إسلام ويب

المرأة البحريةللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ضمن سلسلة قصص الصحابة في عهد النبوة يذكر الشيخ هذه المرة قصة عظيمة لامرأة عظيمة من فضليات الصحابيات، وهي أسماء بنت عميس، المهاجرة إلى الحبشة، ذاكراً حوارها مع عمر بن الخطاب، مبيناً ما تضمنته هذه القصة من فوائد تربوية ودعوية مهمة.

    1.   

    من فضائل الصحابة

    صبرهم وتضحياتهم في سبيل الدين

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    فلا زلنا -أيها الإخوة- في هذه السلسلة من قصص الصحابة في عهد النبوة؛ نسترشد بسيرتهم، ونطيب أنفسنا بذكرهم وأخبارهم، ونستفيد دروساً عظيمةً من الأحداث والمواقف التي مرت بهم.

    أولئك القوم الذين اختارهم الله سبحانه وتعالى لصحبة نبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم، أبر الأمة، وأطهر الأمة، وأفقه الأمة، وأعبد الأمة لله عز وجل، أولئك الذين نزل الوحي بينهم، وهم الذين عقلوه ولم يعقل الوحي أحدٌ مثلهم رضوان الله تعالى عليهم، إنهم القوم الذين نستفيد منهم مواقف في العقيدة، مما تحملوه في سبيل الله، وجاهدوا به أعداء الله.

    إن واحداً منهم صدع بالقرآن في وجه الكفار فضربوه وآذوه، ولكنه استمر يقرأ القرآن عليهم.

    وآخر ينطق بالشهادتين، فيضربونه حتى يسيل منه الدم، فيصير كهيئة النصب الأحمر من كثرة ما سال من دمائه حتى يقع مغشياً عليه.

    إنهم ضربوا لنا أمثلة رائعة في الصبر، وكان يقذف بالواحد منهم على الرمال الحارة، وتوضع الصخرة على صدره فلا ينطق إلا بصفة من صفات الله التي تدل على وحدانيته، ورفض الشرك وعبادة الأوثان، وإن الواحد منهم كان يطرح على أسياخ الحديد المحماة، فلا يطفئها إلا الشحم الذي يسيل من ظهره عليها.

    وكان الواحد منهم يؤذى ويضرب حتى لا يستطيع أن يستوي قاعداً من شدة الضرب، إنهم الذين ضربوا لنا المُثُلَ في التحمل والصبر على الجوع في سبيل الله، فحوصروا حتى لم يعد الواحد منهم يجد شيئاً يأكله، فيبول فيرتد رشاش بوله من شيء في الأرض، فيأخذه فإذا هو جلد بعيرٍ قد فني منذ مدة وبقي هذا الأثر، يأخذه ليغسله؛ فينقعه ويقتاته أياماً.

    ولم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم وبلال من شيء يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال ، وكان للواحد تمرة واحدة في اليوم يقتاتها وهم غزاةٌ في سبيل الله، ينقعونها في الماء يشربونه ويمصها الواحد منهم كما يمص الطفل ثدي أمه، اشتكوا من القلة إلى الله عز وجل لا إلى خلقه، وصبروا على العيلة والمسكنة، حتى جعل الواحد منهم من قلة الطعام يضغو كما تضغو الشاة، أي كالبعر الصغير تضعه الشاة، فكان الواحد من الصحابة إذا قضى حاجته لا يخرج منه إلا مثل ذلك، لأنهم لم يجدوا شيئاً يأكلونه، حتى ربطوا الحجارة المسطحة بمقدار الكف على بطونهم ليعتدل ظهر الواحد منهم؛ لأن الجوع احناه، ويبرد الحجر حرارة الجوع، ولأن ضغط الحجر على المعدة يؤدي إلى تقليل الإحساس بألم الجوع.

    كثرة تعبدهم وحرصهم على نشر الإسلام

    وقد تعلمنا منهم دروساً في قيامهم بالليل بالقرآن، كالقراء الذين كانوا يصومون بالنهار ويقومون بالليل يقرءون القرآن، حتى مات وقتل عددٌ منهم في سبيل الله، كالسبعين الذي قتلوا في بئر معونة رضي الله عنهم، وكان أبو موسى الأشعري يقوم الليل بالقرآن، فيسمعه النبي صلى الله عليه وسلم فكأنما أوتي مزماراً من مزامير آل داود؛ والمزمار هو: الصوت الحسن الجميل، وكان عليه الصلاة والسلام يعرف صوت الأشعريين بالليل في قراءة القرآن.

    فهم الذين تعلمنا منهم الدروس في تلاوة القرآن، وتحسين الصوت به، والقيام به آناء الليل، وصيام النهار، رضوان الله تعالى عليهم.

    وهم الذين تعلمنا منهم الحكمة في الدعوة إلى الله عز وجل، وكيف أن مصعب بن عمير وعبد الله ابن أم مكتوم ذهبا إلى المدينة ليسلم على أيديهما رؤساء الأوس والخزرج، ويفتح مصعب المدينة بالقرآن، ويمهدها للنبي عليه الصلاة والسلام، فلم تفتح المدينة بالسيف، إنما فتحت بالقرآن، إنه القرآن الذي يقرأه الدعاة أمثال مصعب وابن أم مكتوم المرسلين من مكة .

    حراسة الدين ونقله إلى من بعدهم من المسلمين

    وقد تعلمنا منهم مقاومة المنافقين، والكشف عن دسائسهم، حتى كان الغلام منهم يتلقط الأخبار ليأتي بها إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وينزل الله آياتٍ تنبئ عن وفاء أذن هذا الغلام وصدقه، فكانوا صغاراً وكباراً جنوداً للدعوة، حراساً للعقيدة، أمناء على الدين، نقلة لأخبار المنافقين لكي يحذر منهم المؤمنون.

    تعلمنا منهم دروساً في مواجهة أعداء الله من اليهود والمشركين، وكيف كانوا يحرسون الخندق بعدما حفروه بأيديهم، ولم يستطع الكفار اقتحام المدينة ، ولم يستطع اليهود أن ينالوا من النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته شيئاً تمنوه، أو أرادوا بلوغه فبلغوه، لأن الصحابة كانوا يحرسون كل ذلك.

    وتعلمنا من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم التواضع، تعلمنا منهم العفو، تعلمنا منهم الوقوف عند كتاب الله تعالى، تعلمنا منهم الجرأة في الحق، تعلمنا منهم الأمانة في نقل العلم، والحرص على حفظ الحديث وتأديته، فكم لـأبي هريرة من الأجر، وأحاديثه في الصحاح والمسانيد والأجزاء الحديثية؛ تتلى وتقرأ في الدروس والخطب والمساجد، وتتناقل، هو الذي نقلها عن النبي عليه الصلاة والسلام، فله مثل أجر ذلك، وكذلك بقية المكثرين من الرواة كـعائشة ، وأنس ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، وغيرهم رضي الله عن الجميع.

    1.   

    حديث المرأة البحرية

    ونحن في هذه الليلة مع قصة من القصص التي حدثت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يرويها أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، يقول: (بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونحن بـاليمن ، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهم، أحدهما أبو بردة ، والآخر أبو رهم -في بضع وخمسين رجلاً من قومه- فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي في الحبشة ، فوافقنا جعفر بن أبي طالب ، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعاً، فوافقنا النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر ، وكان أناس من الناس يقولون لنا -لأهل السفينة-: سبقناكم بالهجرة، ودخلت أسماء بنت عميس ، وهي ممن قدم معنا على حفصة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء : من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس ، قال عمر : آلحبشية هذه، البحرية هذه -التي ركبت البحر-؟ قالت أسماء : نعم، قال: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم، فغضبت، وقالت: كلا والله، كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في أرض البعداء البضغاء بـالحبشة ، وذلك في الله وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وايم الله لا أطعم طعاماً ولا أشرب شراباً حتى أذكر ما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن كنا نؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وأساله، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: يا نبي الله! إن عمر قال كذا وكذا، قال: فما قلتِ له؟ قالت: قلت له كذا وكذا، قال: ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان، قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالاً يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح، ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم) قال أبو بردة : [فلقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث منها].

    هذا الحديث متفق على صحته؛ رواه الإمامان أبو عبد الله البخاري رحمه الله تعالى، والإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري في صحيحيهما.

    أهل اليمن خير من يستجيب لدين الحق

    يقول أبو موسى الأشعري : ( بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونحن بـاليمن ) يمكن أن يكون المخرج البعثة، ويمكن أن يكون الهجرة، بلغتهم الدعوة فأسلموا وأقاموا ببلاد اليمن ، وأهل اليمن سباقون إلى الخيرات، أقاموا ببلادهم إلى أن عرفوا أن الهجرة واجبة، وأنه لا بد من الهجرة، فعزموا عليها، لكن الذي أخرهم إما عدم بلوغ الخبر إليهم، أو عدم علمهم بما كان المسلمون فيه من المحاربة مع الكفار، لم يكن هناك وسائل اتصال في القديم مثل الآن لتعرف الأخبار أول ما تقع، فربما يمكث الواحد شهوراً لا يعرف ماذا يحدث في المكان الآخر، فلما بلغتهم المهادنة طلبوا الوصول إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وربما أنهم مروا بـمكة في حال مجيئهم إلى المدينة ، ويجوز أن يكون هذا المرور في وقت الهدنة بين النبي عليه الصلاة والسلام وكفار قريش.

    يقول أبو موسى : (أنا وأخوان لي، أنا أصغرهم، أحدهما أبو بردة -واسمه عامر - وأبو رهم -الثاني واسمه مجديّ بالياء المشددة-) وهؤلاء من الأشعريين من أهل اليمن ، وقد صارت هذه الكلمة تطلق بعد ذلك على الأشعريين، وهم غير الأشاعرة ، أما الأشاعرة فلهم منهج في العقيدة ليس سوياً ولا مستقيماً، وفيه انحراف عن جادة السلف في الأسماء والصفات، وبعض القضايا الأخرى المتعلقة بالإيمان والقضاء والقدر ونحو ذلك من قضايا العقيدة.

    أما الأشعريون فهم قوم من اليمن منهم أبو موسى الأشعري ، معه أخوان له، ومعهم ثلاثة وخمسون أو اثنان وخمسون رجلاً من قومهم.

    ويقول: فوافقنا جعفر بن أبي طالب أي: اتجهت السفينة من اليمن عن طريق البحر إلى الحبشة ، ووافقوا جعفر بن أبي طالب في الحبشة ، لأن جعفر بن أبي طالب خرج مع بعض المسلمين مهاجراً من مكة إلى الحبشة لما اشتد عليهم أذى قريش، وقاموا بما يستطيعون من الدعوة هناك، والمحافظة على هذه المجموعة التي ذهبت إلى هناك حتى رجعوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام بعد خيبر .

    فالتقى أبو موسى ومن معه بـجعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ومجموعة المسلمين هناك، وأقاموا معهم حتى هاجروا جميعاً مع جعفراً إلى المدينة، وقد جاء في رواية أن جعفر قال لهم: [إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا هنا، وأمرنا بالإقامة، فأقيموا معنا] فـجعفر بن أبي طالب كان مقيماً في الحبشة بناءً على أوامر من النبي عليه الصلاة والسلام، ولما قدموا المدينة كان مع جعفر بن أبي طالب زوجته أسماء بنت عميس ، ومن اليمنيين أبو موسى وجماعته، وجاء خالد بن سعيد بن العاص وامرأته، وأخوه عمر بن سعيد ومعيقيب بن أبي فاطمة .

    أسماء بنت عميس تستخرج شهادة بالهجرتين

    قال: [فوافقنا النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح خيبر مباشرة] وغنائم خيبر كانت فتحاً عظيماً للمسلمين وفكت ضائقة اقتصادية شديدة كانت نازلة بالمسلمين، ومعروف أن الغنائم توزع على من قاتل في المعركة، لكن نظراً للدور العظيم الذي قام به جعفر بن أبي طالب في الحفاظ على هذه المجموعة الإسلامية في الحبشة ، وقيامهم بالدعوة هناك، وحكمتهم في دعوة النجاشي ، وما حصل من وجود قاعدة إسلامية خلفية احتياطية، رديفة للقاعدة التي كانت موجودة في مكة ، بحيث لو ضرب المسلمون في مكة فلا تزال مجموعة في الحبشة باقية، فنظراً لهذا الدور العظيم أشرك النبي هؤلاء المهاجرين في غنائم خيبر ؛ مع أنهم ما شهدوا فتح خيبر ، ولذلك جاء في رواية في البخاري : [فأسهم لنا ولم يسهم لأحدٍ غاب عن فتح خيبر منها شيئاً إلا لمن شهدها معه، إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، فإنه قسم لهم معهم].

    وكان أناس في المدينة يتباهون أنهم الذين هاجروا مع النبي عليه الصلاة والسلام، وأنهم حازوا قصب السبق، وأنهم أفضل، منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فالذي حصل أن أسماء بنت عميس ، وهي زوجة جعفر ، دخلت على حفصة بنت عمر ، وهي زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم دخل عمر على بنته يزورها، فوجد أسماء ، قال عمر : من هذه المرأة التي عندك؟ فقالت: هذه فلانة، قال: ألحبشية هذه، أو ألبحرية هذه؟ أو البحيرية بالتصغير أما الحبشية، فنسبة لأنها كانت ساكنة في الحبشة ، وأما البحرية لركوبها البحر، ثم ذكر عمر أنهم أولى بالنبي عليه الصلاة والسلام، وأنهم سبقوا بالهجرة، فقالت أسماء بنت عميس : كلا والله.. وأنتم كنتم عند النبي عليه الصلاة والسلام ينفق عليكم ويعلمكم، ونحن كنا صابرين على اللأواء والشدة في دار البعداء البغضاء، جمع بعيد بغيض: البعداء والبغضاء، لأن ذلك كان بلد نصارى، وإذا كان النجاشي أسلم، ومعه قلة قليلة جداً، فالبقية على دين النصارى، لم يسلم قوم النجاشي ، لكنه أسلم رحمه الله، وبقي ملكاً عليهم مطاعاً فيهم، وحصل انشقاق ومعركة، وانتصر النجاشي ومن معه على الجناح المنشق الذي خرج عليه في قصة حضرها الصحابة من بعد، وأرسلوا من يأتي بالخبر سباحة ورجع إليهم، وبالتأكيد أنهم كانوا يدعون الله للنجاشي أن ينتصر، وأن دعوات الصحابة واكبت النجاشي في نصره على من خرج عليه.

    فقالت: -ولعمري لقد صدقت- كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم جائعكم، ويعلم جاهلكم، وكنا البعداء والفرداء، قالت بهذه الرواية: نحن كنا هناك صابرين وذلك في الله وفي رسول الله.

    وايم الله: وايم اختصار لأيمن الله من اليمين، حلفت أن تخبر النبي عليه الصلاة والسلام بما قال عمر ، وأخبرت النبي عليه الصلاة والسلام بعدما جاء، فأخبرها أنه ليس عمر أولى بي منكم، وأخبرها أن للذين هاجروا من مكة إلى المدينة هجرة واحدة، بينما لهؤلاء هجرتان؛ هجرة إلى النجاشي وهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

    وبإسناد صحيح للشعبي ، قال: قالت أسماء بنت عميس : (يا رسول الله! إن رجالاً يفخرون علينا ويزعمون أنا لسنا من المهاجرين الأولين).

    لأن الله مدح المهاجرين الأولين، فقال عمر : (نحن المهاجرون الأولون أي: وأنتم رتبة ثانية، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أنتم لكم هجرتان) أي: هاجرتم إلى أرض الحبشة ثم هاجرتم بعد ذلك إلى المدينة .

    وفي رواية قال: (للناس هجرة واحدة ولكم هجرتان) قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك والصحابة أحرص شيء على الأجر، وهذا شرف عظيم جداً؛ فحصل هناك بين هؤلاء المهاجرين انتعاش وفخر، وفرح وسرور بالغ لا يوصف، حتى أن أهل السفينة جاءوا أفواجاً وأرسالاً، سمعوا أن أسماء بنت عميس أخذت تزكية من النبي عليه الصلاة والسلام أن لهم هجرتين، فجاءوا يسألون أسماء فوجاً بعد فوج؛ لأنهم كانوا يحتسبون الأجر، يريدون أن يسمعوا هذه الكلمة.

    حتى أبو موسى وهو من كبار رواة الحديث، يأتي بنفسه لـأسماء بنت عميس يقول: أسمعيني.. أسمعيني، يطلب منها أن تعيد له الحديث مرة أخرى فرحاً به.

    1.   

    الدروس المستفادة من حديث المرأة البحرية

    هذه القصة فيها فوائد متعددة نذكرها فيما يلي:

    وفاء اليمنيين وثباتهم على الدين

    فمن فوائد هذه القصة أن الإنسان المسلم يبقى وفياً لإسلامه ولو كان في أرضٍ بعيدة، فلقد بقي المسلمون في اليمن فترة من الزمن وأخبار المسلمين عنهم منقطعة، لكن انقطاع الأخبار لا يعني انتكاساً ولا ردةً ولا تغيير موقف، بل ثبات على الدين، نعم وصول ما استجد من وحي وما نزل من سور في مكة ، أو الأخبار من النبي عليه الصلاة والسلام لا شك أن ذلك يزيد الإيمان، لكن لو ما وصلت فهم على العهد باقون، وعلى الدين ثابتون، لأنهم أناس مؤمنون دخلوا في دين الله لا لشخص، وهم مستمرون على عقيدتهم وعلى دينهم يعبدون الله بما وصلهم، وبحسب ما عندهم من العلم، وهكذا الإنسان لو ذهب إلى بلدٍ بعيدة.

    الثبات على الدين في بلاد الغربة

    ودرس آخر نستفيده من وجود المسلمين في الحبشة ، وهو لو أن أحداً ذهب إلى أمريكا أو أوروبا أو بلاد المشرق في أقصى الأرض وهو مسلم، فهو لا يزال على صلاته يؤديها في أوقاتها بالطهارة والخشوع، ولا زال معه مصحفه يقرأ فيه، ولا زال مع العلم الذي تعلمه، ولا زال يذكر الله كثيراً، ولازال يدعو الله، وهكذا لا يزال مع إخوانه المسلمين قدر الإمكان.

    إذاً: فالثبات على الدين حتى في بلاد الغربة درس عظيم يستفاد من هذه القصة.

    التضحية لأجل الدين والعمل وفق مصلحته

    كذلك أن التحرك لأجل الدين ينبغي أن يكون نابعاً من مصلحة الدين لا مصلحة الأشخاص، هؤلاء الناس بقاؤهم في بلدهم في اليمن من ناحية الدنيا أحسن، فقد تكون لهم مزارع، وعندهم عقار، وبيوت وأهل وقبيلة، بلاد اليمن بلاد خير عظيم لا تقارن بما كان عليه المسلمون من الشدة، ومع ذلك تركوا بلادهم مهاجرين.

    إن ترك البلد التي فيها خير ونعيم لأجل الله ليست مسألة سهلة؛ فأن يترك الإنسان بيته ويذهب إلى مكان بدون بيت، ويترك زرعه وثمره يذهب إلى مكان لا يجد فيه ثماراً ولا يجد فيه إلا أشياء يسيرة يعد تضحية جسيمة، أين اليمن بخيراتها في ذلك الوقت مما كان يوجد في المدينة مثلاً؟ خيرات اليمن أكثر بكثير، ولذلك فإن ترك هؤلاء بلدهم لله ثمنه عظيم، وقدره كبير عند الله سبحانه وتعالى، فبعض الناس قد يترك بلده وفيها فقر؛ لكن الذي حصل هنا عكس ذلك؛ فإنهم تركوا بلد الخيرات الدنيوية لأجل خير الآخرة.

    المخاطرة لأجل الدين

    كذلك في هذا الحديث: المخاطرة لأجل الدين، فركوب البحر خطر عظيم؛ خاصة أن القوارب أو السفن كانت بدائية في ذلك الوقت، واحتمال هيجان الأمواج في البحر كبير، وحصل لعدد من العلماء من اليمن إلى جدة رحلات بحرية ذكروها وذكروا الأخطار التي فيها، حتى ذكر الشيخ صديق حسن خان رحمه الله رحلةً بحرية من اليمن إلى جدة لأجل الحج، وذكر ما حصل من تلاطم الأمواج بالسفينة التي كانوا فيها حتى أوشكت على الغرق، ورأى بعض الناس في خضم هذه الأهوال بدلاً من أن يقولوا: يا الله أنقذنا، كل واحد منهم جعل ينادي الولي الذي يفزع إليه في وقت الشدة، يا عيدروس المدد المدد، يا بدوي المدد المدد، يا جيلاني المدد المدد، يا شاذلي أدركنا وهكذا، حتى أن أحد الموحدين قال: اللهم أغرق أغرق.. فما بقي أحدٌ يعرفك! كل واحد فزع إلى ولي وإلى بشر، وتركوا الله، ولذلك فإن مشركي عصرنا أسوء من مشركي قريش، أولئك إذا ركبوا في الفلك واضطربت الأمواج دعوا الله مخلصين له الدين، وهؤلاء لما ركبوا في الفلك واضطربت بهم الأمواج قالوا: يا فلان يا فلان، وتركوا الله عز وجل.

    فركوب البحر إذاً خطير، ومع ذلك ركبوا البحر مع كون الوسائل بدائية، ركبوه لله وفي سبيل الله، فالإنسان في سبيل الدين يخاطر، لكن عندما تكون المصلحة متحققة، فإنه قد صدرت أوامر إلى المسلمين بالهجرة.

    وركب المسلمون البحر للجهاد، والغازي في البحر أعظم من الغازي في البر، لأن الغزو في البحر فيه خطورة، وأجره أكثر، وقد طلبت إحدى النساء المسلمات من النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعو لها أن تكون شهيدة في البحر، وقد كان ذلك فعلاً في غزوة في البحر رضي الله تعالى عنها، بايعت النبي عليه الصلاة والسلام واستشهدت، واستيقظ النبي عليه الصلاة والسلام يضحك، ورأى قوماً من أمته كالملوك على الأسرة يركبون ثبج البحر للجهاد في سبيل الله، هذه الجزر الموجودة كجزيرة قبرص وغيرها من الجزر فتحها المسلمون وعبروا منها إلى الأندلس ، ركبوا البحر في سبيل الله وتفوقوا وانتصروا على الكفار.

    فإذاً ركوب البحر على المخاطرة التي فيه أجره أعظم ولا شك.

    جواز تحدث المرء وفخره بنعمة الله ما لم يكن عجباً

    كذلك من فوائد هذا الحديث أنه يحق للإنسان أن يفتخر بالمزية الشرعية؛ ما لم يكن في ذلك كبرٌ أو عجب، بشرط أن يكون هذا الافتخار صحيحاً، أي: أن تكون له ميزة صحيحة، وأن ذلك من التحدث بنعمة الله ومن الفرح بثواب الله عز وجل.

    انتقاء المكان المناسب للفرار بالدين

    وكذلك في هذا الحديث: انتقاء المكان المناسب للفرار بالدين، فإن النبي عليه الصلاة والسلام وجه أصحابه إلى الحبشة وقال: (إن فيها ملكاً عادلاً لا يظلم عنده أحد).

    والنجاشي كان عند ظن النبي عليه الصلاة والسلام، فحماهم وحافظ عليهم وأكرمهم، وأسلم، ولكن قيل إنه كان متكتماً على إسلامه عن قومه، كان يخشى لو أظهر إسلامه أن يخرجوا عليه، بل قد خرجوا عليه، ولكن الله نصره بمن معه على من انشق عنه وخرج عليه، لكن قال بعض أهل العلم كـالنووي رحمه الله: إن النجاشي كان مستسراً بإسلامه عن قومه.

    والعبرة أن الأسباب التي أدت إلى اختيار الحبشة هي وجود ذلك الحاكم الذي يعدل ولا يظلم، وهكذا حصل وجود قاعدة مهمة للمسلمين في ذلك المكان.

    أن المسلم كالغيث أينما وقع نفع

    ولم يقصر الصحابة في الدعوة في بلاد الغربة، وهذه فائدة أخرى، أن الإنسان إذا ذهب إلى بلد غربة وإن كان ضعيفاً، أو كان علمه قليلاً، وقد لا يجد مدداً من إخوانه، والعلماء والمشايخ ونحو ذلك، لكن هل يمنعه ذلك من الدعوة؟

    بعض الناس إذا ذهب إلى الخارج انكفأ على نفسه وانزوى، وشعر بالوحشة والغربة فلا يفعل شيئاً للدين، لكن هؤلاء الصحابة لما هاجروا إلى الحبشة مع أنها أرض بعداء وبغضاء وكفارٍ نصارى، لكن اشتغلوا بالدعوة؛ واشتغلوا مع رأس الهرم، ومع القمة، ومع الأحبار والرهبان والقساوسة الذين كانوا مع النجاشي ؛ يدعون إلى الله، يعبدون الله في تلك الأرض.

    على المسلم المضطهد أن يهاجر

    ففيه أن الإنسان إذا ضيق عليه في دينه فعليه ألا يبقى في مكان لا يستطيع أن يقيم فيه شعائر الدين، وهذه مسألة مهمة جداً، أن إذا وجد الإنسان بأرض لا يستطيع أن يجهر فيها أو يظهر شعائر الدين؛ فلا صلاة ولا أذان، فلينتقل عنها: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا [النساء:97] فالمرء غير معذور بالإقامة في بلد لا يستطيع أن يصلي فيها أو لا يستطيع أن يقيم شعائر الإسلام فيها، فعند ذلك يتركها إلى بلد آخر أرحم وأرحب: وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً [النساء:100] مراغماً يعني: يرغم أنوف الذين أخرجوه، فإن إظهار شعائر الدين مسألة مهمة؛ فهي حياة للدين، ونشر له، وإقامة لشعائره كالأذان، وإقامة الصلاة، وحتى صلاة العيدين، وعلى الأقليات الإسلامية في الخارج ألا يصلوا العيد في أماكن مغلقة، بل يخرجوا إلى الصحراء، وتخرج معهم النساء والحيض وذوات الخدور ليشهدن الخير ودعوة المسلمين، ويكون بذلك إظهار الدين، لأن إظهار الدين يلفت الأنظار، وفعل ذلك أبو بكر الصديق ، فإنه ابتنى مسجداً بفناء داره، فجعل يقرأ القرآن والناس في الشارع يمرون، فجعل أبناء المشركين ونساؤهم يتجمعون للسماع؛ لأن إعلان صوت الحق مهم في الدعوة، بل كيف يعرف الكافر أن هنا ديناً وإسلاماً إذا لم تعلن الشعائر؟ ولذلك إذا تعذر إقامة الشعائر في بلد فعلى المرء أن يهاجر وأرض الله واسعة رحيبة: وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً [النساء:100] فإذا خرج إلى أرض أخرى، أرغم أنوف الذين ضيقوا عليه في ذلك البلد، حتى يتمنوا لو قتل بل ربما يندمون على إخراجه، فيقولون: ذهب من بين أيدينا.

    ثم قد يلاحقونه ويطالبون به، ويريدون بأي طريقة إعادته من الغيظ الذي أصابهم حين انفلت من بين أيديهم، والله عز وجل قد تكفل بالعون لمن هاجر في سبيله، وأن يغنيه وينصره ويحميه ويحفظه، والذي يبقى تحت حكم الكفار غير معلن للدين حتى يموت أو يموت دينه، تقول له الملائكة عند الوفاة: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا [النساء: 97] لماذا لم تهاجروا؟

    اختلاف أوضاع المسلمين والأجر على قدر الصبر

    وكذلك من دروس هذه القصة: أن حال بعض المسلمين أهون من بعض، وبعض المسلمين حالهم أشد من بعض، فلما قارنت أسماء بنت عميس وضعها الذي كانت فيه هي والمسلمين في الحبشة ، مع وضع عمر بن الخطاب والمسلمين في المدينة ، قالت: [معكم رسول الله يطعم جائعكم] مما يأتي من الصدقات والغنائم [ويعظ جاهلكم] أي: وعندكم مصدر العلم، وكنا صابرين في دار البعداء والبغضاء، فصَبْرُنا أعظم وأشد، فالآن لو قارنت أوضاع المسلمين في العالم لوجدتها تختلف في الشدة واليسر، ومادام كل واحد في مكانه يؤدي دوراً، فالثواب على قدر النصب، فنحن هنا عندنا أموال وخيرات، وعندنا أثاث ومتاع، وعندنا بيوت وسيارات، وفي بعض البلدان لا يوجد ذلك أبداً، بل هم حفاة عراة، بل لا بيوت لهم ولا سيارات، ما وجد بعض المسلمين في الصومال إلا الأشجار يتسلق عليها من الفيضانات، ويتعلقون بأغصانها، وإذا سقط الولد انتهى، لأنه موضوع على نصف الشجرة، والمياه عميقة، ولا يمكن لوالديه أن يرداه وإلا غرقا معه، فلا يقارن وضع هؤلاء بوضعنا في بيوتنا، وفي عمائرنا، وشققنا، وفللنا، ولا صبرهم على اللأواء والشدة بصبرنا نحن؟

    وكذلك من أراد منا أن يذهب إلى درس في المسجد حرك السيارة بسرعة ووصل، لكن في بلدان أخرى لا توجد معهم سيارات، والحافلات مزدحمة فلا يصل إلا بعد ساعة أو ساعات، إذاً الأوضاع ليست سواء.

    وحتى بالنسبة للطعام واللباس، أحياناً الواحد يقول: كنت مرة قد أعطيت بعض الإخوان كتاب (أربعون نصيحة لإصلاح البيوت) كتيب صغير، قلت: هذا خذوه معكم إلى تلك البلاد ووزعوه، قالوا: لا توجد بيوت حتى تصلح، الناس في البراري والقفار، لا يوجد مكان يعيش فيه هؤلاء، ثم تقول: اجعل مكتبة صوتية في بيتك فيقول: لا يوجد مسجلات أصلاً ولا أشرطة.. وضع مأساوي!

    إذاً نحن قد نتكلم أحياناً في الدعوة، ونتكلم على مستوى الإمكاناتُ فيه موجودة ومتوفرة، لكن بعض المسلمين ما عندهم إمكانات مطلقاً.

    وتقول مثلاً: وطالب العلم إذا ما وجد شيخاً فليسمع أشرطة المشايخ، يقول: لكن ليس عندهم مسجلات أصلاً حتى يسمعوا أشرطة مشايخ، فلما قالت أسماء : أنتم مع النبي عليه الصلاة والسلام يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، ونحن في أرض البعداء والبغضاء، الإمكانات إذاً في بلاد المسلمين تختلف، ولما صبرت أسماء بنت عميس ومن معها حازوا هجرتين بسبب صبرهم والشدة التي عانوها.

    فإذاً كل مسلم يصبر في المكان الذي هو فيه حسبما تقتضيه المصلحة الشرعية، وأجره يكون على حسب صبره، وربما يكون لبعض المسلمين من الأجر أكثر بكثيرٍ مما لنا نحن؛ لأن الإمكانات لدينا متوفرة؛ من خيرات وأموال وأوضاع مادية جيدة، وألوان من الطعام والأثاث ونحو ذلك.

    الرجوع إلى أهل العلم عند الاختلاف

    كذلك من دروس هذه القصة: أنه إذا حصل خلاف علمي فالمرجع إلى أهل العلم، فالآن حصل خلاف علمي بين أسماء بنت عميس وعمر بن الخطاب ، في أي الفريقين خيرٌ وأفضل، فقال عمر : نحن هاجرنا مع النبي عليه الصلاة والسلام، وأنتم ذهبتم إلى الحبشة ، فنحن أولى به، فتقول أسماء : وايم الله لا أطعم طعاماً ولا أشرب شراباً حتى أذكر ما قلته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمرجع للخلاف لأهل العلم.

    الأمانة في النقل

    درسٌ آخر: الأمانة في نقل الخلاف والسؤال، ومع الأسف أنه إذا وقع اليوم خلاف في مسألة علمية، فكل واحد ينقلها إلى الشيخ بطريقة تختلف عن الآخر، وتجد تحريفاً حسب هوى الشخص، فتقول أسماء رضي الله عنها: [وسأذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وأسأله، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه] سأنقل الحوار بالضبط كما حصل، وأسأله عن رأيه فيه لا أزيد ولا أزيغ ولا أكذب، وهكذا حصل وسألت النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: [يا نبي الله! إن عمر قال كذا وكذا].

    على المفتي أن يتثبت ويستوفي السؤال

    وهنا درس للمفتي: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: (فما قلت له؟) يريد أن يعرف أيضاً ماذا قالت هي، وما هو رأيها فيه أيضاً، قالت: [قلت له: كذا وكذا] وذلك لاستطلاع رأي الطرف الآخر واكتشاف الأشخاص والفهم الموجود لديهم.

    وكذلك في هذا الحديث: الفيصل الذي يخرج من كلام العالم ليحسم الخلاف، لأن بعض الناس يقولون: نرجع للعالم، ثم يختلفون بعد ذلك، فبعضهم يفسر كلامه، ويقول: لعله ما فهم، أو لعلك ما فهمت الشيخ، نعم.. قد يكون هناك تقصير في الشرح، ولكن بعض الناس يرفض الفتوى لأنها تخالف هواه، فيقول: لا، وربما أنك ما سألته بشكل سليم، وما شرحت القضية كما حصلت، فهناك شجار وخصومات، وأحياناً تكون الفتوى مكتوبة مطبوعة ومع ذلك يقولون: لا. وفيها كذا وكذا، أما هنا فكلام النبي صلى الله عليه وسلم فصل في القضية، ولا أحد يعترض ويورد الإيرادات.. فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43].

    فرح الصحابة بما يقربهم من الله

    كذلك من دروس هذه القصة: فرح الصحابة رضوان الله عليهم بخبر الأجر والمنزلة التي لهم عند الله، ( وهذه عاجل بشرى المؤمن ) ولذلك من شدة فرح أهل السفينة أن جاءوا أفواجاً يسألون ويستعيدون الحديث من أسماء.

    ودرس في تواضع أبي موسى الأشعري فما قال: أنا أفقه من أسماء ، وأنا رجل وهي امرأة؛ فأرسل إليها ولدي الصغير ليأتيني بالكلام. لا.. ذهب هو بنفسه: [فلقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث مني] ولقد عبرت عن الفرح بتلك الكلمات: [ما من الدنيا شيءٌ هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم].

    إشراك الأقرباء فيما فيه خير

    وكذلك في هذا الحديث: أن الإنسان يشرك أهل بيته في الأجر، فلقد خرج أبو موسى وأخواه، أبو رهم ، وأبو بردة ، والله تعالى إذا أراد لأهل بيت خيراً جعلهم شركاء في الدعوة، شركاء في طلب العلم، شركاء في الخير، يحضرون مجالس الخير، ثلاثة إخوة خرجوا من بيت واحد مهاجرين إلى الله ورسوله، فالإنسان عليه أن يحرص على إشراك إخوته، وأولى الناس الأشقاء، كانت منة موسى على هارون عظيمة لما طلب من الله أن يجعله نبياً معه حيث قال: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [طه:29-32] وصار نبياً مع موسى.

    التقيد بالأوامر والتعليمات

    وكذلك في هذا الحديث: أن على الإنسان أن يتقيد بالتعليمات التي جاءته في الله وفي سبيل الله من أهل العلم، فإن جعفراً رضي الله عنه قال لـأبي موسى ومن معه: [ أقيموا معنا ] أي: فإن النبي عليه الصلاة والسلام أرسل إلينا أن نجلس هنا فنقيم، فأنتم أيضاً أقيموا معنا، وهذا ما حصل، فالتزموا بذلك، وكان جعفر رضي الله عنه سيداً حكيماً جليلاً، وهو الذي قاد دفة المسلمين، وكان رباناً ماهراً في بحار بلاد الكفر في الحبشة ، وكانوا جرآء في الحق، ولعل جرأتهم كانت سبباً في هداية النجاشي رحمه الله تعالى، فقد أجمعوا أن يقولوا الصدق، وما يعتقدونه حقاً في عيسى ومريم.

    إكرام أهل السبق

    وكذلك في هذا الحديث: إكرام أهل السبق، فمع أنهم ما حضروا المعركة لكن النبي عليه الصلاة والسلام أشركهم، اعترافاً لأهل الفضل بفضلهم، والمواقف تقدر، ومن لم يقدر المواقف خسر الأشخاص، فالنبي عليه الصلاة والسلام أكرمهم وجعلهم مع أهل الغنائم، مع أنهم لم يشتركوا في المعركة؛ لِمَا صبروا، ولحاجتهم رضوان الله تعالى عليهم.

    هذه طائفة من الدروس التي اشتملت عليها القصة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يحب الصحابة، ويقتدي بهم، ويهتدي بهديهم رضي الله تعالى عنهم.

    1.   

    فوائد لغوية في ألفاظ حديثية

    كلمة (درك) بسكون الراء، أعوذ بك من درك الشقاء، قال في النهاية في غريب الحديث والأثر لـابن الأثير ، الدرك: اللحاق والوصول إلى الشيء، تقول: أدركته إدراكاً، ودركاً المصدر، وأما الحديث" درك الشقاء" فإنه يستعيذ بالله أن يدركه الشقاء أي: يلحق به.

    قال صاحب اللسان في الحديث: نعوذ بك من درك الشقاء، الدرك: اللحاق والوصول إلى الشيء تقول: أدركته إدراكاً ودركاً، والإدراك اللحوق، يقال: مشيت حتى أدركته، وعشت حتى أدركت زمانه.

    قال ابن الأثير : في حاء وباء: رب تقبل توبتي واغسل حوبتي، حَوبتي أو حُوبتي، أي: إثمي، ومنه الحديث: اغفر لنا حَوبنا أو حُوبنا، أي: إثمنا، تفتح الحاء وتضم.

    والحمد لله؛ كل الآراء صحيحة في هذا، ومنه حديث الدعاء: إليك أرفع حَوبتي أو حُوبتي، أي: حاجتي.

    وهذا في نهاية غريب أثر الحديث ، قال ابن الجوزي قوله: اغسل حوبتي، أي: إثمي، ومثله: الربا سبعون حوباً، أي: سبعون ضرباً من الإثم، وفيه لغتان فتح الحاء وضمها، انظر غريب الحديث لـابن الجوزي.

    هنا مضبوطة بالشكل أيضاً: رب تقبل توبتي واغسل حَوبتي، ومنه الحديث: اغفر لنا حَوبنا أي: إثمنا، وتفتح الحاء وتضم، وقيل: الفتح لغة الحجاز، والضم لغة تميم، أي: فكلاهما من لغات العرب.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2741956215

    عدد مرات الحفظ

    684653988