إسلام ويب

الخطوط الحمراءللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات...) الحديث.

    وفي هذا الحديث ذكر لمحظورات كثيرة منتشرة بين الناس، تعمل على تمزيق المجتمع كما أنها حالقة لدين المرء، وفي هذا الدرس شرح لهذا الحديث وذكر ما يستنبط منه من فوائد.

    1.   

    قضايا في حديث: (إن الله حرم عليكم)

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أيها الأحباب البررة! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    عنوان هذا الدرس (الخطوط الحمراء).

    وقبل أن أبدأ أحمد الله عز وجل أن شرفني بالجلوس أمامكم، وعلى أن شرفكم بحضور مجالس الرحمة والتوبة والإنابة والقرب من الله، هذه الليلة مساء السبت (21) من شهر ذي القعدة لعام (1412هـ).

    هذه الخطوط الحمراء وضعها رسولنا عليه الصلاة والسلام، وليس للعبد أن يتجاوزها، فإنه هو المعصوم عليه الصلاة والسلام الذي يحلل ويحرم بإذن الله، قال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً [الأحزاب:36].

    إذا علم هذا فالخطوط الحمراء في كلامه عليه الصلاة والسلام فيما ثبت في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله حرم عليكم: عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعاً وهات، وكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال).

    من يستطيع من البشر أن ينسج مثل هذه الكلمات؟ من يعبر بمثل هذا التعبير؟ من الذي يستطيع بعقله وبتفكيره وبقلمه وبمواهبه أن ينظم كلاماً في سطرين يكون قاعدة كبرى للأمة، فيحلل ويحرم، ثم يكون في أجمل أسلوب وفي أجل عبارة.

    إنه رسولنا عليه الصلاة والسلام.

    وفي هذا الحديث قضايا:

    أولاً: من هو راوي الحديث؟

    هذا الحديث رواه البخاري ومسلم ولكن راويه من الصحابة المغيرة بن شعبة، وهو ثقفي من الطائف أسلم مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وأحب الرسول عليه الصلاة والسلام، وعلمه صلى الله عليه وسلم من أحاديثه وسننه الشيء الكثير، تميز من بين الصحابة بالذكاء الرهيب إلى درجة الدهاء والعبقرية، فهو مع معاوية بن أبي سفيان وزياد بن أبيه وعمرو بن العاص فهم دهاة العرب الأربعة.

    هذا هو المغيرة بن شعبة.

    تولى العراق في عهد عمر رضي الله عنه وأرضاه، وله الحديث الطيب العطر عن الرسول عليه الصلاة والسلام.

    ويكفيه أنه روى هذا الحديث: (إن الله حرم عليكم: عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعاً وهات، وكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) وقائل هذا اللفظ كان أمياً عليه الصلاة والسلام، ولكن الله علمه؛ قال تعالى: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت:48] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [النساء:113].

    القضية الثانية: قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله حرم عليكم) والمحرم حقيقة والمحلل هو الله، ولا يحق للإنسان أن يحرم أو يحلل من عند نفسه، قال تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ [النحل:116] فليس للإنسان أن يـبتدع من عنده تحريم محلل أو تحليل محرم على الأمة، فإن الله سوف يحاسبه ويعاقبه.

    ولذلك أحذر نفسي وإخواني ممن يتكلم أو يوجه أو يربي الناس أن يقحم نفسه في تحريم حلال أو تحليل حرام؛ فإن هذا ليس لأحد إلا لله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، ثم لرسوله عليه الصلاة والسلام.

    نبذة حول الحرمة والكراهة في الشرع

    أما الفرق بين التحريم والكراهة:

    فالحرام في الاصطلاح: ما يثاب تاركه ويعاقب فاعله.

    وأما المكروه: فهو ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله، هكذا عُرِّف.

    والرسول عليه الصلاة والسلام ملك زمام البلاغة بيده، فانظر كيف نوع عليه الصلاة والسلام! فإنه قال: {إن الله حرم} ثم قال: { وكره لكم} فلو قال صلى الله عليه وسلم: إن الله حرم، ثم قال: إن الله حرَّم، كان في الأسلوب تكرار ينبو عنه السمع، ولذلك تجده صلى الله عليه وسلم يقول مثلاً: {إن الله كتب عليكم خمس صلوات، وفرض عليكم زكاة} فلم يقل: كتب صلاة وكتب زكاة، فهذا مكرر تمجه الأسماع، فعدل عليه الصلاة والسلام عن التحريم في الثانيه فقال: {وكره لكم...}

    أمر آخر: إن المكروهات الثلاث في قوله: {وكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال} أقل خطورة من الثلاث الأولى التي ذكرها رسولنا عليه الصلاة والسلام.

    ثم قال: {عليكم} والمخاطب به الأمة الإسلامية، أمة الاستجابة التي اتبعته عليه الصلاة والسلام، فإن المسلمين هم المخاطبون بفروع الشريعة، والكافر لا يخاطب بفروع الشريعة في قول لأهل العلم، ولو أنه ينكل ويعذب على تركه فروع الشريعة، ولكن المقصود بـ: { عليكم} أي: على الأمة، والمقصود بهم الذين حضروا هذا الخطاب منه عليه الصلاة والسلام والذين لم يحضروا بحيث كانوا أحياءً وكانوا غيباً عن مجلسه، أو كانوا في أصلاب أمهاتهم، كمثلي ومثلك الآن، فإنا أتينا بعد أربعة عشر قرناً نتبعه ونحبه ونقتدي به عليه الصلاة والسلام، فهو يخبرنا بالخبر، وما زالت ألفاظه وأوامره ونواهيه فينا حية.

    ثم قوله: { إن الله حرم عليكم: عقوق الأمهات} لم يقل الآباء والأمهات لأمرين:

    الأمر الأول: عظم حق الأمهات، فإن حقهن عظيم، ولذلك قال بعض العلماء استنباطاً كالحافظ وغيره: للأم ثلاثة حقوق، وللأب حق واحد من الآداب والوقار والعطاء، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح لما سأله الرجل: {من أحق الناس بحسن صحابتي يا رسول الله؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك} فجعل لها ثلاثة حقوق وجعل للأب حقاً واحداً، فهي بالنسبة للأب ثلاثة أرباع الحقوق، فأتى صلى الله عليه وسلم بحق الأمهات؛ لأنهن أعظم حقاً وأعظم منـزلة.

    الأمر الثاني: اتساق العبارة في السجع الجميل غير المتكلف، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يقف على التاء، فقال: { عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعاً وهات} فوقف على التاء، ولو أتى بالآباء -عليه الصلاة والسلام- ما وقف على سجعة، وهذا محله علم البلاغة.

    تعريف العقوق والأدلة على تحريمه

    قال: { عقوق الأمهات}.. أما العقوق -أعاذنا الله وإياكم- فإنه القطع يقال: عق الشجرة أي: قطعها، وعق الحبل أي: قطعه، فالعقوق القطع، قال سبحانه: وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ [البقرة:27] وقال: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22-23].

    وقد ورد تحريم العقوق والأمر بالصلة في آيات كثيرة كقول المولى جلت قدرته: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً [الإسراء:23] وكقوله تعالى: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [البقرة:83] وقوله تعالى: حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ [الأحقاف:15].

    وحرَّم عليه الصلاة والسلام العقوق في أحاديث كثيرة، ولكن لا يتسع المجال لذكرها؛ لأن المقام مقام تحذير من العقوق، وليس المقام مقام ذكر للبر والصلة، ولو أني سوف أستطرد قليلاً في بعض ما نقل عن السلف في بر الوالدين، وفي تحريم عقوق الوالدين، وقد نبه صلى الله عليه وسلم على عظم حق الأب كثيراً حتى قال كما في الصحيح: {لا يدخل الجنة قاطع} والمعنى: قاطع الرحم، وأولى من يوصل الأب والأم، فهما الوالدان، وهما باب الجنة، وكما يروى: {الجنة تحت أقدام الأمهات}.

    من أشعار العرب في حب الأمهات

    وبالمناسبة فقد توفيت جدة المتنبي، وكانت من أسرة طيبة المنبت، فامتدحها وأثنى عليها ورثاها، وهو شاعر العربية الذي لا يشق غباره، وإن شاء الله سيكون هناك درس بعد فترة بعنوان: (مالئ الدنيا وشاغل الناس)؛ نعيش فيه ليلة مع المتنبي.

    قبل وقاة جدته أرسل لها رسالة في منبج يدعوها لزيارته في العراق، فوصلت الرسالة فقبلت رسالته وبكت، ثم أصابتها حمى فماتت، ولم تزره، فاسمع العربية والقوة والإبداع بمناسبة بر الوالدة، وهذه جدة، قال:

    ألا لا أرى الأحداث مدحاً ولا ذما     فما بطشها جهلاً ولا كفها حلما

    إلى مثل ما كان الفتى مرجع الفتى      يعود كما أبدي ويكري كما أرم

    لك الله من مفجوعة بحبيبها      قتيلة شوق غير ملحقها وصما

    إلى أن يقول:

    أحن إلى الكأس التي شربت بها      وأهوى لمثواها التراب وما ضما

    بكيت عليها خيفة في حياتها      وذاق كلانا ثكل صاحبه قدما

    ولو قتل الهجر المحبين كلهم      مضى بلد باق أجدت له صرما

    عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا      فلما دهتني لم تزدني بها علما

    يقول: أنا أعرف الليالي أنها تفعل كذا، فلما دهتني بجدتي ما زادتني بها خبرة، هي فقط أثبتت أنها تأخذ الأحباب.

    منافعها ما ضر في نفع غيرها      تغذي وتروي أن تجوع وأن تظما

    ثم قال في جدته:

    أتاها كتابي بعد يأس وترحة      فماتت سروراً بي فمت بها غما

    حرام على قلبي السرور فإنني      أعد الذي ماتت به بعدها سما

    تعجب من لفظي وخطي كأنما      ترى بحروف السطر أغربة عصما

    يقول: تعجبت من سطوري يوم كتبت لها فماتت.

    وتلثمه حتى أصار مداده      محاجر عينيها وأنيابها سحما

    رقا دمعها الجاري وجفت جفونها     وفارق حبي قلبها بعدما أدما

    ولم يسلها إلا المنايا وإنما      أشد من السقم الذي أذهب السقما

    طلبت لها حظاً ففاتت وفاتني      وقد رضيت بي لو رضيت بها قسما

    فأصبحت أستسقي الغمام لقبرها      وقد كنت أستسقي الوغى والقنا الصما

    ثم يقول:

    ولو لم تكوني بنت أكرم والد      لكان أباك الضخم كونك لي أما

    وهذا من أبياته القوية مثل بيته الأول الذي يقول:

    قفي واغرمي الأولى من اللحظ مهجتي      بثانية والمتلف الشيء غارمه

    ومعنى البيت أيها الأحبة: لو لم يكن أبوك ماجداً أنتج مثلك للناس لكان يكفي أنك جدة لي، فهو يفتخر بها، ثم يقول: الفخر أنك جدة لي، فالفخر لك ليس لي في أبيات طويلة أنا أتركها إلى أن يقول:

    فلا عبرت بي ساعة لا تعزني      ولا صحبتني مهجة تقبل الظلما

    فهذه بعض الأبيات في رثاء الجدة.

    وقد رثى بعض الأحبة -وهو شاعر منطيق قوي- أمه في أبيات، أذكر بعضها يقول:

    ماذا أقول وفيما أشتكي زمني      صبراً جميلاً على ما كان من زمن

    أقول والعمر جاث حول مرقدها:     أماه! والخوف يدنيني ويرسلني

    فيما تعانين من هم ومن ولهٍ     أحس تحت إهابي ما يمزقني

    هل تذكرين عظامي... اسمع الصورة:

    هل تذكرين عظامي وهي عالقة      على يديك وريقات على فنن

    أو تذكرين جفوني وهي مبحرة      تحت اللفائف بين الضعف واللدن

    أو تذكريها وقد ذابت موسدة      ضلعين من صدرك الثرثار باللبن

    أم الوحيد أجيبيني قد اقتربت      نفسي ولكنها في الغيب لم تحن

    فأطرقت ثم أومت لي مؤشرة      إلى جبيني ومالت كي تطمئنني

    قالت محضتك مكنوني فكن رجلاً      في العمق من جرحي كالخنجر اليمني

    إلى آخر ما قال.

    وأعود إلى شرح الحديث.

    ممن بر والدته ابن سيرين عالم التابعين يقول: ما صعدت بيتاً منذ أن وجدت أمي خوفاً من أن أعلو أمي وهي تحتي، في المنزل! وكان إذا دنا معها في المائدة لا يرسل يده حتى ترسل يدها، يقول: أخاف أن آخذ لقمة تشتهيها فأكون عاقاً.

    ووصل رجل من أهل اليمن يطوف بأمه وهي عجوز، ويحملها على منكبه في حرارة مكة، ويطوف بالبيت، وعرقه يتصبب، فرأى ابن عمر فقال: يا بن عمر أوفيتها حقها؟ أبررتها؟ قال ابن عمر: لا والله ولا بزفرة واحدة.

    وتعلمون في الصحيحين قصة من انطبقت عليهم الصخرة: أولهم الرجل الذي فرجت له الصخرة بسبب أنه حلب نياقه ثم أتى إلى أبويه الشيخين، فوجدهما نائمين، فبقي واقفاً باللبن وأطفاله يتضاغون عند قدميه حتى طلع الفجر، وأطفاله يطلبون اللبن، فاستيقظ والداه فشربا اللبن، فلم يوقظهما لئلا يزعجهما، ففرجت له الصخرة بمقدار بره بوالديه.

    وتعلمون أن الأم مقدمة في الحق على الأب؛ فإن لها الاحترام الكثير، والخضوع الكبير، ولها ثلاثة أرباع الرقة والعطف والحنان، فإنها مرت بأمور وبأزمات وبوقفات لا يعلمها إلا الله، والوالد لم يمر إلا بربع ما مرت به من هذه المشاكل، ومن التربية والحنان على الولد.

    شرح قوله صلى الله عليه وسلم: {ووأد البنات}

    قوله عليه الصلاة والسلام: { ووأد البنات}:

    الوأد هو: دفن البنت حية، وكان الجاهليون يفعلون ذلك هروباً من عار البنت؛ فإنهم يقولون: البنت إذا ربت كانت عاراً على أهلها، وهذا منطق سخيف حرمه الإسلام، وقد جعله الله عز وجل من أعظم الذنوب، فإن رزق البنت على الله، وربما كانت البنت مباركة أعظم من بركة الولد، وقد منح صلى الله عليه وسلم من البنات أكثر من الأولاد، فحرم الله ذلك، وقال سبحانه: وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير:8-9] قرأ أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه: وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلْتْ [التكوير:8-9].. هكذا قرأ أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه بسكون اللام وكسر التاء الثانية في كلمة: (قُتِلْتِ).

    ويروى عن عمر والقصة ضعيفة ضعفها أهل السير، أنه كان يبكي في حياته حتى أخذ البكاء في خديه خطين أسودين، فقيل له في ذلك قال: أبكاني قصة ابنتي، وكانت في الجاهلية، ذهبت بها لأدفنها حية، فلما حفرت القبر وقع الغبار على لحيتي؛ فأخذت وهي صغيرة تنفض الغبار عن لحيتي قال: فدفنتها حية وهي تبكي.

    وورد عن قيس بن عاصم المنقري أنه أخذ ابنته وقد ربت ونشأت وترعرعت، فقال لأمها: حلي فلانة، فحلتها وطيبتها وغسلتها، فأخذها بيدها، فلما ذهب بها إلى بئر مطوية في بادية من بوادي بني تميم، فأشرفت على البئر، فنكسها على رأسها فماتت.

    وكان قيس عاقلاً لكن الجاهلية أذهبت عقل العاقل، وإلا فإنه الذي يقال له:

    عليك سلام الله قيس بن عاصم      ورحمته ما شاء أن يترحما

    تحية من ألبسته منك نعمةً     إذا زار عن شحط بلادك سلما

    وما كان قيس موته موت واحد     ولكنه بنيان قوم تهدما

    وقال سبحانه: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ [الأنعام:151] وقال: خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [الإسراء:31] والمعنى من فقر؛ فإن الرزاق هو الله عز وجل، فليس الأب الذي يرزق أولاده، ولذلك فتحديد النسل نظرية خاطئة؛ لأنها خوف من الرزق، لا يوافقها الإسلام ولا الكتاب ولا السنة، لأن الله هو الذي يرزق؛ قال تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6] وما ولد مولود إلا وقد تكفل الله برزقه وبأجله، وبسعيد أو شقي، وبعض الناس يكون فقيراً وليس له ولد، فإذا ولد له أولاد وبنات رزقه الله رزقاً عظيماً، ولا تدري لعل رزقك هذا الذي يمنحك الله إياه بسبب بنت لك واحدة، فإن الرزاق حقيقة هو الله وليس العباد.

    وأول من أحيا الموءودة في الجاهلية، ومنع أن توءد هو جَدُّ الفرزدق صعصعة بن ناجية، فإنه منع الموءودة أن توءد حتى يقول الفرزدق:

    وجدي الذي منع الوائدات      وأحيا الوئيد فلم توءد

    وكان جده فارهاً في العرب يقول: أحيا بإذن الله عز وجل في الجاهلية مائة فتاة ومنعهن من القتل، فكان يأتي الفتاة التي يريد أبوها ذبحها، فيأخذها ويربيها عنده حتى يزوجها: وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً [المائدة:32].

    وهذه -والحمد لله- ليست موجودة في عالم الإسلام، وما يقدم عليها أحد إلا من أضل الله سعيه وما سمعنا بذلك، لكن منع النسل وحجزه وحظره وإلغاؤه هو الذي أفتى فيه أهل العلم، أما تحديده فإن في المسألة تفصيلاً، وقد تكلم فيه بعض كبار العلماء، وكتبوا فيها رسائل، فقالوا: إذا كانت المرأة مريضة، ولا تستطيع مواصلة الحمل ويضرها؛ فإن لها أن تؤجل سنوات حتى تشفى، أو كان هناك ظروف خاصة لا يعلم بها، فإن لهم أن يحددوا فترة من الزمن، أما قطع النسل فهذا هو الممنوع الذي لا يجوز.

    وبعض الآباء يقول: أكتفي بطفلين أو بثلاثة، وهذا ليس في الإسلام؛ لك أن تحدد النسل، ولكن ليس لك أن تقطع النسل.

    1.   

    شرح قوله صلى الله عليه وسلم: (منعاً وهات)

    قال عليه الصلاة والسلام: (ومنعاً وهات).. أي: وحرَّم الله عز وجل المنع، وهو أن تمنع الحقوق التي عليك، والحقوق منها ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب، فالواجب كالزكاة والمستحب كالصدقة، وغيرها من الحقوق التي جعلها الله عز وجل في مال العبد، وفي خلقه، وفي شفاعتة، وفي جاهه ومنصبه ومسئوليته، فالمنع محرم، ويدخل في ذلك البخل، والبخل أذم خصلة وجدت في العبد، حتى قال الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى ذاماً اليهود: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة:64] قال ابن عباس كما في تفسير ابن كثير: بخيلة، وهم البخلاء عليهم لعنه الله.

    حتى إن بعض السلف من أدبه مع الله كان إذا قرأ: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا [المائدة:64] كان يقرؤها باستحياء يخفض بها صوته؛ لأنها في جانب العزة والجلالة سُبحَانَهُ وَتَعَالى، بل الله سبحانه هو الغني الجواد، وكل عبد يجود فهو من جوده سُبحَانَهُ وَتَعَالى، خزائنه لا تنفد لو أنفق ليلاً ونهاراً: (يد الله سحَّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنها لم تغض مما في يمينه إلا كما يغيض المخيط إذا أدخل البحر) قال تعالى: مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [النحل:96] وقال تعالى: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْأِنْفَاقِ وَكَانَ الْأِنْسَانُ قَتُوراً [الإسراء:100].

    ذم البخل

    ولو سئل الناس التراب لأوشكوا     إذا قيل هاتوا أن يملوا ويمنعوا

    التراب -وهو تراب- لو سألت الإنسان كل يوم مد تراب لمنعك، يقول: في هذا التراب سر ولعل فيه ذهباً، فالإنسان شحيح وأكرم الأكرمين هو الله، يطعم الفاجر ويسقيه ويعطيه، ويسكنه ناطحات السحاب وهو كافر.

    وقرأت في ترجمة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام أنه كان له عبدان رقيقان يرسلهما مع صلاة المغرب، ويقول: أوقدا ناراً عظيمة، وقد كان إبراهيم عليه السلام كريماً، وكان عند الضيافة يروغ، قال تعالى: فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات:26] والضيوف قليل جاء بعجل فيقول لرقيقه: من أتى منكم بضيف فهو حر لوجه الله.

    فتصور حرص هذا المولى على أن يجد ضيفاً، فوجد ضيفاً كافراً فأتى به، فأدخله على إبراهيم عليه السلام، وصحفة إبراهيم دائماًُ مليئة بالطعام المبارك وباللحم، وقربه إبراهيم وقال: قل بسم الله! قال الكافر: ما أعرف بسم الله!

    وهذا سيد التوحيد، ورئيس قسم العقيدة، يقول الكافر: ما أعرف بسم الله قال إبراهيم عليه السلام: والله لا تأكل لقمة، كيف لا تعرف بسم الله الذي أقام السماوات والأرض: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً [الفرقان:60] فأخذ عصاه وخرج، فأوحى الله إلى إبراهيم، عجباً لك يا خليل الرحمن! هذا الكافر أطعمته وأسقيته سبعين سنة وأنت ما أطعمته ليلة.

    من الذي أطعمه في عمره؟ الله.

    فسبحان الجواد الكريم!

    قال الله تعالى في البخلاء: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ [الحديد:24] بعض الناس بخيل من درجة ممتازة، البخل مركب فيه يرثه أباً عن جد بسند قوي، فهو بخيل، وأبوه بخيل، وجده بخيل، فتجد البخل يجري في دمه، فيقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ [الحديد:24].. وتجد بعض الناس يلقي محاضرات في البخل، ويوصي جيرانه وجماعته، يقول لأحدهم: عليك بحفظ المال لا تضيف هؤلاء، اتق الله في مالك، فلن ينفعك إلا درهمك الأبيض في يومك الأسود! ويضع أحاديث في هذا.

    وسوف أقص عليكم بعض قصص البخلاء، وقد ألف فيه بعض الفضلاء كـالجاحظ بعنوان البخلاء والخطيب البغدادي أيضاً بعنوان: البخلاء.

    فأما الخطيب البغدادي، فأتى بآيات وأحاديث وقصص، وأما الجاحظ فجرده قصصاً أدبية، وكلا الكتابين فيهما مسرح للنظر وللفكر، ولا بأس بإيراد بعض الشيء.

    قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38] أي: فالذي يبخل لا يبخل إلا على نفسه لا على الله، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:79] فالبخل مقيت، قال بعض أهل الأدب: كان أعظم عيب عند العرب البخل.

    البخل ينافي السيادة

    سأل عليه الصلاة والسلام بني سلمة -وهم يسكنون في قباء - قال: {من سيدكم يا بني سلمة؟ قالوا: سيدنا الجد بن قيس على بخل فيه، قال: وهل داء أدوى من البخل؟! بل سيدكم الجعد الأبيض عمرو بن الجموح} أما هذا فليس بسيد، فخلعوه من تلك الليلة وولى عليهم عمرو بن الجموح؛ لأنه يستحق السيادة، أما البخيل فلا يستحقها.

    وعند الترمذي بسند فيه كلام: {السخي قريب من الله قريب من عباده، والبخيل بعيد من الله، بعيد من عباده، بعيد من الجنة} أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    وقد أسهب الجاحظ وهو يكتب عن البخلاء وعن قصصهم، ثم أتى الخطيب البغدادي المحدث الشهير فكتب كتاباً فذكر البخلاء من طبقات الناس: من بخل بخبزه، من بخل بطعامه، من بخل بوقته، لأن البخل أنواع، ومنهم من يبخل بالعلم، حتى تجده من أبخل الناس بالعلم، ومنهم من يبخل بجاهه، ومنهم من يبخل بوقته، ومنهم من يبخل بواسطته وشفاعته، والجود منحة ربانية يمنحها الله من يشاء.

    وفد عبد الله بن قيس الرقيات الشاعر على عبد الله بن الزبير رضي الله عنه فوقف عليه وابن الزبير أمير المؤمنين لمدة ست سنوات فقال:

    أتيتك من بلد بعيد ناءٍ، نقبت ناقتي وكلَّ مسعاي وضمر جسمي أريد أعطية منك.

    قال: أما أن ناقتك نقبت -أي أنها أصابها حفى- فخذ لها جلداً وحذها به، وأما أنت فأعطيك تمراً تأكله الآن، فقال: لعن الله ناقة حملتني إليك.

    فقال: إن وصاحبها!

    بداية وهذا شاهد في النحو ذكره ابن هشام في كتاب شذور الذهب، معناها: نعم وصاحبها، فذهب هذا وكان شاعراً فقال:

    أرى الحاجات عند أبي خبيب      نكدن ولا أمية في البلاد

    من الأعياص أو من آل حرب      أغر كغرة الفرس الجواد

    يقول: يا أبا خبيب! نكدت عندك الحاجات، أين بنو أمية؟ لأنهم ينافسونه، فذهب إلى عبد الملك فأعطاه عشر نوق، وملأهن براً وزبيباً وتمراً.

    فالمقصود أن العبد إذا قُصد فعليه أن يعطي، وأن تحمد الله أن جعلك مقصوداً لا قاصداً، وأن جعلك يرتادك الناس لا يرتادون غيرك أو لا تكون أنت مرتاداً لهم.

    ومما ذكر: أن رجلاً أتى علي بن أبي طالب -ذكره صاحب كتاب عيون الأخبار - فقال له علي: أمسك ماء وجهك، لا تكلمني بحاجتك واكتبها، فكتبها على التراب يقول: أريد حلة يعني أريد ثوباً، فكساه علي رضي الله عنه حلة من أجمل الحلل، قالوا: خلع حلته التي يصلي بها العيد والجمع فأعطاه، فقال الرجل:

    كسوتني حلةً تبلى محاسنها      لأكسونك من حسن الثنا حللا

    يقول: أنت كسوتني حلة واحدة والله لأكسونك حللاً من الثناء تبقى إلى آخر الدهر، وحسن الثناء مطلوب في الإسلام؛ قال تعالى: وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ [الشعراء:84] يكسبه الإنسان بالمعروف والكرم.

    من قصص البخلاء

    والبخلاء قصصهم عجيبة وغريبة، منهم أبو الأسود الدؤلي النحوي كان بخيلاً بالطعام، يرفع عنه القلم إذا رأى ضيفاً، وإذا قدمت مائدته امرأته رفع عنه القلم قالوا: فإذا رأى ضيفاً احمر وجهه، واختلفت عيناه، وأصبح يضرب سوطاً من بعيد "خطر ممنوع الاقتراب" فكان إذا قدمت امرأته طعاماً له قال: أغلقي الباب، فقدمت يوماً عشاءه ونسيت الباب، فاقتحم ضيف فقير مسكين، دخل عليه وجلس معه على المائدة، فجلس يأكل، وغضب أبو الأسود الدؤلي وقامت قيامته، فلما تعشى الضيف قام أبو الأسود إلى حبل، فشد الضيف يده اليمنى برجله اليسرى، وقال: والله لا أتركك في الليل تؤذي المسلمين، فهو يعتبر العشاء هذا إيذاءً للمسلمين، فحبسه حتى صلاة الفجر، ذكره أهل العلم فيمن ذكروا.

    ومنهم أحد أهل العلم رجل من أعيان المدينة كان سخياً بالمال بخيلاً بالطعام، وإذا أكلت عنده تغديت أو تعشيت استحل دمك، يقول أهل العلم: كان يستحل دم من يتعشى عنده، وكان والياً على المدينة، وهذا ذكره الخطيب البغدادي، وذكره الجاحظ وأهل الأدب، فدخل عليه ستة، ومعهم أشعب الطماع الذي يتبع الأعراس والولائم والحفلات ليأكل دائماً، وأشعب هذا يأكل أكل أربعة، فدخل مع الستة، فقال الستة بعضهم لبعض: انتبهوا لوالي المدينة لا تأكلوا عنده شيئاً، نريد غرضنا فقط، فوالله إن أكلتم لا يلبي طلبكم، ويستحل دماءكم، فجلسوا وكان غداء الوالي مازال على النار، وكان جدياً يطبخ، فجلس قال: تغديتم يريد أن يستأمن قالوا: الحمد لله، والله لا نريد شيئاً، قال: ما وراء الله مذهب، كفى بالله حسيباً من أقسم بالله بررناه، لو أنكم تركتم القسم لتغديتم معي، قالوا: لا والله تغدينا، قال: الحمد لله، فلما أتى بالغداء قال: تفضل يا أشعب -وكان يظن أنه سيقول: لا والله تغديت- قال: نعم فقام فأخذ جنب الجدي فمسحه، ثم جنبه الآخر فمسحه، ثم أقبل على الرأس فشذرمه، ووصل إلى اليد، فغضب هذا الوالي حتى أصبح يخالط في عقله، فلما انتهى قال: قبل أن تذهب يا أشعب -يريد أن يوقعه- عندنا أناس في سجن المدينة نريد أن تدخل معهم في رمضان تعلمهم القرآن لأنك تحفظ كتاب الله، والله! لتدخلن في رمضان فتصلي بهم كل رمضان، يقول أشعب: لا. وأعاهدك بالله عز وجل ألا آكل لك طعاماً بعد اليوم -وهذا مما ذكروه في هذا الباب- فأطلقه.

    قوله صلى الله عليه وسلم: { ومنعاً} المنع: البخل.

    ومن أقسام البخل قسم عظيم خطير، وهو البخل بالعلم والفائدة؛ قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [البقرة:159].. يبخل بالدعوة وبالموعظة، يبخل بالتوجيه والتربية وهو عالم ومتعلم وعنده خير، فهو من صف البخلاء الذين لعنهم الله؛ لأن الله يقول في بني إسرائيل حين بخلوا بالعلم: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:37] فأبخل الناس بالفائدة اليهود ومن سار على منوالهم من هذه الأمة.

    الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله من البخل ومن الجبن، وقد قسم في يوم واحد سبعة آلاف ناقة وأربعة وعشرين ألف رأس من الغنم، ثم لحقه أعراب الناس يطاردونه يريدون مالاً، فنشب كساؤه بشجرة، فقال صلى الله عليه وسلم: {خلوا كسائي أيها الناس؛ فو الذي نفسي بيده! لو كان لي عدد عضاة تهامة غنماً وإبلاً لأنفقتها؛ ثم لا تجدونني بخيلاً ولا جباناً ولا كذاباً} عليه الصلاة والسلام.

    ذم السؤال لغير حاجة

    وقوله صلى الله عليه وسلم: { ومنعاً وهات} فيه ذم السؤال، "هات" أي: الذي يسأل الناس تكثراً بلا حاجة، فقد ذمه صلى الله عليه وسلم، قال الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً [البقرة:273] وقال صلى الله عليه وسلم في الصحيح: {لأن يأخذ أحدكم حباله فيذهب إلى الجبال فيحتطب ويبيع خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه}.. لا يحوز لك أن تسأل تكثراً عما يغنيك، فإنه حرام، ولذلك أحذر الذين اتخذوا الشحاذة والمسألة طريقاً في جمع الأموال، بل كشف عن بعضهم فإذا هو يمتلك خمسمائة ألف، وبعضهم بلغ الملايين المملينة في البنوك، وهو يتخذ من الشحاذة طريقاً ومهنة، وسوف يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم.. بل عظام فقط، قال صلى الله عليه وسلم: {من يسأل الناس تكثراً فإنما يسأل جمراً فليستقل أو ليستكثر، ولا تزال المسألة بالرجل حتى يأتي وجهه خدوش ليس فيه مزعة لحم يوم القيامة} يأتي ووجهه مقطع لأنه ما استحيا من الله، ثم ما استحيا من خلقه، ولا تجوز المسألة للقوي الذي يكسب ويستطيع أن يزاول العمل، ولا تجوز أيضاً لمن عنده غنى وكسب.

    ولذلك يفاجأ الإنسان حين يرى الأقوياء الفتيان الشباب يقفون أمام الناس، ويسأل أحدهم.. يا خيبتاه! شاب قوي يستطيع أن يعمل، يستطيع أن يكدح ويشتغل وينتج ومع هذا يسأل الناس، ومثل هذا لا يعطى لأنه قوي يستطيع أن يكسب.

    كان رجل في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم يسأل الناس، فدعاه صلى الله عليه وسلم فأعطاه درهمين، ثم قال: {اشتر بهذا قدوماً أو فأساً، وخذ بهذا طعاماً لأهلك} يعلمه صلى الله عليه وسلم طريقة الإنتاج والعمل، يفتح له ورشة، وطريقاً للعمل والكسب وطلب الرزق الحلال، فذهب واشترى طعاماً لأهله، ثم أتى بفأس فأتي به في خشبة فركبه له صلى الله عليه وسلم ليكون مباركاً وقال: {اذهب بارك الله لك.. لا أراك شهراً} فيما يروى عنه، يقول: اذهب احتطب وبع، فكان يذهب في النهار، فيقتطع من الشجر، ويبيع في أسواق المدينة حتى أصبح غنياً، فأتى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فأخبره أنه أصبح غنياً، وقد أطعم أهله وكساهم وتصدق؛ قال صلى الله عليه وسلم: {لأن يذهب أحدكم فيأخذ حبالاً فيحتطب فيبيع خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه}.

    فالتحذير من هات.. هات؛ لأن بعض الناس يدمن على هذا، فيصبح وجهه صفيقاً لا حياء فيه، فيطلب الناس لغير الحاجة، حتى إن بعضهم قد يطلب لبعض الديون البسيطة التي على الناس أكثر منها، يفاجئك ويطلب يقول: علي مبلغ كذا وكذا، ولقد مات عليه الصلاة والسلام ودرعه مرهونة في ثلاثين صاعاً من شعير ولا يوجد من سلم من الدين.

    ومات الخلفاء الراشدون وأكثرهم مدين، وكذلك العلماء والأخيار والأبرار، فأن يجعل الإنسان وجهه صفيقاً وهو شاب قوي قادر ليس بصحيح.

    أيضاً الإسلام يعالج مبدأ العطالة والبطالة، ونحن نعيشها في بعض الصور، فقد تجد الشاب كسلان لا يشتغل، طرق العمل مفتوحة لكن لكسله يقف دائماً حائراً نائماً في بيته يتسلف ويقترض من الناس، فلا ينفع أهله ولا ينفع نفسه ولا أمته، فمثل هذا يحذر منه الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: {اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول} فاليد العليا هي اليد المعطية، واليد السفلى هي اليد الآخذة.

    وقد بايع صلى الله عليه وسلم جماعة من صحابته (ستة أو سبعة) على ألا يسألوا الناس شيئاً، ومنهم أبو بكر الصديق ومالك بن عوف، فكان يسقط سوط أحدهم في الأرض، فلا يقول للرجل: (ناولني) بل ينـزل بنفسه يأخذه، فبايعهم صلى الله عليه وسلم تكريما لهم على ألا يسأل أحدهم الناس شيئاً.

    فمن كرامتك على الله عز وجل أن يغنيك عمن أغناه عنك، ومن الدعاء الطيب: اللهم أغننا عمن أغنيته عنا، فلا يكون لك حاجة إلى أحد؛ إنما حاجتك إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، إلا في ضرورات لا بد منها كالديات أو بعض الورطات أو الحوادث التي لا يستطيع الإنسان تسديدها.

    يقول المقنع الكندي يمدح نفسه:

    لهم جل مالي إن تتابع لي غنىً      وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا

    يقول: أنا إن كثر مالي أنفقته على قومي، وإذا قل لا أكلفهم رفداً.

    وإنما بلغ حاتم الطائي هذا الذكر العظيم في الناس؛ أنه كان إذا وضع الطعام بين يديه يقول لامرأته: التمسي من يأكل معي، فإني لا آكل وحدي، فيبقى الطعام موضوعاً حتى تأتي امرأته أو أبناؤه بضيف، حتى يقول في قصيدة له:

    إذا ما وضعت الزاد فالتمسي له      أكيلاً فإني لست آكله وحدي

    وقال عروة بن الورد في قصيدة له:

    أتهزأ مني أن سمنتَ وأن ترى      بوجهي شحوب الحق والحق جاهد

    أوزع جسمي في جسوم كثيرة      وأحسو قراح الماء والماء بارد

    فإني امرؤ عافي إنائي شركة     وأنت امرؤ عافي إنائك واحد

    وهي أبيات جميلة لا يتسع المقام لذكرها.

    1.   

    شرح قوله صلى الله عليه وسلم: (قيل وقال)

    وقوله عليه الصلاة والسلام: ( وكره لكم: قيل وقال) من معانيه عند أهل العلم: نقل الكلام على وجه الأذية، أو للإفساد بين متحابين، أو إثارة الفتنة بين الناس، فإن هذا مذموم، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (لا يدخل الجنة قتات) وهو الذي ينقل الكلام، وفي رواية: (نمام).

    وقيل: إن (قيل وقال) هو الفارغ بلا عمل الذي يجلس في مجالس الناس، ويقول: قالوا وسمعت، وقالوا وقلنا ويقولون، وقال صلى الله عليه وسلم: (بئس مطية الرجل زعموا) وهي مطية كل رجل مخذول مرذول ليس له ثبات في الإيمان، وقيل: المقصود عدم التثبت، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36] فعدم التثبت من الأخبار ونقل الشائعات أمر مرذول محرم على المسلم لقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6] ولذلك تجد أحدهم يصدق الشائعة وهي الكذبة تطير في الآفاق، وهؤلاء مغضوب عليهم عند الله عز وجل، وهم الذي يأخذون الكلام بغير تثبت، ولا يسندون أخبارهم، ولا يتثبتون، فيكونون هم مصدر الإشاعات وتربيتها في الناس ونشرها.

    وقيل: الردود والجدل؛ وهم الذي يتشاغلون في حياتهم بالجدل، وما أعرض قوم عن كتاب الله إلا أوتوا وأورثوا الجدل، فإذا رأيت الإنسان ترك العلم الشرعي وبحث المسائل والتحقيق؛ ابتلاه الله بالجدل، فيعيش مخالفاً دائماً، وسوف يأتي كلام عن المعضلات، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه) فإذا تركت مالا يعنيك كفاك الله عز وجل ما يعنيك، وساعدك في أمورك وأيدك وسددك، أما إذا تشاغلت بشيء لا يعنيك ابتلاك الله عز وجل فما قمت بما يعنيك.

    وقد قال صلى الله عليه وسلم لـمعاذ كما في الترمذي وأحمد (كف عليك هذا. قال: وإنا لمؤاخذون -يا رسول الله- بما نقول؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم).

    ويروى: (من صمت نجا).. ولا ينجو العبد إلا إذا أمسك لسانه عن فضول الكلام وعن الغيبة والنميمة والزور ونقل الشائعات، وعن الافتراء والتعرض للمسلمين، قال عليه الصلاة والسلام لـعقبة بن عامر وقد قال له: يا رسول الله! ما النجاة؟ قال: (كف عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك) رواه الترمذي وهو حديث حسن.

    فكف لسانك أي: احبسه، قال ابن مسعود: [[والله ما شيء أحق بطول حبس من لسان]] وكان أبو بكر يبكي ويمسك لسانه ويقول: [[هذا الذي أوردني الموارد]] وكان ابن عباس يقف ويبكي على الصفا ويأخذ لسانه ويقول: [[يا لسان قل خيراً تغنم أو اسكت عن شر تسلم]].

    وما أهلكنا إلا ألسنتنا، فنسأل الله عز وجل أن يسدد منا القول والعمل، وأن يجنبنا وإياكم الفتن والزلل والمحن، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    النهي عن الإتيان بالغرائب

    ومن آداب المسلم في النهي عن القيل والقال: أن يتقي الله ولا يأتي بالغرائب، والدين هو المشهور الذي تقبله العقول والأذهان، ولا تنكره العقول ولا القلوب، فإذا رأيت الإنسان يورد العجائب والتهاويل في كلامه فاعرف أنه يريد شيئاً، ولذلك سمى الأئمة هؤلاء وضاعين كذابين قصاصين خرافيين، الذي يأتي بالغرائب مثل صاحب كتاب بدائع الزهور في وقائع الدهور فإنه أتى بغرائب من ضمنها يقول: ملك من الملائكة في بحر من البحار إذا جاع أخذ سمكة ورفعها إلى الشمس فقربها من الشمس وشواها وأكلها، هذا لا يقبله العقل ولم يأتِ به وحي، قال: وتحت الأرض السابعة نخلة ثمرها في السماء رطب من در، وهذا كذب، ثم يأتونك بأوصاف ما أنـزل الله بها من سلطان لأن الذي تقبله العقول هو الدين الأصيل.

    اذهب إلى جمهوريات الاتحاد السوفيتي، وانظر كيف ينتشر الإسلام عبر المحيط، واذهب إلى أوروبا وسافر إلى أستراليا فهو يبلغ مبلغ الليل والنهار؛ لأن العقول تقبله، فإنه دين أصيل يخاطب الفطرة قال تعالى: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30] ليس فيه خرافة ولا كذب ولا تدليس ولا تلبيس ولا مداجاة، بل كله حق كما يقول تعالى: إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ [الذاريات:23] صدقٌ ووضوحٌ مثل الفجر.

    ولذلك ألف ابن تيمية كتاب درء تعارض العقل والنقل ومما يؤثر عنه أنه قال على منبر مسجد بني أمية في دمشق: أتحدى العالم أن يوجد في الشريعة نصاً يعارض العقل أو يعارضه العقل، وألف كتابه العظيم هذا الذي قال عنه ابن القيم: ما طرق العالم مثله، فالدين تقبله العقول، أما إذا رأيت الخرافات والخزعبلات والغرائب فاتهم صاحبها.

    السؤال المحمود والمذموم

    قال عليه الصلاة والسلام: { وكثرة السؤال}.

    السؤال قسمان: فذم عليه الصلاة والسلام قسماً.

    أما السؤال الممدوح فهو سؤال العلماء، وطلبة العلم، والدعاة، حتى يقال: سل عن دينك حتى يقول الناس: إنك مجنون، قيل لـابن عباس: كيف أوتيت هذا العلم؟ قال: [[بلسان سئول وقلب عقول]] فأنا أوصيك أن تسأل كثيراً، وأن تكون ملحاحاً في الأسئلة العلمية التي تنفعك في فقه الدين وفي تحقيق المسائل، واكتشاف الشريعة، فهذا يقربك من الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى:

    وسل الفقيه تكن فقيهاً مثله     من يجر في علم فقيه يمهر

    فلابد أن تسألوا فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43].. وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83] فالواجب على المسلم أن يسأل ولا يقول: أكثرت في الأسئلة فلن أسأل كثيراً، لكن تجنب أمرين: لا تسأل عن المعضلات والألغاز، ولا تسأل بقصد أن تعجز العالم أو الداعية أو طالب العلم، لأن بعضهم يريد أن يعجز أو يضحك الناس على العالم، وبعضهم أسئلته ألغاز لا فائدة فيها، ولا مصلحة منها، مثل: ما هي الكلمة التي إذا حذفنا حرف الوسط خرج لنا اسم سيارة؟ ما هو اللفظ الذي إذا أتينا بالحرف الأول والحرف الثاني...

    فهذا ضياع للأوقات، نحن أمة عاملة متفقهة شاهدة، أمة وسط نعيش في علم الحياة، وهؤلاء لو أدركهم عمر بن الخطاب لأوجعهم بالدرة، أما أن تأتينا بحروف وخزعبلات وألغاز فوقتنا أضيق من أن يكون للألغاز.

    أيضاً مسألة السؤال عما لم يقع، لأن بعض الناس يسأل عن أمور ما وقعت، يقول مثلاً: من وقف على سماء عرفة ولم يقف على الأرض ما حكم حجه؟ وهل حدث هذا؟!

    وأحدهم يقول: لو قال لامرأته إذا طرتِ فأنت طالق فطارت المرأة فوقعت هل طلقت أم لا؟

    فهذه الأسئلة لا توقعها ولا تأتِ بها، اسأل عن شيء وقع أو مثله يقع في الناس على قياسك.

    وأما نهيه صلى الله عليه وسلم عن كثرة السؤال فهو يلحق بالأول إما أنها السؤالات العلمية كقول مالك: "هي السؤال عن المعضلات" كمن يسأل عن مسألة فرضية ما وقعت إنما قصده أن يكبت العالم أمام الناس، أو يسأله عن أشياء قرأها هو وفهمها، ويريد أن يكتشف قوة هذا، فيريد أن يحرجه أمام الناس، فهذا لا يبارك الله في علمه ويطفئ نوره؛ لأنه أراد إحراج الناس صراحة وما أراد خيراً بالأمة، أو يسأل عن أمور ما وقعت كما قلت.

    ويلحق بكثرة السؤال الذين يسألون تكثراً في الأموال فوق الحاجة، أما الحاجة الملحة فيجوز للإنسان أن يسأل بالطرق المشروعة أما أكثر فمحرم.

    1.   

    حكم إضاعة المال

    ثم قال: ( وإضاعة المال) فكره الله لنا إضاعة المال، وهو صرفه على وجه الإسراف والتبذير قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً [الإسراء:26-27] وقال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً [الفرقان:67] وقال: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً [الإسراء:29].

    فعلى العبد التوسط بالإنفاق في أمور الخير كما أخبرنا بذلك سُبحَانَهُ وَتَعَالى، فلا يكون مبذراً بذخاً ولا يكون مقتراً بخيلاً.

    من ورع الصحابة في الإنفاق

    ومنها أن العبد لا ينفق في الطيبات إسرافاً، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا [الأحقاف:20] وفي سيرة جابر بن عبد الله رضي الله عنه وأرضاه أنه اشترى لأهله لحماً من السوق، وذلك مرة في الأسبوع.

    فما بالك بالأسر التي تعيش كل يوم على لحم، وبعض الناس لا يجدون اللحم في السنة مرة.

    عمر كان يعيش عيشة متقشفة، وهو خليفة يحكم اثنتين وعشرين دولة من طنجة إلى السند، ومع ذلك يبل الشعير في الزيت ويأكله، ويقرقر بطنه، ويشكو الجوع، ويخور ويبكي فقال لبطنه: [[قرقر أو لا تقرقر، والله! لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين]] فهذا عمر.

    فخرج عمر إلى السوق، فلقيه جابر، وجابر قد اشترى لحماً، فخاف من عمر -انظر الرعية يشترون من أموالهم- فجعل اللحم تحت إبطه قال عمر: ما هذا؟ وكان عمر رضي الله عنه وأرضاه بازاً قارحاً ذكياً داهيةً كما قال ابن عباس، قال: لحم اشتهيته فاشتريته، قال: أكلما اشتهيت اشتريت؟! والذي نفسي بيده! إني لأعلمكم بأحسن الأكل وأطايب الطعام، ولكني أخشى أن أقدم على الله يوم القيامة فيقال لي: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا [الأحقاف:20].

    لما اشتهت زوجه الحلوى فقال لها      من أين لي ثمن الحلوى فأشريها

    قد كنت أعدى أعاديها فصرت لها     بفضل ربك حصناً من أعاديها

    هذا شيء.

    من إضاعة المال صرفه في المعاصي وكثرة البناء

    وقال بعضهم: هو صرف الأموال في المعاصي، أو في محاربة الحق، فمثل من يصرفها في المعاصي كمن يفتح مكاناً لتسجيلات الغناء، فيستأجر عاملاً، ويصرف الألوف المؤلفة في إغواء أجيال الأمة، ويصرف الغناء بأشرطة ويدخلها البيوت على الناس، أو محل الفيديو المهدم أو ترويج الفاحشة، أو المجلة الخليعة أو غير ذلك، وقد قال عنهم سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ [الأنفال:36].. هم ينفقونها صراحة لكنها سوف تكون عليهم حسرة، سوف يذوقون الغصص لأنهم حاربوا الله بهذا المال.

    أيضاً من يصرفها في المعاصي كمن يسافر ليعصي الله عز وجل ولا يتصدق ولا ينفق ولا يبني المساجد ولا يساهم في الخير، فهؤلاء يلحق بهم قول الله تعالى: فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ [الأنفال:36].

    ومن وجوه الإسراف كثرة البناء، قال خباب بن الأرت: [[يؤجر العبد إلا ما وضع في هذا التراب]].

    قيل: في البناء الزائد عن الحاجة، فإن بعض الناس هوايته البناء، حتى تجد رجله في القبر أي بلغ السبعين والثمانين وهو يلاحق المؤسسات، والعمال، والإسمنت، والحديد والماء، وهو مبهذل الليل والنهار.. كم تعيش؟!

    يا عامراً لخراب الدهر مجتهداً      بالله هل لخراب الدار عمران

    دار أذن الله من فوق العرش بخرابها: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة:21] وكتب عليها الفناء:

    كتب الموت على الكل فكم      فل من جيش وأفنى من دول

    حارت الأفكار في قدرة من      قد هدانا سبلنا عز وجل

    وتجد الإنسان في السبعين -وهي من سبعين الاستغفار والتوبة والبكاء ولبس الكفن- مغرماً بالعمارات والبناء قال سفيان الثوري: "من بلغ الستين فليلبس كفناً فقد أعذر الله إليه" قال الله في لافتة لهؤلاء: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ [فاطر:37].

    يا عامراً لخراب الدهر مجتهداً      بالله هل لخراب الدار عمرانُ؟

    ويا حريصاً على الأموال تجمعها      أقصر فإن سرور المال أحزانُ

    وقد نظم الشعراء في ذلك أبياتاً جليلة وقصائد، ولولا الإطالة لذكرتها، ولأسهبت في ذكرها، ولكن على كل حال هذا تحذير من إضاعة المال في بناء وكثرة العمارات لغير مصلحة، إلا لمصلحة شرعية أو مقاصد من تنمية المال ليسهم به في وجوه الخير، وينسب إلى إبراهيم الصولي أنه قال:

    لا دار للمرء بعد الموت يسكنها      إلا التي كان قبل الموت بانيها

    دارك التي تسكن وتنـزلها غداً هي التي بنيت الآن.

    فإن بناها بخير طاب مسكنه     وإن بناها بشر خاب بانيها

    أموالنا لذوي الميراث نجمعها     ودورنا لخراب الدهر نبنيها

    سبحان الواحد الأحد! يموت أحدهم ولا يأخذ إلا الكفن ويترك عشرات القصور، وعشرات البساتين، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام:94].

    قال الإلبيري:

    وما يجديك تشييد المباني      إذا بالجهل نفسك قد هدمتا

    تفر من الهجير وتتقيه      فهلا من جهنم قد فررتا

    وتشفق للمصر على الخطايا      وترحمه ونفسك ما رحمتا

    خير الأمور الوسط

    قال ابن عباس وهذا الحديث في الترمذي مرفوعاً عند بعض أهل العلم: {كل واشرب وتصدق من غير سرف ولا مخيلة}.. وهذا لا يعني أنا نحرم على الناس الطيبات؛ فإن الله يقول: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف:32] ففي حدود الاقتصاد قال تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31]. مأذون للعبد أن يشرب وأن يسكن وأن يأكل في حدود التعقل والاقتصاد بلا كبر ولا رياء ولا مخيلة، قال تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنفال:47].

    ثم هناك مسألة وهي أنه لا بأس بجمع المال، ولا بأس بتحصيله من الوجوه الشرعية لتحفظ به ماء وجهك، ولا تترك أسرتك عالة يتكففون الناس، وفي الأثر: {ما عال من اقتصد} وقال عليه الصلاة والسلام في الصحيح لـسعد: {إنك أن تترك ذريتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس} أي: يسألون الناس، قال الشاعر:

    قليل المال تصلحه فيبقى      ولا يبقى الكثير مع الفساد

    فبين الإسراف وبين البخل منـزلة أمرنا بها الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    هذا حديثه عليه الصلاة والسلام: {إن الله حرم عليكم: عقوق الأمهات، ووأد البنات ومنعاً وهات، وكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال} هنا لك أن تقرأه على السكون والوقف: {إن الله حرم عليكم: عقوق الأمهات.. ووأد البنات.. ومنعاً وهات.. وكره لكم: قيل وقال.. وكثرة السؤال.. وإضاعة المال}.

    اتفق الشيخان على إخراج هذا الحديث، وأنا أرى أن يحفظه من أراد أن يخطب به للناس، لأنه عناصر، ولأن في لفظه عليه الصلاة والسلام بركة.

    وسبحان الله! لا يأتي العبد إلى ألفاظه عليه الصلاة والسلام ليشرحها على الناس إلا فتح له بإذن الله وسهل أمره وسدد.

    ما بقي من الوقت سوف أعالج به قضايا إن شاء الله، وأسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية والرشد والسداد، أسأله بأسمائه الحسنى أن يصلحنا ظاهراً وباطناً، وأن يرعانا ويحفظنا وإياكم، وأن يغفر ذنوبنا وخطايانا، وأن ينصر الإسلام والمسلمين.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

    1.   

    الأسئلة

    .

    حكم الاختلاف في المناهج وأساليب الدعوة

    السؤال: هنا بعض القضايا يعيشها الشباب، ويعرف ذلك من يخالط الشباب ويجلس معهم، ويسمع ويقرأ رسائلهم، ويسمع أخبارهم ويستمع لهم، منها: الاختلاف في مناهج وأساليب الدعوة، فما هي نصيحتكم؟

    الجواب: أولاً: الاختلاف في مناهج الدعوة أو في أساليبها وكلٌ فيها مجتهد، ومن اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، فلا تثريب على من خالف في الأسلوب إذا كان شرعياً.

    فإن بعض الناس يرى في أسلوب الدعوة أن الموعظة هي الكفيلة بإصلاح الناس، وبعضهم يرى أن دعوة الناس فرداً فرداً هو الأصلح، وبعضهم يرى أن تأليف الكتب هو أمكن وأمتن، وبعضهم يرى أن الفتيا باب عظيم في نفع الناس، فيؤجر صاحب الفتوى، وصاحب الموعظة، والخطيب، والداعية والذي يربي الناس، كل على اجتهاده وعمله: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ [البقرة:60].

    فلا داعي للتحقير من جهود الناس؛ لأن بعض الناس حتى ولو كان داعية إذا سلك طريقاً أو أسلوباً وأعجبه أخذ ينكر الأسلوب الآخر، وأخذ يعترض على الأسلوب الآخر، وهذا لا يحق له.

    فالله هيأ ذاك لهذا الأسلوب، وهو لا يستطيع إلا أن يكون خطيباً، وأنت لا تستطيع إلا أن تكون مفتياً؛ فاعذره يا أخي! وتعاون معه، واشكر له سعيه، وادع الله أن يسدده، وأن يسهل أمره، لأن الأمة لابد أن تتكاتف، فالأمة كلها لا يستطيع الأفراد فيها أن يقوموا بالدعوة، فلا يستطيع الفرد في وقت واحد أن يكون أديباً، وخطيباً، وكاتباً، ومفتياً، وواعظاً، ومربياً، ولذلك وزع الله على الناس المهمات ليقوموا بها جميعاً.

    الفجوة بين العلماء وطلاب العلم

    السؤال: توجد فجوة بين العلماء وطلبة العلم.

    الجواب: هذه بدأت تتلاشى بإذن الله، والآن هناك اتصال بين طلبة العلم والعلماء، وإني من هذا المكان أتشرف أن أوجه الجيل إلى عالم الأمة سماحة الشيخ الجليل عبد العزيز بن باز، في أن يسمعوا كلامه وخطبه ومواعظه وكتبه؛ فإنه العالم الرباني، ولا أعلم عالماً الآن في العالم الإسلامي -وهم كثير- من بلغ هذه المنـزلة إلا هو، أسأل الله أن يبارك في عمره، وقد سبق قبل سنة ونصف محاضرة لي بعنوان: الممتاز في مناقب الشيخ ابن باز، ولعلي بعد فترة أجمع معلومات جديدة عن سماحة الشيخ ممن يقرب منه من محبيه وطلابه وأبنائه بعنوان: الداعية الإنسان، إن شاء الله يكون فيها الجديد في الطرح.

    فالآن الحمد لله الدعاة قريبون من الشيخ لسماع مواعظه ونصائحه وتوجيهاته وتربيته، وأمثاله من العلماء الأفاضل كفضيلة الشيخ: محمد الصالح العثيمين، وفضيلة الشيخ الدكتور: صالح الفوزان، وفضيلة الشيخ: عبد العزيز آل الشيخ والشيخ: صالح اللحيدان والشيخ: عبد الله بن غديان والشيخ الجليل: عبد الله بن جبرين، والشيخ الجليل: عبد الله بن قعود، والشيخ: عبد الرحمن البراك، فهؤلاء علماء أهل السنة والجماعة في هذا العصر، ومعهم علماء كثير في العالم الإسلامي فليس العلم حكراً عليهم، لكن الذين نقترب منهم كثيراً ونجالسهم ونتصل بهم هم هؤلاء الذين سميت في هذه الجلسة وغيرهم كثير.

    نصيحة لشباب تائبين

    السؤال: حضر معنا هذه الليلة شباب عائدون تائبون لله، ولأول مرة يحضرون هذه الدروس، فأرجوك أن تقدم لهم نصيحة ثمينة غالية، وأرجوك أن تدعو الله لهم، حفظكم الله ورعاكم.

    الجواب: الأخوة العائدون إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى الذين حضروا هذا الدرس، ومن أجلهم كتب هذا السؤال، نتشرف بهم هذه الليلة فما نحن إلا إخوة، وليس فينا معصوم، وكلنا خطاء وخير الخطائين التوابون، فتبنا إلى الواحد الأحد وعدنا إليه، ونسأل الله أن يغفر لنا ولهم وأن يتقبلنا فيمن تقبل، فهنيئاً لهم عودتهم إلى الله عز وجل، وأرفع لهم آية من كتاب الله، قال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:135-136].

    آخر كتاب لعائض القرني

    السؤال: ما هو كتاب هذا الأسبوع؟

    الجواب: كتاب هذا الأسبوع بعنوان (ثلاثون علامة للمنافقين) وهو موجود، وأكثر ما هو متوفر في الرياض وجدة، لكن المهم أنه كتيب يقع في ستين أو في خمس وستين ورقة بعنوان: (ثلاثون علامة للمنافقين).

    ظاهرة الإقليمية عند طلاب العلم

    السؤال: أرجو أن توضح الإقليمية عند بعض طلبه العلم.

    الجواب: الإقليمية تعني أن يعيش الإنسان محصوراً في منطقة أو مكان أو زمان خاص، فلا يتسع نظره للمسلمين عامة في بلاد الإسلام، ولا يعيش قضايا المسلمين، وقد وردت أسئلة الليلة عن أخبار البوسنة والهرسك.

    وسبق الحديث عنهم في خطبة بعنوان (وا إسلاماه) وسمع طرف من ذلك، وأنتم تسمعون أخبار العالم كيف ارتج لهذه الجمهورية المسلمة، لأنها هي الوحيدة في أوروبا فيما أعلم مسلمة، ولذلك تكالب عليها الكروات الصرب من الصليبيين والمسيحيين، وكرواتيا والصرب كانوا يقتتلون فلما كان القتال ضد المسلمين اجتمعوا ضد المسلمين، فالشكوى إلى الله.

    وآخر ما سمعت من أخبارهم كما سمعتم البارحة أنه رحل خمسة آلاف طفل في شاحنة كبيرة، فاعترضها الصرب، وفي الأخير أطلقت بعد أن كاد الأطفال يشرفون على الموت، ونفذ ما عندهم من الحليب، فهي أزمة ليس لها من كاشف إلا الله سبحانه، فنسأل الله أن يفرج الكربات عن المسلمين.

    علاج قلة الاطلاع

    السؤال: الشباب يقولون: نشكو من قلة الاطلاع عندنا، فما نصيحتكم لهم؟

    الجواب: هم بأنفسهم تسببوا في قلة الاطلاع، وهذا كأنه داء عصري في العرب، حتى نقل عن بعض الناس أنه قال: العرب أمة لا تقرأ إلا القليل، فأنا أوصيهم بأن أحسن ما يمكن أن يقدموا لأنفسهم ويثقفوا أنفسهم أن يقرءوا باستمرار، قراءة كثيفة وغزيرة ومتأنية وعميقة، وخاصة العطلة الصيفية وقد أقبلت، أرى ألا يقل طالب العلم في اليوم والليلة عن ثمان ساعات قراءة، يقرأ في كل ما لذ وطاب من الشريعة المحمدية وكتب أهل العلم وما ينفعه في الدنيا والآخرة.

    سلبية عدم التأثير في حياة بعض المشايخ

    السؤال: السلبية في حياة كثير من الأساتذة المشايخ هو عدم التأثير، فما رأيكم في هذا؟

    الجواب: نعم، يسمى الانطوائية، وهي أن ينطوي الإنسان على نفسه ولا يؤثر ولا يتكلم ولا يدعو، ولا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، ويعيش في ذاته، فهو مهموم بعندياته وخصوصياته في اليوم والليلة، وهذا أمر واقع؛ فإن الملتزمين كثير، والدعاة كثير، وطلبة العلم كثير، والمثقفين كثير، ولكن أين تأثيرهم؟ أين مددهم؟ أين مزاولتهم للدعوة؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم} وقال: {بلغوا عني ولو آية}.

    ظاهرة الجدل البيزنطي

    السؤال: الجدل العقيم الذي يسمى: البيزنطي الذي لا يترتب عليه فائدة، ما هو تعليقكم على هذا؟

    الجواب: وهذه قضية، فإنهم يتجادلون في أمور أنهاها العلم التجريبي أو العلم الشرعي، كقول بعضهم: هل الأرض كروية أو لا؟ فيقفون ليلة يختصمون في هذا المبدأ، تدور أو لا تدور؟ وهذا لا ينفع لأنه جدل عقيم، وهم مخفقون في مسائل الشرع والتفقه في الدين.

    الفظاظة في الدعوة

    السؤال: الفظاظة والغلظة في الدعوة..

    الجواب: هي عند البعض وليست عند الكل، فالحمد لله الكثير من الدعاة نجد فيهم انبساطاً وبشاشة وحسن خلق وتواضعاً للناس، لكن البعض يوجد فيه فظاظة وغلظة في التعامل، والله يقول: وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] فتجد بعضهم ليس عنده إلا إصدار الأوامر للناس، هذا حلال وهذا حرام، اجتنبوا هذا، وهذا إلى النار، فيقنط الناس من رحمة الله التي وسعت كل شيء، فعليه أن يكون ليناً في الأسلوب قال تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [آل عمران:159].

    ظاهرة عقوق الوالدين

    السؤال: هنا يقول: بعض الشباب ينتشر فيهم عقوق الوالدين، فما هي النصيحة التي توجهها لهم؟

    الجواب: وهذا صحيح؛ لأنه قد شكى كثير من الآباء والأمهات من عقوق أبنائهم، ولا أدري ما معنى الصلاة عند هؤلاء، ما معنى قراءة القرآن؟ ما معنى الدعوة؟

    إذا كان الإنسان عاقاً لوالديه كيف تصلح أموره وتستقيم، بل وتجد بعضهم باراً بزملائه ويقدم حق زملائه وأصدقائه على حق والديه، فيخرج معهم ويستضيفهم ويضحك ويمزح، فإذا دخل على والديه قطب جبينه وغضب وأزبد وأرعد وتهدد.

    وبالمناسبة تذكرت قصيدة لعربي قال الزمخشري أنها ألقيت على الرسول عليه الصلاة والسلام: رجل ربى ابنه، ولما كبر ابنه واشتد عوده وصلب جذعه أتى الابن إلى الأب فلوى يده وبكته، فأتى الوالد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وبكى عنده وقال: ابني يا رسول الله تغمط حقي ولوى يدي وأغلظ لي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل قلت فيه شعراً؟ قال: نعم قال: ماذا قلت؟ قال: قلت فيه:

    غذوتك مولوداً وعلتك يافعاً      تعل بما أجني عليك وتنهل

    إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت      لسقمك إلا شاكياً أتململ

    كأني أنا الملدوغ دونك بالذي      لدغت به دوني فعيناي تهمل

    فلما بلغت السن والغاية التي      إليها مدى ما فيك كنت أؤمل

    جعلت جزائي غلظة وفظاظة      كأنك أنت المنعم المتفضل

    فليتك إذ لم ترع حق أبوتي      فعلت كما الجار المجاور يفعل

    ضرورة تحضير الدروس

    السؤال: نحمد الله عز وجل على أننا نلتقي في كل سبت، وأصبح عندنا مساء السبت وجبة شهية معتادة، فإنا ندعوك إلى كثرة التحضير والمراجعة، فقد لمسنا ذلك في سفينة النجاة؟

    الجواب: أسأل الله عز وجل أن يتقبل منا ومنكم، يقصد الأخ بقوله سفينة النجاة المحاضرة السابقة، وأنا أشعر بحب وفرح وسرور مساء السبت، والسبب أني أنظر إلى وجوهكم الغالية، فأسأل الله أن يتمم هذا الخير، وأن يجعلها حلقة وصل للتفقه في الدين والذكر، وحفوف الملائكة، ونزول السكينة، وغشيان الرحمة، وأن يذكرنا الله فيمن عنده.

    فأبشروا وأملوا ما يسركم، وإن الموضوع هذا كالخطوط الحمراء بقيت أسبوع وأنا أفكر في مداخل الحديث وما يحضر له من آيات ومن أحاديث؛ لأن الداعية عليه أن يحترم جمهوره، وعليه أن يحترم من يحضر، لأني أعرف أن ممن يحضر من هو أفضل ممن يتكلم، وقد يكون أعلم وأفقه وأتقى، فما حضر إلا احتراماً، والأمة أصبحت واعية، فقد ارتفع منسوب الوعي والفهم عند الناس.

    وأنا مدين بهذا الحضور وأشعر بهيبة وبرهبة وخجل يوم أجلس هنا، ولذلك تجد أحياناً في الإلقاء اندفاع بحرج؛ لأن الإنسان يتصور وهو يجلس أمام المئات من الأساتذة ومشايخ الجامعات والقضاة وطلبة العلم والصالحين والأخيار، ومن يقوم الليل، ومن يصوم النوافل، ومن يريد إعلاء هذا الدين، ومن يفقه الأمة.

    والخلاصة الخالصة أنه يشعر أنه لا بد أن يلقي كلاماً مفيداً وأن يحترم عقولهم وأذهانهم؛ لأنهم احترموه بالحضور، وهذا يكون وأنا مستعد ومتقبل للملاحظات من الإخوة.

    ظاهرة الانتكاس

    السؤال: ظاهرة الانتكاس عند بعض الشباب، فإنهم يتوبون ثم يعودون، ما تعليلها؟

    الجواب: هذه لها أسباب، وقد بينت في شريط قديم بعنوان (أسباب الانتكاس) فعلى الأخ أن يعود إليه إن كان ممن يسمع الأشرطة فقد بينت هناك ما هي أسبابها. ومنها: العواطف، كأن يربى الناس على العواطف، ومنها رفقة السوء، ومنها قلة النوافل، وقلة قراءة القرآن، وقلة الدعاء، ومنها أن البيت يكون مهدماً لا يربي على الطاعة ولا على السنة، إلى غير ذلك.

    ظاهرة التعالم

    السؤال: يوجد في بعض الشباب ظاهرة التعالم، فما نصيحتكم لهم؟

    الجواب: ظاهرة التعالم تعني التبجح بالعلم، وللشيخ الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد أثابه الله كتاباً اسمه التعالم أرشح قراءته للإخوة.

    حتى إن بعضهم لا يحضر الدروس ولا الندوات، ويقول: ليس فيها جديد، وكل ما فيها عندي، مع العلم أن سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز يحضر ندوات الدعاة كل يوم خميس في الرياض، وتسمعه يصوب ويسر ويفرح، لأن هذا شيء عجيب أن تلقى عليك المعلومات وأن تسمعها، وأن تعاد عليك، وأن تكرر، وأن تسمع الفائدة، وأن تحفك السكينة، أما التعالم والتبجح والفرح بما عندك فقد قال الله: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [غافر:83] فهو من الكبر.

    ظاهرة التفرق بين الشباب بسبب الإقليمية والشعوبية

    السؤال: الحزازات بين بعض الشباب بسبب الشعوبية والإقليمية والوطنية والقبلية؟

    الجواب: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13].. ليس فينا أسود ولا أحمر ولا أبيض، نحن أمة: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].. وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا [آل عمران:103].

    ليس عندنا تفاضل لا بنسب ولا بسبب ولا بلغة ولا بدم، بل أفضلنا أتقانا لله، أفضلنا وأكرمنا من حمل هذا الدين، وأعظمنا عند الله من أحب الله وأحب رسوله، وجاهد من أجله، وبذل النفس والنفيس، والغالي والرخيص من أجل رفع لا إله إلا الله، وأفضلنا من تولى الله وأحب الله وسجد له، ومن أخلص قلبه للواحد الأحد، فليس فينا مفضل بنسبه ولا بسببه ولا عندياته ولا بذاته.

    فالله عز وجل أدخل النار أبا جهل المخزومي وأبا لهب وأبا طالب عمي الرسول عليه الصلاة والسلام، وبلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي أدخلهم جنة عرضها السماوات والأرض.

    أيضاً وطن المسلم كل أرض أشرقت عليها شمس الإسلام، وأيضاً وطن المسلم هذا الكون الفسيح

    وكما سلف في القصيدة السابقة:

    أنا الحجاز أنا نجد أنا يمن      أنا الجنوب بها دمعي وأشجاني

    بـالشام أهلي وبغداد الهوى وأنا      بـالرقمتين وبـالفسطاط جيراني

    وفي ثرى مكة تاريخ ملحمة      على رباها بنينا العالم الفاني

    في طيبة المصطفى روحي واولهي      في روضة المصطفى عمري ورضواني

    النيل مائي ومن عمان تذكرتي      وفي الجزائر آمالي وتطوان

    دمي تصبب في كابول منسكبا     ودمعتي سفحت في سفح لبنان

    فأينما ذكر اسم الله في بلد      عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني

    أمة واحدة قبلتها واحدة، وربها واحد، وكتابها واحد، ورسولها واحد، فمن يسعى إلى تمزيق الشمل أو تمزيق الأمة فهو آثم عند الله، قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10] هذه هي التي يجب على العبد أن يرتفع بها ويسمو، وأن يحب في الله ويبغض في الله، وأن يكون عالماً ربانياً كونياً شرعياً يتبع الشرع.

    هذا مما يطلب في مثل هذا المقام الشريف، وقد أكد عليه كثيراً في مثل محاضرة (فن تأليف القلوب) ومثل خطبة (وألف بين قلوبهم) وقد ذكرت شيئاً في تلك المحاضرة من كلام أهل العلم بعد الآيات والأحاديث وبمشاركة الشيخ: عبدا لله بن محمد بن حميد فمثل هذا يكفي في ذاك المجال.

    نصيحة لحضور مجالس الذكر

    السؤال: نريد الحضور ولكن المكان لا يتسع لنا؟

    الجواب: إذا لم يتسع المكان فإنه يتسع القلب والصدر، تعال واجلس على قلوبنا: وصدورنا، وهذا وارد، وأنت إذا حضرت أوجد لك الله مكاناً وهيأه لك، وأنا كنت أود من الإخوة أن يتقاربوا لكن شكى بعض الإخوة يقول: إذا أقيمت الصلاة أصبح في الصف صفان، لكن إذا بدأ الدرس فليتقارب الصفوف بعضها من بعض، لأني أرى بعض الفراغات تأخذ بعض الإخوة، وهذا ليس بعذر أن يتخلف الإنسان بحجة أنه ما وجد مكاناً؛ فإني أعرف أن من يجلس في البرد أن الله يثيبه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى على جلوسه وعلى رباطه، وقد قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200] والعبد يؤجر على حضوره.

    أيضاً هذا الوقت من المغرب إلى العشاء مستهلك عند الناس، حتى أن غالب الطلبة لا يذاكرون في مثل هذا الوقت، ساعة أو ساعة ونصف، ثم لا يصلح هو أصلاً للزيارة إلا لمثل حضور فائدة أو نفع أو حضور مجلس خير مثل هذا المجلس، ثم هو يوم في الأسبوع، فعلى كل حال العبد يتغلب على كل المحبطات والملهيات والمشغلات ليكون مكسباً له في يومه وحياته.

    أسأل الله عز وجل لي ولكم القبول والهداية، والتوفيق والرشد والسداد، وأسأله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن يعيننا على أنفسنا.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.