إسلام ويب

خطر ممنوع الاقترابللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن هذا الدين دين شامل لكل جوانب الحياة، وقد حذرنا الله من مخالفة أحكام الدين ومخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم، وحذرنا من التلاعب بالدين وأمرنا أن نوقر الدين ونأخذه بجميع أحكامه في كل أمورنا، وحذرنا من الشبه التي يبثها أعداء الدين ليفسدوا جمال الدين وأحكامه، ووعدنا بأننا إذا التزمنا الدين، وحكمناه في جميع مجالات حياتنا رزقنا الله النصر والأمان والاطمئنان.

    1.   

    التحذير من التلاعب بالشريعة

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره نستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    وبعد شكري للواحد الأحد الذي جمعني بكم أشكر مكتب التوعية بـجدة، على تنظيمه لهذه المحاضرات واللقاءات والأنشطة، وقبل أن أبدأ في المحاضرة كما أعلن عن عنوانها: خطر ممنوع الاقتراب.

    لا يتصور متصور أني أنذركم بحرب ضروس سوف تطحن المنطقة، فأنتم أهل الحروب وأنتم أهل بدر وأحد، وأهل حطين والقادسية، وأهل اليرموك وعين جالوت، وأهل أفغانستان، ثم إني أعلم أن سندكم الله تبارك وتعالى تتوكلون عليه، وتفوضون أمركم إليه: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ [الفرقان:58] فإذا توكل الفاني القصير الضعيف على الحي الذي لا يموت، فلماذا يخاف؟

    أحد أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في ابتهالات من الشعر يوم كان الشعر موحداً ومؤمناً، يوم كان ينطلق من المسجد يقول:

    أيا رب لا تجعل وفاتي إن أتت     على شرجع يعلى بخضر المطارف

    ولكن شهيداً ثاوياً في عصابة     يصابون في فج من الأرض خائف

    إذا فارقوا أوطانهم فارقوا الأذى     وصاروا إلى موعود ما في المصاحف

    ما معنى الكلام؟

    يقول: يا رب! إذا حانت ساعة منيتي فأسألك ألا تقتلني على فراشي، بل ارزقني الشهادة في سبيلك، واجعلني أموت تحت صقع السيوف وضرب الرماح.

    فهذه كانت نفسية المسلم يوم كان يحمل لا إله إلا الله، ويحمل حسبنا الله ونعم الوكيل، ويحمل إياك نعبد وإياك نستعين.

    ثم يقول المسلم الأول:

    إذا ما فررنا كان أسوا فرارنا     صدود الخدود وازورار المناكب

    صدود الخدود والقنا متشاجر     ولا تبرح الأقدام عند التضارب

    يقول: إذا أردنا أن نفر في المعركة صدت فقط خدودنا وبقينا ثابتين نطلب النصر من الله.

    تعددت الأسباب والموت واحد

    ثم لا أخوفكم الموت وما يتكلم به المهرجون من تخويف البشر؛ فليس عندنا من ذلك شيء، والله يقول: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ [التوبة:52] فلماذا الخوف؟

    ولماذا الهلع؟

    ولماذا الجبن؟

    أما مات كثير من الناس حبطاً؟

    أما مات كثير من الناس بجرعات من الخمر؟

    أما تزلج بعضهم على الثلج فانكسر ظهره فمات؟

    أما وجد أن بعضهم مات على بعض الجرائم؟

    فقضية أن يموت المسلم على لا إله إلا الله ليس في ذلك من خطر، ولكن للمحاضرة معنىً آخر ومساراً آخر، وأعلم أن الذين أمامي هم أحفاد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وصلاح الدين وطارق بن زياد، وهؤلاء علَّموا الناس الموت، ولقنوا الناس دروس الهلاك، ووزعوا المنايا على النفوس التي لا تؤمن بالله، فما الخوف وما الجبن وما الرعب وما شبح الموت الذي نصب أمام الناس إلا شيء من أساطير الأولين وخرافات العاجزين الجبناء.

    نعم: (خطر ممنوع الاقتراب) إنه إنذار لكل من تسول له نفسه أن يقترب، إنها كلمة يعتادها رجال المرور والمشاة، ولكنها بمعنىً إسلامي خالد يعتادها المؤمنون بالله عز وجل ألا يقتربوا من حدوده سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    وإن لهذه الكلمة دلالة خاصة يعرفها المسلم يوم يطالع كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    إن (خطر ممنوع الاقتراب) هبطت مع الإنسان يوم هبط من بطن أمه، ونزلت معه يوم رسا على الأرض، وأتت مع النداء العلوي: يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار:6-8].

    أمر عليه الصلاة والسلام -كما في سنن أبي داود بسند صحيح- أن يؤذن في أذن الطفل إذا ولدته أمه لينشأ على لا إله إلا الله من أول لحظة، وقد فعلها صلى الله عليه وسلم مع الحسن بن علي فما ولدته أمه حتى أخذ أذنه وأذن في أذنه بالنداء العلوي: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لينشأ مؤمناً موحداً من أول لحظة.

    ولدتك أمك يابن آدم باكياً     والناس حولك يضحكون سرورا

    فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا     في يوم موتك ضاحكاً مسرورا

    ونزلت هذه الكلمة العلوية مع قوله سبحانه تعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإنسان:1-3] وتواكب هذه الكلمة خطر ممنوع الاقتراب قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:6].

    يا أيها الإنسان الضعيف! اتصل بالقوي.

    يا أيها الإنسان الفاني! اتصل بالباقي.

    يا أيها الإنسان الفقير! اتصل بالغني.

    قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران:26-27] من يسمع ويطالع ويقرأ يرى أن الناس جعلوا مقاليد الأمور بيد البشر، وكأنه ليس على العرش إله استوى، يتصرف في الأمور كل يوم هو في شأن، يخلع ويولي، ويفقر ويغني، ويهدي ويضل، ويحي ويميت، ويضر وينفع، فما هو أثر هذا التوحيد في كتابات الناس، وفي صحفهم وإذا عاتهم؟

    ما أثر لا إله إلا الله؟

    وما أثر حسبنا الله ونعم الوكيل؟

    وما أثر إياك نعبد وإياك نستعين؟ في مقدرات الأمة وما تقرأ وما تسمع لتتصل بالباري: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً [الفرقان:3] فالأمر من عند فاطر السماوات والأرض، فهو الذي يقرر مصائر الشعوب ويقرر الحروب، وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.

    وهذه المحاضرة على فصلين:

    الفصل الأول: خطورة للتقدير والتوقير.

    والفصل الثاني: خطورة للإنذار والتحذير.

    1.   

    الفصل الأول: خطورة التقدير والتوقير

    أما خطورة التوقير والتقدير فهي خطورة أن يقترب الإنسان من انتهاك سياج الشريعة، والشريعة مكرمة معظمة لا ينتهكها إلا من باع حظه من الله عز وجل، لماذا؟

    لئلا يلغو فيها البشر، فلا يحق للبشر أن يلغوا في الشريعة، ولا أن يتكلموا في المنهج الرباني بمنطق أن نجعله للحوار فنقبل ما شئنا، ونرد ما شئنا، ونرضى بما شئنا، ونغضب على من نشاء! فهذا لا يجوز، وهذا حرام حرام حرام: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة:85].

    لماذا؟ لأنه: تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42].

    لماذا؟ لأنه: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:82] ويقول سبحانه عن أناس جعلوا الشريعة مجالاً للقبول والرفض: أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ [النور:50] أفي قلوبهم زيغ يوم شككوا في مصداقية رسالة رسول الهدى عليه الصلاة والسلام أنها تصلح للإنسان وتهديه، أم ارتابوا في صدقه صلى الله عليه وسلم؟ بل هم ظلمة وفسق والعياذ بالله.

    وقوة المنهج الرباني تأتي من أن منـرِّل المنهج الرباني هو الله والمتكلم بالقرآن هو الله، وقوة القرآن لا تأتي من كلماته فحسب بل تأتي من مسألة: أن الذي تكلم به هو الذي على العرش استوى.

    والآن أنا أضرب لك مثلاً، ولله المثل الأعلى: جاءك خطاب وبأسلوب واحد من سلطان من السلاطين، ومثله خطاب بنصه وبأسلوبه وبلفظه من رجل عادي من الناس، أيهما أوقع في القلب؟

    إنه خطاب السلطان، مع العلم أن الكلمات هي الكلمات، والعبارات هي العبارات لكن ذاك اكتسب قوة لأن السلطان كتبه وأرسله، فكيف برب العالمين مالك يوم الدين؟! وكيف بالإله الحق الذي بيده مقاليد كل شيء؟! وهو الذي أنزل هذا الوحي واكتسب هذا الوحي قوة من قوة منـزله.

    1.   

    دعامات حماية المنهج الرباني

    وأنا أريد أن أمهد لمسألة: أن هذا الوحي شيء خاص، ليس للإنسان مهما بلغ أن يجترئ ليتعدى على سياج هذا الشرع، بل حينها يكفر ويرتد عن دين الله عز وجل إذا كان مستهزئاً مستهتراً لا متأولاً.

    الرقابة

    أولاً: من دعامات حماية هذا المنهج الرباني؛ الرقابة، وإني أطالب الجميع برقابة الواحد الأحد، وهي الرقابة التي ما وجدت في أي دستور ولا في أي قانون لا غربي ولا شرقي إلا في كتاب الله، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في كتابه: وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَهُ [الأنعام:120] هل سمعتم بقانون أرضي يقول: وذروا ظاهر الإثم وباطنه؟

    من الذي يقول: باطنه إلا الله؛ لأن الذي يعلم السر وأخفى هو الله، أما البشر فيستطيعون محاربة الجريمة بالحديد والنار والسياط والحبس، ولكن لا يستطيعون باطن الناس. وما هو باطن الإثم؟

    قالوا: فواحش القلب وبواطنه التي لا يعلمها إلا الله.

    فالتعاليم الغربية والشرقية تمنع الجرائم الظاهرة في الغالب كالمخدرات والسرقة وقطع الطريق والنهب، لكنها لا تمنع جرائم القلب كالكبر والرياء والحسد والتهتك في حدود الله؛ لأنها لا تعلم شيئاً من قلب الإنسان ولا من علم الإنسان، وما يعلم ذلك إلا فاطر السماوات والأرض.

    والرسول صلى الله عليه وسلم ربىَّ الناس على ذلك، والله تبارك وتعالى يقول: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة:7].

    يجلس صفوان بن أمية مع عمير بن وهب تحت ميزاب الكعبة قبل أن يسلما، فيقول صفوان بن أمية لـعمير بن وهب والرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة وهما في مكة عند الكعبة، فيقول صفوان لـعمير: أما ترى ماذا فعل محمد بنا في بدر؟

    أما قتل آباءنا، وسفَّه أحلامنا، وسب آلهتنا؟

    قال عمير بن وهب: وددت أن أحداً يقوم بأهلي وأطفالي وأذهب إليه وأقتله في المدينة.

    يعني: القتل سهل، واغتيال الرسول صلى الله عليه وسلم في ذهنه أمر عادي، والله يقول: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67] وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان يُحرس حتى نزل قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67] فحرسته عناية الله كما يقول شوقي:

    وإذا العناية لاحظتك عيونها     نم فالحوادث كلهن أمان

    وأما إذا لم تلاحظك عناية الله فأول من يقتلك هو حارسك، كما فعل بالمجرم شاوسسكو في رومانيا فقد جنَّد سبعين ألف جندي من الشرطة ليحرسوه، فكانوا سبباً في ذبحه كما تذبح الدجاجة في الشارع، وكان الشاه عند استافاك فما أغنى عنه سافاكه، وذهب شريداً طريداً وقتل مغضوباً عليه في الدنيا والآخرة.

    قال عمير بن وهب: من يضمن لي ذلك؟

    قال صفوان: الدم دمي والهدم هدمي، اذهب إليه فاقتله.

    فذهب عمير بن وهب وتسلل بالسيف، فرآه عمر فجذبه وشده وخنقه وأتى به إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: {يا رسول الله! خذ هذا الشيطان، قال عليه الصلاة والسلام: ماذا أتى بك يا عمير بن وهب؟

    قال: أتيت أفتدي -اسمع الكذب المدبلج- أسارى بدر بالمال، قال صلى الله عليه وسلم: كذبت بل جلست أنت وصفوان بن أمية تحت ميزاب الكعبة فقال لك: كذا، وقلت له: كذا ثم جئت لتقتلني، وما كان الله يسلطك علي.

    قال عمير بن وهب: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله وأسلم} الدخول إلى الدين بمعجزة.

    تقول عائشة رضي الله عنها: [[سبحان من وسع سمعه كل شيء، والذي نفسي بيده! إني كنت مع الرسول صلى الله عليه وسلم في بيته، وخولة بنت ثعلبة بجانب البيت تساره وتحاوره لا أسمع كلامها، فسمع الله كلامها من فوق سبع سماوات، فأنزل: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ [المجادلة:1]]] رقابة تستحضر عظمة الله عز وجل لئلا تتعدى على المنهج الرباني.

    وبائعة اللبن التي يذكرها ابن الجوزي في ترجمة عمر رضي الله عنه ويذكرها السيوطي وغيره:

    مر عمر رضي الله عنه وهو يجوب الليل في المدينة، فقد كان يشتغل في العسة.

    وكان هو الشرطي والجندي المجهول، يؤدب وينصح ويحرس ويسهر، فمر بباب فسمع امرأة تقول لابنتها: امزجي اللبن بالماء عله يكثر، فقالت البنت: إن عمر منع الناس من ذلك، أي: أن عمر أصدر مرسوماً بالمنع أن يمزج اللبن بالماء، حتى لا يُخدع الناس ويغشوا.

    قالت الأم: وهل يعلم بنا عمر؟ وهو يسمع من وراء الباب.

    قالت البنت: فإن لم يعلم بنا عمر أما يعلم بنا رب عمر؟! فبكى عمر عند الباب وأوسم الباب وخط عليه خطاً، ثم عاد في الصباح وطرق الباب وخطب البنت لابنه عاصم فتزوجها، وأنجب من تلك السلالة الطاهرة عمر بن عبد العزيز الخليفة الرائد الراشد، والشاب المجاهد الذي أعاد الأمة الإسلامية إلى الله في رأس القرن الأول، وهو المجدد والمجتهد الأول، فهو ابن بائعة اللبن التي تقول: فإن لم يعلم عمر أما يعلم رب عمر، هذه مدرسة عمر مدرسة الرقابة، ويراها عمر مع راعي الغنم، يقول: بعني شاة، فيقول راعي الغنم: الشاة لسيدي، قال: قل: أكلها الذئب، قال: الله أكبر! أين الله يا عمر فجلس عمر يبكي ويقول: إي والله أين الله؟

    وجدها هذا الإمام المعتبر مع راعي الغنم وبائعة اللبن ولم توجد الآن مع كبار الناس ووجهائهم ومع أناس لهم كلمتهم؛ لأن لا إله إلا الله لم تؤثر أثرها في حياة الجيل ولم تفعل فعلها كما فعلت في جيل محمد عليه الصلاة والسلام، وكان صلى الله عليه وسلم يردد على أسماع أصحابه: {احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك}.

    إقامة الحدود

    الدعامة الثانية: دعامة الحدود: الرجم، الجلد، القطع، فأي أمة هذه الأمة المسلمة يوم خرجت مهللة مكبرة متوضئة طاهرة! يزني أحد الناس في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم -ماعز بن مالك - فلما اعترف بالخطأ ورأى أنه أساء وأخطأ وأذنب أتى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام والحديث في الصحيحين، فيأتيه من أمامه -انظر إلى المشهد- فيخبره أنه زنى، فيعرض عنه صلى الله عليه وسلم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يحب الستر ولا يكشف النقاب عن ذنوب الأمة، ما دامت الأمة مستترة ومتحشمة، فيأتي عن يمينه ويخبره أنه زنى فيشيح صلى الله عليه وسلم يوجهه إلى يساره، فيأتيه من الجانب الأيسر فيخبره أنه زنى فيلتفت صلى الله عليه وسلم، فيأتيه من ورائه ويخبره أن زنى.

    قال صلى الله عليه وسلم: أبك جنون؟

    قال: لا.

    قال: أحصنت؟

    قال:نعم.

    فأمر صحابته أن يستنكهوه هل به رائحة الخمر، فلعله يكون سكران.

    فشموا رائحته فما وجدوا رائحة الخمر، لكن وجدوا إيماناً في الداخل يريد أن يرده إلى الله، وقد كان ماعز يعلم ما هي النتيجة، إنها حجارة تنصب عليه من كل جهة حتى يموت، ولكن لماذا؟ لئلا يتعرض مرة أخرى للنكبة والسخط في يوم العرض الأكبر والغضب من الله.

    فقال صلى الله عليه وسلم: اذهبوا به فارجموه، فذهبوا به فرجموه وأتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فأخبروه، قال: {والذي نفسي بيده، لقد رأيته ينغمس في أنهار الجنة}.

    وتأتي امرأة وتعلم أنها زنت، وتطلب التطهير، وهي هكذا تسميه، ليس تعذيباً، وتعزيراً بل تطهيراً فالحدود مطهرات وبلسم وعلاج للأمة، ويوم تترك الأمة الحدود تنهار وتصبح أمة فاسقة بعيدة عن الله عز وجل مغضوب عليها، ويوم تترك الأمة إقامة الحد على الشريف وتقيمه على الوضيع؛ تصبح أمة مخذولة في حياتها ومنهجها، وفي ربانيتها ولا يقبلها الله.

    وكان عليه الصلاة والسلام يقول على المنبر كما في الصحيحين: {والذي نفسي بيده! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها} فهذا إعلان للبشر أنه لا مداجاة ولا محاباة.

    ويذكر في الحديث، وفي سنده نظر: {حد يقام في الأرض خير للأمة من أن تمطر أربعين صباحاً} وعند عبد الرزاق في المصنف: {إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع} فملعون من يذهب يشفع في حدود المسلمين لكيلا تقام؛ لأن معنى ذلك: خيانة (لا إله إلا الله) واعتراض على لا إله إلا الله: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50].

    فتأتي هذه المرأة.... وهي حامل من الزنا فتطلب التطهير، انظر إلى الإيمان! فيقول صلى الله عليه وسلم: حتى تضعي، فتذهب لأن في بطنها نفس معصومة، فتذهب وتبقى حتى تضع وهي صابرة مصلية محتسبة تريد التطهير، وتأتي بالطفل في لفائف وتطلب إقامة الحد، فيقول صلى الله عليه وسلم: أرضعيه حتى تفطميه، فتذهب وتفطمه وتأتي به وفي يده كسرة خبز، فيقول صلى الله عليه وسلم لأحد الناس: من يكفل هذا؟ -أي: الطفل- فيقول أحد الأنصار: أنا يا رسول الله! فيأخذ الطفل وترجم المرأة، ويقول خالد وقد أتاه دم منها: ما لها لو استترت؟ أو قال كلمة مؤذية عنها، قال صلى الله عليه وسلم: {مهلاً يا خالد! والذي نفسي بيده! لقد تابت توبة لو وزعت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم}. وفي لفظ: {والذي نفسي بيده! لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له} أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    فهذه توبة التائبين، وهذه هي الحدود والدعائم التي جعلت لهذا الدين مكانة وعزة في قلوب المسلمين.

    ينسب لـعمر في التاريخ ويذكره ابن الجوزي أنه أقام الحد على ابنه.

    أحد أبنائه أخذ نبيذاً في مصر متأولاً فيه، فسكر وهو عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب ويثبتها بعض المحدثين؛ فأتى عمرو بن العاص الأمير ورأى أن ابن عمر لا يمكن أن يجلد في السوق، هكذا تأول وإلا فما الفرق ابن عمر يجلد كأبناء الناس؛ لأن لا إله إلا الله لـابن عمر ولغير ابن عمر، فأتى به في دار السلطان وفي الديوان الداخلي وجلده، فسمع عمر فاستدعى ابنه واستدعى عمرو وأدب عمرو بن العاص وجلد ابنه - أي: ابن عمر بن الخطاب - أمام الناس، لماذا؟

    ليعلم عمرو وليعلم الناس أن هذه الشريعة ربانية كونية تحوي جميع الناس وسيطرتها على كل البشر.

    ولـعمرو بن العاص وابنه قصة مع عمر.

    فقد حصل أن تسابق محمد بن عمرو بن العاص مع رجل من أهل مصر، فسبقه المصري، فلما سبقه قال ابن عمرو بن العاص: أتسبقني وأنا ابن الأكرمين؟

    فيذهب هذا المصري إلى عمر فيخبره، قال: أخبره من هو ابن الأكرمين؟ عليَّ به وبـعمرو بن العاص؟

    فأتيا من مصر فلما رآهما قال: والله لا يحول بيني وبينهما أحد من الناس، وأتى بالدرة، وقال: [[متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟!]]

    والشاهد هنا: أن من الدعائم التي أقامها هذا الدين حفظاً لكرامته ولاستقراره في الأرض؛ الحدود.

    الوعيد الأخروي

    الدعامة الثالثة: الوعيد الأخروي.

    لقد ذكر الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ناراً تلظى، وتوعد القاتلين والمفسدين في الأرض والسارقين والزناة والخونة بوعيد شديد، لتعلم أن هناك ناراً، وأن هناك حساباً وعذاباً، يقول عمر: [[والذي نفسي بيده! لولا الآخرة لكان غير ما ترون]] لولا أن هناك حساباً من الله عز وجل لفتك القوي بالضعيف، ولاعتدى الظالم على المظلوم واجتاحه، لكن هناك يوم آخر، يوم يكون الناس كالفراش المبثوث.

    وإحياء اليوم الآخر في أذهان الناس؛ لا يكون بالتضييع، وأن تحيا الأمة على الخواء العقدي، والتلوث الفكري، وإبطال الهوية، والتخلف الحضاري، فهذا كله مما أصيبت به الأمة يوم تركت لا إله إلا الله، فلا بد من إرساء العقيدة في النفوس، وذكر الجنة والنار، حتى تعيش الأمة حياة العبودية التي أرادها الله عز وجل لها.

    وهنا يذكر الذهبي في المجلد الثامن من السير أن عبد الله بن وهب العالم المصري والمحدث الكبير الشهير، وهو علامة مصر في الحديث في عصره، يقول: ألف كتاب أهوال يوم القيامة، فطلب الناس منه أن يقرأ عليهم كتاب أهوال يوم القيامة، فاعتذر! فألحوا عليه، فقرأ الكتاب فأغمي عليه، وبقي مغمى عليه ثلاثة أيام ومات في اليوم الرابع، وذكر عنه أنه قبل هذه القصة أراد أن يصلي الجمعة فسمع طفلاً يقرأ في بيت وهو في طريقه إلى المسجد: وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ [غافر:47] فأغمي في الشارع وحمل إلى بيته.

    فهذه النفس التي أحياها علم الكتاب والسنة، وأحياها تذكر لقاء الله عز وجل كانت نفساً تعيش لله عز وجل، وترجو ثواب الله، وتتذكر الوعيد الأخروي.

    ويذكر وكيع في كتاب الزهد أن ابن المبارك رضي الله عنه وعن أبيه قرأ: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47] فبكى حتى كادت أضلاعه تختلف، وقيل: قال: إني أخشى أن يبدو لي من الله ما لا أحتسب.

    1.   

    خطر الاستهزاء بالدين

    و(خطر ممنوع الاقتراب) لأن مسألة الاقتراب في بعض الزوايا تصل بصاحبها إلى الكفر البواح، فإن من يقترب من هذا المنهج الرباني مستهزئاً يكفر بالإجماع عند أهل العلم. والاستهزاء في مسائل بسيطة أوصلت بعض الناس إلى درجة الكفر، وعجباً لهذه الأمة أن تأخذ من الدين ما اشتهت وتترك ما اشتهت!

    والعجب أنها تحكم الدين إذا كان في التيمم وصلاة الجنازة والحيض والغسل من الجنابة، لكنها لا تحكم الدين في حياتها ومستقبلها.

    أنواع من الاستهزاء بالدين

    في بعض الصحف رأيت شيخاً من الفضلاء سئل في عمود المرأة: عن سحَّاب المرأة هل يجوز أن يكون من أمامها -صدرها- أو من خلفها فأجاب فضيلته بما هو مأجور عليه، لكن في الصفحة الأخرى دغل على الشريعة واستهزاء بالرسالة وبشباب الصحوة.

    فانظر إلى هذا السؤال، يعني: هل انتهت مسائلنا وحياتنا وطموحاتنا ومعطياتنا إلى أن وصلنا إلى أن نستفتي ورعاً هل يجوز أن يكون سحَّاب المرأة من أمامها أو من خلفها. مع العلم أن لا إله إلا الله تسحب على التراب، فما هي الكارثة على المرأة لو جعلت سحابها من صدرها أو من قفاها والشريعة تسحب على الأرض!

    وأنا لا ألوم الشيخ، لكني أود أن يأتي الشيخ إذا أراد أن يكتب في مثل هذا بشيء من العقيدة أو بشيء من المنهج الرباني، أو من رسالة الأمة، أو في إياك نعبد وإياك نستعين.

    ابن تيمية لما ألف كتبه كانت ثلاث أرباعها في العقيدة، في لا إله إلا الله، في الحاكمية، في الولاء والبراء، حتى سئل -يذكرها عنه الذهبي وغيره- سئل: لماذا لا تؤلف في الفروع؟

    ولذلك لم يؤلف كثيراً في الفروع، أي: لم يشرح كتاباً في الفروع شرحاً مستفيضاً.

    قال: الفروع أمرها سهل، والعبد إن عبد الله على مذهب مالك أصاب، أو مذهب أبي حنيفة أصاب، أو مذهب أحمد أصاب، أو مذهب الشافعي أصاب، لكن أمور الأصول مهمة لابد للأمة أن تركب على أصول من المعتقد والتوحيد والمنهجية الربانية حتى تحيا حياة خاصة أرادها الله عز وجل لها.

    قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ [التوبة:65] فالتربية الغربية والشرقية هي التي أخرجت الإنسان في البلاد العربية كافراً بالله فهذا بدر شاكر السياب يقول في قصيدته:

    منطرح أمام بابك الكبي

    يا مفجع النساء يا ميتم الأطفال

    يا عالماً دبيب النمل على الرمال

    أتستجيب؟ أتسمعني يا مبارك؟

    يخاطب الله عز وجل.

    اسمع الكلام! أمة تركت كتاب الله عز وجل للمآتم، وللقراءة على المصروع إذا ركبه جان، قالوا: تعالوا بالقرآن، أسمعونا آية الكرسي، لكنه ما داخلها القرآن والسنة في حياتها حتى يوصلها إلى رضوان الله عز وجل، فأنتج هذا الهشيم والركام والفحش والبذاءة والتعدي على المنهج الرباني.

    ويذكر سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عن هؤلاء (خطر ممنوع الاقتراب) لكم أن تضحكوا بما شئتم إلا بالشريعة، والكتاب والسنة، والأخيار والصالحين والعلماء. ليس لكم أن تمزحوا، امزحوا في مستهلكات الحياة، امزحوا في المأكولات والمشروبات، امزحوا في الماجريات ولكن في الآيات البينات، وفي شريعة رب الأرض والسماوات فخطر ممنوع الاقتراب.

    حدثني بعض الشباب الثقات يقول: حضرت جلسة مع ماجن معربد في الفسحة وكان يدرس في جامعة في أحد الأقسام قال: يجلس يقضي وقته ويضحك زملاءه بالتندر على الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة، يقول هذا المجرم -أسأل الله أن يهديه ولعل الله هداه أو أخذه- يقول: حدثنا فلان عن أبي هريرة قال: كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فقال: أتدرون ما الببسي؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أتدرون ما السيكل؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قوموا عني لا تعلمون الببسي ولا السيكل.

    وهذه كلمة كفر ومثل هذا حقيق أن يقطع رأسه قطعاً بيناً، ورأيت أحدهم ولا أسميه في هذا المقام تشريفاً للمسجد يقول: جدتي حدثتني عن خالتي أن عمته حدثتها ثم ساق سنداً كسند البخاري ومسلم.

    يا مغفل! سند البخاري ومسلم أحيا أمة.

    يا مغفل! أنت لما تركت سند البخاري ومسلم كنت عقيماً على موائد الغرب، لفيقاً صفيقاً ذليلاً على موائد الشرق والغرب، ملحقاً لا هوية لك.

    يا مغفل! سند البخاري ومسلم أخرج خالد بن الوليد وعقبة بن نافع الذي وقف على الأطلنطي وهو يقول: والله يا بحر! لو أعلم أن وراءك أرضاً لخضتك بفرسي هذا؛ لأرفع لا إله إلا الله.

    فـالبخاري في بخارى كان يقرأ الحديث هناك ويحيي أمة، والولايات الإسلامية التي أخذها المد الكافر الإلحادي يوم اشتغل الناس بالموسيقى الإيطالية الحالمة، والعزف على الناي، والمراسلة، وجمع الطوابع ولعب البلوت إلى الساعة الثانية ليلاً، والوقوف على الشواطئ متفرجين متبرجين ذكراناً وإناثاً، فضاعت مقدرات الأمة.

    كنا نحكم ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، وكان هارون الرشيد في بغداد يقول للسحابة: امطري حيث شئت فإن خراجك سوف يأتي إليَّ.

    وهذا المعتصم تضرب امرأة على وجهها وتقول: وامعتصماه، فيجهز جيشاً جراراً ويفتح عمورية ويدكدك حصونها ويفتح قلاعها.

    لكن الآن كم تضرب من امرأة مسلمة؟! وكم يعتدي اليهود على أعراض المسلمين ومقدراتهم؟!

    رب وامعتصماه انطلقت     ملء أفواه الصبايا اليتم

    لا مست أسماعهم لكنها     لم تلامس نخوة المعتصم

    حكم الإسلام في المستهزئين بالشريعة

    يقول سبحانه عن هؤلاء الشرذمة الباطلة التي تتعدى على الشريعة في جلساتها: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [البقرة:14-16].

    أعرف أحد الناس دائماً يستهزئ بالشرع، جلس مع بعض المشايخ، فقال: يا شيخ! هل كل أحاديث رياض الصالحين صحيحة سليمة؟

    قال: نعم. إلا أن بعضها ضعيف.

    قال: الحمد لله، أريد أن أعتمد عليها، يعني: من باب المناورات، من الورع يريد ألا يعمل بحديث ضعيف مع العلم أنه يطعن في الحديث الصحيح، ويطعن في الآيات، وبعضهم -إي والله- وهو لا زال حياً يرزق ونعرفه، يقول لأحد المشايخ: الآن تقولون: إن الله عز وجل يعلم ما في الأرحام، وخمسة استأثر الله بعلمها مع العلم أن الأمريكان والفرنسيين والبريطانيين علموا ما في الأرحام، فكيف أنتم دائماً تتكلمون بهذا؟ الواجب أنكم تقفون مع العلم الحادث، وهذه تكفي في كفره.

    والآية ليست تقصد ما قصد هو لا من بعيد ولا من قريب، لكن هكذا تفعل التربية التي لا تكون على المسجد، ولا على القرآن والسنة والطهر والعفاف، يقول سبحانه: فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:79] والمنافقون يقولون: مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب:12] وقد فعلوها وكرروها دائماً مرات كثيرة، وأذكر على سبيل المثال: أن الإنسان إذا دعى إلى التبرع للمجاهدين الأفغان فيلتقي بأحد الناس يقول: هؤلاء المجاهدون الذين تطلب التبرع لهم هل يغلبون روسيا؟ أنت مجنون أو عاقل؟! أو يغلبون الاتحاد السوفيتي؟! لقد جعلوا هذه الأصنام البشرية كأنها لا تغلب أبداً، وقد كلموا بعض قادات الجهاد مباشرة، وقالوا: لا يمكن أن المجاهدين يغلبون الروس، لكن المجاهدين أروهم أن الإيمان يغلب الكفر، وأن لا إله إلا الله تدكدك مستعمرات الجاهلية وتخرب ديار الذين انحرفوا عن منهج الله، وخرج الروس البلاشفة الحمر وهو يعلنون إشارة الخزي والعار على رءوسهم:

    فروا على نغم البازوك في غسق     فقهقهت بالكلاشنكوف نيرانُ

    والأكراد ضربوا بالكيماوي وما غضب أحد، أبناء صلاح الدين وأبناء صاحب لا إله إلا الله، وانظر ترجمة صلاح الدين، فهو مسلم موحد أشعري العقيدة، شافعي المذهب، لكن إذا قارنَّا أشعريته مع إلحاد الملحدين وزندقة المتزندقين عذرناه، لأننا أقررناه، ولكنا نحبه؛ لأنه نَصرَ لا إله إلا الله، ونعلم أن هذه الجزئيات خطأ في حياته، ولكنه مع ذلك يتمسك بحبل الله.

    كان يبدأ هجومه في الساعة السادسة ظهراً، فجعلها تبدأ مع صلاة الجمعة، إذا بدأ الخطباء أعلنت حالة الاستنفار وساعة الصفر.

    فلماذا اختار الساعة السادسة؟

    قال: إذا صعد الخطباء في العالم الإسلامي رجوت دعوتهم من الله فنصرت بإذن الله، وحضر المعركة وبدأ، ولما صعد الخطباء على المنابر يدعون الله لـصلاح الدين، لأن معركة حطين هزت العالم الإسلامي، فمعنى حطين نكون أو لا نكون.

    معنى حطين: إما أن تكون أمة إسلامية في الأرض أو يسحقها الصليبيون ويضربون عليها أبد الدهر.

    لما تولى العرب إلى الغانيات والجواري وعزف الوتر، وما يطلبه المستمعون وافتح يا سمسم؛ أتى صلاح الدين الكردي تحت مظلة: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [الأنعام:89] والشريعة ليست ملكاً لي ولا لك، متى ما نتخلى عنها يحملها الهنود أو الأتراك أو الأفغان أو الأكراد، كل من يحمل لا إله إلا الله فهو مرشح لها، لأن الجد أبو جهل الخاسئ الذي لا نعترف به أنه جد؛ كفر بلا إله إلا الله عند الحطيم والحجر الأسود، يشرب الخمر في المسعى، لماذا؟ لأنه لا يعترف بلا إله إلا الله، لكن بلال الحبشي يأتي من الحبشة وهو يقول: لبيك اللهم لبيك، وصهيب يأتي من الروم، يقول: الله أكبر، وسلمان يأتي من أرض فارس وهو يقول: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.

    وبدأ صلاح الدين وأشعل المعركة وانتصر وفتح بيت المقدس، وصلى الجمعة الثانية في الصف الأول، وكان القادة الأكراد بجانبه، يقول المترجمون: قبل المعركة قرأ قليلاً من سورة الأنفال وكان يبكي ويقول: يا حي يا قيوم! ثم قرئ عليه من موطأ مالك فهو يحب الموطأ كثيراً، وهذا موجود في ترجمته، فقرأ أحاديث الجهاد من كتاب الجهاد، ثم بدأ الهجوم، وفي الجمعة الثانية قام شمس الدين الحلبي الخطيب الشهير، وكان خطيباً ذاك اليوم وارتقى المنبر ليحيي صلاح الدين في أول جمعة بعد أن سقط بيت المقدس في يديه من بعد فتح عمر، يحييه في هذا الفتح العظيم، أتدرون بماذا يفتتح الخطبة؟

    اسمع، يقول: الحمد لله مجري السحاب، منـزل الكتاب، هازم الأحزاب.

    الحمد لله وحده، الذي نصر عبده، وهزم الأحزاب وحده وأعز جنده، ثم قال:

    تلك المكارم لا قعبان من لبن      وهكذا السيف لا سيف ابن ذي يزن

    يقول: هكذا سيفك لا سيف ابن ذي يزن حاكم اليمن الوثني:

    تلك المكارم لا قعبان من لبن     وهكذا السيف لا سيف ابن ذي يزن

    وهكذا يفعل الأبطال إن غضبوا     وهكذا يعصف التوحيد بالوثن

    فالأبطال إذا غضبوا لاينددون ويشجبون فقط. بل يغضبون غضباً كغضب صلاح الدين.

    ثم وأقام صلاح الدين الفتوى وفتح المدارس في المسجد الأقصى فرحمه الله كما يقول ابن كثير: سقى الله تلك العظام شآبيب الرضوان، وجمعنا به في دار الكرامة.

    والمقصود: أن المنافقين يقولون: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب:12] ويعيشون حالة من الرعب والرهق، أما فنلتجئ إلى الله، إذا التجأ البعثي إلى البعث وميشيل عفلق، التجأنا إلى الواحد الأحد، إذا التجئوا إلى:

    آمنت بـالبعث رباً لا شريك لـه     وبالعروبة ديناً ما له ثاني

    التجأنا إلى حسبنا الله ونعم الوكيل.

    فهذه هي مصداقية العقيدة متى أرادها الناس.

    أيها الناس: إنه خطر على المتهوكين في الشريعة الخائضين فيها أن يرتدوا عن هداية الله ودينه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة:54].

    1.   

    ضرورة أخذ الدين كاملاً

    من مميزات الإسلام أنه لا يقبل خلط الأمزجة، فكيف يجتمع مسجد وخمارة، وساعة للغناء وساعة للقرآن؟! امرأة سافرة ومتبرجة تحت مظلة الحرية هذا لا يصح.

    أخذ شيء من الشريعة وأخذ شيء من القانون الفرنسي هذا لا يصح، فلا إله إلا الله فقط، فإما الدين كله أو اترك الدين كله:

    يا مدعٍ حب طه لا تخالفه     فالخلف يحرم في دنيا المحبينا

    أراك تأخذ شيئاً من شريعته     وتترك البعض تهويناً وتدوينا

    خذها جميعاً تجد فوزاً تفوز به     أو فاطرحها وخذ رجس الشياطين

    من مواقف عمر في أخذ الدين كاملاً

    أيها الإخوة: عند النسائي بسند صحيح أن عمر رضي الله عنه ذهب إلى بعض بيوت اليهود فوجد صحيفة من التوراة، فأتى بها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مستبشراً.

    أي: أنها فرصة أنه وجد صحيفة فيها كلام أصله من الوحي والتوراة، فأراد أن ينفع بها الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال: إنها مكسب، وهي مخطوطة جديدة والكتب والمخطوطات، والأمة أمية: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2] فأتى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فأعطاه الصحيفة، وقال: خذ هذه يا رسول الله فقد وجدتها، فغضب عليه الصلاة والسلام، وقال: {أمتهوكون فيها يـابن الخطاب؟! والذي نفسي بيده! لو أن موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي، أما أتيت بها بيضاء نقية كالشمس، فجلس عمر على ركبته وقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً} ومزقت الصحيفة وأحرقت، لماذا؟

    سيد قطب يقول في معالم في الطريق: السبب القوي في اتجاه الصحابة أنهم خلعوا كل ثقافة من ثقافات الجاهلية ودخلوا في الإسلام من عتباته، وهذا صحيح، فلو دخلت مكتبة عمر ماذا تجد في بيته؟ تجد المصحف والسيف معلق، ليس عنده دوريات ولا مجلات ولا صحف ولا مؤلفات ولا مصنفات، لكنه هو نفسه قرآن يمشي على الأرض، وتعال إلى الشاب منا الآن فتجد مكتبته ملأت مجلسه وغرفته وأدراجه وليس عنده منها شيء، ربما لا يعرف العناوين، فالأمة شيء والثقافة شيء والعلم شيء آخر: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19] قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9] وقد يكون الكافر أكثر ثقافة من المؤمن لكن العلم لا يكون إلا لمن هداه الله عز وجل.

    - وهذا الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد، عن عمر أنه قتل منافقاً وسنده فيما يظهر لي في الشواهد حسن ولو أن فيه انقطاعاً في السند الذي ذكر.

    فيجلس عمر رضي الله عنه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقول أحد اليهود لأحد المنافقين المتخاصم معه: نذهب إلى محمد صلى الله عليه وسلم فإن أعطانا ما أردنا رضينا وإن لم يعطنا ذهبنا إلى غيره، فذهبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فحكم بينهم بحكم لم يناسب المنافق: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65] فلم يناسبه الحكم، ولم يرغب فيه، فهو متهتك، فذهب إلى أبي بكر عله يجد عند أبي بكر الرجل الثاني ما يصلح، فذهبوا إلى أبي بكر فأخبرهم بفتوى الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر رحيماً حبيباً لا يستجلي الأخبار، وذهبوا إلى عمر فسألوه قال: أحكم بينكم أحد؟ قال المنافق: نعم! الرسول، صلى الله عليه وسلم.

    قال: بماذا؟

    قال: بكذا وكذا.

    قال: ومن؟

    قال: وأبو بكر، قال: انتظروني قليلاً، فظنوا أنه سيراجع مخطوطة بولاق، أو دار الشروق، فذهب إلى السيف البتار الذي صند به الملاحدة والفجرة وأتى به، فدخل عليهم فقتل الاثنين، وهذه قصة ثابتة والحمد لله، وهي من ميز عمر رضي الله عنه:

    رمى بك الله جنبيها فحطمها     ولو رمى بك غير الله لم يصب

    تدمير معتصم بالله منتقم      لله مرتقب في الله محتسب

    وهذه هي حرارة لا إله إلا الله، فماذا بعد هذا من كفر؟ وهل بعد الحق إلا الضلال؟!

    إنسان يريد أن يأخذ من الشريعة ما أراد ويترك ما أراد، في قلبه زيغ وليس له إلا السيف.

    - يذكر الدارمي قصة صبيغ بن عسل مع عمر في أول السنن بسند صحيح، فيأتي أحد الصحابة إلى عمر رضي الله عنه ويقول: عندنا رجل قارن بين الآيات وما استطعنا أن نجيبه،وكان صبيغ في الجيش يقول: كيف تجمعون لي بين قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوا * فَالْحَامِلاتِ وِقْراً [الذاريات:1-2] وبين قوله تعالى: وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً [النازعات:1] وبين قوله: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً [المرسلات:1] وبين قوله كذا وكذا؟ فأخبر عمر قال: عليَّ به، وجهز له عمر دواءً شافياً بإذن الواحد الأحد، عصا من النخل القوي الخضراء، فأتى الرجل، وكان عمر ضليع الجسم قوي البنية هماماً:

    قد كنت أعدى أعاديها فصرت لها     بفضل ربك حصناً من أعاديها

    فأتى بالرجل فضربه ضربة حتى أغمي على الرجل، قال: رشوه بالماء، فهذه أول عملية في غرفة الإنعاش، يطرد بها الشياطين، واستفاق الرجل بعد هذه النومة الهانئة، يقول: أصبحنا وأصبح الملك لله، قال: فلما قال عمر: أعقلت؟ قال: نعم. فضربه حتى أغمي عليه.

    فقال: رشوه بالماء، فرشوه فأصبح ورأى الفجر والنور، قال: يا أمير المؤمنين! إن كنت تريد قتلي فاقتلني، وإن كنت تريد دوائي فقد داويتني دواء يبرئني إن شاء الله، فهذا علاج يخرج الشياطين من الرءوس، فاشترط عليه عمر ألا يكلم أحداً من المسلمين، ولا يكلمه أحد، ولا يجلس مع أحد، ويبقى منفرداً حتى تصح توبته.

    قال بعض أهل العلم: جلس سنة، وقال بعضهم: ستة أشهر، فجلس منزوياً حتى تاب وذهبت الشياطين وعرف أنه المنهج الرباني، وأن الله هو الذي أنزل: وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً [الذاريات:1] وأنزل: وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً [النازعات:1] وليس له أن يتكلف ولا يدخل بعقله في مسارات الوحي؛ لأن الوحي أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض، ليس بكلام مسيلمة.

    أتدرون ماذا يقول مسيلمة المجرم؟

    سُئل عمرو بن العاص، ماذا كان يقول مسيلمة قال: كان يقول: والطاحنات طحناً، والعاجنات عجناً، والخابزات خبزاً، وكان يقول: يا ضفدع نقنقي ما تنقنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين.

    هذا كلامه ولذلك فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:45].

    خالد القسري وتضحيته بالجعد بن درهم

    من حماية الشريعة: ما يفعله العدول يوم يرون الشريعة تنتهك! فـالجعد بن درهم يقول: لم يكلم الله موسى تكليماً ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، قالوا: يا مجرم! اتخذه.

    قال: يا ليتني أمحوها من المصحف بدمي، محا الله رسمه ومحاه الله من الأرض، فهو مبتدع، قائد الفرقة المبتدعة التي كونت حلفا استعمارياً في بلاد المسلمين، فهذا المبتدع أتى به خالد القسري -وهذه حسنة من حسناته -يوم عيد الأضحى، فخطب خطبة جليلة، فلما انتهى من الخطبة قال: أيها الناس! ضحوا تقبل الله منكم أضحياتكم، وذلك بعد أن بين لهم شروط الأضحية وأنه لا يقبل منها جدعاء ولا خرقاء ولا بهقاء ولا هزيلة، قال: فضحوا تقبل الله منكم أضحياتكم فإني مضحٍ بـالجعد بن درهم.

    يقول: أما أنتم فضحوا بالتيوس وأما تيسي أنا فهذا المجرم، وهو مكتوف بجانب المنبر، ومع العلم أنهم طلبوا منه أن يتوب فرفض، وهو مبتدع، فانظر إلى صلابة بعض المجرمين والخرافيين كيف يصبرون إلى آخر لحظة، مع العلم أنه سوف يطعن بالخنجر من السلطان!! قال: ضحوا تقبل الله منكم أضحياتكم فإني مضحٍ بـالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً ولم يكلم موسى تكليماً، ثم نزل وجهه إلى القبلة ووضع ركبته على صدره، وقال: باسم الله فذبحه، فحياه ابن القيم في منظومته الكافية الشافية لـأهل السنة والجماعة قال:

    ولذاك ضحى خالد بـالجعد يوم ذبائح القربانِ

    إذ قال إبراهيم ليس خليله     كلا ولا موسى الكليم الدانِ

    شكر الضحية كل صاحب سنةٍ     لله درك من أخي قربانِ

    يقول: شكراً لك يا بطل! أحسنت كل الإحسان، هكذا تذبح رءوس الملاحدة والزنادقة والعلمانيين والحداثيين؛ لأنهم تهتكوا في شرع الله، وفي لا إله إلا الله، وإلا فمتى ينسل السيف؟ ومتى تشتغل الخناجر والسكاكين إلا في هذه المواقف؟ وأظن هذا الموقف من أحسن ما يذكر لـخالد القسري على ما فيه من ظلم وفجاءة وصلافة، وسوف يذكره الله بهذا الموقف الذي جمل فيه وجوه أهل السنة يوم عيد الأضحى.

    1.   

    التهم التي ترمى بها الشريعة

    إنه خطر على من رمى هذا المنهج العفيف الطاهر أن يأخذ الله سمعهم وأبصارهم ويختم على قلوبهم.

    اسمعوا إلى التهم التي يرمون بها الشريعة، وأقول لهم وأكرر: خطر ممنوع الاقتراب!

    وصف الشريعة بالعقم

    قالوا: عقيمة لا توافق الزمن، سبحان الله! يقولون: الشريعة تصلح لـأبي بكر وعمر أما عصر الذرة والضياء وعصر الطلوع على سطح القمر فلا تصلح له الشريعة.

    وشوقي يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم ويقول:

    شعوبك في شرق البلاد وغربها     كأصحاب كهف في عميق سبات

    بأيمانهم نوران ذكر وسنةٌ     فما بالهم في حالك الظلمات

    يقول: عندهم الكتاب والسنة، لكنهم رفضوا منهج الكتاب والسنة إلا من رحم ربك.

    فيقولون: عقيمة لا تواكب الزمن، وقد أساءوا؛ فإن العقم في أذهانهم؛ لأن الشرائع الأرضية التي هي موجودة الآن وضعها البشر، أما شريعة الله فوضعها الله رب البشر، الذي يعرف حاجة الإنسان، وطموحه وأقصى ما يبلغه الإنسان.

    وصف الشريعة بأنها حجرت على الإنسان حريته

    ومن الاتهامات على الشريعة أنها حجرت على الإنسان حريته، ويقولون: تحرير المرأة وأنا أعارض هذه الكلمة، وتحرير المرأة كما يأخذها قاسم أمين في كتابه ورفاعة الطهطاوي ومحمد عبده ليس بصحيح.

    فتحرير المرأة ما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم، أما تعذيب المرأة، وخزي المرأة فهو ما أتى به أعداء الله عز وجل من أذناب البشر وشراذمة البشر، يقولون: حجرت على الإنسان حريته، والله يقول: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف:157] فالأمة كانت مقتولة حتى رفع صلى الله عليه وسلم الأغلال عنها، وقال سبحانه: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78] وقال سبحانه: طهمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى [طه:1-3] وقال سبحانه: وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى [الأعلى:8] وقال سبحانه: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].

    فيا أيها الإخوة: لماذا هذا التهتك بالشريعة، بأنها غليظة وجافية وشديدة ولا يستطيع أن يحملها الإنسان؟ إن هذا -والله- هو الظلم بعينه.

    قولهم: إن الشريعة لا علاقة لها بالحياة

    ومنها: أنها خاصة بالفرد ولا تقحم في الحياة، وفي الموسوعة الميسرة للمذاهب المعاصرة يقول: ومن مبادئ العلمانية: أن الدين خاص بالفرد.

    يقول لك: الدين لك وحدك، صلِّ وحدك، واعبد الله عز وجل؛ لكن لا تدخل الدين في شئون الحياة، لا في الاقتصاد ولا في السياسة ولا في العسكرية ولا في الأدب ولا في الإعلام، والله يقول: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163] فهو شرع للدنيا والآخرة، وشرع للاقتصاد والاجتماع، وشرع للأخلاق والسلوك، وهذا هو الخلاف الكبير بين أعداء الله عز وجل ممن يريد حصر الدين بأنه مسألة شخصية كما يفعل بـالمسيحية الآن، فيحضرون في الكنيسة فقط ولا تخرج إلى الحياة.

    1.   

    أقسام الناس أمام الشريعة الإسلامية

    وانقسم الناس أمام شرع محمد عليه الصلاة والسلام إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: كفروا به جملة وتفصيلاً، وجحدوه وأنكروه، وما استضاءوا بنوره، واستحقوا غضب الله، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ [البقرة:161-162].

    القسم الثاني: وقوم آمنوا ببعض الشريعة وكفروا ببعض، وهؤلاء يلحقون بالصنف الأول، ولا يغنيهم الإيمان الذي أخذوه ببعض الشريعة: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة:85].

    والقسم الثالث: أنتم وأمثالكم من المهتدين -إن شاء الله- ممن قبل شرع محمد صلى الله عليه وسلم، واستجاب لرسالته، وعاش على نوره يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال:24] وقال سبحانه: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ [الشورى:52-53].

    1.   

    أسباب أهمية رسالة محمد صلى الله عليه وسلم

    والبشرية محذرة بخطر ممنوع الاقتراب: بالعقوبة على اللامبالاة برسالة محمد صلى الله عليه وسلم: لماذا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم؟

    لماذا الشريعة وحدها؟

    لثلاثة أسباب:

    أولاً: لأنها من عند الله، قال تعالى: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى *وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى [النجم:1-3].. كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران:7].

    ثانياً: لأنها كاملة، قال تعالى: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:38] وقال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3].

    يا أيها الإخوة: قفوا لحظة، فالله تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم في عرفة، وهو يقف أمام البشرية، ويتحدث عن حقوق الإنسان، وعن حقوق المرأة، فينـزل الله عليه ويموت بعدها بأيام صلى الله عليه وسلم قيل: بواحد وثمانين يوماً، وقيل: باثنين وثمانين يوماً، وقيل: باثنين وثمانين يوماً، فينزل الله عليه يوم عرفة قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3] يقول الله: وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3] وهذا الرسول صلى الله عليه وسلم يضع الحجر على بطنه من الجوع.

    يقول: وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3] وهو يسكن بيت الطين.

    يقول: وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3] وهو يلبس الثوب الممزق.

    يقول: وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3] وهو لا يجد إلا حصيراً من سعف النخل ليجلس عليه.

    يقول: وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3] وهو لم يشبع ثلاثة أيام متوالية، فما هي النعمة؟

    نعمة لا إله إلا الله.. نعمة الرسالة والإيمان.. نعمة الجنة.. نعمة البصر والبصيرة.. والمنهج الرباني الخالد.. نعمة الاستنقاذ من السجود للوثن وللصنم وللخمر وللتهتك في حرمات الله، هذه هي النعمة حقيقة.

    فلما تحول الناس وظنوا أن النعمة أن تكدس البطون من الأرزاق التي قد يأكلها الثور والحمار، وأن تبنى الفلل، وأن تركب السيارات الفاخرة، وأن تسكن القصور العامرة، ثم يتولون عن نعمة لا إله إلا الله، حينها أخفقت الأمة، ملكنا الدنيا فخسرنا الدين، وقبل كان معنا الدين وكنا بالثياب الممزقة نفتح العالم.

    فهذا ربعي بن عامر رمحه مثلم يوم دخل على رستم وعمر بن الخطاب بردته فيها أربع عشرة رقعة ويهدد امبراطورية كسرى وقيصر ويسقطها في لحظات.

    ويدخل سعد بن أبي وقاص بحذاء من جلد الجمل فيرى إيوان كسرى فيقول: الله أكبر!

    ويقول سعد وهو يبكي: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ [الدخان:25-27].

    محمود بن سبكتكين كان جيشه ألف ألف مسلم -مليون مسلم- هذا محمود يوم فتح الهند أرادوا أن يعطوه ذهباً رشوة، وقالوا: اترك البلاد، وهذه أصنام من ذهب خذها واترك بلادنا، فقال: لـإياس! مولاه الخادم:يا إياس! ما رأيك، أنأخذ هذه الأصنام ونعود إلى بلادنا سالمين غانمين ولا نقتل ولا نقاتل؟

    قال إياس: أستغفر الله! وهذا إياس مسلم وكلهم عجم لكن حملوا لا إله إلا الله.

    قال إياس: أستغفر الله، قال: لماذا؟

    قال: أتريد أن يدعوك الله يوم القيامة يا مشتري الأصنام؟ فكسر الأصنام واذبحهم عليها، أما تريد أن يدعوك الله يوم القيامة يا مكسر الأصنام، يعني: هذا كلام لا يصلح، هذا محمود وإياس نصروا الإسلام في فترة من فترات التاريخ. فمحياه محمود، فهو يريد أن يختبر إياس.

    وقال محمود لملك الهند: لا والله! لأكسرن رأسك على هذه الأصنام حتى يدعوني الله يوم العرض الأكبر: يا مكسر الأصنام.

    فابتدأ الهجوم وكسر رءوس ملوك الهند على الأصنام وأحرقها، وفتح الهند بلا إله إلا الله، فحياه محمد إقبال بقوله:

    محمود مثل إياس قام كلاهما     لك بالعبادة تائباً مستغفرا

    العبد والمولى على قدم التقى     فارحم بوجهك عبد سوء في الثرى

    أي: أن محمود مثل إياس كلهم مولى.

    ويقول في القصيدة الأخرى التي يحيي فيها محمود؛ لأنه من جماعة محمد إقبال وقد كان p=1000553>محمود بن سبكتكين

    يسجد ويبكي، ويقول: اللهم اغفر لعبدك الكلب محمود، وهي مذكورة في التاريخ، هذا من التواضع وهو يقود ألف ألف، أي: مليون مقاتل.

    هذا محمود يقول عنه محمد إقبال:

    كنا نرى الأصنام من ذهب     فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا

    لو كان غير المسلمين لحازها     كنـزاً أو صاغ الحلي والدينارا

    والأمر الثالث: أنها نزلت على معصوم لا ينطق عن الهوى ولا يتحدث عن خواطر النفس، ولا هواجس الرأس، ولا يكون له قرار اليوم وينقضه غداً أو ينقضه بعد غد، بل يتكلم بشريعة ربانية تستمر مع الإنسان حتى يلقى الله.

    1.   

    الفصل الثاني: خطر ممنوع الاقتراب للإنذار والتحذير

    الفصل الثاني: وهو خطر ممنوع الاقتراب للإنذار والتحذير، وهو خطر للمتهتكين في الحرمات المتجاوزين للحدود: تلك حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا [البقرة:187] يقول أحد الصالحين: لا تأمن من قطع في ربع دينار يد سارق أن يعاقب من سرق أمانة ربه بأعظم من قطع اليد.

    يقول: لا تأمن من الله؛ فقد قطع في ربع دينار، فكيف بمن سرق دينه؟! كيف بمن سرق صلاته؟! كيف بمن سرق توجهه إلى الكعبة في اليوم خمس مرات؟! ما هي عقوبته في الآخرة؟

    إذا كان ربع دينار يعاقب عليه بقطع الكف، فكيف بمن بتر دينه من أول حياته إلى أن لقي الله؟

    كان من حكمة الله عز وجل أن يحمي أمة الإسلام بالحدود، وهي الضرورات الخمس: النفس، والعرض، والدين، والمال، والعقل، قلت: فالقاتل يقتل والمرتد عن دينه يعدم: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:179] والزاني يرجم أو يجلد، والسارق يقطع، والشارب يجلد والمفسدون في الأرض الذين يسرقون القيم ويضيعون رسالة الله عز وجل ويهدمون شرعه عقوباتهم فضيعة، إنهم أخطر ممن يسرق شيئاً من المال: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ [المائدة:33].

    إن سيادة لا إله إلا الله في الأرض حتمية الوقوع، ربانية المصدر، كونية الاهتمام، أرأيتم الذين رفضوا لا إله إلا الله ماذا كانت حياتهم ومستقبلهم وعزتهم؟ فرعون يغرق لهذا السبب وحده، وقارون يخسف به، وأمة تؤخذ بالصيحة وأمة بالنسف والإبادة، وأمة بالصاعقة، وأمة بالسنين والقمل والضفادع والطوفان والجراد، قال تعالى: وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً [الكهف:59].. وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ [محمد:13].

    إن لا إله إلا الله؛ تكون أو لا تكون الإنسانية، وهذا من المبادئ الكبرى، إما أن يكون في الناس بشر مع لا إله إلا الله أو لا بشر ولا يبقى مخلوق، وتصبح النتيجة والعاقبة على هؤلاء، تبقى أو لا يبقى أحد، يعيش أو لا يعيش أحد: (يا معاذ! أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ألا يعذبهم) فهذا ملخص رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم في لا إله إلا الله.

    إن لا إله إلا الله أعظم من أن تفسر نطقاً باللسان كما يقول المرجئة، ما أثر لا إله إلا الله إذا كان صاحب لا إله إلا الله يزني ويشرب الخمر، ويعربد ويضيع صلاة الفجر، ما أثر لا إله إلا الله في حياته؟

    إذا كان الإيمان هو إيمان المرجئة إذاً فلماذا أرسل الله الرسل عليهم أفضل الصلاة والسلام؟

    ولماذا أنزل الله الكتب، وفرض الحدود، وجعل الجنة والنار؟

    إذا كانت المسألة كلمة تنطق في أي مكان وأي مجال ثم لا يكون لها تأثير في حياة الناس، فما فائدتها؟

    إن لا إله إلا الله عقيدة وعبادة، أخلاق وسلوك، دنيا وآخرة، غيب وشهادة، أدب وفن، إعلام وسياسة، اقتصاد واجتماع: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162] أما لا إله إلا الله فهي ملخص رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم وكل رسول بعثه الله: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36].

    ثم على الأمة أن تعيد تفكيرها في لا إله إلا الله، وقد اكتشفت الأمة مع هذه الأحداث خواءً عقدياً هائلاً، واكتشفت أنه ليس عندها توكل، وأنها تنطق لا إله إلا الله لكنها لا تعمل بدلالتها، ولا باستشعار عظمتها، واكتشفت أنها في زحمة الأحداث كانت تعيش على الموج، فلما أتتها الأحداث وداهمتها وجدناها تحمل شبح الموت وتخاف الرعب، وتهلع وتنصرع ويود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر، وتريد الأمة ألا تلاقي عدواً ولا ترفع راية جهاد، ولا تعلن إياك نعبد وإياك نستعين من جديد، وإلا فما هي النتيجة؟

    ما هي الاحتمالات التي تقع بالأمة؟ أسوأ احتمال هو الموت، أما شرع الله فلا يستولى عليه أبداً، فهذا الدين لا بد أن يبقى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9].

    أنا أقول لمعسكرين اثنين: خطر ممنوع الاقتراب، معسكر الإلحاد والزندقة والتعدي على الشرع والمنهج الرباني، ومعسكر أهل الشهوات والمجون أهل السخف والخلاعة، اتقوا الله!

    خطر ممنوع الاقتراب.

    وإن من يقف بسيارته عند إشارة المرور تحسباً للحادث لهو أهون وأسهل نتيجةً ممن يتعدى حدود الله عز وجل وينتهك حرماته، وإن نتيجته أفظع وأعظم في الدنيا والآخرة.

    جعلنا الله وإياكم ممن يقف عند حدوده، وممن يحترم شرائعه وممن يوقر شرعه توقيراً، ويعزر رسوله تعزيراً، ويعلم منهجه ويتبع سنته، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    1.   

    الأسئلة

    حكم من قال: إن القلب آلة تضخ الدم وليس له علاقة بالإيمان والكفر

    السؤال: بعض الأطباء يقولون عن القلب: إنه مجرد آلة لضخ الدم، ولا علاقة له بحب ولا كراهة ولا إيمان، وإنما كل هذا عن طريق الدماء، فكيف أرد؟

    الجواب: لأهل العلم ثلاثة أقوال في أيها المقصود بالقلب في القرآن: أهو هذا الجسم الصنوبري مخروطي الشكل أو المقروب هذا كلقمة الإنسان أو هو الدماغ.

    منهم من قال: الدماغ، ومنهم من قال: القلب، ومنهم من قال: إنه شيء مشترك بين القلب والدماغ، والله عز وجل ذكر القلب بالقرآن أكثر من العقول؛ لأنه المصدر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره وأشار إلى صدره في الصحيح وقال: {ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهو القلب} وهذا يدلنا على أن القول الصحيح عند أهل العلم هو من قال: إنه القلب الذي في الشق الأيسر للإنسان، وأما الطبيب فهل يعرف هل هذا هو مستودع الحب والكراهة والإيمان أم لا؟ هو يرى دماً ويرى لحماً، ولذلك هو لا يدفع عن نفسه ضراً ولا يملك لها نفعاً.

    فهذا الطبيب الذي يداوي الأمراض يخنق ويصرع بالموت:

    مات المداوي والمداوى والذي     صنع الدواء وباعه ومن اشترى

    فهذا لا يعرف شيئاً ولا يطلع علم الغيب، وهذا شيء أكبر من عقله، وأكبر من شهادته إن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى جعل الإيمان والكفر، وهي مسألة يقولها أهل الترف اللفظي، يقولون: لو نقلنا قلب خواجة كافر إلى جسد مسلم فهل يصبح هذا المسلم كافراً؟ أو قالوا: لو نقلنا قلب مسلم إلى كافر فهل يصبح الكافر مسلماً؟ ونقول: هذه خزعبلات. فإن الله هو الذي أودع الإيمان، وليس هو في هذا اللحم والدم، وليس بنقله ينتقل الدين من شخص إلى شخص، والله تعالى قد حدد هدف هذا الإنسان محمد بذاته لا جورج بذاته.

    موقف المؤمن من حرب الخليج

    السؤال: ما موقفنا الآن من الحرب بين العراق والكويت؟

    الجواب: موقفك الآن أن تكثر من الاستغفار: وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [آل عمران:147] وأن تكثر من التضرع: فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:43] وأن تردد حسبنا الله ونعم الوكيل، فهذا وقتها ولها طعم في أوقات الأزمات: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران:173-174].

    توكلنا على الرحمن إنا     رأينا النصر للمتوكلينا

    وموقفك أن تجدد التوبة، وأن تؤثر في الناس وأن تطالبهم أن يكدسوا الحسنات والأجور مثلما كدسوا الأرز والسكر والأسرجة والغاز في بيوتهم، وأن يجهزوا عملاً صالحاً يقدمون به على الله عز وجل.

    موقفك أن تأمر الناس أن يثبتوا في أماكنهم ولا يفروا من الموت: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ [الجمعة:8] ما قال: مطاردكم، بل أمامكم ينتظركم، والجبان يموت في اليوم ألف مرة، والشجاع لا يموت إلا مرة واحدة.

    الاجتهاد في رفع الرياء

    السؤال: أنا مؤذن ولكن بعض الشباب يقول: أنت إنسان تؤذن للرياء؟

    الجواب: أنت أعلم بقلبك فاستفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك، ولا تأتيك هذه الهواجس والوساوس حتى تترك الأذان؛ بل اجتهد أن تخلص وتقصد به وجه الله، وما عليك من كلام الناس، فإن هذه الخطرات التي أتى بها الخرافيون، والواردات التي يناقشها مثل الغزالي في الإحياء تبطل الإنسان أحياناً من العمل، الحارث المحاسبي صاحب كتاب الرعاية دخل في الخطرات والوساوس مثل هذا الكلام وقال: من يؤمن المؤذن إذا رفع صوته أن يأتيه الرياء فيحبط الله عمله أوله وآخره؛ فترك الناس الأذان، ثم قال: من يؤمن الإنسان إذا أتى إلى المسجد فرآه الناس وقد خرج من بيته متوضئاً يريد وجه الله أن يكون يريد الدنيا بصلاته فتركوا صلاة الجماعة.

    فيقول ابن القيم في أول مدارج السالكين: العاقل لا يبني قصراً ويهدم مصراً مثل ما فعل المحاسبي في كتاب الرعاية فإنه لما ألفه ترك الناس المساجد، وأنا أقول: ليتك يـابن القيم رحمك الله تركت مدارج السالكين، ليتك صرفت هذا الجهد في كتاب أروع وأبدع منه من كتبك الرائعة البديعة الحية، وقد قالها بعض العلماء قبلي، وما أنا إلا طويلب بالنسبة لهم، فقالوا هذه الكلمة: ليته صرف هذا الجهد في كتاب آخر، إنما أقول لأنه دخل في دقائق لا يعرفها الصحابة دقائق النفس، وعذَّر لـعبد الله بن محمد الهروي شيخ الإسلام رحمه الله مع أن ابن تيمية يقول: عمله خير من علمه، ومنازل السائرين ينتقدها ابن تيمية ويجرح فيها تجريحاً مع العلم أن ابن القيم تأتي الكلمة وهي أعدل من رجل الحمار فيمسحها رحمه الله ويقول: لا يريد الشيخ كذا، فأنا لا أجادل في الكتب، وإنما قصدي أن تترك الواردات هذه والخواطر والوساوس واجتهد في الإخلاص وصدق اللجوء إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    حكم مفارقة العاصي

    السؤال: امرأة ذات ستة عيال أطفال وابنة صغيرة، وزوجها يروج المخدرات، فهل يجوز لها أن تعيش معه؟

    الجواب: لا. عليك أن تناصحيه، فإن أعلن توبته وعاهدك بالله عز وجل على التوبة وعدم الرجوع إلى ما يفعل؛ فابقي معه والحمد الله ويتوب الله على من تاب، وإن رفض خذي أطفالك واذهبي إلى أهلك وتكون القاضية حتى يتوب ويعود إلى الله؛ لأنه عدو لله ولرسوله وللمؤمنين.

    حكم حلق اللحية

    السؤال: أتت فتاوى كثيرة جداً حول حلق اللحية من أجل الكمامات؟

    الجواب: لا أدري من هو صاحب الفتوى الذي أفتى بحلق اللحية من أجل الكمامات، وقد يكون من المفتين في باريس أو بانكوك أما علماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم فلا يفتون بهذا أبداً.

    وقد طالعت في بعض المجلات رجلاً تسأله امرأة في مجلة خليعة ساقطة تقول: ما حكم زيارة المرأة للمقابر؟ وهو يفتيها قبل صفحات بأن تسافر وحدها؛ لأنه يقول: المجتمع أصبح قرية حضارية، فتقول: ما حكم زيارة المقابر للمرأة؟ قال: يجوز بشرط أن يكون معها محرم، نعم. حتى لا يخرج الميت عليها.

    واللحية لا تؤثر في الكمامات، بل هي كمامات واقية من الكيماوي والمزدوج، وهي مجربة بإذن الله عز وجل؛ لأنها متبعة لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأول من يموت في القصف الذين ليس عندهم لحى؛ لأنهم عندهم خوف كبير، بل على الحليق أن يربي لحيته حتى يموت على السنة، ولا يموت وهو حليق؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة إذا أتاه الرجل يعرف أمته بالسنن، فيأتيه الرجل وهو حليق فيقول: أنا من أمتك، قال: لا. أعطني العلامة.

    والدعاوى ما لم يقيموا عليها     بينات أصحابها أدعياء

    وهل عند الأمة فراغ حتى تحلق لحاها من الصباح إلى المساء، من الأذن إلى الأذن.

    أيها الإخوة الكرام: نسأل الله لنا ولكم حماية ورعاية، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، اللهم انصرنا، اللهم ثبت أقدامنا، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم أبق من في بقائه نصرة للإسلام، وأهلك من في هلاكه نصرة الإسلام.

    اللهم من دبر لنا حرباً فدبر عليه حرباً شعواء، اللهم من أراد بنا وأراد الإسلام بسوء فاجعل سوءه في نحره، وتدبيره في تدميره، وخذه أخذ عزيز مقتدر وسارع بهلاكه.

    اللهم أحي من كان في حياته عز للإسلام والمسلمين، وأمت من كان في حياته ذل الإسلام، اللهم توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين.

    اللهم اهدنا وسددنا وتقبل منا عملنا واغفر لنا خطايانا وسيئاتنا، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا والضلال والمهرجون والمروجون منا، اللهم خذنا بكتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم إلى الجنة وإلى دار النعيم ولا تأخذنا بسيئاتنا إلى النار.

    وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.