إسلام ويب

من آداب النبوة (1)للشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأدب والتحلي بالأخلاق الحميدة من صفات الرسول صلى الله عليه وسلم, بشهادة الناس والتاريخ, بل بشهادة الله سبحانه, ولأنه القدوة والأسوة صلى الله عليه وسلم, كان لزاماً على كل مسلم أن يتبعه ويسير على خطاه .

    وقد سلك الشيخ للوصول إلى تلك الأخلاق والآداب أعظم طريق موصل إلى ذلك, وهو كتاب الإمام البخاري: الجامع الصحيح الذي يعد المصدر الأول لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

    وبعد أن تكلم الشيخ عن الأدب واستخدام لفظه, اقتبس من كتاب الأدب أبواباً مهمة وتكلم عنها، وهي كالتالي: باب البر والصلة, باب من أحق الناس بحسن الصحبة, باب لا يجاهد إلا بإذن الوالدين, باب لا يسب الرجل والديه, باب عقوق الوالدين من الكبائر.

    1.   

    معنى الأدب واستعمال لفظه عند الإمام البخاري وأهل العلم

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعـد:

    فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    كتاب الأدب في صحيح البخاري

    معنا في هذه الليلة أول الأحاديث من كتاب الأدب من صحيح الإمام البخاري حياه الله وبياه، وأنزله أحسن المثوى في دار النعيم، ورفع درجته بما رفع للأمة من سلامة في هذا الكتاب الصحيح.

    يقول رحمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب الأدب، باب البر والصلة، وقول الله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً [العنكبوت:8] ثم قال: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، قال الوليد بن عيزار أخبرني، قال: سمعت أبا عمرو الشيباني، يقول: أخبرنا صاحب هذه الدار وأومأ بيده إلى دار عبد الله، قال: {سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله عز وجل؟ قال: الصلاة على وقتها، قال: ثم أي؟ قال: ثم بر الوالدين، قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزادني}.

    أولاً: للبخاري رحمه الله تعالى كتابٌ منفصل اسمه الأدب المفرد، فيه الحديث الصحيح والحسن، وربما كان فيه الضعيف، وفيه الموقوفات على الصحابة وعلى بعض التابعين، والأدب أتى به في صحيحه غير كتابه المستقل؛ لأنه جعل كتابه الصحيح يضرب في كل غنيمة بسهم، فهو كلما انتهى من باب فتح جبهةً أخرى، ليكون كتابه -إن شاء الله- من أكبر المصادر في الإسلام.

    وقد تكرر معنا في بعض الدروس، أن شيخ الإسلام ابن تيمية سئل في المجلد العاشر من الفتاوى: أي كتاب يكون أنفع في طلب علم الحديث؟ قال: لا أعلم كتاباً أنفع ولا أكثر إفادة بعد كتاب الله وصحيح البخاري.

    فهذا الكتاب ثروة عظيمة عند من يعرف الثروات.

    تعريف الأدب

    الأدب اختلف في تعريفه، ونحن نحاول أن نقترب من التعريف المسدد بإذنه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وفي التعريف سعة، وليس فيه مشاحة بين أهل العلم، قيل: الأدب استعمال ما يجمل من الأقوال والأعمال والأحوال.

    وقيل هو: أن تكون رضي الخلق سهل الطبيعة.

    وقيل: هو أن تكون متأدباً بأدب الله الذي أنزله على رسوله وهذا تعريف لأهل الإسلام.

    وقيل: هو أن تكون على تعاليم الكتاب والسنة، وعلى ما أتى به المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهو مثل الذي قبله.

    وقيل الأدب: هو ألا تخرج من الدين بفسق -نعوذ بالله- ولا من المروءة بخارمٍ، ويستحق هذا التعريف أن يكون عند أهل الجرح والتعديل.

    الأدب فيه الواجب وفيه المستحب، والأدب -بارك الله فيكم- صبغة يجعلها الله ويحليها من يشاء سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    فالأدب ليس هو الشعر الذي تسمعونه، لا الحر ولا الحداثي، فهذا أمر آخر، لكن أهل الإسلام والحديث والتفسير والسير والفقه إذا تحدثوا عن الأدب فمعناه ما يجمل أو يحسن من الأقوال والأعمال الظاهرة والخفية، وأحسن ما يروض المسلم عليه في الأدب كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد أشار القرآن إلى كثير من الآيات في الأدب، قال لقمان لابنه وهو يعظه عليه السلام: وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان:19] وهذا أدب.

    لأن العجيب أن وصية لقمان عليه السلام لابنه، بدأت بالعقائد، ثم العبادات، ثم الأخلاق والأدب والسلوك، فقال: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] عقيدة، وقال: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ [لقمان:17] عبادات، ثم قال: واقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ [لقمان:19] أدب، وهذا هو الأدب الذي يريده الله عز وجل من الناس.

    نموذج لأهل الأدب الشرعي

    قال ابن المبارك رحمه الله: طلبنا الأدب حيث لا مؤدبين، فهو يشكو حاله على عصره، يقول: طلبنا الأدب حيث لا مؤدبين، يقول: ما وجدنا من يؤدبنا، ونحن في الكبر أصبحنا شيوخاً، وقد اشتعلت رءوسنا شيباً، فأصبحنا نطلب الأدب، فكيف لو رآنا عبد الله بن المبارك في هذا العصر! فهو في عصر تابعي التابعين، وكان معه مؤدبون وأخيار، وعلماء وفقهاء ومحدثون وزهاد وعباد ويشكو من حاله، يقول: طلبنا الأدب حيث لا مؤدبين.

    وكان عبد الله بن المبارك هذا من آدب الناس، ولا بأس أن نسرح قليلاً مع عبد الله بن المبارك وللذهبي كتاب اسمه قضِّ نهارك بأخبار ابن المبارك، يقول الذهبي في تذكرة الحفاظ: والله! إني لأحبه لما جعل الله فيه من العبادة والزهد والعلم، أو كما قال.

    عبد الله بن المبارك كان من أحسن الناس أدباً، وكان يضع كلمات أدبية نثرية وشعرية في منهج الأدب، يقول من ضمن أبياته:

    وإذا صاحبت فاصحب ماجداً     ذا عفاف وحياء وكرم

    قوله للشيء لا إن قلت لا     وإذا قلت نعم قال نعم

    وهذا يسمى أدب الموافقة، أن يوافقك الشخص في غير معصية؛ لأن بعض الناس من قلة أدبه يحب الخلاف فيما لا فائدة فيه، إن قلت: نجلس تحت هذه الشجرة، قال: هذه أحسن، وإن قلت: ننطلق الساعة السابعة، قال: لو تأخرنا للثامنة كان أحسن، وإن قلت: ما رأيك نتكلم ربع ساعة، قال: لو كان ثلث ساعة كان أحسن، لا لشيء؛ لأن المسألة متقاربة ولكن حب الخلاف، وهو الذي ينعاه ابن المبارك على أهل عصره في القرن الثالث، فكيف لو رآنا في القرن الخامس عشر.

    ابن المبارك رحمه الله رحمة واسعة، كان يترنم بأبيات في الأدب كثيراً، وكان في أكثر أبياته، يعلم الناس الزهد والسيرة والأخلاق، وهو بمجمله يسمى الأدب، خرج من مكة وترك الفتيا، وأخذ بغلته، فقال له الناس: أتترك الحرم وتخرج للجهاد؟ قال:

    بغض الحياة وخوف الله أخرجني     وبيع نفسي بما ليست له ثمنا

    إني وزنت الذي يبقى ليعدله     ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا

    أمثلة أخرى لأهل الأدب

    وكان من أفضل الناس قولاً في الأدب الإمام الشافعي، ولذلك سجل له الإمام الذهبي أكثر من عشر نقاط تكلماً على الأدب، يقول: والله الذي لا إله إلا هو لو أنقص الماء البارد من مروءتي ما شربته -لو كان الماء البارد ينقص من المروءة ما شربته-.

    وكان من أدبه أنه ما بصق عن يمينه ولا عن يساره أبداً، فكان يخفي بصاقه، قال: وما مد رجله مع الجليس من أدبه أبداً، قال: وما قاطع أحداً في كلامه حتى ينتهي.

    وهذا أدب الكتاب والسنة، وإنما تعلموا الأدب من المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي نحن بحاجته أحوج إلينا من كثير من العلم.

    يقول أحد أهل العلم: ينبغي أن يكون أدبك كالدقيق وعلمك كالملح، قال بعض المتأخرين: فما أصبح عندنا لا دقيق ولا ملح.

    وقال عامر الشعبي: لا يطلب العلم إلا رجلان عاقلٌ وناسك، فإن طلبه عاقل بلا نسك -بلا دين- قالوا: هذا أمرٌ لا يتحصل عليه أبداً، وإن طلبه ناسكٌ بلا عقل، قالوا: هذا أحمق لا يحصل على شيء أبداً، وإنما يطلب الفهم العاقل والأديب الذي يتقي الله عز وجل، ورأس الحكمة مخافة الله، ومن لا يخاف من الله فلا أدب له أبداً.

    ولذلك أخطأ كثيرٌ من أهل الأدب، كـ ابن عبد ربه وابن قتيبة في عيون الأخبار وفي العقد الفريد، يوم ذكروا أدب كسرى، وقالوا في وصف بعض الأئمة: كأن هذا الإمام أدَّبه كسرى، سبحان الله! أكسرى أصبح مؤدباً؟! أصبح الدجال مؤدباً ومسيراً للأمة ومعلماً وفقيهاً؟! لا والله، لكنه أدبه محمد عليه الصلاة والسلام، فهذه مسألة الأدب.

    وممن نقل عنه الأدب معاذ رضي الله عنه وأرضاه، ذكروا عن أدبه الجم الكثير.

    فقد كان من حيائه لا يعمد بصره لجليسه حياءً وأدباً وتقوى ورعاية للجليس، وهذا نحن بحاجة إليه جد الحاجة، وأحوج ما نكون إليه أن نربي أطفالنا على الأدب الذي أتى به محمدٌ عليه الصلاة والسلام، وهناك ما يقارب مائة حديث في الأدب، سوف يسوق منها البخاري ما لذ وطاب، من الثمر المستطاب، في كل فن في الطعام، والشراب، والمنام، والإياب، والذهاب، كأنها أخذت من أم الكتاب، فجزاه الله خيراً وأسبل على قبره شآبيب السحاب.

    1.   

    الكلام عن قول البخاري: باب البر والصلة

    هذا الإمام البخاري يقول: باب البر والصلة، وهذا فيه لف ونشر، لف العنوان ثم سوف ينشره نشراً.

    ملكٌ منشدُ القريض لديه     يضع الثوب في يدي بزاز

    ولذلك تبويب البخاري أجلس العلماء على الركب، حتى كان يتساءل الزين بن المنير في شرحه، ماذا يريد بهذا الباب؟

    ويأتي ابن بطال فيقول: يريد كذا، وابن التين، قال: لا يريد كذا، وابن حجر يأتي ويربع، ويقول: بل أراد كذا, وهذه هي العظمة، وبعض الناس يشف ويرف ويدرج حتى يصل في العظمة مكانة لا يرقى إليها، ولذلك فتح الله عليه بصدقه ولإخلاصه وعلمه في هذا الكتاب فتحاً عظيماً.

    ويروى عنه أنه قال: ما رويت حديثاً حتى اغتسلت وصليت ركعتين واستخرت الله، وبعدما سوده كتبه في ضوء القمر قبل الأسحار في روضة المصطفى صلى الله عليه وسلم في المدينة.

    قلت لليل هل بجوفك سر       عامرٌ بالحديث والأسرار

    قال لم أجد في حياتي حديثاً      كحديث الأحباب في الأسمار

    باب البر والصلة، إن كان على الإضافة فالجر، وإن كان على القطع فالرفع، بابٌ البر والصلة، وباب البر والصلة، قال: البر هنا لف، وترك المضاف إليه بر الوالدين، والصلة صلة الرحم.

    1.   

    سبب نزول قوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً)

    وقول الله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً [العنكبوت:8] آيات الوصاية بالوالدين في القرآن ثلاث آيات، في سورة الأحقاف، وفي سورة العنكبوت، وفي سورة لقمان، وكأن هذه الآية في سورة لقمان وابن حجر عاكس قليلاً مع بعض الشراح، وقال: هذه الآية التي في لقمان وليست التي في العنكبوت، ثم عاد وقال: ربما تكون التي في العنكبوت.

    سببها: سعد بن أبي وقاص، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وخال رسول الله صلى الله عليه وسلم، مدمر إمبراطورية كسرى، دائس الظلمة بأرجله، الذي كسر إيوان العمالة والضلالة إيوان كسرى، يقول عنه مصعب ابنه، قال أبي لما أسلم: أشهد أن لا إله إلا الله -أمام أمه- وأشهد أن محمداً رسول الله، قالت أمه: أصبوت؟ ثم حلفت بلاتها وآلهتها لا آكل أكلاً، ولا أشرب شراباً حتى تعود عن دينك -والحديث في صحيح مسلم - فحاول معها, وراودها فأبت، قالت: أدينك يأمرك أن تعصيني، وأن تعقني؟ فأنزل الله عز وجل: وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً [العنكبوت:8] وهناك: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً [لقمان:15].

    قال: [[يا أماه! والله الذي لا إله إلا هو، لو كان لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما عدت عن ديني]] حياك الله وبياك أيها البطل المقدام! فلما رأت الجد أكلت وشربت والحمد لله والشكر، واسم هذه الأم حمنة، وهي لم تسلم، وربك يهدي من يشاء ويضل من يشاء، سبحان الله!

    الهداية بيد الله

    يأتي الله عز وجل برجال من أطراف الدنيا فيسلمون ويؤمنون، ويأبى الذين بين الركن والحطيم وعند زمزم أن يسلموا إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56].

    أتى بـ أبي هريرة من بلاد دوس من زهران ليكون أكبر راوية في الإسلام، وأتى بـ سلمان من أرض فارس ليكون حامل رسالة نداء الأرض إلى السماء، وأتى بـ بلال من أرض الحبشة لتستفيق على أذانه الدنيا، وأتى بـ صهيب الرومي ليكون سفير الإسلام إلى الروم، وأتى بـ خباب بن الأرت ليكون موجهاً من أكبر سادات الصحابة، وأتى بـ ابن مسعود راعياً من رعاة الغنم في هذيل ليكون من أكبر علماء الدنيا ومن أذكياء العالم الذين أنصتت لهم أذن الدهر.

    ولكنْ أبو طالب الذي تبجح بكبريائه ما أسلم، وأبو لهب الذي التهب رأسه بالغباء ما آمن، والوليد بن المغيرة الذي كان يكسر الذهب بالفئوس ما انقاد للرسالة، سبحان الله! أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122].

    انتهينا من قصة سعد، وللصحابة قصص طويلة مع أمهاتهم، هؤلاء العجائز لهن نكبات ووقفات وعثرات هناك ربما ثلاثين عجوزاً وقفت في وجه الدعوة؛ لأن رأسها جف وخف ونشف لا يفهم لا إله إلا الله، دُمغ فلا تدخله لا إله إلا الله، ولا يفهم إلا بالفأس.

    ضرورة نصرة الشباب لدينهم

    ذكر بعض الشراح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نصر بالشباب، ولذلك لما التقى في بدر المهاجرون والأنصار مع الكفار، كان أكثر جيش الرسول صلى الله عليه وسلم شباباً، ولذلك لما هَجَمَ أبو حمزة الخارجي على المدينة واقتحم أسوارها، خطب في المسجد النبوي، وقال: تعيبونني بأصحابي تزعمون أنهم شباب، والله لقد كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم شباباً، شبابٌ مكتهلون في شبابهم، غضيضة عن الشر أعينهم، ثقيلة إلى الباطل أرجلهم، أنضاء عبادة وأطلاح سهر، وهل كان عظماء الإسلام إلا شباباً، وهل كان علماء الصحابة إلا شباباً.

    ولذلك أتى الشيطان فوسوس لنا في أذهاننا، وقال: لا يتحدث متحدث حتى يبلغ الخمسين والستين وخمسة وتسعين، حتى تضيع الأمة، وتتردى الإرادة والمعطيات ومصداقيات الناس فلا يفهمون، ومعاذ أرسله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن في الثامنة عشرة، وأسامة أرسله صلى الله عليه وسلم في الثالثة عشرة، وقيل: في الخامسة عشرة، وابن عمر كان يتحدث ويقول ويفعل وهو في الخامسة عشرة.

    شباب ذللوا سبل المعالي     وما عرفوا سوى الإسلام دينا

    وما عرفوا الأغاني مائعات     ولكن المنى كانت منونا

    أو كما قال.

    قصة إسلام أم أبي هريرة

    إذا علم هذا فمعنا أبو هريرة وأمه، أتت من أرض دوس، فلما دخلت أتت تسب الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: يا أماه! اتقِ الله، لا تسبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذت تسب، فأخذ يبكي رضي الله عنه وأرضاه، وذهب إلى الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم، فأخبره الخبر؛ فدعا لها صلى الله عليه وسلم، فعاد فإذا هي تغتسل من وراء الباب لتتهيأ للإسلام، فلما طرق عليها الباب، قالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فبكى من شدة الفرح.

    طفح السرور علي حتى إنني     من عظم ما قد سرني أبكاني

    فعاد إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، والحديث في الأدب المفرد، فأخبره الخبر، قال: {يا رسول الله! ادع الله أن يحببني وأمي إلى صالح المؤمنين، ويحبب صالح المؤمنين إلي وإلى أمي؛ فدعا لهما، قال أبو هريرة: فو الله! ما رآني أحد من المؤمنين أنا وأمي إلا أحبنا} ونحن نشهد الله على أننا نحبه في ذات الله.

    1.   

    الكلام عن راوي الحديث: ابن مسعود

    قال: أخبرنا صاحب هذه الدار، وصاحب هذا الدار ابن مسعود، فقد كان في العراق كالسراج المنير، وكان من ألطف الناس، يقول حذيفة: لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن أقربهم إلى الله وسيلة هو ابن مسعود، وقالوا: ما رأينا رجلاً أقرب دلاً ولا سمتاً ولا هيئة ولا تقوى بالرسول صلى الله عليه وسلم من ابن مسعود.

    وذكروا عن الإمام أحمد أنه كان من أعجب الناس بتقواه وبزهده وورعه، وذكروا أنه أخذ هذا الورع من هشيم الراوية الكبير، وأخذه هشيم عن سفيان الثوري وأخذه عن إبراهيم النخعي، وأخذه إبراهيم النخعي عن علقمة بن قيس تلميذ ابن مسعود، وأخذه علقمة عن ابن مسعود وابن مسعود أخذه عن المصطفى صلى الله عليه وسلم.

    سندٌ كأن عليه من شمس الضحى     نوراً ومن فلق الصباح عمودا

    وروى النعمان عن ماء السماء     كيف يروي مالك عن أنس

    قال: أخبرني صاحب هذه الدار، وأومأ بيده إلى دار عبد الله، وكانت دار عبد الله التي أشار إليها، قريباً من المسجد ليقرب من الفتيا والتعليم، وكان يحدث الناس كل يوم خميس لا يزيد على ذلك، فقال له أهل العراق: وددنا يا أبا عبد الرحمن! أنك تحدثنا كل يوم. من حسن حديثه، كأنه الثمر المستطاب، أو كأنه الشهد المصفى، أو كأنه الماء الزلال، أو كأنه الهواء العليل على القلب السقيم، قالوا: [[وددنا أنك تحدثنا كل يوم، قال: والله! إني أتخولكم بالموعظة كما كان صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة كراهة السآمة علينا]] يتخولنا، قيل: يتحولنا وأقربها يتخولنا من التخول خالاً بعد خال.

    فـ ابن مسعود لذكائه وفطنته في فقه الدعوة، كان يتكلم مع الناس وهم يشتهون حديثه؛ لأنّ بعض الدعاة يكلم الناس سرمداً ليلاً ونهاراً وصباحاً ومساءً وصيفاً وشتاءً، حتى يقول له الناس من الاستثقال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر، ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون.

    وهذا الأعمش قيل له: أنزلت في الثقلاء آية؟ قال: نعم. قالوا: وما هي؟ قال قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ [الدخان:12] وذكر عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمته، أنه قال: إذا صلى عن يمينك ثقيل فسلم تسليمةً تكفيك. وهذه فتوى تسمع ولا يعمل بها، ولكنا على عهدة الأعمش الزاهد العابد النحرير رضي الله عنه وأرضاه ورحمه الله، فهو الذي يقول: ما فاتتني تكبيرة الإحرام في الجماعة ستين سنة، لكنه كان صاحب دعابة كـ الشعبي.

    يقول: صاحب هذا الدار وأومأ بيده إلى دار عبد الله، ربما كان يتحدث في داره، وربما يتحدث في المسجد، وكان إذا قام يتحدث أخذ العصا واهتز هو والعصا سيان، فقالوا له: مالك؟ قال: أتدرون عمن أتحدث؟! أتحدث عن الرسول عليه الصلاة والسلام، وقام يتحدث في مسجد الكوفة؛ فرأى حية وهو يخطب الناس قد دخلت المسجد؛ فهاب الناس منها، وكان من أصغر الناس جسماً، ربما كان أصغر الحضور جميعاً، فانطلق من بين الصفوف وأخذ يضربها حتى قتلها.

    وهو في أثناء طريقه سمع رجلاً يقول: يا ابن مسعود! من أين تأتي بهذه الأحاديث؟ فاقترب منه؛ فشم منه رائحة الخمر، فقال: [[أتكذب بالكتاب وتشرب الخمر؟! والله لا تفارق المسجد حتى أجلدك ثمانين]] فجلده في طريقه، قالوا: فقتل حية، وجلد مجرماً، وعاد يخطب، كان نحيل البنية، لكن بين جنبيه قلب كبير.

    ألا لا أحب السير إلا مصعداً      ولا البرق إلا أن يكون يمانيا

    قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم، والعقلاء أسئلتهم مفهومة، أما سؤال البلهاء فلا يعرف، ولذلك كانت أسئلة الناس عند الرسول صلى الله عليه وسلم تعلم بعقل الرجل، دل على اختصاصك بالعقل سؤالك للعاقل أو للعالم، قال أنس في صحيح البخاري: [[كان يعجبنا الرجل اللبيب أن يأتي من البادية فيسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نسمع، فيخبره عليه الصلاة والسلام ونحن نسمع]] قال: اللبيب العاقل؛ لأنه يوجد رجلٌ لا يجيد الأسئلة فلا يستفيد الناس منها.

    ولذلك كان من أجود الناس سؤالاً ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، قال: (سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله عز وجل) وهذا ليس مثل سؤال الأعراب، فإن أحدهم يأتي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فيربط ناقته في الوادي ويقول: (أين ناقتي يا رسول الله؟) والثاني يقول: (أفي الجنة ثريدٌ يا رسول الله؟) أي: لحم بخبز، والثالث يقول: (يا رسول الله! أيزرع هذا الزرع والنخل في الجنة؟ قال: نعم. فيها ما تشتهي الأنفس، قال: إذاً هذا يعجب الأنصار) لأن الأنصار أهل نخل، لكن هذه الأسئلة ما كانت ترد على علماء الصحابة ومنهم ابن مسعود.

    1.   

    الكلام عن حديث: ( أي الأعمال أحب إلى الله )

    قال: (سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله عز وجل؟ قال: الصلاة على وقتها، قال: ثم أيُّ -هذه تضبط عند النحاة بأيٌ بالتنوين، وتضبط بأي ويوقف على حركة الرفع- ثم أيُّ؟ قال: ثم بر الوالدين، قال: ثم أيُّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: حدثني بهن ولو استزدته لزادني).

    أولاً: لماذا لم يورد الزكاة والصيام والحج؟ هذا سؤال.

    والسؤال الثاني: لماذا لم يستزده ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه؟

    والسؤال الثالث: لماذا أتى ببر الوالدين قبل الجهاد، وذاك نفعه متعدٍ لصالح الإسلام، وهذا نفعٌ خاصٌ للوالدين؟ ولو أنه متعدٍ لكان تعدياً نسبياً إضافياً.

    أما لماذا لم يذكر الزكاة والصيام والحج، فإنه ذكر الأعمال المعتادة التي تلازم العبد دائماً وأبداً، فذكر عليه الصلاة والسلام هذه الأمور التي هي الأحب إلى الله، ولا يقتضي الأحب إلى الله أنه أعظم أو أجل شأناً، هذا جواب.

    قال عليه الصلاة والسلام: (الصلاة على وقتها) وفي لفظ في الترمذي والحاكم بسند صحيح: (الصلاة على أول وقتها) فأنت إذا لم تأت بها في أول وقتها فقد تنازلت في الدرجات حتى تصل إلى مسألة القضاء فقط، أو أداء بتأخر.

    أما الحديث الذي عند الدارقطني (أول الوقت رضوان الله، وأوسط الوقت رحمة الله، وآخر الوقت غفران الله) فهذا الحديث لا يصح، فيه يعقوب بن الوليد، قال الإمام أحمد: يعقوب بن الوليد جبل من جبال الكذب، وقال علي بن المديني: أحد الكذابين الكبار، فهذا الحديث لا يصح، ولو أن ابن حجر رحمه الله تساهل وغض طرفه، ولو أنه حافظ الدنيا لكنه أورده في بلوغ المرام، فليتنبه له.

    شرح الأدب الأول: الصلاة على وقتها

    قال: {الصلاة على وقتها} وهذا في الصحيح، لكن هناك: {في أول وقتها} إلا في مسائل استثناها الأئمة بأحاديث، منها شدة الحر في صلاة الظهر؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم، وفي الصحيح عن أبي ذر قال: {خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأُذن لصلاة الظهر، فقال عليه الصلاة والسلام: أبرد أبرد، فقام يؤذن، قال: أبرد أبرد، فقام يؤذن، قال: أبرد فإن شدة الحر من فيح جهنم}.

    وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {إن الله أذن لجهنم بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، ففي الصيف هو أشد ما تجدون من فيح جهنم -أي: الحرارة- ومن الزمهرير أشد ما تجدون في الشتاء} أعاذنا الله وإياكم من جهنم.

    فصلاة الظهر تؤخر عن وقتها لشدة الحر، لكن استثنوا منها صورتين: وجود الغمام ولو في شدة الحر فتصلى، وإذا كان كما قال الشافعي: المصلون ذو ظل لا يكلفهم الذهاب والإياب، أي: كانوا في بيت أو في حديقة أو في غابة؛ فلهم أن يصلوا ولو في أول الوقت، وهذا إن شاء الله جيد؛ لأن العلة وجود الحر ومشقة الناس.

    ومما تتأخر عن وقتها كذلك وهو أفضل، صلاة العشاء، إذا وجدت الجماعة يتأخرون معك لأحاديث كثيرة، منها: حديث عائشة في الصحيح حتى خرج صلى الله عليه وسلم على الناس وقد تأخروا في صلاة العشاء، فقال: {أما إنه لا ينتظرها أحدٌ من أهل الدنيا إلا أنتم} وقال: {وإنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي} عليه الصلاة والسلام.

    وفي حديث عمر لما نام النساء والصبيان، فقالوا: يا رسول الله! نام النساء والصبيان، فخرج صلى الله عليه وسلم، وقد ابهار الليل، فهذان وقتان فليعلم ذلك.

    قال: {الصلاة على وقتها} أو {في أول وقتها} وإذا أخرت الصلاة عن الوقت ورأيت الإنسان أو المسلم يؤخر الصلاة عن الوقت؛ فاعلم أن في قلبه دخن، وفي نفسه مرض، إلا من عذر عاذر.

    قال المؤرخون: سبب سقوط دولة بني أمية أن الخلفاء كانوا يؤخرون الصلاة. فهذه دولة عظيمة ضربت أطنابها في الأرض، وامتدت إلى جبل طارق، وإلى نهر السند، وإلى طاشقند، وإلى جنوب أفريقيا، سبب تزعزعها وسقوطها تأخر الصلاة، فكانوا يؤخرونها إلا عمر بن عبد العزيز، دخل عليه عروة بن الزبير، قال: حدثني فلان، عن أبي مسعود البدري {أنه صلى جبريل بالرسول صلى الله عليه وسلم في أول الوقت، ثم صلى به اليوم الثاني في آخر الوقت} الحديث.

    وهو أول حديث في كتاب المواقيت في صحيح البخاري، فقام عمر بن عبد العزيز؛ فقدم الصلاة رضي الله عنه وأرضاه، ودخل أنس دمشق، وهذه رواية الزهري، قال: [[رأيت أنساً دخل دمشق؛ فصلى مع الناس، ثم خرج يبكي، وقد وضع عمامته على وجهه، قال: والله! لقد أنكرت كل شيء مما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة]] قال الزهري: وهذه الصلاة، ألستم صنعتم فيها ما صنعتم؟ أما أخرتم صلاة العصر حتى تدنو الشمس من المغيب؟

    والرسول عليه الصلاة والسلام في حديث حسن، قال: {تلك صلاة المنافق} أي: صلاة العصر التي يؤخرها حتى تأذن الشمس بالمغيب، ثم يقوم ينقر أربع ركعات لا يذكر الله إلا قليلاً، تأخير الصلاة عن وقتها سواء كنت في عمل، أو وظيفة، أو مكتب، أو فصل دراسي، ممنوع، إذا سُمع داعي الله عز وجل فلو تغيرت الدنيا وفلكها ومجرتها، ولو أتت الشمس من الغرب، لا بد من أمر الله!

    الرسول عليه الصلاة والسلام كان يستقبل الوفود، وكان يجلس مع الناس؛ فإذا سمع الله أكبر قام وفض اجتماعه عليه الصلاة والسلام، كان يتكلم مع أهله فإذا سمع الله أكبر أسقط ما بيده، كان يقطع معهن اللحم، وكان ربما صلى الله عليه وسلم يقوم على الخدمة فإذا سمع الله أكبر قام يقول: {أرحنا بها يا بلال} وهي إراحة الهموم والغموم والأحزان والأوصاب.

    فقل لـ بلال العزم من قلب صادق     أرحنا بها إن كنت حقاً مصليا

    توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً     به ترقَ أبواب الجنان الثمانيا

    شرح الأدب الثاني: بر الوالدين

    قال: {ثم أيٌ؟ قال: ثم بر الوالدين} وإنما قدم بر الوالدين على الجهاد لسببين:

    السبب الأول: أن الجهاد يتوقف على إذن الوالدين، فإذا لم يأذن الوالدان فلا جهاد، فلا بد لمن أراد أن يجاهد أن يستأذن والديه، إلا إذا كان الجهاد فرض عين ويكون كذلك في مسائل، أما إذا كان فرض كفاية فلا بد من إذن الوالدين؛ فإن لم يأذنا فلا جهاد، فمن أعظم الأعمال القيام على خدمة الوالدين كما نص الحديث هذا وغيره, كحديث النسائي بسند صحيح، جاء رجلٌ من أهل اليمن، فقال: {يا رسول الله! أريد الجهاد، قال: أمن والديك أحدٌ حي؟ قال: أمي، قال: الزم رجلها فإن الجنة عند رجلها} هذا لفظ النسائي، فلا جهاد إلا بإذن الوالدين في فرض الكفاية.

    والسبب الثاني: أن بر الوالدين أعظم؛ لأن إعطاء الحق جهدٌ ومشقة، فهم أعطوك حقاً فلا حق لمن بر والديه، فلا يتمنن على والديه، ويقول: أنا فعلت وصنعت وأتيت وذهبت، فو الله! ما فعل شيئاً إلا رد الحق، رأى ابن عمر رجلاً يطوف بأمه في حرارة الشمس على ظهره وهو يزفر، قال: [[يا بن عمر! أأديت حقها؟ قال: لا والله ولا بزفرة من زفراتها]].

    قال: {ثم أيُّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله} الجهاد في سبيل الله على درجات، أعظمها أن يخرج المسلم بجواده -إذا كان له جواد- فيهراق دمه ويعقر جواده ويذهب ماله، هذا الجهاد في سبيل الله، وهو يختلف إذا كان فرض عين فهو أعظم، وفرض الكفاية يليه في المرتبة، قال: {حدثني بهن ولو استزدته لزادني} وفي لفظ: {ما تركته إلا إبقاء عليه} أي: خوفاً عليه صلى الله عليه وسلم من كثرة الحديث والمشقة، انظروا إلى لطف التلميذ بشيخه، وانظروا إلى تقدير الصحابة للمعلم عليه الصلاة والسلام، ما زاده على ثلاثة أسئلة، وهذا من عقل ابن مسعود رضي الله عنه؛ لأن الأسئلة تنتهي في العادة إلى ثلاثة، والضربات إلى ثلاث، والكلام إلى ثلاث.

    1.   

    بيان من هو أحق الناس بحسن الصحبة

    ثم قال البخاري رحمه الله تعالى: باب من أحق الناس بحسن الصحبة؟ يتساءل من هو أقرب الناس وأحقهم بصداقتك وصحبتك وخلقك ودينك وبرك؟ قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، وهؤلاء الرجال أعلام.

    من تلقَ منهم تقل لاقيت سيدهم     مثل النجوم التي يسري بها الساري

    قال: حدثنا جرير، عن عمار بن القعقاع بن شبرمة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قال: جاء رجل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك).

    في هذا الحديث قضايا:

    أولها: أيهما يقدم في البر الوالد أو الوالدة، وهذا معترك بين العلماء وفيه ما يقارب أربعة أقوال:

    منهم من قال: الوالد يقدم في الأوامر، وأما اللطف والبر؛ فتقدم الوالدة.

    ومنهم من قال: يقدم الوالد في أمور مثل الحضانة والوصاية والرعاية، ولكن الصحيح الذي دلت عليه النصوص أن الوالدة تقدم، وأن لها ثلاثة أرباع الحق، وللوالد ربع.

    وبعضهم قال: لها ثلثان وللوالد ثلث واحد، على الأحاديث إن كان تكرر أمك أمك أمك ثلاثاً فلها ثلاثة أرباع، وإن كان مرتين فلها الثلثان وله الثلث والثلث كثير، هذا للوالد وللأم.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم قدم الأم ثلاث مرات.ثم تساءل العلماء مثلما ذكر ابن حجر، عن مسألة إذا كانت الوالدة قليلة دين، وهذا مبحث آخر، أو ناقصة تدبير، قالوا: فالرشد للوالد، لكنه يرعاها ويؤدي إليها حقها، أما الأمر للوالد، ولا خلاف بين أهل العلم على أنه إذا كان الأب مسلماً والأم كافرة -والعياذ بالله- فأن الذي يطاع ويقدم هو الأب.

    في سنن أبي داود أن رجلاً أتى بابنه وقال: (يا رسول الله! أسلمت وهذا ابني يريد أمه، فدعا صلى الله عليه وسلم بأمه وهي كافرة، فقال للابن: اذهب إلى أي أبويك شئت -إلى أبيك أو إلى أمك- فأدركه الحنان فذهب إلى أمه، فقال عليه الصلاة والسلام: اللهم اهده) فقبل أن يصل إلى أمه رجع إلى أبيه، فهذه دعوة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

    وأما مسائل الحضانة فسوف تأتي في باب مستقل، ومسائل الوصاية أمر آخر، لكن الأم تقدم بالرعاية والحق، فلها ثلاثة أرباع الحق:

    قالوا: للحمل، وللولادة، وللرعاية، وللضعف، فإنها حملته وأرضعته ورعته وقامت عليه، ثم هي من أضعف الناس له، أي: من أضعف الناس لا تقوم، فحق على المسلم أن يكون ثلاثة أرباع الحق للوالدة وربعٌ واحد للوالد؛ لأن الوالد قيم؛ ولأنه قوي الإرادة؛ ولأنه ما تكلف الحمل ولا الوضع رضي الله عن سلفنا الصالح وجعلنا من المرضيين معهم، هذه مسائل هذا الحديث وليس فيها إطالة وهو شبه إرداف للحديث الذي قبله.

    1.   

    شرح باب: لا يجاهد إلا بإذن الوالدين

    ثم قال البخاري: باب لا يجاهد إلا بإذن الوالدين، هذه فتوى من الإمام البخاري؛ لأن أبوابه فتيا، يفتي الناس يقول: لا يجاهد إلا بإذن الأبوين.

    ترجمة رجال سند حديث: (إن الله كره لكم قيل وقال)

    حدثنا مسدد شيخ البخاري اسمه مسدد بن مسرهد بن عرندل بن صرندل بن مغردل بن مشردل، ذكره الذهبي وقال: السند في رواية بقية الاسم ضعيف، قال الفضل بن دكين أحد تلاميذه: هذه رقية العقرب. أي: الاسم هذا رقية عقرب، يكفي فقط أن تقول: بسم الله، ثم ترتقي بهذا الاسم لتذهب حمة العقرب، وهذا مزاح، قال: حدثنا يحيى، الراجح أنه يحيى بن سعيد القطان.

    قال الإمام أحمد: لو أن أحداً يلزم نفسه من خشية الله للزمها يحيى بن سعيد، تلي عليه القرآن وهو على بيته فغشي عليه حتى سقط على خشب في الأرض، وكان إذا تلي عليه القرآن يقول زملاؤه للتالي: لا تتلُ حتى ننـزله على الأرض، فكان ربما يغشى عليه الساعات الطوال، وكان من أعبد الناس وأزهد هم، قال الإمام أحمد: رأيت الناس فما أقدم أجلَّ من يحيى بن سعيد القطان.

    عن سفيان، وسفيان هذا هو الثوري، أبو سعيد، وقيل: أبو عبد الله من أجل الناس، يقول ابن الجوزي في صيد الخاطر: ثلاثة من العلماء بعد الصحابة لا يسكن قلبي إلى مثلهم أبداً، الحسن البصري وسفيان الثوري، والإمام أحمد.

    وقال الإمام أحمد: لا يحل قلبي بعد الصحابة والتابعين مثل سفيان الثوري.

    هذا سفيان الثوري بلغ منـزلة عظيمة في العبادة والعلم والزهد، وكان من أقوى الناس قولاً بالحق، وكان يتقي الله عز وجل، كان إذا أظلم عليه الليل توضأ وأخذ حذاءه وصعد الجبال يصلي حتى صلاة الفجر.

    وذكر عنه صاحب حلية الأولياء أنه نزل في منى مسافراً إلى مكة؛ فأدركته صلاة العشاء؛ فصلى ومعه زملاؤه، فلما ناموا توضأ وأخذ حذاءه يصعد الجبال فصلى حتى اقترب الفجر، فسقط؛ فجرحت إصبعه، فأخذ يربط عليه، ويقول: يا دنيا يا دنية تباً لكِ.

    حج مع الناس، فلما حج رأى موكب أبي جعفر المنصور، وقد دخل في عرفات ومعه حرسه وأمراء بني العباس ووزراؤهم وأغنياؤهم، فالتفت إلى السماء فقال: لقد خذلتُ العلم اليوم إذا لم آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر.

    فأخذ حذاءه ودخل على أبي جعفر المنصور، فقال: يا أبا جعفر! اتقِ الله في يوم لا يتقى فيه إلا الله، قال: وماذا فعلت؟ قال: جمعت الناس، وبذرت الأموال، وأخذت المواقع على المسلمين، قال أبو جعفر وكان من أقويا الدنيا وجبابرة العالم: أتريد أن أكون مثلك؟ قال: لا تكن مثلي ولا تكن مثلك، كن أقل مما تكون عليه، حج عمر بن الخطاب فما خسر في حجه إلا عشرين درهماً.

    ثم خرج، فلما أظلم الليل أخذ ينام في مزدلفة، فيجمع تراباً لتكون مخدةً له، وقال: والله الذي لا إله إلا هو إن هذا العيش أحب إليّ من عيش أبي جعفر المنصور، لما أدركته الوفاة قام ستين مرة يتوضأ في الليل؛ لأنه أصيب بالدم، وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء عرض ماؤه على الأطباء، فقالوا: هذا رجل لا يعيش طويلاً، فتّت الحزن كبده، من كثرة مخافة الله عز وجل.

    ذكر عنه بعض زملاؤه، أنه نام عند رجل؛ فأخذ يتقلب في فراشه فلما قرب الفجر قام، فقال له هذا المضيف: ما رأيناك نمت، قال: كلما نمت تذكرت أن الله على العرش بارزٌ يحاسب الناس.

    في السير أنه ذهب إلى عبد الرزاق بن همام الصنعاني في اليمن، فلما تعشى عنده قام وشد وسطه وصلى إلى صلاة الفجر، أخذ مطهرة من المطاهر ليتوضأ بها ليوتر بعد صلاة العشاء فتذكر إذا زلزلت الأرض زلزالها، فأخذ المطهرة بيده، وهو واقف يقرأ: إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا [الزلزلة:1] ويبكي حتى طلع الفجر وأذن للفجر وما أوتر.

    كان من أخوف الناس لله عز وجل، حتى قال الناس: رأينا من خاف وسمعنا عمن خاف, أما سفيان الثوري فلم نرَ أخوف منه، رضي الله عنه وأرضاه.

    ذكر عنه المترجمون: أنه رئي في المنام، قالوا: وما فعل الله بك؟ قال: رزقني -هذه عهدة على النقلة- جناحين أطير بهما في الجنة حيث أشاء.

    وكلمني ربي كفاحاً وقال لي      هنيئاً لك الخيرات يا بن سعيد

    هذه من الأبيات التي حفظت عنه، ومن شاء فليعد إلى المصادر.

    وكلمني ربي كفاحاً وقال لي     هنيئاً لك الخيرات يا بن سعيد

    فقد كنت قواماً إذا أظلم الدجا     بعبرة مشتاق وقلب عميد

    تزوج زوجة واحدة وله منها ولد، وكان لا يحب كثرة الذرية، قال: يشغلونني عن العبادة، فأراد الله أن يجبر قلبه، وأن يعلي حظه، فارتفع ابنه على جدار الدار في عسقلان في فلسطين؛ فسقط؛ فإذا هو ميت، فأخذ يتبسم ويحضنه بين يديه، وقال: الحمد لله الذي سرني بك مولوداً، ولم يكدرني بك فاجراً، ثم دفنه، وماتت امرأته، ثم عاد من كل شيء، حتى يوم توفي وجدت حذاؤه وثيابه فكفن في ثيابه.

    بنفسي ذاك الشخص ما أحسن الربى     وما أحسن المصطاف والمتربعا

    قالا: حدثنا حبيب، وحدثنا محمد بن كثير، ثم ساق الحديث إلى ابن عمر، قال رجلٌ للنبي صلى الله عليه وسلم: {أجاهد؟ قال: لك أبوان؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد} قيل: إن هذا الرجل هو الذي أتى ووالده وأمه يبكيان عليه، فأراد أن يتمدح أمام الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: {يا رسول الله! والله ما أتيتك إلا وأبي وأمي يبكيان، قال: عد إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما}.

    وعند الطبراني كما أورد ذلك صاحب الكشاف وغيره، أن رجلاً أتى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: {يا رسول الله! عقني ابني، قال: كيف؟ قال: ربيته، أسهر لينام، وأجوع ليشبع، وأظمأ ليروى، فلما شب وترعرع لوى يدي وتغمط حقي وترك خدمتي، فدمعت عيناه صلى الله عليه وسلم، قال: أقلت في ذلك شعراً؟ قال: نعم. قال: ماذا قلت؟ قال: قلتُ:

    غدوتك مولوداً وعلتك يافعاً     تعل بما أجري عليك وتنهل

    إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت     لسقمك إلا شاكياً أتململ

    كأني أنا الملدوغ دونك بالذي     لدغتَ به دوني فعيناي تهمل

    فلما بلغت السن والغاية التي     إليها مدى ما فيك كنت أؤمل

    جعلت جزائي غلظة وفظاظة     كأنك أنت المنعم المتفضل

    فليتك إذا لم ترعَ حق أبوتي     فعلت كما الجار المجاور يفعل

    فأخذ صلى الله عليه وسلم الابن بتلابيب ثوبه، وقال: أنت ومالك لأبيك} زاد صاحب الكشاف، فنزل جبريل، قال: فبكت الملائكة لبكاء هذا الرجل يا رسول الله! والعهدة على من نقله، وفي الزيادة نظر.

    1.   

    حديثٌ في النهي عن تسبب الرجل في سب والديه

    ثم قال البخاري رحمه الله: باب لا يسب الرجل والديه، قال يسوق السند: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد.

    إبراهيم بن سعد هذا من ذرية عبد الرحمن بن عوف الزهري رضي الله عنه وأرضاه، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وقد رآه الإمام أحمد، وما كان الإمام أحمد يقوم لأحد، يأتيه كبار بني العباس؛ فلا يقوم، فلما أتاه هذا قام، قال له الناس: مالك يا أبا عبد الله قمت؟ قال: ألا أقوم لابن عبد الرحمن بن عوف.

    عن حميد بن عبد الرحمن -هذا جده- عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه؟ قيل: يا رسول الله! وكيف يلعن الرجل والديه؟! قال: يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه).

    وهذا يسمى التسبب، أن تتسبب في جريمة: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام:108] وهذا من قلة فقه الرجل أن يتسبب بإنكار منكر، أو بشيء من الإنكار إلى منكر أعظم، ولذلك قالوا: ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف، ونهيك عن المنكر بلا منكر، فإن بعض الناس يأمر بالمعروف فيكون أمره بالمعروف منكراً، وينهى عن المنكر بطريق المنكر، فبعض الناس ربما يصل به الإنكار إلى سب الوالدين، فيصل هذا إلى أن يعيد السب إلى والديه، فهذا من أكبر الكبائر.

    كأن يأتي إنسان إلى الكفرة الذين يعبدون الأصنام، فيسب أصنامهم؛ فيسبون الله؛ لأنه منهي عنه بنص القرآن، ومثل ذلك من يسب آباء الناس وأمهاتهم، وهذا من قلة العقل والفحش -نعوذ بالله من ذلك- والمجون، وما لك وما للوالدين؟ إما أن تسب من سبك وإلا فالعفو فهو أحسن.

    تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر وبيان معنى كل منها

    من تسبب في سب أو لعن والديه؛ فقد ارتكب إحدى الكبائر، نعوذ بالله من ذلك: { إن من أكبر الكبائر} فيه دليل عند أهل السنة والجماعة على أن الذنوب صغائر وكبائر، والسؤال: ما هي الكبائر؟ وما هي الصغائر؟ أو ما هو تعريف الكبائر؟ وما هو تعريف الصغائر؟ أو هل هناك كبائر؟ وهل هناك صغائر؟

    الجواب: فيه ستة أقوال لأهل العلم من السلف الصالح، وفيه قولٌ للأشاعرة، وقولٌ للأحناف من الفقهاء، وقولٌ للمحدثين، قيل: لا كبيرة ولا صغيرة، بل كل الذنوب كبائر، ونقل هذا القول عن ابن عباس بسند صحيح أنه قال: [[كلها كبائر، والكبائر تصل إلى سبعمائة]] وقال: [[هي للسبعمائة أقرب]] وفي لفظ أنها إلى السبعين أقرب، فهل يوافق على هذا القول، وأين قول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31] أليس فيه كبائر؟ وقوله صلى الله عليه وسلم: {ألا أخبركم بأكبر الكبائر، قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الإشراك بالله... الحديث}.

    إذاً ما هو الحد الفيصل بين الكبائر والصغائر؟ قيل الكبائر هي: ما استهان بها الشخص، نعوذ بالله من ذلك، والاستهانة بالمعصية معصية أخرى، فبعض الناس يعصي بلا مبالاة، ولذلك تكبر المعصية بسبب ما يصاحبها من قرائن وسياقات، كأن يترك الصلاة أو يتهاون ويؤخر الصلاة شخصان، تقول لهذا: لماذا أخرت الصلاة؟ فيحمر وجهه، ويقول: أستغفر الله وأتوب إليه، وتقول لهذا: لماذا أخرت الصلاة؟ فيقول: وماذا حدث؟ هل قامت الحرب العالمية الثالثة؟! هل انطبقت السماء على الأرض؟! كلها صلاة، هذا الوقت وقت، وهذا الوقت وقت، فهذا يحمل كبيرة، وذاك قد يغفر له.

    ولذلك ذكر ابن تيمية أن مما يكبر المعاصي الأحوال والأجناس، وذكره قوله صلى الله عليه وسلم: {ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم، قيل: من هم -يا رسول الله- خابوا وخسروا. قال: عائل مستكبر} فقير ويتكبر، لماذا؟ لقلة الداعي، لماذا يتكبر وهو فقير؟! لو قالوا: غني كان أيسر، ولو كان عنده تجارة بسيطة فإنه لا يعذر لكنه أخف، أما فقير ليس عند شيء ويتكبر! فهذا يسمى حشف وسوء كيلة.. أعمى مكابر، قال: {وأشيمط زانٍ} شيخ -نعوذ بالله من ذلك- شاب رأسه وشابت لحيته ويزني! لو كان شاباً ما كان معذوراً، لكن ربما كان جموح الشباب موجوداً، لكن شيخ ويزني: {وملكٌ كذاب} فالملك ليس بحاجة إلى أن يكذب!

    فهؤلاء الثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، لماذا؟ لقلة الداعي عندهم.

    والقول الراجح إن شاء الله: أن الكبائر ما توعد الله عليها بعذاب في الآخرة، أو بلعنة في الدنيا أو بحد من الحدود، فهذه كبائر، وعد صلى الله عليه وسلم من الكبائر سبعاً: {عقوق الوالدين، والسحر، وقتل النفس، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات} سبع عدها صلى الله عليه وسلم، وفي الأحاديث الأخرى أنها تزيد عن السبع، وربما لو جمعت الأحاديث لبلغت عشرين أو أكثر، ومنهم من قال سبعة وسبعين.

    إذاً: الكبيرة هي ما توعد الله عليه بلعنة في الدنيا، نعوذ بالله من لعنة الله، أو بعذاب في الآخرة، أو بحد من الحدود، والصغائر هي ما سوى ذلك، ولكن الصغيرة تختلف، فمن الغيبة ما تكون كبيرة الكبيرة، ومنها ما تكون كبيرة فحسب، قالوا: الغيبة بقذف، والغيبة بلا قذف، وأما الغيبة للحاجة فقد رخص فيها بعض أهل العلم، وفيها رسائل, وكلام للنووي، ورسالة للشوكاني اسمها رفع الريبة في من تجوز فيه الغيبة، وهذا حديث البخاري الذي فيه لا يسب الرجل والديه، وهذا يسمى عند المحدثين أو عند الفقهاء من التخلية قبل التحلية.

    بعض الآداب في مخاطبة الوالد والقيام له

    يبدأ الآن يقول: الأمور التي لا ينبغي أن يعامل الوالدين بها، فهذا يخلي، ثم أتى بالتحلية: ما يجب من البر؟ قالوا: من بر الوالدين أن تدعوه بكنيته، أن تقول: يا أبا فلان، ولو كنت أنت ولده، وإما أن تقول: يا أبي، يا والدي، يا أبا محمد، يا أبا علي.

    وكان سالم بن عبد الله ينادي أباه كما في الأدب المفرد يا أبا عبد الرحمن! وهذه كنية.

    أكْنيه حين أناديه لأكرمه     ولا ألقبه والسوءة اللقب

    كذاك أدبت حتى صار من خلقي     إني وجدت ملاك الشيمة الأدب

    فالكنية واردة، ومنها يقولون: أن إذا نزل أن تأخذ بركابه، لكن الآن ألا تركب في السيارة حتى يركب، وأنت تتحرى حتى يركب، وإذا دخل البيت تنتظر حتى يدخل، وإذا دخلت معه تنتظر حتى يجلس، وإذا جاء أن تقوم له وتتلقاه عند الباب بالترحاب وبالمعانقة، ومن حقوقه أيضاً أن تدعو له بظهر الغيب، وأن تستغفر له، وأن تعلن خدمته دائماً وأبداً، وألا تتعكر أو لا تتكدر مما يكلفك به إذا كان في طاعة الله عز وجل، وهذا يسمى قيام الولد للوالد.

    وبالمناسبة لا بأس بقيام الولد للوالد، ففي الصحيح أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يزور فاطمة فإذا جاءها ودخل بيتها قامت إليه وقبلته وأجلسته مكانها، فإذا زارته قام إليها وقبلها وأجلسها مكانه، انظر إلى لطفه عليه الصلاة والسلام.

    وكان أحد العلماء جالساً؛ فدخل عالم آخر؛ فقام العالم ليستقبل ذاك، قال: لا تقم -ينهاه عن القيام- قال العالم:

    قيامي والإله إليك حق     وترك الحق ما لا يستقيم

    وهل رجلٌ له لب وعقل     يراك تجي إليه ولا يقوم

    ولذلك القيام ثلاثة أقسام: قيام إليه، وقيام له، وقيام عليه، فالقيام عليه: منهي عنه، وهو أن يجلس رجل فيقوم عليه الناس على رأسه، فهذا يقول فيه عليه الصلاة والسلام: {كدتم أن تفعلوا كما فعل أهل فارس بملوكهم يقومون على رءوسهم} وقيام له: أن إذا دخل زائر تقوم له ولا بأس بذلك في وقت الحاجة، كأن يكون عالماً أو وجيهاً أو كبير سنٍّ، أما إذا كان يعذرك كأن يكون زميلاً أو ابناً أو أخاً، فلا بأس بعدم القيام.

    وقيام إليه: قيام لتتلقاه عند الباب كأن يكون ضيفاً فلا بأس به، قال عليه الصلاة والسلام للأنصار لما أتى سعد بن معاذ: {قوموا إلي سيدكم} وزادوا: فأنزلوه، فمن العلماء من قال: العلة أنهم ينزلونه، ومنهم من قال: لا. القيام من أجل احترامه وتقديره، لما قال عليه الصلاة والسلام: {قوموا إلى سيدكم}.

    و سعد بن معاذ يحق له أن يقال له سيد، فهو من السادات الكبار في الإسلام، توفي وعمره اثنتان وثلاثون سنة، وفي رواية سبعٌ وثلاثون سنة، ولما توفي بآثار الجرح، قال كما قال الذهبي في أعلام النبلاء، قال: فبكى أبو بكر وقال: " واكسر ظهراه عليك يا سعد! واكسر ظهراه عليك يا سعد! واكسر ظهراه عليك يا سعد! ".

    لعمرك ما الرزية فقد مال     ولا شاة تموت ولا بعير

    ولكن الرزية موت شهم     يموت بموته بشر كثير

    سعد الذي اهتز له عرش الرحمن، حتى قال بعض العلماء: اقتربت رواية اهتزاز العرش من درجة التواتر.

    ثم قال البخاري: باب إجابة دعاء من بر والديه، نحن نتخطى هذا الحديث؛ لأنه ورد قبل خمسة دروس، وهو في الثلاثة الذين دخلوا الغار فانطبقت عليهم الصخرة ونأتي إلى الحديث الذي يليه؛ لأن البخاري يكرر الحديث، كرر حديثاً واحداً سبعاً وثلاثين مرة.

    يقول أبو الحسن الندوي، العالم الهندي، الداعية الكبير، قال: وللبخاري إشراقات في تكرير أحاديثه؛ فكأنه يفتح جبهة في الرد على الخصوم، أو يروق معنى من المعاني، فهو كما قال الأول:

    يزيدك وجهه حسناً     إذا ما زدته نظرا

    كرر العلم يا كريم المحيا     وتدبره فالمكرر أحلى

    قالوا تكرر قلت أحلى     علمٌ من الأرواح أغلى

    فإذا ذكرت محمداً     قال الملا أهلاً وسهلا

    فهو لا يكرر إلا الميراث والبضاعة؛ لترسخ في القلوب، ويتعلمها ويتفقهها من لا يتفقهها.

    1.   

    شرح باب: عقوق الوالدين من الكبائر

    قال: باب عقوق الوالدين من الكبائر، قاله ابن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم، وعن المغيرة بن شعبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنعاً وهات، ووأد البنات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) هل سمعتم أجمل من هذا الكلام بعد القرآن؟ من يستطيع أن يصوغ مثل هذا الكلام؟

    ما بنى جملة من اللفظ إلا     وابتنى اللفظ أمة من عفاء

    يقول عليه الصلاة والسلام: (أوتيت جوامع الكلم) أي: اختصر لي الكلام اختصاراً. (إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات) على التاء: (ومنعاً وهات، وأود البنات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال).

    تحريم عقوق الأمهات

    في الحديث قضايا: {إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات} شاهد البخاري من الترجمة من الباب أن من الكبائر عقوق الأمهات، ولماذا قال: الأمهات، ولم يقل: الآباء؟ لسببين:

    قيل: لمراعاة اللفظ ومراعاة السجعة؛ لأنه لو قال: إن الله حرم عليكم عقوق الوالدين لما استقامت مع التاء، ولو قال: عقوق الآباء لما استقامت، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يقيم الكلام حتى يحفظ، وهو صلى الله عليه وسلم يسجع بلا تكلف.

    وقيل: لعظم حقوق الأمهات فمن عقها فقد عق والده، نسأل الله العافية.

    وقيل: للتغليب، فأن الأمهات هنا يدخل فيها الآباء بالتغليب.

    يقول أهل البلاغة، أو أهل الأدب: القمران، ويدخل فيها الشمس والقمر، والعمران: أبو بكر وعمر، فهذا من باب التغليب، وتقول العرب: الليلان والنهاران، لليل والنهار، تقول الخنساء:

    إن الجديدين في طور اختلافهما     لا يفسدان ولكن يفسد الناس

    وروي البيت:-

    إن النهارين في طور اختلافهما     لا يفسدان ولكن يفسد الناس

    إذاً فعلى التغليب.

    معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (منعاً وهات)

    قال: { ومنعاً وهات} ما معنى منعاً؟ وما معنى هات؟ وفيها مسائل، منعاً، قال العلماء: أن تمنع ما عليك من الحقوق، أو أن تمنع حقوق السائل إذا سألك، لا تقل: لا. نستغفر الله من " لا " ما أصعب " لا "! فـ " لا "، أحسن شيء وأقبح شيء، فـ " لا " أحسن شيء في لا إله إلا الله، وأقبح شيء عند الطلب، يقول الفرزدق وهو يمدح زين العابدين بن الحسين بن علي:

    ما قال "لا" قط إلا في تشهده     لولا التشهد كانت لاؤه نعم

    يقول: لا يعرف "لا".

    وفي مسند أحمد أن رجلاً جاء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال: {يا رسول الله! أعطني مما أعطاك الله، قال: لا وأستغفر الله} أستغفر الله من " لا "؛ لأنها صعبة.

    وإذا قلت في شيء نعم فأتمه     فإن نعم دينٌ على الحر واجب

    فأما " لا "؛ فإنها مستقبحة إلا في مواطن فهي من أفضل ما يكون، إذا قلت: لا إله إلا الله.

    قال: {ومنعاً وهات} منعاً هنا، أن تمنع ما أوجب عليك من الحقوق أو سألك سائل، ولذلك أمر الإنسان باللطف عند المسألة، إذا سألك سائل أن تقول: إن شاء الله يأتينا خير، أو تعال غداً، أو إذا فتح الله، أو رزقك الله، أما لا فهي صعبة، لقوله تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً [الإسراء:29] ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً * وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً [الإسراء:27-28].

    قال أهل التفسير: هي أن تقول للسائل إذا سألك: يأتي الله بالخير، إن شاء الله، أبشر، أما " لا " فهي صعبة على النفوس.

    قال عليه الصلاة والسلام: {ومنعاً وهات} معنى هات هنا: السؤال بلا حاجة، قيل: هو أن يسأل من الزكاة من لا يستحقها فهذا مذموم، وهذا يقع عليه شيء من الإثم والعقاب، وقيل: هو الذي يسأل وعنده ما يغنيه، فالذي سأل وعنده ما يغنيه لا يحق له أن يقول: هات، وقيل: هو الذي يسأل وهو يستطيع العمل، ذو مِرَّةٍ قوي، صحيح البنية، يستطيع أن يكد وأن يعمل، ويقول: هات، فليس له حق.

    وأد البنات عند العرب وتحريمه في الإسلام

    {ووأد البنات} وأد البنات: قتلهن وهن على قيد الحياة، أي: ما أتاهن الموت إلا بتسبب الوالد وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير:8-9] وفي قراءة أبي بكر وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتِ [التكوير:8-9] والجمهور يقرءون قتلتْ.

    وأول من قتل البنت، وأول من وأد قيس بن عاصم المنقري سيد العرب وسيد الوبر، هو أول من بدأ بوأد البنات، رحمه الله ورضي الله عنه؛ لأنه أسلم، وكان سيد بني تميم، وكان بنو تميم ما يقارب مائة ألف لا يعودون إلا عن رأي قيس بن عاصم المنقري هذا.

    كان له بيتٌ في الخلاء، وكان يغير على العرب دائماً، كان كثير الحروب؛ لأنه شجاع، فسبى العدو بنته، فتزوجها رجلٌ منهم، فلما ظفر بالأعداء، قال لابنته: أتريدين أن تعودين إلي أم تبقين؟ قالت: أريد البقاء مع زوجي، فنذر ألا تلد له بنتٌ إلا وأدها، فكان كلما أتى له بنت تركها حتى تترعرع، ثم يذهب بها، يقول: نسلم على أخوالها، فإذا مر ببئر له هناك في الصحراء، قال: أشرفي هل في البئر ماء، فإذا أشرفت ضربها من قفاها فوقعت في البئر، وهذا خطأ.

    ولو أنه من أحلم العرب، لكن هذا فعل وثني إشراكي، نسأل الله أن يعفو عنه؛ لأنه أسلم وآمن وحسنت توبته، وهو الذي يقول عنه العربي الأول:

    عليك سلام الله قيس بن عاصم      ورحمته ما شاء أن يترحما

    تحية من ألبسته منك نعمة     إذا زار عن شحط بلادك سلما

    وما كان قيس موته موت واحد     ولكنه بنيان قوم تهدما

    وأول من منع الوأد أو أمر بإعفائها واشترى البنات من العرب، كل بنت بمائة ناقة وأحياهن، هو صعصعة، وهو تميمي، جد الفرزدق الشاعر، الفرزدق اسمه همام بن غالب بن صعصعة، وفد على الوليد بن عبد الملك هذا الفرزدق فأراد أن يمدح الخليفة، فقال:

    سروا يخبطون الليل وهي تلفهم     على شعب الأكوار من كل جانب

    إذا ما رأوا ناراً يقولون ليتها     وقد خصرت أيديهم نار غالب

    قال الوليد بن عبد الملك: اذهب إلى غالب يعطيك مالاً، والله لا أعطيك فلساً، أي: غضب لما مدح جده.

    وصعصعة هذا أدرك الإسلام وأسلم والحمد لله، وله حديث في البخاري، عن أبي سعيد أنه قال: {يا صعصعة! أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في باديتك وفي غنمك فأذن وارفع صوتك؛ فإنه لا يسمع صوتك أحدٌ إلا شهد لك من جن أو إنس أو طير أو شيء}.

    فهذا وأد البنات عند العرب، وأتى الإسلام -والحمد لله- بذم هذه الخصلة وتحريمها، فمنعها الإسلام، والرسول صلى الله عليه وسلم جعلها من الكبائر.

    معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (قيل وقال)

    {وكره لكم قيل وقال} قيل وقال فيها معاني، قال بعضهم: هي أن تحكي الأقوال دائماً، وفي صحيح مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع} إذا رأيت الإنسان يحدث بكل ما سمع؛ فسوف يقع في الكذب لا محالة، يسمع القصة فيرويها فكاهة.. طرفة.. دعابة.. أطروحة، أي كلمة في المجتمع يرويها وينقلها لا يمحص ولا يقف عندها؛ فسوف يكذب لا محالة.

    {قيل وقال} هي أن تبدأ الرجل بالسؤال، يأتيك رجل يريد ستر الله والطعام، ويدخل في بيتك، فتبدأ معه في مناقشة كأنك تناقشه في رسالة ماجستير، من صلاة المغرب إلى الساعة الحادية عشرة والثانية عشرة، كيف حالكم؟ كم عندك من الأطفال؟ متى ولدت؟ أين بيتك؟ كم عندك من غرف؟ فكلما فتح لك ملفاً فتحت له آخر، فهذا مكروه؛ لأن فيه إملالاً للضيف وسأم، لكن هذا يدرج في مسألة عدم تكثير الكلام بالقيل والقال.

    وقيل: القيل والقال، هو أن يأتي طالب العلم فيورد أقوال العلماء بلا تمحيص، أن يقول: قال الإمام أحمد كذا، وقال أبو حنيفة، وقال مالك، وقال الشافعي، ثم يترك السائل في حيص بيص، يأتي السائل فيقول: كم أتمضمض؟ فيجيبه بقوله: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ذهب الأحناف إلى أن المضمضة كذا وكذا، ولكن رد عليهم الشوافع، أما ابن حزم الظاهري فقال، ولكن مالك يرى هذا، وأما داود الظاهري.. فهذه ليست فتيا، يقولون: تسمى قيل وقال.

    قال ابن تيمية: من أورد الأقوال؛ فإن كان أوردها تدليلاً وكانت مؤصلة فهذا مأجور، وإن كان أوردها تزوداً؛ فهذا متشبع بما لم يعط, فهو كلابس ثوبي زور، مثل رجل ليس عنده إلا ثوب واحد، فيركب يدين، يد من تحت اليد هذه، حتى تظهر كأنها يدين، فينظر الناس فيقولون: عليه ثوبان، وهو ثوب واحد، فهو لابس ثوبي زور.

    كأن يأتي يسأل في مسألة فلا يعرف الأدلة ولا الأقوال، فيقول: وقال بعض العلماء، حتى يقولون: ما شاء الله، يغرف من بحر: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21] فهذا تشبع بما لم يعط, وهو لابس ثوبي زور.

    وقيل: قيل وقال هو: أن يتحدث بما لا ينفع في مجالسه، في الأسعار والأخبار والأمطار دائماً، أما هذا فلا بأس بها إذا كانت في حدود الحاجة، أما إذا زادت على أوقات الجد، وأخذت أوقات الذكر والقراءة والتلاوة، فهذا ليس بصحيح.

    معنى كثرة السؤال المكروهة

    {وكثرة السؤال} ما معنى كثرة السؤال؟ قيل: كثرة السؤال في الأغلوطات، أن يسأل طلبة العلم والعلماء والدعاة ليغلطهم تغليطاً، فليس قصده الفائدة والله أعلم بالقصد، وإنما يأتي يتحير ويريد أن يحير هذا الطالب ويربكه؛ فيربكه الله يوم القيامة.

    فهو يأتي إلى الطالب فيقول له: ابحث عن سند -مثلاً- أو رواية، وهو يعرف أنه ضعيف في هذا، ويقول: ما رأيك في هذا الحديث؟ وهو يدري بجوابه، وما دام أنه يعرف فلا داعي للسؤال، أو يغلطه في أمور، يقول مثلاً: قال الله في آية كذا وكذا، وقال كذا وكذا، فما الجمع بينهما وهو لا يستقيم على هذا فائدة، أو يسأله في بعض علم الفلك الذي ليس عند طلبة العلم شيء منه، ولا شيء من جانبه، أو علم النفس، أو مجريات الحياة.

    وقيل: كثرة السؤال هي: أن يسأل الناس أموالهم دائماً، فهذا منـزوع البركة -نعوذ بالله من ذلك- إلا إذا كان لحاجة.

    معنى إضاعة المال

    { وإضاعة المال} قيل: التبذير به والإسراف، قال ابن حجر: من زاد على الحاجة فقد أسرف، ولكن يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فمن الناس من يحتاج إلى بيت واسع، ويحتاج إلى نفقة كثيرة، قال ابن حجر: فهذا يسامح فيه، ومن الناس من صرفته على قدره، وهذا المثل العامي الذي يقول: مد رجليك على قدر فراشك، وهذا ليس بحديث، ولا يحمل على أنه حديث، فلم يروه أبو داود ولا الترمذي ولا ابن ماجة، بل هذا مثل.

    قيل: وإضاعة المال هي: إتلافه في المعاصي، فمن جعل ماله في المعصية فقد أضاعه كل الإضاعة.

    وقيل: إضاعة المال هي: أن تشتري القليل بالكثير، ويسمى هذا -عند العرب- أحمقاً، فالأحمق هو: الذي لا يعرف أن يبيع ويشتري، فيشتري -مثلاً- دجاجة بثلاثمائة ريال، فهذا عند العرب أحمق.

    أتى رجل اسمه حبان عند الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال: { يا رسول الله! إني أخدع في البيع، كلما باعني أحد غشني، قال: إذا بايعت فقل: لا خلابة} أي: لا تخدعني فإني لا أجيد البيع والشراء، فكان يقول: يا خيابة! يا خيابة! لأنه لم يكن يجيد النطق، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: {إذا بايعت فقل لا خلابة} فالمماكسة واردة، وقالوا: من ضيع ماله في هذا، فقد ضيع ماله.

    1.   

    الأسئلة

    رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام

    السؤال: حديث: {من رآني في المنام فسيراني في اليقظة} ما مدى صحة هذا الحديث؟ وهل هناك ما يدل على معناه؟

    الجواب: هذا الحديث اقترب من درجة التواتر، رواه البخاري ومسلم، وأبو داود وصاحب المسند وغيرها من كتب الإسلام، وهو صحيح.

    وهناك ما يدل على معناه، فمن الصالحين من يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، فالشيطان لا يتمثل به قطعاً: {من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي} وهذا لفظ الحديث الذي في صحيح البخاري وصحيح مسلم وعند أهل السنن والمسند بأسانيد بلغت درجة التواتر بلفظه: {من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي}.

    أما معنى أنه يرى الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام، فنعم. رآه الناس سلفاً وخلفاً، والشيطان لا يتمثل به عليه الصلاة السلام في المنام، وعصمه الله من ذلك، لكن بشرط أن يرى عليه الصلاة والسلام على صفته التي كان عليها، كأن يكون ربعة من الرجال، بهي المنظر، كأن وجهه القمر ليلة البدر، ويظهر أنه عليه الصلاة والسلام أبيض مشوب بحمرة، أقنى الأنف، كث اللحية، هذه أوصافه.

    أما أن ترى إنساناً حليقاً نحيفاً ضعيفاً, ويقول: أنا رسول الله؛ فهذا لا يكون، ليعرف هذا الأمر، يقولون: إذا كان بوصفه في الحياة عليه الصلاة والسلام.

    الموقف الشرعي من نزار قباني

    السؤال: نزار القباني ما رأيكم فيه؟ فقد ورد عنه شعر يندى له الجبين وينفطر له القلب؟

    الجواب: وهل رجلٌ يؤمن بالله واليوم الآخر يرتاح لشعر نزار قباني؟! وهل شعر نزار قباني إلا وثنيات وشركيات ومعارضة لدين الله الخالد؟! وهل أظهر إلا هجوماً على لا إله إلا الله؟! وهل ما صدر عنه إلا؛ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور:40] وهل هذا الرجل إلا مخدوع ومغرور ومخذول؟!

    فهذا رجل طالما أسرف في الخطايا، وطالما تجاوز الأدب والعقل، أما الدين فلا دين، وقد صفق له كثير من الأدباء خاصة الحداثيون، فعليه وعليهم من الله ما يستحقونه، وهؤلاء طالما فتحوا له المجالات، ورحبوا بشعره، ورددوه، وعلقوا عليه، ونشروه، وهذا ليس بعزيز على الله أن يأخذه أخذ عزيز مقتدر.

    فأنا أنصح الشبيبة والجيل ألا يقرأ شعره إلا قراءة المستنكر، الغاضب لدين الله عز وجل، الحامي لذمار الإسلام عل الله أن يأجره، على غضبه لحدود الله وحرماته.

    وبعض الناس ولو كان فاجراً، لكن فيه مروءة، لكن هذا لا دين ولا مروءة، مثل فقير اليهود لا دين ولا دنيا، إذا تكلم في الدين هاجم الدين، ثم يهاجم المروءة والعرض، ثم يتكلم عن المرأة، ثم يخبر بسجله الأسود، وحياته السوداء في قرطاجة وأسبانيا وهولندا، نسأل الله العافية والسلامة.

    سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2740834515

    عدد مرات الحفظ

    684612492