إسلام ويب

الإسراء والمعراج [3]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم بروحه وجسده إلى بيت المقدس، ثم عرج به بعد ذلك إلى السماء، وهناك رحب به الملائكة والأنبياء، ثم عرج به إلى سدرة المنتهى أيضاً ففرضت عليه الصلوات الخمس. ويستفاد من حديث الإسراء والمعراج عدة فوائد منها: تلقي أهل الفضل والعلم بالبشر والترحيب، وجواز الاستناد إلى جهة القبلة، وفضل السير في الليل، وتحكيم العادات، وأن الجنة والنار مخلوقتان الآن، ويستفاد منه فضل الحياء، وبذل النصيحة لمن يحتاج إليها.

    1.   

    الاستدلال بقوله تعالى: (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس...) على أن الإسراء والمعراج كان بالروح، وجواب ذلك

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى, وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه, عدد خلقه, ورضا نفسه، وزنة عرشه, ومداد كلماته.

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

    اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى.

    أما بعد:

    بقي استدلالهم بقول الله عز وجل: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا [الإسراء:60]، قالوا: هذه الآية واردة في سورة الإسراء، والمراد بالرؤيا التي أريها النبي صلى الله عليه وسلم هي ما كان في ليلة الإسراء والمعراج، وقد أجاب عن هذا المفسرون رحمهم الله فقالوا:

    أولاً: الرؤيا تطلق على الرؤيا المنامية، وتطلق على الرؤية البصرية، واستدلوا بقول القائل:

    فكبر للرؤيا وهش فؤاده وبشر قلباً كان جماً بلابله

    (فكبر للرؤيا) أي: رؤية الصيد، فلم يقل: فكبر للرؤية، وإنما قال: فكبر للرؤيا، مع أنها رؤية بالباصرة.

    ثم لو فرض بأنها رؤيا منامية فإننا نقول: بأنها رؤيا أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم وقع تصديقها يقظة، كما قالت أمنا عائشة : ( كان أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي أنه كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح )، يعني: كان إذا رأى رؤيا صلوات ربي وسلامه عليه يقع تصديقها في الواقع مباشرة.

    فنقول: رأى في منامه صلى الله عليه وسلم تلك المناظر التي وقع تصديقها يقظة حين أسري به إلى بيت المقدس، ثم حين عرج به إلى السموات العلى.

    1.   

    حديث مالك بن صعصعة في قصة الإسراء والمعراج

    إذا تبين هذا أيها الإخوة الكرام! فأذكر لكم رواية مالك بن صعصعة رضي الله عنه وهي في صحيح الإمام البخاري رحمه الله قال: حدثنا هدبة بن خالد قال: حدثنا همام بن يحيى قال: حدثنا قتادة قال: عن أنس بن مالك قال: عن مالك بن صعصعة رضي الله عنهما: ( أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به ).

    اللغات والمعاني في كلمة (أسرى)

    وتقدم معنا أن الإسراء هو السير بالليل، يقال: أسرى وسرى.

    وبعضهم قال: أسرى: سير بالليل، وسرى: سير بالنهار.

    وقال بعضهم وهو أولى: أسرى: السير آخر الليل، وسرى: السير في أوله، وقد وردت القراءتان: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ [هود:81]، على أنها الأمر من أسرى يسري أسر، والقراءة الأخرى: (فاسر) على أنها من الثلاثي سرى يسري.

    الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم من الحجر وقصة تكوينه

    ( أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به. قال: بينما أنا في الحطيم، وربما قال: في الحجر ).

    والحطيم والحجر اسمان للجزء الذي عجز المشركون عن بنائه من الكعبة المشرفة، وهو الذي جعل عليه الآن سور مقوس، لا ينبغي للطائف أن يدخل من بابه، بل لا بد أن يكون جسده كله خارجاً عنه؛ لأن قريشاً لما هدموا الكعبة وأرادوا أن يبنوها ثانية اشترط عليهم الوليد بن المغيرة المخزومي ألا يدخلوا في بنائها مالاً من ربا، ولا مالاً من بغاء، بل لا بد أن يكون مالاً حلالاً خالصاً.

    فجمعوا المال، ثم شرعوا في البناء، فقصرت بهم النفقة، فأخرجوا ذلك الجزء, وجعلوا عليه ذلك السور من أجل أن يميزوه، ولذلك لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال لأمنا عائشة : ( لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية، لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم عليه السلام).

    ولما ولي عبد الله بن الزبير رضي الله عنه إمرة المؤمنين في الحجاز في أيام دولة مروان بن الحكم ، كان مروان مبايعاً له في الشام, و عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما مبايعاً له في الحجاز، فـعبد الله بن الزبير حقق أمنية رسول الله صلى الله عليه وسلم فهدم الكعبة وبناها على قواعد إبراهيم, وأدخل فيها الحجر، فلما جاء جيش الحجاج بن يوسف السفاح المبير في عهد عبد الملك بن مروان ، ورمى الكعبة بالمنجنيق, وقتل عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما وصلبه هدم الكعبة وأعادها كما كانت نكاية لـابن الزبير ومن بايعوه.

    ثم لما دالت دولة بني أمية، وذهبت سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وجاءت دولة بني العباس وبلغت قمتها وقوتها في عهد أبي جعفر ، أراد أبو جعفر أن يهدم الكعبة مرة أخرى ويبنيها على قواعد إبراهيم ، فقال له أبو عبد الله مالك بن أنس رضي الله عنه كلمة تدل على سمو روحه وعلو كعبه في العلم، وأنه كان ذا ميزان دقيق في النظر إلى المفاسد والمصالح، قال: نشدتك الله يا أمير المؤمنين ألا تفعل، فإني أخشى أن تصير الكعبة ملعبة للملوك.

    يعني: كلما جاء ملك يكره من كان قبله هدمها وأخرج الحجر، فيأتي الذي بعده فيهدمها ويدخل الحجر، فبقيت الكعبة على حالها إلى يوم الناس هذا.

    الجمع بين الروايات المختلفة في المكان الذي أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم منه

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( بينما أنا في الحطيم وربما قال: في الحجر مضطجعاً )، جاء في بعض الروايات: أنه كان في بيت أم هانئ ، وفي بعض الروايات: أنه كان في شعب أبي طالب .

    ويجمع بين هذه الروايات، كما قال الحافظ رحمه الله: بأنه كان في بيت أم هانئ رضي الله عنها، وبيت أم هانئ في شعب أبي طالب ، ثم أوقظ صلى الله عليه وسلم فجيء به إلى الحجر، فاضطجع بين جعفر و حمزة رضوان الله عليهما، ثم بعد ذلك أخذ من ذلك المكان, وبدأت إجراءات تلك الرحلة العلوية المباركة، وبذلك يحصل الجمع بين الروايات المختلفة.

    شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم في الإسراء والمعراج

    قال: ( إذ أتاني آت )، وهذا الآتي هو جبريل عليه السلام، ( فقد )، (قدَّ) من القد, قال: ( وسمعته يقول: فشق )، و(قد) و(شق) كلاهما بمعنى واحد, ( ما بين هذه إلى هذه. فقلت للجارود وهو إلى جنبي: ما يعني به؟ قال: من ثغرة نحره إلى شعرته )، (إلى شعرته) أي: إلى قريب من سرته، إلى منتهى الشعر الذي يكون من الثنة ويمتد إلى البطن.

    وقد تقدم معنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان دقيق المسربة، يعني: ما كان شعره في صدره غزيراً، بل كان كأنه خيط رفيع، فالملك شق من رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثغرة نحره إلى شعرته.

    الجمع بين حرمة استعمال الذهب وبين غسل جبريل قلب النبي في طست من ذهب

    قال: ( وسمعته يقول: من قصه إلى شعرته, فاستخرج قلبي, قال: ثم أتيت بطست من ذهب )، الطست معروف وهو الآلة التي تغسل فيها الثياب, ولربما تغسل فيها الأواني وما إلى ذلك، وخص الطست بالذكر لأنه أشهر أدوات الغسيل.

    ولو سأل سائل فقال: أليس الذهب حراماً على الرجال أن يتحلوا به، وحرام على الرجال كذلك أن يستخدموه، فلا يحل للرجل ولا للمرأة أن تشرب في آنية من ذهب أو من فضة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الذي يشرب في آنية الذهب والفضة أو يأكل في صحافهما إنما يجرجر في بطنه نار جهنم )، فهي محرمة.

    وكذلك لا يجوز للرجل أن يستخدم الشيء الذي يعلق فيه المفاتيح، يعني: العلاقة لا يجوز أن تكون من ذهب، ولا أن يكون قلمك من ذهب، ولا أن يكون زر قميصك من ذهب، كل هذا ممنوع.

    إذاً: كيف يؤتى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القدوة والأسوة بطست من ذهب؟ والجواب من وجهين:

    الوجه الأول: أن يقال: كان ذلك قبل أن يحرم الذهب، وإلا فقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم من ذهب، فلما حرم نبذه واتخذ خاتماً من فضة نقشه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الوجه الثاني: أن الذهب هو حلية أهل الجنة، كما قال الله عز وجل: يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ [الكهف:31]، وجميع ما شاهده صلوات ربي وسلامه عليه في تلك الليلة يناسب أحوال الآخرة، ولا يناسب أحوال الدنيا، ولذلك رأى ناساً كلهم في عالم البرزخ, قد قامت قيامتهم من الأنبياء وغيرهم صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين، ورأى نعيم أهل الجنة، ورأى عذاب أهل النار، فكله يناسب الأحوال الأخروية.

    قالوا: وقد جيء بطست من ذهب من ناحية المعنى ومن ناحية اللفظ، أما من ناحية اللفظ ذهب، فلأن الله أذهب عنه الرجس صلوات ربي وسلامه عليه، ولأنه ذاهب لميقات ربه جل جلاله، وأما من ناحية المعنى فلصفائه ونقائه وبهائه، ولأن النار لا تأكله، ولأن الصدأ لا يعلوه، ولأن التراب لا يؤثر فيه، الذهب صاف نقي، ولذلك اختير لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    حشو قلب النبي صلى الله عليه وسلم إيماناً

    قال: ( ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيماناً )، تأملوا (بطست من ذهب مملوءة إيماناً)، يعني: هل الإيمان شيء حسي أو معنوي؟ الجواب: معنوي، بقي كيف يملأ الطست إيماناً من أجل أن يحشى به قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    والجواب أيها الإخوة الكرام! أنه لا يستبعد أن تتجسد المعاني محسوسة، وله في الشرع نظائر، مثلاً: أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( بأن سورة البقرة وآل عمران تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما )، وأخبرنا صلى الله عليه وسلم: ( بأنه يؤتى بالموت يوم القيامة على هيئة كبش فيذبح بين الجنة والنار )، والموت شيء معنوي، وليس شيئاً محسوساً، أو يمكن أن يكون ذلك على جهة التمثيل؛ كما قال البيضاوي والعلم عند الله تعالى.

    قال: ( فغسل قلبي )، غسل في ذلك الطست غسل بماذا؟ جاء في صحيح مسلم : أنه غسل بماء زمزم، وهذا يدل على شرف ماء زمزم وفضله، ما أتي بماء من الجنة، وإنما بماء زمزم الذي هو ( طعام طعم وشفاء سقم )، ثم حشي بذلك الإيمان ثم أعيد. وهاهنا السؤال:

    ألم يكن في قدرة الله جل جلاله أن يحشو قلب نبيه عليه الصلاة والسلام إيماناً من غير شق ولا استخراج؟

    الجواب: بلى، كان في قدرته جل جلاله، لكنه سبحانه أراد أن يري نبيه صلى الله عليه وسلم آية من آياته للمرة الثالثة بعدما رآها صلى الله عليه وسلم وهو مسترضع في بني سعد بن بكر، وبعدما رآها صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه، يراها مرة ثالثة لئلا يستغرب بعد ذلك ما يرى من آيات ربه الكبرى. قال الله عز وجل: مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى [النجم:17].

    ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم بعدما رأى تلك الآيات كان أشجع الناس قلباً، وأربطهم جأشاً، وأثبتهم نفساً، تنزل به المصائب العظام التي تتزلزل منها الجبال وهو صلى الله عليه وسلم لا يتغير ولا يتبدل، كان عليه الصلاة والسلام أشجع الناس وأقوى الناس، وأكثرهم تحملاً للمصائب صلوات ربي وسلامه عليه.

    وأيضاً من المناسبات أن يؤتى بطست من ذهب والذهب معدن قوي ثقيل, والله عز وجل يقول: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5].

    قال عليه الصلاة والسلام: ( ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض )، كأن الله عز وجل يريد أن يسكن فؤاد نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه في رحلة سلمية، وليس في حرب ولا معركة، لأنه ما جرت العادة بأن يستعمل الناس حماراً أو بغلاً في المعارك، وإنما يستعملون الخيل المسومة، والخيل المضمرة أي: الخيل القوية الجياد.

    ( فقال له الجارود : هو البراق يا أبا حمزة ؟ ) ، و أبو حمزة كنية أنس رضي الله عنه. ( قال أنس : نعم ).

    والبراق تقدم معنا الكلام أنه مشتق من البرق, أو مشتق من البريق, أو مشتق من قولهم: شاة برقاء إذا كان بياضها مختلطاً بسواد.

    قال: ( يضع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه )، وهذا أيضاً من باب تأنيس الرسول صلى الله عليه وسلم بالعادة في مقام خرق العادة، والله عز وجل أراد أن يريه آياته, فليس الحمار ولا البغل من بين الدواب مشهوراً بالسرعة، بل المشهور بالسرعة الخيل، فالله عز وجل أراد أن يريه آية.

    قال: ( فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا )، هاهنا حذف واختصار ليس حديثاً عن رحلة الإسراء بل حديث عن المعراج، وهاهنا الحذف فقد حذفت فيه الآلة، فالنبي صلى الله عليه وسلم ما عرج به بواسطة البراق، وإنما كما جاء في الروايات الصحيحة: ( ثم أتيت بالمعراج, وهو السلم الذي تعرج به الملائكة إلى السماء ).

    ترحيب ملائكة السماء بالنبي صلى الله عليه وسلم

    قال: ( فاستفتح )، أي: طلب أن يفتح له، وللسماء أبواب.

    ( فقيل: من هذا؟ قال: جبريل )، يعني: يقول: أنا جبريل! واستفيد من هذا أدب في أن الطارق ينبغي أن يعرف بنفسه فيقول: فلان، ولا ينبغي أن يقول: أنا، ولا أن يقول: أمين، ولا أن يقول: افتحوا، ولا أن يقول لصاحب البيت: أنت خائف فلماذا ما تفتح؟ ونحو ذلك من الكلام؛ لأن ( جابر بن عبد الله رضي الله عنهما لما طرق باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام: من؟ قال جابر : أنا. قال عليه الصلاة والسلام: أنا أنا، كأنه كرهها )، و(أنا) لا يحصل بها تعريف, فكل الناس أنا.

    ( قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم )، استدل بهذا على أن التعريف بالاسم أفضل من التعريف بالكنية أو اللقب.

    يعني: لو أني أكبر منك سناً مثلاً: أخاطبك باسمك فأقول لك: يا إبراهيم! أو يا عمر! أو كذا، لكن لو أنني أخاطب من هو أكبر مني سناً وأعلى قدراً، فإني لا أخاطبه باسمه، وإنما أقول له: يا أبا فلان، أو ألقبه، وهنا جبريل ما قال: أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، ولا قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما قال: محمد؛ لأن التعريف الكامل يحصل بهذا.

    ( قيل: وقد أرسل إليه؟ )، معنى ذلك: أن إرساله كان معروفاً لدى الملأ الأعلى لدى أهل السماء.

    ( قال: نعم، قيل: مرحباً به, فنعم المجيء جاء )، مرحباً به، استدل ابن أبي جمرة رحمه الله على أنه يجوز في رد السلام أن لا يكون بلفظه، بل بما يشعر بالأهل والسهل والترحيب والسرور؛ بدليل أن أهل السماء ها هنا قالوا: مرحباً، ولكن يعكر على هذا أنه لم يتقدم من جبريل سلام.

    يعني: لو قال جبريل: السلام عليكم، فقالوا: مرحباً فنعم المجيء جاء لكان الاستدلال وجيهاً، لكن لم يتقدم في الرواية ذكر أن جبريل عليه السلام قد بدأهم بالسلام.

    ولذلك نقول: لو سلم عليك مسلم فإنه لا تبرأ ذمتك إلا بأن ترد السلام بمثله على الأقل، والأفضل أن ترد بأحسن منه، فلو قال لك: السلام عليكم، فلا بد أن تقول: وعليكم السلام، ثم بعد ذلك لو زدت: أهلاً وسهلاً ومرحباً حياكم الله نعم المجيء جئتم، طبتم وطاب ممشاكم، ونحو ذلك من الكلام فهو طيب، داخلاً في عموم قول ربنا: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة:83]، وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الإسراء:53] .

    لكن لو أن إنساناً سلم عليك وقال: السلام عليكم, فقلت: مرحباً، كما يقول بعض الناس: ما برئت ذمته, بل يلحقه الإثم، كذلك لو قال لك: السلام عليكم، وقلت: أهلاً، أو كما يقول بعض الناس إذا قلت له: السلام عليكم، يقول لك: والرحمة والبركة، يعني: يزيد السلام على نفسه هو، كل هذا لا تبرأ به الذمة, بل لا بد أن ترد السلام وتزيد في البداية الواو، وعليكم السلام ورحمة الله.

    وهاهنا قال أهل الملأ الأعلى: ( فنعم المجيء جاء )، قالوا: والمخصوص بالمدح محذوف، والتقدير: نعم المجيء مجيئه جاء.

    مقابلة النبي صلى الله عليه وسلم لآدم عليه السلام

    قال: ( ففتح فلما خلصت فإذا فيها آدم )، في السماء الدنيا آدم عليه السلام أبوه الأعلى، قالوا: وهذا من باب تأنيس النبوة بالأبوة، ومن أجل أن يطمئن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يرى أول من يستقبله في السموات العلى آدم عليه السلام الذي هو أبوه الأعلى.

    ( فقال-أي جبريل-: هذا أبوك آدم فسلم عليه, قال: فسلمت عليه فرد السلام )، هكذا بالنص فرد السلام. ( ثم قال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح ).

    وجه تخصيص ذكر الصلاح في قول آدم عليه السلام: (مرحباً بالابن الصالح)

    وهاهنا سؤال أيها الإخوة الكرام! لم اقتصر آدم على وصف ولده صلى الله عليه وسلم بالصلاح؟ يعني: لم لم يقل آدم عليه السلام: مرحباً بالتقي, النقي, الحفي, الخفي, الشجاع, المتواضع, الزاهد, العابد, خليل الله, ونحو ذلك من الأوصاف التي تصدق على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا شك أنه كان أعلم الناس، وأزهد الناس، وأتقى الناس، وأخشى الناس لرب الناس، وهو صلى الله عليه وسلم أيضاً قد حباه الله عز وجل من الأخلاق الكريمة ما تفرق في الناس، فهو أكرم الناس وأجود الناس وأعظمهم تواضعاً، وأبعدهم عن الكبر، وهو أزهد الناس، وهو أحلم الناس عليه الصلاة والسلام. لكن آدم اقتصر على وصفه بالصلاح؟

    قالوا: لأن الصالح هو من قام بحقوق الله وحقوق العباد، قالوا: وكلمة الصلاح جامعة لخلال الخير وخصال البر، فإذا لو قلت عن فلان صالح فإنه يغني عن أن تصفه بأنه تقي وأنه نقي، وأنه بر، وأنه كريم، وأنه محسن إلى غير ذلك من الصفات، ولذلك آدم عليه السلام وهو نبي مكلم اقتصر على اللفظ اليسير الذي يجمع المعنى الغزير: ( مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح ).

    مقابلة النبي صلى الله عليه وسلم ليحيى وزكريا عليهما السلام

    قال: ( ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة ).

    وهاهنا فائدة أيها الإخوان! يقال: ابنا الخالة، ولا يقال: ابنا الخال، ويقال: ابنا العم، ولا يقال: ابنا العمة، وهذه

    ظاهرة طبعاً أنا نفسي ما عرفتها إلا لما قرأتها للنووي ، لكن معروف إذا قيل: ابنا العم؛ لأن كل واحد منهم ابن عم الآخر، بينما قد أكون ابن عمتك ولست أنت ابن عمتي، وكذلك إذا قلنا: ابنا الخالة كل واحد أمه خالة الآخر، لكن ما تستطيع أن تقول: ابنا الخال؛ لأن ابن خالك ليس بالضرورة أن تكون أنت ابن خاله.

    قال: ( فقال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما فسلمت، فردا ثم قالا: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح )، وآدم قال: الابن الصالح، ولن يقولها إلا إبراهيم في آخر سماء، أما الباقون فإنهم يقولون: الأخ الصالح.

    وهاهنا فائدة فإن بعض الناس إذا خاطب من هو دونه سناً يقول له: يا بني، أو يقول له: يا ابني، هذه الكلمة استخدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخاطب بعض الصحابة بقوله: يا بني، وخاطب بعضهم بقوله: يا ابن أخي، وخاطب بعضهم بقوله: يا غلام، وأحيانا كان يمازح بعضهم كما قال عن الحسين : أين لكع؟ يسأل فاطمة رضي الله عنها.

    فهذه الكلمات مستحبة مستطابة إذا كانت على سبيل التحبب والترفق ورفع الكلفة وخفض الجناح، وهي مكروهة منبوذة مقبوحة إذا كانت على سبيل الترفع والتكبر، يعني: بعض الناس يقول: (يا ابني) كذا وكذا وكذا، يا ابني هذه مقدمة من أجل أن يقهرك قهراً ويفرض عليك خطأه ولو كان أضل من إبليس، أو يريد أن يفرض عليك ما يراه، ولو كانت رؤية ضبابية مشوشة أو كانت رؤية سوداء قاتمة، المهم عند أن يقول لك: يا ابني، فمعناه: اسمع كلامه, ليس لك معي رأي، فهو يقول هذا على سبيل الترفع والتكبر فيكون هذا مكروهاً، أما إذا كانت على سبيل التحبب فهي مطلوبة مثلما قال آدم عليه السلام: (مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح).

    مقابلة النبي صلى الله عليه وسلم ليوسف وإدريس وهارون عليهم السلام

    قال: ( ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح. قيل: من هذا؟ قال: جبريل . قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت إذا يوسف قال: هذا يوسف فسلم عليه، فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح )، وجاء في بعض الروايات: ( وإذا هو قد أوتي شطر الحسن )، (شطر الحسن) يعني: مما أوتيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وإلا فما خلق الله أحسن ولا أجمل ولا أبهى ولا أنور ولا أزهر من محمد صلى الله عليه وسلم.

    قال: ( ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح. قيل: من هذا؟ قال: جبريل . قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم. قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت إذا إدريس قال: هذا إدريس فسلم عليه فسلمت عليه, فرد ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء, فلما خلصت فإذا هارون )، وجاء في وصفه: ( أنه شيخ عظيم اللحية عظيم العثنون، ما رأيت شيخاً قط أجمل منه )، وجاء أيضاً في وصفه: ( بأنه المحبب في قومه )؛ لأن بني إسرائيل كانوا يحبونه أكثر من موسى عليه السلام؛ لأن موسى عليه السلام شديد في الحق قوي عليه صلوات ربي وسلامه، بينما هارون عليه السلام كان رفيقاً شفيقاً متمهلاً.

    ولذلك موسى عليه السلام لما رجع إلى قومه فوجدهم يعبدون العجل ألقى الألواح، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، بينما هارون عليه السلام يترفق، ويقول له: يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي [طه:94]، ولذلك لما مات هارون اتهموا موسى عليه السلام بأنه هو الذي قتله.

    وأيضاً من أجل التقريب كان أبو بكر أحب إلى المسلمين من عمر ؛ لأن أبا بكر رضي الله عنه قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أرحم أمتي بأمتي أبو بكر , وأشدهم في دين الله عمر ) , ولذلك أبو بكر لما جاءه الموت فاختار عمر ليكون خليفة، قال له بعض المسلمين: ماذا تقول لربك؟ كيف تختار عمر وأنت تعرف شدته وغلظته؟

    إذاً النبي صلى الله عليه وسلم لقي هارون عليه السلام في السماء الخامسة.

    مقابلة النبي صلى الله عليه وسلم لموسى عليه السلام

    قال: ( ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح جبريل. قيل: من هذا؟ قال: جبريل . قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قال: مرحباً به فنعم المجيء جاء. قال: فلما خلصت إذا موسى فقيل: هذا موسى فسلم عليه فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. قال: فلما تجاوزت بكى. قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي ).

    ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فكان موسى أشدهم علي حين مررت به، وكان أرفقهم بي حين رجعت إليه )، يعني: موسى عليه السلام أحسن إلينا إحساناً عظيماً، نسأل الله أن يجزيه خيراً؛ لأنه هو الذي نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يسأل ربه التخفيف بالنسبة للصلوات.

    وجاء في بعض الروايات بأن موسى عليه السلام رفع صوته، قال عليه الصلاة والسلام: ( من هذا الذي يرفع صوته وهو يخاطب ربه؟ قيل له: هذا موسى وقد علم ربه ذلك منه )، يعني: موسى عليه السلام كان له من المنزلة والمكانة عند الله عز وجل والدالة عليه ما يجعل رب العزة جل جلاله يتجاوز عنه، ويقبل منه ما لا يقبل من غيره. ومثاله للتقريب -ولله المثل الأعلى-: لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وهو مصاب بالجراح العظيمة، و أبو سفيان ينادي بأعلى صوته: أفيكم محمد؟ والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: لا تجيبوه، أفيكم ابن أبي قحافة؟ فيقول: لا تجيبوه، أفيكم ابن الخطاب؟ فيقول: لا تجيبوه، فـأبو سفيان فرح، وقال: أما هؤلاء فقد كفيتموهم. فهنا عمر قال: أما والله يا عدو الله! إنهم لأحياء، وإن لك منهم يوماً يسوءك.

    هاهنا عمر خالف أمر الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: لا تجيبوه، لكن النبي صلى الله عليه وسلم ما عاتب عمر ولا آخذه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يقدر الدافع الذي حمل عمر على أن يقول ما قال، والنبي صلى الله عليه وسلم يعلم من سابقة عمر وجهاده وبره وطاعته أنه لا يتعمد خلاف أمره.

    ثم أيها الإخوة الكرام! موسى عليه السلام، ورد في كلامه لفظتان: ( لما قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاماً بعث من بعدي يدخل من أمته الجنة أكثر ممن يدخلها من أمتي ) :

    أولاً: موسى عليه السلام ما قال هذا الكلام حسداً، فإن الحسد في تلك الدار منزوع من آحاد المؤمنين فكيف بمن اصطفاه الله عز وجل وقربه، وكلمه تكليماً؟ وبكاؤه صلوات ربي وسلامه عليه على ما فاته من الأجر والثوب.

    ثانياً قوله: ( لأن غلاماً بعث من بعدي )، ما قصد بهذا تحقير رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الإنقاص من قدره حاشاه، وإنما قصد الثناء عليه، بأنه صلوات ربي وسلامه عليه رغم كونه كهلاً كان فوق الخمسين لما أسري به إلا أن الله عز وجل حفظ عليه قوته، وأبقى فيه فحولته حتى ليبدو وكأنه غلام شاب، فـــموسى عليه السلام قصد بذلك الثناء وما قصد الذم.

    يقول صلى الله عليه وسلم: ( ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم قال: مرحباً به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا إبراهيم، قال: هذا أبوك فسلم عليه. قال: فسلمت عليه فرد السلام قال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح ).

    الحكمة من مقابلة النبي عليه الصلاة والسلام لبعض الأنبياء دون بعض

    وهنا نأتي إلى الجواب عن السؤال السابق: لماذا لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الثمانية دون سواهم؟

    والجواب كما قال السهيلي رحمه الله في الروض الأنف: بأن هذه اللقاءات يوحي بها ربنا جل جلاله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم بما سيقع له في مستقبل الأيام.

    فلقي صلى الله عليه وسلم آدم في السماء الأولى، وكأن الله عز وجل يقول له: يا محمد! مثلما أخرج آدم من الجنة وأهبط إلى الأرض، فستخرج أنت من مكة البلد التي أحببتها ونشأت فيها ودرجت على أرضها إلى أرض أخرى, والجامع بين آدم ومحمد صلى الله عليه وسلم أن كليهما قد حل به من المشقة والألم لفراق وطنه الذي اعتاده، فآدم عليه السلام فارق الجنة التي اعتادها وأهبط إلى الأرض، ومحمد صلى الله عليه وسلم فارق مكة التي اعتادها وأخرج إلى المدينة، وقد تألم عليه الصلاة والسلام لفراق مكة حتى قال: ( والله إنك لأحب البلاد إلي، ولولا أن قومك أخرجوني ما خرجت ).

    ثم كأن الله يبشر نبيه صلى الله عليه وسلم فيقول: كما عاد آدم إلى الجنة فستعود إلى مكة، إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ [القصص:85].

    وفي السماء الثانية لقي ابني الخالة يحيى وعيسى، وكلاهما عانى من اليهود ما عانى، وتآمر عليه اليهود، أما أحدهما وهو يحيى فقد قتله اليهود وذبحوه ذبح الشاة، وأهدوا رأسه إلى بغي من بغايا بني إسرائيل. وأما الثاني وهو عيسى فقد أراد اليهود قتله فخلصه الله منهم، قال تعالى: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:157-158].

    وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم أول ما سيهاجر إلى المدينة ستبدأ مؤامرات اليهود، فمرة يرومون قتله بالسم، ومرة بالسحر، ومرة بأن يطرحوا على رأسه حجراً.

    وفي السماء الثالثة: لقي عليه الصلاة والسلام يوسف، وكأن الله جل جلاله يوحي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن قومك من بني العمومة وغيرهم سيعادونك ويؤذونك وسيطردونك ويخرجونك، لكن سيرجعون إلى محبتك ومودتك والثناء عليك والإيمان بك، ومتابعتك على دينك.

    وهذا المعنى أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما فتح مكة وجمع أهلها في جوف الكعبة ماذا قال لهم؟ قال: لا أقول إلا كما قال يوسف لإخوته: قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ [يوسف:92]، وإخوة يوسف بعدما أرادوا قتله رجعوا يحبونه، وقالوا له: قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ [يوسف:91].

    وكذلك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقد كان عكرمة بن أبي جهل ، و صفوان بن أمية ، و أبو سفيان بن حرب ، و عمرو بن العاص ، و خالد بن الوليد وأمثالهم ممن كانوا في الكفر شداداً غلاظاً كلهم يتمنى أن يكون قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن رجعوا فصاروا يحوطونه ويحمونه ويدفعون عنه ويتمنون فداءه بأنفسهم وأموالهم.

    وقال بعض أهل العلم: المناسبة في لقاء يوسف في السماء الثالثة: أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم إذا دخلوا الجنة سيدخلون على صورة يوسف عليه السلام، وفي عمر المسيح ثلاث وثلاثون سنة، وفي طول آدم ستون ذراعاً في السماء.

    وفي السماء الرابعة لقي إدريس عليه السلام إشارة إلى أن الله عز وجل سيرفع ذكر نبيه صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، مثلما رفع إدريس مكاناً علياً.

    ولقي هارون في السماء الخامسة، إشارة إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيكون محبباً في قومه مثلما كان هارون محبباً في قومه.

    وفي السماء السادسة لقي موسى، إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم سيلقى من بعض أصحابه أذى، مثلما لقي موسى من أصحابه أذى، ( ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم لما جاءه ذو الخويصرة التميمي فقال له: يا محمد! اتق الله واعدل, فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، مسح صلى الله عليه وسلم عن وجهه بعدما تغير واحمر غضباً وقال: يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر ).

    وفي السماء السابعة لقي إبراهيم عليه السلام مسنداً ظهره إلى البيت المعمور في السماء السابعة، كأن الله عز وجل يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: ستدخل البيت المعمور في الدنيا في السنة السابعة، وستكون خاتمة حياتك الحج إلى البيت المعمور، مثلما كانت خاتمة رحلتك في السموات بأن تلقى إبراهيم عليه السلام مسنداً ظهره إلى البيت المعمور. هذه بعض المناسبات التي ذكرها السهيلي رحمه الله.

    العروج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى

    قال عليه الصلاة والسلام: ( ثم رفعت إلي سدرة المنتهى )، والسدرة مؤنثة السدر وهي شجرة النبق، بإسكان الباء، أو بكسرها، وقد وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ( فإذا نبقها مثل قلال هجر, وإذا ورقها مثل آذان الفيلة )، نبقها كبير وورقها عريض. وسميت سدرة المنتهى؛ لأنه ينتهي إليها ما ينزل من السماء فيقبض منها، وينتهي إليها ما يعرج من الأرض فيقبض منها.

    وقيل: سميت سدرة المنتهى؛ لأن عندها ينتهي علم كل ملك مقرب، وكل نبي مرسل، وما جاوزها أحد إلا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الأنهار التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج

    يقول عليه الصلاة والسلام: ( قال: هذه سدرة المنتهى, وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران. فقلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة, وأما الظاهران فالنيل والفرات )، قال أهل العلم: ليس المقصود بذلك أن النيل والفرات اللذان في الدنيا هما من ماء الجنة، لئلا يظن ظان أن الذي نشربه الآن هو من الجنة، بدليل أن ماء النيل يأسن، وماء الجنة قد نفى الله عنه ذلك، قال: فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ [محمد:15]، وغير ذلك من العوارض التي تعتري ماء النيل وماء الفرات.

    قالوا المراد: بأن في الجنة نهرين يقال لهما: النيل والفرات, أو المراد التمثيل بأن في الجنة نهرين يشبهان النهرين اللذين في الدنيا مما يعرفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما النيل والفرات.

    قال: ( ثم رفع لي البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك )، كل يوم يدخل البيت المعمور سبعون ألف ملك، وجاء في الأخرى: ( لا يرجعون إليه إلى يوم القيامة ).

    قال: ( ثم أتيت بإناء من خمر، وإناء من لبن، وإناء من عسل، فأخذت اللبن فقال: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك )، أي: اللبن في بياضه وصفائه وغنائه، فاللبن يستغنى به عن غيره, فيمكن أن يكون قوتاً، ويمكن أن يكون كذلك شراباً.

    قالوا: واللبن كذلك يخرج كما قال تعالى: مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ [النحل:66]، كذلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم أمة وسط قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143].

    ما يستفاد من قول موسى عليه السلام: (إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة ...)

    قال: ( ثم فرضت علي الصلوات خمسين صلاة كل يوم فرجعت، فمررت على موسى, فقال: بم أمرت؟ قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم. قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربت الناس قبلك )، ويستفاد من قول موسى عليه السلام عدة فوائد:

    أولها: جواز النسخ قبل الامتثال؛ لأن الله عز وجل فرض علينا خمسين صلاة، فهل أداها المسلمون؟ ما أدوها، فقبل أن يباشروها الله عز وجل نسخها إلى خمس صلوات.

    ويدل على هذا أيضاً أن الله تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده وقبل أن يذبحه نسخ الأمر، وأن الله عز وجل أمر الصحابة من أراد منهم أن يناجي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقدم صدقة، وقبل أن يمتثلوا قال الله عز وجل: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة:13] .

    ثانياً يستفاد من هذا أيضاً: بذل النصيحة، وأن المؤمنين نصحة، والمنافقين غششة، قال صلى الله عليه وسلم: ( الدين النصيحة), وقال أيضاً: ( وإذا استنصحك فانصح له )، وكان يمكن لــموسى عليه السلام أن يقول: أنا ما لي وله تبقى خمسين، أو إن شاء الله تبقى مائة, مثلما غوى بنو إسرائيل، فهؤلاء على الأقل ينقصون قليلاً في دخول الجنة، لكن موسى عليه السلام فقيه عالم نبي مكلم يعلم بأن قدر الله سابق, وأن أمر الله نافذ, وأنه سبحانه قدر في علمه الأزلي أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم هم أكثر أهل الجنة.

    ثالثاً: يستفاد أيضاً من قول موسى عليه السلام: ( والله! لقد جربت الناس قبلك )، جواز القسم من غير طلب المخاطب، فلو أني أكلمك بكلام من أجل أن يطمئن قلبك وتسكن نفسك وتتيقن أن كلامي حق أقول لك: والله الذي لا إله غيره كذا وكذا, والنبي صلى الله عليه وسلم ما استقسم موسى ولا طلب منه أن يحلف، لكن موسى عليه السلام من نفسه قد فعل، وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحياناً يحلف حين يخاطب أصحابه ببعض الأمور.

    قال: ( والله لقد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. فرجعت، فوضع عني عشراً, فرجعت إلى موسى. فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى. فقال مثله فرجعت فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى. فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم فرجعت. فقال مثله فرجعت, فأمرت بخمس صلوات كل يوم فرجعت إلى موسى. فقال: بم أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. قال: سألت ربي حتى استحييت ).

    هذه هي صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أشد الناس حياء، وأكثرهم عن العورات إغضاءً، ( كان أشد حياءً من العذراء في خدرها )، ( وما واجه أحداً بشيء يكرهه )، ( وكان إذا كره شيئاً عرف في وجهه )، صلوات ربي وسلامه عليه، وكان ( كأنما يتفقأ في وجهه حب الرمان ).

    قال: ( ولكني أرضى وأسلم )، أرضى بما فرض الله عز وجل علي وأسلم له أمره.

    مناسبة فرض الصلوات ليلة المعراج

    قال أهل العلم: ومناسبة فرض الصلوات ليلة المعراج، أن الملائكة عليهم السلام يعبدون الله عز وجل الليل والنهار لا يفترون ولا يسأمون، منهم من هو راكع لا يسجد، ومنهم من هو ساجد لا يقوم، ومنهم من هو قائم يسبح الله عز وجل لا يقعد، فجمع الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم في كل ركعة صنوف هذه العبادة من قيام وركوع وسجود وقراءة وتسبيح ودعاء وغير ذلك.

    قالوا: والمناسبة كذلك التنويه بأهمية الصلوات، كونها فرضت من غير واسطة، فما بعث الله بها ملكاً، وإنما فرضت مباشرة من الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام، وحصل فيها تلك المراجعات بين رب العزة جل جلاله ونبيه صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أهميتها وخطورتها.

    قال عليه الصلاة والسلام: ( فلما جاوزت نادى مناد: أمضيت فريضتي, وخففت عن عبادي )، وهذا أقوى الأدلة التي يستدل بها القائلون بأن محمداً صلى الله عليه وسلم قد كلمه ربه ليلة المعراج، موسى عليه السلام قال الله عنه: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:164]، ومحمد عليه الصلاة والسلام أفضل من موسى، وقد جمع الله له أشتات الفضائل التي تفرقت في الأنبياء قبله صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين.

    فكلمه ربه ليلة المعراج فقال له: (أمضيت فريضتي, وخففت عن عبادي) وفي بعض الروايات: ( أنه قال الله عز وجل: هي خمس وهي خمسون, ما يبدل القول لدي )، خمس في الفعل والأداء، وخمسون في الأجر والثواب.

    1.   

    ما يستفاد من حديث الإسراء والمعراج

    أيها الإخوة الكرام! حديث المعراج فيه من الفوائد: إثبات الاستئذان، وأنه لا ينبغي لإنسان أن يلج على آخر إلا بعد أن يستأذن حتى على أمه في البيت.

    وفيه: استحباب تلقي أهل الفضل بالبشر والترحيب والثناء والدعاء، فلو أن أحداً من أهل الفضل مر بك أو جاءك أو دخل عليك فإنك تلقاه بالبشر والترحيب والثناء والدعاء، كما قال أبو الهيثم : ( مرحباً برسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، والله ما على وجه الأرض اليوم أحد أكرم أضيافاً مني ) .

    وفيه: جواز مدح الإنسان المأمون عليه الافتتان في وجهه.

    وفيه: جواز الاستناد إلى القبلة بالظهر وغيره، وهو مأخوذ من استناد إبراهيم إلى البيت المعمور, وهو كالكعبة من حيث كونه قبلة من كل جهة.

    وفيه: جواز نسخ الحكم قبل وقوع الفعل.

    وفيه: فضل السير بالليل على السير بالنهار؛ لأن الإسراء كان بالليل، وقال صلى الله عليه وسلم: ( عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل ) .

    وفيه: أن التجربة أقوى في تحصيل المطلوب من المعرفة الكثيرة.

    وفيه أيضاً: تحكيم العادة؛ ولذلك القواعد الفقهية الخمسة من بينها أن العادة محكمة, وهنا موسى عليه السلام استدل بعادة بني إسرائيل أنهم ما كانوا يصلون, والناس هم الناس, وفيه التنبيه بالأعلى على الأدنى؛ لأن من سلف من الأمم كانوا أقوى أبداناً من هذه الأمة، وكانوا أطول أعماراً من هذه الأمة.

    وفيه: أن الجنة والنار قد خلقتا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج دخل الجنة ورأى النار، ورأى نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار، ويشهد لذلك من القرآن قول ربنا الرحمن: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133] في الجنة، وقال عن النار: أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:24] .

    فالجنة والنار مخلوقتان موجودتان لا تفنيان ولا تبيدان, ولا ينفي ذلك أن الله عز وجل يحدث فيهما خلقاً بعد خلق، فكلما قلت: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر غرست لك في الجنة غرساً.

    وفيه أيضاً: استحباب الإكثار من سؤال الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم: ( إن الله يحب عبده الملحاح ).

    وفي الحديث أيضاً: استحباب المشورة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استشار موسى عليه السلام.

    وفيه: فضيلة الحياء, وبذل النصيحة لمن يحتاج إليها، وإن لم يستشر الناصح في ذلك، يعني: ليس بالضرورة أن يقول لك: أشر علي، بل ممكن أنك تبذل النصيحة من غير طلب منه.

    أسأل الله أن ينفعني وإياكم، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.