إسلام ويب

وقفات مع حديث الوليللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حديث الولي اهتم به العلماء شرحاً واستنباطاً لما فيه من الأحكام والفوائد الجمة.

    والشيخ في هذا الدرس ذكر مسائل وأحكام كثيرة تتعلق بهذا الحديث، ومن أهم مسائله: أهمية الفرائض، فضل النوافل، وحكم تركها، حكم السنن القبلية والبعدية، وتطرق إلى حكم بعض الصلوات كصلاة الوتر، والتسابيح، ركعتا الوضوء.

    1.   

    حديث الولي

    الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أمَّا بَعْد:

    فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    معنا في هذا اللقاء حديث الولي، وهذا الحديث من أعظم الأحاديث في الإسلام وسوف نتعرض للقضايا التي فيه بإذن الله، وقد أفرده الإمام الشوكاني بمصنف منفرد، وبحث فيه أهل العلم، وأُورد نصه في هذه الجلسة لنسمع هديه صلى الله عليه وسلم، وكلامه العذب:

    عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله تبارك وتعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب عبدي إليَّ بأحب مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه) متفق عليه.

    هذا حديث قدسي يسمى حديثاً إلهياً، والحديث القدسي تعريفه عند أهل المصطلح:

    هو ما كان لفظه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعناه من الله جل وعلا، فالذي تلفظ وتكلم به هو رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، وأما المعنى فهو من الواحد الأحد، وهو يختلف عن القرآن، فالقرآن لفظه ومعناه من الله تبارك وتعالى، والحديث النبوي لفظه من الرسول صلى الله عليه وسلم.

    إذاً الوحي على ثلاثة أقسام:

    قرآن، وحديث قدسي، وحديث نبوي.

    - فالقرآن: لفظه ومعناه من الواحد الأحد.

    - والحديث القدسي: معناه من الله ولفظه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    - والحديث النبوي: معناه ولفظه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    القرآن معجز، والحديث القدسي ليس بمعجز فلا نتعجز به ولا نتعبد به ولا يتلى في الصلاة، ولفظه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعناه من الله.

    حديث الولي فيه مسائل، وأعظم مسألة هي مسألة النوافل التي سوف نتعرض لها.

    النوافل مهمة للولاية

    ما هي النوافل التي وقتها عليه الصلاة والسلام، وهل تصلى كلها في البيت أم لا؟

    وهل هناك سنن تقضى إذا فاتت أم لا؟

    وما درجة أحاديث السنن التي وردت عنه صلى الله عليه وسلم؟

    وما هي السنن التي خالف فيها العلماء: كـابن تيمية وابن القيم، وأنكروا أن تكون سنة؟

    هذه المسائل تقارب اثنتي عشرة مسألة، ويدخل فيها الوتر وصلاة الضحى، وقبل ذلك يقول الله عز وجل: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:2] فما هو الحسن في العمل يا ترى؟

    قال أهل العلم: الحسن في الذوات: الجودة، والحسن في المعاني: الجمال.

    العمل المقبول سبيل الولاية

    وهذا كلام لا نحتاجه كثيراً، ولكنا نحتاج إلى تفسير الآية قال تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:2] قال أهل العلم: أحسن العمل ما توفر فيه شرطان اثنان:

    الشرط الأول: أن يكون خالصاً لوجه الله.

    الشرط الثاني: أن يكون على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فمن أخلص لله في عمله ولم يتابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مبتدع، ففي المبتدعة من هو مخلص، ففي الرافضة من هو مخلص، وفي المرجئة من هو مخلص، وفي المعتزلة من هو مخلص، وفي القدرية من هو مخلص، ولكنه ضال مبتدع.

    ومن تابع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمله ولم يخلص فهو منافق مُراءٍ، في المنافقين من يقتدي بالرسول عليه الصلاة والسلام، وفي المنافقين من يتبع السنة، ولكنه لا يقصد بعمله وجه الله.

    وابن تيمية له كلام طويل يقع في أكثر من مائة صفحة في قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].، وسبب تفسير هذه الآية: أن ابن تيمية رحمه الله أُتي به مقيداً من بلاد الشام..

    قيده النفعيون الماديون، وسجنه الأشاعرة، والمعتزلة المبتدعة، وأهل التصوف المنحرف، وسجنه كذلك النصيريون، سجنه أعداء الإسلام، فهذا الرجل فتح جبهات على أعداء الإسلام، فلما أُتي به مقيداً إلى مصر، دخل المسجد وهو مقيد وكان من أعلم علماء الدنيا، بل هو من أذكى أذكياء العالم، يقول المزي: ما قبل ابن تيمية بخمسمائة سنة أعلم منه! ونحن نقول: ما بعد ابن تيمية إلى الآن أعلم منه!! فدخل فلما فكوا الوثاق من يديه سأله العلماء في مصر أن يتكلم لهم كلمة بعد صلاة العصر.

    وكان كما يقول ابن كثير: كان العلماء إذا جلسوا، أصبحوا تلامذة عند ابن تيمية، قال: واجتمع علماء مصر وما كانوا والله إلا ذرات صادفت جبلاً، أو قطيرات صغيرة صادفت بحراً، فابتدأ بعد صلاة العصر في إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة:5] ما تلعثم ولا توقف، ولا انتظر حتى صلاة المغرب، وهذه المقامة تسمى (مقامة الاستعانة) فيقول: من عبد الله ولم يستعن به فهو مشرك في عمله، ومن استعان بالله ولم يعبده فهو ضال مضل كذلك، والناس في ذلك على أربعة أقسام:

    - قسم يعبد الله ويستعين به وهم المؤمنون.

    - وقسم يعبد الله ولا يستعين به، وهم أهل الدنيا، وأهل الهوى والشهوات.

    - وقسم يستعين بالله ويعبد غيره وهم المشركون.

    - وقسم لا يعبد الله ولا يستعين به، وهم الملاحدة الذين ينكرون الصانع والخالق تبارك وتعالى.

    إذاً الحسن في العبادة يتركز على الإخلاص وعلى متابعة سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام.

    يقول صلى الله عليه وسلم: {يقول الله: من عادى لي ولياً} سبق معنا في مناسبات ولا نقف كثيراً عند لفظ الولي، وأحسن تعريف هو ما ذكره الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في قوله: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63] فهذا تعريف الأولياء في الكتاب والسنة.

    ولـابن تيمية كتاب اسمه (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان) عرف الأولياء، وقال: ليس لهم لباس ولا رداء خاص، ولا مراسيم ولا طقوس خاصة، وإنما قد يوجد الولي مع الفلاحين فهو فلاح، ومع التجار ومع الجند، ومع الحرس، ومع الطلاب، ومع الحكام، ومع المسئولين، بل هو موجود في كل طبقات الناس، الذي يؤمن بالله ثم يتقي الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    1.   

    في فقه النوافل

    الفرائض قبل النوافل

    فيقول عليه الصلاة والسلام: قال الله تبارك وتعالى: {من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بأحب إلي مما افترضته عليه} من الخطأ وقلة الفقه أن يُهتم بالنوافل أكثر من الفرائض، ولذلك تجد بعض الناس يهتم بقيام الليل ويخشع فيه أكثر من اهتمامه وخشوعه في صلاة الفجر، ويهتم بصلاة الضحى أكثر من صلاة الظهر، ويهتم بنوافل الصيام أكثر من صيام رمضان، وهذا من قلة الفقه، ونحن لا نقول بألا يكثر المسلمون من النوافل، لا.. بل الكثرة مع الجودة بلاغ وتمام كمال وجمال، بل المطلوب الجودة والحسن، ولذلك يقص ابن الجوزي في كتاب (تلبيس إبليس) أن كثيراً من غلاة الصوفية كانوا يصلون في النهار أربعمائة ركعة، فإذا أتت صلاة الظهر صلوا وهم في نعاس ونوم، لأنهم فتروا بعد صلاتهم أربعمائة ركعة من الضحى، وهو عمل شاق في هذه الصلاة حتى صلاة الظهر، فإذا دخلت عليه الفريضة إذا به قد تعب وكلَّ وملَّ، وهذه الفريضة هي التي خاطب الله بها الناس، ونادى إليها، ومدحهم بالخشوع والخضوع فيها، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لـأبي هريرة: {أدِّ الفرائض تكن أعبد الناس وفي لفظ: اتق المحارم تكن أعبد الناس} وكلا اللفظين صحيح موجه، ومعناهما مقبول عند أهل السنة والجماعة.

    قوله: {ولا يزال عبدي يتقرب إلىَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به}.

    أفضل النوافل

    أما النوافل: فهي ما سوى الفرائض، فللصلاة وللصيام وللزكاة وللحج نوافل، والذي أريد أن أتحدث عنه في هذا اللقاء نوافل الصلاة، لنكون على بينة.

    ولنعرف ما هي النوافل التي كان يصليها النبي صلى الله عليه وسلم؟

    ثم ما هي الأحاديث والنوافل التي لم يصح فيها حديث أو حديثها ضعيف، أو أبطل أهل العلم العمل بتلك الأحاديث؟

    أولاً: يدور حول هذه المسألة اثنان وثلاثون حديثاً، هي بين صحيح وحسن، أما الأحاديث الضعيفة فهي تربو عن السبعين، ونذكر بعض هذه الأحاديث:

    {يقول ربيعة بن مالك الأسلمي: وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهذه القصة في مسند أحمد وأصل الحديث في صحيح مسلم، لأن البخاري ومسلم، يأخذون أصل الحديث والرواية، والإمام أحمد يفصل فيورد القصة، وقد يفعله البخاري - قال: فلما انتهينا إليه صلى الله عليه وسلم، قال: ألكم حاجة؟ قال: فأما إخواني فقد سألوا رسول الله حوائجهم فقضاها -كانت حوائجهم في الدنيا، طلبوا لباساً وطعاماً، وطلبوا أموراً أخرى- قال: وأنت؟ قلت: أريد أن تناجيني يا رسول الله -يعني تسرني بالكلام- قال: خلوت به عليه الصلاة والسلام، فقال: ألك حاجة؟ قلت: نعم يا رسول الله! قال: وما هي؟ قلت: أريد مرافقتك في الجنة -هذه أعظم حاجة في تاريخ الإنسان، ولم يسمع الإنسان بمثل هذه الحاجة، ومن لم تكن هذه حاجته فليست له حاجة، وليس لله فيه حاجة- قال: مرافقتك في الجنة يا رسول الله! قال: أوغير ذلك؟ -يريد أن يرى عليه الصلاة والسلام هل هو عازم ومصمم على هذا الطريق- قال: لا والله يا رسول الله! قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود} وهذه رواية مسلم، وعنده من حديث ثوبان: {فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة} فكان هذا الصحابي العظيم لا يركب ناقته إلا متوضئاً فإذا نزل من ظهر ناقته صلى ركعتين، فلما سئل عن ذلك قال: {إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: أعني على نفسك بكثرة السجود، فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة}.

    وكثير من أهل العلم من المحدثين والفقهاء يقولون: إن أفضل النوافل هي الصلاة، وهذا سؤال يطرح: ما هي أفضل النوافل عند أهل السنة والجماعة؟ هل هي نافلة الجهاد، أم الصيام أم نوافل الصدقة أم نوافل الذكر أم غيرها؟

    اختلف أهل العلم في ذلك: ذهبت طائفة إلى أن أفضل النوافل هي الجهاد، واستدلوا بحديث ابن عباس: {إلا رجلاً خرج بماله ونفسه ثم لم يرجع منهما بشيء} في العشر من ذي الحجة، فقالوا: الجهاد أفضل نافلة.

    وقال قوم: الصيام أفضل عمل، واستدلوا بحديث أبي أمامة عند أحمد بسند جيد، قال: {عليك بالصيام فإنه لا عدلَ له} أي لا مثيل له.

    وقال قوم: أفضل عمل: صلاة النافلة، واستدلوا على ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: {اعملوا ولن تحصوا، واعلموا أن أفضل أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن} والحديث صحيح، قالوا: فالصلاة هنا أفضل النوافل.

    وقال قوم: بل أفضلها الذكر.

    فما هو تحقيق المسألة إذاً؟

    يرى ابن القيم ويستشف أن الله عز وجل يفتح على بعض الناس ما لا يفتحه على البعض الآخر، وقد يفتح على أحد الناس في الصلاة ما لا يفتحه على من يصوم، ويفتح على الذاكر ما لا يفتح على المجاهد، قال: وأبواب الجنة ثمانية، ويدعى كل أهل عمل من باب ذلك العمل الذي عملوا به، فمن كان من أهل الجهاد دعى من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصلاة فمن باب الصلاة، ومن كان من أهل الصوم فمن باب الصوم، فهو يرى أن الله يفتح على بعض الناس، ولذلك تجد بعض الناس قد فتح الله عليه بالمال، فهو يتصدق ليلاً ونهاراً، سراً وعلانية، لا يفتر من الصدقة، فهذا من باب الصدقة، وبعضهم في الجهاد وحديثه في الجهاد وأشواقه في الجهاد، وبعضهم في الذكر جالساً وقائماً، فهو على ذكر دائماً.

    ولكن ابن تيمية العالم العبقري العملاق، يرى غير ما يرى ابن القيم:

    ففي المجلد العاشر من الفتاوى يُسأل عن هذا وكأن رأيه إن شاء الله هو الأقوم وهو المحقق.

    يقول: شبه إجماع بين أهل العلم أن أفضل نافلة هي ذكر الله عز وجل، بل هي أفضل من نوافل الصيام ومن نوافل الجهاد، ومن نوافل الصدقة، واستدل على ذلك بأدلة منها:

    قال تعالى: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَر [العنكبوت:45] وقال: هذه قد أخطأ فيها طائفة من المفسرين، لأن للصلاة فائدتين، قال تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت:45] والفائدتان هما:

    - أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر.

    - وتعينك على ذكر الله.

    قال: وإعانة الصلاة على ذكر الله أعظم من نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر، وهذا رأي سديد، يقول: ولم أ جد من المفسرين أحداً يقول هذا الكلام، فـابن تيمية يقول هذا بعد أن قرأ أربعمائة تفسير، فلم يجد هذا الكلام في أحدها لأنه كان قبل أن يقرأ المصحف يستغفر الله أكثر من ألف مرة، ثم يسأل الله الفتح فيفتح الله عليه ما لا يخطر بالخيال ولا يدور بالبال، فيأتي بهذا الفهم، إذاً فهو يقول: نوافل الذكر أو المداومة على الذكر شبه إجماع بين أهل العلم أنها أفضل عمل.

    السنن الرواتب

    {يقول ابن عمر رضي الله عنه وعن أبيه: حفظت من رسول الله عليه وسلم عشر ركعات} الصحابة حياتهم خصصوها للحفظ من الرسول والتلقي منه عليه الصلاة والسلام، بل كان الواحد منهم لا يعيش مع الرسول عليه الصلاة والسلام إلا ساعة واحدة قبل الوفاة، أو رآه في غزوة، أو رآه في سفر أو مر به الرسول عليه الصلاة والسلام في قريته أو في باديته، ففي هذه الساعة حاول أن يحفظ شيئاً ولو حركة ليبلغها إلى الأمة، والذي نقل عنه من الحديث صلى الله عليه وسلم مائة وأربعة وعشرين ألف حديث، نقل إلينا كل واحد منهم جزءاً، حتى إن الواحد منهم، رأى الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: {رأيته وفي يده خاتم أبيض} فنقل إلينا بالسند، حدثنا فلان عن فلان عن فلان إلى الصحابي أنه رأى في يده صلى الله عليه وسلم خاتماً. ويأتي أحدهم ويقول:

    {رأيت رسول لله صلى الله عليه وسلم وفي لحيته شعرات بيض} وهو شاب كانت في لحيته شعرات بيض، وقال أحدهم: {رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد وضع يده على عمامته هكذا} هكذا نقلت إلينا، ولذلك يقول جولد زيهر المجري المستشرق: يكفي المسلمين معجزة هذا الحديث، أن يقدموه للبشرية لتدخل في الإسلام، يكفي الحديث النبوي هذا أن يقدم معجزة للناس ليدخلوا في دين الله زرافات ووحداناً، لأننا نقول الآن لليهود: ائتوا لنا بحديث واحد أو بقصة أو بكلمة أو بموقف لموسى عليه السلام بالسند، أعطونا عن فلان عن فلان، وعن فلان، أعطونا عن إسحاق رابين وعن ريجن وعن فلان، حتى تصلوا إلى موسى عليه السلام، فلا يأتون ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً.

    بل علومهم ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.

    ونقول للمسيحيين: أعطونا عن عيسى عليه السلام فلا يأتون عنه بشيء، أما نحن فإن الإنسان إذا تحدث منا يوم الجمعة وأتى بحديث فللمصلين أن يحبسوه عند درجات المنبر ويقولون من أين هذا الحديث؟ ومن أين نقلته؟ وفي أي كتاب؟ ومن رواه ومن خرجه وما درجته؟ وهذا حق شرعي لكل واحد منا أن يوقف الإمام أو العالم مهما بلغ علمه.

    لأننا أمة حفظ الله وحيها من السماء قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9] وحديث ابن عمر: {حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ركعات} في الصحيحين، وحديث الصحيحين يقول عنه ابن تيمية: إذا اتفق الشيخان على حديث، فيفيد جزماً أنه صحيح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا غالب الظن، وربما أفاد القطع {حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ركعات، ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر وفي لفظ للشيخين: في بيته -وزاد مسلم- وركعتان بعد الجمعة في بيته عليه الصلاة والسلام} هذه عشر ركعات كان يحافظ عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فائدة النوافل وحكم تركها

    سئل شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد الثالث والعشرين من الفتاوى:

    ما حكم من داوم على ترك السنن الرواتب؟

    قال: فاسق ترد شهادته.

    والنوافل هي عشر ركعات، وما فائدتها؟

    قال أهل العلم: فائدة النوافل قبل الصلاة، أن تكون قدوماً على الله عز وجل كالهدية بين يدي السلطان، ولله المثل الأعلى، فإنك إذا أردت أن تطلب من مسئول أو رئيس طلباً ما فإنك تحضر بعض الأشياء من الهدايا وغيرها، والذي لا يملك هدايا ينظم له قصيدة عصماء وهذا هو الممدوح بها، ويطريه ويثني عليه ثم يقدم طلبه كما يفعل العرب، يأتي أحدهم بمائة وخمسين بيتاً، ويجعل للممدوح بيتين في آخر القصيدة وأما مائة وثمانية وأربعون بيتاً فيصف بها ناقته، ويصف المشارب والأرض التي مر بها، ثم يمدحه وفي الأخير يقول: أعطني.

    فلله المثل الأعلى فإنك حين تدخل عليه، لا بد أن تصلي له ركعتين أو أربعاً، لتدخل عليه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    وقال بعضهم: لا.

    بل جعل الله السنن الرواتب ليجبر عمل العبد يوم القيامة وقيل: في القبر، فإذا نقص عمله في الفريضة، قال الله عز وجل: انظروا هل له من نافلة؟ فيُنظر فإن كان له من نافلة جبر الله كسره ونَقْصَ صلاته بتلك النافلة، فالله الله في النوافل.

    قال: (ركعتان قبل الظهر) فهل سنة الظهر ركعتان قبلها، أم أربع؟ وكيف نجمع بين هذا الحديث وحديث أم حبيبة عند مسلم قالت: {قال صلى الله عليه وسلم: من صلى في يومه وليلته ثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصراً في الجنة، ثم قالت وهي تحسب، أربع ركعات قبل الظهر} وحديث عائشة عند الخمسة، والخمسة هم: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وأحمد، قالت: {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر، وأربع ركعات بعدها حرمه الله على النار} فكيف يقول ابن عمر: ركعتان قبل الظهر، وأم حبيبة تقول: أربع قبل الظهر، وعائشة تقول: أربع، فتحقيق المسألة أن يقال:

    الذي داوم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته ركعتان، قبل الظهر، وربما نشط عليه الصلاة والسلام فصلى أربع ركعات قبل الظهر، أما سنته الدائمة فإنه داوم على ركعتين.

    فسنة الظهر ركعتان قبلها ولك أن تزيد، بل أكثر السنن التي يزاد فيها أربع ركعات قبل الظهر، لحديث أم حبيبة: {ثنتي عشرة ركعة} لأنها قالت: {أربع قبل الظهر وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء وركعتان قبل الفجر} وقالت عائشة: {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى أربع ركعات قبل الظهر وأربع ركعات بعدها حرمه الله على النار}.

    إذاً فالذي داوم عليه صلى الله عليه وسلم ركعتان قبل الظهر، وربما زاد عليه الصلاة والسلام، وأورد صاحب المنتقى، أبو البركات ابن تيمية، هذا جد شيخ الإسلام ابن تيمية، فـابن تيمية اسمه أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، فـعبد السلام هذا هو صاحب المنتقى.

    وأبو شيخ الإسلام كان عالماً، ولكن يقول الذهبي: جده كان قمراً، وأبوه كان نجماً، وابن تيمية شمس، فمحونا آية الليل وجعلنا آيه النهار مبصرة، فلذلك كانوا علماء.

    داهية الدواهي والطامة الكبرى أنساهم جميعاً، فاقتضى أننا إذا أتينا نعرف الجد نقول: صاحب المنتقى أبو البركات، جد شيخ الإسلام ابن تيمية، يقول جده: ثبت أن الرسول عليه الصلاة والسلام دخل إلى المسجد في الظهر وصلى ولم يتنفل، شغل بعض الأوقات عليه الصلاة والسلام، فدخل وإذا الوقت قد حان، فقال لـبلال: أقم وقام بلال فأقام الصلاة ودخل في الفريضة عليه الصلاة والسلام، وابن تيمية يرى أن من فاتته النافلة قبل صلاة الظهر فله أن يقضيها بعد صلاة الظهر، على قاعدة قضاء النوافل، وسوف نأتي بها إن شاء الله، لكن ابن القيم يقول في زاد المعاد: كان عليه الصلاة والسلام يحافظ على أربعين ركعة، ليلاً ونهاراً، ومن داوم على قرع الباب أربعين مرة يوشك أن يفتح له، فالاستئذان ثلاث مرات، فإذا لم يفتح لك فعد، فكيف بك وأنت تقرع باب الواحد الأحد أربعين مرة.

    والأربعون التي داوم عليها صلى الله عليه وسلم: فالفرائض سبع عشرة ركعة، وغيرها العشر التي ذكرها ابن عمر من الرواتب، فمجموعها سبع وعشرون، وثلاث عشرة ركعة في صلاة الليل، ففي رواية أنها ثلاث عشرة ركعة، فهذه أربعون ركعة كان يصليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الركعة الواحدة تعادل آلاف الآلاف من ركعات كثير من الناس.

    وأتى بعده صلى الله عليه وسلم قوم غلو في العبادة فأسرفوا وأكثروا على أنفسهم، فكان يصلي الواحد منهم ثمانمائة ركعة.

    ولذلك لامهم كثير من أهل العلم، وقالوا: أين سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الاقتصاد في العبادة وفي الحسن؟ ابن القيم يقول في مدارج السالكين -المسألة ليست كثرة-: وجرب على نفسك إذا صليت ركعتين، وأحضرت قلبك فيها وخشعت وخضعت، كيف أنها تكون شاقة عليك، لا تستطيع أن تأتي بركعتين بعدها، لكن إذا بقيت المسألة سجود وركوع وقيام بلا خشوع، وقلب الإنسان في السوق أو في الدكان أو في الفصل، فإنه يستطيع أن يأتي بمائة ركعة، فهي أبسط من الماء.

    قال: وجرب إذا أخذت المصحف وقرأته وألزمت نفسك أن تتبع كل آية، وتتدبر ماذا يراد من مقاصدها، أو كما قال، كيف تكون عليك الختمة شاقة!! لا تختم القرآن إلا بكل كلفة! أما إذا بقي الإنسان يقرأ هذرمة فإنه يختم والحمد لله في أيام معدودة ويعود ليقرأ من جديد.

    فالمسألة بالحسن والتدبر والتعقل والفقه في الدين، وكان عليه الصلاة والسلام يصلي ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها، وربما قضى عليه الصلاة والسلام النوافل التي تفوته.

    والسؤال الذي نطرحه الآن: من فاتته نافلة الظهر حتى أتت صلاة العصر فهل له أن يصلي النافلة بعد صلاة العصر، مع أن بعد صلاة العصر إلى المغرب وقت نهي، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس

    والصحيح في هذه المسألة إن شاء الله أن من فاتته سنة الظهر أو بعض النوافل، فله أن يصليها بعد العصر، فإنها من ذوات الأسباب.

    ثانياً: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قضى النافلة.

    ثالثاً: أن من تعود على ترك النوافل، ربما خدشت فريضته، فكان عليه أن يقضي النافلة في هذا الوقت، وإنما نهى صلى الله عليه وسلم عن تحري الصلاة وهذا ليس من التحري، لكن لا يداوم الإنسان على صلاة النافلة بعد العصر لكن يفعلها مرة.

    وقد فاتت النافلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى ركعتين بعد العصر، فسأله بعض الصحابة عن هاتين الركعتين، قال: {شغلني وفد عبد القيس عن الركعتين بعد صلاة الظهر فقضيتهما الآن} أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فهذا الأمر وارد.

    فضيلة النافلة في البيت

    وركعتان بعد صلاة الظهر، وربما صلى صلى الله عليه وسلم أربع ركعات بعد صلاة الظهر، فهل هي في بيته أم لا؟

    يقول ابن عمر: كانت في بيته، والسنة في صلاة النافلة أن تكون في البيت لبعض الأمور وهي:

    يقول عليه الصلاة والسلام: وهذا لفظ مسلم، {اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تجعلوها قبوراً} وهذا من حديث جابر، وفي حديث عند مسلم {... فإن الله جاعل فيها خيراً} أي: من صلاتكم.

    إذا علم هذا فإن كانت المصلحة أن تصلي في بيتك السنة، فهو أفرغ لقلبك وتطبيق للسنة فافعل، وإذا كنت إماماً يقتدي بك الناس فإذا انصرفت إلى بيتك ولم يحملوا أنك سوف تتنفل في بيتك، فخرجوا من المسجد وقالوا: الحمد لله ليس علينا نافلة ما دام أن الإمام لم يصل، والله عز وجل نسخ السنة، فهذا ليس بصحيح وليس بوارد.

    ولذلك يقول الشافعي: أستحب النوافل في المسجد من أجل الناس، فإذا كان هذا فصلِّ في المسجد ليراك الناس، وليس هذا من الرياء ولكنه من الدعوة إلى الخير.

    فهذه السنة التي كان يصليها الرسول صلى الله عليه وسلم في بيته، لكن الإمام أحمد سئل عن سنة المغرب، هل تكون في المسجد؟

    قال: لا أظن أنها تجزئ في المسجد، وشدد فيها كثيراً، وقال: السنة أن يسن المغرب في البيت، فأما المغرب فهي من أكثر السنن التي أتت فيها النصوص أن تصلى في البيت، وأما غيرها فلك أن تصلي في المسجد، وافعل الأروح لقلبك والأخشع لك، فإن بعض الناس قد يخشع في المسجد أكثر من بيته فليفعل الأخشع له.

    حكم سنة العصر والمغرب القبلية، وبعدية المغرب والعشاء

    وأما سنة العصر، فذكر أبو داود، والترمذي، والإمام أحمد، وابن ماجة عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحم الله من صلى أربع ركعات قبل العصر}.

    وهذا الحديث تكلم فيه أهل العلم وقالوا: فيه محمد بن مهران وهو ضعيف لا تقوم به الحجة، ودفع هذا الحديث ابن تيمية دفعاً عجيباً، وقال: لا يصح، وقال: هو من فعل علي وأيده ابن القيم على هذا، ولكن الأستاذ الشيخ الألباني صحح هذا الحديث، وهو حجة في تصحيحه إلا في بعض الأمور التي خالف بها أهل العلم وجل من لا يخطئ، لكنه محدث، وبعد أن عُلم ذلك فمن صلى لقصد أن تصيبه الدعوة هذه فهو مأجور مشكور، ويكتب الله له الأجر ولو لم يرد فيها حديث لدخل في العموم {إنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة} و{أعني على نفسك بكثرة السجود} لكن أن تكون سنة راتبة فليست بسنة راتبة قبل العصر.

    أما المغرب، فعن عبد الله بن مغفل المزني، قال: {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، ثم قال في الثالثة: لمن شاء} كراهية أن يتخذها الناس سنة، فأما قبل المغرب قد سُئل الحسن البصري عن ركعتين قبل المغرب، فقال: حسنتين لمن أراد الله بهما، وقال سلمة بن الأكوع لما صلى عند المصاحف في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم: كان عليه الصلاة والسلام يتوخى هذا المكان قبل صلاة المغرب فيصلي فيه.

    إذاً المغرب ورد فيها حديث ولكنها ليست بسنة راتبة، لأن ابن مغفل من الصحابة الذين يعرفون مدلولات الحديث يقول: يقول صلى الله عليه وسلم في الثالثة: لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة، ولو سكت عليه الصلاة والسلام لداوم عليها الناس فصارت سنه.

    والعجيب كثرة التحفظ في النوافل، حتى يقول: نخاف أن تكون سنة، وبعض الناس يقول: لماذا لا يترك الرسول صلى الله عليه وسلم الباب مفتوحاً، حتى يتنفل الناس ويكثروا؟ نقول: لا.. ليبقى الدين توقيفياً وليبقى على الوحي، وليبقى على التشريع لا على التبديع! لأنه لو فتح الباب لصلى الناس قبل المغرب وبعده، وبعد العصر، وبعد الفجر وفي كل وقت، وقالوا: لا نتقيد ما دام قال عليه الصلاة والسلام: {إنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة} فعلينا أن نصلي في كل وقت، فأوصد صلى الله عليه وسلم هذا الباب، ثم قال ابن تيمية، في سبب آخر: ولتبقى بعض الأوقات مريحة للعبد، ليرتاح فيها ويهدأ لئلا يسأم ويمل من العبادة.

    لأنك إذا صليت الفجر فإنك تنتظر الظهر، فتبقى في عملك حتى يأتي الظهر، ثم العصر، ثم المغرب وهكذا.

    بعد المغرب فقد ورد أنه كان يصلي ركعتين بعد المغرب في بيته عليه الصلاة والسلام، وكان يقرأ فيهما: قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد، ,وأمَّا بَعْد العشاء فركعتان، وورد أربع، وورد ست ولك أن تصلي ركعتين أو أربعاً أو ستاً، فقد صحت بذلك الأحاديث، والغالب ركعتان.

    1.   

    نوافل غير متعلقة بالفرائض

    سنة الوضوء

    من توضأ في أي وقت، فهل له أن يصلي ركعتين؟ الجواب: يقول شيخ الإسلام: لمن توضأ بعد الفجر أو بعد العصر أن يصلي ركعتين، والدليل على ذلك حديث معاذ ولفظه عند الترمذي يقول صلى الله عليه وسلم: {دخلت الجنة، فسمعت دفي نعلك يا بلال! في الجنة، ورأيت قصراً أبيض، قلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من العرب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا من العرب، قالوا: من قريش، قال صلى الله عليه وسلم: أنا من قريش، قالوا: لـعمر بن الخطاب فقال -في الصحيح- فأردت أن أدخله فذكرت غيرتك يا عمر! فدمعت عينا عمر رضي الله عنه، وقال: أمنك أغار يا رسول الله!!} قال الترمذي: حديث صحيح، والحديث في البخاري ومسلم، ولكن تصحيح الترمذي يستأنس به في هذه القصة الطويلة، وإنما قال صلى الله عليه وسلم لـبلال: {... فما الذي أدخلك الجنة؟ قال: يا رسول الله! والله ما توضأت وضوءاً في ساعة من ليل أو نهار، إلا صليت ركعتين} فمن توضأ فله أن يصلي ركعتين في أي ساعة.

    ركعتا ا لتوبة

    إذا أذنب العبد فنظر إلى منظر لا يحل له، أو تكلم بغيبة، أو أتى بفحش من القول، أو عصى الله بمعصية.

    إن مخرجه التوبة والاستغفار، لكن هناك حديث: {أن عليه أن يتوضأ ويصلي ركعتين ويستغفر الله، فإن الله سيغفر له ذلك} وهذا الحديث في مسند أحمد بسند صحيح.

    قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه: كان الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حدثني حديثاً استحلفته، فإذا حلف صدقته، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر، لا أستحلف أبا بكر.

    قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {ما من عبد يذنب فيتوضأ ويصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر الله له ذلك الذنب} ثم قرأ رضي الله عنه وأرضاه: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ.أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:136].

    فعلم من هذا الحديث أن للتوبة صلاة، فمن أذنب ذنباً فليتوضأ وليصلِّ ركعتين، وليستغفر الله على ذلك الذنب علَّ الله أن يغفر له ويتوب عليه.

    صلاة التسابيح

    وهناك صلاة التسابيح ولكن ما هو موقف أهل السنة، أو المحدثين من هذه الصلاة؟

    ورد عند الترمذي وعند غيره من المحدثين: أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال لعمه العباس بن عبد المطلب: {يا عم! ألا أحبوك، ألا أمنحك، ألا أعطيك -أحبوك: أهدي لك، وأمنحك: أبذل لك- قال: بلى. يا رسول الله! قال: إذا أردت فتوضأ وصل ركعتين -ثم وصف له صلى الله عليه وسلم التسبيحات- قال: بعد أن تكبر تكبيرة الإحرام، قل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله خمس عشرة مرة، وقل بعد أن تركع خمس عشرة مرة، وبعد أن ترفع خمس عشرة مرة -في كل انتقال خمس عشرة مرة من هذا الذكر ففي الركعة خمسة وسبعون تكبيرة وتهليلة وتحميدة.

    في الصلاة ثلاثمائة من هذه الكلمات الطيبات- افعل ذلك في عمرك مرة أو قال: في اليوم مرة، أو في الأسبوع مرة، أو في الشهر مرة أو في العام مرة، فإن لم تستطع، ففي العمر مرة، يغفر الله لك ذنبك} وقد ألف ابن ناصر الدين وهو محدث في القرن السابع رسالة اسمها (الترجيح في صلاة التسابيح) وأتى بهذا الحديث وقال المحقق:

    انقسم أهل العلم إلى أربعة أقسام في هذا الحديث: قسم صححوه، وهذا موجود، وقسم حسنوه، وقسم ضعفوه، وقسم قالوا بوضعه.

    فأما ابن تيمية فقال في سند الحديث ظلمات بعضها فوق بعض، وتبعه في ذلك أئمة كبار، وحسنه بعضهم وضعفه الآخرون، وصححه البعض الثالث، والصحيح أن هذا الحديث ليس بصحيح.

    وليتنا نقوم بما صح عنه صلى الله عليه وسلم حتى نأتي لهذا الحديث، وذلك لثلاثة أمور:

    أولاً: في سنده رجال تُكُلِّم فيهم.

    ثانياً: كيف لا تشتهر السنة، بين الناس وتنشر بين الملأ، ويتناقلها الجيل بعد الجيل، وهي مما تتوفر الهمم والدواعي على نقلها.

    ثالثاً: إن في الأحاديث الصحيحة غنى عن الأحاديث الضعيفة على فرض أنه ضعيف فكيف إذا كان موضوعاً، ففي الحديث الصحيح غنية، وهل قمنا بالأحاديث الصحيحة التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم كصلاة الليل، وكركعتي الضحى، والنوافل التي سنها صلى الله عليه وسلم!! فكيف نذهب إلى هذا؟ وما أظنه إلا عند خواص الناس، فهذه تسمى صلاة التسابيح وليعلم أن الحديث لا يصح فيها بحال، فلا تفعل، وليكتف العبد بما صح.

    قاعدة الإمام أحمد في الحديث الضعيف

    وعلى سبيل الفائدة فهناك كلمة تقال من كثير من المحدثين وقد قيلت في مناسبات: أن الحديث الضعيف إذا كان في الفضائل، قالوا: نتساهل فيه، وهذه كلمة منقولة عن الإمام أحمد، يقول: إذا جاء الحديث في الحلال والحرام تشددنا، وإذا جاء الحديث في الترغيب والترهيب والفضائل تساهلنا، فما معنى هذا الكلام؟ يشرحه ابن تيمية، يقول: ليس المعنى أننا نقول في الفضائل والترغيب والترهيب هذه سنة، فنسنن للناس بأحاديث ضعيفة، فلا يقوم بالحديث الضعيف مستحب ولا سنة، فهذه القاعدة شريفة ومن أعظم قواعد مصطلح الحديث.

    ومعنى ذلك أن نقول: إن الحديث إذا كان في فضائل الأعمال، إن عمل به لا على أنه سنة؛ وله أصلٌ من أصول الدين الصحيحة يندرج تحتها فيدخل فيها، مثال ذلك:

    في الكلم الطيب ذكر حديثاً، يقول صلى الله عليه وسلم فيه: {من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتبت له: ألف ألف حسنة، ومحيت عنه: ألف ألف سيئة} هذا حديث ضعيف، والمخرج أن نقول: إذا كان الحديث ضعيفاً، فلا يكون العمل به مسنوناً، ولا يكون من السنة أن إذا دخلت السوق أن تقول: لا إله إلا الله... الدعاء. فليس هذا من المستحب، لكن يقال: إن من فضائل الأعمال إذا دخلت السوق لتؤجر، أن تقول: لا إله إلا الله... الدعاء، وذلك لأن قواعد الدين وأصوله تحبذ الذكر، قال تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة:152] وقال تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ [الأحزاب:35].

    فإذا دخلت السوق فقل: لا إله إلا الله واطمع في أجر الله ليكتب لك ألف ألف حسنة، ويمحو عنك ألف ألف سيئة، لا لأنه سنة، أو مستحب، لأن السنة لا بد أن يكون فيها حديث صحيح أو حسن.

    1.   

    أنواع السنن

    السنة الراتبة: هي المرتبة التي تفعل وقتياً وزمنياً، بالترتيب أو بالمداومة، فهذه تسمى راتبة لأنها مرتبة.

    وأما السنن الطارئة التي كان يفعلها الرسول صلى الله عليه وسلم، فمنها سنن كمالية ومنها سنن ناقصة:

    السنن الكمالية: كسنَّة ركعتي الاستخارة.

    وسميت كمالية؛ لأن فيها ركوعاً وسجوداً وقراءةً وذكراً، وأما السنن الناقصة: فكسجود التلاوة وسجود الشكر، فهذه سنن ناقصة، لأنه ليس فيها قراءة ولا ركوع، وإنما هي سجود فحسب.

    وفي صحيح البخاري في كتاب الذكر: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعلم الصحابة دعاء الاستخارة كما يعلمهم السورة من القرآن، وقال إذا عزم أحدكم على أمر...إلخ ثم علمهم الدعاء: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علام الغيوب...ثم يذكر حاجته إلى آخر الحديث) فيحفظ هذا الحديث ويعمل به متى ما اشتبه على المرء أمران كلاهما حسن، أما أن يشتبه أمر محرم وأمر واجب ويقول: لا أدري. أستخير الله عز وجل، هل أصلي العشاء في البيت أو أصلي في المسجد؟ هذا الأمر ظاهر لا يحتاج إلى استخارة، أو يقول: أستخير الله عز وجل هل أحضر مجلس الذكر أو أبقى في بيتي؟ أو أستخير الله عز وجل هل أصلي الفجر أو أنام حتى طلوع الشمس؟ لا. لا خيرة بين عمل واجب وعمل محرم.

    وكذلك لا خيرة بين عمل فاضل وعمل مفضول، كأن تستخير الله عز وجل في أن تقرأ القرآن!! أو أن تجلس مع أناس يتحدثون في حديث عام!! لا. بل اقرأ القرآن.

    إذاً فالاستخارة تأتي في عمل اشتبه فلا تدري ما الأصوب فيه، مثل أن تذهب لحج النافلة أو تذهب إلى الجهاد مثلاً!! وأنت لا تدري؛ هل الخيرة في هذا أو هذا؟ ومثل أن تدرس في هذا القسم أو في هذا القسم، ومثل أن تقرأ في هذا الكتاب أو في هذا الكتاب، فتستخير الله عز وجل، فالاستخارة هذا بابها، مثلاً: اضطربت في أمر أو أتاك ارتباك في بعض الأحوال فعليك أن تستخير الله عز وجل، والاستخارة تأتي بعد السلام من التشهد أو بعد التشهد وقبل السلام وقيل في السجود، والأفضل أن تأتي بعد التحية إذا صليت وتشهدت، فتأتي بدعاء الاستخارة، ثم ما توجه قلبك إليه فافعله.

    وبعض الناس يشتكي ويقول: أنا أستخير الله ولا يظهر لي شيء!! الجواب: استخر الله واستشر الناس، لأنه ما ندم من استخار الله وشاور المخلوقين، فإذا استخرت الله عز وجل فافعل الأمر الذي أنت تفعله، فهو الذي اختاره الله لك ولو لم يظهر لك شيء؛ لأن هذا هو القدر والقضاء في الأفعال، والله عز وجل إذا علم أنك استخرته سوف يصوبك ولو لم يظهر لك رجحان، والعمل الذي فعلته هو الذي أراده الله -إن شاء الله- هذا هو الذي يظهر من هذه النصوص.

    صلاة الوتر وأهميتها

    ومسألة الوتر قد مرت فيها مسألة، وهناك أمور يحسن أن نذكر بها لبعض النصوص التي وردت؛ لأنها في صلاة التطوع، الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {أوتروا يا أهل القرآن} ويقول عليه الصلاة والسلام: {لا وتران في ليلة} ويقول: {صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بركعة} إذا علم هذا فلك أن تصلي الوتر بعد العشاء مباشرة.

    والدليل على ذلك ما أورد ابن حزم في المحلى أن بعض الصحابة كانوا يصلونه بعد العشاء منهم معاوية روي أنه صلى ركعة بعد العشاء، وسئل ابن عباس عنه فقال: إنه فقيه.

    ولك أن تصليها قبل النوم إذا خشيت ألا تقوم من الليل، ودليلها ما ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: {أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث لا أدعهن حتى أموت: ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام} ولك أن تصليها في الليل، في جوفه أو آخره، وهذا أجملها وأحسنها، وهو وقت نزول الله عز وجل إلى السماء الدنيا، فينادي هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأجيبه؟

    وأقل الوتر ركعة، ولا حد لأكثره، وكره بعض أهل العلم الوتر بركعة، وقالوا: لا بد أن يكون قبلها ركعات، ولكن الأولى أن يكون قبلها أربع ركعات، أو ست ثم تأتي بركعة، أما أن يصلي الإنسان العشاء ثم يصلي ركعة، فهذا خلاف الأولى، وإن فعله بعض الصحابة فهو لبيان الجواز.

    وفرق بين الأولى وبين بيان الجواز: فبيان الجواز أن يأتي إلى أمر يُفعل مرة كما يفعله صلى الله عليه وسلم فيبين أنه جائز، والأولى الذي داوم عليه صلى الله عليه وسلم، إذاً فالأحسن أن تصلي ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً، أو أكثر.

    قضاء الوتر

    ومن فاته الوتر فليقضه من النهار، يقول عمر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {من فاته حزبه أو شيء من حزبه من الليل فصلاه من بعد طلوع الشمس إلى صلاة الظهر كتب الله له كأنما صلاه من الليل}.

    فإذا فاتك وردك من قراءة القرآن في الليل أو ذكر أو صلاة فافعله من بعد طلوع الشمس إلى وقت صلاة الظهر.

    وأما قضاء الوتر: عند الخمسة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بقضاء الوتر على حالته، فقال: {من لم يصله في الليل فليصله في النهار}.

    ولكن في صحيح مسلم عن عائشة قالت: {كان صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، فإذا نام من سفر أو مرض صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة} فكيف نجمع بين الحديثين؟

    هناك حديث يأمر بأن نصلي الوتر على هيئته، فإن كان يصلي ثلاث ركعات ونام فيصلي في النهار ثلاث ركعات أو خمس، وحديث عائشة يقول: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها شفعاً} كان وتره إحدى عشرة ركعة، فيصليها ثنتى عشرة ركعة، فما المخرج من هذا.

    تحقيق المسألة -إن شاء الله-: أن من فاته وتره فعليه أن يصليه شفعاً في النهار، ولا يصليه وتراً لثلاثة أمور:

    أولها: أن الحديث الذي يقول بقضائه وتراً عند الخمسة لا يبلغ صحة الحديث الذي رواه مسلم عن عائشة.

    ثانيها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {لا وتران في ليلة} لكي لا يجتمع وتران في ليلة واحدة، وكذلك وتر اليوم صلاة المغرب، فإذا أوترت أنت ضحى فقد أوترت في اليوم وترين، لأن صلاة المغرب وتر النهار.

    ثالثها: لفعله عليه الصلاة والسلام، وصرحت به عائشة، فكان يصلي ثنتي عشرة ركعة، إذاً من فاته وتره فليقضه في النهار، ولو لم يتذكر الوتر إلا بعد شهر فلك أن توتر.

    الليلة عند العرب إذا أطلقت، فهي من غروب الشمس إلى الصباح، أي: إلى صلاة الفجر أو إلى طلوع الصبح، هذه هي الليلة {لا وتران في ليلية} هذا هو اللفظ الصحيح، وإنما اختلف أهل العلم في قوله صلى الله عليه وسلم: {صلاة الليل مثنى مثنى} واختلفوا في لفظ: {صلاة النهار مثنى مثنى} هل هو صحيح أم لا؟

    ادعى ابن حبان والحاكم وابن سيرين، وغيرهم من أهل العلم أنها صحيحة، وقال غيرهم: لا يصح هذا اللفظ وهو شاذ.

    قال الخطابي في سنن أبي داود: وهي زيادة ثقة فتقبل، إذا علم هذا فإن صلاة النهار مثنى مثنى، ولكن تبقى مثنى مثنى، ولا يوتر لها، فوترها صلاة المغرب، وأما صلاة الليل مثنى مثنى، وزيادة إذا خشيت الصبح فأوتر بركعة، ولم يقل إذا خشيت الظهر أو العصر.

    1.   

    الأسئلة

    حكم صلاة الوتر

    السؤال: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يترك الوتر أحياناً؟

    الجواب: لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم الوتر حضراً ولا سفراً، بل كان يوتر على راحلته عليه الصلاة والسلام، وإنما اختلف أهل العلم هل ترك صلى الله عليه وسلم الوتر ليلة المزدلفة، لما نام عليه الصلاة والسلام في المزدلفة بعد عرفة؟ والصحيح أنه ترك الوتر تلك الليلة.

    وذلك أنه قبل العشاء صلى ركعتين ثم نام ولم يقم إلا في صلاة الفجر، فأما في السفر، يقول ابن القيم: ما تركه صلى الله عليه وسلم حضراً ولا سفراً، فكان يقصر الصلاة صلى الله عليه وسلم ركعتين ركعتين، وكان يترك النوافل العشر التي ذكرنا، لكن في الليل كان يقوم فيصلي صلى الله عليه وسلم، وربما صلى على الراحلة تتجه به في أي اتجاه، ولو كان مستدبراً القبلة، فعلى المسلم ألا يترك الوتر في السفر، فإنه ما تركه عليه الصلاة والسلام، ولذلك أوجبه الأحناف والصحيح أنه ليس بواجب، ولو كان واجباً لعد مع الصلوات الخمس، والأعرابي الذي أتى من نجد وسأل الرسول عليه الصلاة والسلام عن الصلوات: {قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا. إلا أن تطوع} ولو كان غيرها واجباً لذكره، فلا يترك الوتر حضراً ولا سفراً.

    حكم صلاة الوتر بعد أذان الفجر

    السؤال: هل يجوز الوتر بعد أذان الفجر؟

    الجواب: هذه المسألة بحثت، وأهل العلم فيها على قولين اثنين:

    القول الأول: إنه ليس لك أن تصلى الوتر؛ لأنه إذا طلع الفجر فلا نافلة إلا ركعتي الفجر.

    وتستقبل صلاة الفجر، ووقت الوتر قد انتهى في الليل، ثم استدلوا على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: إذا خشيت الصبح فأوتر بركعة، فأنت قد حل بك الصبح، فليس عليك وتر الآن إلا أن تقضيه في النهار.

    والقول الثاني: عليك أن تصلي لأنه وقت، ولأنه قضاء، ولأنه من ذوات الأسباب وهذا الذي رجحه ابن تيمية فقال: ليس هناك مانع، وهذا يفعل في الندور، لكن من تعود يمنع منه، كإنسان يتعود دائماً كلما طلع الفجر وأذن يوتر يومياً فلا. لكن نادراً في الأسبوع أو في الشهر مرة فيفعله، ولا شيء عليه.

    بيان وقت صيام الثلاث الأيام البيض

    السؤال: ما هي الثلاث البيض؟

    الجواب: الثلاثة الأيام في حديث أبي هريرة وحديث أبي الدرداء وحديث أبي ذر، ليست الأيام البيض، بل الرسول صلى الله عليه وسلم أطلق القول فيها، ولذلك ذكر ابن حجر فيها أحد عشر قولاً لأهل العلم في الثلاثة الأيام البيض، منهم من قال هي في وسط الشهر، ومنهم من قال: في أول الشهر، ومنهم من قال: في آخر الشهر، ومنهم من قال: من كل عشرة أيام يوم، والصحيح أنها لا تتقيد ولو صمتها في أيام البيض لكان أفضل، ولو طرأ لك سفر أو عارض، أو أمر فلك أن تنثرها في أي وقت شئت.

    البدعة.. والتحذير منها

    السؤال: ما حكم الزيادة في الدين من غير دليل؟

    الجواب: إن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لا يتعبد بالهوى أو بتشريع من أنفسنا، فإن الإسلام مبني على الاتباع لا على الابتداع، فما أتانا به النص نعمل به، وما لم يأتنا نتوقف فيه.

    ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: {من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد} وقد جاء رجل عند سعيد بن المسيب -أحد العلماء التابعين- وإذا به يصلى قبل الفجر، فصلى ركعتين ثم سلم، ثم صلىْ ركعتين، ثم صلىَ ركعتين، فقال سعيد بن المسيب رحمه الله: [[والله إني أخشى أن يعذبك الله بالنار، فقال الرجل: يا سبحان الله! يعذبني الله على أني صليت له، قال: لا يعذبك الله لأنك تصلي له، ولكن يعذبك على البدعة]].

    لأنه زاد صلاة ليست في وقتها، فلو كان الدين بالرأي لقلنا ماذا كان في صلاة التسابيح؟ فنحن نقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر، وكلها حسن، ولكن المسألة توقيفية، لا يتحرك الإنسان فيها خطوة، إلا بأمر من الله، وأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    حكم تحية المسجد

    السؤال: هل للخطيب أن يصعد المنبر دون أن يصلي ركعتين؟

    الجواب: إذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال.

    تقول للناس مثلاً -وهذه أمثلة يضربها ابن تيمية - فنقول مثلاً: لو لم يخطب الخطيب الخطبة الثانية؟ فنقول: الخطبة الثانية سنة، فتقول أنت: يحتمل أنه سقط يوم الجمعة من المنبر، فهذا احتمال، لكن أين الدليل؟

    أبو البركات جد ابن تيمية في المنتقى يقول: لما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم، قال لـبلال: أقم الصلاة فلم يصلِّ، وأتى بهذا السؤال، وقال أهل العلم: ربما صلى في بيته، فإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال، وليس هناك دليل في الاحتمال، فنبقى على الأصل.

    حكم الصلاة في أوقات الكراهة لغير سبب

    السؤال: لماذا اعترض ابن المسيب على الرجل مع أنه قد يكون صلى لسبب؟

    الجواب: لا. لأن سعيد بن المسيب رحمه الله لما صلى هذا الرجل لم يصلّ لسبب فقد صلى ثمان ركعات أو عشر ركعات ليست لأسباب، فالداخل يصلي ركعتين سببها تحية المسجد، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {من دخل المسجد فليصل ركعتين} فعندك سبب ومعك حديث بيدك، ولك أن ترد على سعيد بن المسيب تقول: حديث أبي قتادة في الصحيحين كذا وكذا وتأتي به، لكن الرجل ليس عنده حديث، يصلي ثمان ركعات فيقول ابن المسيب: [[أخشى أن يعذبك الله في النار]] فما استطاع أن يأتي بدليل، قال: لا. لا يعذبني الله في النار لأنني أعبده، ثم إن ابن حزم في المحلى يقول: من أتى المسجد في الفجر فليصل ركعتين تحية المسجد وركعتين سنة الصبح.

    فرد عليه العلماء وقالوا: لا. النوافل تتداخل، فالتحية تدخل في سنة الصبح.

    صلاة الوتر

    السؤال: قلت: إن بعد صلاة العشاء ركعتين وخمساً فهل علينا شيء إذا صلينا ركعتين دون الثلاث الأخرى، وهل تكفي الركعتان؟

    الجواب: قلت: إنما السنة ركعتان بعد العشاء، كان يصليها صلى الله عليه وسلم من غير صلاة الليل، وليس معنى ذلك أن تصلي ركعتين ثم تنام ويكفيك ذلك، فإن الوتر شيء والسنة بعد صلاة العشاء شيء آخر، فأنا أذكر هنا السنة التي بعد العشاء فهي ركعتان، وأما الوتر وقيام الليل فهو شيء آخر.

    صفة الوتر في السفر

    السؤال: كيف تكون صفة الوتر في السفر؟

    الجواب: الوتر في السفر على هيئة الحضر إن كان خمساً فخمس، أو كان ركعة فركعة فهو على هيئة الحضر.

    قراءة سور مخصصة في الوتر

    السؤال: هل هناك سور معينة في الوتر؟

    الجواب: ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ السور الثلاث في الركعات الثلاث، في الركعة الأولى: سبح اسم ربك الأعلى، وفي الركعة الثانية: قل يا أيها الكافرون، وفي الركعة الثالثة: قل هو الله أحد.

    وفي حديث ضعيف عند الطبراني {أنه كان يقرأ المعوذتين} كان يزيدهما مع الإخلاص، ولكن الصحيح أنه كان يقرأ: (قل هو الله أحد) وحدها، والأفضل أن توتر بهذه لأنها السنة التي سنها صلى الله عليه وسلم.

    موضع دعاء الاستخارة

    السؤال: ما هو وقت دعاء الاستخارة؟

    الجواب: دعاء الاستخارة له ثلاثة مواطن، إما في السجود، وإما بعد التشهد قبل السلام، وإما بعد السلام إذا رفعت يديك، وأولاها وأحسنها وأجلها بعد التشهد قبل السلام.

    الصلاة بعد الوتر

    السؤال: ما حكم الصلاة بعد الوتر؟

    الجواب: هذا أورده ابن القيم وتحدث عنه ابن تيمية فقال: الركعتان اللتان وردتا بعد الوتر هما بمنزلة اللتين بعد صلاة المغرب جبراً للوتر، فكان يفعلها صلى الله عليه وسلم أحياناً جالساً، فللإنسان أن يصلى ركعتين بعد الوتر لتجبر الوتر ولا يحتسبها من صلاة الليل، ولا يداوم عليها، ولا تنقض الوتر بإذن الله.

    حد التشهد الأوسط

    السؤال: ما حكم من توقف في التشهد الأوسط على (أشهد أن لا إله إلا الله)؟

    الجواب: السنة في هذا أنه يكمل التشهد الذي ورد وصح عنه صلى الله عليه وسلم، وبعض الناس يزيد الصلاة الإبراهمية على الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا ليس بصحيح، فالسنة أنه يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، أما بتر الشهادة فهو خلاف السنة، لكن إن شاء الله لا تبطل شهادته إن كان جاهلاً.

    دعاء القنوت في الصلوات

    السؤال: ما حكم ترك دعاء القنوت؟

    الجواب: دعاء القنوت هو: الدعاء في الركعة الأخيرة بعد الوتر، وهو دعاء الوتر، هذا الدعاء ورد في الترمذي من حديث الحسن بن علي، قال: {علمني رسول الله دعاء الوتر، أن إذا قلت: سمع الله لمن حمده أقول: اللهم اهدنا فيمن هديت...} وهذا الحديث فيه ضعف.

    لكن السنة لك أن تدعو وأن تترك، والرسول صلى الله عليه وسلم ما داوم في الوتر دائماً بالدعاء حتى في رمضان، ولا يظن بعض الناس أنه إذا صلى الإمام في رمضان ثم سجد ولم يدع بهم؛ أنه خالف السنة، بل قد أتى بالسنة، حيث دعا بعض الليالي وترك في بعضها، ومن ادعى المداومة فقد أخطأ السنة، وبعض الناس يرتاح للدعاء في السجود، فيطيل السجود ويكون أروح لقلبه، فله أن يدعو في السجود ويترك القنوت.

    حديث: أفعمياوان أنتما

    السؤال: هل هذا حديث (أفعمياوان أنتما؟) وما صحته؟

    الجواب: هذا حديث: {أفعمياوان أنتما} وهو عند الترمذي، وعند غيره من أصحاب السنن {أن عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه وأرضاه، دخل على أم سلمة، ومعها إحدى نساء الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: احتجبن عنه، فقالتا: يا رسول الله إنه أعمى، قال: أفعمياوان أنتما}.

    هذا الحديث صححه بعض أهل العلم وضعفه البعض الآخر، والذين ضعفوه لهم فيه علل ثلاث، قالوا: فيه انقطاع، وفيه سعيد بن مدرك، وفيه ابن المنصور كذلك، والراوي الذي روى عن عائشة لم يدركها، فهي علل ثلاث، وقد رأيت كلام الألباني في إرواء الغليل يقول: القصة صحيحة، لكن هذا اللفظ ليس بصحيح، هذا كلام الألباني، والذين صححوه، صححوه لمجموع طرقه، والذي يظهر والمرجح، ولكل إنسان وجهة نظر ونظرة خاصة لأنها قاعدة في مصطلح الحديث (التصحيح والتضعيف يقبل الاجتهاد) فلا يُلام إنسان أن يصحح حديثاً يوم الجمعة، ثم يأتي خطيب ويقول: هذا حديث ضعيف، فإنه يقبل الاجتهاد، كما يجتهد الإنسان في الفروع، ومدارك الناس تختلف، ومشاربهم تتفرق، ثم إن بعض الناس يصل عندهم من العلم وجمع الطرق، ما لا يصل عند الآخر.

    إذا علم هذا فإن الظاهر في هذا الحديث الضعف، وهو ضعيف بلا شك، ودل على ضعفه حديث صحيح وفيه يقول صلى الله عليه وسلم لـفاطمة بنت قيس لما أمرها أن تعتد من زوجها: {اعتدي عند أم شريك ثم قال: إنها امرأة يغشاها الناس -أي: يأتيها الناس وكانت كبيرة- فقال: اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين عنده ثيابك ولا يراك}.

    فدل على أنه لا يلزم المرأة أن تحتجب عن الأعمى؛ لأنه يترتب على ذلك مسائل، منها: أن الأعمى له أن يدرس النساء ويخاطبهن ويعلمهن، وله أن يجلس بينهن لمصلحة بوجود المحارم، ولا يحتجبن عنه، فهذا هو الذي دلت عليه المسألة وهذا الذي يستفاد من الحديث.

    الاجتهاد وشروطه

    السؤال: ما هي شروط الاجتهاد؟

    الجواب: هذه مسألة تدخل الإنسان في حيص بيص، وأتى بها أهل العلم في كتب كبار وصغار، ومجلدات ورسائل، وهذا ليس أوان بحثها، والذين وضعوا شروط الاجتهاد دخلوا في الاجتهاد، فشروط الاجتهاد بالاجتهاد، حتى قال بعض العلماء: كيف يضعون شروط الاجتهاد وهم قد اجتهدوا أصلاً في وضع هذه الشروط، ومن الذي قال لهم هذه الشروط، ويقول ابن الوزير اليمني العالم الكبير، صاحب كتاب العواصم والقواصم: بعض الناس يشترط في شروط الاجتهاد شروطاً لو طبقت على أبي بكر وعمر لما انطبقت عليهم، قالوا: يحفظ متناً في الفقه ومتناً في أصول الفقه، ومتناً في المصطلح ومنظومة في كذا وكذا، ويحفظ لا أعلم كم ألف من الحديث، ثم بعدها يصبح مجتهداً، فلو طبقت هذه الشروط على أبي بكر لما انطبقت، فهو لا يحفظ منظومات، وإنما أعطاه الله تعالى نوراً من عنده.

    إذاً فشروط الاجتهاد تختلف، وليس هذا أوان بحثها، لكن الذي عنده شيء من اللغة وشيء من النحو، وفتح الله عليه في معرفة الشريعة، وأصبح يعرف صحة الحديث من ضعفه، وترك كلام الأئمة فله أن يوازن بين الأدلة لا أنه مجتهد لكن يتبع الدليل، أما أن يأتي إنسان متهور، فيقول: هذا الحديث قاله مالك، فهل ما دام أنه قاله مالك فقد انتهى الأمر؟ وما هو دليل مالك؟ فليست مسألة اجتهاد وتقليد، لكن مسألة الدليل، أما عوام الناس فيسألون العلماء، والعامي دليله مفتيه، وللبحث بقية، ومجاله واسع، كما يقول بعض أهل العلم: تساقطت فيه عمائم الأبطال وتكسرت النصال على النصال.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2740869615

    عدد مرات الحفظ

    684614140