إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (269)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    قضايا الخصومات من اختصاص القاضي لا المفتي

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أيها الإخوة المستمعون الكرام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً ومرحباً بكم إلى هذا اللقاء الجديد من لقاءات نور على الدرب والتي يسرنا أن نعرض في هذه الحلقة ما لدينا من رسائل على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة و الإرشاد.

    ====

    السؤال: أولى رسائل هذه الحلقة وردت من علي أحمد من الخرج يعمل بالمصانع الحربية يقول في رسالته: أنا متزوج من مدينة جدة وعشت مع زوجتي مدة سنتين وكانت حياتنا الزوجية سعيدة جداً ثم ذهبت إلى أهلها بغرض الزيارة ومضى عليها سنة ثم ذهبت لأحضرها معي لكنها رفضت الحضور إلى المنزل ووالدها وافقها على ذلك، وأخيراً ذهبوا إلى المحكمة بجدة ثم قرر الشيخ أن يفسخ العقد ما لم أحضر بعد شهرين، ولم يخبروني بذلك وإنما سمعت هذا الخبر من خالي، سؤالي: هل يحق للشيخ أن يفسخ العقد بدون استشارتي أو حضوري؟ أفيدونا أفادكم الله.

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    أيها السائل! مسائل النزاع بين الرجل وزوجته، وهكذا بقية المسائل التي يقع فيها الناس من أنواع الخصومات كلها تتعلق بالمحاكم، وليس للمفتي فيها نظر، هذه للمحكمة والحاكم ينظر ويتقي الله ويحكم بما يعلمه من الشرع المطهر بين الرجل وزوجته وبين الخصمين في كل شيء. نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق.

    1.   

    وجوب التوبة وشروطها، وأداء الكفارات إن وجبت عليه

    السؤال: هذه رسالة من المرسل (م. ع. ز) مصري الجنسية مقيم بالعراق في كربلاء يقول: أنا متزوج من مدة خمسة عشر عاماً، ولكن الشيطان أغراني وأوقعني في عدة أخطاء، فقد حصل مني أن قاربت زوجتي وأنا صائم في رمضان، وحصل أن زنيت قبل وبعد الزواج، ولكن من مدة ثلاث سنوات تبت إلى الله عز وجل، ولم أعد إلى ما كنت أفعل، فما الكفارة التي تجب علي؟

    الجواب: الواجب عليك التوبة إلى الله سبحانه وتعالى من جماع الزوجة في رمضان ومن الزنا قبل وبعد، فالله جل وعلا أمر بالتوبة وأوجبها على عباده، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم:8] قال سبحانه وتعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] فالواجب عليك التوبة إلى الله والندم على ما مضى من أعمالك السيئة والعزيمة أن لا تعود في ذلك، هذه شروط التوبة:

    - الإقلاع من الذنوب والحذر منها خوفاً من الله وتعظيماً له هذا واحد.

    - الشرط الثاني: الندم على الماضي والأسف على ما مضى منك من السيئات.

    - والأمر الثالث: أن تعزم عزماً صادقاً ألا تعود في تلك المعاصي.

    فمتى توافرت هذه الشروط الثلاثة فإن الله جل وعلا يتوب على من توافرت فيه ويعفو ذنبه سبحانه وتعالى.

    فعليك يا أخي بالصدق في ذلك وإتباع السيئات بالحسنات والأعمال الصالحات، والله يتوب على التائبين، كما قال عز وجل: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82] وقال عز وجل: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا [الفرقان:68-69] هذا جزاء من أشرك أو قتل نفساً بغير حق أو زنى يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا [الفرقان:68-69] ثم قال سبحانه: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان:70] فأنت -يا أخي- مع التوبة الصادقة والإيمان والعمل الصالح يتوب الله عليك ويبدل سيئاتك حسنات، فاصدق في ذلك والزم التوبة.

    ومن شروط التوبة أمر رابع: إذا كانت التوبة تتعلق بحق الغير وهو أن يستحلهم أو يعطيهم حقوقهم، فإذا كانت التوبة من سرقة أو نهب مال أو خيانة أو نحو ذلك فإن من تمام التوبة أن ترد المال إلى أهله بأي طريق يوصله إلى أهله ولو بغير علمهم حتى يصل إليهم، ولو ما عرفوا أنه منك، لكن لابد أن يصل إليهم أو تستحلهم من ذلك، يعني: تطلب منهم الحل، أن يبيحوك، فإذا سمحوا سقط عنك ما يتعلق بهم. وعليك مع ذلك كفارة الظهار وهي عتق رقبة، فإن عجزت فصوم شهرين متتابعين، فإن عجزت تطعم ستين مسكيناً عن جماعك في رمضان مثل كفارة الظهار سواء، أولاً عتق رقبة مع القدرة ويوجد في أفريقيا رقاب تباع، مؤمنة، فإن عجزت تصوم شهرين متتابعين، فإن عجزت تطعم ستين مسكيناً ثلاثين صاعاً -تسعين كيلو- كل واحد منهم كيلو ونصف، الصاع من التمر أو الأرز أو البر أو غيره من قوت بلدك، توبة منك لربك مع قضاء اليوم الذي وقع فيه الجماع، سواء كان الجماع عن زنا أو مع زوجتك، عليك هذه الكفارة مع التوبة ومع قضاء اليوم. نسأل الله لنا ولك الهداية والتوبة الصادقة ولجميع المسلمين.

    1.   

    حكم الإفطار في رمضان بحجة العمل

    السؤال: يسأل ثانية ويقول: أفطر رمضان وأنا في العراق من أجل العمل الذي أعيش منه أولادي، ولكن أستطيع إعادة الصيام عند العودة إلى مصر فما حكم ذلك؟ بارك الله فيكم.

    الجواب: ما دمت قد نويت الإقامة في العراق للعمل عليك أن تصوم، إن كنت نويت أن تقيم رمضان أو ما هو أكثر من رمضان في العراق أو في غيره فعليك أن تصوم مع الناس، وليس لك عذر في الإفطار، هذا الذي عليه جمهور أهل العلم أن عليك أن تصوم ولست في حكم المسافر، بل تصوم مع الناس، فإذا أصابك ما يمنع من مرض أو سافرت في أثناء رمضان لك أن تفطر بالسفر والمرض، أما وأنت مقيم تعمل فعليك أن تصوم مع المسلمين، وليس لك الإفطار، ومتى أفطرت من دون عذر سفر ولا مرض فعليك التوبة إلى الله وعليك القضاء.

    1.   

    حكم اتخاذ المقابر طريقاً ووضع القمامة عليها

    السؤال: هذه رسالة وردت إلى البرنامج من المرسل خير الله زربان الزهراني من المعهد العلمي بالمندق يقول في رسالته: في القرية مقابر والناس اتخذوها طريقاً للسيارات والمشاة، وهناك من الناس من يضع القمامة عليها ويرعى الأغنام عليها، فهل يجوز ذلك لهم؟ وماذا يجب على من يشاهد ذلك؟ وهل يمنع أصحاب السيارات من المرور عليها؟ أفيدونا أفادكم الله.

    الجواب: الواجب احترام القبور وعدم إيذاء أهلها لا بالقمامة ولا بالمشي عليها بالسيارات ولا بالأقدام، الرسول صلى الله عليه وسلم (نهى أن يقعد على القبر أو يتكأ عليه أو يجلس عليه)، فالواجب أن تصان من القاذورات ومن سير السيارات أو الأقدام عليها، وفي إمكانك أن تكتب لنا عن المقبرة هذه، ومن تتبع من القضاء حتى نعمل ما يلزم من جهة صيانتها والمنع من امتهانها إن شاء الله.

    1.   

    حكم الطلاق المعلق والطلاق الثلاث بكلمة واحدة

    السؤال: هذه رسالة وردت من طه عبد الكريم عبد العال من جمهورية مصر العربية مقيم في المملكة في الرياض، هذا السائل يقول في رسالته: كنت في إجازة في مصر وحلفت يمين الطلاق على زوجتي على شيء أريدها أن لا تفعله ولا تكرره، وقلت لها: إذا تكرر هذا الشيء فستكونين طالق، وبعدها سافرت إلى المملكة، ووصلني شريط من والدتي بأنها قد فعلت ما حلفت عليها فيه، وكررته مرة أخرى، وأنا من غضبي على ذلك سجلت شريطاً، وبعثته إلى والدتي، وفي الشريط حلفت عليها وقلت: هي طالق بالثلاث. وأنا هنا، وهي حالياً حامل مني بسبعة أشهر وعندي منها أربعة أولاد، فهل هذه الأيمان تقع؟ أفيدوني أفادكم الله. وماذا أفعل إذا سافرت إلى هناك علماً أنني لا أريد أن أطلقها؟ أفيدوني أفادكم الله.

    الجواب: أما المعلق فهذا يرجع إلى نيتك، فإذا كنت أردت منعها من ذلك وعدم فعلها فإنه لا يقع إذا فعلته، وعليك كفارة يمين في أصح قولي العلماء، والعلماء قد تنازعوا في هذا فمنهم من رأى أن المعلق يقع متى وقع الشرط، ولو كان المعلق أراد المنع، فإذا قال: إن فعلت كذا، إن عصيت والدتي، إن شربت الدخان، إن ذهبت إلى بيت فلان فأنت طالق يقصد منعها وتخويفها لا إيقاع الطلاق هذا عند الأكثرين يقع، والصواب التفصيل: فإن كان المعلق قصد منعها وتخويفها وتحذيرها ولم يرد إيقاع الطلاق فإنه لا يقع وعليه كفارة يمين لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) وهذا ما نوى طلاق وإنما نوى تخويفاً وتحذيراً، فإذا كنت ما نويت إلا التحذير والتخويف فإنه لا يقع.

    أما الطلاق الأخير الذي سجلته وقلت: هي طالق بالثلاث فهذا يقع به واحدة على الصحيح، قد ذهب الجمهور إلى أنها تقع الثلاث، ولكن الصواب أنه لا يقع من الثلاث المجموعة إلا واحدة إذا كانت بكلمة واحدة، فإذا قال: هي طالق بالثلاث أو مطلقة بالثلاث أو هي بالثلاث فالصواب أنه لا يقع إلا واحدة؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ما يدل على أن الثلاث بلفظ واحد تجعل واحدة، فلك أن تراجعها، إذا كنت في الطلاق المعلق سابقاً ما أردت إلا المنع، فلك أن تراجعها وتحسب عليك واحدة ويبقى لها ثنتان إذا كنت ما طلقتها قبل هذا طلقتين، أما إن كنت طلقتها قبل هذا فينبغي لك أن تتصل بالعلماء هناك في بلادك وتسألهم وتبين لهم الواقع أنت والمرأة ووليها، تجتمعون تسألون أهل العلم المعروفين بالعلم والإفتاء وتشرحون لهم القضية حتى يفتوكم إن شاء الله بما يرون بعد إخبارهم بكل شيء.

    1.   

    حكم بقاء المرأة عند زوجها التارك للصلاة والمرتكب للكبائر

    السؤال: هذه رسالة وردتنا من مرسلة رمزت لاسمها بأختكم في الله (ص. س) من القيصومة في المملكة تقول في رسالتها: أنا سيدة في الأربعين من عمري لي أطفال سبعة، ثلاثة اختارهم الله عز وجل إليه وأربعة أحياء، تقول: تتلخص مشكلتي في عدة أسئلة:

    أولها: أنني متزوجة منذ عشرين سنة من رجل لا يعرف الصلاة ولا الصيام ويشرب المحرمات من خمر وما شابهه والعياذ بالله، وكلما حاولت الخلاص منه يقول لي: بأنه سوف يتوب، ولكنه بالكلام فقط، وكل من أشكو له حالي يقول: اصبري من أجل أطفالك، وقد صبرت كل هذه السنوات من أجلهم، والآن كبروا وأصبحوا رجالاً ويطلبون هم مني ذلك ويقولون بأن البيت بيتهم ولا دخل للوالد، وأنا أسألكم الآن: هل علي ذنب في جلوسي معه أم لا، وكذلك جلوس أطفالي عنده؟ أفيدوني أفادكم الله.

    الجواب: لا ريب أن ترك الصلاة كفر، ولا ريب أن ترك الصيام من أعظم المعاصي، ولا ريب أن شرب المسكر من أعظم المعاصي والكبائر، فهذا الرجل قد جمع أنواعاً من الخبث والشر وأعظم ذلك ترك الصلاة، وقد صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) وقال عليه الصلاة والسلام: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة) فهذان حديثان عظيمان صحيحان عن رسول الله عليه الصلاة والسلام كلاهما يدل على كفر هذا الرجل، والمسألة فيها خلاف:

    بعض أهل العلم يقولون: لا يكفر إلا إذا كان لا يعتقد الوجوب، إذا كان ينكر وجوبها، وإلا فإنه يكون عاصياً معصية عظيمة ولكن لا يكفر بذلك.

    وذهب آخرون من أهل العلم: إلى أنه يكفر بترك الصلاة ولو لم ينكر وجوبها، وهذا هو الحق وهو الصواب أنه يكفر بترك الصلاة ولو لم ينكر وجوبها، فالذي أنصحك به وأوصيك به أن تمتنعي منه، وأن لا تمكنيه من نفسك حتى يتوب إلى الله ويرجع إلى الصلاة، والأولاد أولاده للشبهة التي هي شبهة النكاح، والقول بأنه لا يكفر بذلك هذه شبهة، فالأولاد أولاده ولا شك أنهم أولاده، ولكنك تبقين في البيت عند أولادك لأنهم كبار، وتمتنعين من أن يقربك بجماع أو غيره حتى يتوب إلى الله وحتى يدع عمله السيئ ولا سيما ترك الصلاة، فإذا تاب إلى الله وصلى فلا مانع، وعليه أن يتوب إلى الله أيضاً من ترك الصيام ومن شرب الخمر، وعلى أولاده أن يعينوه على الخير وأن ينصحوه ويستعينوا على هذا بأقاربهم الطيبين من أعمام وبني عم طيبين يعينونهم على نصيحة والدهم لعل الله يهديه بأسبابهم، فإن من أعظم بره أن ينصح ويوجه إلى الخير لعل الله يهديه بذلك، ولعله يسمع كلمتي هذه، ولعلكم تسجلونها إذا سمعتموها وتقرءونها عليه، فالله جل وعلا نسأله له الهداية.

    فالحاصل أن عليك أن تبتعدي عنه وألا يقربك حتى يتوب إلى الله من ترك الصلاة، فإذا تاب من ترك الصلاة فهو زوجك، وأما شرب الخمر وترك الصيام فهما معصيتان عظيمتان، لكنهما لا يوجبان بطلان النكاح عند أهل العلم عند أهل السنة والجماعة، وعليك وعلى أولادك وعلى أقاربه وعلى الأخيار من جيرانه أن ينصحوه، وعليه أن يتقي الله وأن يبادر إلى التوبة قبل أن ينزل به الأجل، والخمر شرها عظيم، وقد صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: (أنه لعن الخمر وشاربها وساقيها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومشتريها وآكل ثمنها) نعوذ بالله، وصح عن رسول الله أيضاً عليه الصلاة والسلام أنه قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) فهذا يدل على ضعف الإيمان أو عدم الإيمان نسأل الله العافية، وقال عليه الصلاة والسلام: (إن عهداً على الله لمن مات وهو يشرب الخمر أن يسقيه الله من طينة الخبال، قيل: يا رسول الله! وما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار، أو قال: عرق أهل النار).

    وأما ترك صيام رمضان فهو أمر عظيم؛ لأن صيام رمضان من أعظم الواجبات ومن أركان الإسلام، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى كفر من ترك الصيام عمداً، فيجب عليه أن يتوب إلى الله وأن يصوم رمضان وأن يحافظ على الصلاة ومن تاب تاب الله عليه، نسأل الله لنا وله ولجميع المسلمين التوفيق للتوبة النصوح والهداية إلى سبيل الخير، والعافية من طاعة الشيطان ومن طاعة قرناء السوء، وينبغي أن يوصى باجتناب قرناء السوء وصحبة الأشرار؛ فإن صحبة الأشرار تجره كثيراً، تضره كثيراً وتجره إلى أسباب الفساد وإلى أسباب غضب الله. فالواجب عليه أن يحذر صحبة الأشرار، وأن يبتعد عن قرناء السوء، وأن يتوب إلى الله من ترك الصلاة ومن ترك الصيام ومن شرب المسكر، وأن يستقيم على طاعة الله ورسوله، والله يقول جل وعلا: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82]، والنبي يقول صلى الله عليه وسلم: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) نسأل الله لنا ولكم وله ولجميع المسلمين الهداية والتوفيق والتوبة الصادقة.

    1.   

    حكم الصفرة والكدرة قبل الحيض أو بعده

    السؤال: هذه السائلة تقول في سؤال ثاني: قبل حلول الدورة الشهرية تأتي معي مادة بنية اللون تستمر خمسة أيام، وبعد ذلك يأتي الدم الطبيعي ويستمر الدم الطبيعي مدة ثمانية أيام بعد الأيام الخمسة الأولى، وتقول: أنا أصلي هذه الأيام الخمسة، ولكن أسأل: هل يجب علي صيام وصلاة هذه الأيام أم لا؟ أفيدوني أفادكم الله.

    الجواب: إذا كانت الأيام الخمسة البنية منفصلة عن الدم مقدمة ولكنها منفصلة فلا بأس بها تصومين وتصلين؛ لأنها كدرة وصفرة ما تمنع، وهكذا بعد الطهر إذا جاءت كدرة أو صفرة بعد الطهر لا تمنع الصلاة ولا الصيام، ولكنها تكون كالبول تستنجين منها وتصلين، أما إذا كان هذا الشيء البني يتصل، يعني يقع الدم وهكذا بعد الحيض يتصل بالدم فهذا من جملة العادة، فلا تصلي فيها ولا تصومي، أما إذا كان بينهم فاصل يوم أو نصف يوم أو ما أشبه ذلك يعني فاصل بين تزول هذه الكدرة البنية ويكون بعدها طهارة ثم يأتي دم الحيض بعد ذلك فهذه منفصلة لا تعتبر حيضاً، وعليك أن تصلي فيها، وفي كل صلاة عند دخول الوقت تستنجين من هذه الكدرة البنية وتصلين، وهكذا لو جاءت بعد الطهر جاءت كدرة أو صفرة فتستنجي منها كل وقت وتصلين ولا يحتسب حيضاً، أما المتصل فإنه يحتسب، المتصل قبل الحيض أو بعده متصلاً به هذا يحتسب منه.

    1.   

    حكم إطعام من يصيبه الخرف في نهار رمضان

    السؤال: أخيراً تقول هذه السائلة: في أول يوم من شهر رمضان المبارك زارتني امرأة عجوز عمرها في حدود مائة سنة أحياناً يكون وعيها معها وأحياناً العكس، فطلبت مني أن أقدم لها قهوة ففعلت ذلك وأحضرت لها القهوة فهل علي ذنب في هذا مع العلم أنني أخبرتها أننا في شهر رمضان؟ أفيدوني أفادكم الله.

    الجواب: إذا كان ظاهرها أن عقلها مفقود وأنها قد دخلت في التخريف والهرم فلا بأس؛ لأنها ليس عليها صيام، وحضور بعض العقل معها بكلام مضبوط تقول: أبغى كذا أو أعطوني كذا هذا ما يدل على عقل، والغالب على من بلغ مائة سنة أنه يدخله التخريف والتغير، فإذا ظهر لك من حالها أن عقلها مفقود وأنها غير منضبطة فلا بأس أن تأكل وتشرب، أما إن ظهر لك أن عقلها معها وأنها متساهلة فلا تعطيها قهوة ولا غيرها، لا تعينيها على الباطل، الله يقول وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2] فالذي يطلب الطعام في رمضان وهو صحيح من المسلمين لا يعطى لا طعاماً ولا شراباً ولا دخاناً ولا يعان على الباطل، أما من كان فاقد العقل كالمعتوه والمجنون والهرم والهرمة هؤلاء ليس عليهم جناح ذهب عنهم الصوم. والله المستعان.

    1.   

    حكم التداوي

    السؤال: وهذه رسالة وردت من (م. ب) من جامعة البترول والمعادن بالظهران يسأل فيها عن أمرين: في الأول يقول: مسألة التداوي؛ فإن بعض أهل العلم قال ما محصلته: أنه لا يجب التداوي من مرض ولو ظن نفعه وتركه أفضل روي عن الإمام أحمد رضي الله عنه؛ لأنه أقرب للتوكل، ولخبر الصديق إلى آخره. نرجو بسط القول في هذه المسألة، وما هو خبر الصديق؟ وما رأي سماحتكم؟

    الجواب: الصواب في التداوي أنه مستحب ومشروع، ذكره النووي رحمه الله وآخرون عن جمهور العلماء، وأن قول الأكثرين أنه مستحب، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه مستوي الطرفين لا يستحب ولا يكره بل هو حلال، وذهب آخرون إلى أن تركه أفضل، ويروى عن الصديق أنه قال لما قيل له: (الطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني) ولكن لا أعلم صحة هذا عن الصديق ، ولا أعرف صحة هذا عن الصديق، فالمقصود أن الذي عليه جمهور أهل العلم وهو الصواب أن التداوي مستحب بالأدوية الشرعية المباحة التي ليس فيها حرام كالتداوي بقراءة القرآن والرقية، التداوي بالكي عند عدم دواء آخر، الكي لا بأس به عند الحاجة، التداوي بأمور مباحة لا بأس بذلك، وقد رقى النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه، وقد رقاه جبرائيل عليه الصلاة والسلام، فالتداوي لا بأس به، والنبي عليه السلام قال: (عباد الله! تداووا، ولا تداووا بحرام) فالتداوي أمر مشروع لا بأس به ولا ينافي التوكل، فالتوكل يشمل الأمرين: الاعتماد على الله والتفويض إليه مع تعاطي الأسباب، ولا يجوز للإنسان أن يقول: أنا أتوكل ولا آكل ولا أشرب ولا أتسبب ولا أبيع ولا أشتري ولا أتعاطى زراعة ولا صناعة ولا غيره.. لا، فهذا غلط، تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل، بل هو من التوكل، وهكذا التداوي من التوكل، ولهذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى التداوي، وسئل عن الرقى والأدوية قال: (هي من قدر الله)، وقال عمر رضي الله عنه لما أتى الشام وبلغه حصول الوباء في الشام الطاعون انصرف بالناس ورجع بهم وقال: (نفر من قدر الله إلى قدر الله) ثم أبلغه عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سمعتم به في بلد فلا تقدموا عليه) فسر بذلك حيث وافق السنة.

    فالمقصود أن التداوي أمر مشروع على الصحيح وهو قول أكثر أهل العلم ومن تركه فلا حرج عليه، وإذا ظن نفعه واشتدت الحاجة إليه تأكد؛ لأن تركه يضر فيتعب نفسه ويتعب أهله ويتعب خدامه، فالتداوي فيه مصالح لنفسه ولأهله، ولأن التداوي يعينه على أسباب الشفاء ويعينه على طاعة الله حتى يصلي في المسجد، حتى يقوم بأمور تنفع الناس وتنفعه، فإذا تعطل بسبب المرض تعطلت أشياء كثيرة، وإن كان يثاب عما كان يعمله في حال الصحة في حال المرض كما في الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم: (إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمله وهو صحيح مقيم) هذا من فضل الله جل وعلا، ولكن التداوي فيه مصالح كثيرة إذا كان بالوجه الشرعي والأدوية المباحة هذا هو الصواب، ومن قال: إنه مستوي الطرفين أو إن تركه أفضل فقوله مرجوح والحق أحق بالاتباع، والأدلة الشرعية مقدمة على كل أحد. وفق الله الجميع.

    المقدم: بارك الله فيكم! سماحة الشيخ! هناك من يحتج في هذا الباب بحديث السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب.

    الشيخ: هؤلاء ما تركوا الأسباب، إنما تركوا شيئاً وهو الاسترقاء طلب الرقية من الناس تركها أفضل، تركوا الكي وتركه أفضل، لكن عند الحاجة لا بأس؛ النبي عليه السلام قال: (الشفاء في ثلاث: كية نار أو شرطة محجم أو شربة عسل وما أحب أن أكتوي) وفي لفظ آخر قال: (وأنهى أمتي عن الكي) وقد كوى صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه، فإذا دعت الحاجة للكي فلا بأس، هو سبب مباح عند الحاجة إليه، والاسترقاء: طلب الرقية، أما إذا رقى من دون سؤال فهو من الأسباب ولا بأس به ولا كراهة في ذلك، أما الطيرة ففي حديث السبعين: (لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون) .. فهي محرمة وشرك أصغر، وهو التشاؤم بالمرئيات أو المسموعات حتى يرجع عن حاجته وهذا لا يجوز، (وعلى ربهم يتوكلون) هذا يشمل المتداوي وغيره، فإن التوكل لا يمنع تعاطي الأسباب، ألست تأكل؟! وألست تشرب؟! الأكل سبب للشبع ولقوام هذا البدن وسلامته وهكذا الشرب فهل يجوز للإنسان أن يقول: أنا لا آكل ولا أشرب وأتوكل على الله في حياتي وأبقى صحيحاً سليماً لا يأكل ولا يشرب هذا لا يقوله عاقل، هكذا يلبس الثياب الثقيلة في الشتاء للدفء لأنه يضره البرد، وهكذا يتعاطى الأسباب الأخرى من إغلاق الباب حذراً من السراق، من حمل السلاح عند الحاجة، كل هذه أسباب مأمور بها لا تنافي التوكل، والنبي صلى الله عليه وسلم هو سيد المتوكلين في أحد لبس السلاح لبس اللامة، وفي بدر كذلك، وفي أحد ظاهر بين درعين، لبس درعان وعليه المغفر حين دخل مكة وعليه البيضة في أحد، كل هذه أسباب فعلها صلى الله عليه وسلم.

    المقدم: بارك الله فيكم! هذا السائل له سؤال آخر في رسالته هذه حول زيارة القبور للنساء، ولكن نؤجله نظراً لانتهاء هذه الحلقة إلى حلقة قادمة إن شاء الله تعالى.

    أيها الإخوة المستمعون الكرام: في ختام هذه الحلقة لا يسعني إلا أن أشكر سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز على إجاباته، وأسأل الله تبارك وتعالى أن يثيبه ويجزيه خيراً ويرضى عنه وعن المسلمين، وأشكر لكم حسن متابعتكم، وإلى أن نلقاكم في حلقات قادمة بإذن الله تعالى أستودعكم الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.