إسلام ويب

الطريق إلى الجنةللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله سبحانه وتعالى خلق الجنة، وجعلها منزلاً للمؤمنين، ودار حبور وقرار، فالوصول إليها سهل على المؤمن ومتعسر على المفرط، فهي غالية على الكسلان، رخيصة لمن اشتاق إليها وعمل لها، ومفتاحها سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولا دخول للجنة إلا من طريقه صلى الله عليه وسلم.

    وفي هذا الدرس بيان الطرق التي توصل كل عبد مؤمن إلى جنة رب العالمين، وذكر الأوصاف التي ينبغي للمسلم أن يتحلى بها حتى ينال هذه الجائزة العظيمة.

    1.   

    طرق دخول الجنة

    الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ.

    الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

    الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أرسل محمداً عليه الصلاة والسلام فكسر بدعوته ظهور الأكاسرة، وقصر بمبادئه آمال القياصرة الذين طغوا وبغوا حتى أرداهم ظلمهم في الحافرة، والصلاة والسلام على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل صلى الله عليه وسلم من معلم نبيل ومن هادي جليل، صلى الله عليه وسلم على صاحب الحوض المورود، واللواء المعقود، والصراط الممدود، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    سلام من الله عليكم ورحمته وبركاته.

    يا مجمع الخير حيوا لي محياه     نداء حق من الفصحى سمعناه

    وفي الجبيل لقاءات وأمنية     مع الشباب الذي قد طاب مسعاه

    يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا     وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه

    كم نطلب الله في ضر يحل بنا     فإن تولت بلايانا نسيناه

    ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا     فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه

    ونركب الجو في أمن وفي دعة     فما سقطنا لأن الحافظ الله

    أليس من انتصار الإسلام أن تجتمع هذه الشبيبة لترفع راية الإسلام؟ أليس الإسلام يعلن تفوقه يوم يأتي شباب مخلصون يعيشون رمزاً للصحوة الإسلامية التي أعلنت أن لا إله إلا الله، وأن لا بقاء إلا للا إله إلا الله، ولا عمق ولا أصالة إلا للا إله إلا الله؟

    حب الله ورسوله وكثرة السجود طريق إلى الجنة

    فهذا لقاء مفتوح لكنه تحت مظلة وعنوان (الطريق إلى الجنة) والطريق إلى الجنة سلكه محمد عليه الصلاة والسلام، وبينه رسول الهدى صلى الله عليه وسلم يوم قال له الأعرابي قبل أحد: {يا رسول الله! لا تمنعني دخول الجنة -يقول: لا تمنعني دخول الجنة- فوالله الذي لا إله إلا هو، لأدخلن الجنة، فيتبسم عليه الصلاة والسلام ويقول: بما تدخل الجنة؟ -أي: ما هي مؤهلاتك لدخول الجنة؟- قال: بخصلتين: بأني أحب الله ورسوله ولا أفر يوم الزحف، فدمعت عيناه صلى الله عليه وسلم وقال: إن تصدق الله، وورد المعركة وقتل شهيداً فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: صدقت الله فصدقك الله} وأصبح من أهل الجنة إن شاء الله؛ لأنه صدق الله، وفي صحيح مسلم من حديث ربيعة بن كعب الأسلمي ذاك الشاب المتوقد إيماناً، الذي يريد الجنة، يقول: {يا رسول الله! أريد مرافقتك في الجنة، فيقول عليه الصلاة والسلام: أو غير ذلك؟ قال: هو ذاك يا رسول الله! قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود}.

    فمن طرق الجنة كثرة السجود.

    ومما زادني شرفاً وفخراًً     وكدت بأخمصي أطأ الثريا

    دخولي تحت قولك يا عبادي     وأن صيرت أحمد لي نبياً

    ويوم يأتي ثوبان -كما في صحيح مسلم - يروي لنا حديثاً لكنه حديث راقٍ، يقول عليه الصلاة والسلام: {من سجد لله سجدة رفعه الله بها درجة}.

    الطريق إلى الجنة لا يعرفه إلا الخواص من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه، وقد أغلق الله طريق الجنة فلا تفتح بعد رسالته صلى الله عليه وسلم إلا من طريقه، فمن ظن أو وسوست له نفسه أو اعتقد أنه سوف يدخل من طريق غير هذه الطريق، أو يهتدي بغير هدى الله الذي أرسل به محمداً صلى الله عليه وسلم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ولا كلاماً ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب عظيم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: كل أرض لم تشرق عليها شمس الرسالة فهي أرض ملعونة، وكل قلب لم يهتد بهذا الدين فهو قلب مغضوب عليه. ولذلك يقول معاذ وكلكم يعرف معاذاً، ذاك الذي عاش العلم والسمو والحب والإيمان والطموح، وكان معاذ أمة وسجلٌ تاريخه حافلٌ بالمكرمات ورفع لا إله إلا الله، رباه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمه، ثم بعثه داعياً بعلم قليل، ولكن علمه طيب مبارك، ذهب إلى أهل اليمن ورفع لا إله إلا الله محمداً رسول الله وترك هناك إسلاماً وإيماناً، وترك مؤمنين ومسلمين وشهداء، جاء في حديث حسن عنه صلى الله عليه وسلم: {معاذ يأتي يوم القيامة برتوة} أي يتقدم العلماء إلى الجنة برمية حجر.

    عبادة الله وإقامة أركان الإسلام طريق إلى الجنة

    جاء في الترمذي بسند حسن، أن معاذاً سرى مع الرسول صلى الله عليه وسلم في الليل الدامس في آخر الليل، والرسول صلى الله عليه وسلم كان له ورد من القيام في آخر الليل يناجي فيه ربه، يشكو على ربه ذنوبه وخطاياه وتقصيره وهو سيد الخلق وأعرف الناس بربه ومولاه، والليل عجيب! الليل يحب القرآن والقرآن يحب الليل.

    قلت لليل هل بجوفك سر     عامر بالحديث والأسرار

    قال لم ألق في حياتي حديثاً     كحديث الأحباب في الأسحار

    قال معاذ: {يا رسول الله! دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة؟ -وفي لفظ صحيح-: دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار} ما أحسن السؤال! دل على اختيارك سؤالك؛ لأن هذا من انبعاث الإيمان وحرارته وشوقه حين يسأل عن طريق الجنة، دلني على عمل إذا عملته، يقربني من الجنة: ويباعدني من النار، هذا سؤال من أعظم الأسئلة والأطروحات التي وردت في كل العالم، ومن أعظم الأسئلة التي وردت في تاريخ البشرية، ومن هو المجيب؟ إنه سيد الخلق عليه الصلاة والسلام، الدليل الماهر الذي عرف الطريق وما عرف العالم مصلحاً كمثل محمد صلى الله عليه وسلم، عرف ذلك الأعداء قبل الأصدقاء، عرف ذلك الفلاسفة الذين هم أذناب الصابئة المجوس كـابن سينا يوم يقول في كتابه الإشارات: ما طرق العالم مصلح كمحمد عليه الصلاة والسلام، ولفظه يقول: ما طرق العالم ناموس كناموس هذه الرسالة. وهذا أمر معروف، فيجيب صلى الله عليه وسلم على معاذ، هل قال: تدخل الجنة بالمؤهل، أو بالمنصب، أو بالشهادة والمرتقى، أو بالمال والولد؟ لا والله كلها لا تساوي في ميزان الحق ذرة، ويوم يتخلى المال عن الإيمان يصبح تبعةً ولعنةً وغضباً، ويوم يتخلى المنصب عن الإيمان يصبح فرعونياً دكتاتورياً طاغية، ويوم يتخلى الولد عن الإيمان يصبح عذاباً وشقوةً وندامةً، ويوم تتخلى الشهرة عن الإيمان تصبح ملعنةً ومسبةً على رءوس الأشهاد يوم القيامة، ثم إذا تخلى الحب عن الإيمان أصبح حب المعشوقين والمعشوقات، والمغنيين والمغنيات، والفنانين والفنانات، ويوم يتخلى الشعر عن الإيمان يصبح كلاماً مصففاً مزجياً كبضاعة الأخسة الذين طفروا بها وهي في ميزان باطلهم تتردى معهم في جهنم، يوم يحاسب الله المجرمين على كلماتهم، والخبيثين على تصرفاتهم، يحاسب الله عز وجل هؤلاء وأولئك لأنهم جردوا الحب والمنصب والمال والولد عن الإيمان، قال عليه الصلاة والسلام وهو يجيب معاذاً: { لقد سألت عن عظيم} هذا السؤال عظيم، إن بعض الناس يسأل عن تكبيرة الإحرام، أو وضع اليدين، أو سجود السهو، أو المسح على الخفين أو التيمم، لكن العلامة الجهبذ معاذاً سأل عن سؤالٍ خطيرٍ محتواه أمر صعب وهائل وكبير، {لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه} فيا من يسر للصالحين طريقهم! يسر لنا طريقنا، العون والسداد والهداية منك وحدك وما جلسنا -إن شاء الله، ويعلم الله- إلا نريد نوراً وتوفيقاً وهداية من الله سبحانه.

    وإذا كان عاقبة مجالسنا واجتماعاتنا هذه غير محمودة فالشكوى إلى الله، والله المستعان.

    إذا لم يكن عون من الله للفتى     فأول ما يجني عليه اجتهاده

    إنها تنعكس عليه المقاصد، {لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه} وهذا يسمى (الإجمال في الجواب قبل التفصيل) وهو أسلوب قرآني، ويسمى عند أهل البلاغة: اللف ثم النشر، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه} فما هو اليسير؟ وما هو هذا الجواب؟ وما هو طريق الجنة؟ قال: {تعبد الله عز وجل ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً -ثم قال له صلى الله عليه وسلم وهو يواصل حديثه الشائق الرائق إلى القلوب الوالهة- يقول: ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله} ثم يواصل صلى الله عليه وسلم في طريق الجنة وفي وصفها، قال: {ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة} أي وقاء لك، تجتن به، وتتحصن به من النار، لذلك يقول عمر بن أبي ربيعة:

    وكان مجني دون ما كنت أتقي     ثلاث شخوص كاعبان ومعصر

    فيقول: إن كنت تريد الجنة والغطاء والساتر عن النار فالصوم، { الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل بجوف الليل ثم تلا عليه الصلاة والسلام تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [السجدة:16]} ثم يقول عليه الصلاة والسلام ليختتم باللف بعد النشر، وبالإجمال بعد التفصيل فيقول: {ألا أدلك على ملاك ذلك كله} أي على ما يجمع لك شتات هذا الموضوع، {قال: بلى يا رسول الله! قال: كف عليك هذا، وأخذ عليه الصلاة والسلام بلسان نفسه، قال معاذ: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟} إلى اليوم سيد العلماء لا يعرف أن الكلام يسجل في عالم الخطيئات، وأن له حسنات ومثوبات وسيئات وعقوبات، قال: {ثكلتك أمك يا معاذ! -أيخفى عليك هذا والخطايا أكثرها من اللسان- وهل يكب الناس في النار على مناخرهم أو على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم} صلى الله وسلم على صاحب ذاك الجواب.

    بالله لفظك هذا سال من عسل      أم قد صببت على أفواهنا العسلا

    1.   

    لا يدخل أحد الجنة إلا من طريقه صلى الله عليه وسلم

    يا من يريد الجنة! هذا طريق الجنة، الذي وصفه صلى الله عليه وسلم، فإن الجنة مغلقة بعد مبعثه، ولا يدخل إلى الجنة إلا من طريقه صلى الله عليه وسلم، والرسول صلى الله عليه وسلم فتح للناس المستويات ليدخلوا الجنة من أبوابها الثمانية.

    وقل لـبلال العزم من قلب صادق     أرحنا بها إن كنت حقاً مصليا

    توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً     به ترق أبواب الجنان الثمانيا

    أبواب الجنة الثمانية

    جاء في صحيح البخاري في كتاب الجهاد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن للجنة أبواباً ثمانية، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد إلى آخر تلك الأبواب، فيأتي أبو بكر ويقول: يا رسول الله! هل يدعى أحد من كل الأبواب الثمانية؟} يريد أبو بكر أن يدعى من الأبواب جميعاً.

    من لي بمثل سيرك المدلل     تمشي رويداً وتجي في الأول

    هو يريد المركز الأول في الطاعات، إن كان من الذاكرين فهو الأول، ومن المجاهدين فمحل الصدارة، ومن العابدين فهو الجبين، ومن القادة والفاتحين فهو الموجه والسيف الشهير على أعداء الله، فيتبسم صلى الله عليه وسلم ويقول: {نعم. وأرجو أن تكون منهم}.

    المسارعة إلى أبواب الجنة ومنها الجهاد

    فمن الناس من يدعى من باب واحد على حسب طاعته وتقواه، وعلى حسب سلوكه إلى طريق الجنة، فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185] بعض أهل التفوق يعلن تفوقه في عالم الإيمان ويدخل الجنة، تأتيه الشهادة ليدخل من باب الجنة، ولذلك قال غلاة التصوف وأهل التصوف: نحن لا نعبد الله عز وجل طمعاً في جنته ولا خوفاً من ناره! فلماذا تعبدونه ثكلتكم أمهاتكم؟! أتعبدونه زندقةً؟! أم انزواءً؟! أم تلهياً وتلاعباً؟! قالوا: هكذا نعبده حباً، والله عز وجل وصف أولياءه بأنهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، والله يقول لأوليائه: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ [آل عمران:133] والله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يقول لأصفيائه: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [آل عمران:169-170] عمير بن الحمام في بدر يأكل التمر ويظن أن هناك وقتاً بين دخول الجنة وبين أكل التمر، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يغرس شجراً من الإيمان لا تذبل أبداً، خرج على أهل بدر قبل المعركة فقال: {يا أهل بدر! اعملوا ما شئتم فقد غفر الله لكم، والله يا أهل بدر! ما بينكم وبين الجنة إلا أن يقتلكم هؤلاء فتدخلون الجنة، فيقول عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله! ما بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء فأدخل الجنة؟! قال: إي والذي نفسي بيده، فيلقي التمرات من يده، ويخلع الدرع من على جنبيه، ويأخذ غمد سيفه ويكسره على ركبته فيقاتل حتى يقتل}.

    وليس على الأعقاب تدمى كلومنا     ولكن على أعقابنا تقطر الدما

    تأخرت استبقي الحياة فلم أجد     لنفسي حياة مثل أن أتقدما

    يأتي جعفر بن أبي طالب فيقف في مؤتة، وقد ترك زوجته وماله وأهله وشهرته ومنصبه وباع كل شيء وأتى بروحه إلى الواحد الأحد، والذي يهدي روحه ليس كالذي يهدي عشرة ريالات، الذي يهدي روحه أجود الناس، والذي يسكب دمه أكرم الناس، والذي يقدم نفسه أبذل الناس، فلما رأى الرومَ ونظر إليهم ولكنه تطلع إلى ما بعد الروم وهي الجنة، أخذ الغمد وكسره على ركبته وأخذ يقول في زمجرة المسلم وصولة المؤمن، يوم يمتلئ إيماناً ويقيناً، ويوم يرتفع على الشهوات والملهيات وعلى المعاصي والمخالفات.

    يا حبذا الجنة واقترابها     طيبة وبارد شرابها

    والروم روم قد دنا عذابها     كافرة بعيدة أنسابها

    علي إن لاقيتها ضرابها

    وصدق مع الله، وضارب وقطعت يداه، واحتضن الراية وهو لا يزال قوياً ما دام أن فيه ذرة من حياة؛ لأن وقوده من مشكاة محمد عليه الصلاة والسلام، وسقط في الأخير شهيداً ولكنه حي عند الله وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [آل عمران:169-170].

    1.   

    عظماء على فراش الموت

    قصة خبيب بن عدي

    خبيب بن عدي يأخذه الكفار أسيراً، ويدخلونه بيتاً غير مسقوف، وتصهره الشمس ولكن إيمانه يبرده، يأتيه البرد ولكن إيمانه يدفئه، يأتيه الجوع ولكن إيمانه يشبعه، يأتيه الظمأ ولكن إيمانه يرويه، تقول إحدى النساء من اللواتي عشن قريباً من خبيب: رحم الله خبيباً، والله لقد كنت أنظر إليه وقد حصر في مكة في بيت، ما في مكة عنبة واحدة وإن قطاف العنب يأكله خبيب، من أين؟ من عنده سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران:37] وخرج إلى ساحة الإعدام ساعة الصفر في حياة المسلم، يوم يستعلي على كل شيء، ساعة الصدق مع الله، خرج أهل مكة ليقتلوه، وهو ما قتلهم وما سرقهم أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ [غافر:28] لكنه ذنبه أنه رجل يعلن التوحيد، واجتمعوا في جمع حاشد في ضاحية من ضواحي مكة، فقال لهم: أريد أن تمهلوني لأصلي ركعتين، قالوا: صل ركعتين واستعجل، فقام يتوضأ وهو يعرف أن الموت سوف يأتيه بعد ركعتين، فصلى ركعتين ثم سلم ثم قال: والله الذي لا إله إلا هو، لولا أن تقولوا: جزع من الموت لطولت صلاتي، ثم قال: اللهم أخبر رسولك ما نلقى الغداة -يعني: أخبره بما يفعلوا بنا هذا اليوم، وفي سيرة موسى بن عقبة: {كان عليه الصلاة والسلام وهو في المدينة وخبيب! في مكة يقول: السلام عليك يا خبيب! السلام عليك يا خبيب! السلام عليك يا خبيب! } -قال: اللهم أبلغ رسولك ما نلقى الغداة، وأخذ يقول للكفار: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، فلما رفعوه إلى مشنقة الموت -هل بكى؟ لا. لأن الأبطال لا يبكون في ساعة الصفر، هل جزع؟ لا. لأن الأبطال لا يجزعون ساعة الموت، وهل ندم وتحسر؟ لا. لأنه يريد هذه الساعة، ويعمل لها، إنه يريد الجنة- قال له أبو سفيان في آخر لحظة: هل تريد أن محمداً مكانك وأنك في أهلك ومالك سليماً معافى؟ قال: والله الذي لا إله إلا هو، ما أريد أني في أهلي سليماً معافى وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصاب بشوكة، ثم أخذ ينشد -هل رأيت شاعراً ينشد عند لحظة الموت؟ إن سمعت شاعراً فهذا هو الشاعر العظيم، شاعر الإيمان والحب والطموح، لا شاعر الفن الرخيص العفن المتخلف، الذي يشعر ليهدم الأمم ويزيل الشعوب ويخرب القلوب- أخذ على المنصة يلقي قصيدته الرائعة المدوية على رءوس الأشهاد لتحفظ في ميزان حسناته يوم القيامة، يقول:

    ولست أبالي حين أقتل مسلماً     على أي جنب كان في الله مصرعي

    وذلك في ذات الإله وإن يشأ      يبارك على أشلاء شلوٍ ممزع

    ثم قتل.

    ولكنه ما قتل! إنه حي عنده سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مع الشهداء إن شاء الله، إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ [فصلت:30-31] لا يكتشف طريق الجنة عند كثير من الناس إلا في سكرات الموت، وكثير من الناس لا يستفيق من سكاره وخماره إلا في ساعة الموت، تلك الساعة التي يضعف فيها القوي، ويفتقر الغني ويعجز الجبار، ساعة الموت يوم لا تنفع المنعة ولا الدفاع، ساعة الموت الواخزة المؤلمة المحيرة المدهشة.

    قصة هارون الرشيد

    يأتي هارون الرشيد الخليفة العباسي الذي يتحدى السحاب، أرأيت السحاب يتحداها هارون من على شرفات قصره يقول للسحابة: أمطري حيث شئت فإن خراجك سوف يأتيني يصرع في مصرع الموت وينظر إلى جيشه ويبكي وهو يقلب وجهه في التراب ويقول: يا من لا يزول ملكه! ارحم من قد زال ملكه.

    قصةالمعتصم

    وهذا المعتصم الخليفة العسكري الذي دك عمورية بتسعين ألفاً كما قال أبو تمام:

    تسعون ألفاً كآساد الشرى نضجت     جلودهم قبل نضج التين والعنب

    فالنصر في شهب الأرماح لامعة     بين الخميسين لا بالسبعة الشهب

    أتاه الموت وهو لا يزال في شبابه، فقال: أموت اليوم؟ قالوا: تموت اليوم، يظن أنه لا يموت الإنسان إلا بعد السبعين، لكن أفتاه أهل العلم أنه ثبت شرعاً أنه يموت اليوم، فنزل من على سريره ومرغ وجهه وبكى، وقال -وقد ذكر ذلك عبد الحق الإشبيلي في بعض كتبه، قال: والله لو كنت أموت اليوم ما فعلت ما فعلت من المعاصي.

    قصة عبد الملك بن مروان

    وعبد الملك بن مروان المؤسس الحقيقي أو المؤسس الثاني للدولة الأموية حضرته سكرات الموت وأخذ يصارع الموت فتذكر طريق الجنة، ولكن متى؟ في الوقت الضائع، هو مؤمن إن شاء الله، هو مسلم لكن ينبغي على من يكون مثله أن يكون أحسن وأرقى، ليس كفرعون، فرعون تذكر الله في الوقت الضائع، حتى دس في التراب وسحق في الطين وأخذ ينقنق كالضفدع ويقول: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:90] الآن أنت من المسلمين أيها المجرم؟! في الطين أصبحت مؤمناً موحداً؟ لا. آلآن، بعد صحائفك السوداء وتاريخك الأغبر؟ والله لا تنجو، أنت من أهل النار، لكن عبد الملك كان يترقب منه أن يكون أحسن وأحسن، قال الذهبي في ترجمته: لما تولى الخلافة في أول يوم فتح المصحف وقرأ فيه قليلاً ثم أطبقه، وقال: هذا آخر العهد بك. قال الذهبي: اللهم لا تمكر بنا، فلما حضرته سكرات الموت سمع غسالاً يغسل بوادٍ، والمؤمن قد يكون غسالاً ولكنه لا يكون عبداً ولا رقيقاً إلا لله، وبعض الناس قد يكون سلطاناً ولكنه رقيق وعبد وخادم لبطنه وفرجه وحذائه ووظيفته، وكان الغسال يترنم بقصيدة، فقال عبد الملك وهو في سكرات الموت: يا ليتني كنت غسالاً، يا ليتني ما عرفت الحياة، يا ليتني ما توليت الخلافة، سمع سعيد بن المسيب هذه الكلمة ثم قال: الحمد لله الذي جعلهم يفرون وقت الموت إلينا ولا نفر إليهم؛ لأن من عرف طريق الجنة من أول طريقه لا يندم في سكرات الموت.

    قصة عبد الله بن المبارك

    عبد الله بن المبارك العالم الجهبذ المحدث الكبير الزاهد رضي الله عنه أتته سكرات الموت فأخذ يتبسم، أرأيت متبسماً يتبسم للموت؟! لا. إلا الأخيار الأبرار، يقول المتنبي لـسيف الدولة يمدحه بأنه يتبسم لكنه يتبسم لدنياه وشهرته:

    تمر بك الأبطال كلمى هزيمة     ووجهك وضاح وثغرك باسم

    نثرتهمُ فوق الأحيدب نثرة     كما نُـثرت فوق العروس الدراهم

    تبسم عبد الله بن المبارك فقال له الناس: مالك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: لمثل هذا فليعمل العاملون، لمثل هذا فليعمل العاملون، وأقف مع عبد الله بن المبارك قليلاً لأنه من الذين رسموا الطرق إلى الجنة، ومن الذين قادوا موكب صحوة الإسلام إلى الجنة، وعرفوا الناس بطريق الجنة إلى الله تبارك وتعالى.

    يسمع بداعي الجهاد في خراسان، فيترك الحرم ويترك مكة ويأخذ بغلته ويركبها، فيقول له الناس: ابق في الحرم، الصلاة الواحدة بمائة ألف صلاة فيما سوى الحرم، قال: لا.

    بغض الحياة وخوف الله أخرجني     وبيع نفسي بما ليست له ثمنا

    إني وزنت الذي يبقى ليعدله     ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا

    خرج وذهب للجهاد وأتته رسالة من الفضيل بن عياض يدعوه أن يعود من الجهاد إلى الحرم المكي فكتب للفضيل على خلف الورقة:

    يا عابد الحرمين لو أبصرتنـا     لعلمت أنك بالعبادة تلعب

    العبادة التي نحن فيها أرقى مما ذقت في الحرم، العبادة يوم يسيل الدم، العبادة يوم نتنفل لله بالركعات في جنح الليل في الظلام البارد الذي يقع كالسكاكين على الجسم، العبادة يوم يقف الإنسان ليحمي حوزة الدين.

    يا عابد الحرمين لو أبصرتنـا     لعلمت أنك بالعبادة تلعب

    من كان يخضب خده بدموعه     فنحورنا بدمائنا تتخضب

    إن كنت تبكي فبكاؤنا من نوع آخر، نحن أجسامنا تسيل دماً وأنت عيناك تسيل دمعاً، والدم أغلى عند العقلاء من الدمع.

    من كان يخضب خده بدموعه     فنحورنا بدمائنا تتخضب

    أو كان يتعب خيله في باطل     فخيولنا يوم الصبيحة تتعب

    ريح العبير لكم ونحن عبيرنا     رهج السنابك والغبار الأطيب

    عبد الله بن المبارك الذي عرف طريق الجنة بالعلم، ولكنه بالعمل والصدق مع الله، خرج حاجاً إلى مكة ومعه قافلة، فكان يمول كل أهل القافلة وينفق عليهم من مال الله الذي آتاه، وإذا بامرأة تخرج من قرية حول الكوفة إلى المزبلة فتأخذ غراباً ميتاً، فيقول لمولاه: اذهب إلى هذه المرأة وسلها، لماذا أخذت الغراب؟ فسألها المولى، فقالت: والله ما لنا من طعام من ثلاثة أيام إلا ما يُلقى في هذه المزبلة، فدمعت عينا عبد الله بن المبارك وأمر بأمواله أن توزع على أهل القرية جميعاً، ثم عاد إلى بلاده ولم يحج، ورأى في المنام قائلاً يقول: حج مبرور، وسعي مشكور، وذنب مغفور، رضي الله عنه وأرضاه فقد عرف طريق الجنة.

    وكما تعرفون أنه ألف كتاب الزهد، فكان يأتي ليقرأ كتاب الزهد فكأنه بقرة منحورة من خشية الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، قال تلميذه الذي يصاحبه في السفر: سرت معه ليلة، فدخلنا إلى غرفة في طريق السفر فانطفأ السراج فذهبنا نبحث عن السراج فلما أتينا بالضوء والسراج وجدناه يبكي، قلنا: مالك؟ قال: تذكرت -والله- القبر بظلمة هذه الغرفة.

    والقبر فاذكره وما وراءه     فمنه ما لأحد براءة

    وإنه للفيصل الذي به     ينكشف الحال فلا يشتبه

    والقبر روضة من الجنان     أو حفرة من حفر النيران

    إن يك خيراً فالذي من بعده     أفضل عند ربنا لعبده

    وإن يكن شراً فما بعد أشد     ويل لعبد عن سبيل الله صد

    فيا من أراد الجنة.. إن الجنة وصفها وحقيقتها في القرآن والسنة، ويا من أراد أن ينجو يوم القيامة، يوم العرض الأكبر عند الله عز وجل! فاسلك الطريق إلى الجنة، الطريق إلى الجنة التي سلكها الأخيار.

    قدم للإمام أحمد اللحم والملذات، لكنها ثمن لدينه ومبدئه الأصيل يوم وقف حصناً لـأهل السنة والجماعة في فتنة القول بخلق القرآن عند المأمون ولكنه لم يره، بل مات في الطريق وعند المعتصم والواثق، وقالوا: نغدق عليك، ونعطيك، ونوليك، فقال: لا والله، طعام دون طعام، ولباس دون لباس وأيام قلائل حتى نلقى الله، وما ذاك إلا لأنه عرف طريق الله.

    1.   

    الجنة ليست خاصة بالرجال

    وطريق الجنة ليس للرجال فحسب، إن في الجنة قسم للنساء، وإن الله عز وجل يقول بعد أن ذكر الأولياء والأخيار: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ [آل عمران:195] والرسول صلى الله عليه وسلم في حديث أبي أمامة الصحيح يقول: (المرأة إذا صلت خمسها، وصامت شهرها، وأطاعت زوجها، دخلت جنة ربها) والمرأة المسلمة هي نصف المجتمع يوم أن تتقي الله في رسالتها، وتعرف أن طريق الجنة لا يمكن أن يتحقق إلا بطاعة الله الواحد الأحد ثم بطاعة زوجها في طاعة الله، ويوم تعرف أن سترها وعفافها ستر الإسلام، وأن صيانتها صيانة لهذا الدين، وأن بقاءها في بيتها نصرة لهذه المبادئ الخالدة، ويوم أن تخجل من الواحد الأحد أن تتبرج أمام الأجانب، وتحفظ زوجها بالغيب فهي حافظة وراعية ومحاسبة على ذلك، ويوم تربي العلماء والأدباء والشهداء والصديقين في بيتها.

    الأم مدرسة إذا أعددتها     أعددت شعباً طيب الأعراق

    الأم نبت إن تعاهده الحياء     بالري أورق أيما إيراق

    فجزى الله الأمهات خير الجزاء يوم يكن حاملات للمبادئ الأصيلة، مصليات عفيفات متقيات للواحد الأحد كـعائشة وأسماء.

    منا الفواطم ربات العلا ولنـا     كل الزيانب هم أهل وعمات

    أسماء بنت أبي بكر نطاقها في الجنة شاهد بأنها كانت عفيفة ووقورة تقدم للإسلام كل ما تملك.

    وعائشة أعطاها معاوية بن أبي سفيان مائة ألف درهم فذهبت تتصدق وهي صائمة فتقول لها جاريتها: لماذا لا تبقي لنا درهماً أو درهمين نشتري لك لحماً لتفطرين عليه؟ قالت: نسيت نفسي لو أنك ذكرتيني عائشة رضي الله عنه تبقى في بيته صلى الله عليه وسلم محافظة على العهد، أما ليلها فقيام وأما نهارها فصيام، عائشة كانت تعلم الجيل وتربيه وهذه هي قدوتك أيتها الأخت المسلمة، وهي معلمتك في الحياة يوم تريدين الجنة ولقاء الله.

    1.   

    صفات الداعي إلى الجنة

    إن من أراد أن يدل على الجنة فعليه بأمور:

    أن يكون دليله الكتاب والسنة

    أولها: أن يكون دليله في هذا: كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    أن يصاحبه اللين والرفق

    الأمر الثاني: أن يكون ليناً في دلالته، فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128] يقول الله للداعية الكبير الذي ما طرق الدنيا داعية مثله: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] ويقول: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم [الأنفال:63] أرأيت أكبر من فرعون طاغية في الدنيا؟ أسمعت أكبر من فرعون مجرماً في المعمورة؟ لا. أرسل الله له موسى، فأوصى الله موسى وهارون وهما في الطريق ذاهبان إلى ذاك الطاغية، فقال: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44].

    إننا يوم ندعو الناس رجالاً وإناثا، كباراً وصغاراً، رؤساء ومرؤوسين إلى طريق الجنة لابد أن ندلهم على طريق الجنة ونحن رحماء ولينين وسهلين كقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح لما أرسل أبا موسى ومعاذاً: {بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا} إن الدليل الماهر لا ينفر القلوب، والموجه لا يخدش الكرامات، والداعية لا يجرح الشعور، إنه يدل على الجنة لكن بإيمان وحب وطموح، فقال الله لموسى وهارون: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44] احذرا أن تجرحا شعوره، احذرا أن تغضبا هذا المجرم فتأخذه العزة بالإثم فيكفر.

    وفي تفسير ابن كثير عن سفيان الثوري، العالم الجهبذ يقول: [[أتدرون ما هو القول اللين؟ قالوا: لا. قال: يأمره الله أن يكني فرعون، أن يدعوه بالكنية، أن يقول: يا أبا مرة]] قال أهل التفسير: كنية فرعون أبو مرة -مرر الله وجهه في النار- فدخل موسى يقول: يا أبا مرة! ندعوك إلى طاعة الله، إن الله سوف يبقي عليك شبابك وملكك وصحتك، يا أبا مرة! إننا نعرض عليك الرسالة الخالدة ونحو هذا الكلام، والكنية تكسب المدعو قيمة وحفظاً وجاهاً.

    أكنيه حين أناديه لأكرمه     ولا ألقبه والسوءة اللقب

    كذاك أدبت حتى صار من خلقي     أني وجدت ملاك الشيمة الأدب

    فالمقصود: أن على من دل على طريق الجنة أن يكون ليناً، ولقد مني الإسلام في بعض جوانبه بشيء من الصلف في الدعوة والعنف في التوجيه، والشدة والغلظة في التربية، يوم يأت الداعية فينظر إلى نفسه أنه طاهر عفيف، وأن الناس مذنبون فيتهكم بهم، ويريد أن يحولهم في نصف ساعة إلى أن يصبحوا في درجة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، يوم يقوِّم الدنيا ويقعدها على مسائل سهلة لا يتدرج فيها، إنه قد أخطأ في ذلك، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر الداعية أن يتدرج، وقد أرسل معاذاً إلى اليمن فكلمه عن نوعية الناس الذين سيرسل إليهم تمهيداً له فقال: { إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله فإن هم أجابوك لذلك -لم يحشر عليه المسألة الثانية لكن- فإن هم أجابوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة} والرسول عليه الصلاة والسلام حين أتى إلى الأمة العربية، إلى أمة العنف، أمة لا حضارة تربطها، ولا ثقافة تؤسس مبادئها، ولا معرفة تنظر مسيرتها، أمة مبعثرة، قبيلة تطحن قبيلة وأخرى تلعن أخرى، فأتى صلى الله عليه وسلم بالحب، فيتبسم صلى الله عليه وسلم لعدوه اللدود فيكسب قلبه، وابن عمه الذي أخرجه وحاربه يقول له: عفى الله عنك، وقريش التي أخرجته وحاربته يقول: {اذهبوا فأنتم الطلقاء} قال الله عز وجل: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ [الأنفال:63] كيف ألفت بين قلوبهم؟ إنه اللين والسهولة، والمودة والقرب فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].

    أيها الإخوة: إن هذه الجلسة كانت لقاء مفتوحاً، لكن أكتفي بذلك لأدع وقتاً للإجابة على الأسئلة ما يكون فيها إن شاء الله عوضاً على ما بقي من حديث، ولكن هذه كالتقدمة والديباجة أمام هذا الجيل السائر إلى الله الواحد الأحد، السائر إلى الجنة بإذنه تعالى، المتطلع إلى رضوانه تعالى، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    شكر الله لكم وأثابكم، وجمعنا بكم في دار الكرامة، يوم يتقبل الله منا -إن شاء الله- أحسن ما عملنا ويتجاوز عن سيئاتنا في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون.

    هينون لينون أيسار بنو يسـر     صيد بهاليل حفاظون للجار

    من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم     مثل النجوم التي يسري بها الساري

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    1.   

    الأسئلة

    كيفية مواجهة الحرب على الإسلام

    السؤال: كيف يواجه شباب الإسلام موجة الكفر التي كادت أن تأتي على الأخضر واليابس عن طريق العري والتفسخ؟

    الجواب: هذا السؤال مرَّ جوابه في كلية الملك فهد البحرية، وورد مثل هذا السؤال وكانت إجابته -لئلا يتكرر- أن الحرب التي وجهت ضد الإسلام والمسلمين حرب ذات شقين: حرب الإلحاد وهو: مرض الشبهات، وحرب الشهوات، أما حرب الإلحاد فأول من ألحد في الأرض إبليس مروراً بفرعون بـأبي جهل إلى أن تنتهي إلى كل ملحد رعديد من استالين ولينين وماركس، وحرب الإلحاد هذه أخذت الأخضر واليابس، وهو حرب الشبهات في العقائد، وقد بين كثير من العلماء كـابن القيم أن هذا المرض هو أخطر مرض في حياة الإنسان، مرض الشبهات يأتي بالتشكيك، ويأتي بمركب الحداثة، والاستهزاء بالقيم وبالإسلام، وبدين الله الخالد، من الذي أنتج هذا اللفيف من الإلحاد في الساحة؟ إنه مرض الشبهات الذي ورد، فالشاعر الذي يكفر بالله تعالى ويسمي بعض الناس أنه إله من دون الله، هذا من مرض الإلحاد الذي انتشر في الساحة، والمسلم الذي يدعي الإسلام ويشرب ماءنا ويسير على أرضنا، ولكن إذا كتب ترك الإيمان في بيته، وإذا تكلم خلع الإيمان من على عاتقه، وإذا تحدث حارب الإيمان، هذا مركب الإلحاد.

    وأما مرض الشهوات فمرض خطير لكنه ليس في الدرجة كمرض الشبهات، إنه مرض المعاصي، وقد قدمته الرأسمالية -أوروبا - لما أخفقت الحروب الصليبية قدمته في الكأس والمرأة المتبرجة الخليعة والمجلة الماجنة، قدمت هذا المرض للشبيبة في هذا، حين يعزف على آذان الشباب بالأغنية الماجنة ينسى الله، وحين تدخل عليه المجلة والمرأة الخليعة ينسى الله، وحين يجعل مكان المصحف وكتب الحديث المجلة الخليعة ينسى الله، وحين يقدم له الكأس ينتهي قلبه ويقسو فلا يعرف الله.

    وأما بالنسبة لكيفية حل هاتين المصيبتين: فبالنسبة لمرض الشبهات فحله باليقين، وأما مرض الشهوات فحله بالصبر قال الله تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24] قيل لـابن تيمية: بما تنال الإمامة في الدين؟ قال: بالصبر واليقين، فأنا أدعو إلى اليقين، والتفكر، وكثرة قراءة القرآن، والنوافل، والذكر، وحضور مجالس الخير، وحضور الدروس الإسلامية، والتبتل إلى الواحد الأحد، هذا علاج -بإذن الله- لمرض الشبهات، أما مرض الشهوات، فالصبر ومراقبة الله في السر والعلن، كذلك الدعاء أن يثبتك على المسيرة وعلى الحق والخير حتى تلقاه.

    فضل الصحبة ومنزلة الصحابة

    السؤال: إذا خاطبت الناس عن الرجوع إلى الله واستشهدت بحياة الصحابة، قالوا: هم تفرغوا وليس لهم إلا الدين ونشره، وليست لهم أعمال فهم متفرغون لذلك حتى بلغوا هذه المنزلة، وأما نحن فلنا أعمال ومشاغل كثيرة، فكيف نرد على أمثال هؤلاء؟

    الجواب: أولاً: اعلم أنه لا نجاة ولا سعادة ولا فلاح إلا باتباع ما سلكه أولئك القوم أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:90] ثم اعلم أنه لن يوجد مجتمع متكامل في الأرض ولن يوجد ولن يتكرر كمجتمع الصحابة، جيل اختاره الله عز وجل، جيل متكامل، جيل قرآني فريد لحمل راية لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ثم اعلم أن فضل الصحبة درجة عالية لا يمكن أن تدركها أنت ولا أنا، فإنه لو أنفق أحدنا كـأحد ذهباً وفضة ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، ولكن للعامل الصابر في آخر الزمن أجر خمسين من الصحابة، أما فضل الصحبة فلا يرتقي إليها أبداً.

    ثم اعلم أنه لا يطلب منك أن تكون كـأبي بكر في بذله، فهيهات!

    ألا لا أحب السير إلا مصعداً     ولا البرق إلا أن يكون يمانيا

    فلن تستطيع ذلك فأرح نفسك، ولكن كما قال أنس أن رجلاً قال: {يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: ماذا أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة ولكني أحب الله ورسوله، قال: أنت مع من أحببت قال أنس: فأنا أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر ولم أعمل بعملهم} فاعلم أنك لن تبلغ ذاك المستوى، لكن عليك بحبهم والتسديد والمقاربة كما قال الشافعي:

    أحب الصالحين ولست منهم     لعلي أن أنال بهم شفاعة

    وأكره من تجارته المعاصي     ولو كنا سواء في البضاعة

    رابعاً: اعلم أنه إذا كان لديك شيء يشغلك عن طاعة الله، وتعتذر به أنك لن تبلغ ما فعله الصحابة من الفرائض، أقول: فهو شؤم عليك ونكبة وحسرة وندامة، والذي يقول: نحن لا نستطيع أن نقيم الفرائض في هذا العصر فاعرف أنه قد دخل قلبه إلحاد وزندقة وكفر، فإن الفرائض هي الخط الدفاعي الأخير ضد الكفر، ومن ترك الآداب عاقبه الله بترك النوافل، ومن ترك النوافل عاقبه الله بترك الفرائض، ومن ترك الفرائض ابتلاه الله بالكفر.

    حسن معاملة الزوجات

    السؤال: ما هي دعوة الشيخ للشباب في معاملة زوجاتهم؟

    الجواب: أنا أدعو كل أخٍ أن يتدبر سيرته صلى الله عليه وسلم في الحياة الزوجية، فهو صلى الله عليه وسلم الكامل في بيته ومجتمعه، الكامل في خطابته وإدارته، الكامل في جهاده وسياسته واقتصاده، الكامل في كل منحى من مناحي الحياة، وفي جانب المعاملة مع النساء قال في عرفات: {الله الله في النساء فإنهن عوان عندكم} ويقول في سنن أبي داود: {خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي} فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعيش مع المرأة، فعاش معها زوجاً وأباً وأخاً، تقول عائشة وهي تذكر تلك الذكريات مع المصطفى عليه الصلاة والسلام، يوم كانت أحلى حياتها وساعاتها أن تعيش بجانبه صلى الله عليه وسلم، فعند أن توفي عليه الصلاة والسلام فقدت ذاك الضوء لكن على أمل أن تلقاه في الجنة لأنها زوجته في الجنة.

    بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا     شوقاً إليكم وما جفت مآقينا

    نكاد حين تناجيكم ضمائرنا     يقضي علينا الأسى لولا تأسينا

    إن كان قد عز في الدنيا اللقاء      ففي مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا

    مع مشاكل الدعوة ومع الأحداث التي مر بها صلى الله عليه وسلم: أحداث تغيير الكون، وأحداث الفتوح، والجهاد، وأحداث الرد على اليهود والنصارى والمنافقين والمشركين {سُئلت عائشة رضي الله عنها كيف كان صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليكم؟ قالت: كان ضحاكاً بسَّاماً} يأتي صلى الله عليه وسلم فيداعبها كما في كتاب الأدب من صحيح البخاري ويقول: {إني لأعلم رضاكِ من غضبكِ، قالت: بماذا؟ قال: إذا رضيت قلتِ: لا ورب محمد، وإذا غضبتِ قلتِ: لا ورب إبراهيم، فتقول الذكية اللماعة: والله ما أهجر إلا اسمك} وفي صحيح البخاري تقول: {يا رسول الله! أإذا نزلت أرضاً ووجدت شجرتين شجرة أكل منها وشجرة لم يؤكل منها في أي الشجرتين ترعى؟ -أي: غنمك وبهائمك- قال: في التي لم يؤكل منها ثم يتبسم عليه الصلاة والسلام} لأنها هي بكر وما سواها من شريكاتها في الحياة ثيبات، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يبقى معها أنيساً قريباً من قلبها يعرف أن المرأة ناقصة عقل ودين، ولكنها تدخل الجنة وتربي الرجال، وتنتج العلماء، لأن بعض المتحدثين كان يتكلم في الشرق الأوسط وليست الجريدة لكن يتكلم في مجمع ويقول للناس: إنهن ناقصات عقل ودين، فقامت امرأة وقالت: كيف تقول: نحن ناقصات عقل ودين ومنا الطبيبة والمهندسة والوزيرة؟ قال: أنا أذكر الحديث في عهده صلى الله عليه وسلم فإنه يقول في نسائه: ناقصات عقل ودين ونساء الصحابة، أما أنتن فلا عقل ولا دين، فقامت مرة ثانية -وكانت سمينة بدينة- وقالت: كيف لا ترفق بنا في الخطاب والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {رفقاً بالقوارير} قال: الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {رفقاً بالقوارير} ولم يقل: رفقاً بالبراميل! أما نحن فإننا لا نزال نرفق بهن ونعتقد أن المرأة نصف المجتمع، ونعتقد إكرامها وأدبها وصونها وحشمتها، ونعتقد اعتقاداً جازماً أن حياتها أن تكون في بيتها مربية، ولكنني أطلب من الإخوة من كان له زوجة أو قريبة أن يتقي الله فيها وأن يأخذ بناصيتها وأن يراعي ضعفها، وأن يدلها على طريق الجنة.

    كلمة موجهة إلى أولياء أمور الأطفال

    السؤال: انتشر في الوقت الحاضر إحضار الأطفال إلى المساجد؛ مما يؤدي إلى إزعاج المصلين، نرجو منك نصيحة في ذلك؟

    الجواب: انتشر بين العوام حديث: {جنبوا مساجدكم صبيانكم} وهذا لا يصح، والرسول صلى الله عليه وسلم أحضر كثيراً من الصبيان إلى المسجد، ففي الصحيحين من حديث أبي قتادة {أنه صلى الله عليه وسلم كان يحمل أمامة بنت زينب ويصلي فكان إذا سجد وضعها وإذا قام رفعها} ذاك المعلم الكبير صلى الله عليه وسلم، فقضية إلغاء حضور الأطفال إلى المساجد ليست واردة، وحديث أبي بصرة عند النسائي قال: {صلى بنا صلى الله عليه وسلم إما صلاة الظهر أو صلاة العصر فلما سلم قال: أيها الناس: لعلي أطلت عليكم} يعتذر في السجود، وبعض الناس يطول في الناس حتى يقرءون السور، والتحيات وهم وقوف ويسبحون ويستغفرون ويتوبون كأنها صلاة الكسوف ثم إذا قالوا: أطلت قال: أنتم لا تعرفون الإسلام، فها هو الرسول صلى الله عليه وسلم يعتذر من تطويل سجدة واحدة ويقول: {لعلي أطلت عليكم، إن ابني هذا ارتحلني آنفاً فكرهت أن أوذيه فمكثت حتى نزل} يا للطف حتى في الفرائض! وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4].

    لكن الأمر إذا انتقل إلى أن يحول المسجد إلى روضة أطفال أو ملعب كرة فهذا حرام، لأن هذا مسجد فيه خشوع ودموع وابتهال وقربى وزلفى من الله، أما أن يأتي الأطفال كلما أعجز امرأةً طفلها وآذاها في كسر الفناجين وفي تخريب العملة نقلته إلى المسجد فنقول: لا والله، اتق الله في مساجد المسلمين، عليكِ بابنكِ وعليكَ أنتَ بابنك واحفظه في بيتك، ومع ذلك نقول: الأطفال ليسوا سواء، بعض الأطفال يكون عاقلاً لبيباً أريباً كـالحسن كان في الخامسة من عمره يحفظ الأحاديث، وكبعض الشباب تراه متوقداً بالنور، وعمره في العشر السنوات أو السبع والثمان وهو أزكى وأعرف وأعلم بالله من الذين في الخمسين.

    نصيحة إلى بائع الأفلام الخليعة

    السؤال: أنا شاب وقد قمت بفتح محل للفيديو وخسرت حوالي نصف مليون ريال، والسؤال ما هي حقيقة مكسبي علماً بأني أبيع جميع الأفلام؟

    الجواب: أولاً يا أخي! اتق الله في أمة محمد عليه الصلاة والسلام، اتق الله في هذا الدين، واتق الله في هذه المبادئ الخالدة، ما وجدت من تحاربه إلا الإسلام، ليتك ضررت بأعداء الإسلام أو بغير هذا الدين، وأنا أحمله على الفيديو المعروف الذي يؤذي، فيديو الخلاعة والمجون ليس الذي يستخدم في الخير، أنا فهمت من السؤال هذا، فإذا فعلت ذلك فاتق الله -يا أخي- أن تكون حرباً لله يوم القيامة، أن يوقفك الله على رءوس الأشهاد ويسألك: لماذا أضللت كثيراً من الناس؟ لماذا خربت البيوت؟ لماذا أدخلت الهدم والتدمير في بيوت أمة محمد عليه الصلاة والسلام؟ أنت يا أخي! المسئول عن كل فلم سيئ قبيح متبذل، فيه فحش ومجون تهدم به آلاف الأسر، وآلاف الأطفال، وآلاف البنات أنت المسئول، أتشارك الصهيونية العالمية وهي لم تقصر لا سلم الله رأسها في هدم الإسلام؟ أتشارك الرأسمالية والعلمانية والشيوعية في هدم هذا الدين وأنت من الذين تغذوا بغذاء لا إله إلا الله، وشربوا ماء لا إله إلا الله، وسروا على أرض لا إله إلا الله؟ أنا أقول: أناديك هذه الليلة وأشهد الله أنني أخبرتك أن تتقي الله في أمة محمد، وأن يتقيها كل صاحب مجلة وصحيفة وتسجيل وفيديو، أن يتقوا الله في الأمة المحمدية، وحربهم لله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، والله إذا أخذ الظالم لم يفلته، وأظلم ظالم من حارب هذا الدين، وأما خسارتك فاجعلها كفارة وليت كل خسارة مثلها ما أبردها على قلوبنا، فاعتبر أن هذه كفارة وعليك أن تتوب وتعود إلى الله، وأما المال الذي بقي من هذا فحوله إلى الخير، وشارك به في رفع راية لا إله إلا الله وفي الدعوة وفتح مكان ينفع الإسلام والمسلمين، وفي إفادة ونفع المجاهدين، وفي طبع كتب إسلامية، وشراء أشرطة إسلامية وتوزيعها على المسلمين، حينها تكون إن شاء الله مكفراً لذنوبك وسوف يتجاوز الله عنك أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [الأحقاف:16].

    الإسلام ودور العلماء والدعاة

    السؤال: نقرأ في بعض صحفنا المحلية والمجلات كتابات وأشعار تمس بكرامة الإسلام والمسلمين، فهل يقتصر دور العلماء على الزجر أم أن عليهم واجب أكبر من هذا، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: هذا يقال في مناسبات كثيرة أن الواجب على العلماء والدعاة لم يكتمل ولم يقوموا به حق القيام، قضية أن يجلس العالم أو الداعية في بيته، ويقول: حلال أو حرام، كلما سئل عن مسألة أفتى، الدعوة شيء والفتيا شيء آخر، وهذه المجالات إذا تركت فإن أهل الإجرام لا يتركونها، وأهل النية السيئة لا يتركونها؛ لأن الخير يوم ينزوي يأتي الباطل، والله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى من سننه الكونية والخلقية والأمرية الشرعية أن جعل الخير يصارع الشر وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً [الفرقان:31] وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [البقرة:251] إذا علم هذا فإننا لا يكفي أن نقول: الحداثة حرام أو لا يجوز، نسأل الله أن يدمرهم تدميراً، الدعاء وراد، لكننا إذا تركناهم يكتبون كتبوا، وإذا أخلينا لهم الساحة فرخوا وباضوا وهذا هو المعروف، فواجب العلماء والأخيار والدعاة أن كلاً يعرف مشربه وتخصصه وأن ينفع الإسلام بهذا الأمر.

    نحن لا نقول لكل عالم: لابد أن تكون صحفياً؛ لأن العالم إذا أتى من المغني ومن المحلى لـابن حزم ليكتب في الصحافة لا يعرف، ونحن لا نقول كذلك لخطيب الجمعة أن تكون أديباً فهو يستطيع الخطابة لكن لا يستطيع أن يكون أديباً، فنقول: على المسلمين أن يصنفوا دعاتهم وأن يكون الصحفي مسلماً مؤمناً، وأن يكون الأديب مسلماً مؤمناً، وأن يكون صاحب المسرح مسلماً مؤمناً، والناثر الشاعر مسلماً مؤمناً، فواجبنا مقصرون فيه تماماً، وإلا فصحفنا وولاة الأمور عندنا ينادون بالإسلام ويدعون لتحكيم دين الله عز وجل، وهم يتحرون من يأخذ هذه المجالات ومن يأتي إلى الساحة ليكتب، ولكن يوم تركناها أتى أهل الباطل يكتبون ولذلك أدموا مقلة الإسلام، وأبكوا عينه وجرحوا كبده.

    حكم الصلاة في البيت بدون عذر

    السؤال: أنا شاب لا أصلي في المسجد، وذلك بدون عذر فما الحكم؟ وهل صلاتي مقبولة؟

    الجواب: لا أدري كيف فتح الله عليك حتى تركت الصلاة في المسجد بلا عذر، وما هو عذرك؟ هذا يحتاج إلا أن تراجع نفسك مع الله عز وجل، وتراجع إيمانك؛ فإنه أصابك باقة من النفاق دخلت إلى صميم قلبك، يقول ابن مسعود رضي الله عنه كما في صحيح مسلم: [[إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد فرض لكم سنن الهدى، وإن الصلاة من سنن الهدى، ولقد رأيتنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان يؤتى بالرجل فيهادى به بين الرجلين حتى يقام في الصف]] فأي عذر لك؟! وإنما عذرك هو مرض خطير دب إلى قلبك وهو النفاق، فعليك أن تتقي الله وتدعوه أن يزيله من قلبك، فمن تخلف عن الجماعة بلا عذر فهو منافق، والحديث الذي في الترمذي في سنده نظر: {من رأيتموه يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان} وأحاديث أخرى لو اجتمعت لكونت قاعدة وهي:

    إن من علامة إيمان المؤمن المحافظة على الصلوات الخمس. سبحان الله! وجد عند طبقة من السلف كـعامر بن عبد الله بن الزبير كان يقول كل صباح: [[اللهم إني أسألك الميتة الحسنة، اللهم إني أسألك الميتة الحسنة، قالوا: ما هي الميتة الحسنة؟ قال: أن يتوفاني الله وأنا ساجد]] وحضرته سكرات الموت، وأذن لصلاة المغرب فقال لأبنائه وهو في سياق الموت: احملوني إلى المسجد لأصلي، قالوا: عذرك الله أنت في مرض وفي سكرات الموت، قال: أسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح ثم أموت وولا أحضر المسجد لا والله -كان من العباد الكبار كما ذكره ابن الجوزي والذهبي - فحملوه على الأكتاف، فلما صلى صلاة المغرب علم الله صدقه وإخلاصه سجد السجدة الأخيرة فقبض الله روحه وهو ساجد، فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ [محمد:21] وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] محمد إقبال يصف الشبيبة الإسلامية الجيل الأول الذين رفعوا لا إله إلا الله يقول فيهم: إنهم إذا حضرت المعركة وأقيمت الصلاة تركوا كل شيء حتى العدو وهو صاف لهم، وأتوا إلى الصلاة يقول:

    نحن الذين إذا دعوا لصلاتهم     والحرب تسقي الأرض جاماً أحمرا

    جعلوا الوجوه إلى الحجاز فكبروا     في مسمع الروح الأمين فكبرا

    هذه هي الأمة الخالدة التي رفعت لا إله إلا الله.

    حكم بيع النقود والصرف بالنقود

    السؤال: بما أن العملة الورقية وضعت محل النقدين وأصبحت تزيد قيمتها وتنقص، وكأنها سلعة تجارية يجري عليها البيع أو الشراء، فمثلاً: إذا انخفض الدولار أو الفرنك سارع التجار إلى شرائه، فإذا ارتفعت قيمته باعوه ليربحوا فيه أليس هذا ضرب من الربا أرجو التوضيح؟

    الجواب: هذه المسألة وغيرها من المسائل المصرفية ومن مسائل النقود، بيع النقود والصرف بالنقود وقبض السندات في الحال أو تأجيلها، هي ثلاث مسائل كلها لخلافيتها وعدم الوصول إلى قول ضابط فيها لا أتكلم فيها في هذه الجلسة، أنا أترك الحديث لأهل العلم من الذين يجتمعون على هذه المسائل، وأحيلكم إلى بعض البحوث التي تجدونها في مجلة البحوث تجدون فيها كل ما تتساءلون فيه في هذا الباب؛ لأن ضبط هذه المسألة لا بد لها من تقعيد، ثم تأصيل ثم بحث على روية؛ لأن هذه المسألة يتفرع منها عدة مسائل: مسألة السند بالسند، ومسألة الصرف بعملة أخرى، ومسألة تأجيل السند عن استلامه في فترة، ومسألة: هل الأسانيد تقوم بالزيادة كقوله صلى الله عليه وسلم: {يداً بيد مثلاً بمثل أو سواء بسواء} أم أن هذه تغطي رصيداً لها من الذهب فلا تعتبر إلا أسانيد ورقية؟ أنا لا أتكلم في هذه القضية لسعتها لكن أحيلكم إلى مجلة البحوث.

    حقيقة الزهد في الدنيا

    السؤال: نرجو من فضيلتكم أن تبينوا لنا الطريق إلى الزهد في هذه الحياة من جميع النواحي، خاصة سكان الجبال وأنت تعلم مساكنهم؟

    الجواب: سكان الجبال وغيرهم يطلب منهم الإعراض عن الحياة الدنيا، وأخذ الدنيا طريقاً إلى الله عز وجل، وأحسن من عرف الزهد في الإسلام فيما أعرف ابن تيمية يقول: الزهد ترك ما لا ينفعك في الآخرة. أما ما ينفعك في الآخرة فليس تركه من الزهد، والزهد -أيها الإخوة- إنما مدحه الله عز وجل وأثنى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم كما في سنن ابن ماجة بسند حسن من حديث سهل بن سعد لما جاء رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: {يا رسول الله! دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس؟ قال: ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس} وعند البخاري من حديث ابن عمر قال: {أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي، وقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل} إذا علم هذا، فأحسن الزهد أن تترك كل ما يشغلك عن طاعة الله عز وجل، وكل شيء يشغلك أو يدخل العجب والزهو عليك أو يؤخرك عن الطاعة فاتركه، أما ما يعينك على طاعة الله عز وجل فتركه ليس من الزهد، فمثلاً إنسان عنده سيارة توصله إلى متطلباته، وتقضي له أعماله، وتخفف عليه الذهاب والإياب فإن تركها ليس من الزهد، بل بقاؤها عون له على طاعة الله، أو مثلاً إنسان عنده بيت وسيع يستقبل إخوانه وأرحامه وضيوفه وأقاربه فتركه والتخلي عنه ليس من الزهد، أو رجل يلبس لباس الجمال يريد بذلك إظهار قوة الدين، وروعة وجمال الدين، وإظهار نعمة الله عز وجل فإنه في الحديث الحسن: {إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده} إذاً ليس ترك ذلك من الزهد، فأنت تترك ما يشغلك عن طاعة الله، وبعضهم -كما فعل الغزالي - قسم الزهد إلى ثلاثة أقسام: زهد العوام، وزهد الخواص، وزهد خواص الخواص، فهذا التقسيم من كيس الغزالي، زهد العوام يقول: في الحرام، وزهد الخواص في المباحات، وزهد خواص الخواص في كل شيء إلا في قدر ما يقوت العبد أو كلام يشبه هذا، لكن الأحاديث تبين أن كل ما يشغلك فاتركه واستعن بكل ما يقربك من الله عز وجل.

    حكم لعبة البلوت

    السؤال: ما حكم لعبة البلوت أفيدونا جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    هذه اللعبة وغيرها من اللعب لابد من جواب منضبط عام؛ لتندرج في هذه القاعدة هي وأمثالها من اللعب، ويلاحظ في الحكم الضرر والفائدة، أو المفسدة والمصلحة، وأي شيء يكون فيه قمار محرم، فإنه ولو كان فيها فائدة وأي لعبة يكون فيها هذا الأمر فهي محرمة بنص الكتاب.

    ويلاحظ كذلك في اللعب قضية الصلاة وتأخيرها عن أوقاتها، كما ذم الله عز وجل اللاعبين المتهاونين بالصلاة، فإذا أخرت عن الصلاة كانت محرمة، هذه ناحية، وإذا وجدت في لعبة تسبب في تأخير الصلاة فهي محرمة.

    ناحية ثالثة: إذا أوجدت البغضاء بين المتلاعبين؛ لأنه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ذكر في الخمر أنها توجد البغضاء بين الأحبة والإخوان فهذه -أيضاً- محرمة.

    ناحية رابعة: إذا شغلت عن طاعة أعظم منها، كذكر وتلاوة قرآن، فهي محرمة.

    هذه الأمور الأربعة لابد من النظر فيها للحكم على أي لعبة من اللعب، لتكون ضابطة للعب الموجودة، فإذا حدث شيء من هذه الأربع أو الأربع جميعاً فاعرف أنها محرمة، أما إذا خلت منها وكانت في وقت ليس فيه إلا متعه أو ارتياح للقلب وخلت عن محرم فلا بأس بها إن شاء الله.

    حكم التبرع بالأعضاء بعد الموت

    السؤال: ما حكم التبرع بالأعضاء بعد الموت؟ وهل يعوض عنها المسلم أو يستطيع أن يؤخذ منه بعد الموت؟

    الجواب: أما الجواب في هذا السؤال فأقول: أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين، هذه الأعضاء وما ورد فيها تحتاج إلى بحث وما عندي فيها حصيلة؛ لأنها لم ترد كما تعرفون عند السلف وليست فيها نصوص، ومن يتكلم يتكلم بالاجتهاد وباب الاجتهاد غير منضبط ومفتوح، ولو تكلمت فيها جاء أحد الإخوة وتكلم في الليلة الثانية وحرم والثالث يحلل، فأنا لا أقول فيها شيئاً حتى تنجلي وتتضح، ويكشف الله غطاها، ولابد فيها من اجتماع أهل الفقه في العالم الإسلامي لتقرير هذه المسألة، ومؤتمرات الفقه في العالم الإسلامي تجتمع لمثل هذه المسائل، ما تجتمع لسجود السهو ولا لوضع اليدين على الصدر فهذه معروفة بالنصوص، لكن تجتمع لمسائل عصرية لا يظهر حكمها كمثل: أطفال الأنابيب، وبيع الأعضاء وغيرها من المسائل التي جدت على المسلمين، أما لو تكلمت قد يجمع في المؤتمر على غير ما تكلمت في المؤتمر، أو يأتي داعية آخر فيخالف قولي، فهي أمر لا تنضبط ولابد لها من قواعد يجتمع لها الفقهاء في العالم.

    معاملة الكفار وفق الشرع

    السؤال: يوجد معنا في العمل معرضين وغير مسلمين كيف نعاملهم؟

    الجواب: أرى أن تعاملهم معاملة غير المسلمين، الحسن مطلوب، قال الله لبني إسرائيل: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [البقرة:83] أي: البسمة واللطف في الكلام كمن صنع لك معروفاً تقول له: شكراً ومن هذا الكلام، لا يعني أنك مسلم وهو كافر أن تدخل عليه مغضباً وتخرج مغضباً وأن تلعنه في الصباح وفي المساء وتدعو عليه، هذا ليس أمر، الرسول صلى الله عليه وسلم عامل اليهود بالتي هي أحسن، والنصارى بالتي هي أحسن، لكن هناك أمور ضبطها العلماء ولابد أن تأخذ منها موقفاً:

    منها: أن تشعره بعزتك أنك مسلم، ولا تأتي إلى عدو الله الخواجة الذي هو أنجس من الكلب والخنزير وترفعه إلى درجة حتى توهمه أنه أفضل من المسلمين، أو يأتي في مراجعة فتقدمه على المسلمين المصلين الساجدين الراكعين، أو يأتي في أمر فتقدمه في الطابور على الناس، أو تجلسه وتترك الناس المسلمين واقفين، فهذه من الإهانة لدين الله عز وجل، وهذا من الجرح في صميم الإسلام، وهدم للإسلام، لابد أن تشعره أنه كافر، لكن لا يحملك هذا إلى أن تتعدى على شخصيته وتجرح شعوره، ثم إنك لا تجعله خدناً لك وصاحباً تزوره ويزورك، وتأنس به ويأنس بك، لا. قال تعالى: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ [المجادلة:22] ما دام حاد الله فلا تحمل له مودة وإنما تتعامل معه بحسن المعاملة وتسمى مصاحبة عمل أو طريق كما فعل ابن مسعود مع أحد اليهود صاحبه فأحسن إليه، فلما تفرقا نظر إليه ابن مسعود وودعه، فقال له الناس: مالك؟ أما تعرف أنه يهودي؟ قال: أعرف ولكن الله يقول: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [البقرة:83] هذا وارد، فلا بد من إشعاره بعزة الإسلام وإشعاره أنه الأقل، ولكنك لا تتخذه خدناً ولا صاحباً وهذه المعاملة تكون على هذه الضوابط.

    بيان عقيدة بعض الفلاسفة

    السؤال: نرجو أن تبين لنا عقيدة كل من هؤلاء: (الرازي

    و ابن سينا، أبو حيان وابن البيطار وجمال الدين الأفغاني،...)؟

    الجواب: فخر الدين أبو بكر الرازي صاحب التفسير، إن كان يقصده هذا الأخ السائل لا يقصد الطبيب الثاني، وابن تيمية رد على المفسر ولم يرد على الطبيب، ولكن للفائدة هذا المفسر الرازي ظهر من كلامه أنه أشعري بلا شك، والعجيب من ذلك أنه يميل إلى الاعتزاليات كثيراً، وقد قدم العقل على النقل، ولذلك رد عليه شيخ الإسلام الجهبذ ابن تيمية بكتاب: درء تعارض العقل والنقل فأتى بنيانه من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم، ولذلك يقول الرازي: الدليل النقلي والعقلي إذا تطابقا فإما أن نجمع بين النقيضين وهذا محال وإما تكذيبهما وهذا محال ولم يبق إلا أن نقدم العقل، فأتى ابن تيمية فرد عليه، والرازي هذا له تفسير والذي نعتقده أنه مسلم إن شاء الله، وعنده علم حتى في الفلسفة ولذلك يقول الشاعر:

    كذب الذي بـأبي علي قاسه     هيهات يبلغ مستواه أبو علي

    وأبو علي: هو ابن سينا يقول: إن الرازي أعظم وأذكى من ابن سينا.

    وله تفسير جيد يقولون: فيه كل شيء إلا التفسير، أتى بالكيمياء والفيزياء والهندسة والطب وكل العلوم حتى الجغرافيا إلا التفسير فسلم منه كتابه، ولكن ليس هذا بصحيح، قال بعض الكتبة: ليس بصحيح بل وجد فيه تفسير كثير، أما الأحاديث الموضوعة فحدث ولا حرج كلها من مسند الفردوس، حتى يأتي يقول: تكور الشمس والقمر كالثورين وتسقط في النار، حديث صحيح، من أين صححته سامحك الله؟ والرازي قليل البضاعة في الحديث ولا يؤخذ بتوثيقه ومعتقده يسمي أهل السنة أحياناً بالحشوية وهو لم يكمل تفسيره.

    أما الطبيب الفيلسوف فنقلت عنه كلمات والله حسيبه، لكن ليس له دور في العلم التنظيري، وهو صاحب عقاقير وأعشاب ولفائف، لكنه ذهب في المنطق فتردى.

    أما ابن سينا فكثر الكلام فيه، وبعض الناس يفتخر بـابن سينا الاسم اللامع ويحسبه على المسلمين، وهو فيلسوف بضاعته من بضاعة سقراط وبقراط وأولئك الملأ، ليست من بضاعة صاحب طيبة عليه الصلاة والسلام، وابن تيمية يقول: إن الله لن يغفل عن المأمون لما أدخل من كتب الفلسفة في بلاد الإسلام، نحن عندنا خير لا نحتاج إلى الفلسفة أو المنطق، يقول ابن تيمية: علم المنطق أو الفلسفة لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل، لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع منه البليد.

    فـابن سينا يُسمى: ذنب الصابئة وفرخ المجوس، وورد أنه كفر بثلاث كلمات كما قال الغزالي في كتاب: تهافت الفلاسفة منها: يقول: إن الله يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات، وأن المعاد الجثماني لا يكون وإنما المعاد يكون للروح، ولذلك ألقى قصيدته في النفس فيقول:

    هبطت إليك من المكان الأرفع     ورقاء ذات تعزز وتمنع

    ثم ذكر عقيدته، وتكلم كذلك في الغيبيات والسمعيات بكلام لا يصلح، حتى قال بعض العلماء: إن كان صح عنه ما يقول في بعض المقالات فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

    وأما أبو حيان فهما اثنان: أبو حيان الأندلسي الذي هو من أقران ابن تيمية النحوي الذي دخل دمشق ودخل مصر، فهذا ذكي لماع من أكبر النحاة، أتى إلى ابن تيمية فمدح ابن تيمية مدحاً راقياً بقصيدة رائعة، وكان ابن تيمية كما تعرفون من أذكياء الدنيا، قال أبو حيان هذا لـابن تيمية: ما أظن أنه يؤلف في الدنيا مثل الكتاب لـسيبويه، قال ابن تيمية: سيبويه ليس نبياً ولا معصوماً في كتابه أخطاء، قال أبو حيان: ليس في كتابه أخطاء؟! قال ابن تيمية وغضب: في كتابه ثمانون خطأً لا تعرفها أنت ولا يعرفها سيبويه، وهو صحيح فـابن تيمية أخرج الثمانين خطأً، فغضب أبو حيان على ابن تيمية فأخذ يتهزر به ويستهزئ في قصائده بعد أن مدحه لأن الهوى ركبه، فهو محسن ومسلم ونحوي قوي رحمه الله.

    وأما أبو حيان التوحيدي فعليه من الله ما يستحقه، ونسأل الله أن يجازيه بعدله، هذا مجرم ألف كتباً -يحارب بها الإسلام- ويحارب بها القرآن وهو مثل ابن الراوندي الذي يسمى: الكلب المعفر أكل عجين المسلمين، فهو مثل أبي حيان التوحيدي، وأتت منه كلمات تدل على زندقته، واستباح المسلمون قتله لكن ما ظفر بقائد يذبحه مثل ما فعل خالد بن عبد الله القسري يوم قام، وقال: أيها الناس: إن الجعد يقول: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، يا أيها الناس: ضحوا تقبل الله أضحياتكم وإني مضحٍ بـالجعد بن درهم عن سبعة، ثم أخذ سكينةً وافترش الجعد أضحية عن سبعة، وذبحه مستقبل القبلة ولذلك يتفنن ابن القيم وهو يشكر هذا الظالم، خالد بن عبد الله القسري ظالم لكن أحسن في هذا قال:

    ولذاك ضحى خالد بـالجعد يوم ذبائح القربان

    إذ قال إبراهيم ليس خليله     كلا ولا موسى الكليم الداني

    شكر الضحية كل صاحب سنة     لله درك من أخي قربان

    من أراد أن يتقرب يفعل مثلك، فلو وفق أبو حيان بسلطان مسلم كان ذبحه وكان أجزأه عن سبعه فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ [الحج:36].

    ابن البيطار هناك أديب اسمه: ابن البيطار ما أظن أنه يعتقده هذا الأخ؛ لأن هذا الأخ ذكر مصاف الفلاسفة وما أدري أتته كلمة ابن البيطار يمكن قرأها في ترجمة وهو أديب ليس بالشهير، وهو رقيق العبارة في شعره مثل ابن الغزي ومثل ابن الخياط وله مقطوعات رائقة، ليس فيه كلام لأنه ليس صاحب معتقد، لا يحمل معتقداً باطلاً، ولا يتحمس للمعتقد الحق، وهو صاحب شعر، وبعض الناس مسألته في الحياة شعر فقط، يريد أن يشعر مثل المتنبي، يذهب فيمدح الملك هذا ويقول: أنت درة الزمان وبركة الوقت وفاتح الدنيا، فإذا أعطاه كيساً، ذهب وذمه، ويذهب إلى الآخر فيمدحه كما فعل في سيف الدولة وكافور وعضد الدولة، فهذا ليس له رسالة في الحياة.

    حكم السفر والحج بالخادمة

    السؤال: هل يجوز أن أحج بالخادمة فقط مع العلم أني حلفت لها بذلك؟

    الجواب: ما دام وصل الأمر بك إلى أن تحلف للخادمة فنسأل الله أن يعافينا مما أصابك، أصبحت الخادمة كأنها زوجتك، كأنك تقرع بين نسائك أن تسافر وتحج معك، الخادمة لست بمحرم لها، بل أنت رجل أجنبي عليها، يحرم عليك أن تراها وتخلو بها في سفر، وأن تكلمها إلا من وراء حجاب، أما أن يصل بك الحال إلى أن تقول: ما رأيك في الحج في هذه السنة؟ أريد أن نحج إن شاء الله فهي أصبحت زوجة؟ نعوذ بالله من الخذلان، الخادمة إن كنت اضطررت إليها فلا بد أن تكون مسلمة متحجبة، وإذا كان معها محرم فهو الأولى، وألا تراها ولا تراك، أو تبقى في البيت ولا تخلو بها أبداً.

    تعرض الغزو الفكري للمرأة المسلمة

    السؤال: أرجو تسليط الضوء على الأخطار المحدقة بالمرأة المسلمة أو طريق الغزو الفكري؟

    الجواب: الأخطار المحدقة كثيرة.

    تكاثرت الظباء على خراش     فما يدري خراش ما يصيد

    لو بقينا نتكلم لطالت الليالي في الأخطار، لكن المرأة المحاربة اليوم تحارب بفنون الحرب، منها: الحرب على الحجاب وهو أخطر حرب تعرضت له المرأة المسلمة، قبل سنوات من يوم أطلق ذاك المجرم كلمة: (مزقيه) فتـتابعت الصيحات من كثير من الناس بتمزيق الحجاب والخروج على الحجاب، وإنما معناه الخروج على الإسلام، فالدعوة إلى ترك الحجاب هي أكبر ما تعرضت لها المرأة، وكذلك تعرضت للأفلام والمسرحيات، والأغنيات الماجنة التي تعرض للرجال الأجانب، وتعرض العورات، حرب تعرضت له المرأة من قبل الذين ينادون بحقوق المرأة، وهم الذين قتلوا المرأة، وأعدموها وسفكوا دمها قاتلهم الله.

    قالوا هم البشر الأعلى وما أكلوا     شيئاً كما أكلوا الإنسان أو شربوا

    فهذا لينين يقول: المرأة ملعونة فتانة، الأمريكان لما أدخلوا المرأة في الجيش ليس لخدمتها وتعليتها؛ إلا لأنه في الحرب العالمية سحق الأمريكان وقتل الكثير منهم، فاحتاجوا إلى الفتاة فأدخلوها تصارع الأحداث وتقوم بالطائرات وتركب المدفعية والصواريخ، وهذا هضم للمرأة، الجاهليون أحرموها من الميراث وما سمعوا لها كلمة، غاندي ينظر إلى المرأة باستهزاء ويرى أنه لا عقل لها تماماً، كل هؤلاء في جانب، والرسول صلى الله عليه وسلم أتى إلى المرأة فقال: { إنهن عوان عندكم} {خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي} { الله الله في النساء} الرسول صلى الله عليه وسلم جعل لها حظاً في الميراث، وأخبرها أن بيتها هو سترها وعفافها وصيانتها، وأخبرها إن ربِّت أبناءها فهي مأجورة ومشكورة وأخبرها إن أطاعت زوجها دخلت جنة ربها مع طاعة الله عز وجل، وكرمها وسمع كلمتها، وغضب صلى الله عليه وسلم للمرأة، وعاش معها أباً وأخاً وزوجاً، فلا إله إلا الله كم أعطى الإسلام المرأة من حق! ولا إله إلا الله كم هدمت الوثنية والصهيونية والرأسمالية والشيوعية من حق المرأة، وكم حاربت المرأة!

    حكم تأخير الصلاة

    السؤال: هل يجوز للمرأة أن تؤخر صلاتها إذا كانت في السوق إلى أن تعود إلى المنزل أم ماذا؟

    الجواب: ليس للمرأة أن تؤخر صلاتها إذا كانت في السوق حتى تعود بأي عذر، فليست معذورة وهي آثمة إذا أخرت صلاتها حتى خرج وقتها، وتعرفون ماذا قال أهل العلم فيمن أخر صلاته حتى خرج الوقت، فهذا ليس بعذر وعليها أن تتقي الله ولا تؤخر هذه الصلاة عن وقتها، فإنها آثمة ولا عذر لها بالخروج، ولا بالذهاب والإياب، لأنه لابد من عذر شرعي كإغماء أو نوم أو نسيان، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها} ولم يذكر عذراً آخر عليه الصلاة والسلام.

    حكم حجاب المرأة عن الأقارب

    السؤال: ما هو الحكم بالنسبة للزوجة في عدم التغطي أو الاحتجاب عن الأقارب مع العلم بمعرفتها بحكم الإسلام وهي رافضة لاتباعه؟

    الجواب: إن كانت تقصد الأقارب: الأخ والأب والقريب الحميم فيجوز لها ترك الحجاب، ما تتحجب في وجهها، لأنه قريب لها، وإن كانت تقصد الأقارب فيما يسمون أقارب في العرف مثل: أبناء العم وأبناء الخال وهم ليسوا بأقارب ويسمونهم الناس أقارب، فهؤلاء ليسوا بأقارب والحمو كذلك زوج الأخت أو أخو الزوج هذا الأمر لا ينبغي كذلك، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {الحمو الموت} فالحجاب معروف ولكن السؤال فيه عمته ولم ينجل إلى الآن.

    دخول المؤمنين الجنة قبل الحشر

    السؤال: لقد سمعت بأحاديث أكثرها أن بعض أبطال الإسلام رآهم النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة كـجعفر الطيار وبعض أصحابه كيف يكون ذلك، والجنة مقفلة وأول من يفتحها ويدخلها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: يا أيها الأخ الكريم! أنا أذكر لك مثلاً ثم أذكر لك ضابطاً في الأخير، أذكر لك مثالاً، الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرنا أنه دخل الجنة وأنه رأى فيها الرميصاء أم سليم، وأنه رأى عثمان بن مظعون في الجنة، وسمع صلى الله عليه وسلم دفَّ نعلي بلال في الجنة، وقال له: {ماذا كنت تفعل؟ قال: ما توضأت في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت ركعتين} ورأى صلى الله عليه وسلم الجنة وقد عرضت له في الحائط وهو يصلي صلاة الكسوف وهذا حديث صحيح، وأمثلة كثيرة، والمسألة مقررة نقبلها على العين والرأس؛ لأنها أتت من المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، أما قولك: كيف يدخلون الجنة وهي مقفلة؟ فهي ليست مقفلة يدخلها الصالحون فإذا أراد الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن يقيم الساعة، فإنه يخرج الناس سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لفصل القضاء في العرصات، وهذا من علم الغيب الذي لا تتدخل فيه العقول الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:1-3] فإيمانك بالغيب يقتضي أن تسلم بما أتى به صلى الله عليه وسلم وما أتى في الكتاب، وهذه ليست مشكلة -والحمد لله- فهي سهلة، يدخلهم الله الجنة ثم يخرجهم سُبحَانَهُ وَتَعَالَى إلى العرصات ليقتص بين بعضهم البعض ويحاكمهم، ثم يدخلهم الجنة، ودخولهم لم يخالف فيه أهل السنة والجماعة ولا أحد منهم وإنما خالفت فيه المعتزلة وقالت: الجنة والنار لم تخلق بعد، وقال أبو الهذيل العلاف: إن النار تفنى، وهذا مذهب سقيم ليس بصحيح، ولذلك يقول حافظ الحكمي في التوحيد:

    والنار والجنة حق وهما     موجودتان لا فناء لهما

    فالجنة والنار إلى الآن موجودتان.

    كيفية التآخي في الله

    السؤال: كيف ينبغي أن يكون التآخي في الله؟

    الجواب: التآخي في الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يحتاج إلى كلام طويل، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10] وهو عقد عقده الله عز وجل ما عقده أحد غيره، ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا [آل عمران:103] والتآخي يكون بمعرفة حقوق المسلم على أخيه المسلم، بالسلام عليه إذا لقيته، وبحبه، والدعاء له، والزيارة، والعيادة له إذا مرض، والتشميت له إذا عطس، وتشييع جنازته، وهذا مجال طويل ولكن عليك أن تعود إلى ا لكتاب والسنة في حقوق الإخاء.

    التعصب يكون للحق لا للأهواء والرجال

    السؤال: من العوائق التي أثرت على شباب الإسلام تعصبهم لبعض العلماء والمشايخ في أمور خلافية، هل من نصيحة؟

    الجواب: التعصب لغير الحق أو للهوى مذموم، والتعصب لبعض المشايخ أو الانتماءات من علامات مركب الهوى الذي يركبه بعض الناس، وأنا أدعو الأخ أن يكون محباً لا متعصباً، لا يتعصب إلا للحق، ولا يوافق إلا مع الدليل، فإن التعصب لغير الحق معناه: الهوى نعوذ بالله منه، واعرف الحق تعرف أهله، ولا تعرف الحق بالرجال، فأنا أوصي الإخوة أن يتقوا الله ويعرفوا الأدلة، ولا يتعصبوا لأحد من الناس إلا لكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    الخروج في سبيل الله للدعوة

    السؤال: ما رأيكم في الخروج في سبيل الله مع العلم أن عملي لا يسمح لي بهذا الواجب فهل أنا مطالب بالدعوة إلى الله؟

    الجواب: أما الخروج في سبيل الله قصدك الدعوة وعملك لا يسمح فعليك أن تدعو إلى الله في عملك، لا تترك عملك لأنه شبه الفريضة عليك، ولأنك تحتاج إلى عملك ومضطر إليه، فلا تخرج من فريضة إلى نافلة وتضيع عملك وقد تجني على نفسك من خروجك هذا، فادع في مكانك، وأصلح وأنت في مكانك فإن الله لا يضيع من عملك شيئاً.

    دعوة إلى حفظ القرآن

    السؤال: ما هي دعوتك للشباب في حفظ القرآن؟

    الجواب: حفظ القرآن من أعظم المناقب في الإسلام، وفي أثر لا يصح مرفوعاً: [[من حفظ القرآن فقد استدرج النبوة غير أنه لا يوحى إليه]] وفي حديث حسن: {يقال لقارئ القرآن: اقرأ وارتق ورتل، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها} وعند الترمذي بسند فيه نظر: {إن الذي ليس في قلبه شيء من القرآن كالبيت الخرب} فعلى المسلم أن يجتهد في حفظ القرآن، ويعين على حفظ القرآن أربعة أمور:

    تقوى الله، وكثرة الاستغفار، والتقليل من الحفظ مع المداومة والمراجعة باستمرار، وقراءة المحفوظ في الصلاة.

    التفريط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    السؤال: قضية الإفراط والتفريط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

    الجواب: نعم. وجد من الدعاة من فرط وأفرط، وجد منهم من تشدد على الناس حتى وصل به إلى تكفير الناس والتشديد في الأحكام على الناس، والتعسير في الدعوة على الناس، وإخراجهم من الاستقامة، وتبكيتهم بكلمات حتى نفروا منه، فيطالبهم هو بالسنن قبل الفرائض، ويطالبهم بالآداب قبل السنن وهذا ليس بصحيح، ووجد من الدعاة من تساهل، وقال: المسألة مسألة إسلام وصلوات خمس، أما اللحى وتقصير الثياب والسواك فهذه قشور، وهذا خطأ والوسط معروف وهو: أن تعطي كل مسألة مساحتها كما أعطاها القرآن، العقيدة لها حجم كبير، ثم الفرائض ثم النوافل ثم الآداب، لكن لا تنسى هذا عن هذا، بل تعطي الأولويات في الدين.

    حكم زيارة الجار الذي لا يصلي

    السؤال: هل يجوز زيارة الجيران إذا كان الجار لا يصلي، وكان مجاوراً في السكن وقد سبق أن نصحناه ولكن دون جدوى؟

    الجواب: هذا الجار إذا نصحته بالتي هي أحسن وكررت النصيحة عليه لا تهجره حتى تنصحه، فإذا نصحته وكررت عليه بالتي هي أحسن ثم أعلن أنه لن يذهب ولن يصلي مع الجماعة فاهجره ولا تزره لأنه قد حاد الله بفعله.

    حكم التأمين على الأملاك

    السؤال: ما هو حكم التأمين على السيارة؟

    الجواب: هذا التأمين آخر ما توصل إليه في بعض الصور كهذه الصورة أنه لا يجوز؛ لأنه أولاً: شك في قدرته سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، والأمر الثاني: عدم التوكل عليه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وفيه أكل أموال الناس بالباطل ثم فيه تزجية الأموال.

    معنى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

    السؤال: ما معنى صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: معناها: الرحمة من الله عز وجل والرضوان: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب:56] ومن الرسول صلى الله عليه وسلم الدعاء وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة:103] فهي الرضوان من الله ورفع المنزلة له، والسلام كذلك إفاضة الخير عليه صلى الله عليه وسلم.

    وضع المال في البنك بدون أرباح

    السؤال: ما حكم وضع المال في البنك دون أخذ أرباح؟

    الجواب: وضع المال في البنك بدون أخذ أرباح أيضاً لا يجوز؛ لأن الله عز وجل يقول: وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2] ولا تقوم هذه البنوك إلا بمثل هذه الأموال، فتركك لمالك معهم معناه: أنك أعلنت تعاونك ومساعدتك لهم فسواء أخذت أم لم تأخذ فقد أخطأت، لكن عليك أن تسحب مالك وتستغفر الله وعفى الله عما سلف.

    الفرق بين المداراة والمداهنة

    السؤال: ما هو الفرق بين اللين والمداهنة؟

    الجواب: لو قلت: الفرق بين المداراة والمداهنة كان أحسن، المداراة هي: أن تدفع شيئاً من دنياك لبقاء دينك، والمداهنة هي: أن تتنازل عن بعض دينك من أجل دنياك، فالمداراة: أن تدفع شيئاً من دنياك من أجل دينك ليبقى، كأن تتبسم لمن تخشى بطشه أو تخشى اعتداءه على حرمات المسلمين، أو تلين له في الخطاب كما فعل موسى مع فرعون، والمداهنة: أن تتنازل بشيء من دينك من أجل دنياك، تذهب إلى بعض الناس وتمدحه وهو طاغية فاجر ليعطيك شيئاً من المال فتكذب على الله وتشهد الزور من نفسك، فهذا مداهنة.

    حقيقة الرهبانية

    السؤال: ما هي الرهبانية؟ وما حكمها في الإسلام؟ وهل صحيح ما يقال أنها أصبحت ظاهرة؟

    الجواب: الرهبانية من النصرانية وهي: الانزواء عن الناس، والجلوس في الصوامع، وترك الحياة وملاذ الجسم والانعكاف على الروح، وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ [الحديد:27] والرسول صلى الله عليه وسلم ذمها وأنكر على أصحابه يوم أرادوا الانعزال وترك اللحم والنوم، وأما إن كانت ظاهرة فأما في بلاد الإسلام فليس صحيح، ليست ظاهرة والحمد لله، ووجد عند بعض الأفراد قلة من شدد على نفسه وترك الملاذ وأنكر استخدام هذه النعم مثل الصالات والكنبات والمكرفون والكرسي والأدوات والساعة والنظارة وغيرها، وهذا نوع من الرهبنة، ولكن -والحمد لله- ليست ظاهرة، لأن الظاهرة هي التي تحكمت وعرفت واشتهرت بين الناس وعرفت.

    كثرة الوسوسة في الصلاة والخجل من الناس

    السؤال: هذا سائل يشكو من كثرة الوسواس في الصلاة، والخجول في دعوة الناس إلى الحق؟

    الجواب: أما الوسوسة في الصلاة فهو مرض فعليك أن تستعيذ بالله منه، وهو يذهب عليك أجرك ومثوبتك وصلاتك، وهو درجات: منهم من يوسوس قليلاً فعليه أن يعلم أن هذا وارد ولا يسلم منه أحد، ولذلك في حديث عمار عند النسائي: {من الناس من لا يخرج من صلاته إلا بنصفها بثلثها بربعها إلى أن قال: عشرها ومنهم من يخرج من صلاته وما له منها شيء} لكن عليك أن تتقي الله عز وجل في حضور قلبك، أما الوسواس فإن عثمان بن أبي العاص في صحيح مسلم شكا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم شيطاناً لبس عليه صلاته، قال: حتى ما أدري ماذا أقول، قال: {إذا أحسست به فانفث عن يسارك ثلاثاً وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم} وهذا يقال لمن بلغ درجة لا يعرف ماذا قرأ الإمام، أو ماذا قرأ هو، وفي أي ركعة، أصبح ملبساً عليه، وهذا نادر في الناس.

    أما خجولك من الناس والوقوف أمامهم فلا يقتضي من الداعية أن يكون كل الناس خطباء، ولا كل الناس متحدثين، ولا كل الناس مذكرين ومفتين، جلوسك وأدبك وسمتك وتقواك مع زملائك وإخوانك دعوة إلى السبيل، وتسهيلك مهمة الدعوة دعوة، واستضافة الدعاة العلماء دعوة في سبيل الله، والمساعدة بالمال دعوة، ونشر الكتب دعوة، هذا أمر، وإن أردت ذلك الأمر فعليك التدرب، أن تتكلم فإن الأمر يأتي بالتعلم تدريجياً حتى تصل إلى ما تريد.

    حكم زيارة الوالدين إذا كانا مبتدعين

    السؤال: إذا كان أهلي يعتقدون غير معتقد أهل السنة والجماعة، وزيارتي لهم تسبب لي بعض المشاكل التي تحدث من سب الوالد وغيره، ويوجد عندهم تلفزيون وفيديو لا أستطيع إغلاقه نظراً لأنها تؤثر على تربية أبنائي، فهل إذا قطعت صلتهم علي إثم؟

    الجواب: هذا سؤال مركب، فيه مرض شبهات ومرض شهوات، أما ما ذكرت من أنهم ليسوا على معتقد أهل السنة والجماعة لابد أن تحدده، إن كانوا أهل بدع فهناك بدع خفيفة وبدع مغلظة، وهذا أمر بحث وموجود في الساحة وهو معروف من الأحاديث، ومن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة، لكن مما يقال: إن عليك أن تصل والديك ولو كانا كافرين، ففي الصحيح أن أسماء قالت: {يا رسول الله! قدمت أمي وهي مشركة أفأصل أمي؟ قال: نعم صلي أمك} والله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى قال: وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً [لقمان:15] فعليك بزيارتهم فإذا خشيت على أبنائك من مفسدة فزرهم في وقت عجالة، أو زرهم أنت بنفسك واترك أبناءك ولا تقطعهم ولو كانوا كفاراً.

    حكم تقصير الثوب إلى فوق الساق

    السؤال: بعض الشباب المسلم الطيب يقصر ثوبه أعلى من فوق الساق، فهل في ذلك مخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: السنة إلى نصف الساق، ولا بأس فيما زاد إلى فوق الكعبين، أما إذا أصبح فوق الساق إلى الركبة صار فنيلة ولم يصبح ثوباً، الفنيلة شيء والثوب شيء آخر، ولا يصبح ساتراً، يصبح إلى الركبة ثم يسجد فلا يستره، والسنة إلى نصف الساق وهو أزرة المؤمن، وما زاد إلى الكعب فلا بأس به، لكن لا ينزل عن الكعب فإنه من جر ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه، وما أسفل الكعب فهو في النار، فهاتان عقوبتان: عقوبة عدم النظر تأتي من الجر خيلاء، وعقوبة النار تأتي من مطلق الجر في الأرض، أو تحت الكعبين، وأما السنة فإلى نصف الساق وما زاد فليس فيه أثر.

    وإذا نزل السروال قليلاً دون أن يصل إلى الكعب فهل في ذلك حرج؟

    ليس فيه حرج، وبعض الناس يقصر ثوبه إلى الساق وينزل سرواله إلى الأرض، أسبل في السروال وقصر في الثوب، فهو سني في الثوب ومخالف في السروال.

    عقيدة جمال الدين الأفغاني

    السؤال: ما رأيك في عقيدة جمال الدين الأفغاني، مع أني قرأت في كتاب جيد أن جمال الدين الأفغاني انتسب إلى الماسونية؟

    الجواب: جمال الدين الأفغاني من الدعاة، والذي عرفت أنا من سيرته أن الرجل فيه رفض، ولذلك بارك الدولة الصفوية وذهب إلى الحاكم الصفوي في طهران وبارك مسيرتها هذا الذي عرفت عنه، أما مسألة الماسونية فلا أقف على ما ليس لي به علم ولا أتهمه في ذلك فالله وكيله.

    حكم الأكل من مال الولد العاصي والفاسق

    السؤال: رجل فاسق وعاصٍ للوالدين، فهل يجوز له أن يعطي والديه من المال الذي يملكه، وهل يعتبر هذا المال حلالاً عليهما؟

    الجواب: هذا الابن الذي عق والديه، أو عصى الله وأعطى والديه من المال، لهما أن يأخذا من هذا المال وليس بحرام عليهما لحديث: {أنت ومالك لأبيك} وقد يكونا مضطرين إليه، فإذا استغنيا فهو أحسن، لكن إذا كانا بحاجة فيأخذا من المال، وقضية الترك أو التحرص في الأكل وارد، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم أكل طعام أهل الكتاب وقدمت له هدايا من اليهود فأكلها صلى الله عليه وسلم، فمثل حال هذا الولد، يجوز أن يأخذ الوالد والوالدة من ماله إذا كانا في حاجة، وإن استغنيا كان أحسن.

    حكم من أخر العصر عن وقتها

    السؤال: أنا شاب أعمل وأخرج من العمل عند أذان العصر، ثم أذهب إلى البيت وأتغدَّى وأصلي صلاة العصر في البيت، وهكذا في أكثر الأيام، هل هذا جائز؟

    الجواب: أخطأ خطأً بيناً لما أخر الصلاة عن وقتها وترك الجماعة، وأخطأ وهو عاصٍ لكنه لا زال يقضيها في الوقت، أما إذا تركها حتى يخرج وقتها فقد أثم، وقد يصل عند بعض العلماء إلى درجة الكفر؛ لأنه تعمد تأخيرها حتى خرج وقتها، أما فعله فهو فسق، ومن يفعل هذا ويداوم عليه فهو فاسق آثم معاقب، فعليه أن يتوب ويستغفر ويصلي الصلاة في وقتها.

    حكم مساكنة من لا يصلي لأجل دعوته

    السؤال: ماذا تقول فيمن يسكن مع الذي لا يصلي، ويعتقد أنه سوف يؤثر عليه ولكن يصلي أحياناً، ويترك أحياناً هل يبقى يدعوه ويساكنه؟

    الجواب: الذي يسكن مع الذي لا يصلي يعرض نفسه لمخاطر، أما قضية (أؤثر عليه) فكثرت بين الدعاة وبين الشباب، فنقول له: اتق الله، قال: أوثر عليه، تؤثر عليه بعد عشرين سنة! فالمسألة أن يجعل حداً فاصلاً له، ثم أن يرى نتيجته مع هذا، إن كان يقبل على الله عز وجل وعنده تأثر وهو سوف يهتدي فلا بأس إذا كانت فترة محددة، أما أن يستمر معه فإنه خطأ لأنه من موادة من حاد الله، ومن ترك الصلاة فقد كفر.

    نجيب محفوظ في الميزان

    السؤال: ما هي معتقدات الأديب نجيب محفوظ علماً بأنه أخذ جائزة نوبل؟

    الجواب: نجيب محفوظ ما نشر عقيدة ولا نظر لعقيدة، إنما هو من الذين يعيشون الأدب باسم الأدب، شهيد الأدب وشهيد الفن والجمال، ورسالته معروفة وهو لم يأتِ فيه ما أعلم من الضرر كما أتى غيره ولو أن له كلمات حفظت عنه، لكن أقصد: لم يكن سفيهاً لدرجة، مثل ما فعل توفيق الحكيم ومثل ما فعل طه حسين يستهزئ بالإسلام وبالرسالة الخالدة، ويقول طه حسين: إن بين الأوس والخزرج وبين قريش لإحنٍ في الجاهلية ويتكلم ببذاءة، مثل توفيق الحكيم السفيه، وقد علم كل أناس مشربهم، أما نجيب محفوظ لا أعرف أن له رسالة في الإسلام، وليس له أثر وسيموت وحسابه على الله عز وجل، ولا أعرف ما أستند عليه حتى أحكم على الرجل.

    الحداثة وخطرها على الأمة

    السؤال: هل من كلمة مختصرة توضيحية عن أدب الحداثة وخطرها على الأمة؟

    الجواب: أدب الحداثة سمعتم عنه كثيراً في أشرطة وكتب، وأدب الحداثة يرى أصحابه ولو أنهم يتخفون بهذا الكلام لأن كلامهم باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، فهم يرون الثورة على كل قديم بما فيها الإسلام والقرآن والسنة، ويرون إلغاء كل قيم بدأت من صدر الإسلام حتى يقول بعضهم في صحف أمريكية: ما رأينا النور منذ عشرين قرناً.

    فالله حسيبه نسي نور الرسول صلى الله عليه وسلم وخلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي فهو ينتظر ليأتي ريجن له بالنور، وماله إلا الظلام، وهذا إن لم يتب من كلامه فالله يتولاه.

    هذه هي الحداثة وهم على قسمين لكن لا بأس أن أحشر قسماً في قسمين: قسم يرى أن الحداثة فن وأسلوب وقالب شعري، لكن لابد من المضمون أن يكون إسلامياً فلا بأس على هؤلاء ونحن لا نخالفهم، فمسألة أن يكون الشعر منظوماً على البحور أو منثوراً أو حراً لا بأس به، الأمر فيه سعة.

    وقسم آخر: يرى أن يكون المضمون والقالب لابد أن يكون فيه تجديد حتى للإسلام ولشعره ومبادئه والقرآن، فهذا كافر زنديق ملحد عدو للإسلام.

    القصيدة البازية وقصيدة أمريكا التي رأيت

    السؤال: نود أن نسمع منك بعض القصائد مثل البازية وأمريكا التي رأيت؟

    الجواب: هذه تكررت على الإخوة وسئموا منها، البازية في سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز.

    قاسمتك الحب من ينبوعه الصافي     فقمت أنشد أشواقي وألطافي

    لا أبتغي الأجر إلا من كريم عطا     فهو الغفور لزلاتي وإسرافي

    عفواً لك الله قد أحببت طلعتكم     لأنها ذكرتني سير أسلافي

    يا دمع حسبك بخلاً لا تجود لمن     أجرى الدموع كمثل الوابل السافي

    يا شيخ يكفيك أن الناس قد شغلوا     بالمغريات وأنت الثابت الوافي

    أغراهم المال والدنيا تجاذبهم     ما بين منتعل منهم ومن حافي

    مجالس اللغو ذكراهم وروضتهم     أكل اللحوم كأكل الأغطف العافي

    وأنت جالست أهل العلم فانتظمت     لك المعالي ولم تولع بإرجافي

    بين الصحيحين تغدو في خمائلها     كما غدا الطير في إشراقه الضافي

    تشفي بفتياك جهلاً مطبقاً وترى     من دقة الفهم دراً غير أصدافي

    أقبلت في ثوب زهدٍ تاركاً حللاً     منسوجة لطفيلي وملحافي

    تعيش عيشة أهل الزهد من سلف     لا ترتضي عيش أوغادٍ وأجلافي

    فأنت فينا غريب الدار مرتحل     من بعد ما جئت للدنيا بتطوافي

    سر يا أبي واترك الدنيا لعاشقها      في ذمة الله فهو الحافظ الكافي

    أراك كالضوء تجري في محاجرنا     فلا تراك عيون الأغلف الجافي

    كالشدو تملك أشواقي وتأسرها     بنغمة الوحي من طه ومن قافي

    ما أنصفتك القوافي وهي عاجزة     وعذرها أنها في عصر أنصافي

    يفديك من جعل الدنيا رسالته      من كل أشكاله تفدى بآلافي

    وأما أمريكا التي رأيت فأنا أذكر من الجدية ومن الهزلية ذكرت في مواطن، من الجدية للأمة الإسلامية:

    يا أمة ضرب الزمان بها جموح المستحيل

    وتوقف التاريخ في     خطواتها قبل الرحيل

    سكبت لحون المجد في أذن المجرة والأصيل

    وسقت شفاه الوالهين سلافة من سلسبيل

    يا أمة كم علقوا بكيانها خيط الخيال

    وهي البريئة خدرهـا فيض عميم من جلال

    شاهت وجوه الحاقدين بكف خسف من رمال

    موتاً أتاتورك الدعـي كموت تيتو أو جمال

    يا أمة في عمرها لم تحي إلا بالجهاد

    كفرت بمجلس أمن من نصب المنايا للعباد

    القاتلي الإنسان خابوا      ما لهم إلا الرماد

    جثث البرايا منهم      في كل رابية وواد

    ما زرت أمريكا فليـ     ست في الورى أهل المزار

    بل جئت أنظر كيف ند      خل بالكتائب والشعار

    لنحرر الإنسان من رق المذلة والصغار

    وقرارنا فتح مجيد نحن أصحاب القرار

    ورأيت أمريكا التي نسجوا لها أغلى وسام

    قد زادني مرأى الضلا     ل هوىً إلى البيت الحرام

    وتطاولت تلك السنون فصار يومي مثل عام

    ما أرضهم أرض رأيت ولا غمامهم غمام

    الانتفاضة ليست بجهاد خالص

    السؤال: هل الانتفاضة في فلسطين هي جهاد أم لا؟

    الجواب: الانتفاضة انتفاضة، والجهاد جهاد وفلسطين هي فلسطين، فأما الانتفاضة وتحديدها فأظن فيها الغث والسمين، فيها مسلم يرفع لا إله إلا الله، وفيها علماني يشير بسبابتيه وكأنه انتصر وهو يسحق، وفيها قومي يريد القومية، وفيها ترابي وفيها وطني ولكن نحن ندعو الله أن ينصرهم وأن يعيد فلسطين للإسلام، وأن يعيد كل أرض ليحكم فيها لا إله إلا الله محمد رسول الله.

    كلمة في التبرع

    السؤال: كما تعلم أن لنا إخوة في العقيدة يعانون من شدة البرد الشديد القارس، ويعانون من نقص في الأطعمة التي يحتاجون إليها، فهل لفضيلتكم كلمة موجهة للأحباب في هذا المجلس الطيب حتى يقدموا ما تجود به أنفسهم؟

    الجواب: أفغانستان أو المجاهدون الأفغان يعرَّفون بأنهم قوم تركوا ملاذ الطعام والشراب، وخرجوا لرفع راية الله والكتاب، وحاربوا الشيوعي الملحد، وأعلنوا قوة الإسلام وعظمته وتفوقه.

    المجاهدون الأفغان أثبتوا أن الأصالة لهذا الدين، وأن البقاء لهذا الدين.

    المجاهدون الأفغان أذاقوا الكافر الويلات، وهدموا ذاك الحصن الذي كان يعيشه كثير من المسلمين أن أمريكا وروسيا لن تغلب في الأرض، غلبوها وأذلوها وسفهوا برأيها.

    يا أمة النصر والأرواح أثمان     في شدة الرعب ما هانوا وما لانوا

    هم الرعود ولكن لا خفوت لهم     خسف ونسف وتدمير وبركان

    كم ملحدٍ ماجنٍ ظن الحقوق له     زفوا له الموت مر وهو مجان

    فروا على نغم البازوك في غسق     فقهقهت بالكلاشنكوف نيرانُ

    هؤلاء الأمة لهم منا الدعاء، وأنا أدعوكم إلى أن تقفوا معهم موقف المسلم مع أخيه المسلم، بالمال وبالدعوات ومن يستطيع الجهاد وكان له فرصة وانتفت الموانع فليجاهد في سبيل الله، إنما نشاركهم لأننا مسلمون، ولنشارك في رفع راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وليكون لنا الأجر والمثوبة أننا قدمنا شيئاً لهذا الدين، أو فعلنا شيئاً معه، أو بذلنا لرفعته.

    وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.