إسلام ويب

دليل الطالب كتاب الديات [2]للشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أحكام الجنايات معرفة مقادير الديات، ومن ذلك دية النفس، فإنها تختلف بالذكورة والأنوثة، والإسلام والكفر، والحرية والرق، ومن ذلك دية الجنين، فمن الفقه معرفة تفاصيل ذلك وما ينبني عليه من الأحكام.

    1.   

    مقادير دية النفس

    مقدار دية الرجل المسلم الحر

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فصل في مقادير دية النفس.

    دية الحر المسلم طفلاً كان أو كبيراً مائة بعيرٍ أو مائتا بقرة، أو ألفا شاةٍ أو ألف مثقالٍ ذهباً، أو اثنا عشر ألف درهمٍ فضة ].

    هذه أصول الدية في المشهور في المذهب للحر المسلم، ولو ولد للحظة، يعني: لو أن رجلاً ضرب امرأة في بطنها فأسقطت طفلاً لستة أشهر فأكثر، فبقي لحظة ثم مات، فإن الدية فيه كاملة.

    قوله: [ مائة بعير ]، هذا هو الأصل الأول، فالأصل الأول الإبل، والواجب مائة بعير، وقد جاء في النسائي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (في النفس المؤمنة مائة من الإبل).

    قوله: [ أو مائتا بقرة ]، هذا هو الأصل الثاني، [ أو ألفا شاة ]، هذا هو الأصل الثالث، [ أو ألف مثقالٍ ذهباً ]، والمثقال من الذهب يساوي أربع جرامات وربع من الذهب، [ أو اثنا عشر ألف درهم فضة ].

    فهذه أصول الدية في المشهور في مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، واستدلوا بما جاء عند أهل السنن عن ابن عباس رضي الله عنه (أن النبي عليه الصلاة والسلام قضى في دية رجلٍ قتل باثني عشر ألفاً) يعني: من الفضة.

    وفي سنن النسائي من حديث عمرو بن حزم : (أن النبي عليه الصلاة والسلام قضى في الدية بألف مثقال) يعني: من الذهب.

    وعن ابن عمر رضي الله عنه في سنن أبي داود : (أن النبي عليه الصلاة والسلام قضى في الدية بمائة من الإبل أو مائتين من البقر أو ألفي شاة أو مائتين من الحلل) .

    هذه الأدلة دالة بمجموعها على هذه الأصول الخمسة.

    والقول الثاني في المسألة وهو قول الجمهور، ورواية عن أحمد ، واختار هذا القول الموفق ابن قدامة والشيخ عبد الرحمن بن سعدي وعليه أئمة الدعوة: أن أصل الدية واحد وهو الإبل، وما سواها من الأصول الأخرى فهي فرع عنها.

    واستدلوا بما جاء في سنن أبي داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -والحديث إسناده جيد- قال (كانت قيمة الدية في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ثمانمائة دينار، أو ثمانية آلاف درهم، وكانت دية أهل الكتاب على نصف دية المسلمين، فلما استخلف عمر رضي الله عنه قال: ألا إن الإبل قد غلت، ففرضها في الذهب ألفاً، وفي الفضة اثني عشر ألفاً، وفي البقر مائتي بقرة، وفي الغنم ألفي شاة، وفي الحلل مائتي حلة) يعني: أنه قوَّم الإبل بهذه الأشياء، فجعل الإبل هي الأصل، قال: ولم يزد في دية أهل الكتاب.

    وهذا القول هو الراجح، ويدل على ذلك: أن التغليظ في الإبل كما تقدم لكم في حديث شبه العمد، وفيه أربعون خلفة في بطونها أولادها.

    وعلى ذلك فالصحيح أن الدية هي الإبل، ثم ننظر إلى قيمة الإبل من الدراهم أو الريالات أو غيرها من العملة، فإذا أوجبنا عليه مائة ناقة، سألنا أهل الخبرة عن قيمتها؟ فإن قالوا: تساوي مثلاً ستمائة ألف، أو تساوي سبعمائة ألف ريال أوجبناها كذلك.

    وإن أحب أن تكون من البقر فكذلك ننظر إلى قيمة هذه المائة من البقر، وكذلك الغنم، وكذلك الدراهم.

    وعلى ذلك فالأصل هو الإبل، وهذا القول هو القول الراجح، وهو رواية عن أحمد ، وهو قول الجمهور، واختاره الموفق ابن قدامة رحمه الله تعالى.

    قال: [ ودية الحرة المسلمة على النصف من ذلك ].

    أي: ودية الحرة المسلمة على النصف من دية الرجل المسلم، لما جاء عند النسائي أن النبي عليه الصلاة والسلام: (قضى أن عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى تبلغ الثلث من ديتها).

    قوله: [ قضى أن عقل ] يعني: دية؛ لأن الدية تسمى عقلاً، ولذا سيأتي أن الذين يغرمون الدية يسمون عاقلة من العقل.

    فهنا يقول عليه الصلاة والسلام: (عقل المرأة) يعني: دية المرأة (مثل عقل الرجل) يعني: مثل دية الرجل؛ (حتى تبلغ الثلث من ديتها)، أي: فإذا بلغت الثلث كانت على النصف من دية الرجل.

    وله شاهد عن سعيد بن المسيب في موطأ مالك ، ومراسيل سعيد عند أهل العلم حجة.

    وله شاهد أيضاً عن عمر بن الخطاب في مصنف ابن أبي شيبة ، وشاهد عن عثمان عند البيهقي ، وأجمع أهل العلم على ذلك، فلا يعلم بينهم خلاف في ذلك، كما حكى ذلك ابن جرير والشافعي وغيرهم من أهل العلم، فهي من المسائل التي أجمع عليها أهل العلم، ولا يعتد بمن خالف في هذا، لا قديماً ولا حديثاً.

    فعقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها، فإذا بلغ الثلث كان على النصف كما دلت عليه الآثار، أما هذا الحديث فهذا لفظه: (حتى تبلغ الثلث من ديتها).

    واستُشكل هذا على سعيد بن المسيب فقيل له: إذا أخذت منها ثلاثة أصابع ففي ذلك ثلاثون من الإبل؛ لأن في كل أصبع عشر من الإبل، فإذا أخذت منها أربع أصابع فما فيها؟ قال: عشرون، فقيل له: أحين عظمت مصيبتها قل عقلها. فقال: هي السنة.

    والشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى ذكر أن الحديث يحتمل أن النصف يكون في القدر الزائد، وذكر أن هذا يوافق حكمة الشريعة ويوافق المعقول، ولو قيل به فإنه قول، وعلى ذلك: فإذا أخذت منها ثلاث أصابع فديتها ثلاثون، وإذا أخذت منها أربع أصابع أعطيناها ثلاثين في ثلاث أصابع، وفي الرابعة نعطيها النصف، فنعطيها خمساً وثلاثين من الإبل. وهذا لا شك أنه هو الأقرب من جهة حكمة الشارع، ومن جهة المعقول، ولكن لا أعلم له قائلاً.

    وأما الشافعية والأحناف فإنهم يرون النصف مطلقاً، فإذا أخذت منها أصبع ففيها خمس من الإبل وهكذا، فلا يقع هذا الإشكال الذي تقدم ذكره.

    إذاً: دية الحرة المسلمة على النصف من دية الرجل، وهذا في باب المال، والمال يرثه ورثتها، ومنهم الذكور، ومنهم الإناث، لكن من قتلها عمداً قتل بها، فالشرع لم يفرق بين المرأة والرجل في نفسها، فنفسها محفوظة كما تحفظ نفس الرجل، وأما المال فلأن المرأة لا تنفق كالرجل، فمن ماتت لهم امرأة فإنهم لا يفقدون منفقاً في العادة، ومن مات لهم رجل فإنهم يفقدون منفقاً معيلاً، فناسب هذا أن تكون الدية على الضعف، كما أن الإرث كذلك على الضعف لهذا المعنى.

    مقدار دية الكتابي

    قال: [ ودية الكتابي الحر كدية الحرة المسلمة ].

    فالكتابي الحر تكون ديته كدية الحرة المسلمة، وعلى ذلك فهو على النصف من دية المسلمين.

    وقد جاء في سنن أبي داود أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (عقل الكتابي على نصف عقل المسلمين)، فدية أهل الكتاب نصف دية المسلمين، والحديث رواه أبو داود وهو حديث حسن.

    وقال الأحناف: بل لهم الدية كاملة؛ لقوله تعالى: وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ [النساء:92].

    والجواب: أن هذه الآية ليس فيها تحديد قدر الدية، وإنما فيها وجوب دية، وليس في الآية أن لهم مثل ما للمسلمين.

    واستدلوا أيضاً بما جاء في مصنف عبد الرزاق أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قضى في رجلٍ مسلمٍ قتل يهودياً من أهل الشام بألف دينار. أي: أوجب فيه دية المسلم.

    والجواب: أن هذا في قتل العمد، ولذا فإن المشهور في المذهب: أن المسلم إذا قتل الذمي عمداً فإن الدية تغلظ الضعف، فقولنا هنا: إن دية الكتابي على النصف من دية المسلم هذا في قتل الخطأ، وأما إذا قتل المسلم ذمياً عمداً؛ فإن الدية تجب كدية المسلم.

    وقد جاء عن عثمان رضي الله عنه كما عند البيهقي وغيره: أنه قضى في رجلٍ مسلمٍ قتل ذمياً عمداً بدية مسلم. وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة.

    إذاً: إذا قتل المسلم الذمي عمداً فإن الدية تغلظ؛ لأنه لا قود فغلظت الدية، وأما إذا قتله خطأً كحوادث السيارات وغيرها؛ فإن ديته تكون كنصف دية المسلم، وهذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد .

    الدية المغلظة والدية المخففة

    واعلم أن الدية من الإبل إن كانت عن عمد أو كانت عن شبه عمد فتجب في المشهور في المذهب أرباعاً، خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة.

    والقول الثاني في المسألة وهو مذهب الشافعية والرواية الثانية عن أحمد واختاره جماعة من أصحابه: أن الواجب في دية العمد وفي دية شبه العمد: أن الواجب ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها. وقد جاء في سنن أبي داود والترمذي ما يدل على ذلك، وهو: (أن النبي عليه الصلاة والسلام قضى في دية العمد بثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة في بطونها أولادها) .

    وجاء عند الخمسة إلا الترمذي كما تقدم: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (في قتيل العصا والسوط -وهو قتل شبه العمد- مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها)، وهذا هو الراجح.

    وعلى ذلك فالراجح: أن قتل العمد وقتل شبه العمد فيه دية مغلظة، هذه الدية المغلظة هي مائة ناقة: ثلاثون حقة وهي التي تم لها ثلاث سنين، واستحقت أن يطرقها الجمل، وثلاثون جذعة أكبر منها بسنة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها.

    وأما قتل الخطأ فالمشهور في المذهب أنه أخماس: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون من بني مخاض.

    وقرر ابن القيم رحمه الله في تهذيب السنن أنها لم تقدر، وهذا هو الصحيح؛ لأن الآثار فيها مختلفة، وأقوال أهل العلم في هذا مختلفة، وكل له أثر يستدل به من السنة أو من أقوال الصحابة وآثارهم، فدية الخطأ نقول: ليست مقدرة، بل هي مائة من الإبل، والمشهور في المذهب أنها أخماس كما تقدم.

    وهناك آثار أخرى تدل على غير ذلك، ولذا فإن الراجح أنها لم تقدر، يعني: لم تحدد، بل الواجب مائة من الإبل مطلقاً من غير تحديد، وأما دية شبه العمد فتقدم شرحها.

    مقدار دية الكتابي والمجوسي

    قال: [ ودية الكتابية على النصف ].

    دية الكتابية على النصف من دية الكتابي، وعلى ذلك فتكون على النصف من دية المرأة المسلمة، وعلى ذلك ففيها خمسة وعشرون من الإبل.

    قال: [ ودية المجوسي الحر ثمانمائة درهم ].

    دية المجوسي الحر ثمانمائة درهمٍ كما قال بذلك عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وطوائف كثيرة، وقد جاء هذا في الدارقطني بأسانيد صحاح عن عمر وعلي وابن مسعود ، ولا يعلم لهم مخالف فهي أقل من عشر دية المسلم، وهذا في القديم كان شيئاً كثيراً؛ لأن نصاب الزكاة مائتا درهم؛ وهذه أربعة أضعافها.

    قال: [ والمجوسية على النصف ].

    ويلحق بالمجوسي كل وثني من البوذيين وغيرهم، فإن ديتهم ثمانمائة درهم، ودية نسائهم على النصف من ذلك، لكن ليست هذه الدراهم التي بين أيدينا، بل تقوم كما تقدم، ويرجع في معرفتها لأهل الخبرة؛ لأن التقدير هنا بالفضة، وليس التقدير بالدراهم الموجودة.

    قال: [ ويستوي الذكر والأنثى فيما يوجب دون ثلث الدية، فلو قطع ثلاث أصابع حرة مسلمة لزمه ثلاثون بعيراً، فلو قطع رابعة قبل برء ردت إلى العشرين ].

    تقدم شرح هذا في حديث: (حتى يبلغ الثلث من ديتها)، وقد قال هنا: فلو قطع ثلاث أصابع من حرة مسلمة لزمه ثلاثون بعيراً كالرجل؛ لأن هذا دون الثلث، فلو قطع رابعة قبل برء ردت إلى عشرين، وتقدم الكلام على هذا.

    تغليظ الدية في الحرم والإحرام والشهر الحرام

    قال: [ وتغلظ دية قتل الخطأ في كل من حرم مكة وإحرامٍ وشهر حرامٍ بالثلث ].

    فقد صح عن عثمان رضي الله عنه كما في مصنف ابن أبي شيبة أنه قضى على رجلٍ قتل امرأة في الحرم بدية وثلث، وهذا من باب تغليظ الدية.

    ويقاس على الحرم كما ذكر المؤلف الإحرام، فالمحرم إذا قتل وجب عليه دية وثلث الدية، وإذا قتل في الأشهر الحرم فكذلك.

    وقال بعض أهل العلم كالقاضي من الحنابلة: تغلظ أيضاً إذا قتل ذا رحمٍ محرم خلافاً للمشهور.

    فإذاً: إذا كان محرماً، أو كان في الحرم أو في الأشهر الحرم، فإن الدية تضاعف، وهذا في النفس فقط، فإن الدية تزيد ثلثاً، لكن إن اجتمعت هذه الثلاث فإن الدية تضعف، ولذا قال:

    [ فمع اجتماع الثلاثة يجب ديتان ].

    تغليظ دية الكافر إذا قتل عمداً

    قال: [ وإن قتل مسلم كافراً عمداً أضعفت ديته ].

    إن قتل مسلم كافراً -يعني: ذمياً أو معاهداً- عمداً أضعفت ديته، بمعنى أن الدية تكون على الضعف، وتقدم شرح هذا، وأن هذا هو المشهور في المذهب.

    إذاً: إذا قتل مسلم كافراً عمداً أضعفت ديته، فأصبحت الدية على الضعف، فتكون دية هذا الذمي كدية المسلم.

    مقدار دية الرقيق

    قال: [ ودية الرقيق قيمته قلت أو كثرت ].

    الرقيق ما يباع ويشترى ذكراً كان أو أنثى، وعلى ذلك فديته قيمته، فلو قتل عبداً فليس في ذلك مائة من الإبل ولو كان هذا العبد مسلماً، لكن في ذلك قيمة هذا العبد، وقد يساوي خمسمائة من الإبل، وقد لا يساوي إلا خمساً من الإبل، فإن الواجب فيه القيمة؛ لأنه يباع ويشترى.

    وإن جرحه أو قطع طرفه فقولان: أصحهما -وهو خلاف المشهور في المذهب، واختاره الموفق- أن الواجب ما ينقص من قيمته، وعلى ذلك فنقومه قبل أن يجرح، أو قبل أن يقطع طرفه، ونقومه بعد ذلك، ويجب الفرق.

    مثاله: رجل عنده عبد قطعت يده، فنقول لأهل الخبرة: كم يساوي هذا العبد قبل أن تقطع يده؟ قالوا: يساوي مائة ألف. قلنا: والآن كم يساوي بعد قطع يده؟ قالوا: لا يساوي إلا ثمانين ألفاً، فالفرق عشرون ألفاً، وعلى ذلك فيجب على الجاني أن يدفع لسيده عشرين ألفاً.

    1.   

    دية الجنين

    دية الجنين المسلم الحر

    قال: [ فصل: ومن جنى على حاملٍ فألقت جنيناً حراً مسلماً ذكراً كان أو أنثى فديته غرة قيمتها عشر دية أمة ].

    يقول: ومن جنى على حاملٍ فألقت جنيناً ميتاً تبين فيه خلق الإنسان فإن الواجب فيه غرة، ولا بد أن يتبين فيه خلق الإنسان؛ ليعلم أن هذه المضغة آدمي.

    فإذا ضرب بطنها فوقع منها جنين تبين فيه خلق الإنسان فإن الواجب في ذلك غرة، وتقدم حديث الهذليتين اللتين اقتتلتا، وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام: (قضى أن دية الجنين غرة) .

    والغرة هو المال الخيار الذي هو من أنفس المال، والمراد به أمة أو وليدة، وقد جاء هذا في الحديث حيث قال: (غرة عبد أو وليدة)، فالغرة هنا عبد أو وليدة، وعلى ذلك فدية الجنين عبد أو أمة.

    والغرة الواجبة قيمتها عشر دية أمه، والآن العبيد لا يوجدون، لكن الأصل أن الواجب عليه أن يدفع دية، هذه الدية عبد أو أمة، يساوي هذا العبد أو الأمة يساوي عشر دية الأم بلا خلافٍ بين أهل العلم، وحكاه الموفق رحمه الله عن علي وزيد بن ثابت .

    فننظر كم دية الأم؟ ودية الأم خمسون من الإبل، فالعشر منها خمس من الإبل، فنقول: يجب عليك أن تأتي لهم بعبدٍ أو بأمة يساوي أو تساوي خمساً من الإبل، والآن هذا غير موجود، فعلى ذلك نوجب خمساً من الإبل، إذاً: في الجنين الآن خمسٌ من الإبل.

    [ وتتعدد الغرة بتعدد الجنين ]، فلو أن المرأة أسقطت جنينين فإن فيهما عشراً من الإبل، ولو أسقطت ثلاثة ففيهم خمسة عشر من الإبل نعم.

    دية الجنين الرقيق والكافر

    قال: [ ودية الجنين الرقيق عشر قيمة أمه ]، إذا كانت الأم نصرانية فديتها خمس وعشرون من الإبل، وعلى ذلك فجنينها بعيران ونصف، وإذا كانت هناك أمة تساوي بعيرين ونصف سلمناها دية له.

    قوله: [ ودية الجنين الرقيق عشر قيمة أمه ]، فإذا جني على أمة فأسقطت جنيناً فالواجب عشر قيمة أمه. أي: أننا ننظر كم تساوي أمه فالواجب هو العشر، فإذا كانت تساوي مائة ألف فالدية عشرة آلاف.

    قال: [ وقيمة الجنين المحكوم بكفره غرة قيمتها عشر دية أمه، وإن ألقت الجنين حياً لوقت يعيش لمثله وهو نصف سنة فصاعداً ففيه ما في الحي، فإن كان حراً ففيه دية كاملة ].

    كذلك دية الجنين المحكوم بكفره نعم غرة قيمتها عشر دية أمه، إذاً: نرجع إلى الأم وننظر كم ديتها، فالواجب هو العشر.

    دية الجنين إذا خرج حياً لوقت يعيش لمثله

    وإن ألقت الجنين حياً لوقت يعيش لمثله وهو نصف سنة فصاعداً، أي: ولد لستة أشهر، ففيه ما في الحي، أي: فإن كان مسلماً ذكراً فديته مائة من الإبل، وإن كان مسلماً أنثى ففيه خمسون من الإبل، وهكذا.

    قال: [ وإن كان رقيقاً فقيمته ].

    يعني: ننظر إلى قيمته ونضمن الجاني هذه القيمة.

    قال: [ وإن اختلفا في خروجه حياً أو ميتاً فقول الجاني ].

    ضرب امرأة في بطنها وهي حامل لسبعة أشهر فقالت: إن الجنين قد خرج حياً، ولم تأت ببينة، أما لو أتت ببينة على أنه خرج حياً لكان فيه دية كاملة، لكنها قالت: إنها وضعته حياً ولم تأت ببينة، وقال الجاني: بل وضعتيه ميتاً. يريد أن يدفع عشر دية الأم، وهي تريد أن يدفع دية كاملة، فيقول المؤلف: إن اختلفا في خروجه حياً أو ميتاً فالقول قول الجاني، وذلك لأنه منكر، ولأنه غارم، فنطالبها بالبينة، فإذا أتت ببينة تشهد أنه ولد حياً ففيه دية كاملة، وإن لم تأت ببينة تشهد أنه ولد حياً فإنا نرجع إلى الجاني، ونقول له: احلف، لأنك الآن منكر، والقول قولك، فعليك اليمين، فيحلف أنها ولدته ميتاً، فإذا حلف أنها ولدته ميتاً قلنا: يجب عليك عشر دية أمه.

    ما يجب في جنين الدابة

    قال: [ ويجب في جنين الدابة ما نقص من قيمة أمه ].

    رجل ضرب ناقة خلفة في بطنها حمل، والناس يسمونها اللقحة، يعني: فيها اللقاح، والخلفة عند الناس الآن هي التي معها ولدها يرضع منها.

    فإذا ضرب الناقة وأسقط ما في بطنها فكيف نضمنه؟

    والجواب ما ذكره المؤلف هنا بقوله: [ ما نقص من قيمة أمه ] أي: نأتي بأهل الخبرة ونقول: إن هذه الناقة كان في بطنها حمل وكان حملها مثلاً من الفحل الفلاني؛ لأن هذا يختلف من فحلٍ إلى آخر، فإذا قالوا: كانت تساوي عشرة آلاف، والآن لا تساوي إلا خمسة آلاف، فإنه يدفع الفرق وهو يدفع خمسة آلاف.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.