إسلام ويب

دليل الطالب كتاب الطلاق [1]للشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أعظم الأبواب الفقهية التي يجب أن يتعلم المسلم أحكامها أبواب الطلاق، فيتفقه في معنى الطلاق وأحكامه من وجوب وكراهة وسنة وإباحة وحرمة، ومن يقع طلاقه ومن لا يقع طلاقه، وغير ذلك من الأحكام فلا يقع في إشكال من غير علم.

    1.   

    تعريف الطلاق وبيان ما يحل منه وما يحرم

    تعريف الطلاق

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ كتاب الطلاق ].

    الطلاق في اللغة هو التخلية.

    وفي الاصطلاح: هو حل عقد النكاح أو بعضه.

    فإذا طلقها ثلاثاً فقد حل عقد النكاح كله، وإذا طلقها واحدة أو اثنتين فقد حل بعضه.

    الطلاق المباح والمسنون والواجب

    قال المؤلف: [ يباح لسوء عشرة الزوجة ]، أي: يباح للحاجة، فالطلاق مباح عند الحاجة، فإذا كانت المرأة سيئة العشرة جاز له أن يطلقها.

    قال: [ ويسن إن تركت الصلاة ونحوها ]، إن تركت الصلاة فيسن طلاقها، وهناك رواية عن الإمام أحمد أنه يجب الطلاق.

    فإذا كانت المرأة لا تصلي بالكلية فالصحيح أن الطلاق واجب إذا لم يستطع تقويمها، وأما إذا كانت لا تترك الصلاة بالكلية لكن تصلي وتترك، أو تفرط في بعض الواجبات الشرعية الأخرى فإن طلاقها يسن، إلا أن يخشى أن تفسد عليه دينه، فيجب ليحفظ على نفسه دينه.

    إذاً: إن كانت المرأة تاركة للصلاة بالكلية فإنه يجب فراقها، وإن كانت تترك بعض الصلوات أحياناً أو كانت تفرط في بعض الواجبات الشرعية، فيستحب طلاقها إذا لم يقدر على تقويمها.

    وإن كان يخشى على دينه لأن بعض النساء تفسد عليه دينه وتوقعه في المحرمات بتزيينها في نفسه ويخشى أن تفتنه في دينه فهي امرأة فاسقة فيجب طلاقها سداً للذريعة.

    الطلاق المكروه والمحرم

    قال: [ ويكره من غير حاجة ]، إذا لم يكن هناك حاجة للطلاق، بأن لم يكن له مبرر، فإنه يكره، وهذا هو قول الجمهور، لما روى أبو داود في سننه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (أبغض الحلال عند الله الطلاق)، وهذا الحديث اختلف في وصله وإرساله، والصواب أنه مرسل كما رجح ذلك أبو حاتم والدارقطني والبيهقي .

    وعند البزار : (لا تطلق المرأة إلا من ريبة، فإن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات)، لكن الحديث إسناده ضعيف أيضاً.

    ولأن الطلاق تفوت به المصالح.

    وقال الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد : بل يحرم الطلاق بلا حاجة، وهذا أصح.

    وذلك لأن طلاق المرأة أشد من إتلاف المال، وإتلاف المال بلا فائدة حرام، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعته، فإذا كان إتلاف المال حرام عبثاً بلا حاجة، فأولى من ذلك طلاق المرأة لأن فيه إزالة ملكه لبضعها، ويترتب على ذلك تفويت مصالح شرعية كثيرة فهو أولى من إتلاف المال بالتحريم.

    قال: [ ويحرم في الحيض ونحوه ] كما سيأتي.

    حكم طلاق المولي بعد التربص

    قال: [ ويجب على المولي بعد التربص ]، إذا حلف ألا يطأ امرأته فإنه يتربص أربعة أشهر، ونقول له: إما أن تفيء وإما أن تطلق، فإن أبى الفيئة وجب عليه الطلاق.

    وعلى ذلك فالأحكام الخمسة كلها ثبتت في الطلاق، فيباح في أحوال، ويستحب في أحوال، ويجب في أحوال، ويحرم في أحوال، ويكره في أحوال.

    1.   

    حكم طاعة الوالدين في طلاق الزوجة

    وهل يجب أن يطلق المرأة إذا أمره أحد والديه بذلك؟

    المشهور في المذهب الحنبلي أنه لا يجب عليه أن يطلق إذا أمره أبوه أو أمرته أمه بذلك، وعن الإمام أحمد أنه إن أمره أبوه بذلك وجب أن يطلق إذا كان أبوه معروفاً بتحريه للعدل، وليس بمتبع لهواه في هذه المسألة، وهو يراعي المصلحة لابنه، ويدل على ذلك ما رواه الخمسة إلا النسائي عن ابن عمر رضي الله عنه قال: (كانت لي امرأة أحبها وكان عمر يكرهها، فقال لي: طلقها فأبيت، فذكر ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام فقال: طلقها)، فإذا كان الأب معروفاً بتحري العدل ومراعاة المصلحة ويعرف ابنه فيه ذلك فإنه يجب أن يطيع أباه.

    فالأب قد يخفي عنه بعض الشيء، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أنت ومالك لأبيك)، ويقول: (الولد كسب أبيه)، وأما الأم فلا، لأن الأم ليست كالأب في مراعاة مصلحة الابن، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وليس تطليقه لامرأته من برها، وذلك لأن الطاعة بالمعروف وليس من المعروف أمره بتطليق امرأته، بل ذلك من المنكر.

    قال: [ قيل: وعلى من يعلم بفجور زوجته ] إذا كان يعلم بفجور زوجته وجب أن يطلقها، وهو رواية عن أحمد واختار هذا شيخ الإسلام والشيخ عبد الرحمن بن سعدي ، وهذا هو الراجح لئلا يكون ديوثاً، فإذا علم أن المرأة فاجرة، بمعنى أنها تأتي الفاحشة؛ فإنه يجب أن يطلقها.

    1.   

    من يقع طلاقه ومن لا يقع طلاقه

    حكم طلاق المميز

    قال: [ ويقع طلاق المميز إن عقل الطلاق ].

    المميز هو ابن سبع سنين، فإن كان يعقل الطلاق، أي: يعرف ما الذي يترتب على الطلاق من فراق المرأة، وأنها إن انقضت عدتها فلا تحل له، وإن كان الطلاق ثلاثاً فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، وإن كان الطلاق لواحدة أو اثنتين وخرجت من عدتها فلا تحل له إلا بعقد وفيه مهر؛ فإذا كان يعقل ذلك فإن طلاقه يقع، وإن كان هذا الصبي المميز لا يعقل الطلاق ولا يعرف ماذا يترتب عليه، كأن يطلقها ثم إذا جاء من الغد قال: أريد فلانة، قالوا: أنت طلقتها، قال: ما عرفت أن الطلاق يترتب عليه ذلك، فإذا كان لا يعقل فإنه لا يقع طلاقه، وأما إذا كان يعقل الطلاق فإن طلاقه يقع.

    وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن ماجه وغيره: (إنما الطلاق لمن أخذ بالساق).

    وقال علي رضي الله عنه كما في مصنف ابن أبي شيبة : (اكتموا الصبيان الطلاق)، وهذا مفهومه أنه يقع طلاقهم، ولذا أمر علي رضي الله عنه أن يكتموه لئلا تدرج ألسنتهم عليه فيقع.

    وقال الجمهور إنه لا يقع إلا طلاق المكلف البالغ العاقل، واستدلوا بحديث (رفع القلم عن ثلاثة).

    والذي يترجح هو الأول لما تقدم من الأدلة، وأما حديث (رفع القلم) فمعناه: رفع الإثم، فلا إثم، وهذا فيما يتعلق في حقوق الله فحسب، وأما الطلاق فله تعلق بحقوق الآدميين، لأن حق المرأة يتعلق بذلك.

    حكم طلاق السكران

    قال: [ وطلاق السكران بمائع ].

    إذا طلق الرجل امرأته وهو سكران، فهل يقع طلاقه؟ قال المؤلف هنا: يقع الطلاق، وهذا هو مذهب جمهور العلماء، واستدلوا بما روى الترمذي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه)، وقد صح ذلك عن علي رضي الله عنه موقوفاً عليه كما عند البخاري معلقاً، وأما رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما في الترمذي فإن إسناده ضعيف.

    قالوا: ولأن في ذلك عقوبة له، فيؤاخذ بأقواله التي منها طلاقه عقوبة له.

    والقول الثاني في المسألة وهو مذهب طائفة من التابعين ورواية عن الإمام أحمد واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن قيم الجوزية قالوا: لا يقع طلاق السكران.

    واستدلوا بما ثبت عن عثمان رضي الله عنه في البخاري معلقاً ووصله ابن أبي شيبة أنه قال رضي الله عنه: (ليس لسكران ولا لمجنون طلاق).

    وصح عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: (طلاق السكران والمستكره غير جائز)، أي غير ماض، رواه البخاري معلقاً.

    ولا نعلم لـعثمان وابن عباس مخالفاً، أما أثر علي المتقدم فهو عام، وأما هذان الأثران فهما خاصان في هذه المسألة، وهذا هو القول الراجح.

    وأما قولهم إنه يعاقب، فنقول: الشرع عاقبه بالحد، فيجلد شارب الخمر ثمانين جلدة، وأما فراق امرأته فلا، والذي يدل على ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام لما أقر ماعز رضي الله عنه بالزنا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يستنكه كما في صحيح مسلم بأن يشم فمه ليعرف هل شرب الخمر أم لا، ومفهوم هذا أنه لو شمت منه رائحة الخمر لم يقبل إقراره على نفسه بالزنا، فدل ذلك على أن أقواله لا يؤاخذ عليها إلا ما يتعلق بحقوق الآدميين من قذف أو نحو ذلك.

    ولأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا طلاق ولا عتاق في إغلاق)، رواه أبو داود وغيره، والإغلاق هو أن ينسد عليه باب القصد، والسكران قد انسد عليه باب القصد فلا يقصد الطلاق، أو قصده ضعيف جداً، ولذا فإن الصحيح وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ورواية عن الإمام أحمد وهو قول بعض السلف وهو قول عثمان وابن عباس أن طلاق السكران لا يقع.

    حكم طلاق النائم والموسوس

    قال: [ ولا يقع ممن نام ]، لو هذى وهو نائم بالطلاق فإن الطلاق لا يقع.

    قال: [ أو زال عقله بجنون أو إغماء ]، كذلك، ومثله من شرب دواءً فسكر ولم يكن يعلم أن هذا الدواء يسكر فهذا أولى من المسألة المتقدمة فيما ترجح، وهذا أيضاً حتى على مذهب الحنابلة.

    إذا أخذ مخدراً في الدواء فذهب عقله أو أكره على الشرب فطلق فإنه لا يقع طلاقه في المشهور في المذهب أيضاً.

    كذلك من يغلبه الوسواس في الطلاق، فبعض الناس -نسأل الله العافية- يبتلى بالوسواس في الطلاق ويطلق ويطلق ويطلق ويدخله الوسواس فيهذي وهو يمشي وحده، فهذا لا يقع طلاقه.

    يعني: بعض الناس عنده مرض، وهو مرض الوسوسة في الطهارة أحياناً وفي مسائل أخرى، ومنها الوسوسة بالطلاق، ولذا اتفق العلماء على أن طلاق الموسوس في الطلاق لا يقع.

    حكم طلاق المكره

    قال: [ ولا ممن أكرهه قادر ظلماً بعقوبة أو تهديد له أو لولده ]، تقدم أثر ابن عباس أن المكره لا يقع طلاقه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).

    أي: أكرهه قادر -لا عاجز- وهو يغلب على ظنه أو يخشى منه أن يوقع فيه ما هدده به.

    قوله: (ظلماً) فإن أكره بحق كالذي يولي ويحلف أن لا يطأ امرأته وتمضي أربعة أشهر فهذا يجبر على الطلاق إذا لم يعد، وإكراهه بحق.

    قوله: (أو تهديد له أو لولده) أي: إذا هدد هو أو هدد ولده، كأن قالوا: إذا لم تطلق فلانة فإنا نقتل ابنك أو نختطف ابنك أو ابنتك، فطلق فلا يقع طلاقه.

    قال ابن رجب رحمه الله: ويتوجه أنه يلحق بهذا كل من يشق عليه مشقة عظيمة أذاه من ولد أو والد أو زوج أو صديق.

    فإذا هدد هذا الرجل بأنه إما أن يطلق امرأته وإما أن يؤذى هو أو يؤذى أحد يشق عليه مشقة شديدة أذاه، كأن قالوا له: نقتل أباك، أو نقتل أمك، أو نقتل عمك أو خالك، أو نقتل صديقك، أو نقتل زوجتك؛ فإذا كان بحيث يؤذيه أذى شديداً أن يؤذى هذا الذي هدد به فطلق؛ فإن طلاقه لا يقع.

    حكم طلاق المسحور

    ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن من سحر ليطلق فإن طلاقه لا يقع، قال صاحب الإنصاف: وهذا من أعظم الإكراه.

    بعض الناس يسحر حتى إنه يشم من امرأته رائحة كريهة ويراها على صورة كريهة ويكرهها ولا يطيقها ويتألم لمقاربتها فيريد أن يزيل عنه هذا الأثر الناتج عن السحر فيطلق، فهذا إكراه.

    فإذا علم من نفسه أنه مسحور أثناء الطلاق والناس يعرفون ذلك فإن طلاقه لا يقع، فيدين، ويكون الأمر في ذمته؛ لأن الأمر عظيم يترتب عليه استحلال الفروج.

    1.   

    حكم طلاق الغضبان

    وهنا مسألة في طلاق الغضبان: هل يقع طلاق الغضبان أم لا؟

    طلاق الغضبان على ثلاثة أنواع:

    النوع الأول: أن يكون في مبادئ الغضب، أي في أول الغضب، فهذا قصده تام وتصوره تام أيضاً ويملك نفسه على جهة التمام، فيقع طلاقه بلا خلاف، وأكثر الطلاق من هذا النوع.

    النوع الثاني: أن يكون في نهاية الغضب بحيث إنه كالمجنون لا يدري ما يقول، فهذا لا يقع طلاقه بالاتفاق، لأنه كالمجنون، حتى إنه يقول كلاماً عند غضبه، فتسأله: هل قلت هذه الكلمة؟ يقول: لا أذكر أني قلتها، فقد يسب ويلعن ويتكلم بكلام كثير ولا يدري ما الذي قاله إذا أفاق من صولة الغضب.

    النوع الثالث: وهو الغضب المتوسط بين هذا وهذا، وهذا هو محل الاجتهاد، فذهب الجمهور إلى أن الطلاق يقع، قالوا: لأنه يدري ما يقول فوقع طلاقه، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن قيم الجوزية أن طلاق الغضبان غضباً متوسطاً لا يقع.

    ما هي صورة هذا الغضب المتوسط؟

    الغضب المتوسط هو الذي يكون فيه القصد ناقصاً والتصور ليس بتام، يعني أن الأمور تكاد تنعمي في نظره وأصبح لا يكاد يعقل ولكنه يعقل، إلا أنه أصبح هذا الغضب يغلي في قلبه حتى إن الغضب يصبح كالمتصرف فيه يسكته وينطقه، ولذا قال الله جل وعلا: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ [الأعراف:154]، فالغضب هو الذي سكت، فأصبح هذا الغضب كالمخلوق الآخر في بدنه ينطق على لسانه ويسكت، فإذا وصل إلى هذه الحال حتى إنه إذا قال هذه الكلمة وأطفأ ما في قلبه ندم سريعاً على كلمته التي أخرجها، فهذا هو الغضب المتوسط.

    فهذا يقول الجمهور أنه يقع معه الطلاق، وشيخ الإسلام وتلميذه يقولون: إن الطلاق لا يقع، والراجح القول الثاني في هذه المسألة، ومما يدل على ذلك الحديث المتقدم الذي رواه أبو داود وغيره، وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا طلاق ولا عتاق في إغلاق)، والإغلاق هو انسداد باب القصد.

    قال أحمد والشافعي وأبو داود : الإغلاق هو الغضب.

    وقال أبو عبيدة : الإغلاق هو الإكراه.

    وكلاهما إغلاق، فالإكراه إغلاق، والغضب إغلاق، والسكر أيضاً إغلاق؛ لأن باب القصد ينغلق وينسد كما تقدم شرحه وإيضاحه.

    أيضاً: مما يدل على أن طلاق الغضبان لا يقع، قول ابن عباس رضي الله عنه: الطلاق عن وطر. رواه البخاري معلقاً، أي: عن قصد، وهذا ليس له قصد في الطلاق، وإنما قصده أن يطفئ غضبه، حتى إن بعضهم يقول: أنا لو مكنني أبنائي من ضربها لاكتفيت بضربها ولم أطلقها، وذلك أن بعضهم يحجبه أبناؤه عندما يغضب فيطلق يريد أن يطفئ هذا الغضب الذي في نفسه، وهو لا يشعر الشعور التام، ومثل هذا على الصحيح كما تقدم لا يقع معه الطلاق، وهو اختيار طائفة كثيرة من محققي العلماء.

    1.   

    حكم التوكيل في الطلاق

    قال: [ فصل ] في التوكيل في الطلاق.

    [ ومن صح طلاقه صح أن يوكل غيره فيه وأن يتوكل عن غيره ].

    من صح طلاقه صح توكيله، وعلى ذلك فالصبي المميز يصح أن يوكل، لو وكل أباه في الطلاق أو وكل أمه أو وكل أخاه الأكبر فإن ذلك يصح.

    فالتوكيل في الطلاق كسائر التوكيلات، فهو كالتوكيل في البيع وغير ذلك فله أن يوكل كأن يكتب وكالة في طلاق امرأته.

    قال: [ وللوكيل أن يطلق متى شاء، ما لم يحد له حداً ].

    هذا زيد وكل عمراً في طلاق امرأته، فللوكيل -وهو عمرو- أن يطلق متى شاء ولو بعد شهر أو شهرين أو سنة ما لم يعزله عن الوكالة، فإذا عزله عن الوكالة وقال: لا وكالة الآن أو كان في كلامه ما يدل على أنه يريد الطلاق في ذلك اليوم أو في أثناء تلك المشكلة، كأن قال: اذهب إلى أهل زوجتي فإن بيني وبين ابنتهم مشكلة، وأنت وكيل عني، فإذا رأيت الطلاق فطلق، فانحلت المشكلة انتهت الوكالة.

    لكن إذا لم يحدد له حداً ولم يكن هناك قرينة تدل فإنه لا حد زمني للوكالة حتى يفسخ، فإذا فسخ الوكالة لم يصح الطلاق بعده.

    فإن قال: وكلت فلاناً لطلاق امرأتي، ثم إن فلاناً طلق بعد أسبوع مثلاً ثم إنه ادعى أنه رجع في الوكالة فقال: أنا رجعت في الوكالة قبل الطلاق بيوم، فإنه طلق يوم الخميس وأنا رجعت يوم الأربعاء، فهل يجب أن يأتي ببينة تدل على رجوعه أم لا؟

    على قولين: فالراجح وهو اختيار شيخ الإسلام وهو وجه في المذهب خلافاً للمشهور فيه أنه لابد من بينة كسائر الوكالات.

    إذاً: إذا طلق الوكيل فادعى الزوج أنه رجع نقول: لابد من بينة، فتشهد على أنك قد رجعت عن الوكالة.

    قال: [ ويملك طلقة واحدة ]، الوكيل يملك طلقة واحدة، لأن الطلقة الواحدة هي السنة، [ ما لم يجعل له أكثر ]، إذا قال: أنت وكيل عني في الطلاق؛ إن شئت فواحدة، وإن شئت فاثنتين وإن شئت فثلاثاً؛ فله أن يطلق اثنتين وله أن يطلق ثلاثاً بحسب المصلحة.

    قال: [ وإن قال لها طلقي نفسك كان لها ذلك متى شاءت ]، سألته الطلاق فقال: يا فلانة طلقي نفسك متى ما شئت، فيصح هذا، أي: يصح أن يوكل امرأته في طلاقها.

    قوله: (كان لها ذلك متى شاءت)، إلا إذا حدد ذلك بزمن، أو كان هناك قرينة تدل على أنه أراد في ذلك اليوم أو في حالة تلك المشكلة التي حصلت.

    قال: [ وتملك الثلاث إن قال لها: طلاقك أو أمرك بيدك، أو وكلتك في طلاقك ]، لأن قوله: (طلاقك) هذا مفرد مضاف، والمفرد المضاف يفيد العموم، فإذا قال: طلاقك بيدك، أو قال: أمرك بيدك؛ فلها أن تطلق نفسها بالثلاث.

    قال: [ ويبطل التوكيل بالرجوع وبالوطء ]، الوطء قرينة تدل على الرجوع، وأما الرجوع بالتوكيل فهذا واضح، فإذا رجع وقال: رجعت عن الوكالة فإنه يكفي، وإذا وطأ المرأة فكذلك، فالوطء دليل على رجوعه عن طلاقها.