إسلام ويب

ديوان الإفتاء [325]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن يوم الجمعة من الأيام المباركة عند الله، فيستحب فيها كثرة الأعمال الصالحة، من الاغتسال، والتطيب والتجمل، وقراءة القرآن، والدنو من الإمام والإنصات، وغيرها من الأمور.

    1.   

    من أحكام يوم الجمعة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد البشير النذير والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    إخوتي وأخواتي! سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته، ومرحباً بكم في حلقة جديدة من ديوان الإفتاء، أسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن ينتفعون بما يقولون وما يسمعون، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

    وفي بداية هذه الحلقة نذكر بأن هذه الليلة المباركة هي ليلة الجمعة، التي يستحب فيها الإكثار من الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت عنه في الحديث أنه قال: ( إن من خير أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا من الصلاة علي فيه، فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ -يعنون بليت- فقال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ).

    أجر يوم الجمعة وفضله

    أيها الإخوة الفضلاء! يوم الجمعة هو خير يوم طلعت عليه الشمس، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فيه خلق آدم، وفيه أسكن الجنة، وفيه أهبط منها، وفيه تقوم الساعة، ما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة فرقاً من قيام الساعة إلا الجنة والإنس )، وقال عليه الصلاة والسلام: ( وفي يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه, وأشار صلى الله عليه وسلم بيده يقللها ) .

    المطلوب من المسلم أن يغتنم هذا اليوم المبارك (يوم الجمعة)، وأن يحرص على ذكر الله عز وجل والاستكثار من الطاعات، وليحذر تمام الحذر من التهاون بأمر الجمعة؛ فإن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: ( لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين )، وقال صلى الله عليه وسلم: (من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه ).

    فليس يوم الجمعة يوماً للالتهاء بالأسواق، وليس يوماً للخروج للنزهات، وليس يوماً لتضييع الأوقات، وإنما هو يوم عبادة وذكر وشكر.

    وقد رتب رسول الله صلى الله عليه وسلم على يوم الجمعة أجراً عظيماً، فثبت عنه في الحديث أنه قال: ( من غسل يوم الجمعة واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فأنصت، كان له بكل خطوة يخطوها أجر صيام سنة وقيامها، وذلك على الله يسير ).

    فقوله: ( من غسل يوم الجمعة واغتسل )، أي: غسل ثيابه واغتسل في جسده، ( وبكر وابتكر )، بكر إلى المسجد (وابتكر) أي: حضر الموعظة والخطبة من أولها، ( ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فأنصت )، أي: اقترب، وحرص على الصفوف الأولى، واستمع إلى الخطبة استماع منصت يريد أن ينتفع ويستفيد, فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر:17-18].

    الحكمة من قراءة السجدة والإنسان في صبح الجمعة

    وكان من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة أنه يقرأ في صلاة الصبح بسورتي السجدة والإنسان، قال أهل العلم: لأن في هاتين السورتين ذكر أمرين عظيمين، وهما: خلق آدم وقيام الساعة، وكلاهما كانا في يوم الجمعة.

    خلق آدم مذكور في سورة السجدة يقول الله عز وجل: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ [السجدة:7-9].

    وفي سورة الإنسان يقول الله تعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [الإنسان:1-2].

    وكذلك في سورة السجدة حديث عن القيامة، بداية من الموت، قال تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ * وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ [السجدة:11-12].

    وفي سورة الإنسان ذكر أن الأبرار الطيبين كانوا: يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا [الإنسان:8]، كانوا يفعلون ذلك فرقاً من ذلك اليوم فيقولون: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا [الإنسان:9-11].

    الأعمال المستحبة في يوم الجمعة

    ويستحب في يوم الجمعة قراءة سورة الكهف، ووقتها يبدأ من غروب شمس الخميس، أي: دخول ليلة الجمعة، وينتهي بغروب شمس الجمعة، فهذه الأربع والعشرون ساعة وقت لقراءة سورة الكهف.

    وأيضاً مما يستحب في يوم الجمعة: الاغتسال، والتطيب، ولبس الثياب الحسنة النظيفة، والتبكير إلى المسجد، وأن يجلس المرء حيث انتهى به المجلس، ولا يتخطى الرقاب ولا يفرق بين اثنين، وأن يصلي من النفل ما كتب الله له أن يصلي، فيصلي اثنتين، أو أربعاً، أو ستاً، أو عشراً، أو عشرين، حسبما ييسر الله عز وجل له، ثم بعد ذلك إذا صعد الإمام المنبر فإنه يجلس ويستمع وينصت وينتفع، ولا يتشاغل بشيء عن الخطبة.

    ثم بعد ذلك إذا انقضت الصلاة فإنه يأتي بالسنة البعدية، إما أن يصلي في المسجد ركعتين، وإما أن يصلي في المسجد أربعاً، وإما أن يرجع إلى بيته فيصلي اثنتين، أو أحياناً يفعل هذا وأحياناً ذاك، وبعد ذلك إذا قضيت الصلاة لا بأس بأن يبتغي من فضل الله عز وجل.

    بعض ما يحذر منه في يوم الجمعة

    إخوتي وأخواتي! لنحذر تمام الحذر من التهاون بالجمعة، لنحذر تمام الحذر من أن نؤذي المصلين يوم الجمعة، فلا يأتي أحدنا إلى المسجد وقد أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً، أو تناول شيئاً مما تستقبح ريحه، وكذلك لنحذر من تخطي الرقاب, ( فإن رجلاً جاء يتخطى الرقاب ونبينا صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال له: يا هذا اجلس، فقد آذيت وآنيت )، ولنحذر تمام الحذر من أن نتشاغل بشيء في أثناء الخطبة، فإن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: ( من قال لصاحبه والإمام يخطب: أنصت فقد لغا, ومن لغا فلا جمعة له )، وقال عليه الصلاة والسلام: ( من مس الحصى فقد لغا ).

    وخطبة الجمعة جعلت للانتفاع والتذكر والاعتبار، فينبغي أن ننصت إليها ولو كان الكلام معروفاً لدينا، لربما يحضر الواحد منا في مسجد يلقي إمامه موعظة هو بها عالم، وقد سمعها من قبل أو قرأها، لكن الإنصات في ذاته عبادة.

    وهاهنا أيضاً لا بد من وصية لإخواننا الأئمة والخطباء، بأن يقتدوا بسنة خير الأنبياء عليه الصلاة والسلام الذي كان يقصر الخطبة ما استطاع ويطيل الصلاة، وأخبرنا صلى الله عليه وسلم: ( أن قصر الخطبة وطول الصلاة مئنة من فقه الإمام )، ( وكان كلامه صلى الله عليه وسلم فصلاً لو شاء العاد أن يحصي كلماته لفعل ).

    فما كان من هديه صلوات ربي وسلامه عليه أن يطيل الخطبة، ولا أن يطيل الكلام، بل ( كان كلامه قصداً )، وكانت موعظته قصداً صلوات ربي وسلامه عليه، وكان يقرأ في ركعتي الجمعة بسورتي الجمعة والمنافقون، ولربما قرأ بالأعلى والغاشية، أو بما تيسر من القرآن.

    وخاصة في فصل الصيف وقد اشتد الحر، وكثير من المساجد قد ضاقت بالمصلين، فتجد الجم الغفير من الناس يصلون تحت حرارة الشمس اللاهبة، فقمن بالأئمة أن يخففوا على الناس، وأن ييسروا ( فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً )، وقد أوصانا بقوله: (يسروا ولا تعسروا, وبشروا ولا تنفروا ).

    أسأل الله عز وجل أن يبارك لنا في جمعتنا، وأن يجعلنا فيها من الغانمين الذاكرين الشاكرين. والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    الأسئلة

    المتصل: يا شيخ أنا أصلي بالناس، لكن أصلي بهم أحياناً من المصحف مع أني حافظ، لكن لست متقناً فما رأيكم في ذلك؟

    الشيخ: نجيبك إن شاء الله.

    المتصل: عندي سؤالان:

    السؤال الأول: بعض الناس يحتجون على الإنسان الذي يؤم مسجدين في جمعة واحدة، فيخطب ويصلي في مسجد ثم يخطب ويصلي في المسجد الثاني، فما رأي الدين في ذلك؟ وهل تصح صلاة هذا الشخص وصلاة الذين خلفه في المسجدين؟

    السؤال الثاني: في كثير من الخطابات والكتابات يكتب في الورقة: السيد فلان المحترم, كمثل كروت الدعوة، تجد فيها السيد الفلاني المحترم, فما هو رأي الدين في هذه الكلمة، هل فيها شيء أو لا؟

    الشيخ: نجيبك إن شاء الله.

    المتصل: شخص توفي وليس له ولد صالح يدعو له، فاجتمع أهل الجيران وأهله من أجل أن يتلوا له قرآناً, فهل يذهب أجر هذا القرآن إلى الميت؟

    الشيخ: نجيبك إن شاء الله.

    المتصل: لي عمة تصرفاتها غير مستحبة، فهي حاسدة، ونصحناها لكن لا تقبل النصيحة منا، فأمي تكلمت معها وأبي تكلم معها لكن لا تقبل, وأيضاً لا تصلي، وتسب الدين، وتقول ألفاظاً غير مستحبة في رب العزة لا أقدر أن أبوح بها، بل كل الصفات السيئة موجودة فيها، ومرة دخلت معها في نقاش فرفعت علي السكين, فنريد أن نعرف هل نقاطعها أم نصلها؟

    الشيخ: نجيبك إن شاء الله.

    المتصل: عندي سؤالان:

    السؤال الأول: بالنسبة للتبليغ خلف الإمام إذا كان صوته يُسمع, هل التبليغ سنة أو لا، خاصة أن يزعم أن أبا بكر رضي الله عنه كان يبلغ خلف النبي صلى الله عليه وسلم؟

    السؤال الثاني: يوجد حرز اسمه حرز الناقة، منسوب إلى الحسن بن علي رضي الله عنه، وقالوا: إن هذا الحرز مأخوذ من علي رضي الله عنه، وكان يقرؤه الحسن رضي الله عنه فما صحة هذا الحرز؟

    الشيخ: نجيبك إن شاء الله.

    المتصل: ما حكم البصاق في الصلاة للمرأة أثناء الوحام -الحمل-؟

    الشيخ: نجيبك إن شاء الله.

    المتصل: عندي سؤالان:

    السؤال الأول: رجل يشرب السجائر، وكان يشرب بشراهة، والآن خفف كثيراً، فما نصيحتكم له؟

    السؤال الثاني: سورة الإنسان وسورة المنافقون تُقرآن في صلاة الجمعة، لكن الذي ليس حافظاً هل يقرؤها من المصحف؟

    الشيخ: شكراً، نجيبك إن شاء الله.

    القراءة من المصحف في صلاة الفريضة

    السؤال: أخونا عبد الحميد ذكر أن إماماً يصلي بهم صلاة الصبح وهو يحفظ من القرآن, لكنه يصلي من المصحف؟

    الجواب: لا ينبغي أن تصلى الفريضة من المصحف، بل يقرأ من حفظه ما تيسر، فإذا كان لا يتقن السور الطوال فليقرأ من القصار التي يحفظها حفظاً جيداً ويكتفي بذلك, ونبينا صلى الله عليه وسلم أحياناً في صلاة الصبح كان يقرأ بستين إلى مائة, وأحياناً كان يقرأ بالسور القصار.

    والمقصود بأنه لا ينبغي للإمام أن يقرأ من المصحف في صلاة الفريضة.

    إطلاق لفظة: (السيد)

    الشيخ: أخونا عبد القادر شلعي من حطاب سأل عن لفظ السيادة هل يجوز أن نقول: السيد فلان؟

    نقول: لا حرج في ذلك إن شاء الله؛ لأن نبينا صلى الله عليه وسلم قالها في سعد بن معاذ حين قال للأنصار: ( قوموا إلى سيدكم فأنزلوه), وكذلك عمر رضي الله عنه كان يقول: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا، يعني: بلالاً ، أو كان يقول: أبو بكر سيدنا وهذا سيدنا بلال حسنة من حسناته.

    وكان يقول لــجرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه: رحمك الله يا جرير ! سيد في الجاهلية وسيد في الإسلام, والنبي صلى الله عليه وسلم قال عن الحسن : ( إن ابني هذا سيد, ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ).

    فسمى سعداً سيداً، وسمى الحسن سيداً, وكذلك عمر سمى أبا بكر سيداً، و بلالاً سيداً، و جريراً سيداً, رضوان الله عليهم أجمعين.

    أما قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنما السيد الله ) فيعني السيد الذي تكاملت سيادته، سبحانه وتعالى, فسيادته جل جلاله مطلقة، أما إطلاقها علينا فهي سيادة بحسبها، مثلما أننا نقول: بأن الله جل جلاله حي سميع بصير ومتكلم. وكذلك الإنسان حي سميع بصير متكلم، والله عز وجل قال: إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [الإنسان:2], فسماه الله سميعاً بصيراً، لكن سمعه محدود وبصره محدود، أما الله جل جلاله فهو سميع بكل مسموع, بصير بسائر المبصرات.

    وكذلك حياته جل جلاله أبدية سرمدية لا ابتداء لها ولا انتهاء، أما حياة الإنسان فهي حياة ناقصة؛ لأن لها أول ولها آخر، ويعتريه في الحياة النوم ويعتريه كذلك الإغماء ويعتريه الموت, أما الله جل جلاله فحياته أبدية سرمدية.

    ولذلك نقول: يا عبد القادر لا مانع من أن نطلق لفظ السيد على من يستحق ذلك, وقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إطلاق هذا اللفظ على المنافق؛ فقال: ( لا تقولوا للمنافق سيد، فإنه إن يك سيداً فقد أغضبتم الله عز وجل ).

    الإمامة بمسجدين في صلاة الجمعة

    الشيخ: سؤال أخينا عن الإمام الذي يؤم مسجدين في جمعة واحدة، نقول: لا ينبغي أن يتخذ ذلك عادة؛ لأن الجمعة الثانية بالنسبة لهذا الإمام تكون نفلاً، وفي إمامة المتنفل بالمفترض خلاف بين أهل العلم، والخروج من الخلاف واجب ما استطعنا، فإذا لم تكن ثمة ضرورة فما ينبغي للشخص أن يصلي إماماً في مسجدين في صلاة الجمعة.

    إهداء ثواب القراءة إلى الميت

    السؤال: أمامة من رفاعة سألت عن شخص توفي وليس له أولاد, فاجتمع الجيران وقرءوا شيئاً من القرآن، وأهدوا ثوابه لهذا الميت، هل يصل أو لا؟

    الجواب: هذه من المسائل التي اختلف فيها أهل العلم بعدما اتفقوا على أن الميت يلحقه ثواب الدعاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا في صلاة الجنازة؛ كما ثبت من حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بجنازة، قال: فحفظت من دعائه: اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه، وأكرم نزله ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد, ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة، وقه فتنة القبر وعذاب النار. يقول عوف رضي الله عنه: تمنيت أني ذلك الميت ) .

    وعلمنا صلى الله عليه وسلم إذ مررنا بالمقابر أن ندعو فنقول: ( السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون, يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية ) .

    فالدعاء ينتفع به الميت وكذلك الصدقة، ومن ذلك لما قال سعد بن عبادة رضي الله عنه: ( يا رسول الله! إن أمي ماتت ولم تتصدق، أينفعها لو تصدقت عنها؟ قال: نعم, قال: ما أفضل الصدقة؟ قال: سقي الماء ) ، فأرشد صلى الله عليه وسلم إلى السقاية.

    ولما قال أحد الناس للنبي عليه الصلاة والسلام: ( إن أمي قد أفلتت نفسها قبل أن تتكلم، وأراها لو تكلمت تصدقت، أفأتصدق عنها؟ قال: نعم ).

    وكذلك الحج والعمرة ينتفع بها الميت قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( حج عن أبيك واعتمر ).

    أما قراءة القرآن فقد ذهب الإمام الشافعي رحمه الله إلى أن قراءة القرآن لا يصل ثوابها إلى الميت، لكن ذهب الإمام أبو حنيفة وأصحاب مالك وبعض أصحاب الشافعي , وكذلك الإمام أحمد رحمة الله على الجميع إلى أن ثواب قراءة القرآن يصل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بوصول ثواب الدعاء والحج والعمرة, والصيام، وقال صلى الله عليه وسلم: ( من مات وعليه صيام صام عنه وليه ).

    قالوا: وتلك عبادات بدنية, وكذلك قراءة القرآن عبادة بدنية ولا فرق.

    فإن قيل, الإمام ابن القيم رحمه الله قال: فإن قيل: بأن النبي صلى الله عليه وسلم ما فعل ذلك ولا حث عليه ولا أمر به؟

    فيجاب بأنه صلى الله عليه وسلم ما ابتدأهم بالأمر بأن يتصدقوا عن الميت أو أن يحج ويعتمر, وإنما قال ذلك جواباً على أسئلة وردت، ولو سئل عن قراءة القرآن لقال صلى الله عليه وسلم: اقرءوا القرآن عن الميت.

    واستدلوا بحديث أمنا عائشة : ( بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ بالمعوذات ويمسح جسده، قالت: فلما ثقل عليه المرض كنت أقرأ عليه وأمسح بيدي نفسه رجاء بركتهما ) . قال: فانتفاع الحي بالقرآن مثله انتفاع الميت.

    واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه ) , فقالوا: إن الله جل جلاله أكرم من أن يوصل إليه الوزر ولا يوصل إليه الأجر.

    واستدلوا كذلك بحديث معقل بن يسار عليه من الله الرضوان في مسند أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقراءة يس على الموتى: ( اقرءوها على موتاكم ) , قالوا: ولا فرق بين قراءتها على المحتضر وقراءتها على من فارقت روحه بدنه، إلى غير ذلك من أدلة كثيرة ساقوها.

    والخلاصة بأن هذه من المسائل التي هي من مواضع الخلاف بين أهل العلم، ولا حرج على من قرأ القرآن على الميت, وجعل دعاء بعد ذلك: اللهم أوصل ثواب ما قرأته لفلان.

    والأئمة الكبار كـــــالموفق ابن قدامة وشيخ الإسلام ابن تيمية و أبي عبد الله بن القيم و محمد بن الأمير الصنعاني و النووي وغيرهم قالوا: بأن هذا دعاء, ويصل إن شاء الله إلى الميت، وللإنسان أن يهب ما ملك, إذا ملك الثواب وهبه.

    والإمام أحمد رحمه الله استدل بأن المسلمين في كل عصر ومصر ما زالوا يجتمعون ويقرءون للميت من غير نكير فكان إجماعاً، فلا حرج على من فعل ذلك إن شاء الله, وهذه من المسائل التي حصل فيها الخلاف من قديم.

    صلة القريب الذي يسب الدين ورب العالمين

    الشيخ: أختنا أم أحمد من الصحافة ذكرت بأن عمتها حاسدة وفيها حدة ولا تقبل النصيحة، وأنها تسب الدين, وأنها تتلفظ في حق رب العالمين بما لا يستطيع الإنسان أن يتكلم به، وهذا الأخير كفر ويكفي فيها، فلو فرض بأن تلك الصفات السيئة التي ذكرت بأنها حاسده وفيها حدة ولا تقبل النصح وترفع السكين على غيرها غير موجودة فيها، لكن كونها تسب الدين, وتذكر رب العالمين بما لا يليق، هذا يكفي لنبذها ومقاطعتها واتقاء شرها. فإن هذه قد اجتمع فيها من الشر ما تفرق في الناس. نسأل الله العافية.

    ولا خير ألبتة في مخالطتها ولا صلتها, بل ينبغي أن تهجر وتنبذ حتى ترتدع عن هذه الأخلاق الذميمة، من كونها لا تصلي وكونها تسب الدين وكونها تتكلم في رب العالمين بما لا يليق, وهذه -والعياذ بالله- على شر عظيم, وقد قال ربنا جل جلاله: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66].

    التبليغ خلف الإمام

    الشيخ: أبو عبد الله من الجزيرة سأل عن التبليغ خلف الإمام، أقول يا أبا عبد الله : التبليغ خلف الإمام مسنون إن كانت بالناس حاجة، كأن يكون صوت الإمام لا يسمع، أو إذا كان المسجد كبيراً فسيحاً وليس هناك مكبرات صوت, أو كان المكبر ضعيفاً وصوت الإمام ضعيفاً والناس لا يسمعون، فلا حرج بأن يبلغ خلف الإمام واحد أو أكثر, بحيث يبلغ الناس ما انتقل إليه الإمام من أركان الصلاة.

    أما إذا كان صوت الإمام مسموعاً فالتبليغ ليس بسنة بل هو بدعة؛ لأنه يكره للمأموم أن يرفع صوته بغير تكبيرة الإحرام وتسليمة التحليل، فلا ينبغي أن يبلغ خلف الإمام.

    وهذه للأسف تحصل من كثير من الناس حتى إنه أحياناً يصلي رجلان اثنان, أحدهما إمام والآخر مأموم، فتجد الإمام إذا كبر راكعاً فهذا الذي معه يرفع صوته بالتكبير, ويظن بأن هذا سنة, وهذا من متممات الصلاة, وليس الأمر كما ظن.

    الحكم على روايات حرز الناقة المنسوب إلى الحسن بن علي

    الشيخ: أما حرز الناقة المنسوب إلى الحسن بن علي فلا علم لي به، ولو أنك عرفت لفظه ومن رواه, وزودتنا به أمكننا البحث عنه إن شاء الله.

    البصاق في الصلاة

    الشيخ: أما البصاق في الصلاة للمرأة الحامل فلا حرج، لكن شريطة ألا يبصق في اتجاه القبلة، فلو كان عند إنسان بصاق أو مخاط في الصلاة، فبدلاً من أن يكون مشغولاً به مهموماً بأمره، فلا حرج عليه إذا أخرج من جيبه منديلاً فبصق, أو إذا لم يكن عنده منديل أن يبصق في كمه تخلصاً من تلك الفضلة التي تشغله في صلاته فلا حرج في ذلك إن شاء الله.

    وكذلك لو كان المسجد تراباً أو كان حصاً فبصق تحت قدمه عن شماله بما لا يؤذي الناس فلا حرج في ذلك إن شاء الله, ولا تأثير عليه في الصلاة.

    القراءة في صلاة الجمعة

    الشيخ: أختنا نوال من أم درمان سألت عما يقرأ في صلاة الجمعة، نقول: الإمام في صلاة الجمعة يقرأ الجمعة والمنافقون، أو يقرأ سبح والغاشية، أو يقرأ ما تيسر، كل ذلك لا حرج فيه إن شاء الله.

    التوبة من شرب الدخان

    الشيخ: أما الذي يشرب السجائر، وبدأ يقلل منها، فنقول: التقليل لا ينفع بل لا بد من الإقلاع والتوبة إلى الله عز وجل؛ لأن التبغ أياً ما كان فهو من المحرمات لثبوت ضرره يقيناً.

    وأسأل الله أن يتوب علينا أجمعين.

    المتصل: رجل أجريت له عملية ولا يستطيع أن يستعمل الماء للغسل, لكنه يستطيع أن يتوضأ, فإذا كانت عليه جنابة فهل يتيمم للغسل ويتوضأ بالماء للصلاة أم ماذا يفعل؟

    وإذا كان عمله الماضي غير صحيح فما الحكم في الصلوات التي صلاها، هل يعيدها أو لا؟

    الشيخ: نجيبك إن شاء الله.

    المتصل: عندي سؤالان:

    السؤال الأول: عندنا بعض الناس من إخواننا في السودان, أثناء دفن الميت يقوم أحدهم فيقرأ يس، هل يجوز هذا وإلا لا؟

    السؤال الثاني: عندنا إمام يصلي بنا كل الأوقات إلا صلاة الفجر فلا، فبعض الناس قالوا: لا نصلي وراءه، وبعض الناس قالوا: يجوز أن نصلي وراءه، وسكنه يبعد عن المسجد قليلاً، وعذره أن عنده أطفالاً صغاراً، وليس معه أحد، فما هو رأيكم؟

    الشيخ: أبشر، نجيبك إن شاء الله.

    المتصل: عندي بعض الأسئلة!

    السؤل الأول: كنا نصلي جماعة، وفي السجدة الأخيرة كبر للتشهد فنحن ما سمعنا التكبيرة, وما سمعنا إلا السلام، فقمنا وسلمنا، لكننا أعدنا صلاتنا، فهل صلاتنا الأولى صحيحة أو خطأ؟

    السؤال الثاني: كنا ساكنين في مكة في مكان اسمه الحسينية، وهناك لافتة مكتوب عليها (نهاية الحرم)، وكان هناك مسجد قبل اللافتة مباشرة، فهل الصلاة في داخل حدود الحرم هي بمائة ألف صلاة، أم في المسجد الحرام فقط؟

    السؤال الثالث: كنا ساكنين في المدينة، فأحدنا اقترح علينا أن نمشي نصلي صلاة الليل في المسجد النبوي، فهل هذا العمل فيه شيء من البدعة، يعني كون الرجل يصلي الليل في المسجد، أم الأفضل يصليه في البيت؟

    السؤال الرابع: حديث ( اقرءوا يس على موتاكم ), أنا سمعتك تحكي في إذاعة طيبة أن هذا الحديث موضوع؟

    الشيخ: نجيبك إن شاء الله.

    المتصل: عندي سؤالان:

    السؤال الأول: إذا سجدت سجود السهو هل أتشهد أم أسلم مباشرة بعد السجود؟

    السؤال الثاني: إذا دخلت المسجد هل أسلم أم أصلي تحية المسجد، وإذا سلمت بالإشارة سقط عني السلام؟

    الشيخ: نجيبك إن شاء الله.

    المتصل: أسأل عن استخدام العطور التي بها كحول؟ وحكم المتاجرة فيها؟ الله يبارك فيك!

    ما يلزم من أجريت له عملية فيستطيع الوضوء ولا يستطيع الغسل من الجنابة

    السؤال: الأخت أماني من الحاج يوسف سألت بأن إنساناً أجريت له عملية جراحية وهو ممنوع من استعمال الماء في الغسل، لكنه يستطيع الوضوء فأصابته جنابة، فتيمم عن الحدث الأكبر، فهل يلزمه الوضوء؟

    الجواب: نعم يلزمه؛ لأنه يستطيع الطهارة الصغرى وعاجز عن الطهارة الكبرى بالماء، والمقدور عليه لا يسقط بالمعجوز عنه, أو الميسور لا يسقط بالمعسور، فيتيمم عن الحدث الأكبر, ويتوضأ عن الحدث الأصغر؛ لعموم قول الله عز وجل: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] , وقوله صلى الله عليه وسلم: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم ).

    قراءة يس أثناء دفن الميت

    الشيخ: أخونا عبد الرحيم من المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه سأل فقال: أثناء دفن الميت بعض الناس يقرءون يس، فما حكم ذلك؟

    نقول: ليس ذلك من السنة؛ لأن نبينا صلى الله عليه وسلم كان في أثناء الدفن يجلس عليه الصلاة والسلام ومعه أصحابه كأن على رءوسهم الطير، ولربما وعظهم موعظة يسيرة، وبعد الدفن كان صلى الله عليه وسلم يقول: ( استغفروا لصاحبكم, واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل ).

    فليس من السنة أن نقرأ القرآن في تلك الحال, وليس من السنة كذلك أن نأتي ببعض الموشحات التي يفعلها بعض الناس، نقول: ليس هذا من السنة، بل السنة الدعاء.

    الحكم على حديث: (اقرءوا على موتاكم يس)

    الشيخ: أما قوله صلى الله عليه وسلم: ( اقرءوا يس على موتاكم ), فالحديث فيه ضعف، وهو حديث معقل بن يسار رواه الإمام أحمد وفيه ضعف، وما أعلم بأن أحداً من أهل العلم قد حكم عليه بالوضع، يعني: بأنه موضوع أي مكذوب، وإنما الذي عليه أكثرهم بأن هذا الحديث ضعيف.

    وقد اختلف أهل العلم من المقصود بـــ(اقرءوا على موتاكم) هل المقصود المحتضرين، يعني: من كان في حال الاحتضار، أم المقصود الميت الذي فارقت روحه جسده؟

    قال الإمام الحافظ عماد الدين بن كثير رحمه الله: قال أهل العلم: بأن من خصائص هذه السورة أنها لا تقرأ في أمر عسير إلا يسره الله عز وجل, فتقرأ على المحتضر رجاء أن ييسر الله عز وجل خروج روحه وأن ييسر حسابه.

    الصلاة خلف الإمام الذي لا يأتي لصلاة الفجر

    الشيخ: أما الإمام الذي لا يأتي لصلاة الفجر، فأنا سألت أخانا عبد الرحيم: هل هذا الإمام يسكن في المسجد؟ فأجاب: بأن نعم، ثم رجع فقال: لا، بل هو يسكن بعيداً عن المسجد، وعنده ذرية ضعاف, والمكان مخوف يخشى عليهم.

    فأقول: إذا كان الأمر كذلك فأنا أعجب من هؤلاء الناس الذين يقولون بأنه لا يصلى خلفه، يعني: كأنهم يلتمسون للبريء العيب، نسأل الله العافية, وما ينبغي ذلك, بل المفروض حمل حال المسلم على السلامة، فبما أن هذا الرجل بذل عذره للناس، وما يتخلف عن صلاة الفجر في المسجد تهاوناً ولا نفاقاً, وليس هو بذلك الإنسان الماجن, وإنما هو إنسان عرفت عنه الاستقامة، أو هو على الأقل مستور الحال، وتخلفه عن صلاة الصبح ذكر العلة فيه بأنه يخاف على الزوجة والعيال, فلا حرج إن شاء الله في أن نصلي خلفه، ونظن به خيراً.

    ما يلزم من لم يسمع تكبيرة الإمام للرفع من السجدة الأخيرة حتى سلم الإمام

    السؤال: أخونا خالد من دار السلام سأل فقال: إنه كان يصلي خلف إمام, وهذا الإمام لما كبر وجلس للجلوس الأخير قال: ما سمعنا تكبيره، فبقينا ساجدين إلى أن سمعنا سلامه فما الذي يلزمنا؟

    الجواب: أولاً: أنبه على خطأ يقع فيه كثير من الأئمة، حيث إنهم في السجود الأخير الذي قبل التشهد، يطيلون هذه السجدة، يطيلونها طولاً فاحشاً تختلف عن سائر سجود الصلاة, ثم بعد ذلك إذا أراد أن يجلس فإنه يكبر بصوت خفيف: الله أكبر، هكذا كأنه يقول للناس: هذا ختام الصلاة.

    فنقول: كلا الفعلين مخالف للسنة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت صلاته قريباً من السواء، ما كان يميز سجدة على سجدة، فمسألة التطويل في السجدة الأخيرة التي تسبق الجلوس الأخير ليس من السنة.

    ثم أيضاً: قضية خفض الصوت بالتكبير, وبعض الأئمة يتعمد ذلك نوعاً من التعبد.

    فنقول: هذا ليس من السنة، بل رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسمع الناس تكبيره.

    وكذلك في كلامه إذا تكلم, فكان إذا تكلم أسمع, ( فكان إذا خطب علا صوته, واشتد غضبه, واحمرت عيناه، كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم ).

    أما أنتم يا خالد ! بارك الله فيك! إذا ما سمعتم التكبير، وسمعتم السلام، فقوموا من سجودكم واجلسوا وتشهدوا وسلموا وليس عليكم شيء, والتشهد نفسه ليس ركناً من أركان الصلاة, بل الركن هو الجلوس الأخير، ولو أن الإنسان جلس ثم سلم فقد صحت صلاته، لكنكم غفر الله لكم قد أعدتم صلاتكم, ونسأل الله أن يكتب لكم أجر الصلاتين معاً.

    مضاعفة الأجر في الصلاة داخل حدود الحرم

    الشيخ: بالنسبة للصلاة داخل حدود الحرم فأقول: اتفق أهل العلم على أن الصلاة في حدود الحرم أفضل من الصلاة خارج الحرم؛ لأن الحسنة يتضاعف أجرها إذا كان للمكان حرمة ومزية، واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما حوصر في الحديبية, وصده المشركون عن الحرم, كان إذا حان وقت الصلاة يتعمد أن يدخل في حدود الحرم فيصلي بأصحابه.

    لكن بعد ذلك هل أجر الصلاة في الحرم بمائة ألف صلاة، كأجر الصلاة في المسجد الحرام نفسه؟

    هذا محل خلاف بين أهل العلم, فبعضهم يقول: هي مثل الصلاة في المسجد, ويستدل بأن كلمة المسجد الحرام أطلقت في القرآن مراداً بها الحرم لا خصوص المسجد, كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة:28], والمسجد الحرام هنا مراد به الحرم بحدوده المعروفة.

    وبعض العلماء قالوا: ليست مثل الصلاة في المسجد، بل المسجد الحرام علم على المكان المخصوص, فالصلاة فيه بمائة ألف صلاة، أما ما كان في داخل حدود الحرم فليست له هذه المزية.

    تعمد الخروج إلى المسجد النبوي لقيام صلاة الليل

    السؤال: أخونا خالد قال: أحياناً كانوا يخرجون إلى المسجد النبوي فيصلون صلاة الليل، يقول: هل هذا بدعة؟

    الجواب: نقول: ليس بدعة, لكن أيهما أفضل يا خالد ! صلاة النافلة في المسجد النبوي أم في البيت؟

    بعض أهل العلم قالوا: بأن الأفضل الصلاة في البيت؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: ( أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة )؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي القيام في بيته عليه الصلاة والسلام حيثما كان مبيته، رغم أن المكان كان ضيقاً, حتى إن عائشة تقول: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا معترضة بين يديه -يعني: نائمة- فكان إذا أراد أن يسجد غمزني فطويت قدمي، فإذا قام بسطتها )، فلو كانت الصلاة في المسجد أفضل لما أخل بذلك النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم.

    وبعض العلماء قالوا: إن الصلاة في المسجد النبوي أو الحرام أفضل، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ), باستثناء الأماكن الثلاثة التي ميزت على غيرها, يعنون بذلك: المسجد الحرام, الصلاة فيه بمائة ألف صلاة, والمسجد النبوي بألف صلاة, والمسجد الأقصى بخمسمائة صلاة.

    لكن أصحاب القول الأول قالوا: صلاة المرء للنافلة في المدينة في بيته أفضل من ألف صلاة في المسجد النبوي.

    أيهما يقدم السلام أم تحية المسجد

    الشيخ: عمر من شرق النيل يقول: الإنسان إذا دخل المسجد يبدأ بالسلام على الناس وإلا تحية المسجد؟

    أقول: يبدأ بتحية المسجد؛ لأن تحية المسجد حق الله, وحق الله مقدم على حق العباد, فيصلي تحية المسجد ثم يسلم.

    التشهد بعد سجود السهو

    الشيخ: أما التشهد بعد سجود السهو، فنقول: هذا أفضل، فلو أن إنساناً سجد سجوداً قبلياً أو سجوداً بعدياً فإنه يتشهد ثم يسلم.

    المتاجرة بالعطور الكحولية

    الشيخ: أخونا ناصر من بحري سأل عن العطور الكحولية، حكم المتاجرة فيها؟

    فأقول: لا بأس إن شاء الله؛ لأن نجاسة الخمر نجاسة معنوية، وهذا الذي قال به ربيعة بن أبي عبد الرحمن المعروف بــــربيعة الرأي , وقال به من المعاصرين العلامة الطاهر بن عاشور , وكذلك العلامة محمد بن صالح العثيمين , وكذلك العلامة سلمان بن فهد العودة , وغيرهم من أهل العلم.

    فلا حرج في التعطر بها, ولا حرج في الاتجار بها, خاصة أن نسبة الكحول فيها ضئيلة كما علم من سؤال المختصين, ثم إنها استحالت إلى مادة أخرى فلا حرج عليك في التضمخ بها, ولا حرج عليك في الاتجار فيها, والعلم عند الله تعالى.

    وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم, والله المستعان, وعليه التكلان.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.