إسلام ويب

حديث أم زرعللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ما أعظم خلق النبي صلى الله عليه وسلم مع أهله وأزواجه صلى الله عليه وسلم، وما أعظم لغة العرب وما أجملها!

    ففي حديث أم زرع تجد العجب العجاب من الوصف، إحدى عشرة امرأة، كل واحدة تصف أخلاق زوجها، والنبي يسمع عائشة وهي تذكر كلام هؤلاء النسوة، وفي آخر المطاف يعلق النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة فيها منهج لكيفية معاملاته لنسائه وقد آتاه الله جوامع الكلم فقال: (كنت لك كأبي زرع لأم زرع) تصفح هذه المادة؛ لترى قصة أبي زرع وأم زرع.

    1.   

    نص حديث أم زرع

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أمَّا بَعْـد:

    فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته..

    معنا في هذه الليلة ومع صحيح البخاري حديث عجيب غريب، وهو ندوة حوار بين إحدى عشرة امرأة، اجتمعن يوماً من الدهر وتعاقدن وتعاهدن ألا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئاً، وتكلمت كل امرأة منهن بمعاملتها مع زوجها ومعاملة زوجها معها، وفي يوم من الأيام جلس رسول الهدى صلى الله عليه وسلم مع عائشة رضي الله عنها وأرضاها مداعباً ومؤانساً ومحدثاً، فقصت عليه خبر النسوة، عليه أفضل الصلاة والسلام.

    فلنستمع إلى هذا الحديث الذي رواه البخاري في (باب حسن المعاشرة مع الأهل).

    قال رحمه الله تعالى: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن وعلي بن حجر قالا: أخبرنا عيسى بن يونس قال: حدثنا هشام بن عروة عن عبد الله بن عروة عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: (جلس إحدى عشرة امرأة، فتعاهدن وتعاقدن ألا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئاً، قالت الأولى: زوجي لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل. قالت الثانية: زوجي لا أبث خبره، إني أخاف ألا أذره، إن أذكره أذكر عجره وبجره. قالت الثالثة: زوجي العَشَنَّق، إن أَنْطِق أُطَلَّق، وإن أسكت أُعلَّق. قالت الرابعة: زوجي كلَيْلِ تهامة، لا حَرَّ ولا قَرَّ ولا مخافة ولا سآمة. قالت الخامسة: زوجي إن دخل فَهِدَ، وإن خرج أَسِدَ، ولا يسأل عما عهد. قالت السادسة: زوجي إن أكل لف، وإن شرب اشتف، وإن اضطجع التف، ولا يولج الكف ليعلم البث. وقالت السابعة: زوجي غياياء أو عياياء، طباقاء، كل داءٍ له داء، شجَّكِ أو فلَّكِ أو جمع كلاًّ لكِ. قالت الثامنة: زوجي المس مس أرنب، والريح ريح زرنب. قالت التاسعة: زوجي رفيع العماد، طويل النجاد، عظيم الرماد، قريب البيت من الناد. قالت العاشرة: زوجي مالك وما مالك؟! مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح، إذا سمعن صوت المزهر، أيقن أنهن هوالك. قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع فما أبو زرع؟ أناس من حلي أذني، وملأ من شحم عضدي، وبجحني فبجحت إلي نفسي.. وجدني في أهل غنيمة بشق، فجعلني في أهل صهيل وأطيط، ودائس ومنق، فعنده أقول فلا أقبح، وأرقد فأتصبّح، وأشرب فأتقنّح. أم أبي زرع فما أم أبي زرع؟ عكومها رداح، وبيتها فساح. ابن أبي زرع فما ابن أبي زرع؟ مضجعه كمسل شطبة، ويشبعه ذراع الجفرة. بنت أبي زرع فما بنت أبي زرع؟ طوع أبيها، وطوع أمها، وملء كسائها، وغيظ جارتها. جارية أبي زرع، فما جارية أبي زرع؟ لا تبث حديثنا تبثيثاً، ولا تنقث ميرتنا تنقيثاً، ولا تملأ بيتنا تعشيشاً قالت: فخرج أبو زرع ذات يوم والأوطاب تمخض، فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين، يلعبان من تحت خصرها برمانتين، فطلقني ونكحها، فنكحت بعده رجلاً سرياً، ركب شرياً، وأخذ خَطِياً، وأراح علي نعماً ثرياً، وأعطاني من كل رائحة زوجاً، وقال: كلي أم زرع وميري أهلك، فلو جمعت كل شيء أعطانيه، ما بلغ أصغر آنية أبي زرع. قالت عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنت لك كـأبي زرع لـأم زرع).

    هذا الحديث من أعقد وأغرب الأحاديث في كتب السنة، وقد شرحه ما يقارب عشرة من العلماء، كل شرح في مجلد، وأعظم من شرحه القاضي عياض، قاضي المغرب وعالمها، وابن حجر شرحه فيما يقارب ثلاثين صفحة وهو حديث عجيب، فيه أكثر من خمس وعشرين فائدة، سوف تمر بنا بإذنه سُبحَانَهُ وَتَعَالى، والآن نأتي إلى الشرح.

    عائشة تتكلم والنبي صلى الله عليه وسلم ينصت

    يقول البخاري: (باب حسن المعاشرة مع الأهل).. يقول: كيف يكون المسلم مع أهله في حسن المعاشرة، وفي وطء الكنف ولين الجانب وفي السهولة.. كيف يكون؟ ثم يأتي بحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم مع عائشة، ويظهر لنا أن الرسول عليه الصلاة والسلام مع كثرة أشغاله وأعماله وارتباطاته وما يأتيه من نوائب، بل أمور الأمة تدار على كفه عليه أفضل الصلاة والسلام، وأحداث الأمة وجهادها وإدارتها وقيادتها؛ ومع ذلك وجد وقتاً يستمع إلى مثل هذا الكلام، وهذا من لين جانبه وحلمه ومن بره عليه أفضل الصلاة والسلام، كما قال تبارك وتعالى: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].

    ثم أتى البخاري يتكلم بهذه القصة العجيبة.. الرسول عليه الصلاة والسلام كان يحب عائشة أكثر من سائر نسائه، وكانت عائشة مع ذلك بنت أبيها، فـأبو بكر أحفظ الناس وأفصحهم وأصفحهم.. يحفظ السير والأنساب والأخبار والأشعار، وإذا تكلم أبو بكر في مجلسٍ من مجالس العرب سكتوا جميعاً، فأتت ابنته عائشة تشبهه، ومن يشابه أبه فما ظلم.

    تلك العصا من هذه العُصية     لا تلد الحية إلا حية

    فكان عليه الصلاة والسلام يأنس لحديث عائشة، ويسألها عن أخبار الناس؛ لأنها -كما قال الزهري: كانت تحفظ ثمانية عشر ألف بيت شعر، وكانت تحفظ أخبار العرب، وما وقع أيام العرب وقصص العرب، وفي غدوة من الغدوات جلس عليه الصلاة والسلام مستريحاً هادئ البال مطمئن النفس، فأخذ يداعب ويمازح زوجته المبرأة الطاهرة الصديقة بنت الصديق، فأخذت تقول: يا رسول الله! جلس نسوة تلف بهم الدهر.. وهؤلاء النساء قال أبو محمد بن حزم الظاهري: هن من خثعم، وهي من قبائل الجنوب الشهيرة في التاريخ، ومن هذه القبيلة الخثعمي الذي يقول:

    ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد      لقد زادني مسراك وجداً على وجدي

    ومنها الشنفرى الأزدي صاحب لامية العرب، وكثير من الأخيار والشعراء.

    فقال أبو محمد بن حزم، قال: هن من خثعم وقال بعضهم: هن من اليمن. ولا يهمنا أن يَكُنَّ من اليمن أو من غطفان أو من خثعم أو مدغشقر، إنما الفائدة أنهن جلسن فاسمع الكلام.

    فتقول عائشة والرسول ينصت، معلم الخير ومربي الإنسانية ينصت إلى الكلام، وفي الأخير سوف يعلق عليه الصلاة والسلام بكلام.

    قالت تخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم: {جلس إحدى عشرة امرأة فتعاقدن وتعاهدن ألا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئاً} إحدى عشرة امرأة خلا لهن الجو..

    خلا لك الجو فبيضي واصفري     ونقري ما شئت أن تنقري

    خرجن من البيوت واجتمعن، قال أهل العلم كما قال ابن حجر: إذا اجتمع النساء فأكثر حديثهن في الرجال، وإذا اجتمع الرجال فأكثر حديثهم في المعاش. أي: في الدخل والكسب والراتب والتقاعد والزيادات والعلاوات، وربما يخلطون كلاماً من كلام النساء، أي: يتحدثوا في النساء، لكن هذا في النادر، أما إذا اجتمعت اثنتان من النساء المتزوجات، فأكثر كلامهن في الرجال، ماذا فعل زوجها وماذا صنع؟ أخلاقه.. معاملته.. زياراته.. صلته.

    1.   

    صفة زوج الأولى

    قالت: فتعاهدن عهداً بالله ألا تكذب الواحدة على أخواتها في هذا الأمر ( وتعاقدن ألا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئاً).

    زوج الأولى سيئ الخلق وبخيل

    {قالت الأولى: زوجي لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل} وصمته وصدعته في رأسه؛ لأنها عاهدتهن أن تخبرهن، فوصفته بأقبح الأوصاف، لحم الجمل يقولون: من أردأ اللحوم، ويقولون: إنه يدمي القلوب، ومن داوم عليه أثر عليه مرضاً، وهو من أقسى لحوم الحيوانات على الإطلاق، وحذر كثير من الأطباء من المداومة عليه.. فتقول: زوجها لحم جمل، وليتها قالت: لحم جمل وسكتت ولكنها قالت: لحم جمل غث، أي: هزيل ضعيف، جمل منحور معقور ليس فيه خير، فهو لحم جمل، ومع ذلك فهو غث هزيل، قيل: إنها تعني أنه سيئ الخلق وليس بكريم.

    والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {لا يجتمع في المؤمن خصلتان: سوء الخلق والبخل}.. ربما تجد بعض الناس من المؤمنين سيئ الخلق لكنه كريم اليد، وتجد بعض المؤمنين بخيلاً، لكنه حسن الخلق، أما أن يجتمع بخل وسوء خلق فلا يكون ذلك في المؤمن، فهي تقول: لحم جمل غث.

    زوج الأولى أيضاً يصعب نيل الشيء منه

    وتقول: {(على رأس جبل)} وهذا وعورة خلقه، فليت هذا اللحم الذي فيه بعض الخُلق قريب منا، لكنه على رأس جبل، أي أنه لا يتحقق الطلب منه إلا بعد شق الأنفس، إذا طلبت منه شيئاً تظل تراجعه وتمدحه بمحاضرات وتدعو له في أدبار الصلوات، وتبكي بين يديه حتى يأتي بهذا الطلب، فطلبه كلحم الجمل الغث على رأس الجبل.

    {قالت: (لا سهل فيرتقى)} أي: ليس الجبل سهلاً فنرتقي ونأخذ هذا الغث، وليس اللحم سميناً حتى ننقله.. وهذا من أبلغ الأوصاف، وهذا يسمى اللف والنشر عند أهل العلم، فهي قد لفت الكلام ثم نشرته، كما قال الحفاظ وقد سئل ابن تيمية عن الفلسفة وعلم المنطق فقال: (علم المنطق والفلسفة لحم جمل غث على رأس جبل، لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل) وهذا من أحسن ما يستشهد به في مثل هذه المواضع، فإذا سئلت عن علم من العلوم لا ينفع ولا يفيد ولا يقدم شيئاً فوصفه هذا، وذلك مثل بعض العلوم العصرية التي لا تنفعك في الدنيا ولا في الآخرة، مثل علم الفلسفة، علم الكلام، وعلم المنطق.. لحم جمل غث على رأس جبل، لا الجبل سهل فيرتقى فيه ويؤخذ اللحم، وليس اللحم مع صعوبة الجبل يستحق الحمل. إذاً الأولى ذمت زوجها باللف والنشر، أوجزت ثم نشرت خبره؛ لأنها عاهدتـهم ألا تكتم، فهو من أسوأ الرجال خلقاً نعوذ بالله من ذلك، وسوف تأتي فائدة هذا الكلام في آخر الدرس.

    1.   

    الثانية زوجها كثير العيوب

    (قالت الثانية: زوجي لا أبث خبره) تقول: السكوت أحسن، أي: لا أريد أن أخبركم بأشياء، لكن اسمعوا مني موجزاً فهو أشر مما أتكلم به عنه، فالرجل فوق ما أتكلم، وأنا لا أستطيع أن أصف السوء الذي فيه من كثرة سوئه وفحشه.. ( لا أبث خبره، إني أخاف ألا أذره) لا أترك شيئاً، أخاف إذا بدأت في الكلام ألا أسكت حتى غروب الشمس مما فيه من القبائح والمعايب، لكن السكوت أحسن.

    معنى عجره وبجره

    {إن أذكره أذكر عجره وبجره} العجر: عروق في البطن، والبجر: عروق في الظهر، ومعنى الكلام العجر والبجر: الهموم والأحزان والعيوب والقبائح. تقول: فيه عجر وبجر، فهو على الهموم والأحزان، ويورث الإنسان هموماً وأحزاناً، أي أنه يأتي بالحمى الشوكية.

    علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه لما قُتِل طلحة في معركة الجمل بكى كثيراً وقال: [[اللهم إني أشكو إليك عجري وبجري]] وهذا في خطبته المشهورة الصحيحة، ومعناه: يا رب أشكو إليك همومي وأحزاني وما جرى لي، وما عندي من المصائب والكوارث؛ لأنه فقد الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم ماتت زوجته فاطمة، وفقد أبا بكر وعمر وعثمان، ثم قتل الصحابة ثم اختلفت الأمة بين يديه، ثم أتت عليه الخوارج وتكالبت عليه الدنيا من كل مكان، فقال: [[اللهم إني أشكو إليك عجري وبجري]] ويعلق ابن كثير على هذا الكلام فيقول: عجيب يختلفون على أبي الحسن علي بن أبي طالب وهو أخشى أهل الأرض، وأعلم أهل الأرض، وأزهد أهل الأرض في عهده، يقول: لا يعطونه الخلافة، ويختلفون عليه وهو في عهده أخشى أهل الأرض وأزهد أهل الأرض.. فالشاهد أنه ضاقت به أيامه ولياليه رضي الله عنه فقال: [[اللهم إني أشكو إليك عجري وبجري]] أي: دسائسي وغلائلي وهمومي وأحزاني ويقال: إنه سأل الله الشهادة فوفقه الله للشهادة.

    فتقول المرأة: أنا لا أتكلم في هذا الرجل يكفي أني أعطيتكم موجزاً، والأحسن أني لا أتكلم؛ لأن الكلام لا يفي، وسوف آخذ عليكم الوقت لو تكلمت فيه.

    1.   

    الثالثة تصف زوجها بأوصاف عجيبة

    ( قالت الثالثة: زوجي العَشَنَّق)

    من أوصافه العَشَنَّق

    العَشَنَّق: قيل: هو الطويل المفرط في الطول، والعرب تقول: الطويل المفرط في الطول فيه خبل وهبل. واسمحوا لي إذا كان هناك أناس طوال، لكن أنا أنقل الشرح، فإنه يوجد من الناس من هو طويل وعنده عقل، لكنه نادر، لكن ليس عندنا طوال مثل (العَشَنَّق) فإن العَشَنَّق هو: الطويل المفرط في الطول، قال ابن حجر: والسبب هو لبعد دماغه عن قلبه. فلبعد المسافة لم يصبح هناك اتصال في التيار، فإن العرق ينقطع أحياناً، فلا يكون هناك توصيل بين العقل والقلب، فيفقد عقله أحياناً، هذا الطويل المفرط في الطول.

    وقيل: إنه سيئ الخلق، شرس الأخلاق، فإذا سلمت عليه أقام الدنيا وأقعدها، فهو يغضب مما لا يُغضب منه، قال أهل العلم والأدب: (من غضب بما ليس بمغضب فهو أحمق) فتقول: إنه أحمق، كريه المنظر، شرس الخلق (عشنق) وأنا أميل إلى هذا؛ لكي لا يتأثر من فيه طول.

    إن أَنْطِق أُطَلَّق

    {قالت: زوجي العشنق، إن أَنْطِق أُطَلَّق} أي: إذا تكلمت فالطلاق جاهز على طرف اللسان، فهو لا يتعب ويبحث عن الطلاق أو يسأل نفسه، ولكن هو لا يرد إلا بالطلاق.

    إن أسكت أُعَلَّق

    تقول: {وإن أسكت أعلق} أي: وإن أسكت عن الكلام معه فأنا معلقة. كما قال سبحانه: فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ [النساء:129] والمعلقة: هي التي ليست مطلقة فتعرف طريقها، ولا عندها زوج يحفظها، إنما هي في البيت متزوجة، لكنها منتسبة وليست منتظمة في الزواج، فهي معلقة في البيت، وإذا تكلمت فالطلاق جاهز ولقد وصفته بأبلغ الأوصاف وذلك من جهة المعنى، وإلا فهي أقبح الأوصاف إرادةً وقصداً.

    1.   

    وقفة مع زوج الرابعة

    (قالت الرابعة: زوجي كَلَيْلِ تهامة لا حَرَّ ولا قَرّ ولا مخافة ولا سآمة).

    زوجها كليل تهامة

    تقول: أما زوجها فمثل ليل تهامة، من ألطف الأجواء، يقولون: لشدة وهج النهار وحرارته يهدأ الليل في تهامة، فيكون من أحسن الليالي، وهو أحسن من ليالي الحجاز، فيهب فيه النسيم العليل، وتبرد فيه الأكناف، وتتوطأ فيه الأردان، فهو بهدوئه وصلاحه وخيره وقربه وتواضعه مثل ليل تهامة، (لا حر ولا قر) ليس بشديد الحر، وليس بقر أي: ليس ببارد، فهو ليس بالبارد البليد، وليس بالحار؛ فإن بعض الناس يبلغ به إلى أن يتبلد حسه فلا يغضب أبداً ويقول: هذا حلم.

    الوسطية في الأخلاق من الصفات الحسنة

    يقول الشافعي: (من استغضب فلم يغضب فهو حمار) أي: أنه يرى المحرمات تنتهك فيقول: الحمد لله الذي رزقني هذا الحلم الواسع، اللهم زدنا من الحلم. وهذا -والعياذ بالله- يسمى دياثة، أن يرى محارم الله في بيته تنتهك، ويرى حدود الله تتعدى، ويرى الحرمات تقطع، وهو لا يغضب!! ورجل آخر يغضب بدون سبب، فهو أحمق.. فذاك يبلغ به التبلد إلى الغباء، وهذا يبلغ به درجة الغضب إلى الحمق، لكن هذا وسط، يغضب في موطن الغضب ويرضى في موطن الرضا.

    ووضع الندى في موضع السيف بالعلا     مضر كوضع السيف في موضع الندى

    (لا حر ولا قر) القر: شدة البرد، يقول علي رضي الله عنه وهو يخطب في أهل العراق: [[يا أشباه الرجال ولا رجال، أحلام الأطفال وعقول ربات الحجال.. إن قلت: انفروا في الحر، قلتم: حر، وإن قلت: انفروا في البرد، قلتم: قر، فإلى متى حر وقر؟!]] وهو يعلن النفير للجهاد، فالحر شدة الحر، والقر شدة البرد.

    1.   

    وصف الخامسة لزوجها

    (قالت الخامسة: زوجي إذا دخل فِهِدَ، وإذا خرج أَسِدَ، ولا يسأل عما عَهِد) فَهِدَ: مشتق من الفهد، والفهد حيوان معروف أصغر من الأسد.. وقد احتار كثير من أهل العلم في وصف الخامسة لزوجها.

    ولا تقولوا: هذا الكلام ماذا نستفيد منه، فقد استمعه سيد الخلق عليه الصلاة والسلام، وأشرف الخلق، وأكرم من مشى على الأرض.

    تقول: زوجها (إذا دخل فهد) إذا دخل فهو يشبه الفهد، كأنه فهد، قيل: إما أنها تسبه أو تمدحه، فإن سبته قالت: كثير النوم مثل الفهد، أي: لا يستفاد منه، يقدم له العشاء وهو ينعس، فتقول: كثير النوم وكثير الاستغراق في النعاس، يقول الجاحظ: أكثر الحيوانات نوماً الفهد فإنه ينام أكثر مما يستيقظ، وإذا تعب قليلاً ألقى رأسه وأتاه النوم، حتى ربما تأتي عليه الفئران وتعتدي على رأسه وهو لا يشعر.

    مواصفات الفهد

    وهو حيوان له مواصفات:

    منها: أنه أسرع الحيوانات على الإطلاق ولا يدركه أحد إلا أن يشاء الله ومنها: أنه منتن الرائحة، ومنها: أنه يصارع بجدارة، حتى أنه ربما أدرك الأسد وقاتله، وهو صغير الجسم، فإن كانت تسبه فمعنى ذلك أنه كثير النوم، وإن كانت تمدحه فلأن الفهد يمتاز عن سائر الحيوانات بالحياء وبالخجل، والعجيب أنهم ذكروا أن الفهد إذا رأى المرأة صدف عنها، وقالوا: إذا رأى المرأة كاشفة عن وجهها غض بصره حياء.. وهذا يذكره الجاحظ وغيره من العلماء، ويقولون: إنه هو والنمر وهذه الفصائل تغض عن المرأة ولا تعدو عليها لكرمها، فكأنها تصف زوجها بأنه كريم الجانب، وهذا على المدح.

    وقفة مع الأسد

    (وإذا خرج أسد) أي: كالأسد في شجاعته، وأشجع الحيوانات بالإجماع هو الأسد، والله قد ذكره في القرآن في سورة المدثر في قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ [المدثر:51] وقسورة: هو الأسد، والأسد له تسعة وتسعون اسماً منها: الهزبر، والليث، والغضنفر، وقسورة، وغير ذلك، وهو ملك الحيوانات.

    يذكر عن علي بن أبي طالب أنه قال لما قتل عثمان: [[أكلتُ يوم أكل الثور الأبيض، قالوا: وما أصل الثور الأبيض يا أمير المؤمنين؟ قال: كان هناك ثلاثة ثيران، أبيض وأحمر وأسود، فأتى الأسد، فاجتمع على الثيران يريد أكلها، فاجتمعت عليه فناطحته حتى شرد، فأتى الأسد بحكمة فنادى الثور الأسود وقال: تعال، ثم قال له: إن هذا الثور الأبيض عدو لكم أراه دائماً يزاحمكم على المرعى، ألا تريد قتله؟ قال: نعم. قال: تعال معي، فنـزل الثور الأبيض إلى الوادي، فهجم الثور الأسود والأسد على الأبيض فقتلوه، ثم أتى إلى الثور الأسود وقال: والأحمر كذلك نغص عليك حياتك، تعال نقتله قال: نقتله فاجتمعوا فقتلوه، فقال الأسد: بقيت أنت يا عدو الله، فأكله]] فيقول علي رضي الله عنه لذكائه وفطنته ودهائه: أكلت يوم أكل الثور الأبيض. يقول: إن الناس يظنون أنني أريد قتل عثمان رضي الله عنه وأرضاه، حتى كان يقول على المنبر: [[لعن الله من قتل عثمان، لعن الله من أشار بقتل عثمان لعن الله من رضي بقتل عثمان. ويقول رضي الله عنه وأرضاه: كيف أنا أشاور وأمالئ؟!]] لأن الخوارج والنواصب اتهموه بأنه مالأ، فقال كيف أمالئ وقتلي سوف يكون بسبب قتل عثمان، وسوف يقتلونني، فهذا مثل قصة الثور الأبيض.

    طرفة من كتاب كليلة ودمنة

    ومما ذكر صاحب كتاب كليلة ودمنة وهذه نوردها وهي مثل الوردة تشم ولا تؤكل.. يقول: ذهب الثعلب يبحث عن صيد؛ لأنه جائع، فاجتمع الأسد بالحيوانات اجتماعاً طارئاً، فاجتمعوا فلما جلسوا قال: أين الثعلب؟ أين أبو معاوية؟ -والثعلب اسمه: أبو معاوية- فقال الذئب -والذئب نمام حرش عليه- قال: ذهب وعصاك، وقد أخبرته أنك تريدنا فأبى فقال: سوف يأتي عدو الله -أو كما قال- فلما أتى قال: أين أنت؟ وكشر في وجهه، فقال: سمعت أنك مريض -وقد كان الأسد مريضاً- فذهبت أبحث لك عن علاج -وقد سمع أن الذي نم عليه الذئب- قال: أين وجدت علاجي؟ قال: وجدت علاجك في خصية الذئب قال: عليَّ بالذئب، تعال يا أبا حُصين- والذئب اسمه: أبو حُصين فاقترب فأخذ خصيته بكفه، فنـزل الذئب ودماؤه تثعب، فقال الذئب للثعلب: لماذا تفعل هكذا؟ قال: لتتعلم كيف تجلس عند الملوك.

    وهذه فيها عبرة، والذي كتب كليلة ودمنة من الحكماء، وكتبها حتى يعرف الناس شر النميمة، ونقل الكلام، فإنه.. وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر:43].

    زوج الخامسة لا يسأل عما عهد

    تقول: (ولا يَسأل عما عَهِد) فهي تمدحه وتقول: نحن في خير وفي نعيم لا يسأل لماذا أكلنا كثيراً، ولا لماذا صرفنا هذا، ولا لماذا لبسنا كثيراً.. فإن الكريم من الرجال لا يَسأل عن المصروفات عنها من كرمه.

    1.   

    زوج السادسة كثير الأكل والشرب

    (قالت السادسة: زوجي إن أكل لف، وإن شرب اشتف، وإن اضطجع التف، ولا يولج الكف ليعلم البث) فهي تصف زوجها بالنهمة في الأكل، والعرب تعيب ذلك، فهي تقول: أكل الطعام عليها، الغداء والعشاء والفطور، ولم يبقِ لها شيئاً، تقول: إذا أكل لف.. ما يعرف الأكل بالأصابع، والسنة الأكل بثلاثة أصابع قبل وجود الملاعق، فلما اكتشفت الملاعق في هذا القرن جاز أن يؤكل بالملاعق، فكان الصحابة يأكلون بثلاث، لكن هذا فيما يقبل الأكل بالثلاث، أما الأرز وما يدخل في حكمها فلك أن تأكل بالأربع والخمس.

    فهو إن أكل لف أي: يلف الأكل لفاً، ويقولون: يجمعه جمعاً (وإن شرب اشتف) أي: يبتلعه حتى يجرجر نحره كأنه ثور وما يمصه مصاً، ونحن نؤمر في السنة أن نمص الماء مصاً، لا نبتلعه بلعاً حتى يجرجر؛ لأن هذا يؤذي الحلق.

    (وإن اضطجع التف) تقول: من وحشته أنه إذا اضطجع أخذ فراشاً وحده، ولا يقترب من زوجته، فهو شرس الخلق لا يُقترب منه (ولا يولج الكف) الكف معروف، (ليعلم البث) تقول: أمرض كثيراً وتصيبني الحمى لكن ليس عنده لطف، ومن لطف الرجل مع أهله، مع أخته أو مع زوجته أن يقترب -كما كان يفعل صلى الله عليه وسلم- ويضع يده على كتفها أو على رأسها أو على كفها ويرى حرارتها، وهذا من اللطف والأنس، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا وجد بعض أصحابه ربما شبك أصابعه بأصابعه أنساً له، وربما داعبهم فضرب في صدورهم، وربما أخذ أحدهم يمازح بكتفه وبعنقه عليه الصلاة والسلام.

    فهذه المرأة تقول: هذا ليس عنده من اللطف شيء.. يأكل الأكل علينا، ويشرب الشراب علينا، ويبتعد بنومه، ولا يمرِّضنا ولا يسأل عنا.

    كثرة الأكل

    وكثرة الأكل أمر موجود، وقد يكون جبلة، وقد يأتي بالكسب والتدريب والرياضة، فإن بعضهم يبدأ قليل الأكل ثم يفتح الله عليه ويهديه، فيصبح من أكثر الناس أكلاً، ولذلك روى ابن قتيبة وابن عبد ربه وابن كثير وابن جرير

    عن p=1000258>عمرو بن معد يكرب الزبيدي

    أنه كان من أكثر الناس أكلاً، وهو الذي يذكره أبو تمام في قوله:

    إقدام عمرو في سماحة حاتم      في حلم أحنف في ذكاء إياس

    1.   

    صفات زوج السابعة

    (قالت السابعة: زوجي غياياء أو عياياء، طباقاء، كل داء له داء، شَجَّكِ أو فَلَّكِ أو جمع كلاً لكِ).

    زوجها عياياء

    هذه السابعة تصف زوجها وتقول: (غياياء) وفي لفظ: (عياياء) فإن كان اللفظ (غياياء) فإن معناه: أنه بلغ منتهى الغي، أي: أنه بلغ منتهى الفجور، فهو فاجر إلى آخر درجة.. وهذه صيغة مبالغة استخدمت بهذا اللفظ، فهو غاوٍ أدركه الغي ولم يهتد ولم يسدد في أموره.

    وإن كان اللفظ (عياياء) فهو بمعنى: عيي، والعييُّ هو البليد الغبي الذي لا يفقه شيئاً، فهو عييُّ غبي بليد ثقيل النفس لا يفهم، قلبه مكتم عليه.

    معنى طباقاء

    (طباقاء) الطباقاء: هو الذي طبق على ذهنه الجهل من أخمص قدميه إلى مشاش رأسه، فقد أصبح مطبقاً عليه بالجهل والغباء والتخلف وفساد الذهن.

    (كل داء له داء) أي: أن كل وصف قبيح فألحقه به؛ فإنه يتصف به، فكل ما تعلم في الناس من مقت أومن معيبة، أو قبيحة؛ فهو في هذا الرجل.

    والله عز وجل هو الذي خلق وقسم؛ وفي بعض الآثار "أن الله لما خلق آدم جمع طينته من كل بقاع الأرض" من الجبال والسهول والأودية، فأسهل الناس خلقاً من السهل، وأناس من الوعر، وأناس من التربة الطيبة، وأناس من السباخ، فأتت أخلاقهم هكذا، فنسأل الله حسن الخلق، ونسأل الله استقامة الدين، ونسأل الله التسديد في الأمور.

    معنى قولها: شجك أو فلك..

    { شَجَّكِ أو فَلَّكِ أو جمع كلاً لك} شجك أي: لا يضرب إلا ويشج، فإذا ضرب كسر شيئاً من العظام، فهو لا يعرف المهادنة (أو فلك) قيل: الشج في الجلد والفل في العظم، وبعض أهل اللغة -كما قال ابن حجر - عكس ذلك، وقال: الشج في العظم والفل في الجلد.. فهي تقول: هو لا يعرف المهادنة دائماً، فإذا ضرب إما أن يجرح وإما أن يكسر شيئاً.. إما أن يكسر السن أو يجرح اليد أو يكسر الإصبع؛ فهو لجهله ولسوء خلقه يفعل ذلك (أو جمع كلاً لك) وفي بعض المرات يفتح الله عليه فيجمع الشج والفل، يجرح ويكسر.. مرة يكسر، ومرة يجرح، ولكن في بعض الأوقات يجرح ويكسر.

    1.   

    الثامنة زوجها لطيف الخلق طيب الرائحة

    (قالت الثامنة: زوجي المس مس أرنب والريح ريح زرنب) تقول: لطيف الخلق مثل شعر الأرنب، دعوب قريب من النفوس!

    الزرنب شجر طيب الرائحة

    والزرنب شجر طيب الرائحة ينبت في نجد، واستشهدوا على ذلك بقول الأول:

    بأبي أنت وفوك الأشنب     كأنما ذر عليه الزرنب

    امرأة تمدح زوجها وتقول: أفديك بأبي وأفدي فمك الأشنب، أي: المليح والرقيق الأسنان، (كأنما ذر عليه الزرنب) وهو نبت طيب الرائحة.

    قالت: والريح ريح زرنب. أي: أنه من مسكه وطيبه مثل الزرنب، وهذا مطلوب في الرجل؛ أن يكون طيب الرائحة؛ لأن المرأة تطلب من الرجل كما يطلب هو منها، فلا يقترب منها إلا طيب الفم، طيب الرائحة، طيب الخلق.. ومن حقوق المرأة أن يكون الزوج طيب الرائحة.

    1.   

    التاسعة تصف زوجها بالكرم

    (قالت التاسعة: زوجي رفيع العماد) رفيع العماد، تقول: عماد البيت، أنه من كرمه وسؤدده يرفع بيته ويبنيه على شرفات الطرق، لا يذهب وينـزوي في الحارات ويختفي، وإذا سألوه عن بيته قال: إذا أخذت الشارع إلى اليمين، لف إلى اليسار، فإذا أخذت اليسار لف إلى اليمين، فإذا فعلت ذلك لف لليسار حتى يضيع الذي يستدل، أما الكرماء فإن بيوتهم مشهورة، ولذلك يقول الأول:

    ولست بحلَّال التلاع مخافة     ولكن متى ما يسترفد القوم أرفد

    فهو يمدح نفسه يقول: أنا ما أنزوي في المزابل وفي القمائم وفي آخر الحارات، أنا بيتي كأنه علم في رأسه نار، قالت: رفيع العماد أي: بيته مشهور، ولذلك ذكروا عن إبراهيم عليه السلام أن بيته كان باليفاع، أي بالصحراء وكان له قصر له بابان، يقول: من يدخل من هنا يتغدى ويخرج من هنا، فلكرمه كان دائماً يقول لعبيده ورقيقه: من يأتي منكم اليوم بضيف فهو حر لوجه الله، يقول ابن الجوزي في صيد الخاطر -وسوف تجدونه في باب الصوفية - يقول: عجباً للصوفية يقولون: حرام جمع المال! وإبراهيم عليه السلام اختلطت مواشيه وإبله وبقره وغنمه بإبل لوط عليهما السلام حتى انتقل بعضهم من بعض من كثرة المواشي.

    المحلِّق وقصته مع الأعشى

    المُحَلِّق: رجل من أبخل العرب، وكان ساكناً في قرية مغموصة ما يمر عليه أحد، وكان له سبع من البنات، فما تقدم لهن أحد من الناس، فذهب واستشار الناس، فقالوا: نرى أن تنقل بخيمتك وسط الصحراء حتى يراك الناس، وأن تدعو لك شاعراً من الشعراء، وتذبح له ناقة وتكرمه وتكسوه، فسوف يمدحك بالكرم، وإذا سمع العرب بالكرم، فلا تمسي بناتك عندك أبداً، فأتى هذا المحلِّق البخيل، فنقل خيمته وبناته وزوجته وسكن في الصحراء ورفع خيمته، ودعا الأعشى شاعر نجد.. p=1000008>الأعشى

    الذي مات قرب منفوحة، وقد أراد أن يسلم لكن طبع الله على قلبه فكفر، وقد مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، ولقيه أبو سفيان فقال: إلى أين تذهب؟ قال: أذهب إلى محمد عليه الصلاة والسلام. قال: ماذا فعلت؟ قال: أعددت قصيدة. قال: أسمعني. فقال:

    ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا     وعادك ما عاد السليم مسهدا

    وما ذاك من عشق النساء وإنما     تناسيت قبل اليوم خلة مهددا

    شباب وشيب وافتقار وثروة     فلله هذا الدهر كيف ترددا

    وقد كان من أفحل وأكبر الشعراء على الإطلاق، وهو من أصحاب المعلقات.. يقول:

    فآليت لا أرثي لها من كلالة      ولا من وجى حتى تزور محمدا

    يخاطب الناقة ويقول: حلفت أن أجعل الناقة تكل وتدأب في الأرض حتى تزور محمداً صلى الله عليه وسلم.

    متى ما تناخي عند باب ابن هاشم     تراحي وتلقي من فواضله يدا

    نبي يرى مالا يرون وذكره     أغار لعمري في البلاد وأنجدا

    إلى أن يقول: -وهما من أعظم الأبيات في الإسلام-:

    إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى     ولاقيت بعد الموت من قد تزودا

    ندمت على ألا تكون كمثله     وأنك لم ترصد لما كان أرصدا

    قال أبو سفيان: فما تطمع أن يعطيك؟ قال: مائة ناقة لا أنقص عنها ناقة واحدة، قال: خذ مائة ناقة وعد فأخذ مائة ناقة وعاد، وركب واحدة منها فسقط عنها فلوت عنقه وكسرته ودقته فمات كافراً.

    فهذا المحلِّق دعا الأعشى وعزمه وضيفه، فلما عشاه وكساه وأعطاه شيئاً من المال، قام الأعشى، وعرف المحلق أنه سوف يمدحه، فقال: في قصيدة له يمدح هذا المحلق أبخل العرب:

    لعمري لقد لاحت عيون كثيرة     إلى ضوء نار باليفاع تحرق

    تبيت لمقرورين يصطليانها     وبات على النار الندى والمحلق

    فيقولون ما مرت سبعة أيام إلا وتزوجت بناته من أشراف العرب.

    من صفات زوج التاسعة أنه طويل النجاد

    قالت: (طويل النجاد) النجاد قيل: هو ممسك السيف، وقيل: خباء السيف وقيل: غمده، فهو من شجاعته طويل النجاد، وهو طويل الجسم كذلك.. (عظيم الرماد) عظيم الرماد معناه: أنه كريم، وليس معناه أن عنده كيراً، ولكنه من كثرة ما يحرق ويطبخ كان من أعظم الناس رماداً..(قريب البيت من الناد) أي: أن بيته في متناول اليد فإذا سألت عنه وجدته قريباً من الناس.

    1.   

    العاشرة تصف زوجها بقمة الكرم

    (قالت العاشرة: زوجي مالك! وما مالك؟ مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح، إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك) تمدح زوجها بالكرم، وتقول: له إبل كثيرة، وإذا أتاه الضيف حرك السكين فتعرف الإبل أنهن هوالك، فتمد الناقة عنقها، وتتهيأ على الأرض لتنحر، فهو قد تعود على ذلك.

    تعود بسط الكف حتى لو انه     أراد انقباضاً لم تطعه أنامله

    هو البحر من أي النواحي أتيته     فلجته المعروف والجود ساحله

    ولو لم يكن في كفه غير روحه     لجاد بها فليتق الله سائله

    تقول: من كرمه أن عنده نوقاً كثيرة وإبلاً، فما يأتي الضيف إلا ويحرك المزهر.. قيل: المزهر.. الآلة التي تنحر بها الإبل، وقيل: عود يجمع به الإبل، ولكن كأنه -والله أعلم- آلة نحر للإبل.

    (قليلات المسارح) أي: لا يسرح إبله إلى المرعى، بل هي جاهزة، بجانب البيت حتى يأتي الضيوف فينحرهن لهم، وأما البخيل فإنه يسرحها إلى المرعى، والكريم يجهزها للضيوف، ومن عادة العرب.

    1.   

    قصة أم زرع

    والآن مع أم زرع وسوف تتكلم كثيراً.

    صفات أبي زرع

    قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع - اسمه أبو زرع - فما أبو زرع؟ ما أدراك ما أبو زرع؟- أناس من حلي أذني إما أنه أناس، أي: أعطاها وحلاها في أذنيها، أو أنه آنس: من الأنس واللطافة والرقة والشفافية، فهو في الحسن كحلي الأذن.. (وملأ من شحم عضدي) أي: أنه أعطاها من النعم حتى امتلأت، أو أنه ملأ في قلبها من شحم العضدين.. (وبجَّحني فبجحت إلي نفسي) أي: شرفني فتشرفت، وجعلني أفخر فافتخرت، وأراحني فارتحت.. وجدني في أهل غنيمة بشق تقول: إن أهلي كانوا أهل غنم وضأن وأهل الضأن قليل دخلهم، ليسوا كأهل الإبل والبقر والخيول، فكانت ترعاهن في واد صغير.. (فجعلني في أهل صهيل) أي: أهل خيل؛ لأن الصهيل صوت الخيل، (وأطيط) قيل: صوت الإبل وقيل: غيره، (ودائس ومنقٍ) وقد تحير ابن حجر في اللفظ، فمرة ينقل عن أهل العلم قولهم: أن منق من النقنقة وهي نقنقة الدجاج، فيكون المعنى: فأصبح عندها دجاج، ورد بأن العرب لا تتمدح بالدجاج، فهل تقول: أحد الناس فتح الله عليه، وأغناه غناء ظاهراً وباطناً وعنده ثلاثون دجاجة؟! فلا يُمتدح بالدجاج.

    فيقول: لا يمكن أن يمدح بالدجاج، ولكنها تصف الحالة هذه وتقول: هناك أصوات من كثرة الحيوان التي عنده. تقول: (فعنده أقول فلا أقبح) تقول: عند زوجي أتكلم بطلاقة, والزوج الذي هو سمح الجانب تتكلم المرأة عنده بما فتح الله عليها، أما المعقد الشرس، فإنها لا تتكلم إلا كلمات.. فتقول: أقول فلا أقبح, أي: أتكلم بما فتح الله عليّ فلا يردني ولا يكسحني ولا ينهرني.

    تقول: (وأرقد فأتصبح) الصُبحة عند العرب في النوم، هي النوم بعد صلاة الفجر, والعرب عندهم للنوم هيلولة وفيلولة وغيلولة وقيلولة, فالهيلولة: بعد صلاة الفجر, وهي مستقبحة عند العرب, والفيلولة: عند الضحى, والقيلولة: بعد صلاة الظهر أو قبلها، وعند السلف أنها قبلها، والغيلولة: بعد صلاة العصر.

    إن نومات الضحى تورث الفتى     خبالاً ونومات العُصَيْر جنون

    ولم يصح في النهي عن النوم بعد العصر حديث, وكل ما ورد فيه فهو باطل أو موضوع, قاله ابن القيم وغيره من أهل العلم, فالأحاديث التي ركبت كحديث {من نام بعد صلاة العصر فجن فلا يلومن إلا نفسه} ليس بصحيح, بل لك إذا فترت أو جهدت أو تكلفت أكبر من طاقتك أن تنام بعد العصر ولا بأس، لتستعين بهذا على طاعة الله, وكذلك لم يصح في النهي عن النوم بعد الفجر حديث, لكن هناك أحاديث منها حديث أبي صخر الغامدي في المسند وغيره بأسانيد صحيحة: {بارك الله لأمتي في بكورها} أما كلام الغزالي في الإحياء وقوله: إن الأرض تبكي إذا نام طالب العلم بعد الفجر فمن أين؟ قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا [الأنعام:148] قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:111] لا سند ولا رأس ولا ذنب.

    فتقول هذه المرأة: من سعادتي عند زوجي أنام حتى في الصباح، فليس عندنا أشغال ولا أعمال.. والصبوح عند العرب: هو الشرب في أول النهار، وقيل: شرب اللبن, والغبوق: شرب اللبن في آخر النهار.. وهذه امرأة كسلانة، والعرب يمدحون الكسولة لكن هذا لا يخبر به.. تقول: (وأشرب فأتقنح) أي: أشرب حتى أرتوي، ثم أزيد وأزيد من كثرة الشراب، لبناً وماء ونبيذاً، وذكر ابن حجر أنه خمر، وقد يكون هذا لأنهن جاهليات، لم يعرفن تحريم الخمر.. فهي تروى وتزيد على الري, من كثرة ما عنده من الخير.

    صفة أهل أبي زرع

    ثم بدأت تسرد أهله واحداً واحداً لكثرة سعادتها مع أبي زرع، تقول:

    {أم أبي زرع فما أم أبي زرع؟ عكومها رداح} أي: أنها من كثرة النعيم ممتلئة الجسم، فيها شحم ولحم، والعكوم: هو مجامع البطن, (ورداح) أي: متينة سمينة.., {(وبيتها فساح)} حتى أم أبي زرع لها بيت واسع.. (ابن أبي زرع) -من زوجة غيرها- فما ابن أبي زرع؟ مضجعه كمسل شطبة)} تقول: المنام الذي ينامه من صغر جسمه ونحافته ورشاقته ولأنه حر، كأنه سلة السيف, أي: لا ينام إلا في مكان صغير مثل سلة السيف (ويشبعه ذراع الجفرة)} الجفرة: هو ولد الماعز، وقيل: ولد الضأن إذا مر عليه أربعة أشهر أو ستة أشهر, فتقول: أن ذراع الجفرة يكفيه من قلة أكله؛ لاشتغاله بالمهمات من الأمور.. (بنت أبي زرع طوع أبيها وطوع أمها) من امرأة غيرها {فما بنت أبي زرع؟ (طوع أبيها وطوع أمها}) ما شاء الله تطيع أباها وأمها (وملء كسائها) أي: أنها في نعمة (وغيظ جارتها)} يحسدنها جاراتها من جمالها, ولذلك يقول عمر بن أبي ربيعة:

    زعموها سألت جاراتها      وتعرت ذات يومٍ تبترد

    أكما ينعتني تبصرنني      عمركن الله أم لا يقتصد

    تقول هذه المرأة لجاراتها: بالله عليكن هل أنا حسناء مثل ما يصفني هذا الشاعر، أم أنه يبالغ في الوصف.

    فتضاحكن وقد قلن لها      حسن في كل عين من تود

    حسداً حملنه في شأنها     وقديماً كان في الناس الحسد

    ويقول الأول:

    حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه     فالناس أعداء له وخصوم

    كضرائر الحسناء قلن لوجهها     حسداً وبغياً إنه لدميم

    وقيل:

    وترى الشريف مجرماً في قومه     ولم يكتسب جرماً وعرضه مشتوم

    وهذا من الحسد الذي وضعه الله في القلوب التي ما آمنت ولم يملأها الإيمان.

    قالت: {(وغيظ جارتها)} قيل: غير وخير وغيظ، أي: أنهم يغارون منها لجمالها وحسنها.

    (جارية أبي زرع، فما جارية أبي زرع؟ لا تبث حديثنا تبثيثاً) لا تنشر الخبر، بل هي ساكتة صامتة حافظة للسر.. (ولا تنقث ميرتنا تنقيثاً) أي لا تضيع مالنا، (ولا تملأ بيتنا تعشيشاً) أي: لا تجمع في البيت الزبالات، وقطع الأوراق والقراطيس، ولكنها نظيفة، وتضع كل شيء في مكانه، وهذا من أدبها وسلوكها وسمتها.

    أبو زرع يطلق أم زرع

    وقالت: (فخرج أبو زرع

    ذات يوم والأوطاب تمخض) الأوطاب: الأسقية التي يوضع فيها اللبن، فهم أهل لبن، ومن كثرة لبنهم ودسمهم وما عندهم من زبد أنهم يمخضونها. قالت: {} هذا آخر المطاف، طلق أم زرع

    هذه ونكح تلك.

    أم زرع تنكح زوجاً آخر

    قالت: { (فنكحت بعده رجلاً سرياً)} أي: من أشراف الناس، من السراة.

    لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم     ولا سراة إذا جهالهم سادوا

    ولذلك قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً [مريم:24] قيل: شريفاً من الأشراف، وسيداً من السادات، وقيل: صغيراً طفلاً.. { (ركب شرياً)} ركب فرساً سريع العدو، والشري هو الذي يبلغ الغاية في الشيء، {(وأخذ خطِّياً)} الخطي هو: الرماح تأتي من بلد الخط وهو بلد في البحرين.. يقول زهير بن أبي سلمى:

    وهل ينبت الخطي إلا وشيجه     وتغرس إلا في مغارسها النخل

    (وأراح علي نعماً ثرياً) أي ملأ بيتي من الإبل والبقر والغنم، (وأعطاني من كل رائحة زوجاً): أي: من كل شيء؛ من الإبل والبقر والغنم، (وقال: كلي أم زرع وميري أهلك) حتى أهلك في البيت أرسلي لهم من هذا المال.

    أم زرع تحن إلى زوجها الأول

    (قالت: فلو جمعت كل شيء أعطانيه، ما بلغ أصغر آنية أبي زرع) تقول: مع أن هذا الأخير أسدى إليَّ كل هذا، أسدى، لكن لو جمعت كل شيء أعطانيه في أصغر الآنية التي كان يعطيني فيها أبو زرع، ما بلغت شيئاً، فقلبها معلق بالأول، قالت عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {كنت لك كـأبي زرع لـأم زرع}.

    1.   

    فوائد الحديث

    في الحديث فوائد:

    حسن العشرة

    أولها: حسن عشرة المرء لأهله، بالتألف والمحادثة بالأمور المباحة ما لم يفض ذلك إلى حرام، وهذا واجب الرجل؛ أن يكون له حديث تأنيس ومداعبة مع أهله، فلا يكون الأمر جداً في كل حين، ولكن ساعة وساعة، بشرط ألا يصل ذلك إلى محرم، كتضييع صلاة أو تفويت فائدة، أو ضياع وقت طويل؛ فإن الرسول عليه الصلاة والسلام أخذ وقتاً في سماع هذا الكلام، وهو أعبد الناس لله، وأخشى الناس لله، وأعرف الناس بحقوق الله تبارك وتعالى.

    المزاح مع الأهل

    الثانية: المزاح أحياناً وبسط النفس به، ومداعبة الرجل أهله وإعلامه بمحبته لها، ما لم يؤد ذلك إلى مفسدة تترتب عليه من تجنيها عليه وإعراضها عنه يقول بعض العلماء: لا بأس بالمزح والمداعبة مع الأهل، ولا بأس أن يخبر الرجل أهله أنه يحبها، بشرط ألا يؤدي ذلك إلى أن تتكبر عليه؛ لأن بعض النساء من نقص عقلها إذا أخبرتها أنك تحبها، تجنت عليك وقاطعتك وأخذت أي شيء لتغضبك به؛ لترى كيف تتلمظ عليها وكيف تتحسر عليها، فيقول بعض أهل العلم: ليكن بين الرجل وزوجته، كشعرة معاوية، إن سحبها الناس أرخاها، وإن أرخوهاجذبها.. أو كما قال، فلا تظهر لها كثرة الحب، فتتجنى عليك وتتكبر عليك، وترى أن لها الفضل؛ لأن بعض النساء إذا مدحتها وقلت: بارك الله فيك، ما أحسنك! ظنت أن الفضل لها، وأنك ما فعلت شيئاً وأنها كاملة الأوصاف، وأنك لا تستحقها.

    الفخر بالتقوى

    الثالثة: منع الفخر بالمال، وبيان جواز ذكر الفضل بأمور الدين.. فإن هؤلاء النساء افتخرن بأمور، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم بين أن الفخر بالتقوى وبالدين، وأن أحسن الأوصاف حسن الخلق بعد الدين.

    تذكير المرأة بحسن العشرة

    الرابعة: إخبار الرجل أهله بصورة حاله معها، وتذكيرها بذلك لاسيما عند وجود ما طبعن عليه من كفر الإحسان.. فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لـعائشة:{أنا لك كـأبي زرع لـأم زرع} فيقول: أنا طيب معك، وتعاملي معك حسن كـأبي زرع لـأم زرع، فإن هذه المرأة الحادية عشرة أحسن النساء عشرة مع زوجها، ففيه أنه لا بأس أن يذكر الرجل امرأته بما فعل بها، كأن يقول: فعلت بكم كذا وأعطيتكم كذا، ومنحتكم كذا وأسديت لكم كذا؛ لأن المرأة مجبولة على النكران وعلى الجحود {لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئاً، قالت: ما رأيت منك معروفاً قط} فلا بأس بالرجل أن يذكرها؛ لأنها قد تنسى وتجحد وتنكر.

    ذكر المرأة لإحسان زوجها

    الخامسة: فيه ذكر المرأة إحسان زوجها.. فإن المرأة العاقلة الرشيدة المؤمنة التي تخاف الله من أدبها أن تحسن ذكر زوجها عند الناس، وأن إذا سألوها عن زوجها تقول: فيه خير وهو صاحب دين واستقامة، وجزاه الله خيراً؛ ليكون أرفع لها عند الله تبارك وتعالى، وأرفع لذكرها، وأعظم لأجرها.

    إكرام الرجل بعض نسائه

    السادسة: فيه إكرام الرجل بعض نسائه في حضور ضرائرها، بما يخصها به من قول أو فعل.. يؤخذ هذا من أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أكرم عائشة كثيراً، ولاطفها أكثر من بعض جاراتها وضرائرها عليه الصلاة والسلام، وربما أتحفها بشيء، وهذا لا يقدح في عدله عليه الصلاة والسلام، فهو أعدل الناس، وأقرب الناس، وأنصف الناس.

    تحدث الرجل مع زوجته في غير نوبتها

    السابعة: فيه جواز تحدث الرجل مع زوجته في غير نوبتها.. وهذا للذين عندهم أكثر من واحدة، فيجوز له أن يتحدث مع الزوجة في نوبة الأخرى؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يمر على التسع مروراً، في يوم إحداهن، فيحادثنه ثم يذهب إلى التي هو في يومها ويجلس عندها.

    الحديث عن الأمم الخالية

    الثامنة: فيه الحديث عن الأمم الخالية، وضرب الأمثال بها للاعتبار.. فلا بأس أن تتحدث أنت والناس بأخبار أجدادنا، والقبائل التي سلفت وما وقع من أخبارهم؛ لأن فيها عبراً وتجارب، ولأن فيها قصصاً، ويستفاد منها.

    مصائب قوم عند قوم فوائد

    قال جابر بن سمرة: {كان صلى الله عليه وسلم يجلس معنا بعد صلاة الفجر، فنتحدث عن أخبار الجاهلية، ونضحك وهو يبتسم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم} فلا يأتي أحد ويقول: هذا حرام، تحدثنا عن الصحابة وإلا اسكت.. لا. المجال واسع، إذا لم يكن فيها أمر محرم، ولا غيبة ولا نميمة، ولا زور، فلا بأس بالحديث.

    جواز الانبساط

    التاسعة: جواز الانبساط بذكر طرف الأخبار ومستطابات النوادر، تنشيطاً للنفوس... وهذا خلاف ما ذهب إليه غلاة العباد وغلاة الصوفية، فإنهم لا يرون هذا، يقولون: هذا ضياع للوقت. فإذا تحدث الرجل مع أهله أو مع ضيوفه في أمور مباحة فلا بأس، فالرسول صلى الله عليه وسلم تحدث في هذه القضايا واستمع إليها، فلا بأس أن تتحدث مع الناس في الأشعار والأمطار والأخبار، وما وقع في وديانهم من الحوادث، وهذا من البسط ومن تشجيع النفس على العبادة، لأن النفس إذا بقيت دائماً على الشدة، كلت من العبادة، ولم تقبل عليها، فالإنسان مثل الذي يتحدث في الدرس، ثم يذهب إلى الناس فيحدثهم، ثم ينتقل معهم في مكان، ودائماً يواصل عليهم الحديث، فتمل قلوبهم وتسأم أرواحهم، وتنقفل وتغلق.

    حث النساء على الوفاء

    العاشرة: فيه حث النساء على الوفاء لبعولتهن، وقصر الطرف عليهم والشكر لجميلهم.. وهذا أدب أدبنا الله به، ويوجه للنساء أن يتقين الله عز وجل في أزواجهن، فيذكرن جميلهم وما لهم من أيادي، ولا تعدد السيئات وتترك الحسنات؛ لأن المعصوم هو محمد عليه الصلاة والسلام، والمرأة التي تبحث عن زوج كامل الدين، وكامل الأخلاق، وكامل التعامل، وكامل المروءة امرأة جاهلة؛ لأننا نحن العباد ما كملنا مع الله، فكيف يكمل الإنسان مع النساء؟! وكيف ومن لك بأخيك كله؟!

    إذا كنت في كل الأمور معاتباً     صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه

    ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها     كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه

    فنحن برحمة الله عز وجل ولا يكمل أحد.

    فالمقصود: أن على المرأة أن تتقي الله، وأن تغض وتسامح وتعفو عن نقص زوجها وتذكر الجميل فيه، فقد يكون بخيلاً، لكن تتذكر أنه يحافظ على الصلوات الخمس، فتذكره بالصلوات الخمس والمحافظة عليها.

    ذكر المرأة محاسن زوجها ومساوئه

    الحادية عشرة: ذكر المرأة زوجها بما تعرفه من حسن وسوء، ولا بأس إذا اضطرت إلى ذلك أن تصفه بحسن أو سوء إذا كان لمصلحة، إما بالسؤال عنه، وإما ابتداء من تلقاء نفسها.

    من ضوابط الغيبة

    الثانية عشرة: وفيه أن ذكر المرء بما فيه من العيب جائز إذا قصد التنفير عن ذلك الفعل؛ بشرط ألا يسمى ولا يكون غيبة. فنقول: كيف جاز لهؤلاء النسوة أن يجلسن ويغتبن أزواجهن؟ قيل: لأنهن في الجاهلية، وما عندهم أن الغيبة حرام، والنميمة حرام، وإسبال الثوب حرام.. الجاهلية تركب رءوسهم، فهم لا يعرفون الحلال من الحرام، فمن هذا القبيل -بارك الله فيكم- ما توقفنا عند الغيبة، أما في الإسلام فلا يجوز للمرأة أن تغتاب زوجها- كما قال الحافظ ابن حجر - إلا لمصلحة، كأن تشتكي عند القاضي أو الحاكم، فيقول لها الحاكم: ماذا تنقمين على زوجك؟ فتقول: إنه بخيل، أو سيئ الخلق أو مقاطع أو لا يأتينا إلا غروراً في البيت، ومن هذا القبيل.

    ولذلك جاءت هند زوجة أبي سفيان إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وقالت: {يا رسول الله! أبو سفيان رجل شحيح، ألا آخذ من ماله؟ قال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف} فهذه شكته وبينت عيبه للحاجة، فيجوز للمرأة إذا أتت حاجة أن تشكوه عند القاضي والحاكم إذا رأت أن في هذا مصلحة، وليس من الغيبة، أما لغير حاجة فلا يجوز وهو غيبة.

    تعدد النساء

    الثالثة عشرة: قال الحافظ: وفيه تقوية لمن كرهن نكاح من كان له زوجة، لما ظهر من اعتراف أم زرع بإكرام الزوج الثاني بقدر طاقته. يقول الحافظ: فيه تشجيع للنساء، لمن كره منهن نكاح من كان له زوجة؛ لما ظهر من اعتراف أم زرع بإكرام زوجها الثاني، فلا تتهيب المرأة من الزواج على زوجة قبلها، فإنه قد يكرمها أحسن ممن ليس له زوجة.. وليس معنى ذلك أن الرجل الذي ليس عنده زوجه يكرمها دائماً، بل قد يهينها، وليس معناه أن من عنده زوجة، سوف يهينها، لا بل قد يكرمها.. قال: ففيه تشجيع للنساء ألا تحرص الواحدة على ألا يكون قبلها زوجة، لكن تحرص على رجل الخير والدين والاستقامة وحسن الخلق؛ لأنها قد تسعد معه ولو كان معه ثلاث نساء أسعد مما لو كانت مع زوج ليس له إلا هي، فالمسألة مسألة دين وتعامل وخلق.

    الحب يستر الإساءة

    وفيه أن الحب يستر الإساءة؛ لأن أبا زرع مع إساءته لها بتطليقها، لم يمنعها ذلك من المبالغة في وصفه إلى أن بلغت حد الإفراط والغلو. يقول الحافظ: إن الحب يستر كل شيء، وحبك الشيء يعمي ويصم، فهذه المرأة تحب الزوج الأول ومع ذلك طلقها، وأحبها الثاني لكنها تمدح الأول، ومع أنه أساء إليها بالطلاق لكن قلبها معلق به.. يقول أبو تمام:

    كم منـزل في الأرض يعشقه الفتى     وحنينه أبداً لأول منزل

    ويقول أحد الشعراء:

    وعين الرضا عن كل عيب كليلة     كما أن عيب السخط تبدي المساويا

    يقول: إنك إذا رضيت عن إنسان رأيت سيئاته حسنات، ورأيته كامل الأوصاف، حتى تجد بعض الناس يصف صديقه وأنت لم تره فيقول: ولي من الأولياء، لا إله إلا الله! تتذكر أولياء الله إذا رأيت وجهه.. ثم يحسبه وينسبه حتى كأنه يصف أبا بكر الصديق، فإذا رأيته، فما هو بذاك الوصف الذي وصفه، لكنه أحبه، وتجد بعض الناس إذا أبغض إنساناً فإنه يدخل عليه بالمداخل، يقول: فيه كذا وكذا، ويتتبع السقطات والعثرات، فإذا رأيته وإذا هو أعظم وأكبر مما قيل فيه، فحب الشيء يعمي ويصم.

    وصف محاسن النساء للرجل إذا كان مأموناً

    الرابعة عشرة: فيه جواز وصف النساء ومحاسنهن للرجل.

    جواز السجع

    الخامسة عشرة: فيه جواز السجع إذا كان بغير تكلف.. والسجع هو أن تنهي الكلمات بحرف واحد متسق، وهو جميل في الكلام، لكن إذا خرج إلى حد الكلفة فهو مذموم، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم تشاكست عنده امرأتان، فقام رجل من غطفان فقال: {كيف أغرم من لا نطق ولا استهل، ومن لا شرب ولا أكل، فمثل ذلك يطل! فقال عليه الصلاة والسلام: أسجع كسجع الكهان؟} لأنه تكلف، وإلا ففي القرآن سجع لكنه جميل وغير متكلف، وفي كلامه صلى الله عليه وسلم بعض السجع، ولكنه جميل وحبيب إلى النفوس، وغير متكلف.

    من أحكام الطلاق

    السادسة عشر: فيه أن الطلاق لا يقع بالمشابهة.. وقد ذكرها الحافظ ابن حجر وقال: فيه أن الكناية في الطلاق لا تقع إلا مع مصاحبة النية منه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {أنا كـأبي زرع} وأبو زرع طلقها، ولكن لا يشبهه من كل جانب، ومن الأحاديث يؤخذ أن المشبه لا يقتضي أن يكون كالمشبه به، فقد يخالفه في بعض الشيء، وتقول محمد كالأسد في الشجاعة، لكنه ليس كالأسد في براثنه ومخالبه وجلده، وعينيه، وهذا أمر معلوم.

    جواز مدح الرجل في وجهه

    السابعة عشرة: فيه مدح الرجل في وجهه، إ ذا علم أن ذلك لا يفسده.

    ومسائل الحديث كثيرة، وقد شرحه القاضي عياض في كتاب كبير، ويقول الحافظ: استقصيت من شرحه وهم يقاربون العشرة من أهل العلم، وإنما شرحته؛ لما فيه من الحكم والفوائد؛ ولما فيه من اللطائف والأنس؛ ولأنه قد يعرض لبعض طلبة العلم، وفيه بعض الكلمات الغريبة التي تحتاج إلى مراعاة وإلى مراجعة.

    1.   

    رسالة من فنان تائب

    ختاماً: نقرأ عليكم بعض ما أفادنا به بعض العائدين والتائبين إلى الحي القيوم، الذين أبصروا الحق وأرشدهم الله سواء السبيل، فإن الله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل، وهي بشرى لهذا المسلم أن الله سدده وهداه، واستثمر عمره إن شاء الله فيما يقربه من الله، وعاد عبداً لله عز وجل، بعد أن كان مع المطبلين والمطبلات والمغنين والمغنيات، والماجنين والماجنات، أصبح الآن من عداد الذين يريدون الله والدار الآخرة.

    يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... أنا شاعر كنت أحضر العرضات والطرب، وكنت آخذ على ذلك أجراً من ألفين إلى خمسة آلاف في الحفلة الواحدة، واستمررت على هذا سنين طوال، ولي أشرطة كاسيت مغناة بصوتي مصحوبة بآلة العود، والحمد لله تركت ذلك لوجه الله -أبدلك الله في الجنة خيراً منه- من مدة سنين وتبت إلى الله الواحد الأحد، فأرجو إجابتي على أسئلتي الآتية أثابكم الله:

    أولاً: هل المبالغ التي أخذت من هذه الحفلات حلال أم حرام؟

    ثانياً: إذا لم أستطع القضاء على الأشرطة فما هو الحل؟

    ثالثاً: هل العرضات وقصائدها حرام؟

    التصرف في أموال الغناء بعد التوبة منه

    الجواب:

    أولاً: نحييك باسمي ومن بالمسجد جميعاً، وندعو الله لك التوفيق والهداية، وأن يبدلك في الجنة خيراً مما تركته في الدنيا، فإن من ترك شيئاً لله أبدله الله خيراً منه في الآخرة، ولذلك في مسند الإمام أحمد: أن من ترك الغناء في الدنيا عوضه الله عز وجل بسماع غناء الحور العين في الجنة، ينشدن ويقلن: نحن الناعمات فلا نبأس، نحن الخالدات فلا نبيد، طوبى لمن كنا له وكان لنا، قال ابن القيم:

    قال ابن عباس ويرسل ربنا     ريحاً تهز ذوائب الأغصان

    هذا غناء أهل الجنة أن الله يرسل ريحاً رطبة هينة سهلة لينة على أغصان الجنة -نسأل الله تلك الأمكنة- فتهز الأغصان فتتلألأ، وتصطك الأغصان، فتحدث صوتاً عجيباً، آخذاً بالقلوب، فيعوضه الله عز وجل من ترك الغناء في الدنيا.

    قال ابن عباس ويرسل ربنا     ريحاً تهز ذوائب الأغصان

    فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الإنسان     كالنغمات بالأوزان

    ياخيبة الآذان لا تتعوضي     بلذاذة الأوتار والعيدان

    فأنت -إن شاء الله- ممن يستمع الغناء الطيب، يوم تبت إلى الله وأنبت وراجعت حسابك مع الواحد الأحد.

    أما: هل المبالغ التي أخذتها حلال أم حرام؟ فهذه المبالغ أولاً: يطلب منك أن تصرفها في مصارف الخير، وأن تتوب إلى الله عز وجل منها؛ لأنك أخذتها من أموال غير مشروعة، وهي أموال أقل قصاراها وأحكامها الكراهة والشبهة، فأنت تتقي الله ما استطعت، لا نقول لك احسب كل ريال دخل عليك وخرج، لكن تصدق بقدر المستطاع، عل الله أن يغفر لك مازل أو ما أكلت أو ما لبست، أما أن نقول لك: احسب كل حفل وكل ما حضرت وأخرج، فهذا شاق، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وعفا الله عما سلف، فنسأل الله أن يعفو عنك، لكن أنصحك بكثرة الصدقة، وإن كان عندك رصيد فاجعله في ميزان حسناتك عند الله، إما في مسجد، وإما للمجاهدين, وإما للفقراء، وإما أن تجعله في عين أو مشروع خير لينفع المسلمين، أو تتصدق به، وأما أن يلزمك الكل فلا، عفا الله عما سلف، واتقوا الله ما استطعتم، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

    وأما إذا لم تستطع القضاء على الأشرطة فما هو الحل؟ الحل مادام أن عندك موهبة شعرية، فعليك أن تكثر من الاستغفار والذكر أكثر من كل الناس؛ لأن الله ذكر الشعراء في القرآن، فقال: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا [الشعراء:227] فذكر الله الذكر هنا لأنهم أكثر الناس كلاماً، ونشيداً وقصائد، فأمرهم بكثرة الذكر، فأكثر من الاستغفار لكثرة قصائدك وأشعارك، حتى يكافئ هذا هذا.. إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114] وما دام أن الموهبة عندك، فأنا أدلك على نظم القصائد الإسلامية التي تمدح فيها الإسلام، وتذكر الناس بالعودة إلى الله، والتوبة إلى الواحد الأحد , وتذكرهم بالقبر والحوض والميزان، وتنظم في العقائد والأخلاق، وتمدح أهل الدين والاستقامة، وتذم أهل الفسق والفجور، حتى تكون داعية من دعاة الإسلام، بشرط ألا يطغى عليك الشعر حتى يأخذ أوقاتك، وبشرط ألا يصاحب شعرك عود أو وتر أو ناي، أو دف أو طبل، بل تكن شاعراً تنظم هكذا في المجالس بلا آلة موسيقى، وتكون موجهاً، ويكون لك -إن شاء الله- لسان صدق عند الله، من الذين يحشرون تحت علم حسان بن ثابت شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وأما: هل العرضات وقصائدها حرام؟ فهذا يسأل فيه أهل الفتيا من أهل العلم، ويحال إلى هيئة كبار العلماء؛ لأنها مسائل عصرية اجتهادية، (وولِّ حارها من تولى قارها) فأنت تسألهم، وعليك أن تنقذ نفسك، وهذه الأمور فأنت لا تُسأل عنها، لكن عليك أن تنقذ نفسك، ويحال هذا السؤال إلى كبار العلماء ليفتوا عنه.

    وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.