إسلام ويب

الإسلام والغربللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يتعرض المسلمون في البوسنة عام (1413هـ) لمأساة مهولة، حين اجتاح بلادهم الصرب المتوحشون، وقاموا بارتكاب فظائع رهيبة وجرائم حرب عرفها العالم كله، وقد كانت تلك المذابح التي قام بها الصرب تحت سكوت وتواطؤ دولي من الأمم المتحدة، وبمباركة سرية من دول الصليب كأمريكا وبريطانيا وفرنسا ، وما ذلك إلا بسبب بغضهم للإسلام وتخوفهم منه، وقد أصبح للحرب أبعاد أخرى في الأقليات المسلمة المجاورة للبوسنة، وكان موقف العالم الإسلامي مختلفاً ومتبايناً بين الموقف الرسمي السلبي للغاية، والشعبي الإيجابي نوعاً ما.

    1.   

    أخبار مأساة المسلمين في البوسنة

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله - صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه وأتباعه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وحياكم الله مع هذا الدرس الخامس والسبعين من سلسلة الدروس العلمية العامة في هذه الليلة المباركة -إن شاء الله- ليلة الإثنين الأول من شهر جمادى الأولى لسنة 1413 هـ.

    كنت قد وعدتكم في المجلس السابق أن أتحدث إليكم اليوم عن موضوع (الإسلام والغرب) والواقع أن هذا الموضوع طويل، وأن الحديث فيه يتطلب مجالس متواصلة فسيكون حديثي إليكم في هذه الليلة ربما أولى حلقات الحديث عن هذا الموضوع، إن شاء الله، وهو في الوقت ذاته وفاء بوعد سابق كنت قطعته لكم أن أتحدث تخصيصاً عن مأساة المسلمين في يوغسلافيا في البوسنة والهرسك فسيكون حديثي إليكم اليوم إذاً في القضية البوسنوية.

    أيها الإخوة: لقد كنا نسمع في الأخبار منذ زمن المعركة الدائرة بين الكروات والصرب فيما كان يسمى بـ يوغسلافيا، وكان الطرفان من النصارى على رغم الخلاف المذهبي بينهما، وكانت ثمة معارك ضارية أتت على الأخضر واليابس، وتناقلتها وكالات الأنباء، وتحدث عنها العالم شهوراً طويلة، ثم سكت الأمر، وتدخلت ما يسمى بالأمم المتحدة.. بقواتها وفصلت بين الطرفين المتحاربين.

    وكان المسلمون يقفون في تلك المعركة إلى جانب الكروات، وقد صرح شهود محايدون كثيرون بأن دور المسلمين في الدفاع عن كرواتيا ومقاومة الصرب دور كبير مشهود وأنهم كانوا من أهم الأسباب في امتناعها عن الصرب.

    أرسلت الأمم المتحدة ما يزيد على أربعة عشر ألف جندي للفصل بين الطرفين المتحاربين بين الصرب والكروات، بين النصارى والنصارى، فماذا يعني هذا بالنسبة للأمم المتحدة؟

    يعني أنها أولاً: تدخلت لمنع إراقة الدم النصراني بالسلاح النصراني، فحالت بين النصارى أن يقتلوا إخوانهم في العقيدة والدين، وبينت حقيقة ميلها وتحالفها وانحيازها إلى النصارى في كل مكان، وهذا أمر لا نستغربه ولا نستكثره.

    أولاً: لأننا نعلمه من كتاب الله عز وجل، فقد قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة:51] فإذا كان اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض فما بالك بـالنصارى مع النصارى؟ لاشك أنهم أكثر ولاءً وإخاء ومحبة بعضهم لبعض، ولهذا تدخل النصارى القائمون على الأمم المتحدة بعشرات الآلاف من الجنود للحيلولة دون إراقة الدم النصراني.. هذا أولاً..

    ثانياً: كانت هذه القوات التي بعثوا بها للفصل بين الكروات والصرب فرصة نفيسة وذهبية، ليسحب الصرب قواتهم التي كانت تقاتل الكروات، ويذهبوا بها في اتجاه البوسنة، يذهبوا بها إلى الجبهة الإسلامية، وقد صرحت بهذا حتى الصحف الغربية نفسها، وعلى سبيل المثال فقط: هناك صحيفة ألمانية اسمها صحيفة فرانكفورتر صرحت في تاريخ (29/8) بالتقويم الميلادي: أن ذلك كان من أهداف التدخل بين الكروات والصرب، وأن الصرب استغلوا الفرصة ونقلوا قواتهم من مواجهة إخوانهم الكروات النصارى إلى مواجهة المسلمين.

    وهكذا انتقلت المعركة إلى معركة بين الصرب المتوحشين النصارى وبين المسلمين العزل الذين لا يملكون أي سلاح يدافعون به عن أنفسهم، وانتقلت المعركة إلى داخل البوسنة بل إلى العاصمة ذاتها سراييفو، وذلك كله وسط تشكيك عالمي بخطورة قيام حكومة إسلامية أو دولة أصولية في منطقة البوسنة والهرسك، وهذا ما صرح به الرئيس الفرنسي نفسه للرئيس البوسنوي علي عزت، حيث قال له (إننا نحذركم من إقامة حكومة أصولية في هذه المنطقة أو قيام مجتمع أصولي) وأمام هذه الحرب الضروس، التي يتصدر لها الصرب، ويؤيدهم العالم كله، أصبحنا نرى جوانب كثيرة من المأساة يواجهها المسلمون، نلخصها في بعض النقاط التالية وهي بعنوان (جوانب من المأساة).

    1.   

    جوانب من المأساة

    إن مأساة المسلمين في البوسنة والهرسك مأساة لا يستطيع أن يتصورها إلا من شاهد ولو بعض فصولها؛ وليس من رأى كمن سمع، ولا الذي يسمع بحرِّ النار كالذي يطأ بقدميه على الجمر، وإن مجرد النظر إلى صورة امرأة مسنة وإلى وجهها الذي بانت عليه تجاعيد السنين، وإلى عيونها الدامعة، وإلى صرخاتها التي تنطلق في الهواء، تبكي نفسها، تبكي غربتها، تبكي أولادها، تبكي زوجها، تبكي بيتها المهدم، تبكي طريقها الذي مشت فيه، وهي لا تدري إلى أين تصير ولا إلى أين تسير! أو تتجسد هذه المأساة على وجه طفل بريء يصرخ، والرضاعة في فمه، وهو محمول بالحافلة أو بالطائرة وسط مجموعات كبيرة من الأطفال الصغار، الذين لا يدرون إلى أين هم ذاهبون، ولا يعرفون لآبائهم ولا لأمهاتهم مكاناً، ولا يعرفون ماذا جرى في هذه البلاد...!

    والطفل في المهد لم يعلم بما انقلبت     حياته بعد بشرٍ شر منقلب

    فهي مأساة كبيرة، مأساة شعب قوامه ستة ملايين، مأساة بلاد واسعة عريضة، ومأساة المزارع الخضراء، ومأساة الدين الذي هُجِّر أهله وشردوا وقتلوا وحشدوا وحشروا في معسكرات الاعتقال.

    وإنك تسمع أحيانا عن مأساة شخصية يفلح صاحبها في تصويرها، فلا تملك عينك من البكاء والدموع، ولا تملك الألم أن يعتصر قلبك، فكيف ترى يكون الحال وأنت أمام مأساة شعب بأكمله؟!

    تلفتوا هاهمُ في الأرض إخوتنا      شعبٌ برمته في العري يحتضرُ

    كانوا بأوطانهم كالناس وانتبهوا      فما همُ من وجود الناس إن ذكروا

    مشردون بلا تيه فلو طلبوا       تجددَ التيه في الآفاق ما قدروا

    يلقى الشريد فجاج الأرض      واسعة لكنهم في مدى أنفاسهم حشروا

    في خيمة من نسيج الوهم لفقها      ضمير باغٍ على الإسلام يأتمر

    أوهى وأوهن خيطاً من سياسته      لو مَسَّها الضوءُ لا نقَدَّتْ بها السُتُرُ!

    تعدو الرياحُ بها نَشْوى مُقَهقِهةً       كأنها بشقوق الرمل تنحدرُ

    الأسر

    إنها مأساة كبيرة، أولها وأول صورها: الأسر: فهناك في معسكرات الاعتقال في صربيا ما يزيد على مائة وخمسين ألف مسلم معتقل، يعيشون في ظروف صعبة وغير إنسانية، وبعض شهود العيان من الغرب الكفار أيضا يقولون: رأيناهم أجساداً وجلوداً على العظام ليس فيهم إلا هذه الأنفاس التي تتردد، وكثيرون تنطق وجوههم بهول المأساة، ينتظرون الموت الذي يصبحهم أو يمسيهم، ومن بين هذا العدد الكبير (مائة وخمسون ألفاً) من بينهم ما يزيد على خمس وثلاثين ألف امرأة ما بين سن السابعة إلى سن الخمسين فضلا عن الأطفال والشيوخ.

    وإن وزارة الخارجية الأمريكية تَعِد منذ أيام بإبراز حقائق جديدة وخطيرة حول مأساة هؤلاء، والإعلام العربي كله يغطي جوانب المأساة، ويتحدث عنها ولكن لا يحرك ساكناً...!

    وكنموذج للتغطية الإعلامية الغربية لهذه المأساة أنقل لك تقريراً نشرته صحيفة هيرالد تربيون (في 7/10) بالتقويم الميلادي أيضاً عن هذه المآسي في معسكرات الاعتقال، أولاً: تكلمت الصحف عن تركيز الصرب في حملات الإبادة والاعتقال على الأطباء والمحامين والمهندسين وغيرهم، ثم تكلمت عن تقارير في جرائم الصرب في معسكرات الاعتقال تقول:

    (يقول السجين السابق: واسمه مسلم، وهو نحيل الجسم بعينيه الداكنتين المحتقنتين والذي لم يشأ أن يذكر اسمه كاملاً، ولكن وجهه بدا متأثراً، ويتحدث عن خمسة وسبعين يوماً قضاها في أحد المعسكرات، يقول: أجبرنا الحراس على الذهاب إلى خلف مظلة صغيرة حيث توجد شاحنات ودركترات، وقد رأينا الجثث وبعدها فهمنا كل شيء، كانت هناك ست وعشرون جثةً بعضها يفتقد الرأس، وبعضها يفتقد بعض الرأس، وبعضها بلا عيون، طلبوا منا وضع الجثث فوق البلدوزرات، ولكن كان صعباً علينا أن نمشي، فقد كنا نخطو فوق جماجم بشرية، وبعدها أخذونا إلى الساحة وأمرونا برفع جثتين أخريين، وعندما أصابنا الإرهاق قام الحارس بوضع بندقيته على وضع الاستعداد لإطلاق النار، ثم قال لنا: هل تريدون أن تكونوا أنتم التالين؟ لم نقل شيئاً فلم يكن هناك فائدة، نظر إلينا وكأنه كان يرحمنا وقال: حسناً اذهبوا واغتسلوا.. كانت ملابسنا متسخة بالدم ولم نتمكن من تنظيفها...!!).

    وسرد الرجل قصته في الثكنات البديلة حيث يحتجز في أحدها أكثر من ألف وخمسمائة بسنوي في المعسكرات الصربية التي يديرها الرفاق من الصرب تحت رعاية الأمم المتحدة، لحين إيجاد ما يسمى بحق اللجوء السياسي لهم، وقضى غالبيتهم زمناً في معسكرات الاعتقال الكبيرة قبل أن تطلق سراحهم اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ونُقلوا في قافلة مكونة من واحد وثلاثين حافلة، حيث كانوا أول مجموعة كبيرة من السجناء الذين أُطلق سراحهم بموجب شروط اتفاق بين المجموعات اليوغسلافية البوسنوية المتحاربة، وهم أول من استطاعوا أن يتحدثوا بحرية عن التجربة المرة التي شاهدوها في معسكرات الاعتقال. إنهم يصفون جحيم المعسكر في منطقة الأرخبيل البسنوية التي يسيطر عليها الصرب، والتي كان يتم فيها التعذيب والإعدام حتى أصبحت من المظاهر اليومية، وبالرغم من صعوبة أخذ روايات مستقلة إلا أنها أعطت أغلب التفاصيل للدليل الذي يؤيد الاتهامات المنتشرة عن أن القوات الصربية متورطة في أعمال وحشية ضد المعتقلين في المعسكرات، وغالبهم من الرجال الذين تسمح أعمارهم لهم بالانضمام إلى الجيش البسنوي.

    بمعنى أنهم يتمكنون من القتال، وقد اعتقلوا لمنعهم من المقاومة ضد الميلشيا الصربية.

    يقول أحد المسجونين: (إن المعسكرات هي أماكن لا يتورع الحارس فيها عن أن يقتلك من أجل ساعة في معصمك، وإن الأماكن التي يجبر فيها المسجونون لجمع الموتى لا يستطيعون فيها الوقوف على الأرض لشدة لزوجتها بفعل الدماء المتخثرة من جراح المسلمين.

    ومنذ وصول الرجال المفرج عنهم إلى هنا في الأسبوع الماضي أصبحت الثكنات تعج بالمشاهد المبكية لالتقاء أفراد الأسر، لكنها أيضا كانت مدوية بالصرخات المفجعة للأقارب الذين علموا للتو أن أبناءهم وأزواجهم وآباءهم قد لاقوا حتفهم...!).

    في إحدى المرات وقعت مجزرة جماعية في معسكر في أحد السجون الذي يديره الصرب شمال غرب البوسنة، ليلة الرابع والعشرين من يوليو حسب رواية صانع أقفالٍ مسلم ذكر أنه كان بداخل الغرفة في تلك الليلة، وقال: (إنه بعد إطفاء الأنوار مباشرة قام الحراس الصرب بقتل عدد لا حصر له من المسلمين بأسلحة أوتوماتيكية حيث كانوا مقيدين داخل حظيرة خانقة تعرف بالغرفة رقم [3] وأضاف الرجل قائلاً: إن الحراس كانوا يشتمون ويمشون على أجسادنا ويجلسون على الرءوس ويخنقون كل من يتحرك.

    لقد مات أكثر من مائة وستين رجلاً في تلك الليلة، فيما قال ثلاثة من المسلمين الذين كانوا محتجزين في الغرفة المحاذية: إن خمسين آخرين من السجناء قد قتلوا في صباح اليوم التالي بعد أن دخلت دورية جديدة من الحراس الصرب إلى الغرفة [3] للبحث عن الذين مازالوا على قيد الحياة وقد اختفى عشرة سجناء آخرين، ولم يرجعوا أبداً بعد أن أجبروا على حمل الجثث في الشاحنة، وغادروا المعسكر برفقة هذه الشاحنة المملؤة بالجثث.)

    وقال صانع الأقفال المسلم: إن القتل استمر على الحائط الخارجي لعدة ليال، وأضاف: في الصباح يقومون بجمع بقايا القتلى من المخ والدماء وقطع اللحم في عربة يدوية يدفع بها جندي صربي، وفي كلا المعسكرين فإن أكثر من أربعمائة من السجناء يحشرون سوياً في غرفة خانقة.

    ويعتبر الضرب من المناظر اليومية كما يقول السجناء الذين أطلق سراحهم ويقوم بالضرب في أوقات مختلفة أفراد من الشرطة الصربية ورجال مجهولون يتخفون في بزات للتمويه ومدنيين صرب جاءوا من القرى المجاورة للمشاركة في عملية الانتقام.

    ويروي شاب يبلغ من العمر أربعة وعشرين عاما في مدينة " برجيدو " البسنوية الشمالية: كانوا يضربوننا لحوالي نصف ساعة حتى يبدأ الواحد منا في نـزيف الدماء، وكانوا يكسرون أضلعنا وأيادينا ويقطعون الآذان والأنوف، وقال بعض السجناء في "أومارسكا" إن الضرب يبدأ عندما ينتصف النهار وبعد أن يؤمروا بتناول طعامهم، وهو عبارة عن قدح من الأرز الفاسد في زمن لا يقل عن ثلاث دقائق، يجبرون بعد ذلك على الرجوع إلى الصالة المزدحمة بالسجناء والمليئة بهم والواقفين بين صفين من الحراس الذين يقومون بالضرب بعصا غليظة ومواسير من الحديد وخراطيم معدنية، وقالوا: إن أحد الحراس استخدم فأسا جبلياً لضرب السجناء بعنف أثناء مرورهم.

    نعم هذا ما يفعله النصارى في زمن يسمونه زمن الحرية، وزمن الحضارة، وزمن المحافظة على حقوق الإنسان، وزمن العالم الذي أصبح قرية صغيرة يتسامع بكل حدث في أي مكان من العالم، وعلى مرأى ومسمع من الدول التي تتشدق بهذه الشعارات وتتكلم عن حقوق الإنسان، فإن صحيفة غربية، لا يمكن أن تتهم بأنها محايدة فضلاً عن أن تتهم بأنها متعاطفة مع المسلمين، بل إن عاطفتها مع النصارى ولابد إن صحيفة غربية تنقل مثل هذه الحقائق، فما بالك إذاً وماذا تتصور أن تكون الحقائق القائمة على سطح الواقع؟ لابد أنها أخطر من ذلك بكثير، هذا نموذج من جوانب المأساة.

    القتل

    الجانب الثاني هو: القتل، ولاشك أن العملية التي تجرى هناك هي ما يسمى بعملية تطهير عرقي، أي أن الصرب يعملون على القضاء على العنصر الإسلامي الذي يعتبرونه أو يسمونه بالعنصر التركي، وإزالته من الوجود بكل وسيلة.

    ولا توجد إحصائيات دقيقة عن عدد القتلى منذ بداية الحرب، لكن الساحة تشهد يومياً مئات القتلى في كل مدينة في الهجمات العسكرية العشوائية. وتقول بعض الإحصائيات -وهي لاشك غير دقيقة وتُعدُّ قديمة أيضاً- إن أكثر من (مائة وثمانين ألف) مسلم قد لاقوا حتفهم في ظل هذه الحرب الدموية التي يؤجج نارها الصرب ومن ورائه الغرب، فضلاً عن قيام الصرب بحملات إبادة للأطباء، والمحامين، والمهندسين وأصحاب المراتب المرموقة، وأصحاب العلم، وأئمة المساجد، والمؤذنين، والعلماء، والشيوخ.

    وقد اعترفت منظمة العفو الدولية -وهي أيضا منظمة نصرانية- اعترفت بأن هؤلاء المثقفين والعلماء والأطباء والمهندسين يتعرضون للاعتقال بصفة خاصة وبصورة انتقائية، لكنَّ هذه المنظمة تقول: (إنه لم يتضح لها بعد أنه يتم اختيارهم للقتل) ولك أنت أن تتصور هذا العدو الذي يريد أن يقضي على المسلم ولا يبالي به، والذي ينتقي الطبيب والمهندس والعالم وإمام المسجد، ينتقيه للاعتقال، هل يمكن أن يتورع عن قتله؟ أترك الجواب لك.

    إنها مسألة تصفية جسدية لكل هؤلاء المسلمين وأنا أنقل لك أيضا شاهداً من أهلها، فلا أتحدث أو يتحدث غيري من منطلق عاطفة أخوية أخذتنا تجاه إخواننا؛ بل نترك الحديث لهؤلاء ليتكلموا، فقد نشرت جريدة اليوم في عددها رقم [7062] مقالاً بعنوان (وشهد شاهد من أهلها) هذا هو عبارة عن حوار أجرته مجلة ألمانية اسمها دورش بيجن مع قائد ميليشيات الصرب في البوسنة عن الحرب الدائرة هناك، فقال -واسمع ماذا قال-: (المسلمون يجب أن يختفوا تماماً، أنا أؤيد النازين الجدد في ألمانيا الذين يقومون بقتل المسلمين من الأتراك وغيرهم في المدن الألمانية) ثم بعد ذلك قال: (بعد القضاء على المسلين في البوسنة سننتقل إلى كوسوفو للقضاء على المسلمين الألبان هناك) وإليك نص الحوار:

    الجريدة تقول له أو المجلة: (كم من المسلمين قتلتهم أنت شخصياً خلال هذه الحرب؟

    قال: -واسمه فوشتيك-: قتلت مئات كثيرة، كذلك قمت شخصياً بإطلاق الرصاص على الأسرى المسلمين للقضاء عليهم.

    المجلة: المعاهدات الدولية تحرم قتل الأسرى -أسرى الحرب- ألا تعرف ذلك؟

    فوشتيك يقول: لا نملك سيارات لنقل الأسرى، لذلك أسهل طريقة وأرخصها التخلص منهم فوراً بالقتل، مثلاً في شهر يوليو كشفنا مخبأ يختفي فيه [640] شخصاً بعد أن دلنا عليه بعض الأسرى الذين قمنا بتعذيبهم، كان أسرع وأسهل وسيلة هي قتلهم بالرصاص والتخلص منهم.

    المجلة: ألم تفكر في ذلك؟ قد تقدم يوماً للمحاكمة كمجرم حرب؟

    فوشتيك يقول: أنا لا أقتل النساء والأطفال، ولكن أقتل كل قادر على الحرب، ومن لا أقتله أقوم بخرق عينيه، نحن نستخدم وسائل متعددة للحصول على المعلومات من الأسرى، منها: تهشيم أياديهم بوضعها في مكبس لتكسيرها ببطء، حتى يعترفوا بما نريد الحصول عليه من المعلومات.

    المجلة: ما هو الهدف من هذه الحرب؟

    فوشتيك: الهدف القضاء على المسلمين، فالمسلمون في أوروبا يجب أن يختفوا تماماً، إن على المسلمين في البوسنة إعلان تحولهم عن الإسلام، وأن يصبحوا صربيين أو كروات، أما الخيار الثالث فهو الموت.)

    أسألكم أيها الإخوة: هل يملك المسلمون في بلادهم -مثقفوهم، علماؤهم، حكامهم -هل يملكون الوضوح في البراءة من النصارى واليهود والمشركين مثلما يملك هذا القائد الصربي في موقفه الواضح والصريح من المسلمين؟! إنه مجرد سؤال...!

    بعد ذلك تقول له المجلة: (من الذي يموِّل قواتكم؟.

    قال: الصربيون بالطبع، ولمعلوماتك (99%) من المتطوعين هنا هم جنود صربيون يأتون إلينا من بلجراد.

    المجلة: لاحظنا وجود حروف (سي سي) على ملابس جنودكم فهل لهذا علاقة بقوات العاصفة النازية؟

    القائد يقول: إنها تعني باختصار نور الصرب والملابس نفسها نحصل عليها من قتل الجنود المسلمين، ثم نصبغها بعد ذلك باللون الأسود...!

    المجلة: هل يعني ذلك أنكم ستحولون الحرب إلى كوسوفو؟)

    وكوسوفو هذه سنتحدث عنها بعد قليل إقليم تابع للصرب يوجد به أغلبية مسلمة ألبانية.

    (سألته المجلة: هل يعني ذلك أنكم ستحولون جبهة الحرب إلى كوسوفو حيث يوجد مسلمون ألبان؟

    قال: هناك ثأر بيننا وبين المسلمين الألبان في كوسوفو، وسوف نقوم بطردهم، ومن يريد البقاء سنقتله، لا نريد مسلمين بيننا أو حتى في أوروبا كلها.)

    هذا هو الحوار بنصه وفصه كما صرح به في وقاحة قائد صربي دون أن يخشى محاسبة ولا مساءلة من أحد...! إنني أعيد عليكم مرة أخرى.. أن هذا الكلام ليس كلام خطيب متحمس من خطباء المسلمين، ولا مقالاً نشر في صحيفة إسلامية، إنه مقابلة صحفية أجرتها مجلة ألمانية شهيرة وموثقة مع قائد صربي، ونقلتها، ونشرتها بحروفها وألفاظها وعباراتها.

    التهجير

    الجانب الثالث من جوانب المأساة: هو التهجير، فهناك الملايين الذين غادروا بلادهم إلى غير رجعة، والغريب أن الدول الأوروبية تتسابق اليوم بفتح ذراعيها لاستقبال هؤلاء النازحين وجعلهم في أماكن خاصة بهم، وذلك لتحقيق هدفين في وقت واحد.

    أما الهدف الأول: فهو احتواء هؤلاء النازحين وإجراء عملية غسيل مخ لهم، لتغيير دينهم وتحويلهم من مسلمين إلى نصارى، خاصة إذا تصورنا أن معظم هؤلاء النازحين ربما يغلب عليهم الجهل بدينهم، والكثير منهم من الصغار والأطفال أو من النساء.

    فمن السهل جداً أن تقوم الكنائس والمنظمات التنصيرية الأوروبية بتغيير ديانتهم وتحويلهم إلى نصارى -خاصة وأن الكثير منهم أيضاً يتربون داخل الكنائس.. وهناك أعداد كبيرة قد قامت الأسر المتدينة الأوروبية باستقبالهم وإيوائهم ليعيشوا بينهم، هذا هو الهدف الأول، وهو تحويل المسلمين إلى نصارى وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا [البقرة:217]

    إنه لن يشفع للمسلمين أيها الإخوة أن يكونوا جهلة بدينهم، ولا يشفع للمسلمين أن يكون الكثير منهم يتعاطون الخمور، ويتركون الصلوات، ويعاشرون الكفار، ويتعايشون معهم، ويتآخون معهم، ويختلطون بهم.

    بل لم يشفع لهم أن تقوم مجتمعات المسلمين على أسس علمانية غير إسلامية؛ فإننا نعلم أن تلك البلاد التي تعاني الحرب كانت بلاداً أبعد ما تكون في حقيقتها عن الالتزام الحقيقي بالإسلام في عقائدها وأخلاقياتها وسلوكها -فضلا عما وراء ذلك من أمور الاقتصاد والإعلام والسياسة وغيرها.

    فالعدو يقتل المسلمين اليوم بمجرد انتسابهم للإسلام، أو بمجرد كونه يحمل اسم علي أو أحمد أو محمد أو حارث أو سالم أو غير ذلك. مصداقاً لقول الله عز وجل: وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا [البقرة:217] هذا الهدف الأول إذاً وهو تنصير المسلمين.

    أما الهدف الثاني لاستقبال الدول الأوروبية لهؤلاء النازحين والفارين بحياتهم من جحيم الاعتداء الصربي فهو: المساعدة في تفتيت التجمع الإسلامي في البوسنة؛ لأن هذا الرحيل وهذا النـزوح هو الكفيل بتحويل منطقة البوسنة والهرسك إلى ما يسمى بـ (كانتونات) كما تدعو بذلك الدول الأوروبية، يعني أقاليم متفرقة يكون نصيب المسلمين منها قليلاً وغير قادر على التحرك، بأي حال من الأحوال.

    ولم يكن لسان إسحاق رابين في وضعه الطبيعي عندما منح حق اللجوء للبسنويين المشردين. تصور حتى إسرائيل فتحت ذراعيها لاستقبالهم، وتناست أنهم يخالفونها في العرق وفي اللون أيضاً، ولأول مرة يبدي الشعب اليهودي الذي يحرص على النقاء العرقي لسكان إسرائيل -أو ما يسمى بـإسرائيل- لأول مرة يبدي تنازلاً ويبدي استعداداً لاستقبال شعب من عرق آخر ومن دين آخر، ولذلك كان لابد للمرء أن يندهش لمثل هذا التصرف لولا اليقين القاطع بأن أوروبا وأمريكا وإسرائيل كلها وجوه لعملة واحدة، ولا نحتاج إلى مزيد من الأدلة بعد ما بين الله تعالى أن بعضهم أولياء بعض....

    الاغتصاب

    الجانب الرابع من جوانب المأساة وهو جانب يُبكي: (جانب الاغتصاب) فقط خمسة وثلاثون ألف امرأة التي تم اغتصابها على أيدي قوات الصرب.

    وقد نشرت صحيفة نيويورك نيوزداي في تاريخ 22 أغسطس -وهي أيضا صحيفة غربية- نشرت تقريراً عن وحشية الاغتصاب الصربى للمسلمات، كما نشرت صحيفة ألمانية حقائق عن جنود الأمم المتحدة، وأنهم يشاركون الصرب في اغتصاب المسلمات، ويفتخرون بأنهن فتيات جميلات، ويقول أحد المراسلين: إنه يملك حقائق ووثائق عن هذا الأمر.

    وفي صحيفة ألمانية اسمها دى فلت قالت: (إن قوات حفظ السلام تقوم بالاشتراك مع الصرب في اغتصاب المسلمات في قرى البوسنة وقد بعثت المنظمة الدولية لحقوق الإنسان برسالة للمؤتمر الدولي المنعقد في جنيف لتأكيد هذه الحقيقة). ولقد دمعت عيني وأنا أقرأ كلمة لأخت مسلمة اسمها مفيدة عاليك تقول: (ما دام العالم من حولنا قد عجز عن أن يحمينا من الوحوش الصربية فلماذا لا توفر لنا جهات الإغاثة على الأقل حبوبا لمنع الحمل حتى نداري بها جانباً من مصيبتنا؟!). الله أكبر! حدثونا عن أتباع دين في الدنيا كلها يجري لهم مثل ذلك ثم يظل إخوانهم في العقيدة والدين ينامون ملء عيونهم ويأكلون ملء بطونهم ويملكون الأموال ملء جيوبهم بل ملء خزائنهم كأن الأمر لا يعنيهم...!!

    ماذا التباعد في الإسلام بينكم       وأنتم يا عباد الله إخوان

    لمثل هذا يذوب القلب من كمد       إن كان في القلب إسلام وإيمان

    أما الحديث عن تدمير المنازل، وهدم المساجد، وإحراق المصانع، والقنص في الشوارع، والقصف العشوائي، والحرائق المتواصلة، فحدث ولا حرج، بل إن الوضع الذي يعشيه المسلمون الآن في هذه اللحظات من أصعب وأشد الأوضاع مع إقبال الشتاء الطويل عندهم ومع فقدانهم للتدفئة، حيث انقطع التيار الكهربائي، وحيث لا يستطيعون أن يحصلوا على الحطب للإيقاد، وحيث تكسرت وتهشمت النوافذ فأصبحوا لا يستطيعون أن يتقوا من أذى البرد بشيء، ودرجة الحرارة هناك تصل إلى عشر درجات تحت الصفر!

    يقول ممثل الأمم المتحدة هناك: (إن الموت يهدد أكثر من نصف مليون مسلم، سواء بشدة البرد، أم بالجوع، أم بغير ذلك من الوسائل) وسوف أزيدك من بيان هذه الحقيقة.

    إنها مأساة كبيرة، ولعل الشاعر الذي تكلم وذكر هذه الملحمة يصور حقيقة ما يجري هناك أبلغ تصوير إذ يقول:

    أحقاً خبا من جورندةَ نورها      وقد كسفت بعد الشموس بدورُها

    وقد أظلمت أرجاؤها وتزلزلت       منازلها ذات العلى وقصورها

    تسلمها حزب الصليب وقادها       وكانت شروداً لا يقاد نفورها

    فباد بها الإسلام حتى تقطعت       مناسبها واستأصل الحق زورها

    بقرع النواقيس اعتلى بمنارها       كراه أصوات يروع صريرها

    فواحسرتاه! كم مساجد حولت       وكانت إلى البيت الحرام شطورها

    ووآسفا كم من مآذن أوحشت       وقد كان معتاد الأذان يزورها

    وكم من لسان كان فيها مرتل       وحفل بختم الذكر تمضي شهورها

    وكم طفلة حسناء فيها مصونة       إذا سفرت يسبي العقول سفورها

    تميل كغصن البان مالت به الصبا       وقد زانها ديباجها وحريرها

    فأضحت بأيدي الكافرين رهينة وقد هُتكت بالرغم منها ستورها

    وقد لطمت -واحر قلبي- خدودها وقد بُعْثِرَتْ -وادمع عيني- شعورُها

    وإن تستغث بالله والدين لا تُغَثْ وإن تستجر ذا رحمة لا يجيرها

    وقد حيل ما بين الشقيق وبينها       وأسلمها آباؤها وعشيرها

    وكم من عجوز يحرم الماء ظمؤها على الذل يُطوى لبثها ومسيرها

    وشيخٍ على الإسلام شابت شيوبه       يمزق من بعد الوقار قتيرها

    وكم فيهم من مهجة ذات ضجة      تود لو انضمت عليها قبورها

    لها روعةٌ من وقعة البين دائمٌ       أساها وعينٌ لا يَكَفُ هديرها

    وكم من صغير حيز من حجر أمه       فأكبادها حراء لفحٌ هجيرها

    وكم من صغير بَدَّلَ الدهرَ دينُه      وهل يتبع الشيطان إلا صغيرها

    كُروبٌ وأحزان يلين لها الصفا       عواقبُها محذورةٌ وشرورُها

    فيا قرحة القلب الذي عاش بعدها       ويالَعمى عينٍ رآها بصيرها

    ويا غربة الإسلام بين خلالها      ويا عثرة أنَّى يقال عثورها؟!

    ويا ليت أمي لم تلدني وليتني       بليت فلم تلفح فؤادي حرورها

    ويالعزاء المسلمين لفاقة       على الرغم أغنى من لديها فقيرها

    منازهها مصدورة وبطاحها      مدائنها موتورة وثغورها

    تهائمها مفجوعة ونجودها       وأحجارها مصدوعة وصخورها

    وقد لبست ثوب الحداد ومزقتْ      ملابس حسن كان يزهو حبورها

    فلو أن ذا إلف من البين هالك       لذابت رواسيها وغاضت بحورها

    تَرى للأسى أعلامها وهي خُشَّعٌ       ومنبرُها مستعبر وسريرها

    ومأمومُها ساهي الحجا وإمامُها       وزائرها في مأتم ومزورها

    أضعنا حقوق الله حتى أضاعنا وحُلَّتْ عرى الإسلام إلا يسيرها

    وملتنا لم تعرف الدهرَ عُرفها       من النكر، فانظر كيف كان نكيرها

    لقد سلبوا أوطاننا ونفوسنا       وأموالنا فيئاً أبيحت وفورها

    علوها بلا مهر وما غَمَزَتْ لهم قَناةٌ ولا غارت عليهم ذكورُها

    وقد عدت الأفرنج من كل شاهق       علينا فَوَفَّتْ للصليب نذورها

    وقد كشرت ذؤبانها وكلابها       وَقَدْ كسَّرَتْ عقبانُها ونسورها

    ودبت أفاعيها إلى كل مؤمن       وغصَّ بأكباد الثقات عقورها

    أنادي لها عُجْمَ الرجال وعُرْبَها نداء سراة القفر إذ ضَلَّ عِيرُها

    إله الورى! ندعوك يا خير مرتجىً      لكالحة هزَّ الصليب شرورها

    أغث دعوات المستغيثين إنهم       ببابك موقوفو الحشاشات بورها

    إنه تصوير حي لمأساة أليمة مرعبة لا يملك الكثيرون من المسلمين حيالها إلا أن يهزوا رءوسهم، وأقل المسلمين هو أيضا من يهز رأسه، ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، حسبنا الله ونعم الوكيل.

    1.   

    التواطؤ الدولي

    أما الوقفة الثالثة: فهي حول التواطؤ العالمي.

    إن هذا الموقف ليس موقف الصرب فقط، فهم أقل من أن يستطيعوا الصمود أمام قوى الإسلام، ولكنه الموقف العالمي بأكمله.

    الموقف الأمريكي

    هذا مثلاً موقف أمريكا والذي يحدث في البوسنة والهرسك ليس حرباً بين المسلمين والصرب، ولكنه حرب بين الإسلام والنصرانية، وهكذا يجب أن نفهمها، إنها حرب يوقدها الغرب كله ضد العالم الإسلامي، وإن كانت تظهر أحياناً بأشكال مختلفة، إن العالم الإسلامي يجب أن يتعامل مع الحرب على هذا الأساس، وأن يدرك أن الغرب كله يقف مع الصرب ضد المسلمين.

    هناك توزيع للأدوار حتى تنطلي الخدعة علينا وتتحقق الأهداف المشتركة، -فمثلاً- تعددت الإعلانات بأن شركات غربية عديدة -بريطانية وفرنسية وألمانية- تساهم مساهمة فعالة في فك الحصار عن يوغسلافيا، وإيصال ألوان الأسلحة والسلع إلى الصرب من مختلف جهات العالم، وتتولى الشركات الأوروبية شرقيها وغربيها مهمة إغراق السوق اليوغوسلافية بالبضائع، وعملية الحصار الاقتصادي على الصرب لا تعدو أن تكون كذبة إعلامية كبيرة، هذا جانب من المؤامرة.

    (جانب آخر) بينما أعلنت واشنطن أنها حصلت على معلومات جديدة تؤكد اعتقال ثلاثة آلاف مسلم في معسكرات الصرب، أي: أنها اكتشفت معسكرات جديدة، في الوقت نفسه أعلن لورانس وزير الخارجية الأمريكي بالوكالة أن الولايات المتحدة سوف تؤيد وتدعم طلب ميلان بانتش رئيس الوزراء اليوغوسلافي في مجلس الأمن، الذي يطالب بالسماح لـيوغسلافيا باستيراد السلع الإنسانية، ولاسيما وقود التدفئة من أجل الشتاء القادم إلى صربيا، ونقلت وكالة (تان يوجا) الصربية عنه قوله بعد اجتماعه مع مالتش: إن المساعدة الأمريكية تعتبر عملاً إنسانياً محضاً.

    نعم أمريكا تتظاهر بالإنسانية، وتقول: إنها تسعى إلى إنقاذ البشر في صربيا من أذى البرد، ولذلك تسعى إلى إزالة ما يسمى بالحصار الاقتصادي عليهم والسماح باستيراد السلع الإنسانية.

    هذه المشاعر الأمريكية الفياضة تجاه الصرب تتعامل مع مأساة المسلمين في البوسنة والهرسك بحسابات سياسية باردة، تتوخى المصلحة الأمريكية في المقام الأول! وقد اعترف بعض من صحت ضمائرهم من الأمريكان -أنفسهم أو صحوا من غيبوبتهم- اعترفوا بذلك، هذا جورج كيني نائب رئيس مكتب يوغسلافيا سابقاً بوزارة الخارجية الأمريكية والذي استقال من منصبه في وقت سابق، احتج على الموقف الأمريكي وقال -واسمع هذه الاعترافات- يقول: (إنني أؤمن تماماً بأن الإدارة الأمريكية قد اتخذت قراراً جوهرياً على أعلى المستويات بعدم التدخل العسكري، لاعتقادها بأنها ستكسب سياسياً أكثر من عدم التورط في نـزاع أجنبي شديد الفوضى)

    نعم! تنظر الإدارة الأمريكية إلى مكاسبها السياسية فحسب من أشلاء ودماء المسلمين في البوسنة والهرسك، والاعتداء على نسائهم؛ وانتزاع حليب الأطفال منهم، ولا تتدخل إلا بدوافع مصالحها السياسية، أما في صربيا فهي تتدخل لإنقاذ يوغسلافيا من صقيع الشتاء القادم بدوافع إنسانية.

    ويمضي جورج كيني هذا المستقيل قائلا: (إن ما يثير غضبي بشأن تعامل الإدارة الأمريكية مع الأزمة في يوغسلافيا، هو أنها لا تريد حقاً أن تعرف الرعب القائم هناك؛ لأننا كلما عرفنا المزيد كلما تضاعف الضغط علينا، وأجبرنا على التصرف، وعلى مدى شهور وجدت اهتمام الخارجية الأمريكية قليلاً جداً لمعرفة المزيد عن الموت والجوع وعن القصف الصربي وعن الإبادة العرقية).

    ثم يقول: (إن المدخل الأمريكي إلى الأزمة هو نموذج للاسترخاء، ومنذ العلاقات الأولى لتفكك يوغسلافيا سابقاً، أوضحت الإدارة الأمريكية بشكل متكرر أنها لن تتدخل عسكرياً للسيطرة على الأزمة، مما أعطى الضوء الأخضر لسفاحي الصرب أن ينفذوا خططهم لإقامة دولة صربيا الكبرى بعدما يتم تنقيتها عرقياً، وكل ما اتبعته أمريكا تجاه موقفهم هو الدبلوماسية العاجزة.)

    ثم يمضي (جورج كيني) قائلا: (إنني أعتقد أن الإدارة الأمريكية ببساطة لا يعنيها شأن البوسنة برغم كل الكلمات المعسولة التي تستخدم في التصريحات، بل على العكس من ذلك - لاحظ الكلام - بل على العكس من ذلك قد يكون ما يحدث يتلاءم مع أغراضهم) انتهى كلامه.

    أي: إن هذا الرجل يشير إلى وجود تواطؤ أمريكي صربي ضد المسلمين.

    إن ما يحدث في البوسنة والهرسك على الرغم من أنه من أسوأ الجرائم في التاريخ إلا أنه لم يحرك ساكناً في العالم الإسلامي.

    والأمر الآخر: أن المعونات الإسلامية تصل أحياناً إلى الصرب! وهذا جانب من تعاون الشركات والمؤسسات الغربية مع الصرب وتحالفها وتواطئها معهم، وإن المعونات الإسلامية تصل إلى أيدي الصرب وقد كشف عبد الرحمن آدمي وهو ممثل مسلمي يوغسلافيا في تركيا عن مأساة جديدة يتعرض لها المسلمون في البلقان قال: (إن المعونات المرسلة للمسلمين عن طريق جمعيات الهلال الأحمر تصل إلى أعدائهم وأنهم وجدوا لدى الأسرى الصرب معلبات مرسلة من دول إسلامية عن طريق الهلال الأحمر)

    وأكد عبد الرحمن أن هذه المساعدات ضلت طريقها؛ حيث تسلمتها جهات أخرى قامت بتسليمها للصرب.

    ولعله ليس سراً أن جريدة الشرق الأوسط نشرت منذ ما يزيد على شهر.. أن الإعانات التي دفعتها هذه البلاد للمسلمين في البوسنة قد استلمتها جمعية ألمانية ذات خبرة -زعموا- في عملية توزيع الإعانات، استلمتها هذه الشركة لتقوم بإيصالها إلى المسلمين هناك.

    إذاً هذا جانب من موقف الغرب.

    موقف بريطانيا

    جانب بريطانيا وفرنسا فهو لا يختلف كثيراً عن موقف أمريكا، إنهم يكتفون بالتصريحات الإعلامية، ويكتفون بالشجب والاستنكار، ويكتفون بعقد الجلسات، ويكتفون بإقامة المؤتمرات للسلام التي تشرف عليها بريطانيا، وكلما خرجوا من مؤتمر أدلوا بتصريحات: إنه تم الاتفاق على كذا. وما ذلك إلا لمجرد الاستهلاك الإعلامي وإقناع المسلمين بأن القضية قضية دولية كبيرة، وأن الغرب لا يمكن أن يتجاهلها أو يسكت إزاءها.

    موقف الأمم المتحدة

    وقل مثل ذلك بالنسبة للأمم المتحدة -الحكومة المتوجة على العالم كله- وهي حكومة نصرانية صليبية، وألعوبة في يد أمريكا وفرنسا وبريطانيا وأوروبا بشكل عام.

    الأمم المتحدة معظم جنودها من النصارى، وهم في بلاد البوسنة يحاربون المسلمين أحياناً. ويستخدمون الصلاحيات الممكنة لهم يستخدمونها لنقل بعض الأسلحة للقوات الصربية، وهم يوجهون إلى المسلمين اللوم في كثير من الأحيان، وهم يعتدون على المسلمين، وهم يقتلون بعض المسلمين أحياناً، وهم يعتدون على أعراض المسلمات كما ذكرت.

    ثانياً: ما يتعلق بـالأمم المتحدة، فإنها تفرض حظراً على الأسلحة أن تصل إلى يوغسلافيا بكلها، بمعنى أن الأمم المتحدة منعت المسلمين من أن يتسلحوا في الدفاع عن أنفسهم، بل إن شحنات الأسلحة التي ذهبت من هناك من بعض الدول الإسلامية أوقفت في مطار كرواتيا، وفتشت ومنعت من الذهاب إلى المسلمين أمر عجيب...!

    لقد ساوت الأمم المتحدة بين المسلمين العزل وبين الصرب الذين ورثوا رابع أقوى جيش في العالم، والذين يملكون مئات السيارات، وآلاف الدبابات، ومئات الآلاف من الجنود، وعشرات الآلاف من القطع، بل وفرضت حظراً على التسليح أن يصل إلى الطرفين، وهكذا قررت أن يموت المسلمون تحت سنابك خيل الصرب بصورة ذكية مدروسة..!.

    ثالثاً: أعلنت الأمم المتحدة على لسان أمينها -وهو خائن- مراراً أنه (ليس هناك تفكير في التدخل العسكري في البوسنة والهرسك) لماذا؟ (لأن الأمر معقد والمنطقة صعبة وجبلية ومتشابكة، والدخول فيها يعني الدخول في معركة لا نعلم مداها ولا مصيرها!!) هكذا يقولون.

    فلماذا إذاً تدخلوا بين الصرب والكروات؟ لانقول لماذا تدخلوا في الخليج؟! أم أن أمر الخليج أمر آخر؟! لماذا تدخلوا بين الصرب والكروات مع أن المنطقة هي ذاتها في تفاصيلها وتضاريسها وبجغرافيتها؟! هذا سؤال ليس له من جواب...

    ثم إن إعلانهم مرات كثيرة أنهم لن يتدخلوا هو رسالة واضحة إلى الصرب: أن واصلوا فعلاً فيما تقومون به، واستمروا في إبادة المسلمين واقضوا عليهم، وأسرعوا واطمئنوا فإن الأمم المتحدة تعدكم وعداً قاطعاً أنها لن تتدخل ضدكم، وأن موقفها لن يكون إلا التأييد الخفي والشجب العلني.

    رابعاً: تتعامل الأمم المتحدة مع الحرب هناك على أنها حرب أهلية طرفية بين طرفين فقط، وأحياناً تلقي باللوم على المسلمين، كما فعلت حين أقفل المسلمون طريق الإمداد من المطار، لقد أقفل المسلمون طريق الإمداد إلى سراييفو؛ لأن الصرب يستغلونه في نقل أسلحتهم، ولذا قام جنود الأمم المتحدة بانتقاد المسلمين، وطالبوهم بفتح هذا الطريق، واستخدموا معهم عبارة حادة: (افتحوا الطريق وإلا سوف نضطر إلى فتح الطريق عن طريق استخدام القوة.)

    خامساً: رفض مجلس الأمن الطلب الذي تقدمت به الدول الإسلامية وهي (47) دولة، تقدمت بطلب عقد مجلس طارئ لمجلس الأمن، وذلك من أجل رفع الحظر عن إرسال الأسلحة إلى المسلمين في البوسنة والهرسك، فرفض السفير الفرنسي الذي يترأس الدورة الحالية لمجلس الأمن أن يعقد جلسة طارئة، وقال: (إن المجلس في حالة انعقاد، وإن هذه المسألة في محل بحث دائم، ولا حاجة لعقد جلسة طارئة لهذا الأمر).

    كرواتيا

    القضية الجديدة والخطيرة -أيضاً- ضمن التواطئ العالمي هي قضية كرواتيا؛ فإن المخرج والمنفذ والجانب الإيجابي والأكبر للمسلمين هو أنه كان هناك نوع من التعاون بينهم وبين كرواتيا المجاورة وهي المنفذ الوحيد لدولة المسلمين، وفي الأيام الأخيرة -وقد كنت أخبرت عن ذلك قبل شهور طويلة وأصبح الآن هذا الموضوع عملياً واضحاً قائماً- أصبح هناك معارك دامية بين المسلمين والكروات، لقد قام الكروات بقتل مجموعة من خيرة الشباب من البلاد العربية والإسلامية غدراً وخيانة في أحد المعارك، ثم كان من آخر غدرهم وخيانتهم سقوط مدينة بوسانس كيبرود وهي مدينة في الشمال محصنة؛ بل هي قلعة من قلاع المسلمين هناك.

    وحسب التقارير العسكرية فقد كان من المستبعد أن تسقط المدينة، وقد فوجئ الجميع بسقوطها وتكلمت الصحف الألمانية: (أن سقوط هذه المدينة كان نتيجة خيانة من الجنود الكروات الذين سلموا المدينة إلى الصرب مقابل أن يتخلى لهم الصرب عن شريط حدودي مجاور لهم)

    وبمباركة الكنيسة وتحت رعاية الأمم المتحدة أيضاً وممثليها وهم وورد أوويه وفانـزتم في جنيف عقد اجتماع بين الرئيس الكرواتي والرئيس الصربي، وتم الاتفاق على النقاط التالية:

    أولاً: علاقات ودية بين الدولتين.

    ثانياً: فتح مكاتب متبادلة في عاصمتي الدولتين.

    ثالثاً: فتح الطريق التجاري بين زغرب وبلجراد.

    رابعاً: تبادل التمثيل الدبلوماسي بينهما.

    خامساً: تبادل الأسرى بينهم.

    سادساً: خروج القوات الصربية من كرواتيا باتجاه البوسنة.

    وقام بعض الوزراء من كرواتيا بزيارة رسمية إلى بلجراد، وهذا يدل على خطورة الموقف وأن المسلمين يعيشون وضعاً حرجاً للغاية.

    إن المنفذ الوحيد والطريق الوحيد الذي تصل إليهم منه الإعانات والإمدادات، ويتم عبره وصول المسلمين، ووصول المجاهدين، ووصول الأموال، إن هذا الطريق الوحيد يتم عن طريق كرواتيا، وهي الآن تقيم أوثق العلاقات مع صربيا.

    منذ بدء الحرب والكروات كانوا يحققون بعض المكاسب على حساب المسلمين -فمثلاً- تجارة السلاح، كان الكروات يستغلون الضعف الذي يعيشه المسلمون وحاجتهم إلى السلاح، بتجارة السلاح، وكذلك رفع راية كرواتيا على كثير من المناطق المحررة، التي كان المسلمون وراء تحريرها، ومثل إقامة نقاط التفتيش على بعض المواقع والطرق، وتفتيش القوافل الإسلامية وغيرها، ومثل بث الدعاية عن الجهود الكرواتية، ومثل فرض الرسوم والضرائب على دخول المسلمين، وعلى دخول السلع، وعلى كل ما يصل إلى كرواتيا بل إن كرواتيا تقوم باقتسام صفقات السلاح المخصصة للـبوسنة وأخذ نصيب منها.

    إضافة إلى أن كرواتيا قامت بمنع كثير من المسلمين القادمين، وإعادتهم من مطار زغرب إلى حيث قدموا، ومنها أيضاً حجز بواخر السلاح وطائراتها كما سمعتم كثيراً في الأخبار، ومنها أنهم لم يشاركوا في أي معركة جادة في التحرير لمقاومة الصرب، وإنما كانوا يُورّون بالقليل من الأعمال.

    وهذا يؤكد لنا أيضاً الحقيقة السابقة، وهي أنه لا ثقة أبداً إلا بالمسلم، أما هؤلاء النصارى، فالذي يثق بهم فإنما يسعى إلى قتل نفسه بنفسه...!

    إن المصادمات الأخيرة بين المسلمين وما يسمى لجنة الدفاع الكرواتي، والتي يرأسها شخص اسمه ماتي جوبان وهو رجل مخابرات شيوعي، قدم من كرواتيا نفسها، وقام بزيارة قبل الأحداث الأخيرة إلى مدينة رافليد، لإشعار المسلمين أن هذه المدينة جزء من الأرض الكرواتية التي يسمونها هيركست بوسنا يعني أنها أرض الكروات أو الكانتون المخصص للكروات في أرض البوسنة.

    وزار الرجل هذه المدينة بهذا الهدف، وإذا تم هذا الاتفاق اتفاق الكانتونات فلن يكون للمسلمين أكثر من (15%) من أرض البوسنة والهرسك، ودارت في هذه المدينة معارك ضارية، قتل فيها أكثر من مائة وجرح فيها أكثر من مائة وخمسين، وما زالت المعارك جارية في أكثر من موقع، وبناءً عليه فقد تم إغلاق حدود البوسنة، وبذلك توقفت المساعدات الإنسانية والغذائية التي كانت تأتي إلى المسلمين عن طريق كرواتيا، وهذا يهدد مئات الآلاف بالموت جوعاً وبرداً!!

    وإن ممثل الأمم المتحدة حينما قال: (إن أكثر من نصف مليون مسلم يتعرضون للموت بسبب الجوع والبرد) كان هذا قبل أن تغلق الحدود مع كرواتيا، فما بالك اليوم وقد أغلقت الحدود؟! إن الأمر يبدو أكثر مأساوية وأكثر خطورةً.

    1.   

    لماذا يحدث كل هذا؟

    وها هنا ندرك الحقيقة: وهي أن العالم كله يتآمر على حفنة قليلة من المسلمين العزل في البوسنة والهرسك، وهنا سأطرح السؤال وهو النقطة الرابعة لماذا يحدث كل هذا؟

    الحرب الدينية لأوروبا ضد الإسلام

    يحدث كل هذا وباختصار؛ لأن الصرب في نظر الغرب يقودون حرباً دينية لحماية أوروبا الغربية من الإسلام. من الذي يقول هذا الكلام؟ لقد صرح بذلك رجل صربي، هو آمر أحد الفيالق التي يبلغ تعدادها ثمانين ألف جندي، يقول آمر الفيلق: (إننا نقود حرباً مسلحة لحمايةأوروبا الغربية من الإسلام)

    فالغرب كله يتخوف من حرب إسلامية نصرانية أو مواجهة شاملة، كما يقول زعيم من زعماء روسيا، بل قائد الجيش الروسي فيما يسمى بدول الكومندوز، أدلى بتصريح قبل أسبوع (إنني أتخوف من مواجهة شاملة بين المسلمين وبين النصارى، أو بين الشمال وبين الجنوب)والمقصود بالجنوب الفقراء من المسلمين.

    فهي حرب بين الفقراء والأغنياء، أو بين الشمال والجنوب، وهي بلهجة أخرى أو بصورة واضحة: هي حرب بين الإسلام وبين النصرانية، يقول القائد الروسي: (إنني ألحظ أن هناك تمحوراً كبيراً حول الإسلام، وأن هناك استقطاباً دينياً في الدول الإسلامية) فهو يرى أن الدول الإسلامية في آسيا الوسطي بدأت تستعيد عافيتها وإسلامها، وتتصل بـأفغانستان ثم بـباكستان ثم بـتركيا ثم إيران ثم بالعالم الإسلامي.

    ولا شك أن دول البلقان أيضاً، والمسلمين في البوسنة والهرسك، والمسلمين في كوسوفو، والمسلمين في السُّنْجُق، والمسلمين في ألبانيا، والمسلمين في كل تلك الدول أنهم على اتصال بذلك كله، وهم يتوقعون أن يكون هناك حرب شاملة بين القوى الإسلامية كلها وبين القوى الكافرة -هكذا يتوقعون- وهذا التوقع ليس مبنياً على سذاجة، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيحين: نصرت بالرعب مسيرة شهر فهذا جزء من الرعب الذي يقذف في قلوب الأعداء.

    ولكنه أيضاً جزء من اكتشافهم لحقيقة قائمة! وهي: أن الأمة الإسلامية بدأت تستردُّ جزءاً من عافيتها وإسلامها، وسوف أتحدث بعد قليل عن نقطة البشائر.

    تخوف الغرب من أي مظهر إسلامي

    فيما يتعلق بالتخوف في الغرب من الإسلام، فهم يتخوفون من أي ظاهره حتى لو كانت صغيرة، ففي جريدة اسمها سبليت علقت على معسكر فيه تسعمائة مسلم ويدرسونهم القرآن -بعض الهيئات الإسلامية تقوم بتدريس القرآن- فنشرت الصحيفة هذا الخبر تحت عنوان مثير جداً (الإسلام قادم) ثم ذكرت خبراً عادياً: (أنه في هذا المعسكر هناك تسعمائة مسلم يتعلمون القرآن، وقد بدأ الحجاب الشرعي يظهر عند الفتيات)

    نموذج آخر قد تستغربونه أيضاً! أصدر سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -حفظه الله تعالى- فتوى بمساعدة المسلمين في البوسنة والهرسك بالمال وغير ذلك، فهذا الخبر أزعجهم جداً! وكررت الإذاعة الكرواتية ووكالات الأنباء هذا الخبر، وقالت بالحرف الواحد: (إن على أوروبا أن تساعد كرواتيا في تخفيف أعبائها المتمثلة بأولئك اللاجئين، والعمل على حل المشكلة سريعاً، حيث إن تفاقم المشكلة سيدفع بأهل البوسنةنحو الأصولية وخطر التعصب الذي أصبحنا نحس به الآن، وخير دليل على ذلك فتوى كبير علماء العالم الإسلامي عبد العزيز بن باز بمساعدة المسلمين في أرض البوسنة والهرسك.).

    1.   

    قصيدة حول موضوع الإسلام والغرب

    قبل أن أنتقل إلى النقطة التالية أودُ أن أُعَقِّبَ على ما سبق أيضاً بمشاركة للدكتور/عبد الله الحامد أستاذ بجامعة الإمام في الرياض، وهي قصيدة ذات معانٍ كبيرة، ولذلك أحببت أن أشركَكُم معي في سماعها أو في سماع بعض أبياتها، وقد نُشِرَتْ في بعض الصحف الخليجية أيضاً يقول:

    سراييفو الجريحة سامحينا      إذا قلنا لعلك تسلمينا

    إذا كانت إغاثتنا هباءً      دواءً أو غذاءً أو أنينا

    نرجي هيئة الأمم التفافاً       وقد كاد الأمين بأن يخونا

    ولو كنتم يهوداً أو نصارى      وجئتم مجلس الأمن اللعينا

    لغطت جوكم أسراب حرب       تدمر من قنابلها حصونا

    ولو كنتم خليجاً سال نفطاً       لزمجر بوش إنا قادمونا

    وندد بالكوارث والمآسي       وأجهش يذرف الدمع السخينا

    وأقنع مجلساً للأمن يُدْعَى وطوَّع كيدُه روساً وصينا

    هو القانون أعور حين يهوى      فيبصر جانباً ويتيه حينا

    فأغضى عن أسى البلقان جفناً      وأبصر في الخليج البائسينا

    ولم ير في الخليج دماء شعب       ولكن أبصر النفط الثمينا

    وخمر النفط يسكر كل صاح       ويمنح كل ذي عقل جنونا

    أدرتم في الخليج رحى حروب      تدور على جماجمنا طحونا

    وما جئتم لقانون وحق       ولا لحماية لمتوسلينا

    ولكن قلتمُ: هبت رياح      ألا بذروا بها سماً دفينا

    ندمر بيتهم ونقول: نحمي      بأسلحة ومال يكنـزونا

    ولو كان الخليج بغير نفط      لأمسى من تدخلكم أمينا

    تجرون الحليف لكل فَخًّ       لكي يبقى بأيديكم رهينا

    فلا حلفاؤكم عرفوا طريقاً      ولا أنصفتمُ منهم خدينا

    نصبتم في الخليج فخاخ مكرٍ       ليخنع في إساركم حزينا

    فيصبح شعبنا بقراً حلوباً       وصيداً في شباككم سمينا

    تضيع ثراءه أشكالُ مجد       سلاحاً أو أثاثاً أو مجونا

    فتبنون الحضارة في رباكم      وفوق ظهورنا نبني ديونا

    نـزفتم من كرامتنا دماء      فهل تدرون عقبى من أهينا

    زرعتم فكرة سقيت بظلم       فجاء حصادها حقداً دفينا

    رفضتم في الجزائر حكم شورى      وأيدتم بها جيشاً ثخينا

    فصارت دولة الشورى حراماً علينا إن رعت خلقاً ودينا

    تريدون الحكومة مثل غرب      أكُنَّا في حضارتكم بنينا؟!

    لنا خلق وللإفرنج خلق      أيفرض دينه حتى ندينا

    شعوب الغرب ساستكم دهتكم           ونحن بساسة منا بلينا

    فلا في الرأي قادتنا أصابوا      ولا رؤساؤكم صدقوا الظنونا

    وكان الشعب فيكم أهل شورى      وكان الشعب فينا مستكينا

    جهلتم مرةً أخرى جهلتم      كما جهل الصليبيون حينا

    ألم تتلوا من التاريخ سطراً      يحدثكم إذا شئتم شجونا

    فعودوا وافهموا جيلاً جديداً      فسوء الفهم أعماكم قرونا

    لماذا أيها الرؤساء فينا       نشرتم خزيكم في العالمينا

    تراضيتم فأخفيتم بلايا       وأبدى الخلفُ سرُكم المصونا

    فكفر بعضكم بعضاً وآخى صليبياً وصهيوناً لعينا

    لكل منكمُ فقهاءُ فتوى       أصاروا الدين للدنيا دهونا

    وإعلام يصورُ كل لصٍ       حكيماً محسناً حراً أمينا

    تفرقتم إلى عرب وعجم       وسودتم وجوه المسلمينا

    نقضتم عروة ما بين عرب      وعادى كل ذي قرن قرينا

    تشرذمتم إلى يمنٍ وشامٍ      وأمسيتم يساراً أو يمينا

    تفرقتم على وادٍ ومرعى      وأجمعتم محبة قاتلينا

    تعارضت المصالح والمبادي      فَمدّ عَدُونا كفي أخينا

    تشعبتم إلى مَلَّاتِ نِفْط       وقحط دمرا دنيا ودينا

    فيسكن في المقابر بعض قوم      وفوق السحب يلهو آخرونا

    ومات من المجاعة بعض شعب وهبت فتنة رهطاً بطينا

    أيا قتلى بسيف قد صقلتم       بمالٍ قد أضعتم حدثونا

    ومالُ العُرب صار لهم دماراً      وصار سلاحهم لهم منونا

    فيا حرب البسوس ألا سلاماً       لقد عدنا لفخرك باعثينا

    ثم يقول في الأخير:

    ألا يا عرب أندلس أفيقوا      ألا فتق الصباح لكم عيونا

    فمن رهن البلاد لأجل عرش       أضاع وضاع إذ خرق السفينا

    ويوشك أن يكون النفط نهراً      فراتاً أحمراً يجري جنونا

    وأن يدعى الخليج خليج بوش      فيمنحه لـإسرائيل مينا

    لماذا أيها الحكام فينا       تفرقتم يساراً أو يمينا

    وأجمعتم على شكوى شباب      تَدَيَّنَ بعد أن عرف اليقينا

    وبعضٌ إن تفرنج قيل: مرحى      وآخر من تَدَيُّنِه أُهينا

    أصار الكفر والتغريب علماً      وصار العري والبالي فنونا

    مباح أن ترى فخذاً ونهداً!      ويحرم أن ترى جسداً مصونا!

    فللفساق قد فتحوا الملاهي       وللعباد قد فتحوا سجونا

    وما هذا التطرف غير رفض      لعلمانية نشرت مجونا

    ترون منابر الآراء عنفاً أليس العنف قتل الواعظينا

    وما الإرهاب إلا رد عنف       على قهر رعاه الحاكمونا

    أيا عرب التخلف هل وعيتم       من النكبات درس الذاكرينا

    فمن رام الحياة بغير فكر      تبدد في عواصفها طحينا

    ومن حسب الحضارة لمع نفط       فقد يهوي به حتى يهونا

    ومن ظن الحضارة في سلاح       فقد يضحى به يوماً طعينا

    ومن حسب الحضارة في المباني فقد ظن الورى حجراً وطينا

    فلن تبني بها رأياً حكيماً       ولو ربَّيْتَ مخلوقاً سمينا

    فليس حضارةً زَرْعٌ وصُنْعٌ      إذا لم تبن إنساناً رصينا

    وما شاد الحضارةَ غيرُ عقلٍ      تحرر مستنيراً مستبينا

    ولا يبني العقولَ سوى حوارٍ      وشورى تقتل الرأي الهجينا

    ولا يبني الحضارة غير شعب       تساوى الناس فيه أجمعينا

    فلا أمراؤه نالوا امتيازاً      ولا أحراره صاروا قطينا

    1.   

    أبعاد الحرب

    نعود بعد ذلك إلى أبعاد الموضوع من المسائل المهمة وأذكرها باختصار: أبعاد الحرب، الحرب الآن في البوسنة والهرسك لكن إلى جوارها إقليم كوسوفو الذي يحتله الصرب، وفيه أكثرية من المسلمين الألبان، في هذا الإقليم اغلق الصرب ثمانٍ وعشرين مدرسة ابتدائية كان يُدَرَّس فيها أربعون ألف طفلٍ مسلمٍ، وأغلقوا خمسين مدرسة إعدادية كان يدرس فيها ستون ألف مسلمٍ، أيضاً، وقاموا بفصل أكثر من ثمانمائة وخمسين بروفسوراً عن العمل وسَرَّحوهم، وسجنوا ما يزيد عن مائتين وأربعين مدرساً.

    وإزاء مثل هذا الابتزاز قام المسلمون بمظاهرات سلمية، قوبلت بحشود كبيرة من الشرطة، وفُرَّقَت بالمياه الحارة وأطلقت عليها النيران، وضُرِبوا، واعتقل منهم أعداد وقتل منهم من قتل، ولذلك تقول تقارير مؤكَّدة أن المسلمين في كوسوفو الآن يجمعون السلاح، وقد قاموا باختيار رئيس من بينهم بصورة سرية وأنهم يستعدون لخوض معركة مع الصرب داخل صربيا فيما يسمى بإقليم كوسوفو الذي يسكنه المسلمون الألبان.

    وهناك إقليم أخر هو إقليم السنجق، وهناك أقليات أخرى متفرقة في الجبل الأسود وفي كرواتيا وفي صربيا وفي غيرها.

    وإلى جوار هذا كله توجد ألبانيا التي يسكنها المسلمون، وهي دولة إسلامية ظلت تحت الشيوعية زماناً طويلاً، وقد وجدت فيها الآن صحوة إسلامية جيدة، وفيها أحزاب إسلامية تستعد الآن لمواجهة عسكرية مع أعداء الإسلام، وبناءً عليه تقول تقارير أصدرتها المخابرات البريطانية وقرأت شيئاً منها في الصحف تقول:

    (إن هناك احتمال كبير أن تتحول جزيرة البلقان كلها إلى بحر من الدماء وإلى مواجهة شاملة، وقد تضطر تركيا إلى التدخل، وإزاء ذلك فقد تتدخل دول أخرى كثيرة في مثل هذه المواجهة)

    وبناء على ذلك؛ فإننا لا نستغرب أن يسعى الغرب إلى المسارعة في حل مشكلة المسلمين في البوسنة والهرسك بأي وسيلة، وأن يقوم بتقسيم البوسنة إلى كانتونات: واحد منها للصرب البوسنويين، وآخر للكروات البوسنويين، وثالث للمسلمين في المنطقة، ويكون ذلك قليلاً ومحصوراً، وقد يسعون إلى غير ذلك من الصور.

    المهم أنهم يخافون أن يتفاقم الأمر، وتنتهي الحرب إلى حيث لا يتوقعون.

    بمقابل ذلك يقول بعض الباحثين والمراقبين المسلمون: إننا نرجو أن يكون هذا بداية للوعد النبوي الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، حينما تكلم عن دخول المسلمين إلى روما، فقد روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي المدينتين تتفتح أولاً قسطنطينية أم رومية؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم {مدينة هرقل تفتح أولاً }

    ومدينة هرقل هي القسطنطينية، وقد فتحت في القرن الثامن، ثم عادت القسطنطينية اليوم تحكمها العلمانية، والغريب في الأمر أن المسلمين رجعوا أدراجهم على بعد أميال من روما، ولو تمكن المسلمون وانتصروا في بلاط الشهداء لدخلوا روما، ولكن قيل لهم: ارجعوا فقد كتب الله لكم أن تذهبوا إلى هناك وتفتحون القسطنطينية ثم بعد ذلك تعودوا لتفتحوا روما، كما وعد النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا الترتيب النبوي لا يمكن أن يتأخر؛ لأن الحديث صحيح.

    فبناءً عليه: المسلمون ينتظرون فتح روما، وفتح روما لن يتم في مثل الظروف الحالية، إنما يكون وسط قوة للمسلمين وتمكين لهم، وسيتم وسط اضطراب عالمي، أو تأخر للقوة والحضارة التي يملكونها الآن، ولا مانع أن نتصور أن بداية المواجهة ولو بعد عشر أو عشرين أو خمسين سنة ستكون نهايتها دخول مسلمين فاتحين إلى أرض روما وإلى أرض أوروبا التي تتوجس منهم خيفة، ونقول: حق لها أن تخاف منهم؛ فإن هذا هو الأمل الذي يحلمون.

    وعلى رغم تلك الضربات القوية؛ فإنهم لا يزالون يناضلون ويصابرون وينتظرون وعد الله عز وجل، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:111]

    إذاً هذه بعض أبعاد الحرب، ونسأل الله تعالى أن يكون ذلك كله فلكاً يدار لصالح الإسلام.

    1.   

    موقف الإسلام

    ننتقل بعد ذلك إلى موقف الإسلام.

    موقف الدول الإسلامية

    أما موقف الحكومات الإسلامية فقد نددت وشجبت واستنكرت وعقدت الاجتماعات والمؤتمرات، وطالبت مجلس الأمن أن يتخذ موقفاً، وضغطت عليه وأصدرت البيان بذلك، ثم قامت بعض الدول الإسلامية بإرسال المعونات الإنسانية على استحياء إلى المسلمين في أرض البوسنة والهرسك، وهذه المعونات منها ما وصل إلى المسلمين فعلا، ومنها ما ضل طريقه كما سمعتم.

    وقد يكون هذا الموقف طبيعياً؛ لأننا نعرف أن الدول الإسلامية هي أعجز من أن تستطيع أن تتخذ موقفاً صحيحاً في قضية مثل هذه القضية، وهي لا تستطيع أن تتخذ موقفاً عن رأي الغرب ومشورة الغرب وموافقة الغرب ومظلة الأمم المتحدة، التي هي الحكومة العالمية المتوجة.

    موقف الشعوب الإسلامية

    ولكن ننتقل إلى الشعوب الإسلامية: هناك أولاً: أعداد ليست بالقليلة من الشباب المسلم هَبَّتْ للنفير وذهبت تجاهد هناك، والقوات المسلمة الخاصة -التي كُونت حديثاً- قوات مسلمة تزيد على خمسة آلاف، يشترطون فيمن ينتمي إليها أن يكون محافظاً على الصلوات، وأن يكون متجنباً للمحرمات، وبعضهم أشترط حتى ألا يكون مدخناً، وتقام فيها أحكام الإسلام بصورة جيدة، وغالب القادة فيها من خريجي الجامعات الإسلامية، ومن أصحاب العقائد السليمة الصحيحة بحمد الله تعالى.

    وقد حققت هذه القوات تقدماً طيباً، وانضم إليها أعداد من القوات الحكومية العامة، وحتى بعض الذين لم ينضموا إليها هم معها في الحقيقة، وهناك مجموعة من القادة لهم تأثير كبير.

    وأضرب لك مثلاً بـأبي عبد العزيز الذي تصوره الصحف الغربية -كما تصور- بطلاً من أبطال الأساطير، وقد تحدثت عنه، وكيف أنه يقيم هناك، وهو أب لتسعة أطفال، هو من هذه البلاد من الحجاز، ربما كان بعد الأربعين من عمره، تتحدث عنه كيف كسب مودتهم ومحبتهم وأثَّر فيهم، وعلى رغم مهماته في القتال والجهاد وبطولاته، إلا أنه يجد وقتاً لتعليم أطفال البوسنة القرآن الكريم، وتدريبهم وتربيتهم على الإسلام، وإذا مضى بسيارته اللاندروفر على الشارع، خرج الرجال والنساء والأطفال على الأبواب والشبابيك والأسطح، يلوحون له ويشيرون إليه وينظرون إليه ويحبونه ويفدونه بأنفسهم.

    فهذا الوصف الأسطوري لهذا الرجل وأعداد كبيرة من الشباب المقيمين هناك هو جانب من الوعي الشعبي الإسلامي المتنامي في كل بلاد، والكثيرون الكثيرون يتساءلون عن إمكانية الذهاب، لكن من المؤسف أن هناك صعوبات لعل من آخرها صعوبة عدم إمكانية النـزول في مطار كرواتيا، ومن ثم المسير إلى أرض البوسنة والهرسك، فضلاً عن صعوبات أخرى لا مجال للحديث عنها، وهؤلاء الإخوة المجاهدون لا شك أن لهم دوراً كبيراً في رفع معنوية المسلمين، وإشعارهم بأن الأمة الإسلامية تقف إلى جوارهم، وبالمقابل لهم دور كبير في المعارك، يحقق انتصارات طيبة ومكاسب كبيرة.

    ولم يكن في الوقت متسع لأذكر شيئاً منها، لكن يكفي أن تعلموا أن المسلمين حرروا مواقع كبيرة واستطاعوا أن يحرروا طرقاً عديدة للإمدادات، واستطاعوا أن يقطعوا بعض طرق الإمدادات الصربية، واستطاعوا أن يأسروا على ما يزيد عن خمسة آلاف صربي، وضربوا بعض المطارات، وهناك بعض النجاحات التي لا نريد أن نبالغ فيها، ولكن نريد أن نذكرها حتى تعتدل الصورة.

    ولا نستمر في التشاؤم، فهذا جانب، والغرب يركز على هذه الأقلية المسلمة، ويتكلم عنها بشكل صريح، وأجريت معهم مقابلات في الصحف الغربية باعتبار أنهم خطر أصولي يهدد أوروبا، وأن هذا يؤكد فعلاً أن الرئيس البسنوي المسلم يسعى إلى إقامة دولة إسلامية أصولية كما يقولون ويعبرون، ولو أن المسلمين كانوا أقوى وأشجع وأفضل وأسرع لاستطاعوا أن يغيروا مجري الأحداث، وأن يجعلوا الغرب يتدخل لصالح المسلمين ليقطع الطريق على تنامي المد الإسلامي، وكثرة المسلمين الذين يأتون إلى هناك.

    نموذج أو مثال آخر: قضية التبرعات؛ فإن الأمة الإسلامية فيها خير كثير، وهذه الأموال التي أصبحت نهراً يجري إلى البوسنة والهرسك آية صدق على ذلك، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل الصدقة دليلاً على صدق الإيمان حيث قال:{والصدقة برهان} فالمسلمون اليوم يبذلون أموالهم، وأصحاب رؤوس الأموال الضخمة يبذلون الملايين وعشرات الملايين وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ [الطلاق:7].

    أقول لكم هذا النموذج الذي هو من آخر ما قرأت، قرأته هذا اليوم: أن شاباً مسلماً من أبو ظبي لم يجد ما ينفق ولا ما يتبرع به، فذهب إلى مكان التبرع بالدم، وهم إذا تبرع الإنسان بالدم يعطونه مقابل ذلك مائتي درهم، فتبرع ببعض دمه من أجل أن يأخذ مائتي درهم، ليقوم بتسليمها بعد ذلك إلى اللجنة المشتركة لاستقبال التبرعات إلى البوسنة والهرسك...!!

    أمة فيها مثل هؤلاء الذين يتبرعون بدمائهم إذا عجز عن إراقة دمه في ميدان المعارك، فعلى الأقل يتبرع بشيء منه ويأخذ مقابله ليدفعه إلى المسلمين، هذا نموذج، والأموال بحمد الله تذهب إلى هناك بشكل جيد، وهناك إغاثة ومساعدات إنسانية، بل هناك توصيل ما يحتاجه المسلمون من آلات الحرب وعدتها بشكل لا بأس به، وهناك تعاطف معنوي كبير من المسلمين مع البوسنويين.

    ويظهر هذا التعاطف معهم في الحديث عن قضيتهم وفي تناولها، وعلى الأقل التوجع على ما يصيبهم، وفي الدعوات الصادقة التي قد تصادف باباً مفتوحاً، وما يدريك أن ينصر المسلمون بدعوة صادقة، كما قال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري: {أبغوني ضعفاءكم، هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم بدعائهم واستنصارهم؟!} وأنا قلت أكثر من مرة أمة قوامها ألف مليون إنسان ليس فيهم واحد لو أقسم على الله لأبره؟! ولو سأل الله تعالى لأعطاه؟! لا بد أن فيها ذلك، ولو أننا حشدنا الناس بالدعاء الصادق والابتهال إلى الله والإلحاح في المسألة، لوجدنا في ذلك خيراً كثيراً ولا تقول: لعل الله فقط ينصر المسلمين، ادع الله أن ينصر الإسلام في كل مكان، وأن تكون هذه الشرارة التي أوقدها الكفار سبيلاً إلى نار تحرقهم عن آخرهم، وأن تكون فاتحة نصر وخير وعز للإسلام والمسلمين.

    يبقي السؤال في هذا ما السبب في أن هذا التعاطف الإسلامي لم يكن على مستوى الأحداث، ولم يصل إلى حد تحقيق نصر واضح؟! فأقول: السبب الرئيس هو أن العالم الإسلامي اليوم عالم يعتبر تابعاً للعالم الغربي، وقد عادت إليه عصور الوصاية والاستعمار بشكل أو بآخر، فأصبح الغرب يتصرف كما لو كان مهيمناً على الأرض كلها، خاصة بعد سقوط قوة روسيا، ولذلك نحن ننتظر ونتربص أن تنكفئ أمريكا على ذاتها؛ فإن أمريكا الآن تمد ذراعيها في العالم كله وتتدخل في كل حقير وشريف.

    تدخلت في السودان وقالت لحكومة السودان: لماذا تمدون باللحم إلى العراق وشعبكم جائع محتاج؟ مع أن اللحم الذي بعثوا به كان نتيجة صفقة متفق عليها حتى مع الأمم المتحدة نفسها فما دخلهم في هذا؟

    وتدخلت في أفغانستان، وقالت علانيةً: إننا لن نسمح بوصول حكمتيار إلى الحكم وسنسعى بكل وسيلة إلى منع وصوله، وإلى منع أن يقوم هو بإفشال ما نسميه بالعملية السياسية، وتدخلت في أمور داخلية خاصة بل هي تخطط لأبعد من ذلك!!

    ولهذا أود أن أقول لكم أن هناك الآن اتجاهاً قوياً داخل أمريكا ذاتها، وهو يتنامى ويزداد أنه لا شأن لنا بالعالم الخارجي، ينبغي أن نهتم بدولتنا ذاتها -بـأمريكا نفسها- بمشاكلها الاقتصادية والسياسية والعرقية والاجتماعية والجرائم والقضايا الأخلاقية وغير ذلك، وعلينا أن نخفض ونقلل من تدخلنا ومشاركتنا ومساعداتنا للعالم، وهذا لا شك سوف يقلل من هيمنة أمريكا على العالم، وتسلطها وتدخلها بالقرارات، وبالتالي سوف يعطي الأمم الإسلامية فرصة أكبر أن تثبت وجودها، وأن تحقق إسلامها على كافة المستويات، سياسيها واجتماعيها واقتصاديها، وأن تحقق معنى الإخاء الإسلامي في مناصرة المسلمين في كل مكان.

    وهذا تقرير عن هذا الموضوع -وهو موضوع انكفاء أمريكا على ذاتها لا يتسع المجال لقراءته.

    1.   

    البشائر

    بقي -أيضاً- الموضوع الأخير وهو: موضوع البشائر، وفيه ورقة أو تقرير كبير، وخلاصة البشائر أن هناك:

    أولاً: الجهاد الإسلامي الذي ظهر في أرض البوسنة والهرسك وتقدم الإشارة إلى شيء منه.

    ثانياً: أن هناك توجهاً إسلامياً من قبل المسلمين، وإقبالاً على العلم الشرعي، ومن قبل النساء على الحجاب، ومن قبل الرجال على صلاة الجماعة، وعلى ترك الخمور، وعلى فصل الرجال عن النساء، وعلى تعلم القرآن، وهناك مدارس بالعشرات بل بالمئات قامت الآن بتحفيظ القرآن وتعليمه للأطفال والرجال والنساء، وهناك قامت صحوة إسلامية قوية.

    وهناك شعور من المسلمين البوسنويين بالتعاطف مع المسلمين الذين نصروهم وآزروهم، وبالمقابل شعور قوي بالبراءة من المشركين والنصارى الصرب وكروات، الذين كانوا هم السبب في هذه الأزمة والمصيبة التي حَلَّتْ بهم، إضافةً إلى مكاسب أخرى حققها المسلمون على الصعيد العسكري وانتصارات كبيرة.

    أنا أدعو الإخوة إلى ألا يملوا من طرح هذا الموضوع، وجمع التبرعات للمسلمين والحرص والدأب، وأقول: إن التبرعات تبلغ محلها إن شاء الله متى ما أرسلت عبر الطرق المضمونة والمأمونة، وتساهم مساهمة كبيرة في رفع الحرج والعناء عن المسلمين.

    1.   

    الأسئلة

    الذهاب للجهاد في البوسنة

    السؤال: يقول ما هي أخبار المجاهدين العرب؟ وهل تنصح من له القدرة على الجهاد الذهاب إلى هناك؟

    الجواب: في الواقع أخبار المجاهدين أشرت إلى شيء منها، أما الذهاب فلا بأس أن يذهب بعض الشباب القادرين أصحاب الخبرة والقدرة والإمكانية، على الأقل يذهبوا لتعليم الإسلام والدعوة إلى الله عز وجل وتعليمهم التعليم الصحيح، وتعليمهم القرآن الكريم، وتربيتهم على الإسلام، فهذا من أعظم الأمور؛ بل ومن أهم أسباب النصر، التي يتذرعون بها في الانتصار على عدوهم وأقول: (رُبَّ ضارة نافعة).

    اشتدي أزمة تنفرجي       قد آذن ليلك بالبلج

    وهناك صعوبات بالذهاب، لكن على الإنسان ألا يذهب إلا بعد أن يكون لديه خبرة بالطرق والوسائل، فإنه يعود من مطار زغرب العديد من الشباب من الخليج والبلاد العربية يعودون على أعقابهم، ولا تسمح لهم السلطات بمواصلة المسير إلى داخل البلاد.

    الدعوة في البوسنة

    السؤال: يقول ما رأيك بمن يقول: إن الجهاد هناك ليس بجهاد؛ لأن المسلمين ليسوا على عقيدة صحيحة عموماً؟

    الجواب: نعم. المسلمون هناك مر بهم زمان طويل تحت الشيوعية، ثم بعد الشيوعية ما أُعْطوُا فرصةً حتى قامت هذه الحرب، ولكن من الواضح جداً أن الشعب البسنوي يملك استعداداً كبيراً لتقبل الإسلام، وليس عنده تعصب على مذهب معين، ولا من الطرق التي على الطرق الصوفية ولا لشيخ بعينه، ولديهم استعداد لتقبل الحق.

    وأكثر ما يعرقل الداعية هو وجود بعض الشهوات، ولا شك أن دفع فتن الشهوات أسهل من دفع فتن الشبهات، والذين ذهبوا هناك كما وصلت إليَّ عشرات التقارير كلهم يؤكدون التجاوب الكبير والاستعداد لتقبل الحق والتأثر بالداعية، بل إن بعضهم أحياناً إذا كانوا لا يعرفون اللغة ولا يستطيعون أن يتفاهموا معهم، يمسكون بالعرب والمسلمين القادمين، ويكتفون بمجرد البكاء والصياح تعبيراً عن عواطفهم الجياشة تجاههم، بل إنه يصل بهم الحال إلى أشياء يتعجب منها الإنسان في تقدير العرب والمسلمين ومحبتهم والسماع منهم.

    وعد الله بنصر هذا الدين

    السؤال: يقول كيف نتعامل مع الأخبار التي تُخدِّر مشاعر المسلمين بتأجيل الحل حتى يُقضى على بقية المسلمين في تلك البلاد؟

    الجواب: ينبغي أن ندرك أولاً: أن الله سبحانه وتعالى ناصر دينه ومعلٍ كلمته وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21] والله تعالى كما قال هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة:33]

    وما وعد به الله ورسوله كائن لا محالة، فينبغي أن نعلم {أن الله لن يترك بيت مدر ولا حجر إلا أدخله الله تعالى الإسلام بعز عزيز أو بذل ذليل عزاً يعز به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر} كما قال عليه الصلاة والسلام {وأن الله لا يزال يغرس لهذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته} كما روى ابن حبان وابن ماجة وغيرهم بسند رجالهم ثقات.

    فينبغي أن نعلم أن الإسلام قادم وأن النصر قادم، ومهما وجد من العقبات فعلينا أن نسعى في تبديلها وإزالتها.

    أحِبَّائي إنَّ النَّصر لا بد قادمٌ      وإني بنصر الله أول واثق

    سنصدع هذا الليل يوماً ونلتقي           مع الفجر يمحو كل داجٍ وغاسق

    ونمضي على الأيام عزماً مسدداً      ونبلغ ما نرجوه رغم العوائق

    فيعلوا بنا حقٌ علونا بفضله      على باطل رغم الظواهر زاهق

    ونصنع بالإسلام دنيا كريمةً      وننشر نور الله في كل خافق

    اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وكن لنا ولا تكن علينا، وانصرنا على من بغى علينا، اللهم انصر إخواننا في البوسنة والهرسك يا أرحم الراحمين، يا خير الناصرين، إنك على كل شئ قدير، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم أيدهم بتأييدك، وانصرهم، وسدِّدْهم، وسدَّد آراءهم يا حي يا قيوم، ويسر لهم، إنك على كل شيء قدير، اللهم اخذل أعداءهم يا حي يا قيوم، اللهم أنـزل على أعدائهم بأسك وعذابك، إنك على كل شيء قدير، اللهم اجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا معنا شقياً ولا محروماً.