إسلام ويب

تحرير الأرض أم تحرير الإنسانللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحدث الشيخ حفظه الله تعالى في هذه المحاضرة القيمة عن مسألة ارتباط تحرير الأرض بتحرير الإنسان، وأن تحرير الإنسان هو ركيزة تحرير الأرض الذي لا يمكن حدوثه إلا بتحرير الإنسان، وذكر تحرير الإنسان من العبودية لغير الله، وأمثلة لتلك العبودية، فذكر عبودية بعض الناس للمال وللمنصب والجاه وللحياة وللوطن وللعبادات وغيرها من المعبودات، وذكر عبادة بعضهم للطواغيت، وذكر أنها -أي الطواغيت- تعددت في هذا الزمن فدخلت في أمور كثيرة وكثرت أدواتها كالاقتصاد والأمن والإعلام.

    1.   

    بيان الشيخ ابن باز

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وحبيبه وخليله، بعثه الله تعالى على حين فترة من الرسل، وانقطاع من السبل، فبصر به من العمى، وهدى به من الضلالة، وجمع به بعد الشتات والفرقة، فجزاه الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

    هذه ليلة الإثنين الثالث والعشرين من شهر جمادى الآخرة لعام (1412هـ)، وهذا الجمع المبارك ينعقد في جامع الصالحية بمدينة عنيزة عمرها الله تعالى بالإيمان والتقوى، ولذلك كان هذا التوقيت مناسبًا لأن يضم هذا المجلس إلى سلسلة الدروس العلمية العامة التي يسر الله تعالى لي إلقاءها منذ سنوات، ويكون رقم هذا الدرس فيها الثاني والخمسين، وهذا لأمور اعتبارية كثيرة لا مجال للإطالة فيها.

    موضوع هذه المحاضرة -أيها الأحبة- (تحرير الأرض أم تحرير الإنسان) وبين يدي هذه المحاضرة لي كلمة وتعليق على بيان سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز؛ ولذلك فإنني أعتقد أن البيان والتعليق عليه والدرس أو المحاضرة سوف يستغرق الوقت كله، فلا أظن أنه يبقى لدينا ثمة وقت للإجابة على الأسئلة فأستميحكم العذر لذلك.

    أيها الأحبة: الدعاة بحمد الله تعالى موجودون في كل زمان ومكان، وفي هذا البلد الطيب المبارك خرج نباته بإذن ربه؛ فأينعت وأثمرت شجرة الإسلام دعاة كثراً، نسأل الله تعالى أن يكثرهم ويبارك في جهدهم.

    لمن يوجه البيان؟

    قد غص بهذه الدعوة ودعاتها ورجالها الأفذاذ؛ طوائف من الناس أذكر منهم على سبيل المثال لا على سبيل الحصر طائفتين:-

    الطائفة الأولى: العلمانيون والمستغربون، سواء أكانوا من المتنفذين في مناصب دبلوماسية أم سياسية أم غيرها، أم من المتربعين على عروش الصحافة، الذين يستغلون مناصبهم للتشهير بالدعاة والطعن فيهم، وهؤلاء -دائماً وأبدًا- يرفعون عقيرتهم بالتخويف من الدعاة، ودق ناقوس الخطر القادم الذي يهدد البلاد والعباد، ويهدد بانشطار الوحدة الوطنية -زعموا- وتشتيت الأمة، وتمزيق البلاد وإحداث الحروب الأهلية، إلى غير ذلك من الدندنات التي طالما روجوا لها وأشهروها، وخوفوا بها وأجلبوا عليها بخيلهم ورجلهم؛ ليزعزعوا بذلك الثقة بالدعاة، ويوجدوا الخوف منهم في نفوس الجميع حكامًا ومحكومين، وخابوا وخسروا في ذلك، فإن الأمة أعرف بدعاتها ورجالها وشبابها وأبنائها؛ فالأمة أعرف بهم منهم، وهيهات هيهات أن ينخدع الناس بدعاويهم الباطلة وأكاذيبهم وحيلهم! وهم يعرفون هؤلاء الدعاة على سبيل الحقيقة، والأمة قد قالت كلمتها بالأمس واليوم وغدًا في هؤلاء الدعاة، وما نتائج الانتخابات التي سمعنا عنها في الجزائر إلا مثال واحد فقط من آلاف الأمثلة التي تقول لنا صباح مساء إن الأمة تعرف الدعاة حقيقة، والأمة حين تعود لنفسها فإنها لن تختار عن الدعاة بديلاً، ولن ترضى فيهم قيلاً، ولن تسمح فيهم قول الشاني والمبغض والعدو الكاشح الذي ما عرفته الأمة داعية، ولا عرفته مجاهدًا مناضلاً، ولا عرفته عابداً، وإنما عرفته في أماكن أخرى.

    وهذا الصنف الأول طالما تحدثوا وتكلموا، وزعموا أنهم فعلوا ذلك حتى لا تكون فتنة، وما الفتنة إلا ما قالوا وما زعموا وما أبرموا وما كتبوا وما تحدثوا.

    أما الصنف الثاني: فهم بعض ضعفاء النفوس، وقد يكون من بينهم المنتسبون إلى شيء من الدعوة أو العلم، لكنهم شرقوا لسببٍ أو لآخر، إما لاجتهاد خاص بهم، وإما لحسد قام في نفوسهم أو لغير ذلك من الأسباب، فتكلم منهم من تكلم في أعراض جماعة من الدعاة المشهورين، كالداعية الكبير سفر بن عبد الرحمن الحوالي، والداعية الكبير الدكتور ناصر بن سليمان العمر، والداعية الكبير الشيخ عائض بن عبد الله القرني، وأمثالهم من الدعاة المعروفين المشهورين، فتكلم فيهم طائفة بما تكلموا به، وحاولوا أن يشوهوا هذه الصورة المثالية الجميلة في نفوس الناس، وتسمع بعض الناس إلى بعض الأشرطة أو إلى بعض الأوراق أو بعض الكتابات، أو بعض المجالس التي خصصت للنيل من هؤلاء الدعاة، وربما سمع الكثير من الناس مثل هذا الكلام، ولعل الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز وهو من هو في علمه وجلالته وفضله الذي ينطبق عليه قول الشاعر:

    كأنه وهو فرد من جلالته      في عسكر حين تلقاه وفي حشم

    فهو الرجل الذي عرفته الأمة -دائماً وأبداً- متصدياً لقضاياها ومتحمساً لها؛ فقد ترامى إلى مسمعه ما ترامى إلى سمع الآخرين من نيل العلمانيين والمستغربين، ونيل بعض ضعفاء النفوس من الدعاة فهاله ذلك وأزعجه وآذاه، فآلى على نفسه إلا أن يقول كلمته كما هي عادته، ومن ثم أصدر هذا البيان الذي تسامع الناس به في كل مكان.

    استغلال العلمانيين للبيان

    وسوف أتلو عليكم هذا البيان على كل حال بعد دقائق -إن شاء الله تعالى- ولكني تعجبت أشد العجب حينما رأيت أن بعض الناس صاروا يتساءلون عن هذا البيان، ما سره وما سببه وما مقصده؟!

    وزال عجبي حينما علمت أن أجهزة الإعلام قد تكلمت عن هذا البيان ونشرته في الإذاعة والصحافة والتلفاز، وبعض الصحف خاصة خضراء الدمن الشرق الأوسط؛ نشرت له بعنوان مثير، كأنها التقطت منه كلمة واحدة (ابن باز ينهى عن التكفير والتفسيق على رءوس المنابر) فأخذت كلمة، وتجاهلت بقية الخطاب ومضمونه كله وهدفه وفحواه، ونسوا أن هذا من تحريف الكلم عن مواضعه، وأن خطاب الشيخ في واد، وهم في واد، فهم من مرضى النفوس الذين لا يأخذون إلا ما يعجبهم وما يروق لهم ويدعون ما سوى ذلك، ومع ذلك هم -دائماً وأبداً- يتشدقون بالموضوعية والعدل والإنصاف، وزال عجبي لأن ثقة الناس -سبحان الله- بأجهزة الإعلام ضعيفة جداً، فإذا أعجبوا بالشيء ثم رأوه نشر واهتمت به أجهزة الإعلام شكوا فيه؛ وقالوا: لابد أن وراء الأكمة ما وراءها، والصواب أن الأكمة هذه المرة ليس وراءها شيء، وإنما وراءها قلب صاف لسماحة الوالد الكبير الشيخ عبد العزيز، أسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته في هذه الساعة المباركة أن يطيل في عمره، وأسأل الله تعالى أن يتقبله في عباده الصالحين، وأن يمتعنا به، وأسأل الله تعالى أن يعظم له الأجر، والمثوبة وأن يغفر له إنه على كل شيء قدير، فإن الشيخ عبد العزيز -حفظه الله- إنما أصدر هذا البيان لهذا السبب الذي ذكرته لكم.

    إذاً: هذا البيان موجه إلى طائفتين، الأولى: العلمانيون المستغربون الذين طالما سمع الناس أصواتهم بل فحيحهم فهم كالأفاعي:

    إن الأفاعي وإن لانت ملامسها      عند التقلب في أنيابها العطب

    الفئة الثانية: هم بعض ضعفاء النفوس، الذين أكل الحسد قلوبهم فصاروا يتكلمون في أعراض الدعاة للنيل منهم، قد سلم منهم اليهود، وسلم منهم النصارى، وسلم منهم العلمانيون، وسلم منهم أصناف الكفار، وصاروا يقولون عن بعض الدعاة والعياذ بالله إنهم أخطر من اليهود والنصارى -أسأل الله العفو والعافية وأعوذ بالله من انتكاس القلوب ومرضها- فجاء خطاب الشيخ عبد العزيز ليضع حداً لمثل هذه التقولات، ويقول كلمة الحق في مثل هذه الأمور، ويعيد الطمأنينة والسكينة إلى بعض القلوب التي أصابها ما أصابها من جراء مثل ذلك الكلام، وأتلو عليكم خطاب سماحة الشيخ، ثم أتلوه بتعليقات يسيره -أيضاً-.

    نص البيان

    (بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته إلى يوم الدين، أما بعد:

    فإن الله عز وجل يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن البغي والظلم والعدوان، وقد بعث الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بما بعث به الرسل جميعاً من الدعوة إلى التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده، وأمره بإقامة القسط، ونهاه عن ضد ذلك من عبادة غير الله، والتفرق والتشتت والاعتداء على حقوق العباد، وقد شاع في هذا العصر أن كثيراً من المنتسبين إلى العلم والدعوة إلى الخير، يقعون في أعراض كثير من إخوانهم الدعاة المشهورين، ويتكلمون في أعراض طلبة العلم والدعاة والمحاضرين، يفعلون ذلك سراً في مجالسهم، وربما سجلوه في أشرطة تنشر على الناس، وقد يفعلونه علانية في المحاضرات العامة في المساجد، وهذا المسلك مخالف لما أمر الله به ورسوله من جهات عديدة منها:

    أولاً: أنه تعد على حقوق الناس من المسلمين؛ بل من خاصة الناس من طلبة العلم والدعاة، الذين بذلوا وسعهم في توعية الناس، وإرشادهم وتصحيح عقائدهم ومناهجهم، واجتهدوا في تنظيم الدروس والمحاضرات وتأليف الكتب النافعة.

    ثانياً: أنه تفريق لوحدة المسلمين وتمزيق لصفهم، وهم أحوج ما يكونون إلى الوحدة، وأبعد عن الشتات والفرقة وكثرة القيل والقال فيما بينهم؛ خاصة أن الدعاة الذين نيل منهم هم من أهل السنة والجماعة المعروفين بمحاربة البدع والخرافات، والوقوف في وجه الداعين إليها، وكشف خططهم وألاعيبهم، ولا نرى مصلحة في مثل هذا العمل إلا للأعداء المتربصين من أهل الكفر والنفاق، أو من أهل البدع والضلال.

    ثالثاً: أن هذا العمل فيه مظاهرة ومعاونة للمغرضين من العلمانيين والمستغربين، وغيرهم من الملاحدة، الذين اشتهر عنهم الوقيعة في الدعاة، والكذب عليهم، والتحريض ضدهم فيما كتبوه وسجلوه، وليس من حق الأخوة الإسلامية أن يعين هؤلاء المتعجلون أعداءهم على إخوانهم من طلبة العلم والدعاة وغيرهم.

    رابعاً: أن في ذلك إفساداً لقلوب العامة والخاصة، ونشراً وترويجاً للأكاذيب والإشاعات الباطلة، وسبباً في كثرة الغيبة والنميمة، وفتح أبواب الشر على مصاريعها لضعاف النفوس، الذين يدأبون على بث الشبه، وإثارة الفتن، ويحرصون على إيذاء المؤمنين بغير ما اكتسبوا.

    خامساً: أن كثيراً من الكلام الذي قيل لا حقيقة له، وإنما هو من التوهمات التي زينها الشيطان لأصحابها وأغراهم بها، وقد قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [الحجرات:12] والمؤمن ينبغي أن يحمل كلام أخيه المسلم على أحسن المحامل، وقد قال بعض السلف:(لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً).

    سادساً: وما وجد من اجتهاد لبعض العلماء وطلبة العلم -فيما يسوغ فيه الاجتهاد- فإن صاحبه لا يؤاخذ به ولا يثرب عليه إن كان أهلاً للاجتهاد، فإذا خالفه غيره في ذلك كان الأجدر أن يجادله بالتي هي أحسن؛ حرصاً على الوصول إلى الحق من أقرب طريق، ودفعاً لوساوس الشيطان وتحريشه بين المؤمنين، فإذا لم يتيسر ذلك ورأى أحد أنه لابد من بيان المخالفة؛ فيكون ذلك بأحسن عبارة وألطف إشارة، ودون تعرض للأشخاص، أو اتهام للنيات أو زيادة في الكلام لا مسوغ لها، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في مثل هذه الأمور: {ما بال أقوام قالوا كذا وكذا}.

    فالذي أنصح به هؤلاء الإخوة الذين وقعوا في أعراض الدعاة ونالوا منهم، أن يتوبوا إلى الله تعالى مما كتبته أيديهم أو تلفظت ألسنتهم به، مما كان سبباً في إفساد قلوب بعض الشباب، وشحنهم بالأحقاد والضغائن، وشغلهم عن طلب العلم النافع، وعن الدعوة إلى الله بالقيل والقال والكلام عن فلان وفلان؛ والبحث عما يعتبرونه أخطاء للآخرين, وتصيدها وتكلف ذلك، كما أنصحهم أن يكفروا عما فعلوه من كتابة أو غيرها مما يبرءون فيها أنفسهم من مثل هذا الفعل، ويزيلوا ما علق بأذهان من يستمع إليهم، وأن يقبلوا على الأعمال المثمرة التي تقرب إلى الله وتكون نافعة للعباد، وأن يحذروا من التعجل في إطلاق التكفير أو التفسيق أو التبديع لغيرهم بغير بينة ولا برهان، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: {من قال لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما}[متفق على صحته].

    ومن المشروع لدعاة الحق وطلبة العلم إذا أشكل عليهم أمر أن يرجعوا إلى العلماء ليبينوا لهم جلية الأمر ويوقفوهم على حقيقته، ويزيلوا ما في أنفسهم من التردد والشبهة، عملاً بقول الله عز وجل في سورة النساء: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً [النساء:83].

    والله المسئول أن يصلح أحوال المسلمين جميعاً، ويجمع قلوبهم وأعمالهم على التقوى، وأن يوفق جميع علماء المسلمين وجميع دعاة الحق لكل ما يرضيه وينفع عباده، ويجمع كلمتهم على الهدى، ويعيذهم من أسباب الفرقة والخلاف، وينصر بهم الحق ويخذل بهم الباطل، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين).

    عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد. وبعد ذلك الختم.

    النقاط التي يشملها البيان

    هذا نص البيان، وهو يشتمل على النقاط التالية:-

    أولاً: مدح الدعاة والثناء عليهم والإشادة بجهودهم وتزكية أعمالهم، وأنهم من أهل السنة والجماعة الذين بذلوا وسعهم ووقتهم وجهدهم في توعية الناس، وتنظيم الدروس والمحاضرات وتأليف الكتب، وكفى الدعاة فخراً وشرفاً أن يكون من يشهد لهم في عيار سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الذي هو رأس علماء أهل السنة في هذا العصر، ولعله إمام الأئمة في هذا الزمان في الجرح والتعديل.

    ثانياً: أن هذا البيان يشتمل على الرد على خصوم هؤلاء الدعاة من المنتسبين إلى طلبة العلم، وتخطئة ما فعلوا وما قالوا، ودعوتهم إلى التوبة مما فعلوا وإلى التكفير عن ذلك ببيان يزيل ما علق في نفوس الناس مما قالوا.

    ثالثاً: أن في ذلك الرد على المستغربين والعلمانيين والملاحدة وغيرهم، الذين اشتهر عنهم الوقيعة في الدعاة والتحريض عليهم.

    رابعاً: أن فيه بيان الأسلوب الصحيح للشباب -للعامة من الشباب- وغيرهم أن يقبلوا على طلب العلم النافع والدعوة إلى الله تعالى، وعلى العمل والعبادة التي تقربهم إلى الله، وأن يتركوا الكلام في فلان وفلان واتهام النيات، وتقويم الأعمال وغير ذلك.

    خامساً: أن فيه بيان الأسلوب الصحيح -أيضاً- في الحوار والنقاش، البعيد عن التهجم والتجريح واتهام النيات وغير ذلك، وهذه الأصول العامة ينبغي أن نعض عليها بالنواجذ دائماً وأبداً، وأن نتكلم عنها، كما أنني أنصح الإخوة من الدعاة والخطباء في أنحاء البلاد؛ بل في كل أنحاء العالم الإسلامي أن يجعلوا مثل هذا البيان مادة لخطبتهم في الأسبوع القادم، مع التعليق عليه وبيان أبعاده ومراميه وأهدافه، وأن المقصود فيه الدفاع عن الدعاة إلى الله تعالى وطلبة العلم وبيان مكانتهم في الناس، وأنه لا يجوز الوقيعة فيهم ولا النيل منهم.

    وكل هذه الأشياء تكلم عنها الشيخ -حفظه الله- بأسلوب الناصح الحكيم المشفق الذي لا يريد للجميع إلا الخير والصلاح، ولا يهدف إلا إلى أطيب هدف وأحسن مقصد، فنسأل الله تعالى أن يجزيه عنا جميعاً وعن المسلمين خير الجزاء، ومثل هذه الأمور التي تكلم عنها سماحة الشيخ قد سبق أن بينت شيئاً منها بالتفصيل في عدد من الدروس والمحاضرات مثل (أدب الحوار) و(المراجعات) وغيرها.

    1.   

    تحرير الإنسان أولاً

    أما حديثي إليكم هذه الليلة فلابد أن أقف عند عنوانه (تحرير الأرض أم تحرير الإنسان) والعنوان: هو عبارة عن سؤال، ولو أردت أن أسبق الأحداث وأعطيكم المحاضرة ملخصة في كلمة واحدة لقلت لكم: الجواب هو الإنسان أولاً.

    قبل أن نتكلم عن تحرير الأرض، ومع كلامنا عن تحرير الأرض -كل الأرض- الإسلامية التي احتلها الكفر أو احتلها النفاق؛ يجب أن نعلم أن حجر الأساس في تحرير الأرض هو الإنسان، فإذا وجد الإنسان الصادق المؤمن؛ فمعنى ذلك أننا سرنا بخطوات صحيحة إلى تحرير الأرض الإسلامية سواء الأرض التي احتلت منذ اكثر من ستمائة سنة كبلاد الأندلس أم أرض فلسطين أم أرض أفغانستان أم الجمهوريات السوفيتية الإسلامية في الاتحاد السوفيتي الذي انحل، أم جميع بلاد الإسلام التي احتلها اليهود أو الشيوعيون أو المنافقون.

    إذاً: لابد أن نتكلم عن تحرير الإنسان قبل أن نتكلم عن تحرير الأرض، فنتكلم عن الإنسان أولاً، أما ما يتعلق بتحرير الأرض فالأرض لله يورثها من يشاء من عباده، وموسى عليه الصلاة والسلام يقول لقومه لما قالوا: قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [الأعراف:129] والله تعالى يقول: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء:105] فالأرض يجب أن تخضع لحكم الإسلام.

    أسس النظام الدولي الإسلامي

    والنظام الدولي الممكن الصحيح الذي يقبل به الإسلام هو النظام التالي:

    أولاً: الوحدة الإنسانية باعتبار أن الناس كلهم من آدم، لا يتميز جنس عن جنس ولا لون عن لون، فالإسلام يرفض كل دعاوى التمييز العنصري، فاليهود -مثلاً- يؤمنون بنظرية الشعب المختار، يعدون أن بقية الشعوب ما هي إلا حمير خلقت ليركبها شعب الله المختار، وكلما نفق منهم حمار ركبوا حماراً آخر، والألمان يؤمنون بالدم الجرماني المتميز، فيجب أن يحكم الشعوب ويقف في رأس القائمة، والرجل الأوروبي والأمريكي الأبيض يعد أنه متميز عن بقية الشعوب فهو رقم واحد، وما زال هناك -حتى اليوم- مظاهرات في أمريكا وغيرها تنادي بالاعتراف بالتفرقة العنصرية، وأنهم لا يمكن أن يقبلوا أن الأبيض والأسود على قدم المساواة، وقديماً كانوا يعلقون لوحات، مكتوب فيها: ممنوع دخول السود والكلاب. وهذا الكلام لا يزال قائماً حتى اليوم، فهم الآن يعملون مظاهرات كثيرة في أنحاء العالم الغربي تطالب باعتراف دساتيرهم بالتفرقة العنصرية بين الإنسان الأبيض وبين غيره من البشر، لكن دون أن يكون هناك عنف أو قسوة.

    إذاً الإسلام يؤمن بأن البشر كلهم لآدم وآدم من تراب، وأنه لا فضل لأبيض على أسود، ولا لعربي على عجمي إلا بالتقوى.

    الناس من جهة التمثال أكفاء      أبوهم آدم والأم حواء

    فإن يكن لهمُ من أصلهم نسب      يفاخرون به فالطين والماء

    ثانياً: الوحدة الإيمانية على أساس الدين وحده، وهذه الوحدة تتجاوز وحدة الأرض ووحدة الدم ووحدة اللون ووحدة العرق، وهي منطقة الاختيار؛ لأن الإنسان لا يختار لونه ولا جنسه ولا عرقه ولا بلده؛ وإنما يختار الدين الذي يدين به، فالوحدة الإيمانية هي الأساس للوحدة العالمية؛ لأن هذه الوحدة الإيمانية ينبغي أن تكون مهيمنة على الوحدة الإنسانية أو الوحدة البشرية، وعلى هذا الأساس يقوم النظام الدولي الوحيد الذي يمكن أن يعترف به الإسلام، وهذا النظام في الوقت ذاته هو النظام العادل الذي لا يحابي جنساً أو عرقاً أو لغة أو مذهباً على الإطلاق؛ لأن الناس كلهم في ميزان الله تعالى سواء، ولهذا قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ [المائدة: 8] وفي الآية الأخرى: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ [النساء:135].

    أسس النظام الدولي الأمريكي

    أما النظام الدولي المطروح الآن الذي تنادي به أمريكا، فمن الواضح أنه نظام يقوم على أساس فرض تسلط أمريكا على العالم، ويتدخل حتى في القرارات المحلية والقرارات الداخلية للدول -كل الدول- بشكلٍ يدعو إلى الاشمئزاز، ويؤكد أن الشعوب وأن الدول كلها وإن سكتت لفترة زمنية معينة من باب الضرورة، إلا أنها لا يمكن أن تصبر على هذه الأطماع الغربية التي لا يمكن أن تنتهي وأن تقف عند حد.

    فهذه الشعوب المبتلاة بالظلم والطغيان الأمريكي، والتسلط والاستكبار الأمريكي، هي الأخرى تحمل نفس الطموحات ونفس الأطماع، فإذا كانت المسألة مسألة تسلط شعب على شعب فما الذي يجعل الشعب الأمريكي يتسلط على الشعب الياباني -مثلاً- أو على الشعب الأوروبي، أو على الشعوب الإسلامية والعربية، أو على الشعوب الروسية -مثلاً- كلا، ليس هو أحق منها بالتسلط.

    أما حين تكون القضية قضية دين فإن الجميع يذعنون لـه ولابد؛ ولذلك أتلو عليكم هذا الخبر الذي نشرته صحيفة الواشنطن بوست عن هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق يقول: (انتقد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق فكرة الرئيس جورج بوش (الأب) عن النظام العالمي الجديد باعتبار أن تحقيقها مستحيل -وقال- لقد أعجبت كثيراً ببراعة وثبات الرئيس في بناء التحالف.

    ولكن لا تتوافر إمكانية أن يحقق النظام العالمي الجديد، التوقعات المثالية التي عبر عنها الرئيس -يقول-: وأنا أشك في كون هذه التوقعات تعكس بدقة ما حدث في أزمة الخليج -وأضاف- أن صانعي السياسة الأمريكيين لابد أنهم أدركوا أن النظام العالمي الجديد لا يمكن بناؤه وفقاً لمواصفات أمريكية، وأمريكا لا تستطيع أن تغذي بالقسر إحساساً عالمياً بروح جماعية حيث لا يوجد هذا الإحساس.

    والسيطرة الأمريكية لا يمكن أن تدوم -وقال- إنه لو تم غزو الكويت بعد سنتين من الآن؛ لكانت ميزانية الدفاع الأمريكية تقلصت إلى درجة تعيق نشر قواتها بكثافة فيما وراء البحار، والاقتصاد الأمريكي لا يستطيع إلى ما لا نهاية دعم سياسة هي في الأساس تدخل من جانب واحد).

    إذاً: صانعو السياسة الأمريكية أنفسهم يدركون أن هذا النظام الدولي الجديد لا يمكن أن يدوم لأنه تدخل من طرف واحد، ولأنه يحمل قدراً كبيراً من الصلف والتسلط والطغيان الأمريكي؛ الذي يريد أن يستبد بخيرات الشعوب، ويريد أن يكون مصدر القرارات واحداً في العالم هو البيت الأبيض وليس الأمم المتحدة، فإن الأمم المتحدة ما هي إلا دمية ولعبة بيد أمريكا، فإذا أرادت أن يكون القرار معيناً كان كما تريد هي وأذعن لها الآخرون؛ لذلك أصبح التبرم والتضايق والتململ حتى في الدول الكافرة من هذا الصلف والتسلط الأمريكي؛ لأنه نظام عالمي ولكنه بشري يقوم على أساس تميز الجنس الأمريكي، وأنه جنس ليس له مثيل ينبغي أن يذعن له العالم وأن يسلم له القيادة.

    1.   

    تحرير الأرض المسلمة من طغيان الكفر والنفاق

    وحين نتحدث -نحن- عن تحرير الأرض يتبادر إلى الذهن -على كل حال- الأرض الإسلامية التي اجتاحها طوفان الكفر الصريح المكشوف، فمثلاً: الطغيان النصراني الذي اجتاح العالم أو جزءاً من العالم الإسلامي، فاحتل -مثلاً- الأندلس أو احتل أجزاء من أرض الفلبين أو احتل أراضي كثيرة للمسلمين؛ كانت يوماً من الأيام أرضاً إسلامية.

    أو الطغيان والكفر اليهودي الذي احتل فلسطين وغيرها. أو الطغيان الشيوعي الأحمر الذي احتل الأراضي الإسلامية في الجمهوريات السوفيتية سابقاً، وأرض أفغانستان إلى غير ذلك.

    فيضربون الأمثلة بهذه الأشياء: الأندلس والجمهوريات الإسلامية في الاتحاد السوفيتي وفلسطين وأفغانستان، وهذه الأمثلة أو النماذج هي التي تستدر مشاعر المسلمين وتلهب حماسهم وتحرك غيرتهم، ولعل الشعر هو المعبر عن ذلك، فأنت حين تقرأ الشعر تجده يتكلم عن هذه الأراضي المفقودة لا غير.

    فقدان الإسلام في الأندلس

    فمثلاً أرض الأندلس استأثرت بقدر كبير جداً من مشاعر الشعراء وأقوالهم:

    فاسأل بلنسية ما شأن مرسية      وأين شاطبة أم أين جيان

    وأين حمص وما تحويه من نـزه ونهرها العذب فياض وملآن

    تبكي الحنيفية السمحاء من أسف كما بكى لفراق الإلف هيمان

    على بلاد من الإسلام خالية      قد أقفرت ولها بالكفر عمران

    حتى المآذن تبكي وهي جامدة حتى المنابر تبكي وهي عيدان

    حتى المساجد قد صارت كنائس ما      فيهن إلا نواقيس وصلبان

    لمثل هذا يذوب القلب من كمدٍ إن كان في القلب إسلام وإيمان

    هناك سؤال: ما هو الذي فقد من الأندلس؟!

    هل فقدت شوارعها؟!

    هل فقدت قصورها الباذخة المذهبة؟!

    هل فقد أهلها؟!

    أم هل فقدت مساجدها؟!

    فالمساجد لا تزال قائمة؛ والقصور والشوارع، والناس هم الناس، وإنما الذي فقد شيء واحد هو الإيمان.

    إذاً لم يكن عمل النصارى في بلاد الأندلس تهجيراً وطرداً للمسلمين ليغادروها إلى بلد آخر، مثلاً ولم يكن قتلاً فقط، وإنما كان بالدرجة الأولى تكفيراً، أي:حملاً للناس على الكفر بالقوة؛ فمن أدان لهم وكفر تركوه، ومن أصر على إسلامه قتلوه؛ لذلك تجد ما يسمى بالمورسيين ومحاكم التفتيش التي كانت تضطر الناس اضطرارً إلى الإعلان عن الكفر وتغيير أسمائهم إلى أسماء نصرانية، فالذي فقد من الأندلس -إذاً- ليس أرضها ولا مزارعها ولا مبانيها ولا حتى مساجدها ومنابرها، كلا! إنما الذي فقد هو شيء واحد وهو الإسلام.

    الاحتلال الصليبي للشام

    ننتقل إلى الشام التي احتلها الصليبيون زماناً أيام الحروب الصليبية وهيمنوا عليها، حتى بيت المقدس احتلوه، وحولوه إلى مكان اسطبلات لخيولهم، وبكى المسلمون دماءً ودموعاً على أرض الشام، أرض المحشر والمنشر، وعلى أرض الإسراء التي احتلها الصليبيون، وما زالت كتب التاريخ تحتفظ بكثير من الشعر الذي بكى فيه المسلمون تلك البلاد.

    أحل الكفر بالإسلام ضيماً      يطول به على الدين النحيب

    فحق ضائع وحمى مباح      وسيف قاطع ودم صبيب

    وكم من مسلم أمسى سليباً      ومسلمة لها حرم سليب

    وكم من مسجد جعلوه ديراً      على محرابه نصب الصليب

    فقل لذوي البصائر حيث كانوا      أجيبوا الله ويحكم أجيبوا!

    أما لله والإسلام حق      يدافع عنه شبان وشيب
    !!

    بكى الشاعر واستصرخ المسلمين، وحرك همهم إلى تحرير بلاد فلسطين وبلاد الشام من كيد الصليبيين، وهكذا كان.

    الاحتلال الشيوعي للجمهوريات

    ننتقل إلى مثال ثالث: وهي الجمهوريات الإسلامية التي احتلها الاتحاد السوفيتي وضمها بقوة إلى امبراطوريته التي تفككت عما قريب، وهذه الجمهوريات هل علم بها أحد؟

    هل بكاها أحد؟

    حتى بكاء الشعراء وحنينهم اختفى، وأنينهم لا يسمع، وهاهنا يثور العجب، لماذا سكت المسلمون؟!

    ولم يشعروا بهذه الحركة الكبيرة؟!

    جمهوريات ضخمة، حتى إن بعضها نسبة سكانها يعادل نحو (8%) من نسبة سكان الاتحاد السوفيتي بأكمله، وجمهورية كازاخستان وغيرها، والجمهوريات التي ولدت كبار الأئمة والعلماء والعظماء، بما فيهم أصحاب السنن؛ عدد منهم كانوا من تلك البلاد التي ضمت إلى الاتحاد السوفيتي، وقتل إستالين نحو ستين مليوناً غالبيتهم من المسلمين، حتى إنه توجد بعض الشعوب مثل الشيشان -شعب إسلامي- لم يتعرض شعب للإبادة أكثر منه، حتى توقعت بعض المصادر أنهم قد أبيدوا وانتهوا من التاريخ ومن الوجود، فإذا بهم يظهرون الآن أقوى مما كانوا، يقولون: نحن الآن قواتنا ثلاثون ألفاً مستعدون أن يموت منا عشرون ألفاً في سبيل أن نعيش أحراراً بعيداً عن هيمنة طاغية آخر.

    المهم أين المسلمون حين ضمت هذه البلاد إلى روسيا؟!

    لماذا لم يتحركوا؟!

    أين مشاعر الشعراء؟!

    أين بكاؤهم؟!

    بل أين دموعهم؟!

    أين أحاديثهم؟!

    الجواب: لعل أهم سبب هو انحسار الإسلام من النفوس، فالإسلام انحسر من النفوس، وأصبح المسلمون يقتطع من بلادهم أجزاء عزيزة ولا يتحركون، خاصة ذلك الوقت الذي كان وقت الظلمات، زمن الفترة لا أقول قبل الإسلام لكن قبل الصحوة وقبل اليقظة الإسلامية.

    السبب الثاني: عدم وجود الروابط الدينية العميقة بين أولئك المسلمين وبين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها خاصة في العالم الإسلامي؛ ومركزه أرض الحجاز وأرض الشام وما حولها.

    الاحتلال اليهودي لفلسطين

    ولذلك كان من سوء حظ اليهود كما يقول بعضهم اختيارهم فلسطين ليقيموا فيها؛ لأنها أرض في قلب العالم الإسلامي وهي أرض فيها المسجد الأقصى الذي تهفو إليه مشاعر المسلمين، ويشكل رابطة إيمانية وشعورية دائماً وأبداً، وكل مسلم يحفظ حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: {لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد}وهو في الصحيحين، وذكر منه المسجد الأقصى، وكذلك جاء في الحديث الصحيح أن الصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة.

    إذاً: هناك روابط إسلامية عميقة تربط المسلمين بـفلسطين وتربط فلسطين بالمسلمين في كل مكان؛ وهي الأرض المباركة سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ [الإسراء:1].

    الأرض التي باركنا فيها للعالمين: فهي أرض مباركة بارك الله تعالى فيها وبارك حولها وفيها الكثافة الإسلامية الغنية، وحولها الكثافة الإسلامية الغنية، وهي قريبة من الوسط قريبة من مركز الثقل في العالم الإسلامي؛ ولذلك كان حظ اليهود تعيساً حين اختاروا فلسطين، ومازال المسلمون مشاعرهم وقلوبهم تهفوا إلى فلسطين، وتتحدث عنها وتحن إليها؛ ولذلك لا يمكن أن يقر لليهود فيها قرار، ولهذا تجد أن الشعراء طالما تغنوا بـفلسطين وتكلموا عنها، وهناك مئات بل آلاف الدواوين وفيها عشرات الآلاف من الأبيات الشعرية والقصائد الجميلة التي تتغنى بـفلسطين وتحن إليها، وتتكلم عن جرائم اليهود فيها:

    خلت فلسطين من أبنائها النجب وأقفرت من بني أبنائها الشهب

    طارت على الشاطئ الخالي حمائمه      وأقلعت سفن الإسلام والعرب

    يا أخت أندلسصبراً وتضحية      وطول صبر على الأرزاء والنوب

    ذهبت في لجة الأيام ضائعة      ضياع أندلسمن قبل في الحقب

    وطوحت ببنيك الصيد نازلة      بمثلها أمة الإسلام لم تصب

    ودواوين الشعراء من مصر والشام والعراق وفلسطين وغيرها كانت ومازالت تملأ رفوف المكتبات، حتى النصارى من أهل الشام وفلسطين طالما تغنوا بـفلسطين وتكلموا عليها وعنها لأن لهم فيها علاقات، ولهم فيها وجود، ولهم فيها ارتباطات، فهناك فارق إذاً حيث إن فلسطين من حيث موقعها ومن حيث مكانتها الدينية تختلف كثيراً عن تلك الجمهوريات البعيدة التي لم يكن للمسلمين بها اتصال كبير.

    فارق آخر: وهو أن العمل الذي جرى في فلسطين هو كان إحلال شعب مكان شعب آخر، فاليهود يتنادون من أنحاء العالم للهجرة لطرد المسلمين منها، وإحلال شعب اليهود الداعر الفاسق مكان الشعب المسلم في فلسطين.

    وشعب اليهود بطبيعته حين يأتي إلى فلسطين لا يأتي لها كأي قطعة أرض، لا؛ بل إنه متدين يأتي إلى فلسطين وبكونها حائط المبكى وبكونها أرض الميعاد، وبكونها أرض النبوءات، فهو يختار هذه البقعة اختيارًا دينيًا وهو شعب متدين؛ ولذلك كانوا يقولون: ليس اليهود هم الذين حفظوا التوراة، لكن التوراة هي التي حفظت اليهود. أي: إن تمسك اليهود بالتوراة وحرصهم عليها هو الذي ضمن لهم البقاء والاستمرار والوحدة والقوة، وجعلهم على رغم التحدي والكيد والضربات الشديدة الموجعة التي وجهت إليهم يحتفظون بعنصريتهم وقوميتهم ويتجمعون بين وقت وآخر، فيحفظهم ذلك من الذوبان كما ذاب الجرمان -مثلاً- في الأوروبيين، وكما ذاب التتر في المسلمين حين غزوهم، ومن الملفت للنظر أن فلسطين صغيرة المساجد جداً، لكن الدماء تسيل حولها بغزارة عبر القرون وهذا يؤكد لك أنها أرض غالية، وأن إقامة اليهود فيها إقامة محدودة مهما أوهموا أنفسهم أو أوهمهم غيرهم بخلاف ذلك.

    الاحتلال الشيوعي لأفغانستان

    أرض أخرى نتكلم عنها كثيرًا وهي أفغانستان، وأفغانستان قد احتلها مائة وخمسون ألف خبير سوفيتي -كما تقول بعض الإحصائيات- انتشروا فيها وفي مراكزها، لكن قبل ذلك قامت حكومة شيوعية من نفس البلاد -كما هو معروف- تنادي وتقوم على أساس شيوعي ماركسي، تدعوا روسيا للتدخل، فحين سيطر الشيوعيون حولوا الحياة في أفغانستان إلى جحيم لا يطاق؛ ولذلك كانت أفغانستان نمطًا فريداً بين الأمثلة السابقة كلها تقريبًا، كانت نمطًا فريدًا لأنه ليس هناك شعب في أفغانستان بدلاً من شعب آخر، لا،إنما هو الشعب نفسه انقسم إلى مسلمين وإلى شيوعيين، فاحتل الشيوعيون أو قاموا بالهيمنة على الحكم وسيطروا عليه، وحاولوا تحويل الحياة إلى حياة شيوعية، ثم هب الشعب الأفغاني للمقاومة والمدافعة والقتال على ما هو معروف.

    فهذا نمط فريد، وكان المتوقع ألا يحدث شيء؛ لأن كثيراً من الثورات قامت في العالم الإسلامي، ونحن نعرف في العراق وفي سوريا قامت ثورة بعثية منذ زمن طويل، وحكمت الناس بالحديد والنار، وملأت السجون بالمسلمين والعلماء، وغيرت أخلاق الناس وعقولهم وعقائدهم، وسلطت أجهزة الإعلام على مسخ الإنسان المسلم، ونجحوا في ذلك إلى حد بعيد وما حصل شيء يذكر.

    أما في أفغانستان فالذي حصل هو أمر مختلف تمامًا، والسبب أنه رصدت مجموعة من الأسباب قد لا تكون هي كل الأسباب:-

    أولاً: أنها قضية جديدة نسبياً، فهي منذ اثنتي عشرة سنة فقط، واثنتي عشرة سنة، فترة غير كافية أن ينسى المسلمون دولة مثل أفغانستان، هل يمكن أن ينسى الإنسان عضوًا مقطوعًا منه بهذه السهولة؟!

    لا، وبالمقارنة تجد اليهود أو المتهودين من العرب والغرب كذلك يطمعون أن يكون المسلم قد نسي أرض فلسطين، التي هي في الأصل أرض إسلامية، يطمعون الآن -وإن لم يكن يطمعون بذلك من قبل- لأنهم يعتبرون أن المدة الطويلة التي مضت كافية، لكن في ظل مشاعر الإحباط واليأس التي يعيشها المسلمون الآن وتحت تسلط الأنظمة الخيانية يمكن أن تحدث أشياء كثيرة؛ ولهذا ظنوا وتصوروا أنه يمكن جدًا أن ينسى المسلمون أن فلسطين كانت يوماً من الأيام أرضاً إسلامية، أما أفغانستان فالمدة قريبة؛ فلذلك لا يزال الجرح نازفًا جديدًا.

    السبب الثاني: هو طبيعة موقع أفغانستان من نواحٍ عديدة، فهي على أقل تقدير مسرح للصراع منذ زمن طويل، وفي الفترة الأخيرة كانت بوابة على العالم العربي والإسلامي بالنسبة لـروسيا، وفي نفس الوقت كانت مسرح الصراع بين النفوذ الروسي وبين النفوذ الأمريكي الذي يقع في أفغانستان وما حولها؛ لذلك كان هناك -على الأقل- تأييد من أمريكا للمقاومة الأفغانية، فلما سقط الاتحاد السوفيتي تخلت أمريكا أو أعلنت تخليها وإن لم تكن تدعمهم دعمًا حقيقيًا من قبل، لكن تخلت حتى عن الدعم الإعلامي، أو الدعم في المحافل الدولية.

    السبب الثالث: هو راية الجهاد التي رفعت قوية في أفغانستان، فكان يقف في مقدمتها مجموعة من العلماء والدعاة المعروفين والمشهورين الذين كانوا على صلة بالعالم الإسلامي، واستقطبت تلك الراية الجهادية شعب أفغانستان المهاجر، واستطاعت بالثقة التي كسبتها داخل أفغانستان، والثقة التي كسبتها في العالم الإسلامي، أن تجعل من قضية أفغانستان قضية حية فاعلة مؤثرة لا يمكن أن ينساها المسلمون، فهي تعيش في مشاعر الكبار والصغار والشيوخ والأطفال -فضلاً عن الشباب المتوثب المتحمس- حتى إن الطفل جهاد يدفع قيمة السندوتش الذي أعطته أمه له من أجل أنه سمع داعيًا ينادي للتبرع لـأفغانستان، وهذا مجرد نموذج صغير وقد ساعد على ذلك -أيضاً- وجود قدر كبير من الروابط بين أفغانستان والعالم الإسلامي، فلم تكن أفغانستان تعيش عزلة كـالجمهوريات السوفيتية المجاورة لها التي ضمها الاتحاد السوفيتي إليه.

    السبب الرابع: هو أن قضية أفغانستان تكونت وتفاعلت في زمن الصحوة الإسلامية بعدما زال عن المسلمين الغبش الذي كانوا يعيشونه، وحصل هناك شيء من الانتعاش الإسلامي، فكانت أفغانستان متنفسة للمضطهدين في كل بلاد العالم الإسلامي، كما كان رجال الصحوة وشبابها وقود هذه الحرب الشرسة التي لم تتوقف بعد، ويقدر عدد القتلى فيها بنحو مليون -نسأل الله تعالى أن يكونوا شهداء في سبيله- أما الأموال التي ضاعت فحدث ولا حرج، ولا نقول ضاعت فهي إن شاء الله محسوبة عند الله تعالى بنيات أهلها المخلصين، ولعله من أمارات التخلف لدى المسلمين ألا نملك نحن الآن رقماً إحصائياً دقيقاً عن عدد القتلى، ولا نملك -أيضاً- رقماً إحصائياً دقيقاً عن قيمة الأموال، ومجموع الأموال التي صرفت في هذا السبيل، وكان المفروض أن نملك رقمًا عن هذا وذاك وعن غيره.

    وبالمقابل فقد كانت قضية أفغانستان -لأنها جزء من إنجازات الصحوة إن صح التعبير- صورة عكسوا عليها السلبيات الموجودة في الصحوة الإسلامية. مثلاً التشرذم والتشتت والتفرق الذي يصل -أحياناً- إلى حد التقاتل والتطاحن على نحو ما حصل في كنر، وقبلها حصل في مواقع ونقاط عديدة في أنحاء أفغانستان.

    قضية ثانية: قضية الارتجالية وعدم وجود التخطيط الدقيق، وعدم وجود الدراسات العلمية المصاحبة لأي خطوة سواء أكانت خطوة عسكرية أم خطوة سياسية؟!

    قضية ثالثة: المبالغة الإعلامية، وعدم القدرة على التزام الموضوعية في الأخبار والتحليلات والتوقعات بشكلٍ جيد، وكذلك عدم القدرة على نقد الذات ومراجعة المواقف والتصرفات بشكل صحيح منصف وشجاع، وهذه جوانب من السلبيات لا أقول موجودة في أفغانستان؛ بل هي موجودة في عقولنا نحن المسلمين وفي حياتنا وفي شخصياتنا جميعًا، وانعكست على أي عمل نقوم به سواء أكان في أفغانستان أم غيرها.

    احتلال المنافقين للبلاد الإسلامية

    إذاً نحن الآن أمام عدد من البقاع الإسلامية التي احتلها الكفار كـالأندلسو أفغانستان وفلسطين والجمهوريات التي كانت في الاتحاد السوفيتي، فهذه عدد من الرقاع، لكننا نقارن ذلك فنجد أن الرقعة الإسلامية أصبحت نهباً للمنافقين الذين احتلوها بغير سلاح، وليس بالضرورة عن طريق الثورات، فقد هيمنوا على العالم الإسلامي باسم العلمانية تارة، وباسم الوحدة الوطنية تارة أخرى، وباسم نظرية الحق التاريخي الذي يخولهم ذلك مرة ثالثة، ولا بكاء ولا دموع على هذه الأرض الإسلامية التي أصبحت تحكم بالمنافقين؛ بل أصبح ذلك الواقع واقعاً شرعياً في نظر الكثيرين، ولعله -أحياناً- يكون مثيراً للدهشة أنك تجد المسلمين يعيشون تناقضاً ليس له حد.

    قال لي مرة أحد الإخوة -وهو زعيم من زعماء المجاهدين في بلد ما-: بلدنا ينقسم إلى قسمين، قسم حر، وقسم محتل. فقلت له: وما هو الفرق؟ قال: إننا نقوم بأعمال الآن في القسم المحتل، فنقوم مثلاً بتفجير أماكن السينما والدعارة وأماكن الفجور والفساد وغير ذلك بعدما نهدد أهلها مرة ومرة؛ وبعد ذلك نقوم بالتفجير في الأرض المحتلة، فقلت له: والأرض المحررة ماذا يقع فيها؟

    هل فيها هذه الأشياء؟

    قال: نعم فيها بيع الخمور، وفيها السينما وبيع الفيديو، وفيها أماكن الدعارة، وفيها أنماط الفساد كأي بلدٍ آخر. قلت له: إذاً أنتم تحررون هذه البلاد وتذهب الأرواح في سبيلها من أجل ماذا؟!

    من أجل أن تصبح مثل تلك الأرض الحرة يباع فيها الفساد ويباع فيها الهوى والدعارة، ويمارس فيها حرب الله ورسوله علانية؟!!

    ما هذا التناقض الذي نعيش فيه؟!

    هذا التناقض هو -واضح جدًا- أنه إذا حكم كافر صريح معلن اسمه -مثلاً- اسم كافر نصراني أو يهودي ودينه كافر وتاريخه كفري، ثار المسلمون وضجوا، لكن إذا حكم منافق يحمل اسماً إسلامياً ويحمل جنسية إسلامية أو جوازاً إسلامياً فإن الجميع يذعنون ويسكتون؛ لأنه جزء من الوطن يحكمهم باسم العلمانية وباسم الديمقراطية، وباسم الوحدة الوطنية وبغير ذلك من المسميات، فصار هذا الواقع واقعاً شرعياً في نظر الكثيرين ويلتمسون له المعاذير بكل وسيلة، وهؤلاء المنافقون الذين حكموا في طول بلاد الإسلام وعرضها يعلنون في كثير من الأحيان أهدافاً ولا يحققونها، والمسلمون يفتنون على أيديهم في كل عام مرة أو مرتين؛ ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون.

    وطالما رفع هؤلاء -مثلاً- شعار الدين والحكم بالإسلام وتحكيم الشريعة الإسلامية وعدم الخروج عنها قدر أنملة فإذا هم يحكمون بنظام الغرب من خلال هذا الكلام، ولعل جزءاً منكم كانوا يسمعون منذ زمن أن عقيد ليبيا أعلن زماناً من الأزمنة أنه سوف يطبق الإسلام، وبدأ بالزكاة وبعض الحدود، وجمع أموال الناس باسم الزكاة، ثم صادر أموالهم وزج المسلمين في غياهب السجون، وصار من يصلي صلاة الفجر مع المسلمين لا يدرى أين مصيره، فالقتلى عشرات الألوف والداخل في هذه السجون مفقود والخارج منها مولود، والعالم كله يعرف أخبار المشردين والهاربين من جحيم العقيد الذي كان يوماً من الأيام يرفع شعار الإسلام، فأعلنوا الحكم بالدين والدعوة إليه وغير ذلك، وحققوا بعض الإصلاحات الشكلية الوهمية، وإذا بهم وراء ذلك يسنون السكاكين للقضاء على المسلمين، والإجهاز على البقية الباقية من الروح الإسلامية في نفوسهم.

    أعلنوا قضية الوحدة وما أكثر الوحدات التي أعلنوا عنها في المشرق والمغرب والشمال والجنوب بين مصر وسوريا، وبين المغرب وليبيا، وبين المغرب والجزائر، وبين المغرب وتونس، وبين المغرب والسودان، وبين المغرب وليبيا، ومصر، وبين ألوان من الوحدة ودعاوى عريضة ومؤتمرات ومؤسسات، وجهود ولقاءات، ولجان وغير ذلك، وما زال العالم الإسلامي والعربي لم يشهد عبر تاريخه الطويل ألواناً من الشتات والفرقة مثلما يشهده الآن.

    وتحدثوا عن الرفاهية التي سوف يؤمنونها، وإذا بهذه الرفاهية التي ترفع تارة باسم الاشتراكية، وتارة باسم إصلاحات مالية، وتارة باسم تخفيض الرسوم والضرائب، إلى غير ذلك؛ أصبحت الرفاهية التي ينادون بها ليست سوى مساواة الأغنياء بالفقراء عن طريق إفقار الغني؛ وأن يكون المال دولة بين فئة خاصة من ذوي النفوذ أو من أصحاب رؤوس المال، أو من الحاشية والبطانة أو من غيرهم، ممن لا هم لهم إلا ملء جيوبهم وبطونهم، أما بقية الشعوب فهي مسحوقة ليس لها من الأمر شيء ولا تجد القوت الذي تأكله، وهذا أمر مراد؛ لأن سياسة التجويع تجعل الإنسان يقع في هذا الطوابير الطويلة الموجودة في أنحاء العالم الإسلامي، في انتظار الخبز -مثلاً- وفي انتظار لقمة العيش، ليس لديها -أي: الشعوب- وقت للتفكير للإسلام، ولا أن تضحي في سبيل الدين ولا أن تهتم بأمور المسلمين؛ لأن من الطبيعي أن الإنسان إن كان مشغولاً ببطنه وبحقوقه الخاصة فليس لديه وقت أن يفكر بغيره، وربما الإنسان يلهو حتى عن ولده وعن زوجه وعن أمه وعن أبيه بنفسه، فكيف سيفكر في الأبعدين؟

    فهذه سياسة التجويع وراءها ما وراءها، المهم: أنهم رفعوا شعار ترفيه الشعوب باسم الاشتراكية تارة، وباسم الإصلاحات المالية تارة أخرى، وبأسماء وألوان كثيرة، والنتيجة التي تعرفها الشعوب كلها أن العالم الإسلامي هو أفقر منطقة في العالم كله، حزام البؤس، والعالم الرابع ففي بلاد كشمير وبنجلادش وغيرها يموت الناس جوعًا لا يجدون لقمة العيش، الأطفال يتفوّرون، ومستوى دخل الفرد أضعف مستوى في العالم كله، وغالبية الشعوب الضعيفة هي من الشعوب الإسلامية التي تملك أغلى وأثمن ثروة في العالم.

    إذاً هؤلاء تكلموا ونادوا الناس وخدعوهم باسم الدين تارة وباسم الوحدة الوطنية تارة، وباسم تحقيق الانتصارات والمكاسب على العدو تارة، وباسم تحقيق الرفاهية للمواطن تارة، وكل ذلك فشل. إذاً فقد هؤلاء مبرر وجودهم، فلا بد أن يبحثوا عن تلوين آخر أو طريقة أخرى.

    1.   

    طريق تحرير الأرض

    نعود إلى قضية الأرض الإسلامية التي احتلها الكافر أو احتلها المنافق كيف السبيل إلى تحريرها؟

    أولاً: نحن لا نعترض على تحرير أرض الإسلام من أعداء الدين -من الكفار والمنافقين- على الإطلاق، ولا شك أن الذي يقول: أنا علماني -مثلاً- وقد أجروا في مرة من المرات مقابلة مع ياسر عرفات فقال: أنا أريد أن أحكم فلسطين بـالعلمانية.

    ونحن نقول: هذا العلماني يجب إقامة الحرب عليه كما يجب إقامة الحرب على اليهودي سواء بسواء، ولا فرق عندنا بين كفر اليهودي وكفر العربي، فالكفر كله ملة واحدة، ونحن نعتقد أن تحرير الأرض الإسلامية ليس من أجل شيء إلا من أجل أن تحكم بدين الله وشرعه فقط، أما أن تحرر لتحكم -بـالعلمانية- مثلاً أو بـالاشتراكية فإن هذا أمر لا يكون في حس المسلم أبداً.

    تحرير الأرض الإسلامية مطلب شرعي بل هو واجب في عنق كل قادر مستطيع، وقد أجمع العلماء على وجوب مدافعة الكفار عن أراضي المسلمين، على كل من يستطيع ذلك بنفسه أو ماله أو بهما معًا.

    بل أبعد من هذا، ليس فقط تحرير الأرض الإسلامية التي احتلها الكافر والمنافق كلا؛ بل إن شعيرة الجهاد التي لا يملك أحد إسقاطها لا تملك أمريكا ولا إسرائيل ولا يملك عملاؤها من العرب إسقاطها؛ بعد أن أثبت الله تعالى وأثبت الرسول صلى الله عليه وسلم دعائمها، وأثبت النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في خطاب صريح أن الجهاد لا يزال قائمًا إلى قيام الساعة، هذا الجهاد أعلنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه قائم إلى قيام الساعة؛ وذلك من خلال الإعلان -أحياناً- عن بقاء رجال الجهاد المدافعين الذين يحملون رايته؛ وهم الطائفة المنصورة، والحديث في ذلك متواتر، وأحياناً أعلن بقاء الجهاد من خلال بقاء الآلة وهي الخيل التي يعقد في نواصيها الخير إلى يوم القيامة؛ والحديث في ذلك -أيضًا- متواتر؛ ومثله السيف والرمح الذين بعث بهما الرسول صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عمر في سنن أبي داود:{بعثت بالسيف بين يدي الساعة}.

    وقال في آخر الحديث: {وجعل رزقي تحت ظل رمحي} ومن عجيب رحمة الله تعالى بأوليائه -هذا استطرد على أي حال- أن يكون هذان المعنيان متواتران عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمعنى بقاء رجال الجهاد وبقاء آلة الجهاد في أيديهم تثبيتاً لقلوب المؤمنين وتطميناً لهم؛ بل أعجب من ذلك أن الله تعالى أثبت هذا المعنى وأورده في لفظ صريح في القرآن الكريم وذلك في قول الله تعالى في سورة المائدة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة:54].

    وقد فسر العلماء هذه الآية بتفسيرات، قيل: الذين يأتي بهم الله تعالى إذا ارتد الناس عن دينهم فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه قيل: أبو بكر ومن معه قاتلوا المرتدين، قال ذلك قتادة والضحاك والسدي والحسن البصري، وقيل: أبو موسى الأشعري وقوم من أهل اليمن، وقد صح هذا مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق، وقيل: هم أهل القادسية أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عباس، وأجمع وأصح ما قيل في ذلك هو ما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه قال: [[هذا وعيد من الله أنه من ارتد منكم عن دينه سيبدل الله خيراً منهم]].

    أي: أن الآية عامة في كل زمان وفي كل مكان، كلما حصلت حادثة ردة قيض الله تعالى قوماً بهذه الصفة، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يحبهم ويحبونه يقاتلون في سبيل الله ويجاهدون في سبيله ولا يخافون لومة لائم، فـأبو بكر وأصحابه نموذج، وأهل اليمن نموذج، وأهل القادسية نموذج، والسنة قائمة أمس واليوم وغداً فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة:54].

    فهذا وعيد في طياته وعد -كما هو واضح- بأن هذه الراية المحمولة لا يمكن أن تسقط أبداً:

    إذا ما راية رفعت لحرب      تلقاها عرابة باليمين

    إذا مات فينا سيد قام سيد      قؤول لما قال الكرام فعول

    والمهم: أن هذا الجهاد قائم بحكم الله وبحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تملك قوة في الدنيا، وأؤكد على هذا المعنى لأن كثيراً من القلوب داهمها اليأس، والذي يؤمن بهذه المعاني لا يمكن أن ييئس أبداً، فالله يقول لك: إن الأمر باق، وأنت تشك، والرسول عليه الصلاة والسلام يؤكد لك أن حملة الجهاد وقواد المعارك الفاصلة باقون إلى قيام الساعة، وأن آلة الجهاد باقية أيضاً، وأنت تشك؟!

    نعوذ بالله من الحور بعد الكور، أو أن نرتاب في أمر الله تعالى وخبره، أو أمر رسوله صلى الله عليه وسلم.

    مهمة الجهاد

    هذا الجهاد الباقي ما هي مهمته؟

    مهمته تحرير الأرض الإسلامية من سلطة الكافرين والمارقين والمنافقين؛ بل مهمته أبعد من ذلك فمهمته تحرير الأرض كلها حتى الأرض التي لم يسبق أن احتلها المسلمون أو فتحوها -وبالأصح الأرض التي لم يسبق أن فتحها المسلمون- تحريرها من سلطة الطغاة المستكبرين أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء:105] إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف:128] وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا [الأعراف:137] وبمعنى آخر -كما أسلفت- إقامة النظام الدولي الإسلامي الذي يظلل الأرض كلها، فالجهاد ليست مهمته فقط إنقاذ الثروة الإسلامية من ابتزاز أمريكا وحلفائها وشركائها فحسب؛ بل مهمته تمكين المسلمين من حقوقهم الاقتصادية المشروعة حتى في أموال المنافقين والكفار؛ ولذلك سمى الله تعالى ما يعود على المسلمين من أموال الكفار فيئاً مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى [الحشر:7] لأنه أفاء أي: أرجع إلى أهله وأصحابه الأصليين، وهم المسلمون، فأما ما يكون نتيجة الحرب القائمة بين المسلمين والكفار فهذه غنائم أمره واضح لا إشكال فيه، وأما في السلم فالمسلمون يضربون الجزية على الكفار على حسب التفاصيل المعروفة في كتب الفقه.

    إذاً تحرير الأرض الإسلامية مطلب شرعي عادل، لا! ليس الأمر كذلك فقط؛ بل تحرير الأرض كلها من سلطة الكفار مطلب شرعي عادل.

    والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يقدم المسلمون في كل يوم مزيداً من الأرض ومزيدًا من الثروة ومزيداً من التنازلات لأعدائهم؟!

    لماذا تنقص الأرض الإسلامية من أطرفها يوماً بعد يوم؟!

    ولماذا يلهث المسلمون وراء مشاريع السلام الموهوم؟!

    ولماذا يغالطون أنفسهم ويضلون شعوبهم ويخدرونها فيرسمون ويصورون لها بأن العالم الآن يعيش مرحلة لم تعهد من قبل ولم يعرفها التاريخ؟!

    مرحلة الشرعية الدولية، وما أدراك ما الشرعية الدولية القائمة على أساس العدل والإنصاف والسلام.

    من يجهل تاريخ الأمريكان وماذا عملوا -مثلاً- بالهنود الحمر كأقرب مثال؟!

    ومن يجهل تاريخهم مع الشعوب التي هيمنوا عليها، بل أي آلة للحرب وأي آلية للجاسوسية يملكونها الآن؟!

    وأي أخلاقيات تؤمن بها الـcia مثلاً الذي هو جهاز المخابرات الأمريكية؟!

    ويكفيك أن تقرأ فقط كتاب كنت رئيسًا لـ cia لـ آلن دالاس الرئيس السابق للمخابرات المركزية الأمريكية؛ لتنظر بعض ما أمكن الاعتراف به من ألوان الألاعيب والحيل التي تكشف لك أنهم يحاولون أن يجعلوا العالم كله لعبة في أيديهم، لماذا تنتقص الأرض الإسلامية من أطرفها، لماذا توظف أموال المسلمين في غير صالحهم؟!

    ولماذا يستفيد عدوهم من الفرص التاريخية الكبيرة التي قد لا تعوض وقد لا تتكرر؟!

    على سبيل المثال قرأت قبل أيام خبراً تعجبت أن أجهزة الإعلام لم تلتفت له، يقول: رصد فقدان عشرة كيلو من اليورانيوم المخصب من الاتحاد السوفيتي أي: المعامل الذرية في الاتحاد السوفيتي، فقدت عشرة كيلو من اليورانيوم المخصب، إلى هذا الحد! ومرَّ الخبر بهدوء، قالوا: احتمال أنه يكون غلط في الحسابات! وهذا يدل على ضعف الاهتمامات أو ضعف العناية الأمنية في هذه المصانع، انتهى الأمر عند هذا الحد، أين ذهبت هذه العشرة كيلو؟!

    مفاعل نووي كبير تقايض وتفاوض إسرائيل دول الكومنولث الجديدة -الآن- من أجل شرائه، وعشرات الآلاف من المهاجرين اليهود يأتون الآن إلى إسرائيل على حين لا يكترث المسلمون لما يجري، ولا ينتفعون من هذه الفرص العظيمة التي تقع هناك، هل هم أقل عدداً؟

    هل هم أقل ثروة؟!

    هل هم أضعف؟!

    هل.. هل؟!

    الجواب في نظري يمكن تلخيصه في كلمة واحدة يجب أن تسترعي اهتمامكم؛ لأنها كلمة مهمة وهي عقدة المحاضرة، كلمة "الإنسان مستعبد".

    1.   

    ألوان العبودية

    الإنسان المسلم مستعبد بأنماط شتى من العبوديات والأوصاف التي تثقله وتبعده عن المسير، ولتحقيق جميع الأهداف التي نصبوا إليها ونتمناها أفراداً وجماعات ودولاً وأمة لتحقيق جميع الأهداف لابد أن نمر بالمرحلة الأولى: وهي مرحلة تحرير الإنسان، تحرير الإنسان من العبودية لغير الله تعالى، وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].

    إذاً: يجب أن يكون الهدف الأكبر والأسمى لكل أعمالنا وأقوالنا وجهودنا يصب في بحر تحرير الإنسان من عبودية غير الله تعالى، وهذا الإنسان هو الذي يمكن أن يصنع الفتوح ويصنع الاقتصاد ويصنع السياسات ويصنع ألوان الانتصارات التي نحلم بها، والله تعالى يقول: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].

    والأصنام التي يرزح تحتها الإنسان كثيرة، فالصورة البدائية للأصنام هي: شجرة أو حجر يعبده الإنسان، يضعه ويصلي إليه ويسجد له، ويدعوه ويستقسم أمامه بالأزلام فيما يريد من أمر؛ إن كان يريد سفراً أو زواجاً أو حرباً أو سلماً أو غير ذلك، وقد كان العرب الأولون يفعلون ذلك، وما زالت هذه الصورة البدائية على الرغم من أن عقل الإنسان قد كبر لكن ما زالت هذه الصورة موجودة بصورتها الساذجة، موجودة في أماكن كثيرة من العالم كله؛ بل حتى الشيطان يوجد من يعبده -الآن- ويسمون عبدة الشيطان في أماكن عديدة في العالم، لكن ثمة أوثان كثيرة أخرى غير هذا الوثن يمكن أن يأن تحتها الإنسان ويخضع لعبوديتها.

    الطاغوت

    فمن ألوان ذلك -مثلاً- عبودية الإنسان للطاغوت، الطاغوت المتنفذ الذي أصبح يملك اليوم كل شيء من الألف إلى الياء، عكس ما كان بالأمس، فمثلاً: لو قارنت بين الحياة اليوم والحياة بالأمس لوجدت أن الحياة في القرون السابقة كان يمكن أن يسيطر الطغاة على جانب واحد فقط من الحياة، فرعون -مثلاً- سيطر على جانب واحد وهو القوة، بعد ذلك قد يكون للناس فرص كثيرة جداً أن يتعرفوا فيها بخاصة أنفسهم إلى حدٍ ما، لكن في هذا العصر لم تعد القضية قضية هيمنة على المال فقط أو هيمنة على القوة والسلطة فقط، لا،بل أصبحت هيمنة -كما يقول أحد الكتاب- من شهادة الميلاد إلى شهادة الوفاة، فمثلاً: تجد أن الحياة محاطة بشبكة متصلة لا تنقطع أبداً.

    من ألوان المهيمنات: الإعلام -مثلاً- المرور، العمارة، الزراعة، التصنيع، الطب، التجارة، المهن العامة المختلفة، السفر، الإقامة، الأمن …إلخ كل شئون الحياة أصبحت محكومة مضبوطة، بالطبع ضبط أمور الناس ليس مذموماً بذاته، ضبط الأمور محمود، ولابد من ضبطها، بل الإسلام إنما جاء لضبط الأمور، وقد كان من الأشياء التي بشر بها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن تسير الضعينة من صنعاء إلى حضرموت سير الراكب لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، فالضبط مطلب إسلامي عادل أيضًا.

    لكن هنا الكلام أنه حين يكون الطاغوت متحكمًا في مثل هذه الأمور، بل يتحكم فيما وراء الحدود، ونحن نعلم أن هناك -الآن- ما يعرف بالبوليس الدولي أو (الإنتربول) الذي يلاحق من يسميهم بالمجرمين، وقد كان مطلوباً منه أن يلاحق جماعة من الدعاة الهاربين من تونس وغيرها في كل مكان، فضلاً عن الوثائق، وفضلاً عن الجواسيس الذين يلاحقون الإنسان ويكونون معه كالظل في كل مكان، فضلاً عن شراء الذمم من صحف وإذاعات ومراكز تلفزة في العالم؛ لتسبح بحمد فلان وفلان من الناس.

    فإذا كان الحكم صالحاً، فهنا حدث ولا حرج؛ لأن كل هذه الأشياء سوف توظف لصالح الإنسان في تصحيح عقله وفي تصحيح قلبه ومشاعره، وحفظ كرامته، وتحقيق إنسانيته، وتمكينه من العبودية لله تعالى، وتمكينه من التحرر من الطواغيت كلها، وتقوية عزيمته، وتمكينه من المشاركة، وبنائه؛ وهذه إمكانيات وفرص هائلة جداً لو تأملتها لا تنتهي أبداً.

    وبالمقابل فإذا كان فاسدًا فإن هذه الأشياء كلها تتحول إلى وسائل تعظيم فلان وحاشيته، وتسخير كل هذه الإمكانيات الهائلة لاستعباد الناس وتذليلهم للعبودية للطاغوت.

    فالتعليم -مثلاً- يلقن الإنسان أن فلاناً هو الحاكم المنعم، وهذه النعم لو شاء لحجبها، فيكون ذلك تصريحاً ويكون تلميحاً، ويكون شعراً ويكون نثراً، وفي كل مقررات التعليم ومراحله بحيث لا يتصور حتى الطفل الصغير الحياة بدونه، وهكذا تسخر إمكانيات أمة لفرد أو لحزب يعتبر أن الأمة لا قيام لها إلا به، تبجله وتعظمه وتنفخ فيه حتى يبدو كأنه جزء لا يتجزأ من الحياة؛ وأن الحياة بدونه عبث، ثم لا يبرز في هذا المجال ولا ينجح إلا من يقدم رسوم وحقوق العبودية لهذا الطاغوت؛ وهو أخوه الإنسان؛ لأن القضية ليست قضية منافسة شريفة، ولا قضية قدرات عقلية، ولا قضية مستويات علمية، وليست بكد اليمين ولا بالكسب، وإنما بحسب التقرب من هذا الطاغوت، وبحسب القدرة على النفاق وتقديم قروض وفروض الطاعة والولاء، أما الشهادات وأما الإمكانيات وأما غيرها فهي شيء آخر.

    ولذلك لا تستغرب أن تهاجر العقول الإسلامية من الشام والعراق ومصر وبلاد كثيرة إلى أوروبا لتخدم الكفر الصراح هناك على رغم أنوفها، وقد يكون فيهم الأخيار ولم يجدوا في بلادهم المناخ المناسب لتحقيق ما يريدون.

    والإعلام -خذوه مثالاً آخر- فالإعلام مسخر، ولكن لو كان صالحاً لكن مسخراً لتحرير الإنسان من كل العبوديات، وبناء عقله وبناء قلبه، وإصلاح مشاعره، وربط الأمة بأصولها التاريخية، وتمجيد الجوانب المشرقة الإيمانية في الأمة، وعلاج النواحي السلبية بطريقة معينة، لكن الواقع أن الإعلام الفاسد اقتصر على تمجيد الحاكم والثناء عليه، والتستر على أخطائه وتعبيد الناس له -للفرد أو للحزب- فهو في الواقع زور؛ ولذلك لفت نظري قبل زمن وفي أثناء أحداث حرب الخليج يقول: إن هناك ستة آلاف طفل في الأردن يحملون اسم صدام. ستة آلاف طفل ولدوا أثناء الأحداث -تقريباً- يحملون اسم صدام! هذا دور الإعلام وتأثيره، وفي المعسكر الآخر لقد سمعتم جميعاً من سموا أولادهم باسم جورج بوش.

    إذاً: هذا دور الإعلام إنه يمسخ عقول الناس ويجعلهم مستعبدين لهذا الطاغية أو ذاك؛ لذلك تجد أن الطغاة عندنا ليس لهم لون وليس لهم عرق، فالطاغية هو الطاغية سواء أكان عربياً أم أجنبياً، أمريكيًا أم روسياً، كلهم طغاة.

    كلهم سوف يذهبون جميعاً      كلهم عن ثراك سوف يزول

    لكن الواقع أنه يمارس مسخ العقول، ولا ينجح -أيضاً- في الإعلام (الإعلام المزور) الذي يخدم الطاغوت إلا من يكون أكثر تطبيلاً وتضليلاً ومدحاً، ولا يختار من يكتب للناس أو يحررهم إلا من يكون بمواصفات معينة، وربما أبرز الإعلام شخصاً واحداً وتجاهل الآلاف بل عشرات الآلاف ممن هو في مثل مواهبه وفي مثل شهادته وفي مثل مستواه؛ بل هم أفضل منه بكثير.

    خذوا مثالاً ثالثاً وهو الاقتصاد، فتجد في الاقتصاد -على سبيل المثال- التأميم الاشتراكي، فالتأميم جزء من الاشتراكية وهي: مصادرة الممتلكات وجعلها فيما يزعمون ملكاً للدولة، وفي الواقع أنه ليس ملكاًللدولة وإنما هي ملك لشخص الحاكم الذي ينهبها، والذي تصب كل هذه الأشياء -أخيرًا- في جيبه أو جيب ولده أو جيب حزبه، أو جيب من هم من حاشيته ممن يجيدون له فن المديح والثناء، فتضيع مصانع الدولة، وتضيع إمكانياتها، وتضيع مناهجها، وتضيع مزارعها، وتضيع كل مواردها باسم التأميم الذي لا يسمح للفرد أن يملك شيئاً ويجعل كل هذه الأشياء مؤممة ملكًا للدولة، هذا في جانب فينعم فرد لييئس الآخرون.

    وبالمقابل تجد أن من قضية استخدام الاقتصاد لتعبيد الناس قضية تعميق التطبيق الرأسمالي في حياة المسلمين، بقصر الفرص الحقيقية للاستثمار، وللإنتاج على أفراد معدودين يملكون المال والمؤسسات والشركات ويتمتعون بالتسهيلات العديدة التي لا يتمتع بها غيرهم، وربما يكون البقية، إما مسحوقون أو أنهم على حسب الأحوال أو على أحسن الأمور قد يكون بعضهم من المساهمين الصغار.

    خذ مثالاً رابعاً: الأمن، فمهمة الأمن في الأصل حفظ حياة الناس، والمحافظة على أعراضهم وعلى أسرارهم وعلى ممتلكاتهم وعلى أمورهم وعلى مكتسباتهم، لكنه يتحول في ظل هيمنة الطاغوت إلى التمهيد للسلطان -هذا الطاغوت في الأرض- وزرع روح الخوف والقلق لدى من لا يرضاهم، فهم في عالم من الأشباح يعيشون، وفي فراش من الوساوس يتقلبون: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [الشعراء:227].

    وقد كان الناس في كثير من البلاد يتهيبون من مجرد الإشارة إلى الشرطي بالإصبع يقول: إذا أشرت إليه يقطع إصبعك، بمعنى تربية الناس على روح الخوف، وهذا ليس من الأمن، وإنما الأمن في ظل تنفيذ شريعة الله تعالى وحكمه، ومن خلال هذه الهيمنة لن يكون هناك تعليم أو إعلام أو اقتصاد أو أمن على سبيل الحقيقة.

    فالمهم أن من تتوفر فيهم شروط العبودية للطاغوت فسوف يحظون بقدر كبير من المكاسب، وكلما كانوا أكثر نفاقاً وصفاقة كان هذا أدعى لنجاحهم، وأما الذين يوجد عندهم قدر من الاستقلالية-مثلاً- أو الكرامة أو العزة الإنسانية، أو تمييز في شخصياتهم تكون الأبواب كلها مغلقة في وجوههم؛ بل تسخر كل الإمكانيات الهائلة في مقاومتهم والتشهير بهم وشن الحرب عليهم.

    ولأن من الخطورة بمكان أن ينفلت الزمان، أو يتنفس الناس هواء الحرية فيرتبك الأمر؛ تكون العيون ساهرة لمقاومة أي بادرة من هذا السبيل، ولذلك كان فرعون يقول: إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ [الشعراء:54].

    انظر كيف التناقض يقول في البداية: إنهم شرذمة قليلون -أي: قلة- وما دام أنك تعترف يا فرعون أنهم قلة لماذا يخيفونك ويزعجونك؟ وأنت الذي تقول: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38] أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:24] فتقول: وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ [الشعراء:55-56] أي: أنه منـزعج وهو من هو في قصره وصولجانه وغطرسته وحوله الخدم والحشم والأعوان يقول: وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ [الشعراء:55] فالغيظ يغلي في قلبه ومراجل الحقد في نفسه، ومع ذلك يقول: وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ [الشعراء:56] ووراء هذه الكلمة من فرعون من الجيوش المجندة لمراقبة هؤلاء وملاحقتهم والتضييق عليهم وإيذائهم وحربهم ومقاتلتهم أخيراً.

    وهكذا يبدو الأمر واضحاً من خلال هذه الأمثلة، فالعبودية لله تعالى في جانب تستغرق كل الحياة: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163] وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] فالصلاة والنسك والموت والحياة لله تعالى في حس المسلم وما خُلق الإنسان إلا ليعبد الله عز وجل، فالعبودية لله تشمل كل أمور الحياة.

    وليس من الإسلام مقولة: (مال قيصر لقيصر وما لله لله) لا! وليس من الإسلام مقولة: (الدين لله والوطن للجميع) لا! الإسلام أن يخرج قيصر وما له شيء؛ الأمر كله لله: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ [آل عمران:154] فقيصر ما له شيء، إما أن يكون عبداً ذليلاً مربوباً لله تعالى يأتمر بأمره فيسمع ويطيع، وهنا يكون عبداً من عباد الله ويسلب عنه هيلمانه وصولجانه، وإما أن يأذن بحرب من الله ورسوله، فالإسلام دين يهيمن على كل حياة الجماعة وكل حياة الفرد، ومقابل كل هذا النظام الرباني الذي ما فرط في شيء وما ترك شيئاً؛ بل جعل الحياة كلها تخضع لحكم الله تعالى وشرعه وفصل فيها كل شيء تفصيلاً، تفصيل كل شيء.

    في مقابل هذا هناك منهج الطاغوت الذي يجعل العبودية لا تقنع منه باليسير؛ بل تستغرق كل حياته بكل تفاصيلها فلا يكفي مجاملة -مثلاً- بل يجب أن تراعي رضاه في كل شيء؛ ولذلك حتى اسم الولد -كما قلت لكم قبل قليل- اسم الحي، اسم الشارع، اسم المؤسسة، واسم المدرسة، الأنصاب والتماثيل التي تنصب في الشوارع لابد أن تكون معبرة عن هؤلاء الطواغيت، وقد رأيت في تركيا أن أعظم النصب -والتماثيل كلها أصلاً محرمة في الإسلام- لـمصطفى أتاتورك الذي هدم الخلافة الإسلامية، وكان يهودياً من يهود الدونمة وتظاهر بالإسلام من أجل القضاء على الإسلام، وتماثيله في طول البلاد وعرضها، وفي الشوارع الرئيسية وفي الساحات العامة، والغريب أنه في الوقت الذي هدم الروس فيه تماثيل لينين واستالين وغيرهم وأتوا عليها ودمروها ونبشوهم من قبورهم، ولا تزال تلك التماثيل في الإسلام قائمة ومنصوبة، وهذا يدلك على خطورة شأن النفاق، وأن كشفه ليس بالأمر الهين وقد يبين أمر الكفر الصراح البواح؛ وما يبين أمر النفاق إلا بعد حين.

    إذاً: حتى الأنصاب والتماثيل في الشوارع تكون لهم وحينما بدأ بعض الوعي عند المسلمين في تركيا لم يجدوا إلا أن ينصبوا تمثالاً لـمحمد الفاتح، وحاشا محمد الفاتح أن يرضى بتماثيلهم، وهذا يذكرني بقصة المسلم الجاهل الذي كان يجادل النصراني فقال له النصراني: إن عيسى ابن الله. فهذا المسلم كان من المسلمين البعيدين عن دينهم، وإنما هو مسلم بالوراثة ولا يفقه من الدين شيئاً، فقام في وجه النصراني يرد عليه ويوبخه ويقول: لا، أبداً، أنت تكذب، بل هو محمد بن الله. - تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً - فهو يظن أن القضية مجرد منافسة، فهؤلاء ظنوا أنهم بوضع تمثال محمد الفاتح يرضون مشاعر المسلمين ويهدئون من غضبتهم، وفي الواقع أنهم يعرفون أن هذا حرام كذلك، وأن الإسلام لا يرضى بالتماثيل، وحين ينهى الإسلام عن هذا أو ذاك فإنما هو من باب التنـزيه لله عز وجل وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [التوبة:30] ثم نـزه الله نفسه عن ذلك وقال سبحانه: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [المؤمنون:91] فمقصود المثال على كل حال أنه كلما زاد الإنسان في عبوديته كلما تشعب قلبه وأصبح نهبًا لهذه الطواغيت التي لا تقف عند حد؛ بل إنك تعجب أن هذا الطاغوت لا يقنع بشيء، ولعلي أقرب لك مثلين تاريخيين.

    فـسارة لما جاءت مع إبراهيم عليه السلام دخلوا مصر وكان عليها جبار كما سماه النبي صلى الله عليه وسلم قال له من معه: ها هنا امرأة جميلة. وعنده من الجميلات الكثير، لكن هذه امرأة واحدة أحب أن يستأثر بها، فبعث إليها؛ فلما جاءت حاول أن يمد يده إليها فشلت، على الحديث المعروف في الصحيحين وهو حديث مشهور.

    المهم أن الله تعالى شل يده؛ حتى قال: أخرجوها إنما جئتموني بشيطان ولم تأتوني بإنسان. فلما جاءت لإبراهيم وكان يصلي أشار إليها بيده ما هو الخبر؟

    قالت: أبشر قد رد الله تعالى كيد الفاجر في نحره، وأخدمها هاجر.

    فهذا الطاغية يملك من نساء الدنيا ما يملك ومع ذلك أراد هذه المرأة الجميلة أن يستأثر بها وأن تكون ضمن نسائه.

    ومثله -أيضًا- القصة التي يذكرونها عن فرعون، يقولون: كان أخناتون من أصحاب رءوس الأموال في عهد فرعون، وكان وزيراً وكان من الحاشية، ولذلك ربما سمح له فرعون ببعض الأعمال التجارية التي عادت إليه ببعض الأموال فأغنى وأثرى، فتضايق فرعون، وقال لـأخناتون: أريد أن تعطيني كل أموالك تتخلى عنها لي، ربه يقول: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:24] فقال: نعم، ولكن أرجو أن تترك شيئاً من المال يكفيني مدة حياتي ويكفي زوجاتي وأطفالي فقط. فغضب الفرعون من هذا الشرط الجائر الذي يدل على سوء الأدب من العبد لهذا المتأله الجبار، غضب وأمر بمصادرة كل أمواله بقرار، ثم أمر بأن تقطع يداه ورجلاه، وفعلاً قطعت يداه ورجلاه وجرح وألقي بالشارع. فهذا أخناتون الذي كان غنياً ثرياً ومن خاصة بطانته أصبح بهذه الحال، فمر عليه الطبيب الخاص للفرعون، فوجده يرفس في هذه الحال، فرثى لحاله وحاول أن يسأله فلم يجد جواباً، فذهب به إلى دار المرضى -المستشفى- وقام على علاجه بعناية فائقة دون أن يعلم الفرعون بذلك حتى صح الرجل وأصبح يتكلم فقال له: ما الخبر؟

    قال: الخبر كذا وكذا...إلخ. وذكر له القصة، وظل الرجل-أخناتون كما تقول الرواية أو القصة- طيلة الزمان هذا وهو في هذه المصحة حتى مات الفرعون الذي كان يقول: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:24] مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38].

    المهم قام الكهنة الذين كانوا يحيطون به ويجعلون له قداسة ويجعلون له شرعية يخدعون الناس به، ويقولون للناس: لقد مات إلهنا، وأقاموا له حفل تأبين -كما يقولون- ووداع لإلههم المزعوم، وصاروا يبكون ويؤنبون ويقولون: كيف ذهبت وتركتنا؟

    وكان الناس يصيحون والصراخ مرتفع، فيقول الطبيب الخاص: ذهبت أنظر من هؤلاء الذين يبكون فتعجبت! الناس يبكون على هذا الرجل الذي كان من المفترض أن يتمنوا زواله، فوجدت أن أكثر الناس بكاءً وصراخاً هو أخناتون هذا نفسه، يقول: فجئت عنده أنظر إليه وكأنه عرف ما في قلبي، وكأني أقول: هل أنت تبكي فرحًا أم ماذا؟

    قال: لا، لا أبداً، أنا أبكي لهذا الذي ذهب وتركنا في ظلام دامس، كيف تذهب وتترك شعبك؟!

    وصار يصرخ ويصيح ويتحرك في الأرض بشكل غريب، فقال له: ما لك؟!

    أمجنون أنت؟!

    أين يدك، أين رجلك، أين مالك؟!

    فقال: نعم كان من حسناته ومن إكرامه أنه استطاع أن ينتصر مني وينتقم مني في حياتي، فهذا أحب وأهون عليَّ من أن ينتقم مني بعد مماتي.

    انظر كيف تفعل العبودية في عقول الناس، انظر كيف تمسخ عقولهم ومشاعرهم وتحولهم إلى كتلة أشبه بالحجر، بل الحجر خيرٌ منها، وفي المقابل انظر كيف أن هذا الفرعون لم يقنع بالأموال الطائلة الهائلة عنده فأخذ هذا المال من أخناتون.

    عبودية الإنسان لنفسه

    نمط آخر عبودية الإنسان لنفسه، أشار الله تعالى في مواضع من القرآن إلى عبودية الإنسان لنفسه فقال: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثية:23] فعبودية الإنسان لنفسه تتخذ صوراً وأنماطاً شتى، منها -مثلاً- تعظيم النفس، والكبرياء، والعجب، والغرور الذي كان أصلاً في إبليس لما أمره الله تعالى بالسجود وكان يقول: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف:12] فأبى واستكبر وتعاظم في عين نفسه، ويقابل هذا الكبر والغرور في نفس الإنسان يقابله ازدراء الآخرين واحتقارهم؛ ولهذا فالشيطان حينما قال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [الأعراف:12] بالمقابل قال: أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً [الإسراء:61] إذاً هو ادعى لنفسه القوة والخيرية، وادعى لآدم النقص وأنه مخلوق من طين، واستكبر فكان هذا من عبوديته لنفسه؛ ومن تعظيمه لنفسه ولهذا حكم الله سبحانه وتعالى عليه بالخلود في النار هو ومن تبعه من الجنة والناس أجمعين.

    بل تصل عبودية الإنسان لنفسه إلى حد ادعاء الألوهية، وقد قال فرعون: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:24] مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38] ما أكثر المتألهين وما أكثر الذين يفرحون بأن يمدحهم الناس بأوصاف الألوهية، وقد كان الحاكم بأمره يحضر الحفلات الكبيرة، فيقوم شاعره ابن هاني العبيدي فيقول له:

    ما شئت لا ما شاءت الأقدار     فاحكم فأنت الواحد القهار

    وكأنما أنت النبي محمد     وكأنما أنصارك الأنصار

    والحاكم بأمره يهز رأسه طرباً وعجباً من هذا المديح، وكانوا يعتقدون فعلاً -العبيديون- يعتقدون في حاكمهم أن الألوهية والعياذ بالله قد حلت فيه.

    والطغيان والتسلط لا يقف عند حد أبداً، فينظر الإنسان إلى نفسه كأنه من طينة غير طينة الناس، وأن الناس تنتهي مهمتهم عند التسبيح بحمده والتقديس له؛ بل يكفيهم شرفاً أن يصلوا إلى هذه الرتبة.

    ومن أمثلة عبودية الإنسان لنفسه، عبوديته للشهوة في كافة صورها، شهوة الجسد -مثلاً- والركض وراء المرأة ووراء الشهوة، فتجدون -مثلاً- شاعراً كـنـزار قباني كل شعره في المرأة حتى إنه له ديواناً اسمه (أشهد أن لا امرأة إلا أنتِ) وهو بذلك يضاهي كلمة المسلمين التي يقولونها: أشهد أن لا إله إلا الله. فعبودية الإنسان للشهوة تجعله رقيقاً لها يركض وراءها ويجعل روحه وماله بل ودينه والعياذ بالله يذبح على مذبح هذه الشهوة العارمة التي لا بد أن يحدها.

    عبودية الجاه والمنصب

    والعبودية للشهرة والجاه والمنصب والكرسي بحيث إن الإنسان يفقد كرامته وإنسانيته في سبيل الوصول لذلك، ثم يظل يجاهد للمحافظة على ما وصل إليه من جاه أو منصب أو كرسي أو شهرة، فيجاهد للمحافظة عليها كل لحظة بألوان من التذلل والمجاملة لا تنتهي، وربما بان الشيب في مفرق الإنسان وهو يجاهد للحصول على الوزارة -مثلاً- ثم مات وهو مستميت في المحافظة عليها، وكم من إنسان ضحى بصداقات وعلاقات ومروءات، بل ضحى بأحكام شرعية وحلال وحرام في سبيل الوصول إلى ذلك!!

    وكم نجد من ألوان هذه العبوديات والشهوات لكثير من الكبار والصغار، كل قوم من الناس ابتلوا بنوع من العبودية فهذا ابتلي بعبودية المال مثلاً، وهذا ابتلى بعبودية الكرة! وهذا ابتلي بعبودية المنصب، وهذا ابتلي بعبودية الشهرة، وكل إنسان قد يزدري الآخرين ويتعجب كيف هذا يركض وراء الشهرة! والذي يركض وراء الشهرة يتعجب كيف هؤلاء يركضون وراء الكرة، والذي يركض وراء الكرة يتعجب كيف هؤلاء يركضون وراء المنصب! والواقع أن المسلم الذي من الله تعالى عليه باليقظة والبصيرة يضحك من هؤلاء جميعاً، ويقول: كيف يركض هؤلاء جميعاً وراء عبوديات ويتركون عبوديتهم للواحد الديان جل جلاله؟!!

    عبودية المال

    من ألوان العبودية، عبودية الإنسان للمال وقد جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: {تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم..الخ} فسماه عبدًا لهذه الأشياء كيف لا يكون عبداً لها وهي كل قلبه وهمه، فمن أجل المال يقيم العلاقات والصداقات، ومن أجلها يكرر المجاملات، ومن أجلها يسكت عن الجرائم والمخالفات، ومن أجلها يقطع رحمه ويعق والديه ويهمل زوجته وولده، ومن أجلها يسهر الليالي؛ بل يحرم -أحياناً- من الراحة في نفسه وفي طعامه وفي شرابه وفي منامه.

    وهل رأيت عبداً أكثر إخلاصاً وأكثر تفانياً وأكثر سهراً وأكثر استماته من عبد المال؟!

    ما الذي أذل أعناق الرجال؟!

    ما الذي وأد الكلمة الحرة في أفواههم؟!

    ما الذي لقنهم دروس النفاق والتذلل والمجاملة؟!

    إلا عبوديتهم للمال وقد نسي الكثيرون قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:58] فأصبحوا وإن قالوا هذا بألسنتهم؛ إلا أنهم يعتقدون في قلوبهم أن الضار النافع والمعطي المانع الرازق هو فلان، فيتقربون إليه بسائر أنواع التقربات التي لو تقربوا بها إلى الله تعالى لرضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ورزقهم في الدنيا حلالاً طيباً، وكانت الجنة في الآخرة مثواهم، ولحققوا ما يريدون مع حفظ كرامتهم وعزتهم وإنسانيتهم لكن أكثر الناس لا يعلمون!!

    وإن ما يحول دون تحقيق الأهداف -كما ذكرت لكم قبل قليل- أن يصبح كثير من المسلمين أسرى للمال وللقمة العيش التي يبحثون عنها؛ لذلك ينشغلون بها عما يجب من انشغالهم بأمور دينهم وآخرتهم.

    عبودية العادة

    ومن ألوان العبودية: العبودية للعادة، والعبودية للوضع الراهن، وهذه من أكبر العبوديات التي ووجهت بها دعوة الإسلام -دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام- فكل نبي قام يقال له: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ [الزخرف:22] أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا [يونس:78] وكم حرص الناس على حفظ سلوكهم وعاداتهم وتقاليدهم أكثر من حرصهم على دينهم، ولعلك تجد -وهذا مثل صغير حتى يكون الكلام واقعياً- لعلك تجد الأسرة -اليوم- من المسلمين يزوجون الفاسق فلا يعترض أحد، ولا يقاطع هذا الزواج أحد لكنهم حين يزوجون إنساناً آخر غير ذي نسب تثور القبيلة عن بكرة أبيها، وتعترض بألوان الاعتراض بالقلب واللسان واليد، وكم شرق الناس بألوان من الخير والدعوة والمعروف، وضاقوا بها ذرعاً وحاربوها؛ لأنها غير مألوفة وغير معهودة لديهم ولم تكن موروثة من الآباء والأجداد.

    ويقولون عن الواحد منا كذا، وقد رأينا من الآباء والأجداد كذا، ولم نر مثل هذه الأعمال، ويستغل رجال الإعلام المزور هذه العاطفة عند الناس للمحافظة على الموروث، فيشغبون في وجه كل داع بأنه سوف يغير المألوف ويمزق المجتمع، وأنه يضل الآباء والأجداد، وبالتالي فهو مشكوك في ولائه للمجتمع، ومن قبل كانت قريش تقول للناس: إن النبي صلى الله عليه وسلم يسفه الأحلام ويضل الآباء والأجداد، وقوم نوح كانوا يقولون: لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً [نوح:24-25] فيثيروا مشاعر الناس في مقاومة الداعية بمثل هذه الأساليب.

    عبودية الوطن

    العبودية الخامسة: العبودية للأرض والوطن، يقول أحدهم:

    وطني لو شغلت في الخلد عنه     نازعتني إليه في الخلد نفسي

    وآخر يقول:

    ويا وطني لقيتك بعد يأس      كأني قد لقيت بك الشبابا

    أدير إليك قبل البيت وجهي      إذا فهت الشهادة والمتابا

    أي شهادة وأي فتاب وأنت تدير وجهك إلى وطنك قبل أن تديرها إلى البيت العتيق؟!!

    فيجعلونه أحياناً قسيماً لله عز وجل، فيقولون الدين لله والوطن للجميع -كما ذكرت لكم- وأحياناً يجعلونه قسيماً للدين، وهكذا يقاتلون من أجل الوطن فالتربية عندهم هي إعداد المواطن.

    والواقع أن الوطن لا يجني من وراء ذلك شيئاً، فما هو الوطن في الحقيقة؟!

    هل هو التراب فقط؟!

    أم هو الإنسان؟!

    أم ماذا؟

    هنا يحتاج أنك تحلل كلمة وطن إلى عناصرها الطبيعية، وتنظر ماذا جنت هذه العناصر من هذه الدعاوى، أن كل شيء من أجل الوطن، والخدمات كلها تقدم للوطن، وفي الواقع أنه لا يصل للوطن منها إلا الشيء اليسير.

    ومن العبودية -أحياناً- طبق النظرة تجد الإنسان يتصور أن الدنيا كلها هي من حوله فقط، فلا يفكر في حاجات غيره من إخوانه البعيدين، أما حاجات الأقربية فإنه يكترث لها، مثل: الحاجات المادية؛ بل حتى الحاجات الدعوية، فنلاحظ -مثلاً- أننا نكون مأسورين للمجتمع فلا ندرك حاجة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؛ بل حاجة العالم إلى الإسلام إنما همنا مقصور على حاجة من حولنا، والواقع أن المسلم والداعية بشكل خاص ينبغي أن يتحرر من أسر الإطار المحيط به، وأن يفكر بأحوال المسلمين في كل مكان، وأن يفكر في العالم وكيف يمكن أن يوصل دعوة الإسلام إليه.

    العبودية للحياة

    أخيرًا العبودية للحياة: قال الله تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ [البقرة:96] وهم اليهود، يعني أي حياة مهما كانت، حياة الذل والخوف والهوان والعبودية وغير ذلك، المهم يريدون الحياة بأي ثمن لأنهم أصبحوا عبيداً لها.

    ومن الطريف أني أذكر مقابلة رئيس منظمة التحرير الفلسطينية في إذاعة مونتكارلو أثناء أحداث الخليج فتكلم هو عن تضحيات المسلمين وبذلهم وفدائهم -أي الفدائيين- وقال: إنهم يجاهدون وإنهم...إلخ، والدليل قول الله تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ [البقرة:96] فقلب الآية هو يظن أن الآية مدح لهؤلاء، والواقع أن الآية ذم لمقابلهم وهم اليهود بأنهم أحرص الناس على حياة مهما كانت حياة الذل.

    ما هي الأشياء التي تجعل الواحد منا يخاف؟

    لماذا يخاف؟

    يخاف إما على المنصب وإما على المال أو الحياة، فإذا كان عنده إيمان بأن الله تعالى هو الضار النافع والمعطي والمانع والمحيي والمميت والخافض الرافع، ومقاليد الأمور كلها بيده، فله مقاليد السماوات والأرض، وهو مقدر الأقدار ومكور النهار على الليل، ومكور الليل على النهار، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن، وأن الخلق لو اجتمعوا على أن يضروك لن يضروك، وإن اجتمعوا على أن ينفعوك لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك أو عليك، فما هو الذي يجعل الإنسان يحجم ويجمجم ويحمحم، ويحسب الحسابات الطويلة العريضة ويتهيب من كل شيء؟!

    إذاً: لابد من تحرير الإنسان من العبودية لغير الله تعالى بحيث يكون عبداً لله تعالى، لكن ما هي الوسائل؟

    أقول: هذا كلام يطول وسأضرب لك مثالاً واحداً فقط: خذ -مثالاً- الصلاة؛ فأول ما تكبر تقول: الله أكبر، فإن كل الأشياء وكل الأصنام، وكل العبوديات تسقط، ويبقى الله تعالى وحده فهو الكبير المتعال، ثم بعد ذلك ماذا تقول؟ تقول: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين.

    فتعترف بأنك قد أقررت والتزمت بهذا المنهج الذي يجعل الحياة عبودية لله لا للطاغوت، ثم تركع لله، فتسبحه وتسجد لله، وتجلس لله وتدعوا الله وتذكر الله، حتى إنك لو تأملت كل الأدعية، بل والأذكار -مثلاً- لما يرفع المصلي رأسه من الركوع يقول: ربنا ولك الحمد ملأ السماوات والأرض، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد، هذا الدعاء ماذا يعني؟

    يعني: الاعتراف بأن الأمور كلها لله وأن الخلق ليسوا إلا بشراً ضعافاً مهازيل، يجري الله تعالى على أيديهم ما يشاء، فلا تخف منهم ولا ترهب، وكن إنساناً واثقاً بالله عز وجل حكيماً، وإياك إياك أن تغلبك المخاوف فإنك تعيش شقيًا في حياتك، ولا تعمل شيئاً أبداً.

    والحياة لا تقاس -أيها الأحبة- بعدد السنوات، لا! وإنما تقاس بحجم الإنجازات، وكم من إنسان كان عمره أربعين سنة وخمساً وثلاثين أو ثلاثين ومع ذلك خلد في الدنيا ذكره وأعظم في الآخرة أجره، وبالمقابل كم ممن هم بيننا -الآن- ممن أعمارهم في السبعين والثمانين والتسعين والمائة، ومع ذلك لا يعلم بهم أحد، ولا يلتفت إليهم أحد؛ لأنهم عاشوا لأنفسهم فقط، فلنتحرر -أيها الإخوة- من العبودية لغير الله، ومن العبودية لأنفسنا، ولنتحرر من المخاوف والأوهام ومن العقد التي تملأ قلوبنا، وتعشش في أفكارنا، وتجعل الواحد منا ظلاً واهناً ضعيفاً لا يقدر على شيء، ولا يحمل شيئاً، ولا يتحمل مسئولية، ولا يقدر على شيء، يفرق حتى من ظله، فالعبودية إلى لله تعالى عز وكرامة وشرف وقوة وشجاعة.

    أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقني وإياكم تحقيق العبودية له، وأن يخرج من قلوبنا العبودية لغيره، من إنسان أو حجر أو شجر أو دنيا أو غيرها، وأسأل الله تعالى أن يجعل قلوبنا معمورة بحبه، والتأله إليه والشوق إلى لقائه في غير ضراء مضرة ولا فتنته مضلة، اللهم يا حي يا قيوم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين.

    وفي الأخير أستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم ويتب عليكم إنه هو الغفور الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.