إسلام ويب

دليل الطالب كتاب الديات [1]للشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الدية مال يؤديه الجاني أو عاقلته بدلاً عما جنى عليه الجاني من نفس أو عضو، وقد حدد الشرع الدية في كل جناية بما يناسبها وفرضها على الجاني في ماله إن جنى عمداً، وعلى العاقلة فيما سوى العمد.

    1.   

    أحكام الديات

    حكم من أتلف إنساناً أو جزءاً منه بمباشرة أو بسبب

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ كتاب الديات.

    من أتلف إنساناً أو جزءاً منه بمباشرة أو سبب، إن كان عمداً فالدية في ماله، وإن كان غير عمدٍ فعلى عاقلته ].

    الديات: جمع دية، وهي المال المؤدى إلى مجني عليه أو وليه بسبب الجناية، فالمال الذي يؤدى إلى المجني عليه الذي لم يهلك بهذه الجناية، أو المؤدى إلى أوليائه يسمى دية.

    قال: [ من أتلف إنساناً أو جزءاً منه ] كيده، أو رجله، أتلف إنساناً أي: قتله، [ أو جزءاً منه بمباشرة ]، كأن يضربه بمثقل كحجر كبير، أو أن يطعنه بسكين، فهذه مباشرة، [ أو سبب ] كأن يحفر بئراً في طريقه، فهذا متسبب، وعلى ذلك فالجاني قد يكون مباشراً، وقد يكون متسبباً.

    قال: [ إن كان عمداً فالدية في ماله ]، فالعاقلة لا تتحمل العمد، وإنما يكون العمد في ماله، فمن قتل عمداً أو جرح عمداً فالدية في ماله؛ لأن هذا هو الأصل، فالأصل أن ضمان المتلَف على المتلِف في ماله، وعلى ذلك فمن قتل عمداً، أو قطع عمداً، أو جرح عمداً فالدية تكون في ماله؛ لأن الأصل في ضمان المتلفات أنها تكون على المتلِف.

    وفي سنن أبي داود والترمذي وابن ماجة : أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا يجني جانٍ إلا على نفسه، لا يجني والد على ولده، ولا مولود على والده)، وقال الله تعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164]، وتجب الدية حالة، يعني: لا تؤجل، هذا كله في العمد.

    قال: [ وإن كان غير عمدٍ ] يعني: كان خطأً أو شبه عمد، [ فعلى عاقلته ]، يعني: عصبته، ويأتي الكلام في العاقلة إن شاء الله، وتقدم ما يدل على ذلك في قصة المرأتين الهذليتين اللتين اقتتلتا فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بدية المرأة على العاقلة، إذا كان هذا في شبه العمد وفيه قصد الجناية، لكن فيما لا يقتل غالباً كما تقدم، فأولى من ذلك الخطأ.

    إذاً: لا يكون في ماله هو، وإنما يكون في مال عاقلته، ويأتي تفصيل ذلك إن شاء الله، فإن تعذر ذلك ففي بيت المال، ولا يذهب دم المسلم هدراً، بل يكون هذا في بيت المال.

    واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه يكون على الجاني، فإذا تعذر الأخذ من العاقلة فإنا نرجع إلى الجاني؛ لأن هذا هو الأصل، فالأصل أن الضمان عليه؛ لأن هذا أثر فعله، لكنه من باب التخفيف وجبت على العاقلة، فإذا تعذر رجعنا إلى الجاني نفسه، وهذا أصح.

    حكم تأجيل دية الخطأ وشبه العمد ثلاث سنين

    واعلم أن دية الخطأ ودية شبه العمد تؤجل ثلاث سنين، ويكون أول قسط من مضي حول على حين الوجوب، ويقسطها القاضي ثلاث سنين على العاقلة كما تقدم، إلا إذا تعذر ذلك فعلى الأصح أنها تكون على الجاني، وتؤجل ثلاث سنين. ويكون هذا كما تقدم بعد مضي حول من الوجوب، وتجب الدية بالموت، فإذا كان تأريخ الموت مثلاً في واحد محرم، فتجب الدية في واحد محرم من السنة التي بعدها، وإذا كان في الطرف أو الجرح فيكون الوجوب من اندمال الجرح، ويكون هذا هو حين الوجوب، فإذا جرحه في واحد محرم، وصارت الجناية واندمل الجرح في اليوم العاشر فيكون الوجوب هو في اليوم العاشر من محرم، ويكون القسط الأول في اليوم العاشر من محرم من السنة التي بعدها.

    وأما إذا لم تسر الجناية فيكون هذا من يوم القطع، أو يوم الجرح، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، يعني: أن تأجيل الدية في الخطأ وشبه العمد يكون ثلاث سنين، وهو مروي عن علي وابن مسعود ، وهو مروي عن عمر وعلي كما في سنن البيهقي ، وإن كان في كل سند ضعف، لكن العمل على هذا عند أهل العلم.

    لكن إن رأى القاضي التعجيل كمنصوص أحمد واختيار شيخ الإسلام فله ذلك، يعني: إذا رأى أن تكون حالة كأن يكون المجني عليه -هذا في الطرف وفي الجرح- فقيراً، أو يكون أولياؤه فقراء -هذا في النفس- ويكون الجاني غنياً، وعاقلته كذلك يكونون أغنياء، فإذا رأى القاضي التعجيل فله ذلك؛ لأن المقصود التخفيف على العاقلة، فإذا كانت مصلحة الأولياء في قتل النفس، أو الجاني في قطع الطرف والجرح في التعجيل، وكان الآخر غنياً فإن القاضي يعجل إذا كانت العاقلة غنية قادرة على تحضير المبلغ، وعدم تأخيره وتأجيله، وكان الطرف الآخر محتاجاً.

    حكم من حفر بئراً قصيرة فعمقها آخر، فهلك فيها إنسان

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومن حفر تعدياً بئراً قصيرة فعمقها آخر فضمان ثالث بينهما ].

    أي: من أتى إلى موضع -على سبيل التعدي- وحفر فيه بئراً، حفر متراً مثلاً، ثم عمقه آخر، فعلى من الضمان؟ هل الضمان على المعمق فقط أو على من حفر وعمق؟ يكون الضمان على الجميع؛ لأن كليهما متسبب، هذا إذا كان على سبيل التعدي.

    حكم من وضع سكيناً في بئر فوقع فيها رجل فهلك

    قال: [ وإن وضع ثالث سكيناً فأثلاثاً ].

    يعني: إن أتى رجل فحفر متراً، ثم جاء الآخر فعمق، ثم أتى ثالث فوضع داخل البئر سكيناً، فوقع رجل عليها فمات، فيكون الثلاثة مشتركين في قتله، وعلى ذلك فالدية تكون أثلاثاً؛ لأن الجميع متسبب.

    حكم من وضع حجراً فعثر فيها إنسان فهلك

    قال: [ وإن وضع واحد حجراً تعدياً فعثر فيه إنسان فوقع في البئر فالضمان على واضع الحجر كالدافع ].

    قوله: [ إن وضع واحد حجراً أمام البئر ]، أي: وكان هذا الحجر مما يحصل بسببه التعثر، أو وضع شيئاً يزلق أمام البئر، فتعثر إنسان، فلا يكون الضمان على حافر البئر، وإنما يكون على الذي وضع هذا الحجر أمام هذا الشخص فتعثر فيه؛ لأن هذا يكون كالدافع له، فهو كأنه دفعه فأسقطه في البئر، فكان أولى من الذي حفر.

    حكم ما إذا تجاذب حران مكلفان حبلاً فانقطع فسقطا ميتين

    قال: [ وإن تجاذب حران مكلفان حبلاً فانقطع فسقطا ميتين فعلى عاقلة كلٍّ دية الآخر، وإن اصطدما فكذلك ].

    قوله: [ إن تجاذب حران مكلفان حبلاً فانقطع هذا الحبل، فسقطا ميتين ]، أي: كان أحدهما هنا والآخر هناك وبينهما حبل، فأخذا يجذبان هذا الحبل؛ هذا يجذب الحبل إليه، وهذا يجذب الحبل إليه، [ فسقطا ميتين، فعلى عاقلة كلٍّ دية الآخر ]، فنقول للعاقلتين: عليكم أنتم دية هذا، وعليكم أنتم دية الآخر.

    وذلك لأن كليهما قد حصل منه خطأ، فهذا أخطأ وهذا أخطأ، وقال بعض أهل العلم -وهو القول الثاني في المسألة، وهو قول طائفة من الحنابلة-: بل هذا له نصف دية، وهذا له نصف دية، فتدفع عاقلة هذا نصف الدية، وتدفع عاقلة هذا نصف الدية، قالوا: لأن القتل حصل بسبب فعله هو بنفسه وبسبب فعل صاحبه، فيكون فعله هدراً في نفسه ويبقى فعل صاحبه، فيكون فعل صاحبه قسطه النصف، وهذا أصح.

    حكم ما لو تصادم اثنان فهلكا

    قال: [ وإن اصطدما فكذلك ].

    أي: إن حصل تصادم بين اثنين، سواء كانا راكبين أو ماشيين، فماتا، فإن الدية تكون على عاقلة الاثنين، فعاقلة هذا يدفعون دية هذا، وعاقلة هذا يدفعون دية هذا، عاقلة عمرو يدفعون دية زيد، وعاقلة زيد يدفعون دية عمرو. والراجح أنهم يدفعون النصف كما تقدم؛ لأن هذا أخطأ وهذا أخطأ، يعني: حصل من كل واحد منهما خطأ على نفسه بقدر النصف، فيستحق أولياؤه نصف الدية.

    حكم من أركب صغيرين لا ولاية له عليهما فاصطدما فهلكا

    قال: [ ومن أركب صغيرين لا ولاية له على واحد منهما فاصطدما فماتا فديتهما من ماله ].

    قوله: [ من أركب صغيرين ] أي: أركبهما مثلاً على ناقتين أو نحو ذلك، [ لا ولاية له على واحد منهما ]، ولم يركبا هما وإنما هو الذي أركبهما، وهما صغيران، ولا ولاية له عليهما، وأما لو كان له عليهما ولاية كالأب أو الأخ فلا، كأن يركبهما لمصلحة تعليم ونحو ذلك، فلا شيء عليه إذا كانا يثبتان على الراحلة، يعني: إذا كانا ممن حصل له نصيب وقدر من التعلم، أو كانا صالحين للتعلم، وأما لو أركب من لا يصلح للتعلم ففيه الدية.

    يقول: [ ومن أركب صغيرين لا ولاية له على واحد منهما فاصطدما فماتا، فديتهما من ماله ]؛ لأنه هو المتعدي، والقول الثاني: أن الدية على العاقلة؛ لأنه وإن كان هو المتعدي لكنه خطأ، والخطأ على العاقلة، وهذا أقرب.

    حكم من أرسل صغيراً لحاجة فأتلف نفساً أو مالاً

    قال: [ ومن أرسل صغيراً لحاجة فأتلف نفساً أو مالاً فالضمان على مرسله ].

    قوله: [ ومن أرسل صغيراً لحاجة ]، الصغير: هو من كان دون البلوغ، فأرسله لحاجة فأتلف هذا الصبي نفساً أو مالاً، فالضمان على المرسل؛ لأنه هو المتسبب.

    وقال الموفق وهذا أصح: إذا كانت العادة جارية بإرسال مثله من مثله -هذا معنى كلامه رحمه الله- لقرابة أو صحبة أو تعليم، لم يضمن، فبعض الناس يرسل مثلاً ولد صاحبه، والعادة جارية بذلك، وكذلك القريب يرسل قريبه في حاجة ويكون هذا ممن يصلح لذلك، يعني: مثله يصلح في العادة لمثل هذا الإرسال فلا ضمان، أما إذا كان لا يصلح لذلك مثل أن يرسل ابن سنتين مثلاً فهذا لا يصلح، أو يرسل مجنوناً فهذا لا يصلح، فإذا كان مثله يرسل فلا ضمان؛ لأنه لم يحصل منه تعدٍ، ما دام أن العادة جارية بذلك، والناس على ذلك، ولا يعدون هذا تعدياً.

    ولو أحضره في مكان تتعلم فيه الرماية وقربه إلى الهدف، فأصابه آخر، فيكون الضمان على من قربه، ومثل ذلك الآن الذين عندهم لعب بالسيارات ونحو ذلك، وهناك ساحة معينة، فإذا أتى رجل وقرب طفلاً في هذا الموضع فأصابته سيارة من هذه السيارات التي هذا هو مكان لعبها فالضمان على هذا المقرب؛ لأن هذا يكون كالدافع له، فيكون أولى ممن باشر.

    حكم من ألقى شيئاً ثقيلاً على سفينة فغرقت

    قال: [ ومن ألقى حجراً أو عدلاً مملوءاً بسفينة فغرقت ضمن جميع ما فيها ].

    قوله: [ من ألقى حجراً أو عدلاً مملوءاً ]، مثل أن يأتي بكيس كبير مملوء مثلاً بشيء ثقيل، فيرميه في سفينة فتغرق هذه السفينة، فإنه يضمن جميع ما فيها من الآدميين والأموال؛ لأنه هو المتسبب.

    حكم من منع مضطراً إلى طعامه أو شرابه حتى هلك

    قال: [ ومن اضطر إلى طعام غير مضطر أو شرابه وطلبه فمنعه حتى مات، أو أخذ طعام غيره أو شرابه وهو عاجز، أو أخذ دابته أو ما يدفع به عن نفسه من سبع ونحوه فأهلكه ضمنه ].

    قوله: [ ومن اضطر إلى طعام غير مضطر ]، فهذا رجل في مفازة من الأرض، وأتى إلى صاحب خيمة، وعند صاحب الخيمة طعام، وصاحب الخيمة لا يضطر إلى هذا الطعام -يعني: عنده قدر زائد-، أو اضطر إلى شراب، وهذا عنده ماء زائد فمنعه حتى مات ضمنه؛ لأنه قد تسبب في هلاكه، ويجب عليه أن يدفع له هذا؛ لأن هذا فيه إنقاذه من الهلكة.

    لكن لو كان هذا -يعني: الذي في الخيمة- عنده ماء أو طعام وهو مضطر إليه فهو مثله في الاضطرار، فلا ضمان.

    قال كذلك: [ أو أخذ طعام غيره أو شرابه ]، أي: إن أتى إلى رجل في مفازة من الأرض فأخذ طعامه الذي معه، هل يضمن إذا هلك؟ إذا مات بسبب ذلك فإنه يضمن، أو شرابه فكذلك، وهو عاجز عن دفعه، لكن لو كان يقدر على دفعه لكنه تركه يريد أن يؤثره على نفسه، أو ظن أن ذلك من باب الكرم فلا ضمان، وأما إذا كان أخذه غصباً ففي ذلك الضمان.

    إذاً: إذا أخذ شرابه أو أخذ طعامه وهو عاجز عن دفعه فعليه الضمان.

    أو أخذ دابته، كأن يأخذ سيارته في البر، مثلاً لو جاء إلى شخص في بر ونزل ليقضي حاجته فأخذ سيارته وهرب بها، ثم إن هذا مات بسبب ذلك، فالدية على هذا الذي أخذ سيارته.

    قال: [ أو ما يدفع به عن نفسه ]، مثل أن يكون معه سلاح يدافع به عن نفسه من السباع ونحوه، فأخذ ذلك منه، وهو عاجز عن أخذه منه، فإذا مات بسبب ذلك كأن يأتيه سبع ونحوه فقتله فيكون على هذا الضمان.

    حكم من أتى برائحة فمات منها حامل أو حملها

    قال: [ وإن ماتت حامل أو حملها من ريح طعام ضمن ربه إن علم ذلك من عادتها ].

    قوله: [ وإن ماتت حامل أو حملها ]. أي: أو مات حملها من ريح طعام، ضمن ربه إن علم ذلك من عادتها، أي: إن علم أن الحامل تموت من ذلك، ويعلم أن الحامل في هذا المكان، ومع ذلك أتى بهذا الطعام الذي تقتل رائحته الحامل، وقد ذكروا مثال ذلك الكبريت ونحوه، ويوجد عند الناس بعض الروائح القوية النافذة فهذه تضر، فإذا أتى بها وهو يعلم أن هذا موجود، ويعلم كذلك أن هذه الرائحة تقتل فإن عليه الضمان، أو كالذي يأتي إلى مكان فيه رجل ضيق الصدر أو معه مرض في صدره، ويشعل عنده ناراً فيها دخان كثير، أو يشرب عنده الدخان، وهو يعلم أنه يضره، وقد يقتله، فهذا متسبب، لكن إن كان الآخر جالساً وهو يستطيع أن يخرج من هذا المكان، فإنه لا يكون قاتلاً له ما دام أنه يقدر أن يدفع ذلك عن نفسه، لكن بعضهم يأتيه فجأة، ولا يشعر إلا بهذه الرائحة الشديدة، فيأتيه السعال ويستمر معه حتى يقتله، ويكون هذا يعلم بذلك، فيكون هذا متسبباً.

    حكم من وقع على نائم غير متعد فتلف هو أو النائم

    قال المؤلف رحمه الله: [ فصل: قال: وإن تلف واقع على نائم غير متعدٍ بنومه فهدر، وإن تلف النائم فغير هدر ].

    قوله: [ وإن تلف واقع على نائم ]، يعني: رجل نائم في مكان وهو غير متعدٍ في نومه في هذا المكان فوقع واقع عليه فقتله -الواقع هو الذي مات بسبب ذلك- فيقول: إن ذلك يكون هدراً، لكن لو أن رجلاً يشتغل بحفرة، ثم أتى رجل واضطجع ونام فيها، ثم إن هذا كعادته سقط في هذه الحفرة يريد أن يكمل حفره، فوقع على هذا الرجل فمات، ففي ذلك الضمان؛ لأن هذا النائم قد تعدى في نومه في هذا الموضع.

    قال: [ وإن تلف النائم فغير هدر ] أي: إن كان النائم هو الذي تلف فغير هدرٍ؛ لأن هذا هو المتسبب، إلا إن كان نام في موضعٍ متعدياً في نومه فيه فلا ضمان، كما ذكرت لكم أن ينام في حفرة مثلاً، وهذا ما درى بذلك، ونزل في الحفرة على عادته، وليس هذا مكاناً معتاداً للنوم، فلما نزل إذا بشخص نائم فقتله فلا شيء عليه.

    حكم من سلم إليه إنسان ليعلمه السباحة فهلك

    قال: [ وإن سلم بالغ عاقل نفسه أو ولده إلى سابحٍ حاذق ليعلمه فغرق فلا ضمان ].

    لأن هذا السباح المعلم الحاذق لم يحصل منه تفريط، وعلى ذلك فلا ضمان، لكن إن حصل منه تفريط، كأن يأتي به في موضع لا يقدر مثله عليه، كأن يأتي به في ماء كثير وهو مبتدئ في السباحة، أو يغفل عنه، أو يكون محتاجاً إلى آلة تعينه ويتركه هكذا، فإذا حصل منه مما يعد تفريطاً في العرف، أو وضعه في مكان مثله لا يوضع فيه، فعليه الضمان، فينبغي عليه أن يعلمه في مكان ليس بعميق أولاً، فالمقصود: أنه متى ما حصل تفريط، فإن الضمان يثبت، وأما إذا لم يكن هناك تفريط فلا ضمان.

    حكم من أمر مكلفاً أن ينزل بئراً أو يصعد شجرة فهلك

    قال: [ أو أمر مكلفاً ينزل بئراً أو يصعد شجرة فهلك ].

    قوله: [ أو أمر مكلفاً ]، المكلف هو العاقل البالغ، ينزل بئراً أو يصعد شجرة فهلك فلا ضمان؛ لأنه لم يحصل تعد، فهذا مكلف، مثل أن يأتي رجل بأحد العمال وجده في الشارع وقال له: أنا عندي هذه البئر إذا نزلتها سأعطيك كذا وكذا، فنزل وهلك.

    أو قال له: ارقَ هذه النخلة وأنزل لي من ثمرها، فرضي بأجرة، ثم إنه هلك فلا ضمان إذا كان مكلفاً.

    فإن كان غير مكلف فظاهره أن فيه الضمان، لكن إن كان مما جرت العادة بأمر مثله، وكان مثله يحسن فلا ضمان، فبعض الناس يأمر صبياً مثلاً ابن عشر سنين من أقاربه أن يرقى جداراً -وهذا الصبي يحسن ذلك- ليفتح له الباب مثلاً، كأن يكون أغلق باب بيته، فالناس يعتادون على ذلك، فيأمره بذلك والصبي يحسن ذلك عادة، وأما إذا كان لا يحسنه ولا يعرف فعليه الضمان.

    لكن لو أتى لابن خمس سنين أو ست سنين وقال: اصعد على الجدار وانزل على بيتي وافتح لي الباب، فهلك، فعليه الضمان؛ لأن العادة لا تجري بأمر مثل هذا بمثل هذا الرقي.

    حكم من استأجر أجيراً لحفر بئر فهلك فيها

    قال: [ أو تلف أجير لحفر بئر أو بناء حائط بهدم ونحوه ].

    قوله: [ أو تلف أجير ] أي: استأجر أجيراً ليحفر بئراً فتلف، أو لبناء حائط فوقع عليه هذا الحائط، فلا ضمان.

    حكم من أمكنه إنجاء نفس من هلكة فلم يفعل حتى هلك

    قال: [ أو أمكنه إنجاء نفس من هلكة فلم يفعل ].

    قوله: [ أو أمكنه إنجاء نفس من هلكة فلم يفعل ]، مثل أن يرى أحداً من الناس يكاد يغرق وهو يحسن السباحة فلم ينجه، مع أنه يمكنه ذلك، فلا ضمان عليه؛ لأنه ليس هو المتسبب في ذلك، نعم يكون آثماً؛ لأن الواجب عليه أن ينجيه من الهلكة، لكنه لا يترتب عليه ضمان؛ لأنه غير متسبب.

    حكم من أدب ولده أو زوجته فهلك

    قال: [ أو أدب ولده وزوجته في نشوز، أو أدب سلطان رعيته ولم يسرف فهدر في الجميع ].

    قوله: [ ولم يسرف ] يعني: لم يضرب ضرباً غير معتاد من جهة العدد أو من جهة الشدة، فلم يحصل عنده إسراف. أو يكون مثلاً الولد مريضاً أو تكون المرأة مريضة، وإذا كان عنده إسراف بسبب حال المضروب، أو بسب شدة الضرب، أو عدد الضرب فإنه يضمن، وأما إذا لم يسرف وضرب ضرب تأديبٍ فإنه لا يضمن؛ لأن هذا الفعل مأذون فيه، والقاعدة تقول: إن ما ترتب على المأذون فليس بمضمون، فالأب له أن يؤدب ولده، وله أن يؤدب امرأته الناشز، لكن لا يسرف، فإذا أسرف في الضرب ضرباً مبرحاً، أو زاد في عدده، أو كانت حال هذه المرأة لا تتحمل الضرب لمرضها، فإنه يكون ضامناً إذا كان هناك إسراف.

    قال: [ وإن أسرف، أو زاد على ما يحصل به المقصود، أو ضرب من لا عقل له من صبي أو غيره ضمن ].

    قوله: [ إذا أسرف، أو زاد على ما يحصل به المقصود ] يعني: زيادة على المقصود من التأديب، أو ضرب من لا عقل له من صبي كابن خمس سنين أو أربع سنين فهذا لا يضرب؛ لأنه لا عقل له، أو غيره كالمجنون، فالمجنون لا يستفيد من الضرب.

    قوله: ضمن؛ لأنه غير مأذون له، ويكون فعله فيه تعدٍ، وما دام أن فيه تعدياً ففيه الضمان.

    حكم من نام على سقف فهوى فأتلف شيئاً

    قال: [ ومن نام على سقف فهوى به لم يضمن ما تلف بسقوطه ].

    قوله: [ من نام على سقف فهوى به -أي: هوى به السقف- لم يضمن ما تلف بسقوطه ]؛ لأنه ملجأ، لكن لو كان يعرف أن السقف سيئ وأنه يكاد ينهار، كما يفعل بعضهم مثلاً يأتي إلى بيت قديم وآيل للسقوط، وهذا المكان قد اتخذه بعض الناس مكاناً يستظلون به من الشمس، فأتى فصعد فوقه فنام وهو ثقيل فسقط، فهذا يكون متعدياً، أما إذا كان ليس منه تعدٍ فإنه لا يضمن.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.