إسلام ويب

مقدمة في تفسير القرآن الكريم [2]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • التفسير هو معرفة معاني كلام الله المعجز المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، ومعرفته فرض كفاية على الأمة، وله تقسيمات باعتبارات متعددة كاعتبار معرفة الناس به، وطرق وصوله إلينا، وأساليبه، ويكون تفسير القرآن بطرق كتفسير القرآن بالقرآن ثم بالسنة ثم بآثار الصحابة والتابعين ثم بلغة العرب، ثم بالاجتهاد.

    1.   

    تعريف التفسير وحكمه

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد البشير النذير، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

    اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    إن من الأسباب المعينة على تدبر القرآن إخلاص النية لله عز وجل، وتحصيل آداب التلاوة، والإكثار من تلاوة القرآن، ومعرفة أسباب النزول، والإحاطة بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعرفة كلام العرب وأساليبهم في البيان، وأن يسأل الإنسان عما يجهل من أجل أن يعرف مراد الله عز وجل من كلامه، فهذه كلها مما يعين على التدبر.

    أيها الإخوة الكرام! التفسير هو أحد أنواع التدبر، والكلام محصور في تعريف التفسير ما هو، وحكمه، والكلام عن أنواعه، باعتبار اتجاهات المفسرين، وباعتبار طرق الوصول إليه، وباعتبار أساليبه، وباعتبار معرفة الناس به، ثم ذكر قواعد عامة يحتاج إليها طالب العلم إذا أراد أن يفسر القرآن.

    التفسير في اللغة: مشتقة من مادة فسر، بمعنى أوضح وأبان وأظهر، فكلمة التفسير بمعنى البيان والإيضاح والظهور، ومنه قول الله عز وجل: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً [الفرقان:33].

    والتفسير في الاصطلاح: هو معرفة معاني كلام الله المعجز المنزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    حكم العلم بالتفسير

    والعلم بالتفسير واجب على الأمة على العموم؛ فلا يجوز أن يخلو عصر أو مصر من عالم بتفسير كلام الله عز وجل، أي أنه لا بد أن يتفرغ أناس من أجل أن يعرفوا مراد الله من كلامه، وهذا المعنى ينطبق على سائر العلوم الشرعية؛ لأن الله تعالى قال: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة:122].

    1.   

    أقسام التفسير من حيث معرفة الناس به

    إذا أردنا أن نقسم التفسير من حيث معرفة الناس به، نجد أن عالماً كبيراً من علماء هذه الأمة وهو الحبر البحر عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قد قسمه إلى أربعة أقسام من حيث معرفة الناس به:

    تعرفه العرب من كلامها

    القسم الأول: نوع تعرفه العرب من كلامها، قال الله عز وجل: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً [يوسف:2]، وقال: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً [الزخرف:3]، وقال: لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:194-195]، وقال: لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النحل:103].

    والقرآن نزل بكلام العرب، وألفاظ القرآن تعرفها العرب من كلامها؛ فمثلاً لو سألت عربياً من العرب الأقحاح عن معنى (الصمد) فإنه سيعرفه، ولو سألته عن معنى (الغاسق) سيعرفه، ولو سألته عن قوله تعالى: (وقب) سيعرفه من لسانه، وكذلك الأساليب التي كانوا يستعملوها، مثل قول الله عز وجل: كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً [الإسراء:50]، فالعرب يعرفون أن هذا الكلام يراد منه التعجيز؛ لأن المشركين قالوا: أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً [الإسراء:98]، فقال الله لهم: كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً [الإسراء:50]؛ فالعربي يفهم من هذا بأنه ليس المراد الأمر على حقيقته بأن يتحول الإنسان إلى حجارة أو إلى حديد؛ بل المراد التعجيز، كذلك قول الله عز وجل: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان:49]، العرب يفهمون من هذا أن المراد به الامتهان والتحقير، وإن كان ظاهر الألفاظ التكريم والتبجيل.

    ومثله قول الله عز وجل: وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29]؛ فالعرب يفهمون بأن المراد به التهديد وليس على ظاهره؛ لأن الله يقول: آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا [الإسراء:107]، فهذا هو القسم الأول، قسم تعرفه العرب من كلامها؛ لأن القرآن نزل بلسانهم، وعلى وفق أساليبهم في الكلام.

    لا يعذر أحد بجهله

    القسم الثاني: قسم لا يعذر أحد بجهله، عربياً كان أو أعجمياً، وهو الذي تضمن أصول العقائد، وأصول العبادات، وأصول الأخلاق، وقواعد الحلال والحرام، مثل قول الله عز وجل: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ [محمد:19]، فيجب علينا جميعاً أن نعرف المعنى المراد، وقول الله عز وجل: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40]، فيجب على الكل أن يعرف معنى هذا الكلام؛ لأن هذه عقائد، وكذلك قول الله عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، يجب علينا جميعاً أن نحيط بها.

    تعرفه العلماء دون العامة

    القسم الثالث: قسم تعرفه العلماء دون العامة، مثل قول الله عز وجل: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ [النساء:12]، مع قول الله عز وجل: يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ... [النساء:176]، إلى آخر الآية، وبعض الناس قد يستشكل ويقول: كيف في هذه الآية قال: وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ [النساء:12]، ثم جاء في هذه الآية وقال: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، والآيتان تتكلمان عن الإخوة؟ فأهل العلم يعرفون بأن الآية الأولى مراد بها الإخوة من الأم، والآية التي في آخر سورة النساء مراد بها الأشقاء أو الإخوة لأب، فهذا قسم يختص به أهل العلم.

    لا يعلم تأويله إلا الله

    القسم الرابع: ما لا يعلم تأويله إلا الله، يعني: لا يعرفه لا العلماء ولا العامة، وإنما يختص بعلم تأويله الله جل جلاله، مثاله كيفية الصفات، فإن الله عز وجل قال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، كيف استوى لا يعرفه عالم ولا متعلم، ومثل قول الله عز وجل: وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنْ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ [النمل:82]، فهذه الدابة شكلها وصفتها لا يعلم بها إلا الله لكونها من الغيبيات التي اختص الله عز وجل بعلمها.

    ومثل قول الله عز وجل: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ [الزمر:68]، الصور قرن ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام، لكن حجمه وكيفيته لا يعلمها إلا الله.

    إذاً نقول: التفسير من حيث علم الناس به قسمه ابن عباس إلى أربعة أقسام:

    القسم الأول: قسم تعرفه العرب من كلامها؛ لأن القرآن نزل على وفق أساليبهم.

    القسم الثاني: قسم لا يعذر أحد بجهله، وهو المشتمل على العقائد والأخلاق والعبادات والحلال والحرام.

    القسم الثالث: قسم يختص به العلماء، ويخفى على عامة الناس.

    القسم الرابع: قسم لا يعلم تأويله إلا الله، وهي الآيات التي سماها الله متشابهات، كما في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ [آل عمران:7] جل جلاله.

    1.   

    تقسيم التفسير باعتبار طرق الوصول إلينا

    ثانياً: تقسيم التفسير باعتبار طرق الوصول إلينا، ينقسم إلى نوعين:

    التفسير بالمأثور

    النوع الأول: التفسير بالمأثور، أي: بالمنقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن الصحابة، وعن التابعين، هذا نسميه تفسيراً بالمأثور، مثل قول الله عز وجل: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60]، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي )، وقول الله عز وجل: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا [الفتح:26]، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( كلمة التقوى: لا إله إلا الله )، هذا نسميه تفسيراً بالمأثور.

    التفسير بالرأي

    النوع الثاني: التفسير بالرأي والاجتهاد، وإذا قيل: تفسير بالرأي فالمقصود به الرأي المحمود القائم على بينات وعلى علم، وليس مجرد الهوى والقول على الله عز وجل جزافاً -معاذ الله- فإن من قال: برأيه في كتاب الله فأصاب فقد أخطأ، ولا يجوز للإنسان أن يقتحم ويقول: تفسير هذه الآية كذا من غير أثارة من علم.

    1.   

    تقسيم التفسير باعتبار أساليبه

    ثالثاً: التفسير باعتبار أساليبه؛ فهناك عدة أنواع:

    التفسير الإجمالي

    النوع الأول: التفسير الإجمالي، وهو أن يؤتى بمعنى الآية إجمالاً، مثل قول الله عز وجل: سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النور:1]، فيكون معنى هذه الآية أن الله عز وجل يقول: سورة النور قد أنزلها من عنده جل جلاله، وأوجب على العباد العمل بها، وأنزل فيها آيات واضحات على رجاء من الناس أن يتذكروا ويعملوا بها، فهذا نسميه تفسيراً إجمالياً.

    التفسير التحليلي

    النوع الثاني: التفسير التحليلي، وهو الذي يقوم على بيان سبب النزول، ومعاني المفردات، ووجوه الإعراب، وأنواع البلاغة، واستنباط الفوائد والأحكام، هذا يسمى تفسيراً تحليلياً لأنه يحلل الآية تحليلاً.

    التفسير الإجمالي كما في بعض الكتب التي بأيدي الناس، مثل: تفسير الشيخ عبد الرحمن بن ناصر المسمى: بتيسير الكريم المنان، أو تفسير الشيخ أبي بكر الجزائري المسمى بأيسر التفاسير لكلام العلي الكبير، أو الآن طبع كتاب أشبه بالمصحف وهو في حجمه يسمى التفسير الميسر، وهذا نسميه تفسيراً إجمالياً.

    أما التفسير التحليلي فتجده عند العلماء الكبار من أمثال الشوكاني في فتح القدير، و الألوسي في روح المعاني، وكذلك الإمام القرطبي في الجامع لأحكام القرآن، هذه التفاسير كلها تفاسير تحليلية، ومن المعاصرين تفسير العلامة الطاهر ابن عاشور المسمى التحرير والتنوير.

    التفسير المقارن

    النوع الثالث: التفسير المقارن، وهو أن يأتي بقولين أو أكثر في تفسير الآية الواحدة، ويقارن بينها من أجل أن يرجح في النهاية، وهذا تجده كثيراً عند الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله صاحب جامع البيان، فتجده يورد في الآية الواحدة قولين أو أكثر، ثم يقول: وأولى الأقوال عندي بالصواب قول من قال كذا، ويرجح الطبري رحمه الله قولاً من هذه الأقوال.

    إذاً: عندنا التفسير التحليلي، وعندنا التفسير الإجمالي، وعندنا التفسير المقارن.

    التفسير الموضوعي

    النوع الرابع: التفسير الموضوعي، وهو أن يأخذ الإنسان موضوعاً واحداً يتتبعه من خلال القرآن.

    مثال ذلك: لو أن إنساناً كتب عن موضوع بني إسرائيل في القرآن الكريم، معنى ذلك أنه سيتتبع حديث القرآن عن بني إسرائيل، وسيبدأ من سورة الفاتحة في قوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، مروراً بسورة البقرة إلى أن يصل إلى آخر المصحف في الأجزاء الأخيرة مثلاً في سورة الأحقاف قول ربنا جل جلاله: وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ [الأحقاف:10]، فهذا يسمى التفسير الموضوعي.

    أو مثلاً لو أن إنساناً أراد أن يتتبع الآداب الاجتماعية في القرآن؛ فسيبدأ من سورة البقرة من قوله: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا [البقرة:189]، إلى أن يأتي على سورة النور في أواسط القرآن، إلى أن يأتي في أواخر القرآن على الآداب المتعلقة بالنظر واللقاء والسلام والكلام وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وما إلى ذلك من الآداب الاجتماعية.

    ولو أن إنساناً أراد أن يتتبع مثلاً موضوع زينة المرأة في القرآن، أيضاً سيجد آيات مبثوثةً هنا وهناك تتحدث عن الأحكام الشرعية المتعلقة بزينة المرأة، وقل مثل ذلك في الزكاة، وفي الصلاة.. إلى غير ذلك، وهذا النوع يسمى التفسير الموضوعي.

    ومن هنا نجد بأن المفسرين رحمهم الله على اتجاهات مختلفة؛ فبعض المفسرين انصبت عنايته على الناحية اللغوية، كـالزمخشري في الكشاف، فتجد أغلب اهتمامه بالنواحي اللغوية، ومثله أيضاً بوجه ما الألوسي في روح المعاني، وبعض المفسرين ركز على النواحي العقدية، كـالفخر الرازي في مفاتيح الغيب، وبعض المفسرين ركز على المسائل الفقهية كما في كتب أحكام القرآن ككتاب ابن العربي ، وكتاب أبي بكر الجصاص ، وكتاب القرطبي رحمة الله على الجميع، فهؤلاء ركزوا على الأحكام الفقهية.

    وبعض المفسرين ركزوا على التفسير بالمأثور، كالحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير القرآن العظيم، وهذه كلها اتجاهات لهؤلاء المفسرين رحمة الله عليهم أجمعين.

    1.   

    طرق تفسير القرآن

    بعد هذا التقسيم يرد علينا سؤال وهو كيف نفسر القرآن؟

    الجواب: تفسير القرآن يكون بطرق ستة:

    أولها: تفسير القرآن بالقرآن.

    ثانيها: تفسير القرآن بالسنة.

    ثالثها: تفسير القرآن بأقوال الصحابة.

    رابعها: تفسير القرآن بأقوال التابعين.

    خامسها: تفسير القرآن بلغة العرب.

    سادسها: تفسير القرآن بالرأي والاجتهاد.

    تفسير القرآن بالقرآن

    وأفضل هذه الأنواع وأولاها الأول؛ فإنه لا أحد أعلم بالكلام من المتكلم به، وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى [النحل:60]، فالإنسان منا قد يتكلم بكلام، فيفهمه بعض الناس، فيقول المتكلم: أنا ما قصدت هذا، وإنما أقصد كذا وكذا، والله جل جلاله يفسر كلامه بكلامه، وهذا في القرآن على عدة أنواع:

    النوع الأول: بيان المجمل، كما في أول آية من سورة المائدة قال الله عز وجل: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ [المائدة:1]، هذا مجمل، ثم جاءت الآية التي بعد تلك الآية وبين فيها ربنا أن المحرمة علينا عشرة أنواع: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [المائدة:3]، هذه عشرة أنواع من الطعام محرمة علينا، وهذا تفسير للقرآن بالقرآن.

    ومثله أيضاً في سورة البقرة قول الله عز وجل: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ [البقرة:37]، هذه الكلمات بينها في سورة الأعراف بقوله: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23].

    النوع الثاني من تفسير القرآن بالقرآن: تقييد المطلق، مثل قول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الضَّالُّونَ [آل عمران:90].

    فالإنسان الذي كفر وتمادى في كفره بالله عز وجل بين بأن توبته لا تقبل، وهذا ليس على إطلاقه، فقد قيده ربنا في آية أخرى فقال: وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [النساء:18]، والكافر إذا تاب إلى الله عز وجل يقبل توبته، بدليل قوله سبحانه: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38]، والآية التي فيها بيان عدم قبول التوبة المقصود بها التوبة التي تكون عند الموت، يعني أن الكافر كـفرعون مثلاً قال الله عنه: حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ [يونس:90]، ولكن ما ينفعه ذلك، قال الله عز وجل: أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ [يونس:91].

    النوع الثالث من تفسير القرآن بالقرآن: تخصيص العام، يقول الله عز وجل: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228]، فهذه الآية عامة، الألف واللام للاستغراق، وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228]، معنى ذلك: أن الإنسان لو طلق امرأته فإنه يجب عليها أن تمكث في العدة ثلاثة أطهار، وليس ثلاثة أشهر وربما تكون شهرين، وربما تكون عشرة أشهر، المهم حسب حيضتها، أما عدة الثلاثة أشهر فهي لليائسة التي لا تحيض، فلو أن إنساناً طلق امرأته بعدما بلغت سبعين سنةً فإنها تعتد بالأشهر، وتكون العدة ثلاثة شهور، وكذلك الصغيرة التي لا تحيض عدتها ثلاثة أشهر، أما ذات القرء فعدتها ثلاثة أطهار، وهذا العموم خصصه ربنا بقوله: وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق:4]؛ فلو أن إنساناً طلق امرأته وهي حامل، فوضعت بعد ساعتين فقد انقضت عدتها، ولها أن تتزوج، وهذا نسميه تخصيص العام، وهو من تفسير القرآن بالقرآن.

    النوع الرابع من تفسير القرآن بالقرآن: بيان لفظة بلفظة، قال الله عز وجل: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4]، وفي آية أخرى قال: وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار:17-19]، فعلم أن يوم الدين مقصود به يوم القيامة، هذا من بيان لفظة بلفظة.

    النوع الخامس من تفسير القرآن بالقرآن: بيان معنىً بمعنى، قال الله عز وجل: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوْا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً [النساء:41-42]، وفي آخر سورة النبأ قال الله عز وجل: وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [النبأ:40]، هذا تفسير لقوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوْا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً [النساء:42].

    النوع السادس من تفسير القرآن بالقرآن: بيان مفهوم آية بمنطوق أخرى، قال الله عز وجل: كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15]، يبين ربنا أن الكفار محجوبون عن رؤية الله يوم القيامة، ومفهومها أن المؤمنين يرون ربهم، كما قال الشافعي رحمه الله: لما حجب هؤلاء في السخط دل على أن أولئك يرونه في الرضا، هذا المعنى منطوق في الآية الأخرى في قول الله عز وجل: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]، نسأل الله أن يجعلنا منهم، هذا بيان لمفهوم بمنطوق.

    هذا كله يدخل في النوع الأول وهو تفسير القرآن بالقرآن، وتجده كثيراً، ومن خير من ألف في ذلك الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في تفسيره المسمى أضواء البيان في إيضاح تفسير القرآن بالقرآن.

    تفسير القرآن بالسنة

    الطريقة الثانية: هي تفسير القرآن بالسنة، فمن تفسير القرآن بالسنة بيان المجمل، هذا كما قال الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:43] فعلمنا تفاصيل الصلاة وكيفيتها من الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وقال تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222]، كلمة الاعتزال تعني البعد والتجافي؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام فسر هذه الآية بقوله: ( اصنعوا كل شيء إلا النكاح )، والصديقة عائشة رضي الله عنها قالت: ( كان يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض )، وقال: ( ناوليني الخمرة من المسجد. قالت: يا رسول الله! إني حائض، قال لها: حيضتك ليست في يدك )، هذا كله بيان للمراد بقوله تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222].

    وأيضاً من بيان السنة للقرآن تقييد المطلق، قال الله عز وجل: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38]، مكان القطع هنا هل من الرسغ أم من المرفق أم من العضد؟ بين النبي عليه الصلاة والسلام بسنته أن المقصود قطع اليد اليمنى من مفصل الكف، ولا يتعدى، فهذا تقييد لمطلق القرآن.

    كذلك من تفسير القرآن بالسنة تخصيص العام، قال الله عز وجل: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [المائدة:3]. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال )، فهذا من تخصيص العام، فهذا كله من تفسير القرآن بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.