إسلام ويب

الأحاديث المعلة في الطهارة [12]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأحاديث المعلة في كتاب الطهارة حديث قيس بن طلق: (إنما هو بضعة منك) وأعل هذا الحديث بـقيس بن طلق راويه عن علي، وقيس بن طلق مجهول على قول بعض العلماء وبهذا نعلم أن ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من القول بعدم الوضوء من مس الذكر أنها لا تخلو من علل. ومنها الحديث المقابل له وهو حديث بسرة: (من مس ذكره فليتوضأ) وهو حديث صحيح مع كثرة الاختلاف في إسناده.

    1.   

    حديث: (إنما هو بضعة منك)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد :

    فالحديث الأول من أحاديث اليوم: هو حديث قيس بن طلق بن علي عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أنه سئل عن مس الذكر: هل ينقض الوضوء أم لا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما هو بضعة منك ) .

    هذا الحديث رواه الإمام أحمد و أبو داود و الترمذي و النسائي وجماعة من حديث قيس بن طلق عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورواه عن قيس بن طلق جماعة: فرواه عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق ، ورواه محمد بن جابر عن قيس بن طلق ، ورواه أيوب بن عتبة عن قيس بن طلق ، ورواه عكرمة بن عمار عن قيس بن طلق .

    وعلى هذا نعلم أن ثمة متابعات لرواية عبد الله بن بدر كما في المسند والسنن وإن كان قد تكلم غير واحد من العلماء في عبد الله بن بدر وحاله مستقيمة خاصةً في أحاديثه عن اليماميين، وأما في غير ذلك فإنه مضعف، فقد تابعه على روايته من ضعف كـمحمد بن جابر وقد تكلم فيه غير واحد وهو لين الحديث، وتابعهما أيضاً على ذلك أيوب بن عتبة وقد ضعفه أيضاً جماعة كـابن معين و ابن المديني و النسائي و الإمام مسلم بن الحجاج وغيرهم .

    وقد جاء عند ابن حبان في كتابه الصحيح أنه رواه عكرمة بن عمار عن قيس بن طلق بن علي الحنفي عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    وأعل هذا الحديث بـقيس بن طلق راويه عن علي ، و قيس بن طلق مجهول على قول بعض العلماء وهو قليل الرواية، وقد جرحه الإمام أحمد عليه رحمة الله فقال: غيره أثبت منه، وتكلم عليه الشافعي كما في كتابه الأم، فقال: سألنا عنه فلم نعرف عنه شيئاً يوجب قبول خبره، وفيه إشارة إلى عدم شهرته ومعرفته في أبواب الرواية، إلا أن حديثه إنما هو عن أبيه .

    وقد جود هذا الحديث غير واحد من الحفاظ كالإمام الترمذي عليه رحمة الله و ابن المديني وغيرهم، وهذا الحديث كما تقدم أعل بـقيس بن طلق ، و قيس بن طلق يمامي من أهل نجد وأبوه كذلك صحابي جليل، قدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وبايعه .

    وهذا الحديث من مفاريد قيس بن طلق عن أبيه، وإن كان قد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجوه أخرى، فقد روى ابن ماجه في كتابه السنن شاهداً له لا يعول عليه، رواه من حديث جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما هو جزء منك ) ، وقد روى له شاهداً الدارقطني في كتابه السنن من حديث المختار عن ابن الصلت ، وقد تفرد به المختار وهو متروك الحديث .

    وهذا الحديث هو حديث عصمة ، يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه المختار عن ابن الصلت عن أبي عثمان النهدي عن عمر ، وجاء عن ابن موهب عن عصمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يحتج به .

    وأما حديث أبي أمامة ، فإنه قد تفرد بروايته من حديث أبي أمامة جعفر بن الزبير، و جعفر بن الزبير متروك الحديث كما جزم بذلك البخاري و النسائي و الدارقطني ، وكذلك القاسم الذي يرويه عن أبي أمامة ضعيف الحديث .

    وبهذا نعلم أن ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من القول بعدم الوضوء من مس الذكر أنها لا تخلو من علل، أمثلها حديث قيس وهو عندي حسن، وحديث قيس إنما قلنا بحسنه مع كلام العلماء على قيس ككلام الإمام أحمد عليه رحمة الله بقوله: غيره أثبت منه تجريحاً له، وكذلك إشارة الشافعي وتضعيف بعض العلماء له، لكن قد وثقه بعضهم كـابن معين عليه رحمة الله في رواية، فنقول: إن قيس بن طلق يروي عن أبيه، وروايته عن أبيه في الغالب منضبطة، والحكم في ذلك بين.

    وأيضاً فإنه من طبقة التابعين، وقد روى عنه هذا الخبر جماعة، مما يدل على أن الرواية قد تعددت، فالخبر حينما يرويه راو ويروي عن هذا الراوي جماعة، إشارة إلى أنه قد حدث بهذا الحديث في أكثر من مجلس، ويستثنى من هذا المشهورون، لأن المشهور يعقد مجالس للتحديث بخلاف المستور، فالمستور ليس له مجالس وإنما إذا لقي أحداً عرضاً في طريقه حدثه بهذا الحديث، أو لقيه في المسجد ونحو ذلك، فحديث الثلاثة عنه إشارة إلى تكرار هذا المجلس، فروى عنه عبد الله بن بدر و محمد بن جابر و أيوب بن عتبة و عكرمة بن عمار ، كلهم رووا عن قيس بن طلق عن أبيه طلق بن علي الحنفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    وهذه إشارات إلى ضبط اللفظ، ولم يختلف أحد منهم عليه بقلب اللفظ عن معناه.

    وأيضاً فإن هذا الحديث من جهة معناه مستقيم ويجري على أصول الشريعة من أمور الاحتياط، ولا يعني من ذلك عدم الوضوء على الإطلاق، وإنما هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنما هو بضعة منك ) ، إشارة إلى أنه حكمه حكم سائر جسد الإنسان، ويستثنى من ذلك الأمور العارضة التي تستلزم ورود الناقض على الإنسان .

    وإنما قلنا: بحسنه وجودته؛ لأنه قد جاء العمل به عن بعض الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، كما جاء عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى حيث جاء عنه من حديث أبي قيس عن هزيل عن عبد الله بن مسعود : أنه كان لا يتوضأ من مس ذكره، وقد تكلم بعض العلماء على هذا الحديث، لأنه من رواية أبي قيس الأودي ، وقد طعن الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى في رواية .

    وجاء عن بعض السلف القول بوجوب الوضوء من مس الذكر، فجاء عن جماعة وستأتي الإشارة إليه في حديث بسرة بنت صفوان عليها رضوان الله تعالى .

    وهذا الحديث حديث قيس بن طلق عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم معارض بحديث آخر في ظاهره أنه أقوى منه إسناداً وأشهر، وهو حديث بسرة ، وفي حال المعارضة للحديث المروي فنقول: بأن الحديث إذا روي ما هو أقوى منه فإنه يعله إذا لم يمكن في ذلك الجمع، وهنا يمكن أن يقال في هذا الجمع، إما أن يقال: إنه بضعة منك في حال مس الإنسان الذكر من غير شهوة، أو في حال مس الإنسان الذكر بحائل أو نحو ذلك، وأن ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوضوء فيحمل على الاستحباب .

    أو في حال الشهوة وغلبة الظن بورود الناقض، فإن المس في ذاته لا ينقص، وإنما هو ظن أو قرينة على ورود الناقض، كحال النوم في ذاته فإنه لا ينقض، ولكنه قرينة على ورود الناقض، وهذا معلوم وسيأتي الكلام عليه بإذن الله تعالى .

    ونعلم أن المعارضة لحديث قيس بن طلق بحديث بسرة لا يعل به في مثل هذا الموضع، وإنما قلنا: بحسنه وصحته لأنه وجد من الأئمة من صححه، وكذلك لاستقامة المتن والإسناد .

    وأما من قال من العلماء: إن هذه القصة كانت مبكراً في ابتداء قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فهذا لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجه، وقد ذكر ذلك ابن حبان عليه رحمة الله في كتابه الصحيح .

    1.   

    حديث: (من مس ذكره فليتوضأ)

    الحديث الثاني: هو حديث بسرة بنت صفوان عليها رضوان الله تعالى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من مس ذكره فليتوضأ ) ، هذا الحديث قد اختلف في إسناده، فتارةً يرويه مروان بن الحكم عن بسرة ، وتارةً يرويه عروة بن الزبير عن بسرة بنت صفوان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن العلماء من يرجح رواية عروة عن بسرة، ومنهم من يرجح رواية مروان ، وإن كانوا يتفقون على صحة الإسناد إلى مروان ، وذلك أنه قد ثبت الإسناد إلى مروان والراوي عن مروان هو عروة بن الزبير ، وإنما الشك: هل سمع عروة من بسرة بنت صفوان مباشرةً بعد أن سمعه من مروان أم لا؟ فهذا هو الذي قد وقع فيه الخلاف .

    وقد رواه عن عروة بن الزبير جماعة: منهم عبد الله بن أبي بكر عن عروة بن الزبير عن مروان بن الحكم عن بسرة بنت صفوان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختلف فيه على عبد الله بن أبي بكر ، فتارةً يرويه عن عروة بن الزبير عن بسرة بنت صفوان مباشرةً ويسقط مروان بن الحكم ، وتارةً يرويه عن عروة بن الزبير عن مروان بن الحكم عن بسرة بنت صفوان .

    وجاء هذا الخبر أيضاً من حديث عبد الله بن أبي بكر عن عروة بن الزبير مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورواه كذلك هشام بن عمار واختلف عليه في ذلك: فرواه عنه الإمام مالك واختلف في ذلك على الإمام مالك ، فتارةً يرويه عن هشام بن عمار عن أبيه عن بسرة بنت صفوان ، وتارةً يرويه عن هشام بن عروة بن الزبير عن عروة بن الزبير عن مروان بن الحكم عن بسرة بنت صفوان ، و عروة بن الزبير لم يسمع هذا الحديث من أبيه كما نص على ذلك النسائي في كتابه السنن، وأشار إلى هذا ابن معين .

    وإنما الصواب في ذلك هي رواية عبد الله بن أبي بكر عن عروة بن الزبير تارةً عن بسرة وتارةً عن مروان بن الحكم عن بسرة .

    وهذا الحديث أمثل طرقه هي ما رواها الإمام مالك في كتابه الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر عن عروة بن الزبير عن مروان بن الحكم عن بسرة ، وإنما طعن في هذا الحديث بسبب مروان ، فقد جاء في بعض الطرق أن هشام بن عروة قد صرح بالسماع من أبيه، وأبوه قد صرح بالسماع من بسرة ، وذكر السماع فيه خطأ، والصواب في ذلك أنه من حديث عبد الله بن أبي بكر ، و هشام لم يروه عن أبيه، وأبوه قد رواه عن مروان بن الحكم عن بسرة .

    مع احتمال أن يكون عروة قد سمعه من بسرة بعد سماعه من مروان ؛ وذلك أن عروة بن الزبير قد تناظر مع مروان بن الحكم في هذه المسألة، فأخبره مروان بخبر بسرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبهذا يتضح أن أرجح الطرق في هذا هي رواية الإمام مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عروة عن مروان بن الحكم عن بسرة بنت صفوان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    وهذا الحديث حديث صحيح مع كثرة الاختلاف في إسناده على الوجوه السابقة وغيرها؛ وذلك أنه قد جاء من طرق قوية مدنية قد اعتمدها الإمام مالك عليه رحمة الله، وقد صحح هذا الحديث الترمذي ، وقال البخاري : أصح حديث في هذا الباب، وصححه الإمام أحمد و ابن معين وجماعة، وهو عند الأئمة أقوى من حديث قيس بن طلق إسناداً، إلا أن الحديث الأول وهو حديث قيس بن طلق عن أبيه وحديث بسرة كلها محتج بها، وعلى هذا فنقول: إن ما في هذه الأحاديث صحيح .

    الجمع بين حديث: (إنما هو بضعة منك)، وحديث: (من مس ذكره فليتوضأ)

    وأما المحمل الذي حمله بعض العلماء عليه، كقول البخاري في حديث بسرة : إنه أصح شيء في الباب، وفي قول بعض العلماء كـعلي بن المديني في حديث قيس بن طلق : إنه أصح شيء في الباب،

    فاضطرب كلام العلماء في هذه المسألة، منهم من يرجح وجهاً، ومنهم من يرجح الوجه الآخر، والذي يظهر لي والله أعلم أن حديث قيس بن طلق أصح شيء في باب عدم الوضوء، لأنه قد جاء فيه أحاديث أخر كحديث أبي أمامة وغيره فيكون أصح شيء في بابه، وأما حديث بسرة فهو أصح شيء في باب النقض، وعلى هذا لا اختلاف في كلام العلماء؛ وذلك أنه قد جاء في النقض أحاديث أخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء ذلك من حديث أسامة بن زيد و عائشة عليها رضوان الله تعالى، و عبد الله بن عباس ، و أبي سعيد ، و عبد الله بن عمرو بن العاص ، وجاء أيضاً من مرسل سعيد بن المسيب ولا يصح منها شيء، وأمثل شيء جاء في هذا الباب هو حديث بسرة بنت صفوان عليها رضوان الله تعالى، وبهذا نعلم أن قول العلماء في ذلك لا اختلاف فيه .

    وهنا في مسألة التضاد عند العلماء من جهة الأصل بين المتون، هو نوع إعلال من جهة الأصل، وأنه يؤخذ قرينة في أحد الوجهين أنه يعل الآخر، والذي يظهر لي والله أعلم أن حديث الأمر بالوضوء مع كونه صحيحاً إلا أنه لا يقال: بأن المراد به النقض، وإنما المراد بذلك إما الاستحباب أو تقييده بحال الشهوة، وغلبة الظن بخروج شيء، أما أن يكون ذلك ناقضاً على الإطلاق فهذا لا أرى له وجهاً؛ وذلك لأمور:

    الأمر الأول: أننا لو قلنا: بأنه ناقض على الإطلاق وأخذنا بعمومه لظهر لنا أن حديث بسرة معلول وضعيف بل منكر، لأن النقض بمس الذكر أمر تعم به البلوى وكما تقدم معنا في درس سابق: أن ما تعم به البلوى إذا لم يرد فيه إلا هذا الحديث من جهة قوته وما دونه في الباب فهي مضعفة فإنه يعل، وأما إذا قلنا بما دون ذلك فإنا أبقينا الإسناد على قوته وقلنا: بالاستحباب، وباب الاستحباب واسع .

    وثمة قرينة تدل على صرف المعنى عن إطلاقه: وهو أنه جاء عن جماعة من السلف أنهم كانوا لا يتوضئون من مس الذكر، فجاء هذا عن حذيفة بن اليمان و عبد الله بن عباس و سعد بن أبي وقاص و عبد الله بن مسعود ، وجاء أيضاً عن جماعة من التابعين كـسعيد بن جبير و طاوس وغيرهم، مع كون هذه المسألة من المسائل الظاهرة التي تتعلق بالأصول؛ لأنها من المسائل المشهورة، وهذا بيناه في درس الجمعة: وأن المسائل المشهورة والأصول عند العلماء في أبواب العلل تختلف عن الأبواب الأخرى، لأن هذه المسألة مما تعم بها البلوى مما يحدث كل يوم عادةً، وإذا قلنا: بحدوثه كل يوم فلا بد أن يرد فيه إسناد قوي، وإذا كانت هذه المسألة أيضاً فوق ذلك حيث تتعلق بركن من أركان الإسلام وهي الصلاة، فكيف لا يرد فيها إلا حديث بمثل هذا الإسناد ويقع فيه اضطراب، ثم لا يروى إلا من هذا الطريق، ثم كيف يخفى على السلف أن هذا الأمر الذي تعم به البلوى ينقض أو لا ينقض؟! هذا لا يتوافق مع أصول الشريعة ونظائرها.

    فقد ثبت فيما هو أدنى من ذلك، فلدينا هنا حديث النقض، قال: ( من مس ذكره فليتوضأ )، ولدينا أحاديث أخرى هي دون ذلك مرتبةً، فإذا قلنا بالإطلاق: أن مس الذكر يتوضأ منه كما هو ظاهر النص للزم أن نعل الخبر ولا بد على طريقة النقاد، ولكن إذا قلنا: إن الأمر على الاستحباب فإن الأمر في ذلك سعة؛ لهيبة تصحيح الأئمة الأوائل، وكذلك ظهور صلاحية الإسناد .

    بعض أوجه الرد على من يقول بوجوب الوضوء من مس الذكر

    فإذا قلنا بإطلاقه، فإنه سيأتينا حديث يعله، أو يصرفه عن معناه مثل ( غسل الجمعة واجب على كل محتلم ) ، فجاء فيه النص أقوى، وغسل الجمعة من جهة الإتيان به ليس آكد من الوضوء من مس الذكر بل الوضوء من مس الذكر آكد، فكيف يأتي حديث صحيح في قضية أسبوعية ولا يأتي حديث في مسألة يومية؟! ومن القرائن التي تضعف هذا الحديث أكل لحم الجزور فقد صح إسناده بظهوره، مع أن الإنسان لا يأكله كل يوم، خاصةً في الزمن الأول في زمن الحاجة والفقر، ربما يمر الإنسان شهر أو أشهر ولم يطعم لحماً أصلاً، ومع ذلك جاء فيه الإسناد، وهذا يدل على أن هذا مما لا يصح فيه الحديث على سبيل الوجوب .

    ومن أكثر من الخوض في حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من مس ذكره فليتوضأ ) ، وأطلق هذا الأمر، إنما حمله على إطلاقات الأصوليين والفقهاء، وأن الأصل في الأمر الوجوب، ثم حمله على هذا المحمل وجرى على تلك القاعدة، لكن نحن نقول له: إذا قلت بهذا الأمر لزم أن نأتيك ونعل الحديث، ولكن نقول نحن هنا: إن الحديث صحيح، ولكن ليس على النحو الذي تطلقه أنت.

    ومن القرائن أن الإنسان إذا دخل الخلاء ولم يذكر الله عز وجل، فلا نؤثمه ولا نبطل وضوئه، ومع ذلك جاء فيه أحاديث في الصحيحين وفي غيرها منها ما هو كالشمس وضوحاً، ومع ذلك لم تأت الأحاديث في ناقض يبطل الصلاة فدل هذا على إعلاله.

    ومن وجوه الإعلال: الركعتان بعد الوضوء، وهي من المسائل التي لا صلة لها بالوضوء، فلها تعلقها يسير، ومع ذلك جاء فيها إسناد قوي وهو في الصحيحين.

    والسواك عند الوضوء أيضاً جاء فيه أحاديث كثيرة، وكذلك الذكر بعد الوضوء .

    وغير ذلك من الأحاديث التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي دون ذلك مرتبةً، فكيف بفعل يبطل الوضوء ويفسده ويحبط بذلك الأجر، ثم لا يأتي به حديث بإسناد صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تكن هذه المسألة محسومة، أليس السواك عند كل وضوء من المسائل المحسومة عند السلف، ولو كان بعضهم ربما لا يعملها ولكن يقر بسنيته وأنها ثابتة لديه، فكيف تكون هذه المسألة خافية عليهم وهي مما يبطل وضوء الإنسان، ولهذا قال الطحاوي عليه رحمة الله في شرح معاني الآثار: لا أعلم أحداً من الصحابة يتوضأ من مس الذكر إلا عبد الله بن عمر ، وكل الصحابة على خلافه، قال: وحتى ما جاء عن سعد بن أبي وقاص فإنه كان يقرئ ابنه القرآن فمس ذكره، فقال له سعد بن أبي وقاص : قم فتوضأ، قال: فإن المراد بذلك غسل اليدين، ثم أخرجه من وجه من حديث علي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قم فاغسل يديك، أي: فجاءت مفسرة من وجه.

    وجاء عن عبد الله بن عباس من حديث حبيب عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس : أنه كان لا يتوضأ من مس ذكره، وكذلك أيضاً جاء عن حذيفة بن اليمان ، قال: ما أبالي أمسست ذكري أم أنفي، وقد أخرجه البيهقي و ابن أبي شيبة ، وجاء هذا أيضاً عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى .

    أهمية استيعاب أحاديث الباب عند الحكم على الحديث

    وبهذا نقول أيها الإخوة: إن مسألة العلل ينبغي لطالب العلم أن يستوعب أحاديث الباب حتى يستطيع أن يعل، ويستطيع أن يفهم الحديث من جهة العمل، فحينما تأخذ هذا الحديث وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من مس ذكره فليتوضأ ) ، ثم تأتي تطبق عليه قواعد الأصوليين وتنطلق في هذا، فإنك لا تقرب من منهج السلف بل يكون لديك بعد ربما في كثير من المسائل، ليس في الأكثر وإنما في كثير من المسائل، فلهذا أقول: ينبغي لطالب العلم أن يجمع أحاديث الباب وأن ينظر في أسانيدها فيعل هذا بهذا .

    ولهذا طالب العلم إذا أراد أن يحكم على حديث حتى من الجهة الفقهية، فيسبر أحاديث الباب ثم يحكم عليها بما يخالف ظاهر النص، ولا يستطيع أن يعبر، لأن لديه مجموع: فلديه حديث السواك والخروج من الخلاء والوضوء وغسل الجمعة، وغير ذلك من الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام كثيرة جداً، فإقحامها في هذا الباب صعب، ولكنه يستحضر مسائل الباب ثم يعطيك الخلاصة، فيقول: هذا الحديث منكر، والنكارة قد تستقر في متنه أو يكون صحيحاً لكن يصرفه من جهة المعنى، فقد يتهيب الإنسان الإسناد أو يتهيب المتن لتصحيح الأئمة له، ولكن من جهة المعنى يصرفه لغيره لوجود العمل عن السلف بغير هذا .

    ولهذا نقول: إن مس الذكر الأصل أنه لا ينقض، فإذا كان فيه مظنة أنه ينقض أو يخرج شيء، فنقول: يتأكد للإنسان أن يتوضأ، والنصوص جاءت عنهم عامة، والأصل في مس الذكر الغالب من أفعال الناس أنه بلا شهوة، لأن الإنسان في لباسه ونزعه للباس يمس الذكر، وربما يفعله الإنسان من وراء حائل كثيراً وربما في صلاته أيضاً، ولهذا نقول: إن إطلاقهم لعدم الوضوء من مس الذكر المراد به المس المعتاد، أما ما عدا ذلك فنقول: إنه يرجع إلى غلبة الظن فنلحقه بأبواب أخرى كمسألة النوم، والنوم يستغرق فيه أو لا يستغرق فيه، فيرجع إلى غلبة الظن .

    وخلاف الفقهاء في هذا عريض، والإشكال حتى في المسائل الفقهية: هو أخذ المتن ثم استنباط الخلاف منه بعيداً عن كلام الأوائل .

    فجاء عنه العموم من قوله ومن فعله، و ابن عمر يفعل كثيراً من الأمور على سبيل التعبد لنفسه، ولكنه لا يأمر بها، ولهذا كثير من الأفعال التي ينقلوها ويقولون: تشددات عبد الله بن عمر وهذا من الخطأ أن يقولوا: تشددات عبد الله بن عمر ، وذلك أن إطلاق هذه العبارة: (تشددات)، هو في فعله، فالإنسان قد يشدد على نفسه لكنه لا يأمر غيره، وربما لا يأمر حتى أبناءه بهذا، فهو يرى أن هذا الأمر هو أحوط لنفسه ولدينه، فيتمسك ربما ببعض التعليلات ونحو ذلك وهذه لا تسمى: تشددات حتى يأمر بها الإنسان غيره، وهذه أمور كثيرة جداً، سواء عن عبد الله بن عمر أو عن غيره .

    1.   

    حديث: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ نضح فرجه)

    الحديث الثالث: هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، يرويه عنه الحكم بن سفيان : ( أنه كان إذا توضأ نضح فرجه ) ، المراد من هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعدما يتوضأ ينضح الفرج، وذلك حتى يدفع الوسواس من سلس البول ونحو ذلك .

    هذا الحديث رواه الإمام أحمد و أبو داود في كتابه السنن وغيرهم من حديث منصور بن المعتمر عن مجاهد بن جبر عن ابن الحكم أو أبي الحكم أو الحكم بن سفيان عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث قد وقع فيه اختلاف على نحو عشرة أوجه: منها ما يتعلق باسم الراوي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو شيخ مجاهد في هذا الخبر، فتارةً يقال: الحكم ، وتارةً يقال: أبو الحكم ، وتارةً يقال: ابن الحكم ، وتارةً يقال: أبو الحكم بن سفيان، وتارةً يقال: الحكم بن سفيان .

    واختلف فيه في الاتصال والانقطاع: فتارةً يرويه منصور عن مجاهد بن جبر عن ابن الحكم بن سفيان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتارةً يرويه منصور عن مجاهد بن جبر عن ابن الحكم عن النبي عليه الصلاة والسلام مرسلاً .

    وهذا الحديث صحيح الإسناد إلى مجاهد ، وقد اضطرب فيه منصور ، والعلة في ذلك:

    أولاً: الاضطراب في إسناده.

    ثانياً: الانقطاع، وهل راوي الخبر الحكم بن سفيان قد سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدركه أم لا؟ فقد ذكر البخاري في كتابه التاريخ: أنه لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر الإمام أحمد عليه رحمة الله في كتابه العلل برواية ابنه عبد الله عن ابن عامر عن شريك قال: سألت أهل الحكم بن سفيان : هل سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم أم لا؟ قالوا: لا، وبهذا يظهر إرساله .

    وقد وقع في هذا الحديث اختلاف من جهة كما تقدم شيخ مجاهد ، وهذا الخلاف لا يضر ما عرفت العين، تارةً يذكر الكنية وتارةً الاسم وتارةً يختلف في الكنية وتارةً ينسب إلى أبيه أو جده، هذا من الخلاف الذي لا يضر، وإنما الذي يضر هنا الإرسال في هذا الحديث .

    شواهد حديث نضح الفرج بعد الوضوء

    وقد جاء نضح الفرج بعد الوضوء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث عدة، فجاء من حديث عبد الله بن عباس كما رواه الإمام أحمد في كتابه المسند من حديث قبيصة عن سفيان الثوري عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عباس : أنه توضأ مرةً مرة ونضح فرجه، وحديث عبد الله بن عباس قد رواه البخاري في كتابه الصحيح من حديث سفيان الثوري ولم يذكر فيه النضح، فذكر أنه توضأ مرةً مرة، ورواه عن سفيان الثوري جماعة بخلاف حديث قبيصة ولم يذكروا فيه النضح، فذكر النضح فيه شاذ، ورواه البخاري من حديث محمد بن يوسف وغيره .

    وتابع محمد بن يوسف على روايته هذه جماعة كـوكيع بن الجراح وغيره، وكذلك توبع سفيان الثوري على روايته هذه عن زيد بن أسلم ، فرواه عن زيد بن أسلم جماعة : رواه معمر بن راشد و الدراوردي و أبو شهاب الحناط وغيرهم، كلهم عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عباس : أنه توضأ مرةً مرة، ولم يذكروا نضح الفرج .

    ونضح الفرج بعد الوضوء بإطلاق - وينتبه لكلمة: بإطلاق - أي: مشروعيته بإطلاق لا يثبت فيه خبر، ويستثنى من ذلك من كان به سلس البول، ومن يغلب عليه أو يأتيه الوسواس ونحو ذلك، فيقال: بمشروعية نضح الفرج .

    وإنما أعللنا الزيادة في حديث عبد الله بن عباس مع صحة الإسناد ظاهراً؛ لكون هذه الزيادة من قبيصة جاءت متأخرة في طبقة أصحاب سفيان ، وهذا الطبقة في الأغلب لا تنفرد بزيادة صحيحة في الأحكام، فضلاً عن مخالفة الجمع الغفير من أصحاب سفيان و زيد بن أسلم ، وبهذا نقول: إن هذه الزيادة زيادة منكرة .

    وقد جاء ذلك أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجه آخر ولا يصح: فرواه الإمام أحمد في كتابه المسند من حديث رشدين بن سعد عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن أسامة بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورواه الطبراني في كتابه المعجم من حديث شرحبيل يرويه عن الليث بن سعد عن عقيل عن عروة عن أسامة بن زيد عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو وهم وغلط، والصواب أنه من حديث عبد الله بن لهيعة كما نص على ذلك الطبراني يرويه عبد الله بن لهيعة وقد تفرد بهذه الرواية .

    وحديث أسامة بن زيد ، سواء كان من حديثه عن النبي عليه الصلاة والسلام أو من روايته عن أبيه، فإن الإسناد لا يصح إليه، لأن الأول فيه رشدين بن سعد وهو ضعيف، والثاني فيه عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف، وقد قال أبو حاتم : هذا حديث باطل، وكذلك ابن حبان حكم على الحديثين بالبطلان .

    مفاريد الصحابة

    وبالنسبة للصحابة لا نتكلم في مفاريدهم، لا نقول: تفرد ابن عمر ، وتفرد أبو هريرة ، ولكن نقول بتفردات أصحابهم عنهم، لأنهم في مقام العدالة والفضل في أبواب الرواية، في أمور الرواية سواءً جاءنا صحابي مجهول، أو جاءتنا صحابية، أو جاءنا أبو بكر ، فهذه قنطرة واحدة لا نخوض في تراتيبهم، نعم لدينا أبواب أخرى ليست من أمور العلل وهي فضائل الصحابة: فالعشرة المبشرون بالجنة أفضلهم الخلفاء، وأفضل الخلفاء أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ، فهذه مسألة أخرى.

    أما في أمور العلل فالصحابة كلهم في صفحة واحدة من صفحات الفضل.

    نكتفي بهذا.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2736012944

    عدد مرات الحفظ

    684476393