إسلام ويب

دليل الطالب كتاب الحدود [4]للشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حفظ المال من المقاصد الشرعية العظمى، وقد شرع لذلك حد السرقة الذي به يعاقب السارق، وينزجر أمثاله، وله شروط وأركان وآداب، وكذلك شرع حد قطاع الطريق، لتأديب من تسول له نفسه إخافة الطريق، وترويع الآمنين، وسلب أموالهم.

    1.   

    حد السرقة

    شروط القطع في السرقة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب القطع في السرقة ].

    قال الله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا [المائدة:38]، وقد أجمع أهل العلم على القطع في السرقة.

    قال المصنف رحمه الله: [ ويجب بثمانية شروط ]:

    من شروط قطع اليد السرقة

    [ أحدها: السرقة، وهي: أخذ مال الغير من مالكه أو نائبه على وجه الاختفاء، فلا قطع على منتهب ].

    هذا هو حد السرقة، وشرطه أن يأخذه خفية، ولذا قال: فلا قطع على منتهب، وهو الذي يأخذ المال على وجه الغنيمة كما تفعله البادية، فالمال الذي يؤخذ على وجه الغنيمة يسمى انتهاباً، فهذا لا قطع فيه، وإنما فيه التعزير.

    وقد روى الخمسة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا قطع على خائن ولا منتهب ولا مختلس)، قوله: [ لا قطع على خائن ]. أي: للوديعة، فالذي يجحد الوديعة -يعني: الأمانة- لا يقطع.

    [ ولا مختلس ]: وهو الذي يأخذه على حين غفلة صاحبه، يعني: يضع مثلاً الجوال على الدرج وهو يشتري بعض أغراض من المحل ويكلم أهله ويسألهم عما يحتاجون إليه مثلاً من أغراض، فيأتي شخص على حين غفلة ويأخذه، فهذا اختلاس؛ لأنه أخذ على حين غفلة، فلا حد فيه، وإنما في ذلك التعزير.

    قال: [ فلا قطع على منتهب، ومختطف ]، وهو المختلس الذي يأخذ الشيء على حين غفلة ويهرب به، فهذا لا يقطع، بخلاف من يقطع الجيب ويأخذ منه، وهو ما يسمى بالنشال؛ فإن هذا يأخذه من حرزه خفية، فهذا تقطع يده.

    قال: [ وخائن في وديعة ]، للحديث المتقدم، فإذا خان وجحد الوديعة فإن يده لا تقطع.

    قال: [ لكن يقطع جاحد العارية ]، فمن استعار شيئاً ثم جحده فإن في ذلك القطع، وقد جاء في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها: (أن امرأة كانت تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بقطع يدها)، ونحوه عن ابن عمر في أبي داود والنسائي ، فهو شاهد له، ونحوه أيضاً عند النسائي من مراسيل سعيد بن المسيب ، وهذا من مفردات المذهب، وبه قال إسحاق وهو الصواب، فهذه المرأة التي كانت تستعير المتاع فتجحده هي جاحدة للعارية فوجب قطعها.

    فإن قيل: ما الفرق بين جاحد الأمانة وبين جاحد العارية؟ فالجواب: أن جاحد العارية محسنٌ إليه بها، فهو في حاجة إلى هذه العارية، ولا يمكن حفظ صاحب هذه العارية إلا بهذا، وأما جاحد الأمانة فإن من وضع عنده الأمانة لا يخلو من تفريط؛ لأن هذا تبين أنه غير أمين، فلا يخلو من وضع عنده الأمانة من تفريطٍ في إعطائه لهذه الأمانة، بخلاف العارية فإن هذا الذي قد أخذها هو المحتاج إليها، وقد أعطاه لهذا الرجل، أو أعطته هذه المرأة هذه العارية إحساناً له، فإذا لم يقطع ترتب على ذلك امتناع الناس عن الإحسان في هذا الباب، فلا يعيرون، وبهذا يتبين الفرق بين جحد العارية وجحد الأمانة، ولذا فرق بينهما الشارع، والشارع لا يفرق بين المتماثلات، ولا يجمع بين المختلفات.

    من شروط القطع في السرقة كون السارق مكلفاً

    قال: [ الثاني: كون السارق مكلفاً ]؛ لما تقدم؛ لأن غير المكلف مرفوع عنه القلم، فلا يقام عليه الحد.

    [ مختاراً ]: لأن المكره قد رفع عنه القلم، وتجاوز الشرع عن مؤاخذته.

    [ عالماً بأن ما سرقه يساوي نصاباً ]: فلو سرق شيئاً لا يظن أنه يساوي نصاباً، وظن أنه لا يساوي إلا الشيء اليسير الذي دون النصاب، فتبين أن هذا الكيس الذي أخذه فيه مثلاً مجوهرات، وكان يظن أن فيه طعاماً أو نحوه، فلا قطع؛ لما تقدم من قول عمر رضي الله عنه: لا حد إلا على من علمه، والحدود تدرأ بالشبهات.

    من شروط القطع في السرقة كون المسروق مالاً

    قال: [ الثالث: كون المسروق مالاً ]، يعني: مالاً محترماً له قيمة، فإذا كان المال لا قيمة له فليس بمحترمٍ في الشرع، فلا حد فيه، ولذا قال المؤلف هنا: [ لكن لا قطع بسرقة الماء ] ؛ لأن الماء لا يتمول عادة، لكن إذا كان يتمول عادةً كالذي يدخل مستودعاً مثلاً ويأخذ من مياه الصحة هذه التي تباع، فهذا متمول عادة، لكن لو أتى إلى أهل بيت وعندهم ماء للشرب فأخذ منه، فهذا لا يتمول عادةً.

    قال: [ ولا بإناء فيه خمرٍ ] أو ماء كذلك، ولذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكسر دنانه؛ لأنه وفيه الخمر ليس له قيمة مالية.

    قال: [ ولا بسرقة مصحف ]؛ لأن المصحف لا يجوز بيعه في المذهب، فإن قلنا بجواز بيعه قلنا بقطع يد من سرقه، فهذا ينبني على هذا الخلاف، والذي يترجح جواز بيعه.

    قال: [ ولا بما عليه من حلي ]؛ لأن هذا تابع، فلو سرق مصحفاً فيه حلي، يعني: جلّد بشيء من حلي، أو وضع في أطراف جلادته شيء من حلي فإنه لا يقطع بذلك؛ لأن هذا تابع، ولأنه لا يجوز بيعه مع تابعه، هذا على المذهب، والحدود تدرأ بالشبهات.

    قال: [ ولا بكتب بدعة وتصاوير ]، فلو سرق كتب بدعة من مكتبة، كالذي يسرق كتب السحر أو بعض كتب أهل البدع فلا تقطع يده؛ لأن هذا لا قيمة له، والتصاوير كذلك، لكن لو كان الثوب فيه صورة مثل ملابس الأطفال التي فيها صور، فالذي يظهر أن لها قيمة، وأما إذا كانت صورة فقط غير مأذون فيها شرعاً فلا قطع فيها، لكن لو سرق مثلاً صور للأطفال التي تلعب بها البنات، فهذه لها قيمة، هذا كله إذا بلغت نصاباً، ويأتي شرحه.

    قال: [ ولا بآلة لهو كمزمارٍ ونحوه، ولا بصليب أو صنم ]، إذاً: كل مالٍ ليس بمحترم -يعني: لا قيمة له- فلا تقطع به اليد.

    أن يبلغ المسروق النصاب

    [ الرابع: كون المسروق نصاباً، وهو ثلاثة دراهم أو ربع دينار ]، كون المسروق نصاباً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا تقطع اليد إلا في ربع دينارٍ فصاعداً) ، والدينار قدره أربع جرامات وربع الجرام، وعلى ذلك فالربع يكون جراماً وربع الربع، فإذا قلنا: إن الجرام يساوي ثمانين ريالاً مثلاً، فعلى ذلك يقطع بمائة ريال؛ لأن هذا ربع دينار.

    قال: [ أو ثلاثة دراهم ]، هذا الأصل الثاني، ولذا جاء في الصحيحين: (أن النبي عليه الصلاة والسلام قطع بمحجن قيمته ثلاثة دراهم).

    قال: [ أو ما يساوي أحدهما ]، هذا أصل وهذا أصل، إما أن يساوي ثلاثة دراهم، وإما أن يساوي ربع دينار، وتعتبر القيمة حال الإخراج، يعني: حال إخراجه من حرزه؛ لأن هذا هو وقت وجوب القطع، لوجود سببه، إذاً: المعتبر هو قيمته حال إخراجه، وعلى ذلك فلو أنه عند القطع لا يساوي إلا خمس دينار، لكنه عند إخراجه يساوي ربع دينار، أو يساوي نصف دينار، فهل فيه قطع؟ نعم فيه القطع. إذاً: ننظر إلى ثمنه حال إخراجه.

    إخراج المسروق من حرز

    قال: [ الخامس: إخراجه من حرز ]، هذا هو الشرط الخامس إخراجه من حرز، وقد جاء في سنن أبي داود والنسائي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من أخذ شيئاً قبل أن يئويه الجرين فليس فيه شيء) يعني: ليس فيه قطع، (ومن أخذه بعد أن يئويه الجرين فبلغ ثمن المحجن ففيه القطع) يعني: أخذ التمر بعد أن يئوي في الجرين، والجرين هو الموضع الذي يكنز، ويجمع فيه التمر، ويكون من بناءٍ أو نحوه، ولا يشترط أن يكون مغلقاً، فهذا هو حرزه في العادة، وهو يكون في المزارع وفي البساتين، فيضعون فيه القمح في المزارع، وبعد أن يحصد يوضع في الجرين، وكذلك التمر يوضع في الجرين؛ فإذا أخذ منه شيئاً بعد أن يئويه الجرين فبلغ قيمة المجن وهو ثلاثة دراهم ففيه القطع، وهذا يدل على اشتراط الحرز، وهو قول جمهور العلماء.

    قال: [ فلو سرق من غير حرزٍ فلا قطع ]؛ لفوات شرطه.

    تعريف الحرز

    قال: [ وحرز كل مالٍ ما حفظ فيه عادة ]، إذاً: نرجع فيه إلى العرف، والحرز: هو مكان الحفظ لهذا الشيء عادة.

    وهو يختلف، ولذا قال: [ فنعل برجل، وعمامة على رأسٍ حرز، ويختلف الحرز بالبلدان صغيرها وكبيرها، والسلاطين عدلاً وجوراً، وقوةً وضعفاً، ويختلف باختلاف الأموال ثمينها وغير ثمينها ].

    إذاً: ليس هناك كيفية محددة للحرز، فلا نقول: لا بد أن يوضع هذا المال في صندوق، بل هذا يختلف باختلاف المال، وباختلاف البلدان، فالقرى والبوادي ليست كالمدن، والمدن الكبيرة ليست كالمدن الصغيرة، والبلاد التي فيها عدل، وفيها إقامة للشرع، وفيها أخذ على يد السفيه ليست كغيرها .. وهكذا، فهذا يختلف باختلاف البلدان، فالحرز يقوى ويضعف ويختلف باختلاف البلدان، فالدراهم التي يصرفها الشخص يومياً تكون في جيبه، فهذا هو حرزها عرفاً، فلا يقال للذي وضعها في جيبه فسرقت: إنك قد فرطت، لكن لو وضعها مثلاً في درج السيارة، فقد يكون هذا في بعض البلاد ليس حرزاً، وفي بعضها يكون حرزاً، والأشياء الثمينة لها حرز، الجواهر لها حرز يختلف عن حرز غيرها، والغنم حرزها في الليل هذه الحظيرة التي توضع فيها، وحرزها في النهار بنظر الراعي لها غالباً، فغالب الوقت يرقبها، والخضروات التي تباع في الأسواق، إذا كان في السوق حارس وقد وضع عليها ما يوضع عادة، فيضع بعضهم خيمة من البلاستيك أو غير ذلك، فهذا يعتبر حرزاً، إذاً: ما تحفظ فيه عادة فهو الحرز، هذا يختلف كما تقدم باختلاف البلدان، واختلاف الأموال واختلاف كذلك السلاطين.

    حكم ما لو اشترك جماعة في هتك الحرز وإخراج النصاب

    قال: [ ولو اشترك جماعة في هتك الحرز وإخراج النصاب قطعوا جميعاً؛ لوجود سبب القطع منهم ].

    لو اشترك جماعة: ثلاثة أو أربعة أو خمسة، أشتركوا جميعاً في كسر هذا الحرز، وفي أخذ المال منه، فإنهم يقطعون جميعاً؛ لأن الجميع يصدق عليه أنه سارق، وقد وجد منهم جميعاً سبب القطع.

    حكم ما لو هتك الحرز أحدهما ودخل الآخر فأخرج المال

    قال: [ وإن هتك الحرز أحدهما ودخل الآخر فأخرج المال فلا قطع عليهما ولو تواطئا ]؛ لأن الأول ليس بسارق، وإنما أفسد الحرز، والثاني ليس بآخذ للمال من حرز؛ لأن المال بفعل الأول زال عنه الحرز.

    مثلاً: جاء اثنان إلى صندوق تجوري أن فيه مال، فأحدهما كسره وفكه وتركه، والآخر جاء وأخذ المال، والحدود تدرأ بالشبهات، فلا تقطع اليد، لكن في ذلك التعزير من جلدٍ أو سجنٍ أو نحو ذلك.

    ولا شك أن هذه حيلة، لكن كما تقدم: الحدود تدرء بالشبهات، وحق المسروق يرد له، وهذا السارق الذي في الحقيقة هو في حكم السارق مع صاحبه يجلد ويحبس، ولكن هذا القطع لا يقام لما تقدم؛ لأن الحدود تدرء بالشبهات.

    من شروط القطع انتفاء الشبهة

    قال: [ السادس: انتفاء الشبهة، فلا قطع بسرقته من مال فروعه وأصوله ].

    الشرط السادس: انتفاء الشبهة؛ لأن الحدود تدرء بالشبهات كما تقدم شرحه، فلا قطع بسرقته من مال فروعه وأصوله، مثلاً: جدة سرقت من مال ولد بنتها، أو ولد ابنها، فلا قطع؛ لأن النفقة واجبة، فلوجوب النفقة على الأصول لم نقطع، لأن هذه شبهة، وإن كان هو بعينه لا ينفق عليها، لكن لوجود الشبهة فلا قطع، وكذلك العكس فلو سرق من مال أبيه مثلاً لا قطع عليه؛ لهذا المعنى.

    [ فلا قطع بسرقته من مال فروعه وأصوله، ولا بسرقته من مال له فيه شرك قال: وزوجته كذلك ]، فلو سرق من مال زوجته فلا قطع؛ لأن كل واحدٍ من الزوجين ينبسط عادة في مال الآخر، فهذه شبهة، ولا نمنع التعزير في المسألة إذا وجد ما يقتضي ذلك، لكن الكلام كله في القطع.

    وقد جاء في موطأ مالك : أن رجلاً أتى بعبدٍ له قد سرق مرآة زوجته وقال: إنها تساوي ستين درهماً، فقال عمر رضي الله عنه: لا قطع؛ خادمكم سرق متاعكم، فجعل متاع الزوجة متاعاً لزوجها.

    قال: [ ولا بسرقته من مال له فيه شرك ]. أي: لو سرق من الشركة التي له فيها شرك -أي: نصيب- ] فكذلك لا قطع عليه؛ لوجود الشبهة، وأما التعزير فيعزر.

    قال: [ أو لأحد ممن ذكر ]. يعني: لأصوله أو فروعه، كأن يكون لأبيه فيها شرك، أو لجده فيها شرك، أو لولده فيها شرك، فلا قطع؛ لوجود الشبهة كما تقدم، وكذلك من سرق من بيت المال كما هو المذهب فلا قطع؛ لوجود الشبهة، لكنه يعزر، وكذلك الفقير الذي يسرق من وقف يختص بالفقراء، أو بجمعية تختص بالفقراء؛ لوجود الشبهة، وهي أن له في ذلك حقاً، حتى ولو كانوا قد أعطوه حقه كغيره من الفقراء، ولكن الكلام هنا في القطع، فالشبهة موجودة فلا قطع، لكن في ذلك التعزير.

    قال: [ السابع: ثبوتها إما بشهادة عدلين، وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ [البقرة:282]، ذكرين حرين ]، فيشهد شاهدان أن فلاناً قد سرق، فتقطع يده، [ أو بإقرار مرتين ]، فيقر على نفسه مرتين، ولذا جاء في سنن أبي داود والنسائي : أن رجلاً أتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: إني قد سرقت فقال: (لا إخالك سرقت؟ قال: بلى، فأعادها النبي صلى الله عليه وسلم عليه مرتين أو ثلاثاً -والشك هنا يجعلنا نأخذ بالمرتين وهو اليقين- فقال: بلى. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم به فقطع، فؤتي به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: استغفر الله وتب إليه، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم! تب عليه.. اللهم! تب عليه.. اللهم! تب عليه).

    وجاء في مصنف ابن أبي شيبة : أن علياً رضي الله تعالى عنه أتي برجلٍ قد سرق، فقال: إني قد سرقت فرده، ثم قال: إني قد سرقت، فقال: إنك قد شهدت على نفسك مرتين، فأمر به رضي الله تعالى عنه فقطع.

    قال: [ أو بإقرارٍ مرتين ]، ولا يرجع حتى يقطع ، ولو رجع فإنه لا يقطع كما تقدم في الزنا: (ألا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه)؛ لأن هذا جاء باعترافه، فإذا كان باعتراف فإنه لا يقطع إن رجع.

    من شروط القطع مطالبة صاحب المال بماله

    [ الثامن: مطالبة المسروق منه بماله ]، فقالوا: لا يقطع حتى يطالب المسروق بماله، هذا هو المذهب، وهو قول الجماهير، وقال المالكية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية : بل يقطع؛ لأن هذا حق الله، والله يقول: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38]، ولم يقيد ذلك بمطالبة المسروق منه بماله، والأحاديث التي تقدمت أيضاً ليس فيها ذلك في قصة الرجل الذي اعترف، وهذا هو الراجح.

    وأما حديث صفوان الذي رواه الخمسة إلا الترمذي : (أنه جاء برجل قد سرق رداءه وقد توسد عليه في المسجد فأمر النبي صلى الله عليه وسلم به أن يقطع)، وفيه: أن صفوان قال: (إني أهديه إليه ولم أرد ذلك يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هلا كان هذا قبل أن تأتيني به) فإن هذه قضية عين، ولذا فإن الراجح ما ذهب إليه الإمام مالك واختاره شيخ الإسلام في هذا؛ لأن هذا حق لله جل وعلا وليس كحد القذف الذي هو حد للآدمي، ولذا فالسارق يرد المال الذي هو حق الآدمي، ويبقى حق الله جل وعلا في القطع.

    حكم القطع في زمن المجاعة

    قال: [ ولا قطع عام مجاعة غلاءٍ ]، صح ذلك عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (لا قطع في عام سنة)، رواه عبد الرزاق ، ولوجود حاجته، وكذلك وجوب دفع الضرورة عنه من صاحب المال، فهذه شبهة؛ لأنه في حاجة شديدة في المجاعة، وهذا غني قادر، والواجب عليه أن يدفع مجاعته بما يستطيع، فإذا أخذ منه فلا قطع؛ لأن هذه شبهة.

    موضع القطع

    قال: [ فمتى توفرت الشروط قطعت يده اليمنى من مفصل كفه اتفاقاً ]، تقطع اليد اليمنى من مفصل الكف باتفاق أهل العلم، وقرأ ابن مسعود : (فاقطعوا أيمانهما).

    حكم غمس مكان القطع بالزيت

    [ وغمست وجوباً في زيتٍ مغلي ]؛ لئلا ينزف ويؤدي ذلك إلى موته.

    حكم تعليق يده المقطوعة في عنقه

    قال: [ وسن تعليقها في عنقه ثلاثة أيام إن رآه الإمام ]، إن رأى الإمام ذلك فإنه يفعل ذلك، وقد جاء هذا عن علي رضي الله تعالى عنه كما عند البيهقي ، وجاء من حديث فضالة بن عبيد : (أن النبي عليه الصلاة والسلام أتي بسارق فقطعت يده، ثم أمر بها فعلقت) لكن الحديث إسناده ضعيف، فالعمل إنما هو على الأثر، وأما الحديث فإن إسناده ضعيف.

    حكم السارق إذا عاد إلى السرقة مرة أخرى

    قال: [ فإن عاد قطعت رجله اليسرى من مفصل كعبه بترك عقبه ] ، تقطع من مفصل بحيث تبقى له عقبه يطأ بها ].

    يعني: يؤتى إلى المفصل ولكن لا يؤخذ العقب؛ كي يطأ بها، وفي ذلك أثر عن علي رضي الله عنه صحيح في مصنف ابن أبي شيبة .

    إذاً: تقطع الرجل اليسرى ولا تقطع اليمنى؛ ليتمكن من المشي؛ لأنه إذا كانت الجهة واحدة فإن هذا يضره.

    إذاً: تقطع اليسرى من مفصل كعبه، لكن بترك عقبه، ولذا قال المؤلف: [ من مفصل كعبه بترك عقبه ]، وهذا كما تقدم صح عن علي رضي الله تعالى عنه، واتفق عليه أهل العلم.

    حكم السارق إذا عاد إلى السرقة مرة ثالثة

    [ فإن عاد لم يقطع ، وحبس حتى يموت أو يتوب ]، وقد صح ذلك عن علي رضي الله عنه كما عند ابن أبي شيبة ، وعلى ذلك فيحبس حتى يموت أو حتى تظهر توبته، ولا نقول بقطع شيءٍ آخر، لأننا إذا قطعنا يده الأخرى لم يقدر على الأكل والشرب والاستنزاه، وإذا قطعنا الرجل الأخرى لم يقدر على المشي.

    اجتماع القطع والضمان على السارق

    قال: [ ويجتمع القطع والضمان، فيرد ما أخذ لمالكه، ويعيد ما خرب من الحرز ].

    إذاً: يجتمع عليه القطع والضمان، فالقطع هذا حق الله، والضمان حق الآدمي، فيضمن له ماله، أي: يدفع له ماله الذي أخذه، وإن كان أفسد حرزه: كسر أبوابه ونحو ذلك فإنه يجب عليه أن يصلحها.

    قال: [ وعليه أجرة القاطع وثمن الزيت ]، والراجح أنه لا يجب عليه ذلك، وأن هذا من بيت المال؛ لأن ذلك كما هو معلوم من المصالح العامة؛ فإن ذلك من إقامة الحدود، وهي -أي: إقامة الحدود- من المصالح العامة.

    1.   

    حد قطاع الطريق

    شروط إقامة حد قطاع الطريق

    قال: [ باب حد قطاع الطريق ].

    قال الله جل وعلا: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة:33]، هؤلاء هم قطاع الطريق.

    قال: [ وهم المكلفون ]؛ لأن غير المكلف لا حد عليه.

    [ الملتزمون -يعني: بالشرع- مسلمين وأهل ذمة ]، فهؤلاء هم الملتزمون، [ الذين يخرجون عن الناس فيأخذون أموالهم مجاهرةً ]. يعني: بالسيف أو العصي ونحو ذلك، فيرفعون السلاح أو يرفعون العصي ويأخذون أموال الناس مجاهرة، فهؤلاء هم قطاع الطريق، لكن لو كانوا ينهبون نهب. يعني: يأخذون ويهربون اختلاس يعني يختلسون، يأتون القوافل ويحدثون ضجة ويسرقون ويهربون لا. لكن الذين يأخذون السلاح يرفعون السلاح الأسلحة أو العصي أو الحجارة ونحو ذلك، فهؤلاء هم قطاع الطريق.

    لابد من ثبوت ذلك بشهادة رجلين عدلين ذكرين

    قال: [ ويعتبر ثبوته ببينة كسائر الحدود ]، لا بد من بينة [ بشهادة رجلين عدلين ذكرين ] كالسرقة ، [ أو إقرار مرتين ]، لا بد أن يقر على نفسه مرتين كالسرقة، والحرز كذلك كالسرقة، والنصاب كذلك كالسرقة، إذاً: قياساً على السرقة.

    حكم ما لو قتل قطاع الطريق الناس ولم يأخذوا المال

    قال: [ ولهم أربعة أحكام: إن قتلوا ولم يأخذوا مالاً حتم قتلهم جميعاً ]، يعني: إن قتلوا ولم يأخذوا مالاً قتلوا جميعاً، ولو كان الذي قتل أحدهم، فلو أتوا إلى قافلة ومعهم أسلحة أحدهم قتل، والآخر سرق، والآخر لم يسرق، فإنا نقتل الجميع؛ لأن مبناها على المنعة والنصرة؛ وهذا هو المذهب، فمبنى الأمر على المنعة والنصرة، فهذا ما قتل إلا لأن أولئك منعوه، والله جل وعلا يقول: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا [المائدة:33]، فإذا قتل أحد منهم أو قتل بعضهم لم يبعد أن يكون كل واحدٍ منهم قد قتل، فلما كان مبنى أمرهم على المناصرة والمنعة قتلوا جميعاً.

    حكم ما لو قتل قطاع الطريق الناس وأخذوا المال

    قال: [ وإن قتلوا وأخذوا المال ] أي: جمعوا بين القتل وبين أخذ المال، [ قال: حتم قتلهم وصلبهم؛ حتى يشتهروا ]، ولا يحد هذا بثلاثة أيام الصلب، بل حتى يشتهر الأمر؛ لأن الله جل وعلا يقول: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ [المائدة:33]، وقد صح عن ابن عباس رضي الله عنه كما عند ابن جرير والبيهقي وغيره أنه قال: إن قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإن قتلوا ولم يأخذوا مالاً قتلوا، وإن أخذوا المال قطعوا، وإن لم يأخذوا المال وأخافوا السبيل نفوا من الأرض، هذا تفسير ابن عباس رضي الله عنه لهذه الآية، وعلى ذلك فليست (أو) هنا للتخيير، وإنما هي للتنويع، يعني: تتنوع العقوبة بتنوع الجرم.

    حكم ما لو أخذ قطاع الطريق المال ولم يقتلوا

    قال: [ وإن أخذوا مالاً ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلافٍ حتماً ]؛ لما تقدم، قال: [ في آن واحد ]، تقطع هذه الأيدي والأرجل في آن واحد؛ لأنا إذا قطعنا اليوم يده وغداً رجله من خلاف فإن هذا يؤلمه جداً، بخلاف ما إذا قطعتا جميعاً، والقطع هنا كالسرقة فتقطع اليمنى من المفصل، يعني: من الرسغ، وتقطع اليسرى من الكعب، وتبقى له عقبه.

    عدم الرجوع إلى أولياء المقتول في قطع الطريق

    فإن قتلوا هل نرجع الأمر إلى أولياء المقتولين؟ وهل يقبل لو قال أولياء المقتول: قد عفونا؟ لا. ما يقبل ذلك؛ لأن هذا أصبح راجعاً إلى الإمام، ولذا قال هنا: حتم، يعني: لزم، ولم يرجع ذلك إلى أولياء المقتول.

    حكم ما لو قتل قاطع الطريق ولده، أو قتل ذميين، أو قتل عبيداً

    ولذا فلو أن والداً منهم قد قتل ولده فإنه يقتل، ولو كانوا أهل ذمة كذلك الذين قتلوا، يعني: لو أتى مسلمون إلى جماعة من أهل الذمة فقطعوا الطريق وأخافوهم وقتلوا منهم، قُتلوا جميعاً، وهذا عند أهل العلم لا ينظر فيه إلى المكافأة التي تقدمت، وإنما ينظر إلى القتل، فإذا حصل منهم قتل ولو كان الذين قتلوا عبيداً والقتلة أحرار، وإن كان الذين قتلوا ذميين وهم مسلمون، وإن كان الذين قتلوهم أولاداً لهم، فإن الحكم واحد؛ لأن المقصود من ذلك أن هؤلاء أصبحوا أهل حرابة، وعلى ذلك فيقتلون جميعاً، وهذا كله هو المشهور في مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    حكم ما لو أخاف قطاع الطريق الناس ولم يأخذوا مالاً

    قال: [ وإن أخافوا الناس ولم يأخذوا مالاً نفوا من الأرض، فلا يتركون يأوون إلى بلد حتى تظهر توبتهم ].

    يعني: إذا لم يحصل منهم إلا إخافة السبيل فإنهم يطاردون من بلد إلى بلد، فلا يقرون في بلد أبداً، فإذا ذهبوا مثلاً إلى هذه البلدة طردوا منها إلى الأخرى، فإذا بلغ أمير تلك البلد أنهم فيها طردهم وهكذا، لكن هذا فيه مفسدة، فقد يلجأون إلى أعداء المسلمين، وقد يرجعون إلى فعلهم السابق، ولذا فالذي يترجح وهو مذهب أبي حنيفة أنهم يحبسون؛ لأن المحبوس في الحقيقة منفي عن الأرض كلها إلا هذا الموضع الذي هو فيه، فلا يمكن أن نجعله في السماء، فما بقي إلا أن نجعلهم في الحبس، وهذا هو في الحقيقة نفي من الأرض كلها، فالراجح وهو مذهب أبي حنيفة أنهم يحبسون حتى تظهر توبتهم.

    حكم توبة قطاع الطريق قبل القدرة عليهم

    قال: [ ومن تاب منهم قبل القدرة عليه سقطت عنه حقوق الله ]، قال الله جل وعلا: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:34]، فمن ظهرت منه التوبة قبل أن يقدر عليه فإن حقوق الله ترتفع، والمشهور في مذهب أحمد وهو المعتمد عند الشافعية، واختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم الجوزية : أن هذا لا يخص حد الحرابة، فكل معصية لها حد تاب منها صاحبها قبل أن يقدر عليه فإن الحد لا يقام عليه، كالذي يكون قد تاب من السرقة، فقد سرق قديماً لكنه الآن تاب وصلح أمره، وظهرت توبته، ثم أتى شهود يشهدون بعد توبته أنه قد سرق، أو أنه قد زنا، فالراجح أنه لا يقام عليه الحد.

    ويدل على ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) رواه ابن ماجة ، وجاء في الصحيحين: (أن رجلاً قال للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله! إني أصبت حداً فأقمه علي. قال: أصليت معنا؟ قال: نعم. فقال له عليه الصلاة والسلام: قد غفر الله لك).

    فإن قيل: لماذا إذاً أقيم الحد على ماعز والغامدية وهما تائبان؟ فالجواب: أنهما اختارا الحد تطهيراً، فالتوبة تكفر الذنب وتطهر العبد، والحد كذلك يطهر العبد، وهما قد اختارا الحد، ولذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ألا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه).

    دفع الصائل على النفس والمال والعرض

    قال: [ ومن أريد بأذى في نفسه أو ماله أو حريمه فله دفعه بالأسهل فالأسهل ].

    هذا من باب دفع الصائل، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: (من قتل دون ماله فهو شهيد)، وفي الترمذي : (من قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد).

    وفي صحيح مسلم : (أن رجلاً قال للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله! أرأيت رجلاً جاء ليأخذ مالي. قال: فلا تعطه. قال: فإن قاتلني. قال: قاتله. قال: فإن قتلني. قال: فأنت شهيد. قال: فإن قتلته. قال: فهو في النار)، لكنه يدفع كما قال المؤلف بالأسهل فالأسهل، فلو كان هناك رجل واقف في أعلى بيته فأتى رجل ليسرق، ومعه السلاح فهل له أن يقتله مباشرة؟ لا. وإنما يدفعه بالأسهل، كأن يرمي مثلاً بالسلاح في السماء؛ لعله أن يهرب، فيهدده، لكن إذا قال: أنا أعرف أن هذا الرجل له صولة قوية، وإذا سمع صوتي في المكان فإنه لا يزال بي حتى يقتلني، يعلم ذلك منه فله أن يقتله.

    إذاً: يدفعه بالأسهل فالأسهل، فإذا أخذ بالأصعب مع قدرته على الأسهل فإن عليه الضمان، فيضمن هذا القتيل، فيجب عليه أن يدفعه بالشيء الأسهل فالأسهل، فقد يكون بضربه بالعصا، وقد يكون بتهديده، حتى يصل به في آخر الأمر إلى القتل، هذا في آخر الأمر، وهذا من باب دفع الصائل.

    قتل الصائل إن لم يندفع بالأسهل

    قال: [ فإن لم يندفع إلا بالقتل قتله ولا شيء عليه ]، لكن إذا أتى إلى القاضي وليس هناك بينة تدل على قوله، وأولياء هذا المقتول لم يقروا بالأمر فإنه يقتل في ظاهر الأمر؛ لأنه قد يأتي شخص ويدعي أن فلاناً أتى ليقتله فقتله، وهو قد دعاه إلى بيته حيلة، ثم وضع في يده سلاح وقال: إنه يريد أن يقتلني فقتله، وعلى ذلك فظاهر الأمر عند القاضي إذا لم يأت ببينة، أو يقر أولياؤه فإنه يقتل، لكن الله جل وعلا يحفظ من لم يعتد.

    وقد اختار شيخ الإسلام : أن الرجل المقتول إذا كان معروفاً بالفجور، وكان الآخر معروفاً بالصلاح والتقوى فإن هذه قرائن تدل على صدقه، إذا قال: هذا أتى ليعتدي على عرضي، فهذه قرائن تدل على صدقه.

    يجب على الرجل أن يدفع عن حريمه وحريم غيره

    قال: [ ويجب أن يدفع عن حريمه ]، في السابق قال: له أن يدفع عن ماله، وله أن يدفع عن نفسه، فهذه أمور مباحة، لكن هنا يقول: ويجب أن يدفع عن حريمه، يعني: يجب عليه أن يدفع عن عرضه، كأمه وأخته وزوجته إذا أردن بفاحشة، فيجب عليه أن يدفع، أما المال فيختلف عن العرض، ولذا قال: ويجب أن يدفع عن حريمه، وقال قبل ذلك المال: له دفعه.

    فالدفاع عن المال لا يجب؛ لأنه يجوز لك أن تبذل مالك مجاناً للناس، فلا يجب عليك أن تدافع عنه بالسيف، أما العرض فيجب أن تدافع عنه بقدر ما تستطيع.

    قال: [ وحريم غيره كذلك ]، وهذا من باب الدفاع عن أعراض المسلمين.

    حكم دفع الإنسان عن نفسه في الفتنة وغيرها

    قال: [ وكذا في غير الفتنة عن نفسه ]، النفس لا يجب كذلك أن تدافع عنها، فكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل، هذا في الفتنة، وأما في غير الفتنة فإنه يجب عليه أن يدافع عن نفسه؛ لأن الله يقول: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195].

    حكم دفع الإنسان عن ماله ومال غيره

    [ لا مال نفسه ]، مال نفسه لا يجب عليه أن يدفع عنه، وأما مال غيره فيجب مع القدرة إذا ترجحت له السلامة، فيدفع عن مال غيره؛ لأن ماله له أن يبذله مجاناً، وأما مال غيره فلا، ويجب حفظه.

    إذاً: عندنا نفس، وعندنا مال، وعندنا أهل وحريم، فأما النفس فيجب أن تدافع عنها إلا في الفتنة، فإذا حصلت فتنة بين المسلمين فكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل، وفي المال لا يجب عليك ذلك، وفي النفس تقدم، وأما العرض فيجب أن تدافع عن عرضك، وأعراض المسلمين كذلك يجب أن تدافع عنها، وأموالهم كذلك يجب أن تدافع عنها إذا ترجحت السلامة.

    فإن قيل: لماذا يؤمر بأن يدافع عن مال غيره ولا يؤمر بأن يدافع عن مال نفسه؟ فالجواب: أن مال نفسه له أن يبذله، وأما مال غيره فيجب حفظه، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) .

    قال: [ ولا يلزمه حفظه من الضياع والهلاك ]، والقول الثاني في المسألة -وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وقول في المذهب-: أنه يجب، وهو الراجح؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن إضاعة المال.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.