اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حديث أم زرع للشيخ : عائض القرني


حديث أم زرع - (للشيخ : عائض القرني)
ما أعظم خلق النبي صلى الله عليه وسلم مع أهله وأزواجه صلى الله عليه وسلم، وما أعظم لغة العرب وما أجملها!ففي حديث أم زرع تجد العجب العجاب من الوصف، إحدى عشرة امرأة، كل واحدة تصف أخلاق زوجها، والنبي يسمع عائشة وهي تذكر كلام هؤلاء النسوة، وفي آخر المطاف يعلق النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة فيها منهج لكيفية معاملاته لنسائه وقد آتاه الله جوامع الكلم فقال: (كنت لك كأبي زرع لأم زرع) تصفح هذه المادة؛ لترى قصة أبي زرع وأم زرع.
نص حديث أم زرع
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أمَّا بَعْـد:فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته..معنا في هذه الليلة ومع صحيح البخاري حديث عجيب غريب، وهو ندوة حوار بين إحدى عشرة امرأة، اجتمعن يوماً من الدهر وتعاقدن وتعاهدن ألا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئاً، وتكلمت كل امرأة منهن بمعاملتها مع زوجها ومعاملة زوجها معها، وفي يوم من الأيام جلس رسول الهدى صلى الله عليه وسلم مع عائشة رضي الله عنها وأرضاها مداعباً ومؤانساً ومحدثاً، فقصت عليه خبر النسوة، عليه أفضل الصلاة والسلام.فلنستمع إلى هذا الحديث الذي رواه البخاري في (باب حسن المعاشرة مع الأهل).قال رحمه الله تعالى: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن وعلي بن حجر قالا: أخبرنا عيسى بن يونس قال: حدثنا هشام بن عروة عن عبد الله بن عروة عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: (جلس إحدى عشرة امرأة، فتعاهدن وتعاقدن ألا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئاً، قالت الأولى: زوجي لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل. قالت الثانية: زوجي لا أبث خبره، إني أخاف ألا أذره، إن أذكره أذكر عجره وبجره. قالت الثالثة: زوجي العَشَنَّق، إن أَنْطِق أُطَلَّق، وإن أسكت أُعلَّق. قالت الرابعة: زوجي كلَيْلِ تهامة، لا حَرَّ ولا قَرَّ ولا مخافة ولا سآمة. قالت الخامسة: زوجي إن دخل فَهِدَ، وإن خرج أَسِدَ، ولا يسأل عما عهد. قالت السادسة: زوجي إن أكل لف، وإن شرب اشتف، وإن اضطجع التف، ولا يولج الكف ليعلم البث. وقالت السابعة: زوجي غياياء أو عياياء، طباقاء، كل داءٍ له داء، شجَّكِ أو فلَّكِ أو جمع كلاًّ لكِ. قالت الثامنة: زوجي المس مس أرنب، والريح ريح زرنب. قالت التاسعة: زوجي رفيع العماد، طويل النجاد، عظيم الرماد، قريب البيت من الناد. قالت العاشرة: زوجي مالك وما مالك؟! مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح، إذا سمعن صوت المزهر، أيقن أنهن هوالك. قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع فما أبو زرع؟ أناس من حلي أذني، وملأ من شحم عضدي، وبجحني فبجحت إلي نفسي.. وجدني في أهل غنيمة بشق، فجعلني في أهل صهيل وأطيط، ودائس ومنق، فعنده أقول فلا أقبح، وأرقد فأتصبّح، وأشرب فأتقنّح. أم أبي زرع فما أم أبي زرع؟ عكومها رداح، وبيتها فساح. ابن أبي زرع فما ابن أبي زرع؟ مضجعه كمسل شطبة، ويشبعه ذراع الجفرة. بنت أبي زرع فما بنت أبي زرع؟ طوع أبيها، وطوع أمها، وملء كسائها، وغيظ جارتها. جارية أبي زرع، فما جارية أبي زرع؟ لا تبث حديثنا تبثيثاً، ولا تنقث ميرتنا تنقيثاً، ولا تملأ بيتنا تعشيشاً قالت: فخرج أبو زرع ذات يوم والأوطاب تمخض، فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين، يلعبان من تحت خصرها برمانتين، فطلقني ونكحها، فنكحت بعده رجلاً سرياً، ركب شرياً، وأخذ خَطِياً، وأراح علي نعماً ثرياً، وأعطاني من كل رائحة زوجاً، وقال: كلي أم زرع وميري أهلك، فلو جمعت كل شيء أعطانيه، ما بلغ أصغر آنية أبي زرع. قالت عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنت لك كـأبي زرع لـأم زرع).هذا الحديث من أعقد وأغرب الأحاديث في كتب السنة، وقد شرحه ما يقارب عشرة من العلماء، كل شرح في مجلد، وأعظم من شرحه القاضي عياض، قاضي المغرب وعالمها، وابن حجر شرحه فيما يقارب ثلاثين صفحة وهو حديث عجيب، فيه أكثر من خمس وعشرين فائدة، سوف تمر بنا بإذنه سُبحَانَهُ وَتَعَالى، والآن نأتي إلى الشرح.
 عائشة تتكلم والنبي صلى الله عليه وسلم ينصت
يقول البخاري: (باب حسن المعاشرة مع الأهل).. يقول: كيف يكون المسلم مع أهله في حسن المعاشرة، وفي وطء الكنف ولين الجانب وفي السهولة.. كيف يكون؟ ثم يأتي بحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم مع عائشة، ويظهر لنا أن الرسول عليه الصلاة والسلام مع كثرة أشغاله وأعماله وارتباطاته وما يأتيه من نوائب، بل أمور الأمة تدار على كفه عليه أفضل الصلاة والسلام، وأحداث الأمة وجهادها وإدارتها وقيادتها؛ ومع ذلك وجد وقتاً يستمع إلى مثل هذا الكلام، وهذا من لين جانبه وحلمه ومن بره عليه أفضل الصلاة والسلام، كما قال تبارك وتعالى: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].ثم أتى البخاري يتكلم بهذه القصة العجيبة.. الرسول عليه الصلاة والسلام كان يحب عائشة أكثر من سائر نسائه، وكانت عائشة مع ذلك بنت أبيها، فـأبو بكر أحفظ الناس وأفصحهم وأصفحهم.. يحفظ السير والأنساب والأخبار والأشعار، وإذا تكلم أبو بكر في مجلسٍ من مجالس العرب سكتوا جميعاً، فأتت ابنته عائشة تشبهه، ومن يشابه أبه فما ظلم.تلك العصا من هذه العُصية لا تلد الحية إلا حية فكان عليه الصلاة والسلام يأنس لحديث عائشة، ويسألها عن أخبار الناس؛ لأنها -كما قال الزهري: كانت تحفظ ثمانية عشر ألف بيت شعر، وكانت تحفظ أخبار العرب، وما وقع أيام العرب وقصص العرب، وفي غدوة من الغدوات جلس عليه الصلاة والسلام مستريحاً هادئ البال مطمئن النفس، فأخذ يداعب ويمازح زوجته المبرأة الطاهرة الصديقة بنت الصديق، فأخذت تقول: يا رسول الله! جلس نسوة تلف بهم الدهر.. وهؤلاء النساء قال أبو محمد بن حزم الظاهري: هن من خثعم، وهي من قبائل الجنوب الشهيرة في التاريخ، ومن هذه القبيلة الخثعمي الذي يقول: ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد لقد زادني مسراك وجداً على وجدي ومنها الشنفرى الأزدي صاحب لامية العرب، وكثير من الأخيار والشعراء.فقال أبو محمد بن حزم، قال: هن من خثعم وقال بعضهم: هن من اليمن. ولا يهمنا أن يَكُنَّ من اليمن أو من غطفان أو من خثعم أو مدغشقر، إنما الفائدة أنهن جلسن فاسمع الكلام.فتقول عائشة والرسول ينصت، معلم الخير ومربي الإنسانية ينصت إلى الكلام، وفي الأخير سوف يعلق عليه الصلاة والسلام بكلام. قالت تخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم: {جلس إحدى عشرة امرأة فتعاقدن وتعاهدن ألا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئاً} إحدى عشرة امرأة خلا لهن الجو..خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري خرجن من البيوت واجتمعن، قال أهل العلم كما قال ابن حجر: إذا اجتمع النساء فأكثر حديثهن في الرجال، وإذا اجتمع الرجال فأكثر حديثهم في المعاش. أي: في الدخل والكسب والراتب والتقاعد والزيادات والعلاوات، وربما يخلطون كلاماً من كلام النساء، أي: يتحدثوا في النساء، لكن هذا في النادر، أما إذا اجتمعت اثنتان من النساء المتزوجات، فأكثر كلامهن في الرجال، ماذا فعل زوجها وماذا صنع؟ أخلاقه.. معاملته.. زياراته.. صلته.
صفة زوج الأولى
قالت: فتعاهدن عهداً بالله ألا تكذب الواحدة على أخواتها في هذا الأمر ( وتعاقدن ألا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئاً).
 زوج الأولى أيضاً يصعب نيل الشيء منه
وتقول: {(على رأس جبل)} وهذا وعورة خلقه، فليت هذا اللحم الذي فيه بعض الخُلق قريب منا، لكنه على رأس جبل، أي أنه لا يتحقق الطلب منه إلا بعد شق الأنفس، إذا طلبت منه شيئاً تظل تراجعه وتمدحه بمحاضرات وتدعو له في أدبار الصلوات، وتبكي بين يديه حتى يأتي بهذا الطلب، فطلبه كلحم الجمل الغث على رأس الجبل.{قالت: (لا سهل فيرتقى)} أي: ليس الجبل سهلاً فنرتقي ونأخذ هذا الغث، وليس اللحم سميناً حتى ننقله.. وهذا من أبلغ الأوصاف، وهذا يسمى اللف والنشر عند أهل العلم، فهي قد لفت الكلام ثم نشرته، كما قال الحفاظ وقد سئل ابن تيمية عن الفلسفة وعلم المنطق فقال: (علم المنطق والفلسفة لحم جمل غث على رأس جبل، لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل) وهذا من أحسن ما يستشهد به في مثل هذه المواضع، فإذا سئلت عن علم من العلوم لا ينفع ولا يفيد ولا يقدم شيئاً فوصفه هذا، وذلك مثل بعض العلوم العصرية التي لا تنفعك في الدنيا ولا في الآخرة، مثل علم الفلسفة، علم الكلام، وعلم المنطق.. لحم جمل غث على رأس جبل، لا الجبل سهل فيرتقى فيه ويؤخذ اللحم، وليس اللحم مع صعوبة الجبل يستحق الحمل. إذاً الأولى ذمت زوجها باللف والنشر، أوجزت ثم نشرت خبره؛ لأنها عاهدتـهم ألا تكتم، فهو من أسوأ الرجال خلقاً نعوذ بالله من ذلك، وسوف تأتي فائدة هذا الكلام في آخر الدرس.
الثانية زوجها كثير العيوب
(قالت الثانية: زوجي لا أبث خبره) تقول: السكوت أحسن، أي: لا أريد أن أخبركم بأشياء، لكن اسمعوا مني موجزاً فهو أشر مما أتكلم به عنه، فالرجل فوق ما أتكلم، وأنا لا أستطيع أن أصف السوء الذي فيه من كثرة سوئه وفحشه.. ( لا أبث خبره، إني أخاف ألا أذره) لا أترك شيئاً، أخاف إذا بدأت في الكلام ألا أسكت حتى غروب الشمس مما فيه من القبائح والمعايب، لكن السكوت أحسن.
 معنى عجره وبجره
{إن أذكره أذكر عجره وبجره} العجر: عروق في البطن، والبجر: عروق في الظهر، ومعنى الكلام العجر والبجر: الهموم والأحزان والعيوب والقبائح. تقول: فيه عجر وبجر، فهو على الهموم والأحزان، ويورث الإنسان هموماً وأحزاناً، أي أنه يأتي بالحمى الشوكية.علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه لما قُتِل طلحة في معركة الجمل بكى كثيراً وقال: [[اللهم إني أشكو إليك عجري وبجري]] وهذا في خطبته المشهورة الصحيحة، ومعناه: يا رب أشكو إليك همومي وأحزاني وما جرى لي، وما عندي من المصائب والكوارث؛ لأنه فقد الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم ماتت زوجته فاطمة، وفقد أبا بكر وعمر وعثمان، ثم قتل الصحابة ثم اختلفت الأمة بين يديه، ثم أتت عليه الخوارج وتكالبت عليه الدنيا من كل مكان، فقال: [[اللهم إني أشكو إليك عجري وبجري]] ويعلق ابن كثير على هذا الكلام فيقول: عجيب يختلفون على أبي الحسن علي بن أبي طالب وهو أخشى أهل الأرض، وأعلم أهل الأرض، وأزهد أهل الأرض في عهده، يقول: لا يعطونه الخلافة، ويختلفون عليه وهو في عهده أخشى أهل الأرض وأزهد أهل الأرض.. فالشاهد أنه ضاقت به أيامه ولياليه رضي الله عنه فقال: [[اللهم إني أشكو إليك عجري وبجري]] أي: دسائسي وغلائلي وهمومي وأحزاني ويقال: إنه سأل الله الشهادة فوفقه الله للشهادة.فتقول المرأة: أنا لا أتكلم في هذا الرجل يكفي أني أعطيتكم موجزاً، والأحسن أني لا أتكلم؛ لأن الكلام لا يفي، وسوف آخذ عليكم الوقت لو تكلمت فيه.
الثالثة تصف زوجها بأوصاف عجيبة
( قالت الثالثة: زوجي العَشَنَّق)
 إن أسكت أُعَلَّق
تقول: {وإن أسكت أعلق} أي: وإن أسكت عن الكلام معه فأنا معلقة. كما قال سبحانه: فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ [النساء:129] والمعلقة: هي التي ليست مطلقة فتعرف طريقها، ولا عندها زوج يحفظها، إنما هي في البيت متزوجة، لكنها منتسبة وليست منتظمة في الزواج، فهي معلقة في البيت، وإذا تكلمت فالطلاق جاهز ولقد وصفته بأبلغ الأوصاف وذلك من جهة المعنى، وإلا فهي أقبح الأوصاف إرادةً وقصداً.
وقفة مع زوج الرابعة
(قالت الرابعة: زوجي كَلَيْلِ تهامة لا حَرَّ ولا قَرّ ولا مخافة ولا سآمة).
 الوسطية في الأخلاق من الصفات الحسنة
يقول الشافعي: (من استغضب فلم يغضب فهو حمار) أي: أنه يرى المحرمات تنتهك فيقول: الحمد لله الذي رزقني هذا الحلم الواسع، اللهم زدنا من الحلم. وهذا -والعياذ بالله- يسمى دياثة، أن يرى محارم الله في بيته تنتهك، ويرى حدود الله تتعدى، ويرى الحرمات تقطع، وهو لا يغضب!! ورجل آخر يغضب بدون سبب، فهو أحمق.. فذاك يبلغ به التبلد إلى الغباء، وهذا يبلغ به درجة الغضب إلى الحمق، لكن هذا وسط، يغضب في موطن الغضب ويرضى في موطن الرضا.ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى (لا حر ولا قر) القر: شدة البرد، يقول علي رضي الله عنه وهو يخطب في أهل العراق: [[يا أشباه الرجال ولا رجال، أحلام الأطفال وعقول ربات الحجال.. إن قلت: انفروا في الحر، قلتم: حر، وإن قلت: انفروا في البرد، قلتم: قر، فإلى متى حر وقر؟!]] وهو يعلن النفير للجهاد، فالحر شدة الحر، والقر شدة البرد.
وصف الخامسة لزوجها
(قالت الخامسة: زوجي إذا دخل فِهِدَ، وإذا خرج أَسِدَ، ولا يسأل عما عَهِد) فَهِدَ: مشتق من الفهد، والفهد حيوان معروف أصغر من الأسد.. وقد احتار كثير من أهل العلم في وصف الخامسة لزوجها. ولا تقولوا: هذا الكلام ماذا نستفيد منه، فقد استمعه سيد الخلق عليه الصلاة والسلام، وأشرف الخلق، وأكرم من مشى على الأرض. تقول: زوجها (إذا دخل فهد) إذا دخل فهو يشبه الفهد، كأنه فهد، قيل: إما أنها تسبه أو تمدحه، فإن سبته قالت: كثير النوم مثل الفهد، أي: لا يستفاد منه، يقدم له العشاء وهو ينعس، فتقول: كثير النوم وكثير الاستغراق في النعاس، يقول الجاحظ: أكثر الحيوانات نوماً الفهد فإنه ينام أكثر مما يستيقظ، وإذا تعب قليلاً ألقى رأسه وأتاه النوم، حتى ربما تأتي عليه الفئران وتعتدي على رأسه وهو لا يشعر.
 زوج الخامسة لا يسأل عما عهد
تقول: (ولا يَسأل عما عَهِد) فهي تمدحه وتقول: نحن في خير وفي نعيم لا يسأل لماذا أكلنا كثيراً، ولا لماذا صرفنا هذا، ولا لماذا لبسنا كثيراً.. فإن الكريم من الرجال لا يَسأل عن المصروفات عنها من كرمه.
زوج السادسة كثير الأكل والشرب
(قالت السادسة: زوجي إن أكل لف، وإن شرب اشتف، وإن اضطجع التف، ولا يولج الكف ليعلم البث) فهي تصف زوجها بالنهمة في الأكل، والعرب تعيب ذلك، فهي تقول: أكل الطعام عليها، الغداء والعشاء والفطور، ولم يبقِ لها شيئاً، تقول: إذا أكل لف.. ما يعرف الأكل بالأصابع، والسنة الأكل بثلاثة أصابع قبل وجود الملاعق، فلما اكتشفت الملاعق في هذا القرن جاز أن يؤكل بالملاعق، فكان الصحابة يأكلون بثلاث، لكن هذا فيما يقبل الأكل بالثلاث، أما الأرز وما يدخل في حكمها فلك أن تأكل بالأربع والخمس.فهو إن أكل لف أي: يلف الأكل لفاً، ويقولون: يجمعه جمعاً (وإن شرب اشتف) أي: يبتلعه حتى يجرجر نحره كأنه ثور وما يمصه مصاً، ونحن نؤمر في السنة أن نمص الماء مصاً، لا نبتلعه بلعاً حتى يجرجر؛ لأن هذا يؤذي الحلق. (وإن اضطجع التف) تقول: من وحشته أنه إذا اضطجع أخذ فراشاً وحده، ولا يقترب من زوجته، فهو شرس الخلق لا يُقترب منه (ولا يولج الكف) الكف معروف، (ليعلم البث) تقول: أمرض كثيراً وتصيبني الحمى لكن ليس عنده لطف، ومن لطف الرجل مع أهله، مع أخته أو مع زوجته أن يقترب -كما كان يفعل صلى الله عليه وسلم- ويضع يده على كتفها أو على رأسها أو على كفها ويرى حرارتها، وهذا من اللطف والأنس، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا وجد بعض أصحابه ربما شبك أصابعه بأصابعه أنساً له، وربما داعبهم فضرب في صدورهم، وربما أخذ أحدهم يمازح بكتفه وبعنقه عليه الصلاة والسلام. فهذه المرأة تقول: هذا ليس عنده من اللطف شيء.. يأكل الأكل علينا، ويشرب الشراب علينا، ويبتعد بنومه، ولا يمرِّضنا ولا يسأل عنا.
 كثرة الأكل
وكثرة الأكل أمر موجود، وقد يكون جبلة، وقد يأتي بالكسب والتدريب والرياضة، فإن بعضهم يبدأ قليل الأكل ثم يفتح الله عليه ويهديه، فيصبح من أكثر الناس أكلاً، ولذلك روى ابن قتيبة وابن عبد ربه وابن كثير وابن جرير عن p=1000258>عمرو بن معد يكرب الزبيدي أنه كان من أكثر الناس أكلاً، وهو الذي يذكره أبو تمام في قوله:إقدام عمرو في سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء إياس
صفات زوج السابعة
(قالت السابعة: زوجي غياياء أو عياياء، طباقاء، كل داء له داء، شَجَّكِ أو فَلَّكِ أو جمع كلاً لكِ).
 معنى قولها: شجك أو فلك..
{ شَجَّكِ أو فَلَّكِ أو جمع كلاً لك} شجك أي: لا يضرب إلا ويشج، فإذا ضرب كسر شيئاً من العظام، فهو لا يعرف المهادنة (أو فلك) قيل: الشج في الجلد والفل في العظم، وبعض أهل اللغة -كما قال ابن حجر - عكس ذلك، وقال: الشج في العظم والفل في الجلد.. فهي تقول: هو لا يعرف المهادنة دائماً، فإذا ضرب إما أن يجرح وإما أن يكسر شيئاً.. إما أن يكسر السن أو يجرح اليد أو يكسر الإصبع؛ فهو لجهله ولسوء خلقه يفعل ذلك (أو جمع كلاً لك) وفي بعض المرات يفتح الله عليه فيجمع الشج والفل، يجرح ويكسر.. مرة يكسر، ومرة يجرح، ولكن في بعض الأوقات يجرح ويكسر.
الثامنة زوجها لطيف الخلق طيب الرائحة
(قالت الثامنة: زوجي المس مس أرنب والريح ريح زرنب) تقول: لطيف الخلق مثل شعر الأرنب، دعوب قريب من النفوس!
 الزرنب شجر طيب الرائحة
والزرنب شجر طيب الرائحة ينبت في نجد، واستشهدوا على ذلك بقول الأول: بأبي أنت وفوك الأشنب كأنما ذر عليه الزرنب امرأة تمدح زوجها وتقول: أفديك بأبي وأفدي فمك الأشنب، أي: المليح والرقيق الأسنان، (كأنما ذر عليه الزرنب) وهو نبت طيب الرائحة.قالت: والريح ريح زرنب. أي: أنه من مسكه وطيبه مثل الزرنب، وهذا مطلوب في الرجل؛ أن يكون طيب الرائحة؛ لأن المرأة تطلب من الرجل كما يطلب هو منها، فلا يقترب منها إلا طيب الفم، طيب الرائحة، طيب الخلق.. ومن حقوق المرأة أن يكون الزوج طيب الرائحة.
التاسعة تصف زوجها بالكرم
(قالت التاسعة: زوجي رفيع العماد) رفيع العماد، تقول: عماد البيت، أنه من كرمه وسؤدده يرفع بيته ويبنيه على شرفات الطرق، لا يذهب وينـزوي في الحارات ويختفي، وإذا سألوه عن بيته قال: إذا أخذت الشارع إلى اليمين، لف إلى اليسار، فإذا أخذت اليسار لف إلى اليمين، فإذا فعلت ذلك لف لليسار حتى يضيع الذي يستدل، أما الكرماء فإن بيوتهم مشهورة، ولذلك يقول الأول:ولست بحلَّال التلاع مخافة ولكن متى ما يسترفد القوم أرفد فهو يمدح نفسه يقول: أنا ما أنزوي في المزابل وفي القمائم وفي آخر الحارات، أنا بيتي كأنه علم في رأسه نار، قالت: رفيع العماد أي: بيته مشهور، ولذلك ذكروا عن إبراهيم عليه السلام أن بيته كان باليفاع، أي بالصحراء وكان له قصر له بابان، يقول: من يدخل من هنا يتغدى ويخرج من هنا، فلكرمه كان دائماً يقول لعبيده ورقيقه: من يأتي منكم اليوم بضيف فهو حر لوجه الله، يقول ابن الجوزي في صيد الخاطر -وسوف تجدونه في باب الصوفية - يقول: عجباً للصوفية يقولون: حرام جمع المال! وإبراهيم عليه السلام اختلطت مواشيه وإبله وبقره وغنمه بإبل لوط عليهما السلام حتى انتقل بعضهم من بعض من كثرة المواشي.
 من صفات زوج التاسعة أنه طويل النجاد
قالت: (طويل النجاد) النجاد قيل: هو ممسك السيف، وقيل: خباء السيف وقيل: غمده، فهو من شجاعته طويل النجاد، وهو طويل الجسم كذلك.. (عظيم الرماد) عظيم الرماد معناه: أنه كريم، وليس معناه أن عنده كيراً، ولكنه من كثرة ما يحرق ويطبخ كان من أعظم الناس رماداً..(قريب البيت من الناد) أي: أن بيته في متناول اليد فإذا سألت عنه وجدته قريباً من الناس.
العاشرة تصف زوجها بقمة الكرم
(قالت العاشرة: زوجي مالك! وما مالك؟ مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح، إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك) تمدح زوجها بالكرم، وتقول: له إبل كثيرة، وإذا أتاه الضيف حرك السكين فتعرف الإبل أنهن هوالك، فتمد الناقة عنقها، وتتهيأ على الأرض لتنحر، فهو قد تعود على ذلك.تعود بسط الكف حتى لو انه أراد انقباضاً لم تطعه أنامله هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحله ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق الله سائله تقول: من كرمه أن عنده نوقاً كثيرة وإبلاً، فما يأتي الضيف إلا ويحرك المزهر.. قيل: المزهر.. الآلة التي تنحر بها الإبل، وقيل: عود يجمع به الإبل، ولكن كأنه -والله أعلم- آلة نحر للإبل. (قليلات المسارح) أي: لا يسرح إبله إلى المرعى، بل هي جاهزة، بجانب البيت حتى يأتي الضيوف فينحرهن لهم، وأما البخيل فإنه يسرحها إلى المرعى، والكريم يجهزها للضيوف، ومن عادة العرب.
 من صفات زوج التاسعة أنه طويل النجاد
قالت: (طويل النجاد) النجاد قيل: هو ممسك السيف، وقيل: خباء السيف وقيل: غمده، فهو من شجاعته طويل النجاد، وهو طويل الجسم كذلك.. (عظيم الرماد) عظيم الرماد معناه: أنه كريم، وليس معناه أن عنده كيراً، ولكنه من كثرة ما يحرق ويطبخ كان من أعظم الناس رماداً..(قريب البيت من الناد) أي: أن بيته في متناول اليد فإذا سألت عنه وجدته قريباً من الناس.
قصة أم زرع
والآن مع أم زرع وسوف تتكلم كثيراً.
 أم زرع تحن إلى زوجها الأول
(قالت: فلو جمعت كل شيء أعطانيه، ما بلغ أصغر آنية أبي زرع) تقول: مع أن هذا الأخير أسدى إليَّ كل هذا، أسدى، لكن لو جمعت كل شيء أعطانيه في أصغر الآنية التي كان يعطيني فيها أبو زرع، ما بلغت شيئاً، فقلبها معلق بالأول، قالت عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {كنت لك كـأبي زرع لـأم زرع}.
فوائد الحديث
في الحديث فوائد:
  جواز مدح الرجل في وجهه
السابعة عشرة: فيه مدح الرجل في وجهه، إذا علم أن ذلك لا يفسده.ومسائل الحديث كثيرة، وقد شرحه القاضي عياض في كتاب كبير، ويقول الحافظ: استقصيت من شرحه وهم يقاربون العشرة من أهل العلم، وإنما شرحته؛ لما فيه من الحكم والفوائد؛ ولما فيه من اللطائف والأنس؛ ولأنه قد يعرض لبعض طلبة العلم، وفيه بعض الكلمات الغريبة التي تحتاج إلى مراعاة وإلى مراجعة.
رسالة من فنان تائب
ختاماً: نقرأ عليكم بعض ما أفادنا به بعض العائدين والتائبين إلى الحي القيوم، الذين أبصروا الحق وأرشدهم الله سواء السبيل، فإن الله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل، وهي بشرى لهذا المسلم أن الله سدده وهداه، واستثمر عمره إن شاء الله فيما يقربه من الله، وعاد عبداً لله عز وجل، بعد أن كان مع المطبلين والمطبلات والمغنين والمغنيات، والماجنين والماجنات، أصبح الآن من عداد الذين يريدون الله والدار الآخرة. يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... أنا شاعر كنت أحضر العرضات والطرب، وكنت آخذ على ذلك أجراً من ألفين إلى خمسة آلاف في الحفلة الواحدة، واستمررت على هذا سنين طوال، ولي أشرطة كاسيت مغناة بصوتي مصحوبة بآلة العود، والحمد لله تركت ذلك لوجه الله -أبدلك الله في الجنة خيراً منه- من مدة سنين وتبت إلى الله الواحد الأحد، فأرجو إجابتي على أسئلتي الآتية أثابكم الله: أولاً: هل المبالغ التي أخذت من هذه الحفلات حلال أم حرام؟ ثانياً: إذا لم أستطع القضاء على الأشرطة فما هو الحل؟ ثالثاً: هل العرضات وقصائدها حرام؟
 التصرف في أموال الغناء بعد التوبة منه
الجواب: أولاً: نحييك باسمي ومن بالمسجد جميعاً، وندعو الله لك التوفيق والهداية، وأن يبدلك في الجنة خيراً مما تركته في الدنيا، فإن من ترك شيئاً لله أبدله الله خيراً منه في الآخرة، ولذلك في مسند الإمام أحمد: أن من ترك الغناء في الدنيا عوضه الله عز وجل بسماع غناء الحور العين في الجنة، ينشدن ويقلن: نحن الناعمات فلا نبأس، نحن الخالدات فلا نبيد، طوبى لمن كنا له وكان لنا، قال ابن القيم:قال ابن عباس ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصان هذا غناء أهل الجنة أن الله يرسل ريحاً رطبة هينة سهلة لينة على أغصان الجنة -نسأل الله تلك الأمكنة- فتهز الأغصان فتتلألأ، وتصطك الأغصان، فتحدث صوتاً عجيباً، آخذاً بالقلوب، فيعوضه الله عز وجل من ترك الغناء في الدنيا.قال ابن عباس ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصان فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الإنسان كالنغمات بالأوزان ياخيبة الآذان لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدان فأنت -إن شاء الله- ممن يستمع الغناء الطيب، يوم تبت إلى الله وأنبت وراجعت حسابك مع الواحد الأحد.أما: هل المبالغ التي أخذتها حلال أم حرام؟ فهذه المبالغ أولاً: يطلب منك أن تصرفها في مصارف الخير، وأن تتوب إلى الله عز وجل منها؛ لأنك أخذتها من أموال غير مشروعة، وهي أموال أقل قصاراها وأحكامها الكراهة والشبهة، فأنت تتقي الله ما استطعت، لا نقول لك احسب كل ريال دخل عليك وخرج، لكن تصدق بقدر المستطاع، عل الله أن يغفر لك مازل أو ما أكلت أو ما لبست، أما أن نقول لك: احسب كل حفل وكل ما حضرت وأخرج، فهذا شاق، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وعفا الله عما سلف، فنسأل الله أن يعفو عنك، لكن أنصحك بكثرة الصدقة، وإن كان عندك رصيد فاجعله في ميزان حسناتك عند الله، إما في مسجد، وإما للمجاهدين, وإما للفقراء، وإما أن تجعله في عين أو مشروع خير لينفع المسلمين، أو تتصدق به، وأما أن يلزمك الكل فلا، عفا الله عما سلف، واتقوا الله ما استطعتم، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.وأما إذا لم تستطع القضاء على الأشرطة فما هو الحل؟ الحل مادام أن عندك موهبة شعرية، فعليك أن تكثر من الاستغفار والذكر أكثر من كل الناس؛ لأن الله ذكر الشعراء في القرآن، فقال: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا [الشعراء:227] فذكر الله الذكر هنا لأنهم أكثر الناس كلاماً، ونشيداً وقصائد، فأمرهم بكثرة الذكر، فأكثر من الاستغفار لكثرة قصائدك وأشعارك، حتى يكافئ هذا هذا.. إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114] وما دام أن الموهبة عندك، فأنا أدلك على نظم القصائد الإسلامية التي تمدح فيها الإسلام، وتذكر الناس بالعودة إلى الله، والتوبة إلى الواحد الأحد , وتذكرهم بالقبر والحوض والميزان، وتنظم في العقائد والأخلاق، وتمدح أهل الدين والاستقامة، وتذم أهل الفسق والفجور، حتى تكون داعية من دعاة الإسلام، بشرط ألا يطغى عليك الشعر حتى يأخذ أوقاتك، وبشرط ألا يصاحب شعرك عود أو وتر أو ناي، أو دف أو طبل، بل تكن شاعراً تنظم هكذا في المجالس بلا آلة موسيقى، وتكون موجهاً، ويكون لك -إن شاء الله- لسان صدق عند الله، من الذين يحشرون تحت علم حسان بن ثابت شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم.وأما: هل العرضات وقصائدها حرام؟ فهذا يسأل فيه أهل الفتيا من أهل العلم، ويحال إلى هيئة كبار العلماء؛ لأنها مسائل عصرية اجتهادية، (وولِّ حارها من تولى قارها) فأنت تسألهم، وعليك أن تنقذ نفسك، وهذه الأمور فأنت لا تُسأل عنها، لكن عليك أن تنقذ نفسك، ويحال هذا السؤال إلى كبار العلماء ليفتوا عنه. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حديث أم زرع للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net