إسلام ويب

شرح كتاب الإبانة - القضاء والقدرللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لله تبارك وتعالى عاقبة الأمور، وهو خالق جميع الخلق، وقد كتب على من شاء منهم أن يكون من أهل الجنة، وقضى على من شاء منهم أن يكون من أهل النار، ويسر هؤلاء للعمل للجنة، ويسر أولئك للعمل للنار، وفي هذا أن قدر الله عز وجل سر من أسراره في خلقه، وما على العبد إلا التسليم له، والاجتهاد في العمل، فكل ميسر لما خلق له.

    1.   

    حكم الاحتجاج بالقدر على المعاصي

    الحمد لله، نحمده ونستهديه ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أما بعد:

    في الدرس الماضي قدم إلي أخ كريم تعليقاً على ما قلته في الاحتجاج بحديث آدم وموسى، وأني احتججت بهذا الحديث أو جعلته دليلاً وحجة لمن احتج بالقدر على المعاصي بعد التوبة منها، ونقل إلي كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في أنه لا يصح الاحتجاج على هذا النحو.

    وأقول: إن هذه الأوراق المقدمة قد اطلعت عليها منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، وجزى الله تعالى خيراً الأخ المقدم لهذه النصيحة.

    وعلى أية حال فإن الذي ترجح لشيخ الإسلام ابن تيمية لم يترجح عندي، وربما قصر فهمي وإدراكي عن فهم كلامه، وأما ابن القيم فقد اضطرب في هذه المسألة بين رأيين، فنصر المذهب الأول لـابن تيمية وضلل من قال بالرأي الثاني، ثم قال: وفي المسألة رأي آخر وجيه أو حسن، وذكر الرأي الثاني الذي كان قد ضلله منذ قليل، وضلل أصحابه وأهله. وهذا الرأي الثاني هو الذي ترجح لدي منذ سنوات طويلة.

    وقد سألت الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عن الرأي الثاني فقال: إنه وجه حسن.

    وأصل القضية هي: هل يجوز الاحتجاج بالقدر على المعصية؟ والجواب إجماعاً: لا، فلا يحتج بالقدر على مجرد المعصية، ولا يحتج الزاني بأن الزنا مكتوب عليه، ولا السارق بأن السرقة مكتوبة عليه.

    وهذه مسألة من مسائل الإجماع، فلا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعاصي، ويجوز الاحتجاج بالقدر على البلاء.

    وكما يقول أهل العلم: لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعايب وإنما يجوز الاحتجاج بالقدر على المصائب، يعني: إذا نزلت بك بلية أو مصيبة فقل هذا من قدر الله عز وجل. وهذا من مسائل الإجماع التي لا خلاف عليها، ويفهمها كل أحد.

    وأساس القضية وأصل الخلاف هو: هل يجوز الاحتجاج بالقدر على المعصية بعد التوبة منها؟ اختلفوا في ذلك، فمنهم من قال: لا يجوز، ومنهم من قال: يجوز، والذي قال يجوز احتج بحديث احتجاج آدم وموسى، وأن موسى عليه السلام لام أباه آدم على أنه أخرج ذريته من الجنة بسبب معصيته وأكله من الشجرة، وهذا بلا شك بلاء عظيم، وأصل هذا البلاء معصية وقعت من آدم، وتاب آدم منها، فلما تاب منها وفرغ من هذا الأمر احتج على موسى عليه السلام وقال: (أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين عاماً)، يعني: إن هذا الأمر مكتوب في اللوح المحفوظ، فمن العلماء من فهم كلام آدم على أنه احتجاج بالقدر على المعصية بعد التوبة منها؛ لأنه قد تاب منها، وهذا الذي يستقيم مع سياق الحديث ومع سياق القصة، وهو الذي أذهب إليه، ومن أراد أن يذهب إلى الرأي الأول وهو أن آدم لم يحتج بالقدر على المعصية وكذلك موسى، وإنما احتجا جميعاً على المصيبة، وهي أن آدم أخرج نفسه وذريته من الجنة، وهذه مصيبة وليست ذنباً، وسبب هذه المصيبة الذنب، فلو لم يأكل آدم من الشجرة ما خرج ولا خرجت ذريته، وهذا أمر مقدر ومكتوب على آدم قبل أن يخلقه الله عز وجل بأعوام وأعوام.

    والذي أفهمه أنا من هذا الحديث أن هذا احتجاج بالقدر على المعصية ولكن بعد التوبة منها، وأما الاحتجاج بالقدر على المعصية قبل التوبة منها فهذا ضلال مبين. وهذه من مسائل الإجماع كما قلت.

    1.   

    باب ما روي في أن الله تعالى خلق خلقه كما شاء لما شاء

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما روي في أن الله تعالى خلق خلقه كما شاء لما شاء ]، أي: خلق الأبيض والأسود، والمؤمن والكافر، والشقي والسعيد لما شاء، للجنة أو للنار، للشقاء أو للسعادة، فمن شاء الله تعالى خلقه للجنة ومن شاء خلقه للنار، وقد سبق بذلك علمه سبحانه وتعالى ونفذ فيه حكمه وجرى فيه قلمه، ومن جحده -أي: ومن جحد هذه العقيدة السابقة- فهو من الفرق الهالكة الضالة.

    كيفية الجمع بين آية الميثاق وبين الأحاديث الواردة في إخراج الذرية من ظهر آدم وحده

    قال: [ عن مسلم بن يسار الجهني : (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن هذه الآية: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:172]. قال عمر رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية فقال: إن الله خلق آدم عليه السلام فمسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره -أي: ظهر آدم- فاستخرج ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون، فقام رجل فقال: يا رسول الله! ففيم العمل إذاً؟ -يعني: لم نعمل إذا كان أهل النار معروفين وأهل الجنة معروفين أزلاً، وهم باقون على حالهم أبداً حتى يخلدوا في الجنة أو النار؟ -فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة- أي: لابد من العمل؛ لأنه سبب- حتى يموت على عمل الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت وهو على عمل أهل النار، فيدخله الله به النار)].

    وهذا الحديث وقع بين أهل العلم نزاع عظيم في فهمه؛ لأن سياق الآية -وهي في الميثاق- يختلف عن سياق الأحاديث الواردة في تفسيرها، فربط الآية بالأحاديث الواردة هو الذي أحدث الإشكال؛ لأن الأحاديث تقول قولاً يختلف عن ظاهر الآية، فالآية تقول: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ [الأعراف:172]، أي: وليس من آدم، وتقول: مِنْ ظُهُورِهِمْ [الأعراف:172]، ولم تقل: من ظهره، وتقول: وَأَشْهَدَهُمْ [الأعراف:172]، ولم تقل: وأشهده، وتقول: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا [الأعراف:172] ولم يقل: قال.

    إذاً: استخراج الذرية كان من ظهور بني آدم وليس من ظهر آدم، وأما الحديث فيقول: (إن الله خلق آدم عليه السلام فمسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية.. ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية أخرى)، فأما الأولى فأهل الجنة وبعمل أهل الجنة يعملون حتى يموتوا على ذلك، وأما المسحة الثانية فهم أهل النار، وبعمل أهل النار يعملون، حتى إذا أدركهم الموت أدركهم وهم يعملون بعمل أهل النار.

    وهذه الآية معروفة في التفسير بآية الميثاق، أي: الميثاق الذي أخذه الله تعالى على ذرية آدم حين استخرجهم من ظهره، أو من ظهورهم، وهل استخرجهم من ظهره أو من ظهورهم؟ هذا محل نزاع، فالنصوص النبوية وآثار الصحابة رضي الله عنهم تدل على أن الله تعالى إنما استخرج الذرية من ظهر آدم، والآية ظاهرها أن الله استخرج الذرية التي تكون إلى يوم القيامة من ظهور بعضهم بعضاً، والجمع بين هذا وذاك أنه لا مانع أن تكون الأحاديث مبينة أن أول استخراج الذرية إنما كان من ظهر آدم، ثم أخرج الله بعد ذلك بنص القرآن ذرية آدم بعضهم من بعض، فيكون هناك إخراجان، الإخراج الأول إخراج الذرية التي تكون إلى يوم القيامة من ظهر آدم، وهذا بنص الأحاديث النبوية كلها، وأما الإخراج الثاني فهو المذكور في الآية وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ [الأعراف:172]، أي: بعد أن أخرجهم من ظهر آدم كالذر أخرج من هذا الذر نسله، ثم النسل الثاني والثالث والرابع إلى يوم القيامة، فهناك إخراجان إذا صح هذا، وهذا التفسير أراه ضرورياً للجمع بين النصوص التي وردت في السنة التي ظاهرها يخالف ظاهر الآية وبين نص الآية، فالنصوص النبوية أثبتت إخراجاً من ظهر آدم، ولم تثبت إخراجاً من ظهور بني آدم، والآية أثبتت إخراجاً من ظهور بني آدم ولم تثبت إخراجاً من ظهر آدم، فلا بد من القول بالإخراجين معاً. والله تعالى أعلم.

    كل إنسان ميسر لما خلق له

    قال: [ وعن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي رضي الله عنه قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة، فلما انتهينا إلى بقيع الغرقد -وهو مكان المقابر بجوار المسجد النبوي- قعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعدنا حوله فأخذ عوداً فنكت به في الأرض -أي: ضرب به في الأرض- ثم رفع رأسه فقال: ما منكم من نفس منفوسة أي: مولودة- إلا قد علم مكانها من الجنة والنار، وشقية أو سعيدة، فقال رجل من القوم: يا رسول الله! ألا ندع العمل ونعمل على كتاب ربنا)؟ أي: نعمل بمقتضى الكتاب الذي كتب تحت العرش في اللوح المحفوظ؟ وليس هناك من يعلم إذا كان مكتوباً شقياً أو سعيداً؟ وهل هو من أهل الجنة أو من أهل النار؟ فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن من كان من أهل الجنة عمل بعمل أهل الجنة وصار إلى السعادة، ومن كان من أهل الشقوة عمل بعمل أهل الشقوة وصار إلى الشقوة.

    قال: [(قال النبي عليه الصلاة والسلام: بل اعملوا فكل ميسر لما خلق له)]، أي: على كل واحد منا أن يعمل، فإنه إذا خلق للجنة فإنه ييسر لعمل أهل الجنة، وإذا خلق للنار في علم الله السابق فإنه ييسر لعمل أهل النار ويعمل به حتى يدخل النار، فمن كان من أهل الشقوة يسر لعملها، ومن كان من أهل السعادة يسر لعملها.

    قال: [(ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:5-10]).

    وفي رواية: قال: (ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة، قالوا: يا رسول الله! ألا نتكل؟ -يعني: ألا تأذن لنا أن نتكل على هذا الكتاب المكتوب؟- قال: لا، بل اعملوا فكل ميسر لما خلق له)] وهذا النص عن علي بن أبي طالب في الصحيحين.

    وأما نص عمر السابق فتشهد له بقية الروايات وإن كان في الإسناد إليه انقطاع.

    قال: [ وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: (أخذ بيدي علي رضي الله عنه فانطلقنا نمشي حتى جلسنا على شاطئ الفرات، فقال علي : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من نفس منفوسة إلا قد سبق لها من الله عز وجل شقاءٌ أو سعادة، فقام رجل فقال: يا رسول الله! ففيم إذاً نعمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، ثم قرأ هذه الآيات: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى [الليل:5]) ].

    إثبات قدر الله السابق على العبد

    قال: [ وعن عائشة رضي الله عنها قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة وإنه لمكتوب في الكتاب أنه من أهل النار) ]، أي: إن الرجل ليعمل في الدنيا بعمل أهل الجنة وهو عند الله تعالى أزلاً من أهل النار.

    ونحن نرى الآن من الكفار من يعمل عملاً صالحاً، وهذا قد ورد في النصوص، وفي الصحيحين وغيرهما أن النبي عليه الصلاة والسلام أثنى على عمل بعض الكفار، فقد كانوا يقرون الضيف، ويلقون السلام، ويطيبون الكلام، وغير ذلك من الأعمال الحسنة، وهذا بلا شك من عمل أهل الجنة وهم من أهل النار، وترى بعض الناس يعمل بعمل أهل النار ويعيش على هذا ردحاً من الزمان وفترة من عمره طويلة، ولكن يختم له بالتوبة وعمل الصالحات.

    قال: [ (فإذا كان قبل موته تحول فعمل بعمل أهل النار، فمات فدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار وإنه لمكتوب في الكتاب أنه من أهل الجنة، فإذا كان قبل موته تحول فعمل بعمل أهل الجنة، فمات فدخل الجنة) ].

    و أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان له قبل الإسلام أعمال كثيرة جداً، وهي من أعمال أهل الإيمان، فجوزي بها خيراً في الإسلام، وفي الحديث: (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا). وأصدق رجل في الأمة ينطبق عليه هذا الحديث هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه. وفي ذلك الوقت كان عمر يعمل بعمل أهل النار مثل وأد البنات، ولكنه تاب بالإسلام فجب الإسلام ما كان منه من معاص وكفر قبل ذلك، وحسن إسلامه فتحولت سيئاته إلى حسنات، فهذا الرجل سبق في علم الله أنه من أهل الجنة وإن كان أحرص الناس على قتل النبي عليه الصلاة والسلام. وقتل الأنبياء من أكفر الكفر.

    قال: [ قال أنس بن مالك : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الرجل ليعمل البرهة من عمره -أي: الفترة من عمره- بعمل أهل الجنة، فإن كان قبل موته تحول) ] وكلمة تحول تصيب الشخص بالفزع، والنبي عليه الصلاة والسلام لما علم هذه الحقيقة كان يفزع من ذلك، وكان دائماً يقول: (اللهم يا مثبت القلوب! ثبت قلبي على دينك، ويا مصرف القلوب! صرف قلبي إلى طاعتك). وهذه الحقيقة معلومة يقيناً لدى كل مسلم، فينبغي لكل واحد منا أن يذل ويتذلل ويخضع لمولاه ويسأله أن يثبت قلبه، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يسأل ربه التثبيت والتصريف إلى الطاعة، حتى قيل له: (يا رسول الله! أوتخشى على نفسك؟ قال: وكيف لا أخشى على نفسي والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء) وتصور أن الرجل قد يظل عمراً طويلاً يعمل بعمل أهل الجنة ثم يختم له بعمل أهل النار فيدخل النار، هذا شيء عجيب وعظيم جداً، والله تبارك وتعالى يفعل في خلقه ما يشاء، وهو قد علم ما العباد عاملون وما هم إليه صائرون، وهو غير ظالم لمن أدخله النار، وهو المتفضل على من أدخله الجنة سبحانه وتعالى.

    قال: (فإذا كان قبل موته تحول)، أي: من كان يعمل بعمل أهل الجنة تحول فعمل بعمل أهل النار فمات فدخل النار.

    قال: [ (وإن الرجل ليعمل البرهة من عمره بعمل أهل النار، فإذا كان قبل موته تحول فعمل بعمل أهل الجنة فمات فدخل الجنة).

    وعن عمران بن حصين قال: (قال رجل: يا رسول الله! أعلم الله أهل الجنة من أهل النار؟ -أي: هل يعلم ربنا أهل الجنة وأهل النار؟- قال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، قال: ففيم يعمل العاملون؟ -يعني: ما لزوم العمل وقيمته؟- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: اعملوا فكل ميسر لما خلق له) ].

    فمن كان في علم الله أنه شقي وأنه من أهل النار وإن عمل برهة من الزمان بعمل أهل الجنة فسيختم له بعمل أهل النار، وتصور لو أن رجلاً عمل مائة عام بعمل أهل الجنة، وقبل موته بلحظات ارتد عن دين الله عز وجل، فهذا يكون في النار مع أنه طيلة عمره كان يعمل بعمل أهل الجنة، والإنسان لا يملك لنفسه الردة كما لا يملك لنفسه الإيمان، وكل ذلك بقدر من الله عز وجل، وقد سبق في علم الله تعالى أن فلاناً سيرتد، وأن فلاناً سيثبت على الإيمان، وفلاناً سيفتن، وفلاناً لن يفتن، فإذا كان هذا كله بيد الله عز وجل -يعني: إذا كان النفع والضر والسعادة والشقاء بيد الله- فلا أقل من أن تتعلق بحبل الله المتين، وبسؤال الله أن يثبتك على الإيمان، حتى تفارق هذه الدنيا، كما تتعلق بآحاد الخلق لمصلحة لك عنده، ولله المثل الأعلى.

    قال: [عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن العبد ليعمل الزمن الطويل من عمره أو كل عمره بعمل أهل الجنة، وإنه لمكتوب عند الله من أهل النار، وإن العبد ليعمل الزمن الطويل من عمره أو أكثره بعمل أهل النار، وإنه لمكتوب عند الله من أهل الجنة)].

    خطر الرياء على خاتمة العبد

    قال: [وعن سهل بن سعد الساعدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن العبد ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس)]، وهذا الحديث يحل إشكالات كثيرة في بقية النصوص.

    قال: [ (إن العبد ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وإنه لمن أهل النار) ]، أي: أنه مراء وغير مخلص في هذا العمل، ولا قيمة لعمله، ولا يقبله الله مهما طاب وتعدى نفعه للآخرين، فهو ليس مخلصاً في هذا العمل لله عز وجل، وإنما فعله نفاقاً أو رياءً أو سمعة أو طلباً للمدح أو تصدراً للمجالس أو غير ذلك، فلا يقبل عند الله، ويأتي هذا الإنسان في آخر حياته مفلساً، وقد يكون عمل هذا العبد العمل الصالح خالصاً لله تعالى، ولكنه يأتي مع هذا العمل أعمالاً أخرى سيئة، فيخصم هذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه حتى يطرح في النار، وهذا هو المفلس الذي عرفه النبي عليه الصلاة والسلام.

    وحديث سهل بن سعد هذا أخرجه الإمام أحمد بسند صحيح. وانظروا إلى هذا الرجل الذي كان يقاتل قتالاً أعجب جميع الصحابة، وما استطاع أحد أن يقاتل مثله قال فيه الصحابة: والله إنا لنراه من أهل الجنة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: من هذا؟ قالوا: فلان يا رسول الله! إنه يقاتل العدو قتالاً وقتالاً وظلوا يصفون قتاله، قال: (والله إني لأراه من أهل النار). فهم يرونه فيما يبدو لهم من أهل الجنة، وهو يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو لهم، وفيما اطلعوا عليه، ولكن الذي لم يطلعوا عليه أطلع الله عز وجل عليه نبيه، فقال: (والله إني لأراه من أهل النار، فقال رجل: أرمق الرجل)، يعني: سأنظر ماذا يعمل؛ لأنهم رأوه من أهل الجنة والنبي صلى الله عليه وسلم رآه من أهل النار، ولا بد أنه من أهل النار، فأراد أن يتعرف حقيقة هذا الرجل، فظل يتتبعه، إذا أسرع أسرع خلفه، وإذا وقف وقف، يرمقه من قريب ومن بعيد، حتى أصيب هذا الرجل بسهم فلم يصبر عليه، فوضع ذبابة سيفه في بطنه واتكأ عليه فخرج من ظهره فمات، أي: قتل نفسه، فأتى هذا الرجل الذي كان يتتبعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله! الرجل الذي قلنا فيه كذا وقلت فيه كذا قد فعل بنفسه كذا وكذا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله).

    حكم الجزم لأحد بجنة أو نار

    ونحن مأمورون بحسن الظن، فنقول: هذا الرجل يعمل عملاً صالحاً، ولا نزكيه على الله، وهذا الرجل نحسبه من الصالحين، ولا نزكيه على الله، والله تعالى هو الذي يعلم عباده وما هم إليه صائرون، إلى الجنة أم إلى النار، ولا نقطع لأحد بشيء، وهذا أصل من أصول اعتقاد أهل السنة، فلا نقطع لأحد قط بجنة ولا نار إلا إذا قطع له القرآن أو قطعت له السنة، وينبغي أن يعقد الإجماع على ذلك، وما دون ذلك فلا.

    ومن الأخطاء الفادحة كذلك أن نقول: فلان شهيد، ومعنى هذا أننا نشهد له بالجنة ولكن من طرف خفي، والأصل أن نقول: فلان نحسبه عند الله شهيداً، أو نسأل الله أن يتقبله من الشهداء، وأما شهيد فلا، فكلمة شهيد قطع له بالجنة، وهذا ممتنع في عقيدة أهل الحق وأهل السنة والجماعة، ونرجو الله تعالى أن يتقبله شهيداً، وأن يكون من الشهداء.

    ويجوز أن نقول: شهداء أحد، وشهداء بدر، وشهداء اليرموك، وشهداء أي حرب على سبيل الإجمال لا على سبيل التفصيل لكل أحد، وإن كان حتى هذه الجزئية فيها نزاع، أي: إطلاق الشهادة العامة. (وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وإنه لمن أهل الجنة)، أي: يختم له بعمل أهل الجنة، ولكن لا يعلم ذلك إلا الله عز وجل.

    بيان تقدير الله لأعمال العباد

    وعمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (يا نبي الله! أرأيت ما نعمل لأمر قد فرغ منه أم لأمر نستقبله استقبالاً)، يعني: هذه الأعمال التي نعملها أهي مكتوبة عند الله عز وجل في اللوح المحفوظ أم لا؟

    وقد قسم الله خلقه إلى الجنة والنار، وهذا أمر معلوم لا خلاف عليه ولا مناص منه. (قال: بل لأمر قد فرغ منه)، يعني: إنك تعمل لأمر قد فرغ منه، وجفت عليه الأقلام وطويت الصحف. (قال: ففيم العمل، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: كل لا ينال إلا بالعمل، أما من كان من أهل الشقاء فلا يشقى إلا بالعمل، وأما من كان من أهل الجنة فلا يدخل الجنة إلا بالعمل) فالعمل سبب.

    قال عمر : (إذاً: نجتهد)، يعني: إذا كان دخول النار والجنة متعلق بالعمل فلا بد أن نجتهد في العمل الذي ندخل به الجنة.

    قال: [وعن ابن عمر عن أبيه قال: (قال يا رسول الله! أرأيت ما نعمل فيه أفي أمر قد فرغ منه أو أمر مبتدأ أو مبتدع؟ -وقوله: مبتدأ يعني: سيطول- فقال: لا، في أمر قد فرغ منه، اعمل يا ابن الخطاب ! فكل ميسر، من كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة، ومن كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء).

    وعن هشام بن حكيم : (أن رجلاً قال: يا رسول الله! ابتدئت الأعمال أم قد قضي القضاء؟ -يعني: هل الله تعالى يكتب لنا أعمالنا إذا عملناها أم أنه قد كتبها قبل أن نعملها وفرغ منها وانتهى بها القضاء؟- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل أخذ ذرية آدم من ظهورهم، ثم أشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفيه -أي: ثم وضعهم في كفيه- ثم قال: هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار)].

    يعني: قسم عباده إلى قسمين: أحدهما إلى الجنة والآخر إلى النار، فأهل الجنة ييسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ييسرون لعمل أهل النار.

    كتابة الله عز وجل لأهل الجنة وأهل النار

    وفي السنن ومسند أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وفي يده كتابان فقال: هذا كتاب من رب العالمين ، فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم)، أي: جمل أفراده وجمعت وكملت عن آخره، فلا يتطرق إليهم زيادة ولا نقصان. (ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً)، أي: الكتاب الأول الذي هو اللوح المحفوظ، وهذا الكتاب كتاب محسوس، وكل النصوص الواردة تبين أن هذا الكتاب لا يمكن أن يكون معنى أو مجازاً، وإنما هو كتاب محسوس.

    قال: (وقال: هذا كتاب أهل النار)، أي: الكتاب الثاني، (بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد ولا ينقص منهم أبداً، فقال أصحابه: يا رسول الله! إذاً: فيم العمل إن كان أمراً قد فرغ منه، فقال: سددوا وقاربوا). وسددوا أي: ابلغوا بأعمالكم درجة السداد والصلاح، فإن عجزتم فلا أقل من أن تقتربوا من هذه الدرجة، فكأنه يقول: اعملوا بعمل الطاعة ما أمكنكم ذلك حتى تبلغوا كمال الطاعة وتمامها، فإن لم تبلغوا كمال الطاعة فلا أقل من أن تقتربوا من الكمال. هذا معنى (سددوا وقاربوا)، أي: سددوا في أعمالكم إلى درجة الكمال، فإن لم توفقوا إلى الكمال فلا أقل من أن تقاربوا الكمال.

    قال: (فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل، ثم قال بيده فنبذها)، أي: ثم إنه عليه الصلاة والسلام ألقى الكتابين اللذين كانا في يديه مكتوب فيها أهل الجنة وأهل النار.

    ثم قال: (فرغ ربكم من العباد)، أي: من كتابة من كان من أهل الجنة ومن كان من أهل النار من العباد. (فقال: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى:7]).

    قال: [وعن ابن عباس قال: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فسمع ناساً يذكرون القدر -يعني: يجادلون فيما يتعلق بالقدر، والقدر ممنوع الخوض فيه- فقال: إنكم قد أخذتم في شعبتين بعيدتي الغور)، يعني: إنكم تتكلمون في مسألة ربما تؤدي بكم إلى جهنم؛ لأن القدر هو سر الله تعالى في خلقه، ولا يحل لأحد أن يتكلم فيه، ولا يخوض فيه.

    قال: [(فيهما أهلك أهل الكتاب)]، يعني: بسبب الكلام في القدر أهلك الله تعالى أهل الكتاب؛ لأنه حرم عليهم أن يتكلموا في القدر فتكلموا. (ولقد أخرج النبي صلى الله عليه وسلم يوماً كتاباً فقال: هذا كتاب من الرحمن الرحيم، فيه تسمية أهل النار بأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم، مجمل على آخرهم، لا ينقص منهم شيء، فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى:7]، ثم أخرج كتاباً آخر فقرأ عليهم: هذا كتاب من الرحمن الرحيم، فيه تسمية أهل الجنة بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم، مجمل على آخرهم، لا ينقص منهم، فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى:7]).

    فالنبي صلى الله عليه وسلم خرج وفي يده كتابان فقرأهما عليهم وهم يسمعونهما منه ثم نبذهما عليه الصلاة والسلام، ولا يصح المجاز في مثل هذا، فهما كتابان حقيقيان محسوسان، فيهما أسماء أهل الجنة وأسماء أهل النار وأسماء قبائلهم وآبائهم وعشائرهم، والنبي قرأ عليهم مقدمة الكتابين، وفيهما: (هذا كتاب من الرحمن الرحيم، فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم)، وتوقف عند هذا، ثم قال: (وهذا كتاب أهل النار من الرحمن الرحيم، فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وعشائرهم وقبائلهم)، ثم توقف عليه الصلاة والسلام ولم يقرأ الأسماء؛ لأن النصوص لم ترد بقراءة الأسماء.

    وهذا يفيد أن الله تعالى يفعل في خلقه ما يشاء سبحانه وتعالى، فإذا أدخل عبداً من عباده الجنة فبرحمته وفضله، وإذا أدخل منهم أحداً النار فبعدله غير ظالم له.

    والجنة والنار مخلوقتان الآن، ومالكهما هو الله عز وجل، فهو مالك الجنة ومالك النار، فهو عز وجل الذي خلقهما، وهما ملكه، وهؤلاء العباد عبيده، فإذا شاء أن يدخل بعض عباده الجنة فعل، وإذا شاء أن يدخل بعض عباده النار فعل، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه سبحانه وتعالى. هذا مجمل الباب.

    1.   

    باب الإيمان بأن الله عز وجل أخذ ذرية آدم من ظهورهم فجعلهم فريقين، فريق في الجنة وفريق في السعير

    قال: [باب: الإيمان بأن الله عز وجل أخذ ذرية آدم من ظهورهم فجعلهم فريقين، فريق في الجنة وفريق في السعير.

    عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خلق الله عز وجل آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى -أي: أن الكتف المضروب هو كتف آدم- فأخرج ذرية بيضاً كأنهم الذر، والذر هو صغار النمل، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم أو الحمم -أي: كأنهم قطع فحم من سوادهم- فقال للتي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي، وقال للتي في يساره إلى النار ولا أبالي)].

    ففي الآية قال: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الأعراف:172]، وهذا الحديث يقول: خلق الله عز وجل آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى ثم ضرب كتفه اليسرى، فأخرج جميع الذرية التي تكون إلى قيام الساعة، فلا بد أن هناك استخراجان، استخراج من آدم واستخراج من ذرية آدم.

    خلق الله لآدم من جميع الأرض

    قال: [ وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خلق الله آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض) ] أي: من جميع تراب الأرض، وتراب الأرض منه الأبيض والأسود والأحمر والأخضر وغير ذلك.

    قال: [(فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر والأسود والأبيض والسهل والحزن -وهو الصعب- وبين ذلك، والخبيث والطيب)]، إذ إن من الأرض أراض طيبة، ومنها أراض خبيثة، كما جاء في القرآن الكريم: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا [الأعراف:58].

    إخراج الله لذرية آدم من ظهره

    قال: [وعن ابن عباس قال: (مسح الله ظهر آدم عليه السلام فأخرج في يمينه كل طيب، وأخرج في يده الأخرى كل حبيت)]، وهي يمين أيضاً كما في الحديث: (وكلتا يديه يمين).

    وأما الحديث الذي أخرجه مسلم والذي فيه أن اليد الأخرى لله هي الشمال فحديث شاذ، وإن كان في صحيح مسلم.

    وهذا الحديث عن ابن عباس له حكم الرفع إلى النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه مستحيل أن يعلم ابن عباس ذلك من نفسه، إنما لا بد أن يكون سمعه من المعصوم عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذا أمر لا يصح فيه الاجتهاد، فليس لـابن عباس أن يجتهد ليقول: إن الله مسح على ظهر آدم أو على كتف آدم وأخرج الذرية، ولا يمكن أن يقول هذا إلا إذا كان عنده خبر من المعصوم، ولكنه كسل أو فتر أن يذكر أنه سمع ذلك من النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الذي يسميه العلماء موقوف في حكم المرفوع.

    قال: [وقال أبو بكر ورضي الله عنه: (خلق الله الخلق فكانوا قبضتين، فقال لمن في يمينه: ادخلوا الجنة بسلام، وقال لمن في الأخرى: ادخلوا النار ولا أبالي، فذهبتا إلى يوم القيامة)]، يعني: هذا قضاء مبرم من الله عز وجل، فقد خلق الخلق وقسمهم فريقين، فريق إلى الجنة وفريق إلى النار، وهذا قضاء مبرم من الله عز وجل، وليس لأحد أن ينفك عنه، فمهما عمل صاحب الجنة بعمل أهل النار فإنه لا بد أن تدركه التوبة فيعمل قبل الموت بعمل أهل الجنة، ومهما عمل الإنسان بعمل أهل الجنة فإنه إذا كان قد قضي له قبل أن يخلق الله الخلق بأنه من أهل النار فلا بد أن يختم له بعمل أهل النار ويدخلها.

    قال: [وعن ابن عباس قال: (لما خلق الله عز وجل آدم عليه السلام أخذ ميثاقه وأخرج من ظهره ذريته كهيئة الذر -أي: أخرج الذرية من ظهر آدم كما لو كانوا كالنمل- وكتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم التي تصيبهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا)]. فهذه شهادة منهم بربوبية الله عز وجل.

    قال: [ وعن أبي بن كعب رضي الله عنه في قول الله تعالى: ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف:172-173] قال: جمعهم جميعاً فجعلهم أزواجاً، ذكراناً وإناثاً ثم صورهم ثم استنطقهم -يعني: طلب منهم أن يتكلموا- فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى أنت ربنا، شهدنا على ذلك أن تقولوا يوم القيامة: لم نعلم بهذا، قالوا: نشهد أنك ربنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك، ولا إله لنا غيرك، قال: فإني سأرسل إليكم رسلي، وأنزل عليكم كتبي، فلا تكذبوا برسلي وصدقوا بوعدي، فإني سأنتقم ممن أشرك بي ولم يؤمن بي قال: فأخذ عهدهم وميثاقهم، ثم رفع أباهم آدم عليهم -أي: أظهر لهم أباهم آدم فوقهم- فنظر إليهم، فرأى فيهم الغني والفقير، وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: رب! لو شئت سويت بين عبادك) أي: فلا يكون هذا أسود وهذا أبيض، وهذا حسن الصورة وهذا قبيح الصورة وغير ذلك.

    قال: [(فقال الله عز وجل: إني أحببت أن أشكر)]، فاختلاف الناس يؤدي إلى الشكر، فلو أنك رأيت رجلاً دميماً فإنك تقول: اللهم لك الحمد أن عافيتني من هذه الصورة، ولك الحمد أن حسنت خلقي، فهذا باب من أبواب الشكر.

    قال: [ (والأنبياء فيهم يومئذ مثل السرج) ]، يعني: ظهر الأنبياء في وسط هذا الذر كما لو أنهم مصابيح هداية وإنارة لهذا الظلام، وهم كذلك.

    قال: [وقد خصوا بميثاق آخر للرسالة أن يبلغوها، قال: فهو قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ [الأحزاب:7] ]، أي: أخذ الله تعالى من النبيين ميثاقاً آخر غير الميثاق الذي هو اعتراف الربوبية، بل هو ميثاق خاص بالأنبياء، وهذا الميثاق هو تبليغ الرسالة.

    قال: [(وهو قوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30]، وقوله: وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ [الأعراف:102] -وهم عامة الذر- قال: وذلك قوله: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [المائدة:7] -أي الأولى- وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ [المائدة:7] -أي: الذي أخذه عليكم من ظهر أبيكم آدم- فكان في علم الله يومئذ من يكذبه ومن يصدقه- يعني: كان في علم الله لما كنا ذراً في ظهر آدم وقبل ذلك وقبل أن يخلق الله آدم من يعصيه ومن يطيعه، من يصدقه ومن يكذبه.

    قال: [وكان روح عيسى بن مريم من تلك الأرواح التي أخذ الله عهدها وميثاقها في زمن آدم]، يعني: كان فيهم حتى عيسى الذي هو روح من الله، فقد أرسل الله جبريل إلى مريم في صورة بشر.

    قال: [فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا [مريم:19-20]. قال: فحملت الذي في بطنها.

    قال: أبي بن كعب : فدخل من فيها]، أي: الروح التي أمرها الله عز وجل أن تنفخ في مريم، فإنها لما تعوذت ولجأت إلى ربها وأثبتت أنها ليست فاجرة ولم تكن من قبل بغياً، ولم يعلم عنها البغاء أمر الله عز وجل تلك الروح الطيبة أن تدخل من فيها. هذا كلام أبي بن كعب ، وهو كذلك كلام في باب الغيب، وموقوف على أبي وله حكم الرفع.

    قال: [وعن ابن عباس قال: أخذ الله ذرية آدم من صلبه كهيئة الذر، فقال: يا فلان! اعمل كذا، ويا فلان! اسمك كذا، ثم قبض قبضتين، قبضة بيمينه وقبضة بيده الأخرى، فقال لمن في يمينه: ادخلوا الجنة بسلام، وقال لمن في يده الأخرى: ادخلوا النار ولا أبالي، فمضى]، يعني: فمضى حكم الله.

    قال: [وعن ابن عباس قال: إن الله عز وجل ضرب منكبه الأيمن -يعني: منكب آدم عليه السلام- فخرجت كل نفس مخلوقة للجنة بيضاء نقية، فقال: هؤلاء أهل الجنة، ثم ضرب منكبه الأيسر فخرجت كل نفس مخلوقة للنار سوداء، فقال: هؤلاء أهل النار، ثم أخذ عهده على الإيمان به والمعرفة له ولأمره، وقال مرة: والتصديق بأمر بني آدم كلهم، وأشهدهم على أنفسهم، فآمنوا وصدقوا وعرفوا وأقروا]، يعني: كلنا كنا ذراً من قبل، وقد أخذ علينا الميثاق من قبل. ولما أخذ الله تعالى هذا الميثاق ونحن كالذر -وليس الذر محل التكليف، بل ولا مرحلة الصبى والصغر وعدم الرشد- أرسل الله تعالى إلينا بعد رشدنا وبلوغنا أنبياء يذكروننا بالميثاق الذي أخذه الله تعالى علينا من قبل، ويذكروننا بالميثاق الذي اعترفنا به وشهدنا بصحته بين يدي الله عز وجل حين استنطقنا بذلك.

    الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم

    قال: [ قال ابن عباس : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتَهُمْ [الأعراف:172]، قال: خلق الله آدم فأخذ ميثاقه أنه ربه، وكتب أجله ورزقه ومصيبته، ثم أخرج ولده من ظهره كهيئة الذر، فأخذ مواثيقهم أنه ربهم، وكتب آجالهم وأرزاقهم ومصيباتهم).

    وعن أبي نعامة السعدي: قال: كنا عند أبي عثمان النهدي فحمدنا الله وأثنينا عليه ودعوناه، قال: فقلت: لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحاً مني بآخره -يعني: يقول له: والله أنا مرتاح من الميثاق الذي أخذه الله علي؛ لأني مطمئن أنني أقررت بين يدي الله عز وجل في اللحظة التي أخرجني فيها من صلب آدم أن الله تعالى ربي- لأنني لا أعلم ماذا سيختم لي، هل أنا من أهل الجنة أو من أهل النار -يعني: أنه خائف من المستقبل- فقال أبو عثمان النهدي: ثبتك الله -أي: ثبتك الله على الميثاق الأول، الذي أنت أشد فرحاً به من آخره- قال أبو عثمان النهدي: كنا عند سلمان الفارسي فحمدنا الله ودعوناه وذكرناه، فقلت -أي: أبو عثمان النهدي-: لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحاً مني بآخره -يعني: نفس الذي قلته أنت أنا قلته- فقال لي سلمان: ثبتك الله -أي: فدعوت لك بما دعا لي به سلمان- إن الله عز وجل لما خلق آدم عليه السلام مسح ظهره فأخذ من ظهره كهيئة الذر إلى يوم القيامة، أي: ما هو خالق إلى يوم القيامة، فخلق الله الذكر والأنثى والشقوة والسعادة، والأرزاق والآجال والألوان، فمن علم الله منه الخير فعلى الخير ومجالس الخير -يعني: سيعيش ويحيا على فعل الخير ومجالس الخير- ومن علم منه الشقوة فعلى الشر ومجالس الشر]، يعني: هذا أمر قد فرغ منه.

    وقد كنا نستأنس جداً ببعض طلاب العلم، ثم بعد أن طلبوا العلم تركوا صلاة الجماعة، ثم تركوا الصلاة بالكلية، ثم ماتوا على ذلك، نسأل الله السلامة والعافية. وكانوا من أنبل طلاب العلم، ولكن هذا حدث.

    قال: [وعن أبي صالح: أن الله عز وجل خلق السماوات والأرض وخلق الجنة وخلق النار، وخلق آدم، ثم نشر ذريته -أي: أخرج ذريته من صلب آدم أو من كتفه في كفه سبحانه وتعالى- ثم أفضى بهما -أي: بسط بهما يداه- ثم قال: هؤلاء لهذه ولا أبالي -أي: للجنة- وهؤلاء لهذه ولا أبالي -أي: للنار- وكتب أهل الجنة وما هم عاملون، وكتب أهل النار وما هم عاملون، ثم طوي الكتاب ورفع]، بمعنى: أنه لا يزاد فيه ولا ينقص منه، ورفع فهو عند الله تعالى تحت العرش، وهذا هو اللوح المحفوظ والكتاب المكنون.

    وهذان البابان متعلقان بمسألة واحدة، وهي مسألة أن الله تبارك وتعالى له عاقبة الأمور، وأن الخلق جميعاً خلقه، فمن شاء خلقه للجنة ومن شاء خلقه للنار، ومن قضى الله تعالى عليه بالنار فسيعمل بعمل أهل النار حتى يموت على ذلك ويدخل النار، ومن قضى الله تعالى له بالجنة فسيعمل بعمل أهل الجنة حتى وإن عمل بخلاف ذلك ابتداء، وسيختم له بعمل أهل الجنة حتى يموت على ذلك ويدخل الجنة، وكما قال عليه الصلاة والسلام: (الأعمال بالخواتيم). نسأل الله تعالى أن يختم لنا ولكم بخاتمة السعادة أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    الأصل في العبادة وثمرتها

    السؤال: هل الصحيح أن نعبد الله تعالى من أجل الجنة والهرب من النار، أم ينبغي أن نعبده مخلصين لوجهه الكريم دون طلب هذين المطلبين؟

    الجواب: الجنة ثمرة الطاعة، وأصل العبادة أنها لوجه الله تعالى، والغاية العظمى من العبادة هي طلب رضوان الله عز وجل، والمكافأة هي الجنة.

    ما تقوم به الحجة على الإنسان

    السؤال: هل شهادة الإنسان وهو ذر هي التي أقامت الحجة عليه فحسب، أم ثم حجج أخرى؟

    الجواب: هذا بيان وإخبار من الله عز وجل ومن النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا الإقرار الأول هو أول الشهادات وأول الحجج والإقرارات من بني آدم على أنفسهم أن الله تعالى هو الذي خلقهم ورباهم ورزقهم وكتب آجالهم وأعمالهم ومصائبهم وما هم إليه صائرون إلى الجنة أو إلى النار.

    ثم لا بد لبني آدم أن يتذكروا ذلك، خاصة بعد خروجهم من صلب آدم بعد ذلك للتكليف والعبادة وغير ذلك، ولذلك أقام الله تعالى عليهم الحجة مرة أخرى بالرسل والكتب، وهذه الشهادة الثانية هي محل التكليف، وهي التي بعد بعث الرسل وإنزال الكتب، بدليل قول الله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15].

    ومنذ حوالي خمس سنوات تقريباً اكتشفوا أن هناك جزيرة من الجزر في البحر لا يعلم أهلها شيئاً قط عن الأنبياء ولا المرسلين، ولم يسمعوا بهذا، وقد بقيت الدول على مدار السنوات الماضية تعتني عناية فائقة بمعرفة لغة هذه الجزيرة التي ظهرت في البحر -وقرأت هذا بعيني رأسي- حتى يفهموهم أن هناك أنبياء ورسلاً وكذا، واجتهد في ذلك بابا الفاتيكان، واجتهد في ذلك اليهود، وتأخر المسلمون عن الاجتهاد كعادتهم.

    والله تعالى يقول: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]. فلا ينال الإنسان العذاب إلا إذا بلغته الرسالة، وقامت عليه الحجة الرسالية الإيمانية.

    وقيمة الإقرار الأول أنه إقرار بالربوبية، وأن الله تعالى هو الذي خلق الخلق ورباهم ورزقهم وكتب آجالهم وأعمالهم وغير ذلك.

    وأما الإقرار الثاني فلا يكون إلا بعد التكليف وإرسال الرسل، واليوم أصحاب جماعة التكفير يقولون: الولد الصغير مكلف، ولا بد أن يعمل الخير وينتهي عن الشر، ويأتون إلى الطفل الرضيع ويطالبونه بذلك، ويعتمدون في هذا على الميثاق الأول، ولم يعلموا أن الميثاق الأول إقرار بالربوبية، وقد قال تعالى: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [الأعراف:172]، أي: أنا الذي خلقتكم؟ قالوا: بلى، فهذا إقرار بالربوبية، فقد عرفوا أن لهذا الكون رباً، ولكن التكليف الذي يئول بصاحبه إلى الجنة أو إلى النار لا يقوم إلا بالرسل والكتب.

    سبب نبذ الرسول صلى الله عليه وسلم للكتابين اللذين فيهما أسماء أهل الجنة وأهل النار

    السؤال: لماذا نبذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتابين من يديه؟ هل اختفيا أم ماذا حدث؟

    الجواب: لقد أدركت أن سؤالاً سيوجه إلي بهذا الشكل، ولكني لم أشغل نفسي بهذا، وما قرأت أو سمعت أن أحداً من أهل العلم شغل نفسه بهذا.

    تقييم كتاب تربية الأولاد للشيخ عبد الله علوان

    السؤال: ما رأيكم في كتاب تربية الأولاد للشيخ عبد الله علوان ، وما هي الكتب المهتمة بهذا الموضوع؟

    الجواب: الكتاب في مجمله كتاب جيد، لولا أن الشيخ جعل الأسوة والقدوة في أقطاب الصوفية، يعني: أن الشيخ دائماً يذكر النكتة التربوية ويقول: وقائل هذا الكلام أو صاحب هذه الفائدة فلان الفلاني، فإنه كان قدوة، وغير ذلك، ويثني على أهل البدع.

    فلو أن السائل تغاضى عن هذه الجزئية لانتفع بالكتاب، ولو أنه علم من نفسه أنه سيفتن بأصحاب البدع فالأفضل أن لا يقرأ في هذا الكتاب ولا ينظر فيه.

    وأنا في الحقيقة ليس عندي عناية بهذا الباب، وليس عندي معرفة بالكتب التي تتحدث عنه.

    حكم صرف الصدقة في طباعة الكتب

    السؤال: هل يجوز صرف الصدقة في طباعة كتيبات يتم نشرها وتوزيعها أم الأفضل التصدق بالمال؟

    الجواب: هذا من الصدقات الجارية.

    بعض المخالفات التي تقع أثناء الخطبة

    السؤال: ما هي الضوابط الشرعية لرؤية الخاطب مخطوبته، وما الذي يباح له أن يراه من المخطوبة، وبعد أن يراها ماذا عليه أن يفعل؟ وهل يصلي صلاة الاستخارة فحسب، وهل للاستخارة مدة معينة أم يكفي مرة فيها أو مرتان أو ثلاث؟ وكيف يفعل إذا لم تقع المخطوبة في قلبه؟ وكيف يفعل إذا لم يحس بشيء في قلبه؟ أرجو الاهتمام بالرد المفصل؟

    الجواب: سنرد رداً مجملاً، فالسلف رضي الله عنهم ما كانوا يفعلون هذا الذي نفعله، فالواحد اليوم يذهب إلى ولي المرأة ويقول له: سمعت أن لك بنتاً وأريد أن أتزوجها، ثم تخرج البنت ومعها كشف أسئلة، وهو يأتي بكشف أسئلة، ثم يطرح كل واحد أسئلته ثم يتعاركان في الإجابات، ثم تقول له: أنت تحفظ القرآن كله وأنا لا أحفظه، وهو يقول: أنا لست حافظاً للقرآن، فتقول له: إذاً أنت لا تصلح أن تكون زوجاً؛ لأن في مذهبنا أنه لا يصح الزواج من رجل إلا إذا كان حافظاً للقرآن، وهذا الكلام لا يستند إلى أي كتاب، فضلاً أن يستند إلى كتاب الله أو سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل باطل باطل).

    يعني: أن الذي ليس حافظاً للقرآن الكريم سيضيع ولن يتزوج، وسيذهب يزني ويفجر، ثم تقول له: اذهب إلى الشيخ، فيقول لها: أنا سأخطبك من أبيك ووليك، فتقول له: ولاية أبي بعد ولاية الشيخ، ثم بعد أن يتم شبه اتفاق على الأسئلة والأجوبة يقول لها: اخلعي النقاب من أجل أن أنظر إليك، فتخلعه، وكل هذا لم يكن يفعله السلف، وإنما كانوا من أراد أن ينكح منهم امرأة اختبأ لها حتى يرى منها ما يسره، وفي الحديث قال محمد بن مسلمة : (يا رسول الله! إني نكحت امرأة، قال: أرأيتها؟ قال: لا، قال: اذهب فانظر إليها؛ فإن في أعين الأنصار شيئاً)، وفي رواية: (فإن في أعين الأنصار صفراً).

    و المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أحب أن يتزوج امرأة فاختبأ لها حتى رأى منها ما يسره. وهل لما اختبأ المغيرة بن شعبة أو ابن مسلمة رأيا ممن يريدان الزواج بهما الوجه والكفين أم ما يظهر منهما في العادة؟ والآن من يريد الخطبة يختبئ في الشارع، وفي الحالة لن يرى منها ما يسره، وربما يرى بعض ما يسره من الطول والوزن والعرض، وكذا، لكن محل الجمال والخصوبة الوجه والكفان.

    وذهب بعض أهل العلم إلى أن الخاطب لا يرى من مخطوبته إلا الوجه والكفين فقط، وهذا الكلام ليس عليه دليل، وذهب ابن حزم مذهباً أبعد من ذلك فقال: يجردها، أي: يجردها من ملابسها.

    وتصحف على بعض من نقل عن ابن حزم كلمة يجردها فجعل الدال باء، فقال: يجربها.

    وذهب بعضهم إلى أنه يرى منها ما يظهر عادة، يعني: يرى منها كما ترى أنت من أمك وأختك، والذي يظهر من المرأة في العادة إذا كانت لابسة في بيتها ملابس محتشمة الرأس والوجه وشيء من الرقبة وشيء من الصدر وشيء من الساق والقدم والذراع.

    وهذا الرأي الثالث هو أرجح الأقوال التي تشهد له الأدلة.

    قال: (اذهب فانظر إليها؛ فإنه عسى أن يؤدم بينكما)، أو (اذهب فانظر إلى ما يسرك منها؛ فإنه عسى -أو حري- أن يؤدم بينكما)، يعني: يديم بينكما العشرة، ففي هذه الحالة إذا وقعت في قلبه استخار، ثم انطلق للخطوبة.

    والمسألة الآن صار يحكمها العرف أكثر؛ لأن الاختباء صار مسألة صعبة؛ لأنها أول ما تدخل البيت تغلق النوافذ والأبواب فكيف سيراها؟ وعلى هذا يلزم الخاطب استئجار شقة مقابلة لشقتها، ثم يفتح نافذة شقته فتحة صغيرة، وينتظر سنة أو سنتين أو ثلاث حتى تغلط وتفتح النافذة ويراها، وحتى تأتي هذه اللحظة تكون قد خطبت لشخص آخر، فهذه مسألة صعبة جداً، ولذلك ألف العرف أن من أراد أن يعقد على امرأة أو ينكحها أو يخطبها يدخل مباشرة من الباب ويكلم أمها، ولا يجلس على النافذة، وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا [البقرة:189]. فيذهب الخاطب إلى الولي ويخطب إليه ابنته، ويجلس معها في حضور وليها وينظر إليها.

    وهناك من يظل ينظر طول الوقت، وهناك من هو حيي جداً كالعذراء في خدرها، فأول ما تدخل بالنقاب يطرق بوجهه إلى الأرض، ثم يخرج بعد ساعة وما رآها، بل حتى لا يعرف ما كانت تلبس، فهو لم يرها أبداً.

    وعدد مرات النظر التي يجوز للخاطب فيها أن يرى مخطوبته ليست محدودة بحد في النصوص، بل يراها حتى تقع في قلبه أو ينصرف عنها، ثم إذا انصرف عنها لم يحل له أن يراها مرة أخرى؛ لأنه قد تركها، وقد قطع وجزم بأنه لن يتزوجها، وكذلك لو رآها في المرة الأولى ووقعت في قلبه وسر برؤيتها فلا يراها الثانية حتى يعقد عليها، ولو تردد أهي جميلة أم قبيحة، أو بينهما؟ ويرى أنه لو نظر إليها مرة ثانية أنه قد يتأكد فلا بأس أن يرجع مرة ثانية وثالثة ورابعة وأكثر من ذلك، ما دام أنه متعلق بها ولم يتحقق من رؤيتها.

    حكم الصلاة في مكان فيه نصارى

    السؤال: هل تجوز الصلاة في مكان فيه امرأة نصرانية، حيث إني أعمل في جهة حكومية يوجد فيها بعض النصرانيات؟

    الجواب: يجوز لك أن تصلي في الكنيسة، ومن باب أولى أن تصلي في مكان فيه نصارى رجالاً كانوا أو نساءً.

    الحالة التي أجاز فيها شيخ الإسلام ابن تيمية التخلي عن الهدي الظاهر

    السؤال: هل صحيح أن شيخ الإسلام ابن تيمية قال في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم: إنه يجوز التخلي عن الهدي الظاهر، أي: مثل اللحية في مثل هذه الأيام؟

    الجواب: شيخ الإسلام ابن تيمية قال في اقتضاء الصراط المستقيم:

    وإذا كان المسلم في بلد من بلاد الحرب -أي: من بلاد الكفار المحاربين- وخشي على دينه وخشي الفتنة على نفسه وأمن ذلك بالتخلي عن الهدي الظاهر فله ذلك، وإلا فلا.

    ولكنه شرط أن يسارع في الخروج من هذه البلاء، وشيخ الإسلام ابن تيمية لم يقل: إنه يجوز للمسلم التخلي عن الهدي الظاهر لمصلحة الدعوة، ولم يثبت عنه ذلك أبداً، ثم ما هي هذه الدعوة التي تجعل صاحبها يلبس الجنز والكرفتة والقميص المضغوط والبنطلون المضغوط، ويلبس سلسلة ذهب ويمشي مغلوباً على أمره في الشارع؟ ومن الذي سيقبل هذه الدعوة؟

    ثم ما الذي يحملنا على ترك الهدي الظاهر والدعوة -والحمد لله- قائمة، ونحن الآن مجتمعون ومتمسكون بالهدي الظاهر، نسأل الله تعالى أن يصلح بواطننا.

    معنى إسباغ الوضوء على المكاره

    السؤال: ما معنى إسباغ الوضوء على المكاره؟

    الجواب: المكاره مثل أوقات البرد، فالشخص عندما يقوم من النوم من تحت اللحاف الدافئ في البرد القارس من أجل أن يصلي الفجر، ويتوضأ بالماء البارد فإن هذا مكروه عنده، وكذلك عندما يلبس ويخرج إلى المسجد فإن هذا مكروه عنده، وهذا هو معنى إسباغ الوضوء على المكاره، أي: في الأوقات التي يكره فيها المرء هذا، فإذا ضغط على نفسه وأدى هذه المستحبات أو الواجبات الشرعية فلا شك أن هذا أعظم أنواع إسباغ الوضوء، وليس معنى الإسباغ أن تغسل الأعضاء مرتين أو ثلاثاً، أو أن تسبح في الماء، أو تغسل وجهك وتدلكه تدليكاً جيداً، ولا أن يهرب من هذا الماء البارد، بل يتوضأ كما كان يتوضأ النبي عليه الصلاة والسلام، يعني: يغسل الأعضاء ثلاثاً، ولا يقل: أغسلها مرة فقط؛ لأن فرض الوضوء مرة واحدة، والإمام أحمد بن حنبل كان إذا توضأ لا يبل الأرض، يعني: أنه كان يتوضأ بنصف الكوب، وهذا الماء البارد لن يؤثر فيه، وستبقى حرارة بدنه في بدنه، فالمقصود بإسباغ الوضوء أن يتوضأ على السنة ثلاثاً ثلاثاً في وقت يكره فيه هذا الماء البارد.

    معنى حديث: (لا تأتوا نساءكم مثل البهائم)

    السؤال: هل هذا حديث: (لا تأتوا نساءكم مثل البهائم) ؟

    الجواب: نعم، هذا حديث أخرجه ابن ماجة قال: (إذا أتى أحدكم امرأته فلا يقع عليها كما تقع البهائم)، يعني: بل يروضها ويداعبها حتى تتهيأ للوقاع والجماع، ولا يقع عليها كما يقع الذكران من البهائم على الإناث.

    حكم استعمال الأدوية المعينة على الاستمتاع بالزوجة

    السؤال: هل يجوز للإنسان أن يأخذ وسائل خارجية للاستمتاع بزوجته؟

    الجواب: نعم يجوز له ذلك، وهو باب من أبواب العلاج والطب.

    حكم أخذ الولي دية قتيله الذي توفي بحادث سيارة

    السؤال: توفي بعض الناس في حادث سيارة، وأصيب البعض الآخر فأخذوا تعويضاً على ذلك، فهل هذا التعويض حرام أم حلال؟

    الجواب: هذا التعويض حلال، وقد سماه الشرع دية، والمصريون لا يأخذون تعويضاً، مع أن هذا دين وشرع.

    طلب العلم والزواج، وأهمية التربية

    السؤال: أنا رجل خاطب وأريد أن أرحل لطلب العلم ولا أستطيع أن أطلبه الآن؛ لأن عملي يتعارض مع طلب العلم، فهل أترك خطيبتي وعملي وأرحل، أم أنتظر حتى أتزوج، أم بماذا تنصحني؟ علماً بأن أهلي يرفضون ذلك، وجزاكم الله خيراًًَ.

    الجواب: أنت عملت مثل الذي يقول لامرأته: أنت طالق على مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل حتى على مذهب جمال عبد الناصر ، فإذا حللها أحد حرمها الآخر، فأنت قد أغلقت المسألة من كل ناحية، وتريدني أن أحلها لك، وأنا أنصحك أن تعيش حياتك بالطريقة التي تحلو لك، وأن تحافظ على دينك حتى وإن لم تطلب العلم، وهؤلاء الإخوة -ما شاء الله- متزوجون، ولهم آباء وأجداد، ولا يعطلهم ذلك عن طلب العلم.

    وقد ثبت عن سفيان الثوري أنه قال: إذا تزوج الرجل فقد ركب البحر، فإذا ولد له فقد غرق، وهذه حقيقة فعلاً، وإبراهيم النخعي لم يتزوج ولم يكن له ولد، فقيل له: إنك تقوم الليل وتقرأ القرآن، فقال: والله إن بعض الهم الذي يقع بأحدكم على ولده لهو أحب إلى الله تعالى من عبادة مائة عام، يعني: أن تربية الأولاد رسالة عظيمة جداً.

    ونحن عندما نتكلم عن عظيم من عظماء التاريخ الإسلامي سنجد أن أول من رباه أمه وأباه، فالذي يبدأ التربية هما الأب والأم، ولا شك أنهما لو ربيا ولدهما على غرس الفضائل وترك الرذائل فتربى ونشأ وترعرع في هذا الجو الطيب مع طلب العلم وحفظ المتون وغير ذلك، وجمع إلى أصالة المنبت العلم الشرعي رجي خيره للأمة كلها بعد ذلك.

    والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (الولد مبخلة مجبنة مجهلة). فالولد مبخلة يعني: إذا أراد أن يتصدق قال: لا أولادي أولى، وهم مجبنة، فإذا أراد أن يتكلم كلمة الحق يقول: أخاف أن أذهب إلى السجن وأترك أولادي، فيجبن عن قولها، وهم مجهلة؛ لأنهم يصرفونه عن طلب العلم.

    ولما ولد ولدي الأول أحسست بأن حياتي كلها ضاعت، وما فرحت به كما يفرح الأب بأبنائه؛ لأني شعرت أن هذا الولد فتنني وصرفني تماماً عن كتبي ومكتبتي، ولما جاء الثاني والثالث والرابع تعودت على هذا.

    حكم من أدرك الإمام وهو راكع

    السؤال: دخلت صلاة الجماعة وهم في الركوع وقلت: سبحان ربي العظيم ثلاثاً فهل تحسب لي ركعة كاملة أم أعيدها؟

    الجواب: هذه من مسائل النزاع بين أهل العلم، فجمهور العلماء يرى أن من أدرك الركوع أدرك الركعة، والبعض يقول: من أدرك الركوع لم يدرك الركعة لركنية الفاتحة.

    وهذه المسألة من أعوص المسائل الخلافية بين أهل العلم، فلا تجد أحداً يذهب إلى احتسابها ركعة إلا وكان يذهب مذهباً آخر غير ذلك قبل ذلك، والعكس بالعكس، فهذه من مسائل الخلاف، وقد تسألني عنها اليوم فأقول لك: هي ركعة، وتسألني عنها غداً فأقول لك: لا ليست بركعة، فإن شئت فخذ بهذا، وقد أخذ بهذا وذاك كثير من أهل العلم.

    حكم العمليات الفدائية

    السؤال: هل العمليات الفدائية عمليات استشهادية؟

    الجواب: الذي يترجح لدي أنها كذلك، والأحكام الشرعية لا تؤخذ بالعاطفة.

    حكم البيع والشراء مع اليهود والنصارى

    السؤال: يقول: أنت من واقع عاطفتك جوزت التعامل بيعاً وشراءً مع اليهود والنصارى، وهذا محرم شرعاً، فما رأيك؟

    الجواب: التعامل مع اليهود والنصارى بالبيع والشراء فيما أحله الله عز وجل، إذا كان أصل البيع والشراء حلالاً فهو حلال، ولا يوجد دليل واحد يحرم التعامل مع اليهود والنصارى بيعاً وشراءً، وأنا لا أستند في ذلك إلى العاطفة، ومن زعم غير هذا فليأتني بنص واحد يحرم التعامل بيعاً وشراءً مع اليهود والنصارى.

    والمؤتمر الذي عقد هنا في شهر (9) الماضي أنا كنت صاحب الفكرة في انعقاده، وكنت حريصاً جداً على الدعوة إلى مقاطعة اليهود والنصارى في كل باب من الأبواب، وهناك من يتصور أن المقاطعة تعني ألا يشرب البيبسي فقط، وإذا ذكرت المقاطعة انطلق ذهنه مباشرة إلى البيبسي، مع أن البيبسي هذا واحد من مليون سلعة غرقت فيها السوق الإسلامية والسوق العربية، ونحن نطالب بالمقاطعة من إبرة الخياطة إلى برميل البترول، فتكون المقاطعة عامة كلية، ونطالب بالمقاطعة الدولية قبل المقاطعة الفردية؛ لأن المقاطعة الدولية منفعتها أعم، فالدولة إذا قاطعت إسرائيل في منتجاتها خلت السوق من المنتجات، ولن توجد إلا المنتجات المحلية، وإذا وجدت المنتجات الأوروبية أو اليهودية أمامنا في السوق ونحن في حاجة إليها وليس هناك بديل فسنشتريها، فالمقاطعة الدولية أهم، بل هي السبيل إلى المقاطعة الفردية، وأنا طرحت هذا الأمر مراراً وبتكلف على المحاضرين في أثناء المؤتمر، وتعمدت إعادته مراراً على المحاضرين في الندوة التي كانت في آخر يوم، وتكلمت في البيان الأخير عن وجوب المقاطعة الدولية والفردية للمنتجات الأوروبية، وليس اليهودية فحسب، وأنا دعوت وتكلمت عن الحكم الشرعي فقط، ومن قال: إنني أستند إلى العاطفة فليرني نفسه، وأنا سأقول له: الثوب الذي عليه منتج يهودي أو نصراني، فهو لا يعجبه إلا الجلابية الأصيلة والدفة، ولازم تكون آتية من اليابان، ولو كانت أمامه صناعة سعودية ويابانية لاختار اليابانية؛ لأن اليابان لا تصنع شيئاً رديئاً، والعرب كلهم صناعاتهم رديئة، والسيارة التي يركبها هذه صناعة ألمانية أو أمريكية أو غير ذلك.

    فنحن معذورون ومجبورون أن نشتري هذه الحاجات؛ لأنها لا بديل لها، هذا إضافة إلى الاستهتار التام في الصناعات العربية والإسلامية، وغلائها كذلك، فأنت قد تشتري قطعة الغيار المصرية بمائة جنيه، والمستوردة التي هي أفضل منها بمليون مرة بثمانين جنيهاً فقط، ولو اشتريت المصري فسيخرب بعد أسبوع، وستشتريه مرة أخرى بمائة جنيه، وأجرة الاستشاري الذي يصلحها ثلاثمائة جنيه، وأنت راتبك مائتا جنيه فقط، فهناك حيثيات كثيرة جداً تبيح للمسلم أن يتعامل مع اليهود والنصارى بيعاً وشراءً.

    والشيخ أحمد المحلاوي حفظه الله كان سنة (1981م) في الجمعية الشرائية في المنصورة، وتكلم عن وجوب مقاطعة اليهود والنصارى في منتجاتهم، وقال: نصرة الإسلام وهزيمة الصليب واجبة أم لا؟ قلنا: نعم واجبة، قال: لا يكون ذلك إلا بالمقاطعة.

    وهذه نظرة رائعة وبعيدة جداً، ولكنها لم تتم في الوقت، وكان هذا قبل عشرين سنة، أو ثنتين وعشرين سنة، ولم تكن السوق الإسلامية في ذلك الوقت قد غزيت بهذه الطريقة، ولا خاب المسلمون بهذه الطريقة، ومع هذا كان الشيخ يرى أن سبب الهزيمة التي لحقت بالمسلمين هي اعتمادهم وركونهم على السوق الأوربية، وغير ذلك.

    فأنا لم أعتمد على العاطفة، ولم أدع إلى التعامل مع اليهود والنصارى بيعاً وشراءً، ولكني تكلمت عن الحكم الشرعي فيما لو تعامل معهم به رجل، فهذا لا يحرم عليه، ولا يوجد أحد يقول: يحرم.

    وهناك عمال في الشركات الأوروبية أو اليهودية أو النصرانية يعملون فيها، فقد يكون مثلاً شغالاً في شركة بيبسي، ويأخذ خمسمائة جنيه في الشهر، وهو يدعو لمقاطعة البيبسي، فلا يترك الشركة، بل يستمر فيها، وإن أفلست الشركة لا يتركها إلا إن أخرجوه منها، ولو أفلست الشركة فهو المستفيد منهم، وليسوا هم المستفيدين منه.

    حكم منع الزوج زوجته من زيارة والديها أو خدمتهما

    السؤال: هل يجوز للزوج منع زوجته من زيارة والديها المسنين وخدمتهما؟ وماذا تفعل الزوجة لو منع عنها زوجها أي مصروف حتى لا تتمكن من زيارة والديها؟ وهل يجوز للزوجة أن تخالف زوجها في هذا وتذهب إليهما دون موافقته؟

    الجواب: هذه من الجلافة والغلظة، فأنت غداً ستكبر وتعجز، وستصبح كهلاً وتحتاج إلى من يطعمك، وقد لا تقدر أن ترفع الطعام إلى فيك، وتتمنى لو أن شخصاً من الشارع طرق الباب عليك ليطعمك، فما بالك بالوالد والوالدة وهما أعز الناس على قلب الابن أو الابنة، فما بالك تمنع الزوجة من خدمة أبويها، وكيف سيطيب خاطر المرأة وتهنأ بعيشها تحت رجل يمنعها أن تبر والديها في آخر أيامهما؟ فهذا باب عظيم جداً من أبواب الفساد في العلاقات الزوجية بين الرجل وامرأته، ويلزم هذا الأخ لزوماً شرعياً الإذن لزوجته بخدمة والديها، وإذا اضطر الوالدان إلى ذلك اضطراراً يهلكان بسببه إذا لم يكن لهما خادم أو خادمة إلا هذه البنت فلا بأس أن تستأذن زوجها وتخرج، أو أن تعلمه بالخروج وتخرج، كما أنه لا يحل له أن يمنعها من ذلك.

    حكم صلاة المنفرد خلف الصف

    السؤال: هل تجوز صلاة المنفرد خلف الصف، وما العمل إذا كان وحيداً خلف الصفوف؟

    الجواب: إذا لم يكن له مكان في الصف المقدم جازت صلاته، وإذا كان له مكان في الصف المقدم وآثر أن يقف صفاً وحده فيجب عليه أن يعيد الصلاة.

    والنبي صلى الله عليه وسلم لما رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده -أي: وله مكان في الصف- أمره بإعادة الصلاة، وقال مرة: (لا صلاة لمنفرد خلف الصف). كما أنه لا يجوز له إذا لم يجد مكاناً أن يجذب إليه رجلاً من الصف ويقف معه؛ لأن الحديث في ذلك ضعيف، فالشرع قد جوز له إذا لم يجد مكاناً في الصف أن يقف وحده وصلاته صحيحة، ولا تكون باطلة وتلزمه الإعادة إلا إذا كان بإمكانه أن يلحق بالصف المقدم ولكنه آثر أن يقف وحده، فليس هناك فائدة للجذب، وليس هناك حديث صحيح في الباب.

    وأما اختراق الصفوف والوقوف بجانب الإمام فهذه المسألة صعبة جداً، وإن قال بجوازها بعض أهل العلم، وتصور لو جئت إلى المسجد وفيه أربعة أو خمسة صفوف، أو عشرة أو عشرين صفاً، ولم يكن هناك مكان في الصف الأخير، فهل ستخترق هذه الصفوف كلها وتحدث خللاً من أجل أن تقف خلف الإمام؟ والذين سيأتون هل سيكون لهم نفس الحكم، وفي هذه الحالة سينشئون صفاً جديداً خلف الإمام.

    حكم استهلاك المال العام

    السؤال: ما حكم استهلاك الكهرباء حتى تأتي المصلحة بالعداد؟

    الجواب: تاريخ الإسلام لم يعهد استحلال المال العام إلا من جهة الخوارج، والمواصلات مال عام، والكهرباء مال عام، والمجاري مال عام، والمياه مال عام.

    وقد تجد شخصاً موظفاً في الحكومة وهو في الليل والنهار ينهب ويسرق، ويقول: هذا مال عام! والمال العام أشد حرمة من المال الخاص، وهذا مذهب أهل الحق.

    ومن المال العام الكهرباء، فلو قالوا لك: العداد سيأتي بعد أسبوع أو عشرة أيام وأنت في أمس الحاجة إلى الكهرباء فلا بأس أن تستأذن صاحب الكهرباء، وفي الماضي كان إذا استأذن أحدهم يقولون له: لازم عداد، والآن يقولون: سنوصلها لك وسنحسب لك اليوم بخمسة جنيهات، فاكتب طلباً وسنختم عليه، وسنحسب لك اليوم بخمسة جنيهات، وهذا مخرج جميل، وهو غال جداً، ولكن هذا في الأماكن الراقية، وأما الأماكن الشعبية فتكون بخمسين قرشاً أو بسبعين قرشاً.

    ولو قلنا: إنك كعضو من أعضاء المجتمع من حقك أن تنتفع بالمنافع العامة في مقابل مال تدفعه، ولا يقبل منك المال إلا بأوراق رسمية وليس لك أوراق رسمية في هذا الوقت، وأن هذا جائز لك لتوقفنا عن هذا الجواز للمضرة التي يمكن أن تلحق بك، لو أن أحداً كشفك فستحبس، فلا ضرر ولا ضرار.

    وتجد في الأعمال الحكومية وغير الحكومية الموظفين كل واحد يعد الشاي، وهذا من المسائل اليسيرة جداً، وهي من ضمن خدمات المكان، وهذا أمر يسير يتعافاه الناس فيما بينهم، وهذا مثل إذا كان عليك خمسة جنيهات ونصفاً، وأنت معك ستة جنيهات، وهو ليس معه شيء، فإذا دفعتها له وذهبت فليس هذا من باب الرشوة، ولا يكون حراماً على من أخذه إلا إذا كان عنده ما يدفع، ولكنه اعتذر بأنه ليس عنده ما يدفع؛ لأنه قاصد أخذه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا أتاك مال من غير إشراف نفس منك فخذه). وقد قال هذا لـعمر، فالموظف الذي يأبى أن يأخذ شيئاً قليلاً أو كثيراً، ولكنه لن يقفل مكتبه أو الخزينة من أجل أن يقوم ليصرف الجنيه حتى يرد لك نصفه، وأنت في نفس الوقت تقول: أنا لا أريد النصف جنيه، فهذا من المال الطيب الذي يهبه الله تعالى بعض عباده.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

    وصلى الله على نبينا محمد.