحة -أحياناً- بل تتوفر على النقيض من ذلك ألوان من القدوات السيئة في هذه المرافق وفى غيرها, وهنا فراغ الساحة من القدوة، يعني: انعدام العمق التربوي لدى الأفراد, وتنازع الفرد بين أكثر من نمط من الأنماط الغازية, فهو في ذهنه فلان وفلان وفلان, وكل هؤلاء ليسوا أهلاً لأن يكونوا قدوة حسنة وغاب عنه أولئك الرجال الأفذاذ.

    أزمة غياب الحوافز

    ومن الأزمات: أزمة الحوافز.

    الحوافز التي تدعو الإنسان أن يعمل, وإلى أن يضحي, وإلى أن يبذل, وإلى أن يشارك, وأنت تجد في شريعة الله تعالى أولاً: الأجر والثواب فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ [الزلزلة:7-8] فهذا من الحوافز والأجر عند الله للأعمال الصالحة.

    أما العقوبة عند الله تعالى على الأعمال السيئة, وكنموذج -أيضاً- حين تنظر إلى عمل كالجهاد وما فيه من نـزيف الدماء, وإطاحة الرءوس, وعقر الجواد, وفقدان الحياة, تجد أن الشرع جعل للإنسان حوافز في هذا العمل, منها حوافز شرعية في فضل الجهاد والمجاهدين, وما أعد الله تعالى لهم في الدار الآخرة.

    حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم -كما في صحيح مسلم-: {إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجة والأخرى كما بين السماء والأرض، أعدها الله تعالى للمجاهدين في سبيله}, وبالمقابل هناك حوافز دنيوية سريعة أيضاً مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم -كما في غزوة حنين وغيرها-: {من قتل قتيلاً فله سلبه} أي: له ما معه من السلاح والعتاد, -كما هو معروف- في تنفيل السرايا، وإعطائها جزءاً من الغنيمة: الربع أو الخمس، على ما هو معروف تفصيله.

    إن هذا نموذج من الحوافز, ولابد أن يكون للمجتمع حوافز, فالمجتمعات الإسلامية اليوم تعاني من أزمة, يعني نقصاً حاداً, وأحياناً غياباً كاملاً, فالحوافز التي تدعو الإنسان إلى العمل، إلى الجهاد، إلى الدعوة، إلى النصيحة، إلى البذل, لابد من حوافز للعلماء والمبدعين تدعوهم إلى ذلك, حوافز للمربين والمدرسين, حوافز للمجتهدين, حوافز للمخترعين والباحثين, حوافز لكل أصحاب المواهب؛ بل لا أقول إن المجتمعات الإسلامية تخلو من الحوافز, إنما -أحياناً- نجد المسلمين في كل بلادهم ربما لا يميزون المبدع عن الخامل, أو عن النائم, ولا تتوافر لديهم أساليب لضمان حقوق أولئك الأشخاص, سواء كانت هذه الحقوق مالية أو معنوية أو غيرها.

    أزمة غياب الحقوق الشرعية

    ومن ألوان الأزمات:أزمة الحقوق الشرعية أو ما يعبر عنها بعضهم في العصر الحاضر: بأزمة الحرية, وهذا الاصطلاح غير وارد بهذا اللفظ بالمعنى المقصود, فالأولى أن يعبر عنه بأزمة الحقوق الشرعية, إنه لا عمل في الدنيا بدون تشجيع, ولا إبداع في الدنيا بدون حرية, -كما يقول بعضهم- والحرية يعنون بها: الحق الشرعي المنضبط.. الضمانة الصحيحة لتصحيح الأخطاء وتلافي العيوب, وهي إشعار للإنسان بآدميته وكرامته التي بينها الله عز وجل وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [الإسراء:70].

    إن أخطر ما تعانيه المجتمعات الإسلامية الحرية العوراء, الحرية الناقصة، التي تمنح لفئة من فئات المجتمع, على حساب فئات أخرى, أو تعطى لاتجاه دون آخر، خاصة حين يكون أولئك الذين منحت لهم الحرية, وأعطوا الحق كاملاً، هم من الفئات المنحرفة, التي تحمل أفكاراً مخالفة للأسس التي قامت عليها هذه الأمة, كالأفكار العلمانية مثلاً, أو الأفكار الحداثية, أو الأفكار الإلحادية, فيكون للإنسان الحرية في طرحها والحديث عنها، وترويجها بالكتاب، والمجلة،،والتلفاز والإذاعة، والنادي، والمنتدى، والأمسية وغير ذلك على حين لا يملك أصحاب الحق الشرعي, وأصحاب العلم, وأصحاب الدعوة, وأصحاب التوجيه, وأصحاب الريادة, وحملة الهدي السماوي, لا يملكون الحق ذاته.

    ومن نتائج فقدان الحرية، أو فقدان الحق الشرعي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

    من آثار ذلك الكَبْتُ والانطواء، والعزلة، والنكوص، وعدم التأقلم مع المجتمع, بل وربما يترتب على ذلك نمو مجتمعات داخل المجتمعات الإسلامية, مجموعات ترفض هذا الواقع وتحاربه, فضلا عن فُشُو الكراهية والبغضاء بين الناس.

    أزمة غياب الإتقان والإحسان

    ومن ألوان الأزمات: أزمة الإتقان والإحسان وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:195], إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128] أي شيء هو الإحسان؟ إنه الإتقان، كما عند البيهقي بسند حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه}, وفي الحديث الآخر -حديث شداد بن أوس وهو في الصحيح-: {إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة}هذا من الإحسان! حتى المقتول الذي يغادر الحياة تقتله قتلاً حسناً, {وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته}.

    إن من عدم الإتقان ضعف الإنسان في العبادة، مثلاً: تأخير الصلاة, أو التقصير فيها, أو التقصير في الطهارة, أو عدم الصلاة مع الجماعة, أو التفريط فيها, أو التفريط في الصيام, أو في الحج, أو في غير ذلك من العبادات التي أمر الله تعالى بها, ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: {الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك} فما بالك بعبد يعبد ربه وكأنه ينظر إلى الله عز وجل, ويراه بعينه فيكون مقبلاً عليه، معرضاً عما سواه صادقاً خاشعاً، لا يلتفت إلى المخلوقين طرفة عين, فهذا هو الإحسان في عبادة الله تعالى.

    وهناك لون آخر: وهو فقدان الإحسان فيما يتعلق بحقوق العباد, مثل عدم إتقان الأعمال المنوطة بك أيها الإنسان! إهدارها وتضييعها، والحرص على شكلية العمل ومظهريته، دون حقيقته، ومعناه: نمو الخواء أساليب التحايل والغش والخداع، والنقص في العمل, وعدم الحرص على إنجاز الأمور, أي أنك حريص على ألا تساءل عن عملك، لا يعاتبك المدير -مثلاً- على أنك تأخرت, ولا يعاتبك المسئول على أن هذه المعاملة ما نـزل عندك ولكن ما وراء ذلك، فإنك لا تلتفت إلى أحد، وهناك آلاف الأساليب والطرق التي يستطيع الإنسان فيها بالحيلة أن يتخلص من العتاب من الآخرين, ومن المسئولية، ومن المحاسبة, ولكنه يعلم في قرارة نفسه أنه ما قام بالواجب.

    أزمة غياب الكفاءة والمحسوبية

    أزمة الكفاءة، أو المحسوبية، أو الطبقية، أو التميز القبلي بين الناس، أو التميز العنصري, وعدم جعل المعيار في التقويم والتقديم والتوظيف والرعاية, عدم جعل المعيار هو المعيار الشرعي, إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص:26], فالقوة والأمانة، القوة في الدين، والقوة في العلم، والقوة في الخلق، والإتقان والأمانة, هذا من أزمة الكفاءة, ومنه: إبعاد الجادين والمصلحين والصادقين, لصالح الأقرباء والأصدقاء، وبني العم وبني الخال، والزملاء والجيران وسكان البلد أو المنطقة التي أنا منها.

    ومن آثاره إهدار الثروات العظيمة التي على رأسها الإنسان وإثارة البغضاء والشحناء بين الناس, وتضييع الأمانة بإيكالها إلى غير أهلها, وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم -لمن سأله عن الساعة-: {إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة, قيل: ومتى إضاعتها؟! -قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح-: إذا وُسِدَ الأمر إلى غير أهله, فانتظر الساعة}.

    أزمة غياب التخطيط

    أزمة التخطيط: والتخطيط مطلب شرعي، حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعتمده كثيراً، وحادثة الهجرة مثلٌ ذلك في هذا المجال, ومثل -أيضاً- لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم قال: -كما في صحيح مسلم- {أحصوا لي من يلفظ بالإسلام} وهو من حديث حذيفة, فأجرى النبي صلى الله عليه وسلم عملية إحصائية لعدد المسلمين, وهذا كله يتعلق بموضوع التخطيط، ومحاولة الإعداد للمستقبل, التخطيط لحل المشكلات التي يمكن أن تنجم, التخطيط لتنمية المجتمع, التخطيط لبناء النفس, التخطيط للوقاية من الأخطاء والأخطار المقبلة. ونحن نعرف أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتخوفون وهم في المدينة من غسّان، حتى أن رجلاً لما طرق على عمر خرج إليه عمر، وقال له: ما لك؟ قال: افتح، حصل أمر عظيم! قال: ماذا، هل جاءت غسان؟! قال: كنا نتسامع أنهم ينعلون الخيل لحربنا, وقد امتلأت قلوبنا منهم رعباً, قال: لا، الأمر أعظم من ذلك, طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، والحديث طويل معروف.

    والشاهد: أن تَوَقُع الأخطار المستقبلية والاستعداد لمدافعتها وإزالتها جزء مما هو مطلوب من المسلم, ولكن انعدام الشعور الصادق بالمسؤولية, وانعدام المؤسسات والدراسات والاستطلاعات, وعدم توفر البيانات الصادقة الضرورية للعمل, وإبعاد الكفاءات المخلصة, واستيراد المخططين الأجانب من خارج دائرة المنتفعين والمستفيدين, بل من خارج أبناء الأمة كلها, كل هذا أوجد أزمة في التخطيط على مستوى الأمة، في كل مدنها، ودولها، ومناطقها, وأنتج ذلك عواقب منها:

    استمرار التخبط, وعدم انتظام الأمة, وعدم تحقيقها لما تطمح إليه وتصبوا إليه, ومثله أن الأمة أصبحت تتعرض دائماً وأبداً لمفاجآت غير محسوبة, ونكبات لم تكن تنتظرها, وأهدر المال والجهد في أشياء لا تنتفع الأمة في حاضرها ولا في مستقبلها, وكم ندمت الأمة على مالٍ بذلته, أو علاقة بنتها, أو خطة رسمتها, أو غير ذلك من الأشياء!

    أزمة غياب الأمن

    أمن الإنسان على نفسه، أو على مستقبله، أو على دينه -قبل ذلك كله- أو على فكره، أو على ماله، أو على ولده، أو جاهه، أو منصبه، أو مكانه، أو كرامته، أو سمعته، إلى غير ذلك, ويجب أن نعلم أن الخائف لا يعمل شيئاً، ولا ينتج شيئاً، ولا يتعاون مع أحد, ولا يوجد أمن للإنسان دون وجود حدود فاصلة له- واضحة وواقعية- تبين ما للإنسان فيه حق فيفعله, وما ليس للإنسان فيه حق فيتركه, وما لم توجد الإجراءات الكافية لحفظ حقوق الإنسان، إذا ظلم، أو إذا اعتدي عليه، أو قصر في حقه، كائن من كان هذا الظالم، ومهما كان حجم الواقع عليه.

    أزمة غياب المنهج

    الأمة كثيراً ما تغيبت عن وعيها, ولا تعرف هويتها وحقيقتها وانتماءها, أو تغيبت عنها قبلتها التي أمرت أن تتجه إليهاصحيح! يعلم الناس أن الكعبة هي البيت الحرام فيصلون إليها في أحيان كثيرة, لكنهم قد لا يعرفون إلى أين يتجهون في تفكيرهم! وإلى أين يتجهون في اقتصادهم! وإلى أين يتجهون في سياستهم! وإلى أين يتجهون في إعلامهم! والإسلام دين جاء ليهيمن على الحياة كلها, ولتدور في فلكه كل الأعمال والأفكار والتصورات والمواقف.

    لقد ظل جزء من الأمة يركض وراء الشيوعية حتى فوجئ بسقوطها, ولا زالت أجزاء كبيرة من الأمة تركض وراء التغريب, ووراء النظام الدولي الجديد, ووراء أمريكا بنظمها وسياساتها وخططها وأفكارها ومناهجها, ولا زالت أجزاء كبيرة من الأمة تنادي بـالعلمانية وفصل الدين عن الحياة وعن كل المجالات العلمية المثمرة.

    ومثل ذلك: التبعية لبعض المذاهب أو النظريات القديمة, ولو كانت موجودة في تاريخنا أو تراثنا, فإن تاريخنا يوجد فيه الآراء المنحرفة..آراء الفلاسفة, وآراء الجهمية, وآراء المعتزلة, آراء الأمم الكثيرة التي نقلها بعض المسلمين وترجموها وتأثروا بها, فلا بد من تحرير التبعية، وأن يكون المعيار في المنهج للقرآن الكريم والسنة النبوية -لا غير- وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7].

    إن هذا المقياس يقضي على كل صور التناقض في الأمة, فما وجدناه موافقاً للحق الوارد في القرآن الكريم والحديث الصحيح أخذنا به، بغض النظر عن مصدره, وما وجدناه مخالفاً رفضناه، ولو كان ظهر من بيننا ومن بلادنا.

    من مظاهر انعدام المنهج أو ضعفه أو أزمته تذبذب الشباب وترددهم، وانعدام الانسجام الفكري والثقافي، وأزمة الثقة أيضاً بين الشباب.

    أزمة غياب التدين

    وأخيراً من الأزمات: أزمة التدين: بل لعلها أهم الأزمات, ولذلك جعلتها هي الأخيرة، أزمة غياب مراقبة الله عز وجل وغياب الخوف من لقائه, وأي معنى لحياة إنسان غاب عنه الإيمان بالدار الآخرة؟! قال تعالى عن بعض عباده المخلصين إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ [ص:46], فذكر الدار الآخرة واعتبارها في عمل الإنسان وقوله وفعله، هو الذي يضبط المعيار والميزان في نفسه, يجعله يقبل الخير بطواعية, ويعرض عن الشر بطواعية. فهذا يوسف عليه الصلاة السلام تتيسر له كل الأسباب في بيت امرأة العزيز, وهي سيدة البيت، وقد أغلقت الباب، وفي خلوة، وقالت هَيْتَ لَكَ [يوسف:23] وفى قراءة (هئتُ لك), قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [يوسف:23].

    فالخوف من الله والتدين -أمر عظيم- يجعل الإنسان يعرض عن الحرام، حتى ولو كان في متناول يده, ويفعل الطاعة والخير حتى ولو كان فيه حتفه وعطبه.

    أولئك الذين يخوضون المعارك, وتتساقط رءوسهم, هل كانوا يجهلون ذلك المصير؟ كلا. ما جاء إنسان للمعركة وهو يعتقد أنه ذهب إلى نـزهة أو سياحة, لقد عرف أنه ذاهب إلى ميدان حرب, ولكنه يعلم أن تلك الضربة التى يطير بها رأسه إن كان صابراً محتسباً، مقبلاً غير مدبر, هي التي يدخل بها الجنة، برحمة الله عز وجل وإذنه.

    إن أزمة: غياب التدين، وضعف مراقبة الله تعالى، وعدم الخوف منه, لهي أهم من كل ما سبق؛ بل هي السبب الرئيس في كل ما سبق, فذلك المسئول الذي فَرَّطَ في عمله، أو المدرس، أو الطالب، أو الأب، أو الزوج، كل هؤلاء ما فرطوا إلا بسبب ضعف التدين, وهذا السبب له نتائج:

    من مظاهرها: جفاف الإنسان في روحه, في محبته لله، وفي إيمانه وفي إشراق قلبه، وتوقده, وإيمان الكثيرين بالماديات حتى كأنها كل شيء, فأنت حينما تحدث الإنسان التاجر -مثلاً- عن البركة يلوي رأسه كأنه لا يؤمن بذلك, إنما يؤمن بالحسابات والدراسات الاستشارية, والأمور المبنية على حقائق عملية لها نتائج, وينسى وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف:96].

    فينـزل الله تعالى البركة على عباده المؤمنين إذا صدقوا وآمنوا واتقوا.

    ومن نتائج ذلك: اضمحلال النية الصادقة في عمل الإنسان، وفي أموره كلها, فلا يعمل إلا ما يرى أن له فيه مصلحه دنيوية عاجلة.

    ومن أثار ذلك: ضعف الإذعان لأمر الله وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم, فأصبح الكثيرون يسمعون الأوامر ثم يخالفونها, ويسمعون النواهي ثم يأتونها, لماذا؟! لأن ذلك القلب المندفع إلى الطاعة قد ضعف فيه الدافع والحافز.

    ومثل ذلك نسيان حقوق الله تعالى كلها, بل نسيان حقوق العباد، أيضاً.

    1.   

    أسباب حدوث الأزمات التربوية

    النقطة الخامسة لماذا يحدث هذا؟ لماذا تزداد الأخطاء؟! ولماذا تتعقد المشكلات؟! ولماذا لا نجد لها حلاً؟! ثمة أسباب عديدة، أذكرها بسرعة كسباً للوقت:

    السبب الأول: الرضا والقناعة الموجودة لدينا رضينا بالواقع، لا ندرك مشكلاتنا بشكل صحيح, وننكر وجودها -أحياناً- ونرى أنه ليس في الإمكان أن أبدع أكثر مما كان, وكل أمورنا مبنية على الكمال والتمام, ليس لدينا إحساس بحجم الفارق بيننا وبين غيرنا, والبعض منا يرغبون في الركود وعدم التجديد بحال من الأحوال.

    السبب الثاني: عدم إيماننا بوجود المصارحة والمناصحة فيما بيننا, وعدم الوضوح والصراحة والمكاشفة في تعاملنا مع واقعنا, وعدم مناقشة أمورنا ومشكلاتنا بصورة صحيحة، وذلك لأننا نرغب -أحياناً- -كما نظن- في عدم الإثارة, أو اتقاء الفتنة, أو المساس بالمكاسب، أو غير ذلك, وننسى أنه لا يمكن تجنب الإثارة، واتقاء الفتنة، والحفاظ على المكاسب، إلا من خلال منهج واضح صحيح للنقد والمعارضة والمكاشفة, يكون مبنياًَ على الحقوق المتبادلة بيننا جميعاً, بين الزوج وزوجته, وبين الوالد وولده, وبين المدرس والطالب, وبين الحاكم والمحكوم, وهكذا..

    السبب الثالث: عدم تحديد المشكلات بدقة, -فأحياناً- نحن نعزل كل مشكلة على حدة، كما لو كانت مخلوقاً مستقلاً منفرداً، ونحاول أن نبين أسبابها، ونقترح الحلول لها، وندرس هذه الحلول، ونخلص إلى نتائج نهائية، دون أن نربط بين ذلك وغيره من الأمور.

    السبب الرابع: عدم الثقة بالعلم, وعدم البحث العلمي، واعتماد الأساليب العملية في الوصول إلى تحديد المشكلة وأساليب حلها, وتسخير العلوم الممكنة لهذا الأمر.

    السبب الخامس: ضيق الأفق لدى البعض, أو الركود والتعصب للمألوف والعادات, والانطلاق من بعض المسَلَّمَات والبديهيات الخاصة، التي ليس لها سند شرعي ولا عقلي, فالكثيرون يقولون لك: هذا الأمر لا يتجادل فيه اثنان, ولا ينتطح فيه عنـزان! أو يقولون لك: هذا واضح وضوح الشمس في رابعة النهار, لمن أنار الله بصيرته, ولكن الواقع أن هذا الأمر ليس سوى أمر مألوف ومعروف, وهذا الضيق النفسي والعقلي الموجود لدى البعض يعميه ويصمه عن التقدم خطوة واحدة نحو التعرف على الأخطاء, وتعديل السلوك وحل القضايا والمشكلات.

    السبب السادس: اعتقاد البعض أن مشكلاتنا تحل عن طريق الأساليب العقيمة, فمثلاً: الجدل والتراشق بالألفاظ، والتعصب، والتحيز الواضح لفكرة معينة, أو استيراد الحلول الجاهزة -أحياناً- أو ترك المشكلة اعتقاد أن الزمن كفيل بحلها, أو إلغاء الأسباب والنتائج, أو إلقاء المسئولية على الآخرين، وانتظار الحل منهم, أو التعامل مع المشكلات بالعواطف, كل ذلك قد يسكن الألم -أحياناً- ولكنه لا يوقف النـزيف على المدى الطويل.

    السبب السابع: هو عدم استصحاب النية الصالحة في نفع الناس, وبذل الوسع في التعامل مع القضايا والمشكلات, ونسيان الموضوعية في غمار التعصب, وعدم الإنصاف والتأني..إلى غير ذلك من الصفات التي ينبغي أن يتميز بها كل باحث عن الحقيقة.

    1.   

    أخطاء وحلول

    أما النقطة السادسة والأخيرة وهي بيت القصيد فهي بعنوان "أخطاء وحلول".

    التركيز على الأخطاء

    الخطأ الأول: فأين الصواب إذاً؟ وأعني بهذا الخطأ: التركيز على الأخطاء, ولعل لقائل أن يقول: إن محاضرتك نفسها عنوانها (بعض أخطائنا في التربية) فأقول: نعم حتى التركيز على الأخطاء في موضوع أو درس أو محاضرة ينبغي أن يكون بقدر معتدل.

    إن التركيز على الأخطاء والانحرافات لا يبني أبداً, بل الأصل هو وضع المعيار الصحيح، وتمكين الإنسان أن يكتشف الخطأ بنفسه, مع الثناء عليه إذا أصاب, وتوجيهه إذا أخطأ. مثلاً: الواعظ والخطيب: إنما هو مربٍّ فينبغي له أن لا يركز على الأخطاء, ويجعل كل خطبه ودروسه ومحاضراته هي عبارة عن سياط يلهب بها ظهور الناس, فيخرجون منه كل يوم وقد حميت ظهورهم من أثر هذا الكلام الذي انحى به عليهم لا, ينبغي أن يكون -أحياناً- هناك حديث عن الصواب، ليعمله الناس دون تعريض للخطأ, -وأحياناً- يكون هناك ثناء على بعض الظواهر الإيجابية حتى تنمو وتكبر, وأحياناً يكون هناك تنبيه إلى بعض الأخطاء، بالأسلوب الشرعي المناسب. المدرس أو المدَرِّسَة -أيضاً- هم من المربين فكون المدرس أو المدَرِّسة يركز على أخطاء الطالب فإذا أخطأ وأبرز الخطأ وعلق عليه، وأكد على هذا الخطأ, فإن هذا يحطم الطالب، ويجعله لا يفكر في المحاولة مرة أخرى, لا, ينبغي أن يبرز الجانب الآخر.

    جانب الصواب الذي أصاب فيه, الجانب الإيجابي عند الإنسان.

    ومن القصص المشهورة التي تبين لك أن الإنسان يستطيع أن يؤدي المعلومة بأكثر من أسلوب: أن خليفة رأى في المنام أن أسنانه قد سقطت, فطلب رجلاً يعبر الرؤيا, فقال له: يا أمير المؤمنين! يموت أهلك كلهم، وتبقى أنت بعدهم! فأمر به فجلد حتى أغمي عليه, ثم قال: ارفعوه عني.

    فدعا بِمُعَبِّرٍ آخر, فقال له: يا أمير المؤمنين! أنت أطول أهلك عمراً، فأعطاه جائزة!!.

    إن الإنسان يستطيع أن يعبر عن التوجيه والإرشاد والنصيحة بأسلوب غير مباشر أحياناً، وبأسلوب مباشر أحياناً أخرى, ويمتدح الصواب في بعض الأحيان, ويمتدح فلاناً لأنه أصاب وهكذا.. والأب -أيضاً- مربي، فكون الأب لا يحسن إلا سب أولاده وشتمهم، والدعاء عليهم وتعييرهم وفلاناً فعل وابن فلان فعل.. وأنتم فيكم وفيكم.. هذا لا شك لن يبني أولاداً صالحين قط, بل سيجعل هؤلاء الأبناء يفقدون الثقة بأنفسهم, ويعيشون إحباطاً, وقد يؤدي إلى كراهيتهم لأبيهم, لكن بدلاً من أن تقول: أنت أخطأت قل: هذا العمل لا يعجبني، لا يناسبني، أو لا يصلح, ولو قلت له هذه المرة أخطأت, المرة الثانية: لا بد أن تثني على الصواب, من الممكن أن تستخدم معه أساليب متعددة؛ بل أقول كل إنسان في مسئولية، فهو يتناول ويتولى جزءاً من مسئولية التربية, حتى الحاكم الأعظم أو الإمام أو الخليفة أو السلطان هو أيضاً مربٍ على نطاق أوسع، ومسئوليته في عدم تتبع الأخطاء, وعدم تتبع العورات, واضحة جليه.

    إذاً لا بد أن تكون الأخطاء موضوعة بصورة معتدلة إن الإنسان الذي يلاحق أخطاء الناس, ويكثر من الحديث عنها، ربما يكون لديه شعور بالكمال, ولذلك فهو -دائماً وأبداً- يبحث عن الزوايا المظلمة, والمناطق القاتمة في الناس ليتحدث عنها.

    الشكل أم المضمون؟

    الخطأ الثاني: الشكل أم المضمون: إن الإغراق في الشكل على حساب المضمون, أو في الكم على حساب الكيف, من أعظم أمراضنا! مثلاً: الرجل يهتم بملابسه وبغترته وبحذائه, والمرأة كذلك..., بل أشد، فتجد كل موديل جديد لدى المرأة, وتجد لديها ألواناً من تلك المجلات والكتب التي تسمى بالبوردات, فاليوم من فرنسا، وغداً من تايلاند، وبعد غدٍ. وهكذا.., وتجد لديها عشرات، بل مئات من الملابس والثياب، ربما لم تلبس منها شيئاً إلا قليلاً، وبعضها مرة واحدة أو مرتين!.

    وكذلك الحال بالنسبة للطفل، فنحن معنيون جداً بملابسه وجماله وحذائه وغير ذلك, هذا بلا شك إذا كان في حدود الاعتدال، فهو مطلوب، ولا بأس به, لكن لا يجوز أن يكون ذلك على حساب العناية بصلاح الإنسان، بقلبه وأخلاقه، ودينه، وعمله، وثقافته، وعبادته، وتربيته, مثل ذلك قصات الشعر -مثلاً- والتسريحات، وبالأمس كنا نحسبها للنساء فقط.

    فالمرأة اليوم تقص قصة وغداً تقص قصة أخرى, وأصبحت الفتاة تتابع التسريحات في العالم أولاً: بأول, ليس هذه المشكلة فقط؛ بل تطور الأمر وأصبح هذا حتى بالنسبة للشباب, فأنت تجد تلك الصالونات التي كثرت، أصبحت تعتني بقصات الشعر وتتخصص فيها, وربما جلس الشاب أمام المرآة وقتاً طويلاً من أجل تسريح شعره, لكن لو تجاوزت هذا الشعر قليلاً إلى ما يوجد في داخل، الرأس معلومات، وعقل، وثقافة، واهتمامات، ربما تجد خواء في خواء.

    ومثلاً الأثاث المنـزلي: كثيرون منا يهتمون بالأثاث المنـزلي، وتجديده وتنويعه وتناسقه في ألوانه إلى غير ذلك, ومن الضروري أن يكون جهاز التلفاز موجوداً أو جهاز الفيديو, وغرف النوم الفخمة إلى غير ذلك! الكثيرون يهتمون بهذا ولكن! الاهتمام بقيام المنـزل على أساس السعادة الزوجية -مثلاً-, وقيام المنـزل على المسئولية المشتركة, وقيام المنـزل على أساس شرعي، هذا ربما لا يكون قائماً في اهتمام البعض!

    ومثله -أيضاً- مسألة الترفيه والرياضة فأنت تجد الأمة تحتفل احتفالاً كبيراً بالترفيه, والرياضة لون من ألوان الترفيه, ولكنها أخذت من وقتنا وعمرنا واهتمامنا, وأخذت شبابنا وفلذات أكبادنا, فأصبح الطالب حتى وهو في أيام الاختبار -مثلاً- مشغولاً بمتابعة دوري ما، أو مشغولاً بمتابعة الرياضة على الشاشة أحياناً, وأصبح يحفظ أسماء أندية العالم، وألوان ملابس هذه الأندية، وأسماء المدربين، وغير ذلك، ويتابع أولاً: بأول, وليس ذلك فقط، بل يبذل من عواطفه ومشاعره واهتماماته الشيء الكثير في هذا السبيل.

    ومثله -أيضاً-: الجانب الترفيهي: الذي أصبح يأخذ وقت الكثيرين من الناس, ولو أنهم أعطوا الناحية الشرعية أو العقلية أو الثقافية أو العلمية جزءاً من ذلك: لنتج عنه خير كثير.

    اهتمام الأمة عامة بالمباني والجسور والطرق والمعالم الحضارية -كما تسمى-, اهتمام المدير في المدرسة بحضور المدرسين, أو اهتمام الموظف بحضور مرءوسيه وقت الدوام، وألا ينصرفوا إلا في الوقت نفسه, دون أن يهتم بالعطاء وهل أنجزوا ونجحوا وأدوا مسئوليتهم، أم أن الواحد فقط! يحضر ثم لا يقوم بعمل؟! اهتمام الأب ببقاء أولاده في البيت, لكن يبقون لماذا؟! هل ليتعلموا؟! هل ليحفظوا القرآن؟! هل ليتربوا على مكارم الأخلاق؟! هل ليقوموا بعمل دنيوي ومفيد؟! لا يعنيه ذلك، أم أنهم جلسوا أمام التلفاز، أو أمام الفيديو، أو أمام أشياء قد لا تكون في مصلحتهم.

    اهتمام المدرس بالمنهج، المهم أن ينتهي من المنهج مع نهاية العام الدراسي، وليس المهم عنده -أحياناً- هو بناء الطالب وإعداده، وتنمية علمه وعقله، وتأهيله للنـزول إلى ميدان الحياة, وخدمة الأمة.

    اهتمام الأمة -في تعليمها- بعدد الدارسين! فنحن نجد أن التعليم متاح للجميع، وأي طالب لا يتعلم يعتبر ناقصاً، ليس فقط للمستوى المتوسط أو الثانوي؛ بل لا بد أن يأخذ الجامعة, وإني أعرف البعض من الطلاب قد يجلسون زماناً طويلاً في الجامعة لأنه مشغول عنها.. مشغول بأمور البيت وبتجارته وبأعماله الأخرى, ولكنه مع ذلك مُصِرُّ على هذا الأمر، وكأنه ليس له أهلاً أو ليس له مناسباً, لماذا؟ لأن هذه التقاليد فرضت علينا، أن هذا الروتين لا بد أن يتم, ولا بد لكل الجيل أن يتعلم, وكأنه لا يمكن أن يخدم إلا من خلال هذه القناة, مع أن الإنسان الذي يكون فاشلاً في دراسته -مثلاً-, قد يكون ناجحاً جداً في ميادين أخرى، إذا اتجه لها وانبرى لها, لكن هذا القانون السائد جعله يهتم بهذا الجانب دون رعاية هذه النوعية!

    حتى في دراساتنا العليا، لما يطالب الإنسان أن يحضر رسالة ماجستير أو دكتوراه, تجد أن السؤال الذي يطرح نفسه تلقائياً: كم صفحة رسالته؟! كم مجلد؟! لكن قلما نسأل ما هي النتائج التي توصل إليها, هل كان عميقاً في بحثه؟! هل وصل إلى نتائج جديدة؟! إلى غير ذلك من الأسئلة التي تتعلق بالمضمون.

    مثل ذلك الإعلام: تجد أن الإعلام العربي كله في بلاد الإسلام -أيضاً- تجد هذا الإعلام يهتم بساعات البث والإرسال أن تكون مستمرة, لكنه لا يهتم بنوعية ما يشاهده الناس, أو نوعية ما يستمعون, هل هو ينفعهم أو يضرهم؟ هل يبني أو يهدم؟ هل هو على حساب الأخلاق والدين، أم يقوي ويعزز جانب الأخلاق والدين؟!.

    ومثله -أيضاً- الجوانب العسكرية في العالم الإسلامي: فقد تجد -أحياناً- توفيراً لبعض الأجهزة، أو عناية بعدد الجنود, ولكن! لا تجد الاهتمام بكفاءتهم وقدراتهم, فضلاً عن أن تجد الاهتمام بإخلاصهم ومعرفتهم للهدف الذي من أجله يتدربون, ومن أجله يقاتلون, ومن أجله يتربون, لذلك اليوم الذي يفترض أنهم يربون له، ألا وهو مقاومة أعداء الإسلام, والدفاع عن الحرمات، وعن الدين، وعن الأخلاق، وعن مكتسبات الأمة الإسلامية.

    إذاً: تتلخص اهتماماتنا كثيراً بالمادة على حساب الإنسان, حتى اهتمامنا بالإنسان حين نهتم به, نهتم به من الناحية المادية فحسب.

    فنحن قد نعامله كرقم في الإحصاء -مثلاً- نعده إنساناً ونعطيه رقماً, ولكننا نكتفي بهذه المعاملة الرقمية العددية أو الآلية, وننسى الكرامة التي هي سِمَتُه, والابتلاء الذي ألقي على كاهله, إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الإنسان:2], وننسى التكليف الذي حمله لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة:286].

    إن من أعظم ذلك: الاهتمام بالظاهر على حساب الباطن, وفي الشريعة الإسلامية والقرآن والسنة لا يوجد أصلاً, ولا يتصور تفاوتاً بينهما, فكما قال: عليه الصلاة والسلام كما في الحديث المتفق عليه {ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب}.

    فصلاح الظاهر -حقيقة- يدل على صلاح الباطن, وصلاح الباطن لا بد أن يثمر صلاح الظاهر, لكن مما ينبغي أن نعلمه -دائماً وأبداً- أن العقيدة هي الأصل.

    فالأمور العلمية الاعتقادية, كمعرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة اليوم الآخر، والإيمان به والملائكة والكتاب والنبيين, هذه الأشياء أصول ينبغي أن تغرس في النفوس، وتبنى عليها التربية, ثم الأعمال القلبية -أيضاً-, كمحبة الله تعالى وخوفه ورجائه، والرغبة فيما عنده، والخشوع له، والرهبة والإنابة إليه، وغير ذلك من المعاني العظيمة, هي أمور يجب أن تغرس في القلوب. ثم تأتي بعد ذلك الأعمال الظاهرة كالعبادات، وهي مبنية على الباطن, ولهذا لو صلى من غير نية لم تكن صلاة مقبولةفَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [الماعون:4-7].

    ومثله: العبادات كلها, وكذلك الاهتمام بالشكل المظهري للإنسان، كالعناية -مثلاً- بملابسه، وبشكله، وبشعره، وبمشيته، ودخوله، وخروجه, وموافقة ذلك كله للشريعة.

    من زرع الشوك لا يحصد العنب

    الخطأ الثالث: إنك لا تجني من الشوك العنب!

    إننا جميعاً نعاني من الإهمال التربوي, ومع ذلك ننتظر نتائج طيبة, وأضرب لك أمثلة:

    الحكومات التي تريد الحفاظ على أبنائها وشعوبها, تجد أنها تتعاهدهم بالرعاية والعناية والخدمة والملاحظة, كما يتعاهد الإنسان غرسه ونبته صباح مساء, وتجد أنها تسعى إلى كسب ولائهم وتضع الخطط التربوية الناجحة للتأثير عليهم.

    الأسر التي تريد الحفاظ على أبنائها -أيضاً- تجد أنها تحرص عليهم وتراقبهم مراقبة دقيقة, وتبذل في سبيل ذلك الغالي والنفيس.

    أما المشكلة فهي الإهمال التام عندنا لأولادنا، وأسرنا، وبيوتنا، وشعوبنا, ثم ننتظر نتائج إيجابية، وأحياناً نندهش ونفاجأ حينما تخيِّب ظننا الأمور.

    الأب مشغول بالتجارة, والآخر مشغول بالمزرعة, والثالث مشغول بالوظيفة, دوام صباحي ودوام مسائي, ورابع مشغول بالسفر في الإجازات، وفي الخميس والجمعة, ومشغول مع أصدقائه في بقية الأيام, أو مشغول بالزوجة الجديدة، التي أخذت عقله ولبه وقلبه ووقته, وأصبح كل همه ووجهه إليها, أو حتى قل: مشغول بالدعوة إلى الله تعالى, ومشغول بالعلم، ومشغول بالتعليم، وهي خير ما يشغل به الإنسان, لكن لا ينبغي أن ينشغل بهذا أو بذاك عن مسئوليته المباشرة التي حددها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: {ابدأ بمن تعول}.

    يقول الولد: لمن تتركنا؟!

    وتقول الزوجة ويقول القريب: -أحياناً- حتى مجرد الجلوس مع الأولاد، أو الأكل معهم، أو المزاح، أو سؤالهم عن أحوالهم أو دراستهم وأوضاعهم، لا يكاد يتحقق من بعض الآباء المشغولين, وهذه مصيبة.

    يقول الشاعر:

    ليس اليتيم من انتهى أبواه من     هم الحياة وخلفاه ذليلا

    إن اليتيم هو الذي تلقى له          أماً تَخَلَّتْ أو أباً مشغولا

    ليس هذا فحسب, فليست المشكلة فقط أن هؤلاء لم يجدوا من يربيهم!!

    بل إن المشكلة أن هناك وسائل بديلة قامت بتربيتهم.

    فمثلاً: الإعلام أوالتلفاز الذي يستلم الطفل أو الشاب أو الزوج، من أول ما يدخل المنـزل حتى ينام, بكل برامجه وصوره، وخيره وشره.

    ثم يأتي دورالفيديو الذي يكمل نقص الإعلام، ويستطع الإنسان أن يحصل على ألوان من آلاف الأفلام التي تصور له أوضاع الشعوب الأخرى, فهذا يصور لك كيف يعيش الناس في المجتمع الأمريكي الكافر؟! وآخر يصور لك معيشتهم في المجتمع البريطاني الكافر! وثالث في المجتمع الفرنسي الكافر! ورابع يتحدث لك عن أوضاعهم الاقتصادية! وخامس عن الأمور الفنية! وسادس! وسابع! وهكذا..!

    إذاً: هذا الإعلام بصورة واضحة وصريحة يقدم للناس هدياً وشريعة بديلين عن هدى الله تعالى وشريعة محمد صلى الله عليه وسلم! فهو يعلم الكبير والصغير، كيف يدخل, وكيف يخرج, ويقعد وينام؛ بل كيف يخاطب, وكيف يُحَيْيِّ الناس, وكيف يتعامل معهم, فتتعلم منه البنت كثيراً من الأخلاق السيئة المنحرفة, ويتعلم منه الابن والفتى والصغير والكبير.

    إذاً: فرض أن في أجهزة الفيديو والأشرطة الموجودة نقصاً، وليس موجوداً في تصوير ألوان التعاسة، التي تعيشها المجتمعات الغربية, فإن البث المباشر الذي أصبح يطل علينا الآن سيكمل هذا النقص على كل حال! وأنت تجد إعلانات -أحياناً- عن بعض الألوان من الأقراص، التي تستقبل ما يزيد عن أربع وتسعين قناة -ومع الأسف الشديد- أصبح يمكن لهذه في بلاد المسلمين, وتباع علانية, بل وتنتشر الدعايات حتى في صناديق البريد, دون تشهير ولا نكير, فضلا عن الصحف والمجلات.

    إذاً الجانب الإعلامي: إذا غفلت أنت فهو ليس بغافل. الجانب الرياضي الذي يهتم ببناء الأجسام دون بناء العقول، ودون بناء الأخلاق ودون بناء الروح والعلم, هذا أيضاً لا يغفل, فهو يبنى لك ولداً قوياً في جسمه ولكنه خواء في عقله وعلمه ودينه.

    وأنا لا أقول: إن كل من يعمل في هذا المجال هو كذلك, ونحن نعلم أن من الرياضيين قوماً صالحين والحمد لله تعالى, ولكننا نحذر من مثل هذا المصير, فضلاً عن الجو الصاخب الهائج الذي يحدث أثناء المباريات, أو المنتديات أو غيرها، فضلاً عن تلك النوعيات المتفاوتة, من الكبار والصغار, ومتفاوتون في تعليمهم وأخلاقهم وسنهم، وفي غير ذلك.

    إذا غفلت أنت فلن يغفل قرناء السوء من ضحايا المخدرات, أو محترفي الإجرام, أو هواة المغامرة, الذين هم من سن ولدك، وهم قادرون على التأثير عليه, وعلى إقناعه بصحبتهم ومشاركتهم في مغامراتهم وأنشطتهم.

    والشارع بكل ما فيه: فإن أقل ما نقوله فيه: أنه ليس مكاناً للتلقي والتربية والتوجيه, وتغيب فيه الرقابة سواء من الوالدين أو من غيرهم, فإذا غفلت فلن يغفل الشارع.

    وأيضاً العناصر الدخيلة, السائق -مثلاً- الذي يذهب مع البنات إلى المدرسة والسوق، وإلى مكان الترفيه، وإلى مدينة الألعاب وإلى غيرها..دون أن يكون هناك أي قدر من التوجيه ولا من الرقابة, والثقة في ظن الكثيرين موجودة, ونحن نعلم أن كل أب يثق في بناته تلقائياً, ويثق في أولاده تلقائياً, لماذا؟ لأنه يذكرهم منذ الصغر ويذكر ما فيهم من البراءة, والبعد عن هذه المعاني, ويرى -أيضاً- ما عندهم من الخجل والحياء، الذي يجعلهم لا يتكلمون أمامه بشيء, فيظن الأب أن أولاده وبناته أبرار أطهار, ولا يتوقع أن المشاعر المتأججة التي قد تثور في نفس أي شاب, تثور عند ولده أو تثور عند بنته, فيضع مع هذه الأمور سائقاً مع بناته مثلاً، أو يضع خادمة مع الأولاد في المنـزل, ويعتقد أن الثقة موجودة ولا شك أن هذا من أخطر الأمور.

    وكذلك المدارس الأجنبية أو المدارس الخاصة، التي تعتبر -أحياناً- نوعاً من الوجاهة لا غير, فيكفيني أن أقول أن ولدي يدرس في مدارس خاصة, وأفاخر بأنه يحسن اللغة الإنجليزية؛ بل إن بعض هذه المدارس تبعث شبابنا للتزلج على الجليد في سويسرا وغيرها, وبعضها تبعث بهم إلى بريطانيا ليقضوا الإجازة الصيفية عند أسر نصرانية كافرة, بحجة أنهم يتعلمون اللغة الإنجليزية, بل إن بعضهم يذهبون بأولادهم إلى الخارج ويقيمونهم في فنادق خاصة بالأطفال, كما أعلنت عنها عدد من الإذاعات ووسائل الإعلام تستلم، الطفل والأب مشغول؛ مشغول بدنياه, أو بتجارته وبصفقاته, وقد يكون مشغولاً بغير ذلك مما لا نبوح به, فيدع أولاده في فندق في بلد غربي, هذا الفندق لا يسمح للأب بأن يأتي إلى ولده إلا مرة في الأسبوع ليطمئن عليه, وهم يستلمونه بعد ذلك ليربوه على أخلاقيات معينة, وعقائد معينة, ومفاهيم وسلوكيات معينة, ولك أن تتصور أي مستوى من الدين والأخلاق والشيم سوف يتربى عليها أطفالنا في مثل هذه البيئات!

    إذاً: الجو العام يؤثر تأثيراً كبيراً, والبيئة التي يعيشها الطفل، الإسكان -مثلاً- والسفر والغربة والفندق والزملاء والمدرسة إلى غير ذلك, فأنت إذا غفلت هم لا يغفلون.

    ولا شك أن هذه جوانب سلبية في مجتمعنا, ولا يعني أن المجتمع يخلو من وسائل التربية الإيجابية, كلا! فنحن ندرك -مثلاً- أن هناك مدارس كثيرة تعتبر التربية فيها تربية إيجابية, فيها مدرسون ناصحون، ومدراء مخلصون, ومسئولون حريصون على مصلحة الطلاب, سواء كانت مدارس رسمية أو كانت مدارس أهلية.

    هناك -أيضاً- المساجد, التي هي منطلق التربية ومصدر الإشعاع, وهي الجو الطبيعي لتربية المسلم على مكارم الأخلاق ومعانيها, فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعيش معظم وقته مع أصحابه في المسجد, حلقات للتعليم للعبادة، للصلاة، للسؤال، حتى إن الرجل الجاهل يأتي فيدخل المسجد، فيجد الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه فيقف ويقول: أيكم محمدٌ؟ فيشيرون إليه, ويقولون: هو ذا, فيسأله عما أشكل عليه من أمر دينه أو دنياه.

    القرناء الصالحون: وهم -بحمد الله تعالى- موجودون وهم كثيرون, وينبغي الحرص عليهم وأن يضع الأب ولده في دائرتهم.

    الحلقات والدروس العلمية: سواء كانت حلقات تحفيظ القرآن الكريم, أو لتعليم العلم الشرعي من فقه، وحديث، وتفسير، وفرائض، ولغة، وغير ذلك.., ومجالس الذكر التي يؤمر فيها بالمعروف وينهى عن المنكر, وترقق فيها القلوب, وتحرك فيها المشاعر, كل ذلك من وسائل التربية.

    أيضاً الوسائل العلمية النافعة المفيدة مثل الكتب المفيدة , والأشرطة الإسلامية النافعة, مع أنها أصبحت اليوم -مع الأسف- تحاصر ويقلل من انتشارها وشأنها وأهميتها.

    ومنها المجلات الإسلامية المفيدة إلى غير ذلك؛ المهم أن الأم والأب والمسئول لهم دور في وصل الناس بهذه الوسائل التربوية المفيدة, ومنعهم وإبعادهم عن تلك الوسائل الضارة.

    وينبغي أن نعلم أن الشر خفيف على النفس, والتكاليف ثقيلة, والشيطان مسلط, فيحتاج الإنسان إلى مراقبة ورعاية، وحزم وتشجيع.

    والنفس كالطفل إن تهمله شب على     حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

    أين الأب المدرك لمسئوليته في تربية ولده؟! أين الذي يتصور قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الطور:21], فهو يراقب ولده منذ نعومة أظافره؟ ومنذ طفولته! وهو يسأل الله تعالى أن يحقق فيه أمنيته, أن يجمعه معه في الجنة, وأن يرفعه إلى رتبته حتى يسعد به.

    أين الأب الذي يتصور قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن أبي هريرة: { إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث, صدقة جارية, أو علم ينتفع به, أو ولد صالح يدعو له}.

    إن أعظم ما تخلفه من بعدك! ليس المال فهو لورثتك! ولا الشهرة والجاه، فهي لا تنفعك وأنت موسد في قبرك, وإنما العمل الصالح، ومنه العمل الدائم الباقي الذي لا ينقطع, أو ولد صالح يدعو لك.

    ومن ألوان الإهمال -أيضاً- ليس فقط إهمال الأب: إهمال إمام المسجد في حيه عن توجيه الناس وتعليمهم أمور دينهم, وحثهم على المحافظة على الصلوات, وحثهم على مكارم الأخلاق, ومراقبة المتخلفين عن الأعمال الصالحة ونصحهم وإرشادهم, والقيام بالأعمال الخيرية، وتتبع المحتاجين الفقراء المعوزين المعدمين, ومراقبة الشباب والقيام باتصالات معهم, ومحاولة إقامة نشاطات: دروس علمية، ودروس تحفيظ القرآن الكريم، ومسابقات ثقافية، وتوزيع أشرطة إلى غير ذلك من الأعمال, مثله -أيضاً- المدرس في مدرسته، والمسئول في إدارته أو مدينته أو حكومته، أو غير ذلك, كل هؤلاء إذا أهملوا! فلا ينتظروا إلا نتائج سلبية, والعمل الإيجابي المثمر يتطلب بعض الجهد وبعض البذل.

    لا نامت أعين الجبناء

    رابعاً: (لا نامت أعين الجبناء):

    إن الشجاعة معنى كبير, وسر خطير, وقد أصبحنا نعشقها ونفرح بمن يتحلى بها, إنها هي من أسباب كون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يستطيعون تحطيم سلطان العادة, وطاغوت العرف, ويَتَحَدَون أقوامهم وأممهم، ويصبرون ويصابرون على رغم من قلة الناصر والمعين, وكثرة المعاند والمخالف, وعلى رغم التلبيس والتدليس.

    فما الذي جعل رجلاً كموسى عليه السلام يقف أمام طاغية متألهٍ متجبر كفرعون! ويقول له: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنـزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً [الإسراء:102].

    ما هو الذي جعل رجلاً نبياً مختاراً -كإبراهيم عليه الصلاة والسلام- يحطم الأصنام وهو يعد فتىً في مقتبل العمر! ثم يقول لقومه وعلى رأسهم النمرود الطاغية الأكبر: أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الأنبياء:67].

    ما الذي جعل رجلاً -كمحمد صلى الله عليه وسلم- يجمع قومه، وفيهم أبو لهب وأبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف والملأ من المستكبرين، ثم يقف بين أيديهم منذراً محذراً {إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا}.

    ثم ما الذي جعل المجددين يستطيعون أن يصبروا على عملهم، ويجاهدوا ويعلنوها صريحة قوية مدوية؟! لماذا وقف عمر بن عبد العزيز وتحدى كل الأمور المعتادة في بني أمية، الذين كان واحداً منهم وينتسب إليهم, وكانوا يخشون أن يغير ملكهم, أو عادتهم وميراثهم, فيقف عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- نصيراً للحق مدافعاً عنه, قائماً على الظلم, محارباً له, راداً للحقوق إلى أهلها, لا يأمر بخير إلا فعله, وكاد الأمر أن يتم؛ لولا السم.

    ما الذي جعل رجلاً -كالإمام أحمد بن حنبل- يقف فيقارع الظالمين في مسألة خلق القرآن! ويصبر على عقيدته التي ورثها عن الأنبياء والمرسلين, ويصابر عليها, ويرضى بالسجن والجلد، والتعذيب والمطاردة والتضييق والحرمان من التدريس، من التعليم، من المحاضرات، من الإفتاء ومن غير ذلك, حتى أذن الله تعالى له بالفرج وكتب له الذكر الحسن، حتى أنه -رحمه الله- كان يستاء من ذلك ويكره الشهرة أشد الكراهية.

    ما الذي جعل رجلا -كالإمام ابن حزم- يقف ويتحدى من حوله, ويصبر ويصابر! فإذا قيل له: يا رجل تَحَفَّظ ولا تتعجل! أنشأ يقول:

    قالوا: تحفظ فإن الناس قد كثرت     أقوالهم وأقاويل الورى محن

    فقلت: هل عيبهم لي غير أني لا     أدين بالدجل إذ في دجلهم فتنوا

    وإنني مولع بالحق لست إلى      سواه أنحو ولا في نصره أهن

    دعهم يعضوا على صم الحصى كمداً     من مات من غيظه منهم له كفن

    قالوا: له أحرقوا كتبك ومزقوها ومنعوا من تداولها, وحذروا الناس منها, ووصفوها بأبشع الأوصاف, فأنشأ يقول:

    فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي      تضمنه القرطاس بل هو في صدري

    يسير معي حيث استقلت ركائبي      وينـزل إن أَنـزل ويدفن في قبري

    دعوني من إحراق رق وكاغَدٍ     وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري

    وإلا فعودوا للكتاتيب بدأة      فكم دون ما تبغون لله من ستري

    كذاك النصارى يحرقون إذا علت      أكفهم القرآن في مدن الثغر

    ما الذي جعل رجلاً كالإمام ابن تيمية -رحمه الله- يصبر ويجهر بكلمة الحق، ويتحمل الأذى في سبيلها! فيسجن لمرات ويؤذى بل ويضرب أحياناً في الشارع، وهو إلى ذلك كله مجاهر معلن لا ينثني للرياح أبداً.

    ما الذي جعل رجلاً كالإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب يقوم في بيئة قد انتشر فيها الشرك بألوانه, والبدع والخرافات, والكهنة, والسحرة وغير ذلك, وألوان المخالفات! فيقوم جاهراً بكلمة الحق، مجاهراً صابراً في ذات الله عز وجل، حتى نصره الله تعالى، وأصبح ما جاء به الإمام محمد بن عبد الوهاب من الحق هو الظاهر، كما قال الله عز وجل: فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ [الصف:14].

    ما الذي جعل رجلاً كالإمام الشوكاني -مثلاً- ينتصر للحق ويناضل في سبيله, ويلقى ما يلقى فيموت هو, ويبقى ذكره في الآخرين! وهكذا..

    إن الشجاعة قوة في القلب, تجعل صاحبها لا يستوحش من الطريق, ولا ينفر من الوحدة, ولا يتخلى عن الحق مهما كلفته التضحيات, ولا ينافق ولا يجامل أو يحابي أو يداهن في دين الله عز وجل, إنه لا مكان في التاريخ للجبناء والمرتزقة والمطبلين أبداً, فإن الناس يركلونهم ويركضونهم، ويبقى الحق هو الذي تعشقه النفوس، وتتطلع إليه القلوب, وقد قال الله عز وجل وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات:171-173].

    إن من أبرز أخطائنا أن نغرس في نفوس أبنائنا, الخوف من كل شيء, نحرمهم من التجارب والمحاولات، بحجة أن هذا قد يودي بحياتهم.

    فمثلا: نحن قد نخيف الولد الصغير من الكهرباء, أو من السيارة أن تصدمه وهذا صحيح ولا شك فيه؛ لكن! ما معنى أن تربية الجدة على الخوف من السحالي! فلا تذكر سالفة أو قصة إلا ذكرت فيه تلك السحاليات التي تأكل الأحياء من البشر, وتلتهمهم وتفعل بهم وتفعل.

    ما الذي يجعلنا نخوف أولادنا -دائماً وأبداً- من تلك الأقراص الحامية التي نـزعم أنها تنـزل من السماء بأدنى سبب, حتى لو لم يكن مخالفة شرعية ولا معصية, مع أن فيه من الكذب والافتراء على الله عز وجل ما فيه؟!

    ما الذي يجعلنا نخوف أطفالنا -أحياناً- من رجال الشرطة, حتى نقول للطفل الصغير: إن مجرد إشاراتك بالإصبع إلى رجل الشرطة يعني أن تقطع أصبعك؟!

    ما الذي يجعلنا نخوف أولادنا، بل ونساءنا وكبارنا -أحياناً- من الجن, وكأن الجن والعياذ بالله يستطيعون أن يفعلوا كل شيء؟! أو من العين والسحر, وننسى أن نربيهم على التوكل على الله عز وجل, والثقة به, والاعتماد عليه, وكثرة الأوراد والقراءات والأدعية التي تحفظ العبد -بإذن الله تعالى- من شر شياطين الجن والإنس.

    إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {إن الشيطان لا يدخل البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة}.

    فالبيت الذي فيه ذكر الله, وفيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وفيه التربية على مكارم الأخلاق, لا مكان فيه للشيطان ولا مكان فيه لأولياء الشيطان من الجن والإنس, وفي الدائرة الأوسع، حينما نتجاوز دائرة البيت, ودائرة الطفل نجد أن هناك تخويفاً عالمياً من أولياء الشيطان، من الكفار، من اليهود -مثلاً- الذين أصبحنا نتحدث عن أسلحتهم التي يملكون, وخططهم التي يدبرون, وقدراتهم والتمكين لهم, أو النصارى وما يملكونه -أيضاً- وغيرهم من أمم الكفر، والله عز وجل يقول: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175] يعني إنما ذلكم الشيطان يخوفكم أنتم من أوليائه. يكبر أولياءه في قلوبكم حتى ترهبوهم, فلا تقوموا بعمل, ولا بدعوة, ولا بجهاد, لأن الإنسان الذي يخاف لا يعمل ولا ينتج, لماذا نربى أنفسنا وشعوبنا وأممنا على الخوف من الدول العظمى وجيوشها الجرارة، وأجهزتها الضخمة، وأعدادها الرهيبة؟! بل لماذا نربى أنفسنا ومن تحت أيدينا من الشباب والطلاب وغيرهم على الخوف من أجهزة الأمن، ومن رجال المباحث، ومن المخابرات؟! حتى يتخيل الإنسان -أحياناً- أن هذه الأجهزة تدخل إلى جوفه مع الشهيق وترسل التقرير في الزفير كما يقول أحدهم, ويصبح الإنسان يخاف من ظله.

    حتى صدى الهمسات غشاه الوهن       لا تنطقوا إن الجدار له أذن.!

    مثل ذلك -أيضاً- من ألوان الخوف وفقدان الشجاعة: الخوف من الفشل, والخوف من الخطأ, والخوف من الإخفاق. إن من المؤسف أننا لا نحترم اجتهاد الإنسان, ولا نقدر عمله, بل -أحياناً- نعاقبه على اجتهاده عقاباً يحرمه ويحرم غيره في المستقبل حتى من مجرد التفكير في العمل, إنها منطقة محرمة والسلامة لا يعدلها شيء، والكثيرون يؤثرون أن يسلموا -لا لهم ولا عليهم- على أن يغامروا وقد تكون النتيجة غير مأمونة.

    إن ذلك قتل للمواهب، ووأد للطموح، وقضاء على الإبداع, ويجب أن نعلم أن الذي لا يخطئ لا يمكن أن يصيب أبداً, ولكي نربي الشجاعة في نفوسنا، ونفوس من تحت أيدينا من الأولاد والبنات والرجال والنساء والأمم والشعوب, يجب احترام شخصية الإنسان، واحترام رأيه منذ الصغر, وفي كافة المراحل وعلى كافة المستويات, فأنا أقول لك: أي معنى لأن تولى ولدك أعمالاً، ثم تسفه رأيه فيها! وإذا قال لك: فلان، قلت: فلان لا يهمني, لا يهمك, ألأنه ولدك الذي تعرفه؟ لا! ينبغي أن تحترم شخصيته، ورأيه، واجتهاده، وعمله, وتسلم له تخصصه, وأي معنى لأن تفترض على ولدك كل شيء، ولا تعطيه مجالاً للاختيار والتفضيل أبدا؟! فالثوب أنت تختاره، والحذاء أنت تختاره, واللعبة أنت تختارها, والكتاب أنت تختاره, وكل شيء أنت تختاره, لماذا لا تعطي ولدك أو أخاك أو من تربيه فرصة في الاختيار؟! حتى المعلم أو الأستاذ أو الشيخ, لماذا لا يعطي تلميذه فرصة في اختيار الكتاب الذي يقرؤه, أو الطريقة التى يتعلم بها؟ أليس الشرع جاءنا بالشورى؟ والله تعالى يقول: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران:159].

    فيأمر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي من السماء ويقول: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى:38] في وصف المؤمنين، ولم يكن أحد أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضى الله عنه، وكثيراً ما كان الصحابة أبو بكر أم عمر ومن بعدهم يقف ويقول: أشيروا عليّ أيها الناس، فالولد مع أبيه في عمله وتجارته وزراعته, والطالب مع مدرسه في طريقة التدريس، في أخذ المنهج وفي غير ذلك, والتلميذ مع شيخه -أيضاً- في الكتاب المقرر، وفي وقت الدرس وفي زمانه وفي مكانه، وفي غير ذلك؛ بل والرعية مع حكامها في كل شيء من الأمور والهموم العامة، التي لا يتحمل مسئوليتها فرد بعينه، ولا جهة بعينها؛ بل في قضايا الأمة كلها, تتحمل الأمة نتائجها حقاً كانت أم باطلاً, خطأً أم صواباً.

    إننا جميعاً شركاء في اقتسام الإنجازات, وتعميق الشعور بالانتماء إلى هذه الأمة, والقضاء على السلبية التي يشعر بها الكثيرون, حين يشعرون أنه كما قيل:

    ويقضى الأمر حين تغيب تيم     ولا يستأمرون وهم شهود

    إن ثلاثمائة وأربعة عشر إنساناً استطاعوا أن يواجهوا الدنيا كلها في معركة بدر, والمسلمون اليوم -كما تقول الإحصائيات- ألف مليون ومائتا مليون إنسان, وهم يتكاثرون بشكل سريع، فهم كما قيل عدد الرمل والحصى والتراب, لكن الفرد منهم تَرَبَّى على الخوف, والتردد، والسلبية، وكل وسائل التربية -مع الأسف- تنحت فيه هذه المخاوف, فالأم التي ترهبه -دائماً- وتخوفه من الموت, والأب الذي يعاتبه على كل شيء, والزوجة التي قتلته بحبها، ومن الحب ما قتل, والولد الذي يتعلق به إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ * إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [التغابن:13-14] إنهم مجبنة مبخلة.

    والحاكم الذي يهدده ويتوعده, كل ذلك ينحت ويربي في الإنسان الجبن والخوف, وينـزع عنه القدرة على المحاولة, وعلى التجربة, وعلى التفكير الصحيح.

    ولقد تربى الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- في زمن النبي صلى الله عليه وسلم على الأحداث, تربوا بالأحداث، والمصائب، والنكبات، كما تربوا بالنعم التي أنـزلها الله تعالى عليهم, حتى الخطأ كان تربية, وكانت الآيات تنـزل ليستفيد المسلمون منها دروساً وعبراً, فيتحول إلى نعمة ومنحة ومنة.

    ففي معركة أحد هُزِمَ المسلمون فقالوا: فأنّى هذا؟ فأنـزل الله تعالى آيات في سورة آل عمران تتحدث عن هذه المعركة ودروسها أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:165], وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:166] إلخ الآيات.

    التوازن المفقود

    خامساً وأخيراً: التوازن المفقود: إن التوازن مطلب شرعي، والله تعالى يقول وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [القصص:77].

    وفي الحديث المتفق عليه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: {إن لنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولزوجك عليك حقاً، -بل- ولزورك عليك حقاً، فآت كل ذي حقٍ حقه}, وإن أي زيادة في جانب أو غلو يقابلها نقص وتفريط من جانب آخر.

    ولا تغلُ في شيء من الأمر واقتصد     كلا طرفي قصد الأمور ذميم

    والمقياس في الزيادة والنقص هو النص, إما آية من كتاب الله، أو حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح, أو إجماع من أهل العلم قائم ثابت.

    قد يهتم الإنسان -أحياناً- بأمر من الأمور؛ لأن جِبِلَّتَه وتكوينه ومَلَكَتَهُ تقتضي ذلك, دون أن يلزم غيره بهذا أو يعاتبه على ما سواه، فلا حرج في ذلك, فأنت -مثلاً- اهتماماتك علمية لا حرج عليك ولا بأس, وآخر اهتماماته جهادية, وثالث اهتماماته دعوية, ونحن نعلم أنَّ في الصحابة رضي الله عنهم أبا ذر الغفاري، الذي لم يكن فوق الأرض ولا تحت السماء من ذي لهجة أصدق منه، ولا أزهد ولا أورع في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم, ولكنه لم يكن من أهل الولايات والإدارات, وفيهم خالد بن الوليد الذي كان سيفاً من سيوف الله تعالى، كما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو حديث في الصحيح. في معركة مؤتة، الذي كان قوياً شجاعاً مقداماً باسلاً, ما هُزِمَ في معركة قط، ولَكِنَّ خالداً بن الوليد انشغل بالحرب والجهاد, فلم يتفرغ لنشر العلم والفتيا في أصحاب محمد ومن بعدهم.

    وفيهم ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه، الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم فقال: {اللهم فَقِّهْهُ في الدين وعلمه التأويل} وكان له قلب عَقُول ولسان سئول, وكان من المفتين والعلماء في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، في ملأ منهم، كـعمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وغيرهم.

    وفي أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من جمع الفضل والمجد من أطرافه كـأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال النبي صلى الله عليه وسلم يوماً لأصحابه: {من أصبح منكم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا, قال: من تصدق على مسكين؟ قال أبو بكر: أنا, قال: من عاد مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا, قال: من تبع جنازة؟ قال أبو بكر: أنا, قال: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة}, وفيهم أمثال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    إذاً لا بد من الاعتدال مع مراعاة المواهب والتخصصات والملكات, المهم أن الإنسان يحرص على قدر من الاعتدال.

    ومن الاعتدال: الاعتدال في بناء الشخصية, فيتوسط الإنسان بين الاندفاع وراء العاطفة الجياشة التي لا تنضبط, أو التوقف بحجة العقل والدراسة والنظر.

    فإن الإنسان كُلُّ لا يتجزأ, وله عقل وعاطفة، ولولا وجود العاطفة لما استطاع الإنسان أن يتعامل مع الناس, ولا يأخذ ولا يعطي, ولا يتفهم أمورهم ولا يحبهم أو يحبونه, أو يتعامل معهم, فلا بد من الاعتدال في النظر بين العقل والعاطفة.

    ومثله -أيضاً- الاعتدال في تقويم الرجال، فلا غلو ولا جفاء, وقد كان الصحابة -رضى الله عنهم- يربون الناس على ذلك, قال علي رضي الله عنه: [[إنه لعهد عهده إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تهلك فيّ فئتان: فئة غلت, وفئة جفت]] وهكذا حدث فعلاً، فإن ممن بعد علياً رضي الله عنه من غلو فيه, حتى ادعوا له لا أقول: الولاية والإمامة، فهو كان أميراً للمؤمنين رضي الله عنه, لكن ادعوا له والعياذ بالله الألوهية، وكان يقتلهم ويحرقهم بالنار, وهم يقولون له: أنت أنت! يعني يزعمون له الألوهية، وهو يقول لهم:

    لما رأيت الأمر أمراً منكراً     أججت ناري ودعوت قنبرا

    فكان يحرقهم رضي الله عنه.

    وهلكت فيه فئة أخرى هي: التي فرطت في حقه وقصرت، ونسبته إلى شيء مما لا يليق بقدره ومقامه رضي الله عنه إن المقياس كما أسلفت هو النص، وفى صحيح البخاري عن عمر رضي الله عنه قال: [[أقرأُنا أُبيٌ وأقضانا علي]], فحكم أمير المؤمنين بأن أبياً هو الأقرأ, وأن علياً هو الأقضى يعني: الأعلم بالقضاء, ثم قال عمر: [[وإنا لندع من قول أبي -يعني نترك بعض ما يرويه لنا أبي بن كعب رضي الله عنه- وذلك أن أبياً يقول: لا أدع شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال الله عز وجل: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [البقرة:106]]] فانظر إلى عمر، كيف اعترف لـأبيٍ بأنه هو الأقرأ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم, ثم بين أننا مع ذلك نرد بعض قوله، لا بالتشهي، ولكن بالنص الشرعي, فقال: [[إن أبياً يقول كذا وقد قال تعالى مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا[البقرة:106] فقال: نرد بعض ما قاله أبي بالقرآن الكريم، وليس بمجرد التشهي]].

    إن الأمة التى تغلو في شخص, لا بد أن تقصر فيه فتعظمه, حتى لا تتصور أن يخطئ، فيقع في الخطأ، فتجحف في حقه, ولا ترى له قدراً أو مكاناً, وهناك أمة تبالغ في شأن شخص، إهداراً لكرامته, ويبالغ آخرون في رفع اعتباره وقيمته ومنـزلته.

    إذاً فالاعتدال والحق فضيلة بين رذيلتين, إن من الاعتدال: الاعتدال في معاملة المرءوسين, وهناك من يحمل من تحت يده ما لا يطيق, سواء كانوا أولاده، أو طلاباً أو مرءوسين أو مربين، أو الأمة كلها -أيضاً- بشعوبها وأممها, هناك من يُحَمِّلُهم مالا يطيقون, فينقطعون ويَدَعُون العمل, أو يدعوهم ذلك إلى الإعجاب والغرور بأنفسهم، وبما أنجزوا وعملوا فيستكبرون.

    ثم قد يهمل آخرون بحجة أنهم ليس لديهم مواهب. فقراء في مواهبهم, ليس لديهم إبداع؛ فيترتب على ذلك تحطيم لهم، وإثارة مشاعر السخرية والكراهية والبغضاء في نفوسهم.

    وكل إنسان صغر أم كبر؛ هو مزود بملكات وقدرات إبداعية, ولكن الشأن فيمن يكتشف هذه الملكات ويعرفها؛ ثم يوظفها توظيفاً صحيحاً.

    إن من الاعتدال: التوسط في ملاحظة النفوس وطبائعها, فهناك المربي الذي لديه حساسية شديدة, فهو يتردد في كل شيء خشية أن يجرح فلاناً, أو يُغْضِب فلاناً, وهناك على الطرف الآخر من لا يَأْبَهُ بالآخرين حتى كأنهم عنده بشر بلا مشاعر ولا أحاسيس, فقد يرأس الصغير -مثلاً- على الكبير، ويحتج بـأسامة بن زيد, أو يعاتب بشدة ويحتج بموقف نبوي, أو يفضل أحداً على أحد بوضوح، ويحتج بـأبي بكر وعمر وهكذا, وينسى أن الأمر يتفاوت والموقف يختلف.

    ومن الاعتدال: الاعتدال في النصيحة والتوجيه، فليس من الحكمة حرمان الناس من النصيحة، والنقد البناء الهادف الذي -يكون بأسلوب الحكيم المناسب- بحجة الخوف من ذلك, وليس من الملائم تربية الناس على الصفاقة وقلة الأدب وغياب الخلق، بحجة تربيتهم على قول كلمة الحق, أو عدم المجاملة في دين الله تعالى.

    ومن الاعتدال -أيضاً-: الاعتدال في تربية النفس وتربية الآخرين, فلا ينبغي للإنسان أن ينشغل بنفسه عن غيره, ولا ينشغل بغيره عن نفسه, بل الاعتدال الاعتدال، وكما قيل:

    يا أيها الرجل المعلم غيره          هلا لنفسك كان ذا التعليم

    ابدأ بنفسك فانهها عن غيها     فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

    فهناك يقبل إن وعظت ويقتدى     بالقول منك وينفع التعليم

    لا تنهَ عن خلق وتأتي مثله          عار عليك إذا فعلت عظيم

    1.   

    الأسئلة

    واجبنا نحو المتساقطين على الطريق

    سؤال: تحدثت عن عدم التدين وعن ترك الزمن ليحل المشاكل, ما رأيكم فيمن يلتزم شهوراً أو سنوات، ثم بعد ذلك تراه قد ضل السبيل وانحرف عن الطريق الصحيح, وما عملنا تجاهه؟ أنترك الزمن ليحل هذه المشكلة, وما نصيحتكم؟

    الجواب: أما مسألة الانحراف، وكون أن هناك بعض الناس ينكصون على أعقابهم, فهي سنة إلهية، قال الله عز وجل: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران:144].

    إذاً هذا أمر لا حيلة فيه ولا بد منه, لكن حينما تقف أمام ظاهرة أو حدث معين، أن فلاناً حصل منه تأخر، أو تقهقر أو حور بعد الـكور، فعليك أن تبذل وسعك في تربيته وإعادته إلى سواء السبيل, وينبغي أن تراعي أن فلاناً هذا عارف بالأمور.

    وربما يكون لديه ملاحظات, أو واجه مشكلات معينة, أو أصابه خطأ من أحد, فينبغي أن تكون واسع الصدر معه, حليماً، مناقشاً له, تعطيه فرصة أن يعبّر عما لديه, وتناقشه بالحكمة، ويكون لديك استعداد أن تعترف بالخطأ, إذا كان وقع خطأ تجاه هذا الإنسان, وتسعى في إصلاحه، وتبين له أن المسئولية يوم القيامة مسئولية فردية, وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً [مريم:95], وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:5-10], فهو لا يسأل عن أحد, ولا يسأل عنه غيره, لا تكلف إلا نفسك، وتذكره بمسئوليته الفردية وضرورة الاستقامة على الحق, ودعوة الناس إليه.