إسلام ويب

الضيف الكريمللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن مما يجب على المسلم أن يكون متفقهاً في أمور دينه التي يمارسها كل من دخل في هذا الدين، كالصلاة والصيام، وما دام أن شهر رمضان قد أوشك على المجيئ، فلابد للمسلم أن يفقه أحكامه حتى يعبد الله على بصيرة، ولذا وجب كل مسلم أن يعلم ما هي الأشياء التي تبطل صومه، والأشياء التي يجوز فعلها، ويعلم كيف كان هدية صلى الله عليه وسلم في رمضان، في السحور، في الإفطار ليكون صومه صحيحاً موافقاً للكتاب والسنة.

    1.   

    نماذج من إجاباته صلى الله عليه وسلم على الأسئلة

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أمَّا بَعْــد:

    فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    روى البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: (كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل فقال: يا رسول الله! هلكت، قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على أهلي في رمضان فقال عليه الصلاة السلام: أتجد ما تعتق به رقبة؟ قال: لا يا رسول الله! قال: أتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا يا رسول الله، قال: أتجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا يا رسول الله -يعني كلها لا يستطيع- ثم جلس رضي الله عنه وأرضاه فأوتي صلى الله عليه وسلم بعرق -أي: بمكتل فيه تمر- فقال: قم فخذ هذا فتصدق به، قال: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟! والله ما بين لا بتيها -يعني حرة المدينة - أهل بيت أفقر من بيتي فقال صلى الله عليه وسلم فخذ هذا العرق -أو المكتل- فأخذه، فضحك صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه) روى هذا السبعة واللفظ هذا لـمسلم رحمه الله رحمة واسعة.

    هذا الحديث سوف يأتي فيه قضايا، ولكن هذا الحديث من المجالس العامرة التي عاشها صلى الله عليه وسلم يوم عاش موجهاً للأمة ومعلماً لها عليه الصلاة السلام طيلة حياته حياة الرسالة، فبعد أن أرسله الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى بعد الأربعين كان يقف مفتياً ومعلماً، وهو مستعد لأي إجابة أو طلب إجابة من أي سؤال يصدر، سأله اليهود -كما سوف نعرض نموذجاً لذلك- والنصارى والمشركون والنساء والأطفال والأعراب، فكان عليه الصلاة السلام يجيب الجميع وهو متهيئ في مجلسه ليستقبل كل إنسان ويجيبه بكل ما يرد من سؤال، يجلس معه الصحابة الأخيار من المهاجرين والأنصار، ويجلس معه المشركون والمنافقون، واليهود والنصارى، والنساء والأطفال.

    أما المشركون: فإنهم أكثروا من الأسئلة على الرسول عليه الصلاة السلام، ودخلوا مرات عديدة في مجلسه فما كان يعبس في وجوههم، بل يستقبلهم صلى الله عليه وسلم باللين؛ عل الله أن يهديهم.

    دخل العاص بن وائل على الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، وقد كان مشركاً رعديداً، يقول الله فيه: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس:78] دخل بعظم بيده فقال: يا محمد أتزعم أن ربك يحي هذا بعد أن يميته أو يرده حياً؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم ويدخلك النار) ففتت العظم ثم نفخه أمام الرسول عليه الصلاة السلام، فكان الرد من السماء قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس:78] بعد أن كبر، وترعرع، واشتد ساعده؛ نسي خلقه ونسي صورته، ونسي من خلقه ورزقه، ثم انظر كيف التفت إليه بالغيبة فقال: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً [يس:78].

    أتى اليهود في مجلسه صلى الله عليه وسلم، فعرضوا له عشرات الأسئلة، منها ما يجيب عنه في الحال، ومنها ما يطلب وقتاً من الزمن حتى يأتيه الوحي من السماء، يقول ابن مسعود : (كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيده عسيب من نخل قال: فمررنا على يهود فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن الروح، فتوقف قليلاً ثم طلب منهم وقتاً ليخبرهم في هذا الوقت، فلما نزل عليه جبريل بقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلا ) [الإسراء:85]) وسألوه عن عدد أهل الكهف، فطلب منهم مهلة يوم، فأتى جبريل عليه السلام فأخبره، فأخبرهم بالخبر فوجدوه مكتوباً عندهم في التوراة.

    وأتى ابن سلام (فسأله عن ثلاث: عن أول علامات الساعة، وعن أول ما يأكل أهل الجنة، وعن علامة الطفل يوم يشبه أباه أو يشبه أمه، فأخبره وقال: أخبرني بذاك جبريل آنفاً، فقال ابن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله والله لا يعلم ذلك إلا نبي).

    وأتى النصارى في مجلسه عليه الصلاة السلام -نصارى نجران : - ( فسألوه عن مريم وابنها عليهما السلام؟ فأخبرهم صلى الله عليه وسلم بذلك، فكأنهم لم يقتنعوا فدعا أهله وقال: تعالوا نبتهل أنا وإياكم -أي يدعو بعضنا على بعض باللعنة- فنجعل لعنة الله على الكاذبين) فما استطاعوا أن يباهلوه.

    وجاء المنافقون وقالوا: نشهد إنك لرسول الله، فأخبره الله أنهم كاذبون وأنهم أظهروا ما لم يبطنوا.

    وجاء الأعراب إليه صلى الله عليه وسلم وله معهم صولات وجولات؛ لأن الأعراب أقل الناس أدباً؛ ولأنهم لم يتعلموا الأدب، وفي أثر يقول صلى الله عليه وسلم: (من بدا جفا) أي: ليس عنده أدب، فأتى رجل منهم فقال: ( يا رسول الله! أسمع بالدجال فما الدجال هذا؟ قال عليه الصلاة السلام: ضال مضل، يخرج وعنده جنة ونار، فناره جنة، وجنته نار، وعنده خبز وثريد يقدمه للناس؛ يستغوي الناس به، أو كما قال عليه الصلاة السلام، فقال الأعرابي: والله يا رسول الله لأضربن في ثريده حتى أشبع، ثم أقول له آمنت بالله وكفرت بك، يظن أن المسألة على الفكر، وعلى الرأي فتبسم عليه الصلاة السلام ولم يقل شيئاً).

    (وجاءه أعرابي آخر -كما في الصحيحين - فصلى معه في الصف الأول، بجانب أبي بكر وعمر فلما انتهوا إلى التحيات قال في آخرها: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، فلما سلم عليه الصلاة والسلام سأل: من قال هذا الكلام؟ قال: أنا يا رسول الله! ولم أرد إلا الخير قال: لقد حجرت واسعاً -أي: ضيقت رحمة الله التي وسعت كل شيء- ثم لم يلبث هذا الرجل أن ذهب في طرف المسجد وأراق الماء -بال- فقام الصحابة ليضربوه وليطرحوه الأرض فقال صلى الله عليه وسلم: دعوه ثم أتي بذنوب من ماء فصب على بوله) في قصة طويلة فرضي هذا الأعرابي وأصبح داعية من دعاة الإسلام.

    وكانت النساء يسألنه صلى الله عليه وسلم في أقل شئونهن وهي مسائل الطهر والحيض، وفي أكبرهن وهي الحياة مع الله عز وجل، ثم الحياة مع الزوج، فكان يفتي ولا يتلعثم عليه الصلاة السلام، فهو للطفل أب عليه الصلاة والسلام، وللشاب أخ، للكبير ابن وأوسع الناس خلقاً، وأوسع الأمة علماً، قادها إلى بر الأمان، هو المجاهد، والقائد، والداعية، والإداري، والمربي، والمفتي، والخطيب، ورب الأسرة، ولذلك كانت حياته عظيمة أبهرت العقول؛ حتى يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال كلاماً ما معناه في سورة التحريم: إنك أمام نبي تبهرك طلائعه، إنه قوي الإحساس، حي العاطفة، متوقد الذهن، يملأ ساعات حياته بالجد والعمل فعليه أفضل الصلاة السلام.

    1.   

    شرح حديث سلمة بن صخر

    هذا المجلس يجلسه صلى الله عليه وسلم بين الناس، وحوله الصحابة فيدخل هذا الرجل واسمه سلمة بن صخر البياضي، ومن عادة الصحابة أنه إذا كان في القصة أمر لا يحمد، وليس فيه جميل من الفعل لا يذكرون الاسم، وهذا أدب لك ولكل مسلم، إذا سمعت بقصة وكان بطل هذه القصة رجلاً سيئاً فلا تذكره للناس؛ ستراً على المسلمين، تقول: سمعنا عن رجل أنه فعل كذا وكذا، إذا كان في القصة مصلحة أما أن تسميه باسمه وبسكنه، وبعنوانه وحارته، فهذا ليس عند المسلمين، ولكن الصحابة إذا كان هناك مواقف بطولية، وكان هناك بذل وتضحية وعطاء قالوا فلان بن فلان.

    يقولون: يوم أحد طلحة بن عبيد الله الذي فدى الإسلام، ويقولون: بارزه علي بن أبي طالب ويقولون: فدفع عثمان أمواله في سبيل الله، ووقف ثابت شاعراً خطيباً يدافع عن الإسلام، وحسان ذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما مسائل زنا أو خطأ أو ذنب، أو عيب أو جفى، فلا يدخلون الاسم ستراً على صاحبه، وهذا أدب عظيم، والله ستر أهل المعاصي في القرآن، لكن أنكى سبحانه ببعض الأسماء في القرآن، كفرعون وقارون وهامان وأبي لهب ليشهر أسماءهم بالفضيحة كما اشتهروا بها في الدنيا.

    بينما الرسول عليه الصلاة والسلام جالس مع الناس، إذ وفد هذا الرجل يدلف قد فعل فعلة في رمضان قال: يا رسول الله هلكت، وفي هذه اللفظة دليل، وفيها فائدة أن هذا الرجل يعلم أن هذا هلاك، أي: ليس بجاهل ولا بناسي؛ لأن الذي لا يعرف حكم الجماع في نهار رمضان لا يقول هلكت، يأتي يقول: يا رسول الله! وقعت على أهلي فما الحكم؟ لكن هذا علم أنه هلك منذ أتى، ففيه دليل على أنه ليس بناسٍ ولا جاهل؛ لأنه لو كان ناسياً لما قال: هلكت يا رسول الله؛ لأن الله عفا عن الناسي ولو كان جاهلاً؛ لأن الجاهل لا يعرف الحكم فقال: (هلكت يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: وما أهلكك؟) أي: أنت صحيح معافى، مشافى، طويل عريض، وما نرى عليك آثار الضرب والهلاك، فماذا أهلكك؟ وفيه جواز استفتاء المفتي أنه إذا سألك عن سؤال أن تطلبه بالقوائم والسياقات.

    قال: (وقعت على أهلي في رمضان) هذا لفظ مسلم وفي هذا اللفظة جواز إطلاق رمضان على الشهر بدون شهر رمضان؛ لأن بعض أهل العلم كرهوا أن يقال رمضان؛ لأنه في القرآن شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة:185] ولكن هذا في جواز إطلاق رمضان على الشهر فلك أن تقول: رمضان أو شهر رمضان.

    قال: (وقعت على أهلي في رمضان) ومعناه أنه في النهار؛ لأنه لو كان في الليل ما استفتى، فنازله عليه الصلاة السلام بالكفارات الثلاث قال: (هل تجد رقبة تعتقها؟ -يعني مؤمنة، وهذا يفهم بما قيد في أحاديث أخرى أو آيات- قال: لا والله يا رسول الله! قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا يا رسول الله) وفي لفظ صحيح: (وهل أوقعني فيما وقعت فيه إلا الصيام) يقول: أنا ما استطعت أن أتم صوم يوم، حتى وقعت على زوجتي، وتريد مني أن أصوم شهرين! ويظهر أن هذا السائل فيه روح خفيفة، وفيه دعابة مما ورد في الحديث، فقال صلى الله عليه وسلم: (فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا والله يا رسول الله) فجلس الرسول صلى الله عليه وسلم ما تكلم وما قطع المسألة، وما فض المجلس ولكن سكت عليه الصلاة والسلام، حتى وصل معه إلى النهاية فسكت النبي صلى الله عليه وسلم وأعرض عنه.

    فلما أعرض أوتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق -وهو المكتل أو زنبيل كبير فيه شيء من تمر- أهدي إلى الرسول عليه الصلاة السلام، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (خذ هذا فتصدق به -يعني يكفر به زلته، ومع ذلك-قال: على أفقر مني يا رسول الله) يريد أن يأخذ التمر أيضاً، يقع على امرأته في رمضان، ولا يجد كفارة، ويأخذ التمر زيادة جائزة على هذا الفعل رضي الله عنه وأرضاه! قال: (على أفقر مني يا رسول الله! فوالله ما بين لا بتيها -يعني حرة المدينة - أفقر مني، فضحك حتى بدت نواجذه عليه الصلاة السلام) وهي الأنياب، لأنه إذا تبسم ظهرت الثنايا كأنها البرد، يعني كالبرد يقول الرواة: كأن ثناياه البرد.

    أولاً: أصلح خلقه وخلقه، أراد أن يكون كاملاً في الصورة والمعنى، فهو من أجمل الناس حتى كان كما تقول عائشة: (كانت أسارير وجهه تبرق) أرأيت البرق في الظلام؟ كانت أسارير وجهه عليه الصلاة السلام تبرق.

    وكان عرقه إذا تصبب كأنه عقد الجمان أي اللؤلؤ المنظوم، إذا كان في عقد يتسكب من على جبينه، فيوم يتبسم كان غالب تبسمه تخرج الثنايا وما قاربها، لكن هذا الأمر أحوج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يضحك حتى بدت نواجذه فقال صلى الله عليه وسلم: (أطعمه أهلك) يحق لحديثي هذا أن يكون في مناسبة شهر رمضان، وإقبال شهر رمضان، وفي هذا الحديث وفي غيره من درس رمضان مسائل ربما تصل إلى ثلاثين مسألة، نتدارسها نحن وإياكم، ونسأل العلي العظيم التواب الرحيم أن يجعلنا وإياكم من المقبولين في هذا الشهر، وأن يجعلنا من العتقاء من النار، وأن يمنَّ علينا بتوبة نصوح، إنه على كل شيء قدير.

    1.   

    مسائل تتعلق بشهر رمضان

    هذه المسائل ينبغي للمسلم أن يعرفها وهي مسائل بالدليل، وربما نتعرض لبعض الخلاف الذي لا يستطرد فيه إن شاء الله.

    صيام رمضان برؤية الهلال

    المسألة الأولى: يحب صيام رمضان بمجرد رؤية الهلال.

    نحن أمة أمية لا نكتب، ولا نحسب، ولا نعتمد على علماء الهيئة، ولا على علماء الفلك، ولا الرصد الجوي ولا نلتفت لهؤلاء سواء قالوا: زاد الشهر أو نقص فنحن أمة أمية، أمة صحراء، إذا رأينا الهلال في السماء صمنا، وإذا رأينا هلال شوال أفطرنا، وإذا شهد عندنا أعرابي أتى من الصحراء وهو يؤمن بالله ورسوله، قلنا: على العين والرأس، ولكن إذا أتى علماء الهيئة فقالوا: فنحن لا نتعامل مع أجهزة، نحن أمة بعثنا من الصحراء حتى يقول عليه الصلاة السلام في الصحيحين: {نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا} معناه يقول: عشرة زائد عشرة زائد تسعة، يساوي تسعة وعشرون يوماً، لأن هذه الحسابات كانت عند فارس والروم واليونان وكانوا أمماً حسابية، أي: فغلب عليها التفكر العقلي، أما نحن أمة بدهية ذكية عجيبة.

    ولذلك يقول ابن تيمية: إن اسم العرب مشتق من الفصاحة والنبل والعروبة، فالله يقول: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام:124] يقول أهل فارس: كيف لا يكون منا الرسول؟ أو يكون من سلالة أنوشروان كسرى، وتقول الروم: كيف ما يكون من سلالة هرقل، ويقول اليهود: كيف لا يكون منا والنصارى كذلك، فيقول الله: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام:124] فاختار الله عز وجل هذه الأمة، ليكون منها الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي أمة ذكية، يمر الأعرابي يسمع القصيدة الواحدة من مائة وعشرين بيتاً فيحفظها لأول وهلة.

    ويأتي الأعرابي يصعد على الجماهير من القبائل فيخطب عليهم خطبة ما يلحن ولا يتلعثم في حرف، لا في الحرب ولا في السلم، فلذلك الرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {نحن لا نكتب ولا نحسب إذا رأينا صمنا، وإذا رأينا أفطرنا} والله يقول: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ [الجمعة:2] والرسول صلى الله عليه وسلم لا يكتب ولا يقرأ، لكن القرآن في صدره، ومعارف المعارف التي سقاها الله قلبه محفوظة عنده صلى الله عليه وسلم.

    إذاً قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185] فإذا شهد أحد من الناس، وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وشهد لدينا صمنا، ووجب على الناس الصيام لا برؤية الرصد الجوي، ولا بأهل الهيئة، ولا بعلماء الفلك، فليس لهم دور في هذا، إنما هو من مسئولية الرؤيا، وكان العرب في الصدر الأول إذا كانوا يريدون رؤية الهلال يضعون ماءً صافياً في مكان مرتفع، فربما عكس لهم رؤية الهلال، فيرون هل هو ابن ليلة أو ابن ليلتين.

    ومن ضمن الطرائف أن أحد الأعراب يقول: رأيت الهلال ابن ليلتين فقال رجل له أظنه عامر الشعبي: لا. أنت لم تر الهلال -لأن عمر هذا الرجل ثمانين سنة- ومثلك لا يرى الهلال؛ لأن بصرك ضعيف، ولكن كان على حواجبك شعر ضعيف فكأنك تصورت أنه الهلال فبحث الرجل فوجد على حاجبه شعرتين خفيفتين كالهلال، فرأى أن الهلال ابن ليلتين، ذكر ذلك ابن الجوزي في كتاب الحمقى والمغفلين وفي كتاب الأذكياء ذكره عن عامر الشعبي أو عن رجل آخر من الأذكياء لما عرف هذا، وسمى في كتاب الأذكياء.

    وفي السنن أيضاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاءه أعرابي -والحديث عن ابن عباس - فقال: يا رسول الله! رأيت الهلال قال: {أتشهد أن لا إله إلا الله، قال: نعم. قال: أتشهد أني رسول الله، قال: نعم. قال: يا بلال مُرِ الناس بالصيام -أو بالإمساك-} أو كما قال عليه الصلاة السلام وهذا حديث يقبل التحسين، ولو أنه تكلم في سنده.

    فما قال له صلى الله عليه وسلم: أأنت تصلى الضحى؟ وتوتر في آخر الليل؟ وتسبح بعد كل صلاة ثلاثاً وثلاثين؟ وتتسوك مع كل صلاة؟ لا. سأله عن الخط العريض في الإسلام الذي يدخل به دين الله، ولذلك ينبغي للمسلم أن يقبل المسلمين على ظاهرهم، إذا رأيت وعلمت أنه مسلم في بلاد مسلمة فصدق كلامه، ومثلاً: تريد أن تأخذ من رجل لحماً فلا تقول: هل أنت تصلي الصلوات الخمس؟ وتصوم رمضان؟ وتحج البيت؟ وتعتمر وتغتسل من الجنابة؟ لست مأموراً بهذا في الإسلام، والناس بما ظهر لك منهم، حتى يظهر لك ما يبين أنه لا يصلي؛ كأن تراه في وقت الظهر لا يصلي ويقول: أنا لا أصلي فهذا تيقن لديك.

    قال ابن عمر: {تراءى الناس الهلال على عهده صلى الله عليه وسلم، فأخبرت الرسول عليه الصلاة السلام أني رأيت الهلال فصام وأمر الناس بالصيام} إذاً: يكفي عندنا في الرؤية رجل واحد مسلم وقالوا: يكفي أنثى وبعضهم يقول: امرأتان كما اشترط للشهادة، أما الأحاديث فوردت في الرجال، فرجل واحد يكفي وإن زاد على رجل فأحسن وأحسن.

    اختلاف المطالع

    المسألة الثانية: هل على الأمة الإسلامية في جميع أقطار الأرض أن تصوم دفعة واحدة؟ أم عليها أن تصوم باختلاف المطالع؟

    مطلع أهل الشام مثلاً يختلف عن أهل الجزيرة، وأهل اليمن عن أهل العراق، وهل الذي في أمريكا مثلاً يصوم بصيام الذي في الجزيرة هنا في بلادنا أم ماذا؟

    لأهل العلم رأيان في هذه المسألة: رأي يقول عنه: على الناس جميعاً أن يكون صيامهم واحد، وإفطارهم واحد، واستدلوا في ذلك بحديث في الترمذي يقول: حديث حسن {الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس} فقالوا: لا بد للناس أن يصوموا جميعاً وأن يفطروا جميعاً.

    والرأي الثاني: لكل أناس مطلعهم، وهذا هو الصحيح، فكل أناس إذا رأوا الهلال عليهم أن يصوموا، ويفطروا إذا رأوا الهلال من شوال، والدليل على ذلك ما رواه مسلم في الصحيح عن كريب مولى ابن عباس وقد سافر إلى دمشق في الشام إلى معاوية رضي الله عنه وأرضاه، ثم قدم على ابن عباس، فقال له ابن عباس: [[متى رأيتم الهلال، قال: ليلة الجمعة، قال ابن عباس: ونحن ما رأيناه إلا ليلة السبت في مكة، فلا نزال نصوم ثلاثين يوماً أو نرى الهلال]] فعلم من هذا أن ابن عباس أخذ برؤية أهل مكة ولم يأخذ برؤية أهل الشام وقال: [[لا نزال نصوم ثلاثين يوماً أو نرى الهلال]] فالصحيح اختلاف المطالع؛ لأن بعض البلاد تقدم يوم عن يوم، وبعض البلاد بينما نعيش نحن الليل هنا هم يعيشون النهار هناك وهكذا، فلكل بلد مطلعه، ولا يلزم بلد بلداً إلا أن يكون مطلعهم واحداً، أن يكونا متفقين في المطلع ومتقاربين في المدن، فهذا يشملهم مطلع واحداً، ولا فارق بالوقت بينهم؛ فإذا كان الفارق نصف ساعة أو ما يقاربها فليس هذا بفارق، إنما المقصود الفارق الزمني الطويل الذي تختلف به المطالع.

    شهادة اثنان للفطر وواحد للصوم

    المسألة الثالثة: قلت اثنان للفطر وواحد للصيام، يعني: لا نصوم حتى يشهد لنا مسلم واحد أنه رأى الهلال أو يتم شعبان ثلاثين يوماً، فإذا تم شعبان ثلاثين يوماً، فلا ننتظر حتى نرى الهلال؛ لأن آخر الشهر عدده ثلاثين يوماً، ولا يكون واحداً وثلاثين يوماً إلا في الميلادي، فنصوم، أو يشهد لدينا رجل أنه رأى الهلال، على أن يشهد في يوم تسعة وعشرين، أما إذا صمنا أو إذا جعلنا شعبان ثلاثين يوماً، فأتى رجل فقال: أشهد بالله أني رأيت الهلال، نقول: انتهى الأمر.

    أو صمنا رمضان ثلاثين يوماً فيقول: أشهد أني رأيت الهلال، وقد أكملنا ثلاثين يوماً، ولا يكون الشهر واحداً وثلاثين يوماً، وأما الفطر فلا بد من شاهدين، لحديث الحارث بن حاطب أمير مكة قال: {أمرني صلى الله عليه وسلم ألا أفطر حتى يشهد رجلان مسلمان برؤية الهلال} روى هذا الحديث أصحاب السنن والبيهقي والدارقطني وغيرهم.

    الذين يجب عليهم الصوم

    المسألة الرابعة: من هو الذي يصوم وما هي شروط الصيام؟

    أولاً: أن يكون مسلماً لأن الله لا يقبل من كافر عملاً، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23] ولكنه يسأل يوم القيامة عن تركه للصيام سؤال توبيخ وتأنيب، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ [المدثر:42-45] فلا بد من الإسلام، والكافر لا يقبل صيامه.

    ثانيا: المكلف البالغ: لأن الصغير مرفوع عنه القلم، ولكن يؤمر مع ذلك بالصيام، تدريباً له، كما فعل السلف الصالح بأبنائهم حتى يتعودوا على الصيام.

    ثالثاً: أن يكون عاقلاً: لأن المجنون كذلك مرفوع عنه القلم.

    رابعاً: أن يكون قادراً: والقادر يخرج المريض، فإن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى قال: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184] أي: المريض الذي يضره الصيام، أما أن يأتيه زكام فيقول: الحمد لله الذي جعل لنا في الفطر رخصة ثم يترخص، أو يحتر جسمه في النهار فيقول: الله المستعان، لابد لنا من فطر فيأخذ هذه الرخص، يقولون: المريض هو الذي يتعبه الصيام فيدخل عليه المشقة، بالنسبة للمرض فهذا غير مستطيع.

    خامساً: المسافر: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ [البقرة:184] وحَدُّ السفر ما سمي في اللغة سفراً، ولا يتحدد بمسافة، بل ما سمي سفراً فهو سفر، أما إنسان يرتحل إلى أماكن قريبة مثل الخميس أو غيرها، ويقول: اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، فإذا وصل حجلة نزل فتغدى ومشى قليلاً ثم تعشى وقال: الحمد لله الذي جعل لنا رخصة في هذا الدين، ما أيسر هذا الدين!

    فنقول له: أخطأت الفهم، وأسأت وتعديت بل السفر ما سمي سفراً، أما تحديده بثمانين ميلاً فنقول: من أين ثمانين ميلاً؟ ليس في الكتاب لا في سورة الأنفال، ولا الأعراف ثمانين ميلاً ولا في صحيح البخاري ولا مسلم وإنما هو تخرص، وبعض الناس قد يدور بالمدينة ثمانين مرة فيصبح ثمانين ميلاً، أو يذهب ويأتي من إشارة إلى إشارة ومن شارع إلى شارع فيمكن يمشي مائة كيلوا متر، فالمقصد أنه ما يسمى سفراً إلا إذا خرج من الحي ومن المدينة، فله أن يبسط سفرته وأن يأكل ولو يرى البيوت أمامه، لما ورد عن دحية الكلبي بـذي الحليفة أنه خرج من المدينة وهو يرى البيوت فبسط سفرته وأكل وقال: {كنا نفعله مع الرسول صلى الله عليه وسلم} وسافر ثلاثة أميال لأنه يسمى سفراً فأكل، فالمقصود أن المسافر إذا سافر فله الفطر سواء شق عليه الصيام أو لم يشق؛ لأن بعض الناس يقول: كيف الآن نسافر ونحن في سيارات مكيفة، وفي طائرات، ونفطر، لا. الواجب أن نصوم يقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: أَوْ عَلَى سَفَرٍ [البقرة:184] ما قال سفراً يضره الصيام، أو سفراً يجوع، أو سفراً يظمأ فيه، وتعليق الفطر بالمشقة ليس مذكوراً في الآية ولا في الحديث.

    إذاً: إذا سافرت فلك أن تفطر ولك أن تصوم شق عليك السفر أو لم يشق عليك، لكن أنت مخير إذا لم يشق عليك، أما إذا شق عليك فالأولى أن تفطر، ثم مر أن القادر أخرج بذلك المريض وأخرج المسافر.

    وهناك الحائض والنفساء فإنهما لا تصوما ويحرم عليهما الصيام؛ لما ورد عن عائشة رضي الله عنها أنها سألتها معاذة فقالت: {ما بال الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة؟ قالت: أحرورية أنت -يعني أنت من الخوارج لأن الخوارج يأمرون الحائض أن تقضي الصلاة والصوم- كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم لا بقضاء الصلاة} فالحائض والنفساء لا تصوم ولا تصلي، لكنها تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة، وحد النفساء ليس له حد صح فيه حديث، ومن حدد أربعين ليس بصحيح، بل إذا طهرت النفساء ولو في يوم واحد أو يومين؛ تغتسل وتصلي وتصوم ولا عليها.

    صيام الحامل والمرضع

    المسألة الخامسة: صيام الحامل والمرضع.

    الحامل والمرضع لها صورتان: إذا لم يشق عليها الصيام فتصوم، سواء كانت حامل أو مرضع والله يتقبل منها.

    وإن شق عليها الصيام فهي في صورتين: خافت على ولدها الرضيع ولم تخف على نفسها وهي حامل؛ فتفطر وتقضي، وتطعم عن كل يوم مسكيناً، لحديث ابن عباس عند البيهقي وأصله في أبي داود : { إذا خافت المرضع والحامل على ولدها أفطرتا وقضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكيناً}.

    وإذا خافت على نفسها فإنها تفطر وتقضي ولا تطعم، هذا هو الصحيح في المسألة إن شاء الله، وبعض أهل العلم يقول: لا تقضي، وبعضهم يقول: تقضي -يعني من خافت على ولدها- ولا تطعم مسكيناً، لكن الصحيح هذا التفصيل الأول إن شاء الله، إن خافت على ولدها تقضي وتطعم عن كل يوم مسكيناً، وإن خافت على نفسها سواء كانت حامل أو مرضع، فإنها تقضي ولا تطعم.

    النية في الصوم

    المسألة السادسة: تبييت النية من الليل، أمرنا أن نبيت النية من الليل لصيام الفريضة.

    لابد أن تعرف أن غداً رمضان، ولابد أن تستصحب النية وتنوي بصيامك غداً فريضة، هذا من أول الشهر تستصحبها.

    وهل يكفي نية من أول الشهر؟

    أما أصل النية فلابد منها لكن عليك أن تستصحب النية كل ليلة، ولا يجب عليك وجوباً أن تنوي قبل الفجر أو مع السحور أنك تصوم غداً؛ لأن كثيراً من الناس قد ينامون حتى يؤذن الفجر، فلا يجدون وقتاً للنية ولاستحضار النية فما هو الحل إذاً؟

    الصحيح هو أنه يبيت النية من الليل، ويستحضر في ذهنه أن يصوم غداً من رمضان سواء تسحر أو قام بالليل أو نوى أو لم ينو لحديث حفصة رضي الله عنها وأرضاها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من لم يبيت الصيام من الليل -أو نية الصيام من الليل- فلا صيام له} رواه الخمسة، وهذا أوقفه النسائي ولكن حسنه كثير من أهل العلم، والمقصود في الحديث هو صيام له، يعني صيام الفريضة، لابد أن تعرف أن غداً من رمضان، وهذا هو الوارد والصحيح في المسألة.

    صيام النافلة

    المسألة السابعة: أما صيام النافلة فلك أن تنوي من وسط النهار أو من بعد الزوال، أتيت يوم من الأيام ولم تأكل شيئاً ولما حانت صلاة الظهر رأيت أن تكمل هذا اليوم صائماً وأنت ما نويت من الليل، ولا من أول النهار، فلك أن تصوم هذا اليوم نافلة ليس فريضة، لا قضاء ولا صيام نذر ولا فريضة لكن نافلة لك، دل على ذلك حديث عائشة في مسلم قالت: {دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً من الأيام فقال: عندكم شيء فقلنا: لا يا رسول الله قال: فإني صائم} نافلة، دليل على أنه لم ينو قبلها صلى الله عليه وسلم بقوله: عندكم شيء لأنه لو كان عندهم شيء لأكل، قالت: {ثم دخل علينا يوماً آخر وهو صائم -يعني متنفل- فقال: عندكم شيء قالت: نعم عندنا حيس يا رسول الله -طعام- فأكل صلى الله عليه وسلم} ففي النافلة لك أن تنوي من النهار أو قبل الزوال أو بعد الزوال سيان.

    المضمضة والاستنشاق

    المسألة الثامنة: هل للصائم أن يترك المضمضة والاستنشاق؛ خوفاً من وصول الماء إلى حلقه، أم عليه أن يتمضمض ويستنشق بإطلاق؟

    الصحيح في هذ المسألة إن شاء الله: أن له أن يتمضمض ويستنشق من دون مبالغة، ولا يترك المضمضة والاستنشاق؛ لأنها واجبة في الوضوء، وبعضهم عده فرض من فروض الوضوء، والدليل على ذلك حديث لقيط بن صبرة في السنن قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً} فدل على أن الصائم لا يبالغ في الاستنشاق ولا يتمضمض كثيراً، فلا يرجرج الماء حتى يروى من الماء ويقول: هذه سنة الوضوء، ليس بوارد هذا فلا يترك المضمضة والاستنشاق ولا يبالغ فيهما وهذا حسم المسألة إن شاء الله.

    السواك

    المسألة التاسعة: السواك للصائم تردد في أوساط كثير من الناس أن الصائم له أن يتسوك أول النهار، وأمَّا بَعْد الزوال فلا يتسوك فهل هذا صحيح أم لا؟

    هذا رأي للشافعية قالوا: له أن يتسوك أول النهار، وأما آخر النهار فلا، واستدلوا بدليلين دليل تنظيري استنباطي، ودليل نقلي، أما الدليل النقلي فقالوا: روى ابن ماجة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {استاكوا أول النهار ولا تستاكوا آخر النهار} هذا دليل نقلي -نص- واستدلوا بدليل آخر تنظيري استنباطي وقالوا: قوله صلى الله عليه وسلم: {لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك} قالوا: فإذا أتى الصائم وأزال الخلوف -يعني رائحة الفم بالسواك- ما أصبحت هناك رائحة مسك.

    ولكن يرد عليهم بثلاثة أدلة: أولها: قوله صلى الله عليه وسلم: {لولا أن أشق على أمتي لأمرتم بالسواك عند كل وضوء} وفي رواية {مع كل صلاة} هاتان الروايتان صحيحتان، فعموم الحديث يقتضي في رمضان وفي غير رمضان ولم يقل صلى الله عليه وسلم: { لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء} في غير رمضان، فلما عمم عليه الصلاة السلام دل على أنه مع كل صلاة في رمضان وفي غير رمضان ومع كل وضوء.

    الدليل الثاني: ما رواه الترمذي وغيره وهو معلق في صحيح البخاري عن عامر بن ربيعة قال: {رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي ولا أعد يتسوك وهو صائم} فدل على أنه أول النهار وآخر النهار.

    والدليل الثالث: أنه يقال: الخلوف هذا الذي ذكرتم ما يأتي من الفم، والسواك ما يزيله، إنما يأتي من المعدة، فلا أثر للسواك هذا في الخلوف؛ لأنه يأتي من معدة الصائم.

    وأما حديثهم في ابن ماجة الذي يقول: {استاكوا أول النهار ولا تستاكوا آخره} فهو حديث ضعيف لا تقوم به الحجة، إذاً: حسم المسألة إن شاء الله أن الصائم يتسوك أول النهار، وآخر النهار بسواك رطب أو يابس، والسواك من أفضل خصال الصائم، لا يتركه عند كل وضوء ومع كل صلاة.

    الكحل

    المسألة العاشرة: الكحل هل للصائم أن يكتحل في عينيه أم لا؟

    ورد في ذلك أحاديث منها حديث في ابن ماجة عن أنس رضي الله عنه وأرضاه قال: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتحل وهو صائم} هذا سنده ضعيف، قال الترمذي: لا يصح في هذا الباب شيء، قال الترمذي: وكره أحمد وسفيان وإسحاق الكحل للصائم، وقال الأعمش: لا بأس بالكحل للصائم وكان يكتحل أصحابنا، والصحيح أنه لا بأس بالكحل للصائم أن يكتحل، فإن العين ليست منفذ.

    وهناك حديث ضعيف أيضاً في الترمذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإثمد عند النوم وقال: {ليتقه الصائم} ولكن لا يصح النفي ولا يصح الإثبات، والمسألة تبقى على أصلها وأنه لا بأس بالكحل للصائم إن شاء الله.

    الطيب

    المسألة الحادية عشرة: الطيب هل للصائم أن يتطيب أو يشم الورد، والياسمين، والرياحين، ويشم الأشجار أم لا؟

    له ذلك إن شاء الله فإنه لم يرد نفي منه صلى الله عليه وسلم، ولم يرد تحريم لهذا، ولا أنه من المفطرات فتبقى على أصلها، وليست الرائحة إن شاء الله مفطرة إنما ما يؤكل وما يشرب هذا الذي يفطر أو يصل إلى الحلق أو إلى المعدة.

    الدهن

    المسألة الثانية عشرة: الدهن للصائم:

    للصائم أن يدهن بشرط ألا يصل الدهن إلى حلقه، كأن لا يأكل من الدهن أو يستعمله في أنفه حتى يدخل إلى حلقه، وأما أن يدهن وجهه ورأسه فلا بأس به، لأن بعض أهل الفقه قالوا: إذا دهن أقدامه بدهن يسمونه دهن الحنظل، فإنه قد يصل إلى حلقه وهذا يفطر، ومن أين للأقدام منفذ؟! هذا ورد في كثير من الحواشي الفقهية والصحيح أن الدهن للصائم أن يدهن بما فتح الله عليه من دهون.

    الحجامة

    المسألة الثالثة عشرة: الحجامة

    هل للصائم أن يحتجم؟ وإخراج الدم، وإسعاف المرضى، والجرحى هل هذا وارد أن يسحب دم من الصائم أم لا؟

    هذا كثر الكلام في الحجامة وهي من المسائل التي تكسرت النصال فيها على النصال، وتساقطت فيها عمائم الأبطال من أهل العلم، مرة تسمعون في جمعة من الجمع قبل سنة: أنها لا تفطر وسوف تسمعون الليلة أنها تفطر، وهذا يظهر بالأدلة والاستقراء واستماع كلام أهل العلم والمحققين، ورد فيها أحاديث منها: حديث في البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه قال: {احتجم صلى الله عليه وسلم وهو محرم واحتجم صلى الله عليه وسلم وهو صائم} هذا لفظ حديث ابن عباس في البخاري قال الإمام أحمد: لا يصح أنه احتجم صلى الله عليه وسلم وهو صائم، وقال يحيى بن سعيد الأنصاري الجهبذ النحرير العلامة الداهية المحدث: لا يصح أنه احتجم صلى الله عليه وسلم وهو صائم.

    إذاً: فالحديث فيه وهم، ولو كان في البخاري ففيه غلط، لفظة وهو صائم غلط، أثبت المحدثون أنها وهم في صحيح البخاري، والصحيح أن الحجامة تفطر لقوله صلى الله عليه وسلم: {أفطر الحاجم والمحجوم} فيما رواه الخمسة وغيرهم إلا الترمذي وقوله صلى الله عليه وسلم لما مر بحاجم يحجم صائماً: {أفطر هذان} فهذه بارك الله فيكم الأدلة؛ يقول السيوطي: بلغ هذا الحديث درجة التواتر، فهو صحيح لا يعارض به حديث آخر، وفي الدارقطني بسند قوي قال: {نهى صلى الله عليه وسلم عن الحجامة للصائم ثم احتجم صلى الله عليه وسلم} وهذا لا يثبت لأن الأحاديث الصحيحة عارضته وهي أقوى منه، وهذا حديث فيه كلام.

    إذاً: فالحجامة تفطر الصائم ولا يسحب من المسلم دم ولا من المسلمة وهما صائمان لأنه يقاس على الحجامة، لأن الحجامة أخذ دم، الله أعلم بالسر في ذلك، لكن هذه خلاصة المسألة، وهو رأي كثير من أهل العلم منهم ابن القيم في زاد المعاد.

    القبلة

    المسألة الرابعة عشرة: القُبْلة للصائم:

    هل للصائم أن يُقَبِل زوجته وهو صائم أم لا؟

    ورد في الصحيح من حديث عائشة {: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يُقَبِل وهو صائم وكان أملككم لإربه} الإرب قيل: العضو وقيل: الشهوة وجموح النفس، وورد عن عمر رضي الله عنه وأرضاه أنه سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن القُبْلة للصائم قال: {أرأيت في المضمضة بأس للصائم قال: لا يا رسول الله قال: فمه إذاً} يعني سواء بسواء ولكن عند الحاكم في المستدرك: {أن رجلاً أتى الرسول عليه الصلاة السلام وهو شيخ فسأله عن القُبْلة فلم ير بها بأساً، وأتاه شاب فسأله عن القُبْلة فلم يرخص له} فكأن حسم المسألة أن من حركت شهوته القبلة، أو خاف على نفسه أنه لا تجوز له، وأما الشيخ الكبير فإنها تجوز له، ولكن الأولى والأحسن والأصوب ترك القُبْلة للصائم، هذا حسم المسألة إن شاء الله.

    الاحتلام في النهار

    المسألة الخامسة عشرة: الاحتلام في النهار:

    إنسان احتلم في نهار رمضان، نام في الظهيرة ثم قام فإذا في ثيابه بلل، فماذا يفعل هل ينتقض عليه صومه ويقضي أم ماذا يفعل؟

    هذا عليه أن يغتسل وأن يتم صومه فصومه صحيح وما خدشه شيء، وهذا ليس في مستطاعه بل أتاه وهو ليس مكلف في حالة النوم، فعليه أن يتم صومه، وأن يغتسل ويصلى، وصومه والحمد لله صحيح.

    الأكل والشرب ناسياً

    المسألة السادسة عشرة: من أكل أو شرب أو جامع ناسياً:

    أو هذه مسائل المفطرات -الأكل والشراب والجماع-بالسنة والكتاب والإجماع، فمن أكل أو شرب ناسياً فليس عليه شيء، لحديث أبي هريرة المتفق عليه: {من أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه}.

    وجاء رجل إلى الحسن البصري وكأنه متنفل فقال: يا أبا سعيد! قال: نعم، قال: نسيت الصباح اليوم وأكلت خبزاً وأنا صائم قال: ما عليك، قال: ثم دخلت على أهلي فقدموا لي لبناً فشربت، قال: ما عليك، قال: ثم خرجت فوجدت ماءً فشربت -ضمئت فشربت- قال: يا بني أنت لم تتعود الصيام.

    يعني المسألة فوضى بعد كل ساعة تأكل وجبة، ولو حدث أن إنساناً نسي فأفطر، ثم فتح الله عليه فنسي فتغدى، ثم أكل بعد العصر، ثم شرب شاي ثم قهوة ثم تناول تمراً فماذا عليه؟ نقول: أنت ناس ما عليك شيء في رمضان؛ لأن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يقول: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286] قال: قد فعلت.

    فالناسي والمكره والجاهل ليس عليهم شيء، فمن شرب أو أكل وهو ناس فالله قد عفا عنه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه، لأن الله هو الذي كتب عليه النسيان ليأكل وليشرب وصيامه صحيح.

    ومن جامع ناسياً، كإنسان عنده أربع زوجات جامعهن في نهار رمضان ناسياً، ثم أتى إلى القاضي فقال: نسيت وجامعت أهلي أربع مرات هل هذا صحيح ينسى؟ بعض أهل الفقه يقولون: هذا لا يمكن أن ينسى؛ لأن هذا ليس من الأكل والشراب، ولذلك يقولون: لابد من الكفارة.

    وابن تيمية يقول: لا، الناسي ليست عليه كفارة ولا قضاء، ويلحق بالآكل والشارب، وهذا هو الصحيح إن شاء الله، فإن الله عفا عن الناسي والجاهل في الأكل والشرب فيلحق به المجامع أيضاً، فالمجامع ليست عليه كفارة ولا قضاء؛ لأنه نسي وهذا المجامع الناسي والجاهل أما المتعمد فكفارته مرت كما سيأتي.

    كفارة الجماع

    المسألة السابعة عشرة: كفارة من جامع في نهار رمضان: هذا وردت كفارته عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، لا يقطعها إلا الأعياد مثلاً فله ذلك، أو سافر سفراً قاصداً فيقطعه ويواصل، يعني ما يستحدث صياماً جديداً بل تصح المتابعة، ولو قطعه بالسفر أو أتاه مرض وشق عليه يفطر ويكمل على الأيام الماضية فإن المرض والسفر والأعذار لا تقطع الصيام، فإن لم يستطع صيام شهرين متتابعين، فإطعام ستين مسكيناً، فإن لم يستطع، سقطت عنه الكفارة، هذه كفارة المجامع.

    هديه في الإفطار

    المسألة الثامنة عشرة: هديه صلى الله عليه وسلم في الإفطار، وكيف كان يفطر صلى الله عليه وسلم.

    في الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم} معنى أفطر: يعني حل فطره سواء أفطر أو لم يفطر، ولا يجوز له أن يواصل، أي: أنه سواء أكل أو لم يأكل فقد أفطر، هذا العلامة عندنا غروب الشمس إقبال الليل وإدبار النهار وغروب الشمس فعلى المسلم أن يعتبر بذلك.

    لكن كيف كان يفطر صلى الله عليه وسلم؟ ورد من حديث سليمان بن عامر في السنن أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {ليفطر أحدكم على تمر، فإن لم يجد فعلى ماء فإنه له طهور} فالفطر على التمر من السنة فإن لم تجد تمراً فعلى ماء، وعند أبي داود وغيره عن أنس قال: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطيبات، فإن لم يجد فعلى تميرات، فإن لم يجد حسا حسوات من ماء عليه الصلاة السلام} فالرطب أولى وأفضل، فإن لم تجد فتمراً، فإن لم تجد فماءً، ولا يأتي أحد فيقول: ما دام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك أو قال ذلك، فلو أفطر على شربة أو خبز؛ قال: بطل صيامك فاستغفر الله وتب إليه، لا هو الجائز لكن السنة في ذلك والأولى والأحسن والأخير والأقرب.

    قال ابن القيم: في ذكر التمر سر من الأسرار، لأن الجائع أحسن ما يواجه بطنه أو يقابل بطنه الحالي؛ لأن الحالي أحسن لديه، فعليه أن يفطر على رطب أو تمر فإن لم يجد فماء، وورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: {اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت فتقبل مني إنك أنت السميع العليم} هذا الحديث رواه أبو داود وهو مرسل فيه ضعف.

    ومرسل منه الصحابي سقط      وقل غريب ما روى راو فقط

    المرسل: الذي سقط منه الصحابي، مثلاً أبو هريرة سقط من السند وابن المسيب تابعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أين الصحابي الذي في أول السند سقط، هذا مرسل، فالمرسل: ما سقط منه الصحابي وهذا الحديث مرسل وبعضهم يحسنه بطرقه لكن الصحيح أنه ضعيف لهذه العلة.

    وورد عنه صلى الله عليه وسلم في سنن أبي داود وفي غيرها أنه يقول: {ذهب الظماء وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله} إذا شرب صلى الله عليه وسلم وأفطر، وفي أثر بمجموعه يصل إلى درجة الحسن أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {للصائم دعوة ما ترد} وورد في حديث: {ثلاثة لا ترد دعواتهم منها الصائم قبل أن يفطر} فالله الله في الاجتهاد في الدعوات قبل الفطر، فإنها دعوة مستجابة إن شاء الله، ووقت استجابة فأكثر قبل أن تفطر من الدعاء خاصة إذا اقترب وقت الإفطار.

    هديه صلى الله عليه وسلم في السحور

    المسألة التاسعة عشرة: وأما هديه صلى الله عليه وسلم في السحور يقول صلى الله عليه وسلم: {ما يزال الناس بخير ما عجلوا الإفطار وأخروا السحور} أو {ما عجلوا الفطور وأخروا السحور} متفق عليه من حديث سهل بن سعد، فالسنة أن تعجل الإفطار إذا غربت الشمس، والسنة أن تؤخر السحور حتى إلى قبل طلوع الفجر، قيل لـزيد بن ثابت: كم كان بين صلاته صلى الله عليه وسلم الفجر وبين سحوره؟ قال: {مقدار ما يقرأ القارئ خمسين آية} رواه البخاري، فقدر أنت هذا القدر وهذا هو السنة، وأما لو تقدمت فتسحرت مع عشائك لجاز، ولو بقيت بلا سحور لجاز، ولو تسحرت حتى تسمع الأذان لجاز، لكن السنة أن تؤخره حتى تبقى فترة وجيزة بين السحور وبين صلاة الفجر، يقول عليه الصلاة السلام كما في حديث عمرو بن العاص الصحيح: {فصل ما بيننا وبين أهل الكتاب أكلة السحر} أهل الكتاب: يعني اليهود والنصارى، ويقول عليه الصلاة السلام: {تسحروا فإن في السحور بركة} متفق عليه من حديث أنس.

    وبركة السحور تأتي بثلاثة أمور أولها: أنك تقوم في وقت يتجلى الله للناس على سماء الدنيا فينادي فيقول: {هل من سائل فأعطيه، هل من داع فأستجيب له، هل من مستغفر فأغفر له} فتكون من المستغفرين.

    ثانيها: أنك أحييت سنة من سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم وهي سنة السحور.

    ثالثها: أنك استعنت بالسحور على صيام النهار، وهذا من بركة السحور التي ذكر عليه الصلاة السلام.

    الإبر للصائم

    المسألة العشرون: الإبر للصائم:

    الإبر بأنواعها ما حكمها للصائم؛ إذا أخذ إبرة أو تعالج فرأى الأطباء أن يتناول إبرة، هل تفطره وهو صائم أم لا؟ هذا على قسمين:

    الأول: إن كانت مغذية تصل إلى حلقه، أو يجد طعمها، أو تغذيه فهذه مفطرة.

    الثانية: إن لم يكن لها أثر، ولا تغذي، ولا تصل إلى حلقه، فلا بأس بها وهي مسألة عصرية ليس فيها أدلة وإنما هذا التقسيم كأنه المطلوب والأقرب عند أهل العلم إن شاء الله.

    ذوق الطعام للحاجة

    المسألة الحادية والعشرون: ذوق الطعام للحاجة: هل للصائم أن يذوق الطعام من أجل أن يتذوق ملح الطعام، ويرى جودة الطعام.

    ورد عند البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: [[لا بأس للصائم أن يذوق الطعام للحاجة]] رواه البيهقي، وأورده صاحب السلسبيل في تعليقه على زاد المستقنع، فلا بأس للصائم أن يذوق الطعام للحاجة؛ لأنه ليس بأكل وإنما يصل إلى لسانك، وحاسة الذوق في أول اللسان، لكن من يتذوق المطعومات أكلاً فيذوق العنب كيف حاله، والموز، وشيء من التفاح، وشيء من الشربة، وما يأتي المغرب إلا وهو شبعان ريان، بات يطعمه ربه ويسقيه، فهذا ليس بوارد وقد أخطأ من فعل ذلك، لكن الذوق في أول جلدة اللسان، ولمن أراد أن يراجعه في السنن فليراجع الذوق فلا بأس به إن شاء الله ذوق الطعام.

    شتم الصائم

    المسألة الثانية والعشرون: ماذا يقول الصائم إذا شتم؟

    إنسان شتمك -نسأل الله العافية- أو سبك أو انتهك عرضك وأنت صائم، هل تقول: اللهم إني صائم فتذهب إلى بيتك فتأخذ هراوة، فتأتي تضربه؟ وتقول: مادام أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن الشتم والمسابة فالهراوة أجدى سبيل وأحسن وألين، هذا من باب قول بعضهم في الآية: فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا [الإسراء:23] قال: أما الأف فلا تقول لكن الضرب ما ورد في الآية، فالله عز وجل لا يقول في الآية: لا تضرب والديك، لكن يقول: "لا تقل لهما أف" فأين الضرب؟ لو كان الضرب وارداً لقال سبحانه: ولا تضربهما، فقالوا: هذا قياس مخروم، وهو من ضعف العقل وضعف الاستنباط.

    فالمقصود الشتم وما فوقه كالملاكمة والضرب على الوجه والضرب بالهراوة وكذلك يدخل فيها المشعاب، إذا علم هذا بارك الله فيكم فإذا شتم فما الحكم هل يقول: إني صائم بلسانه أو بقلبه؟ اختلف أهل العلم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث المتفق عليه عند البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة : {فإذا سابَّه أحد أو شاتمه فليقل إني صائم} فهل يقول بقلبه إني صائم أو بلسانه، إنسان كلما أصبحت أخذ بتلابيب ثوبك في رمضان، وجرجرك وشتمك ماذا تفعل تقول بنفسك: إني صائم؟ يختار ابن تيمية أن تقول بلسانك: إني صائم وهذا هو الصحيح، وكلمة فليقل يعني باللسان، وعقد القلب لا يسمى قولاً إلا في المجاز، وقوله: فليقل إني صائم لها فوائد منها:

    الأمر الأول: أن تذكره أنك صائم لعله أن يخشى الله ويتقيه فيك، يعني كأنك تقول: جائع وتعبان وحالي ما يتحمل الضرب اتركنا حتى نفطر ونصلي التراويح ثم اضرب جزاك الله خيراً، فإذا قلت: إني صائم فلعله أن يرحمك.

    الأمر الثاني: كأنك تقول: إني صائم تذكر نفسك أنت لا تعتدي، فهذا الصحيح إن شاء الله وهذا ترجيح ابن تيمية.

    القيء

    المسألة الثالثة والعشرون: القيء وخروجه على الصائم: إنسان قاء -طرش- أو قذف وسمي ما شئت فهل يفطر أم لا؟

    أبو هريرة وبعض أهل العلم: يرون أنه لا يفطر، يقولون: المفطر من الخارج إلى الداخل، ولكن روى أبو هريرة عند الخمسة وغيرهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {من استقاء فقاء فعليه القضاء ومن ذرعه القيء فلا شيء عليه} انظر ما أحسن الكلمات، من يختار مثل هذا الأسلوب؟! إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم:4-5] ولذلك يقول القاضي الزبيري شاعر اليمن يمدح هذا اللفظ يقول:

    ما بنى جملة من اللفظ إلا      وابتنى اللفظ أمة من عفاء

    الألفاظ هذه لا يستطيع أن يسوغها إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: فتفصيل المسألة أن من استدعى القيء بأن أدخل أصابعه في حلقه فقاء فعليه أن يقضي، ويتم صيامه ممسكاً، وكذا إن شم شيئاً، عمداً أو حك حلقه، أو فعل شيئاً استدعى القيء فعليه القضاء، أما من غلبه القيء فلا شيء عليه؛ يتم صومه وصومه صحيح، وهذا أحسن ما قيل في هذه المسألة إن شاء الله.

    التراويح

    المسألة الرابعة والعشرون: صلاة التراويح:

    صلاة التراويح سنة وهي ثابتة عنه صلى الله عليه وسلم، وقد صلاها في بعض الليال وتركها في حياته بعض الليالي، لئلا تفرض على الأمة، فلما جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه جمع الناس على صلاة التراويح.

    وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: {ما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ولا في غير رمضان عن إحدى عشرة ركعة} فالأولى والأقرب للسنة صلاة إحدى عشرة ركعة، وورد في الصحيح كذلك من حديث عامر الشعبي عن ابن عباس: {أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل ثلاثة عشرة ركعة}.

    فكيف نوفق بين إحدى عشرة وثلاثة عشرة؟ كثير من الناس عندنا الآن على المذهب يصلون ثلاثة عشرة ركعة، وبعض المحدثين يرى أن تصلى إحدى عشرة ركعة، لكن ليس هناك خلاف فالأمر فيه سعة والحمد لله، والمسألة وما فيها، أن أهل العلم توقفوا عند الحديث، منهم من قال: حسبت ركعة الفجر- مثل ابن القيم في زاد المعاد - من الثلاثة عشرة ركعة، وإلا فالأصل إحدى عشرة ركعة، ومنهم من قال: كان صلى الله عليه وسلم يصلي مرة ثلاثة عشرة ركعة ومرة إحدى عشرة ركعة فهذه السنة فمن صلى هذا لا بأس به، ومن صلى هذا لا بأس به، والأقرب إحدى عشرة ركعة، ومن زاد على ذلك فصلى إحدى وعشرين ركعة فجاز ثلاث وعشرين، وست وثلاثين إنما وله أن يصلي ولو صلى مائة وواحدة ركعة لجاز والأمر فيه سعة ونافلة {وصلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الليل؛ فأوتر بواحدة}.

    إذاً: فالأمر فيه سعة والحمد لله، وهذه صلاة التراويح التي هي سنة من السنن وينبغي للمسلم أن يحافظ عليها في جماعة، وإذا رأى أن الأفضل في حقه أن يوتر في آخر الليل ويستطيع فليرجئ الوتر إلى آخر الليل، ويصلي التراويح مع الناس، وإذا خاف فليوتر من أول الليل مع الجماعة، لكن إذا أوتر مع الجماعة ثم استيقظ في آخر الليل في السحور هل له أن يصلي أم لا؟ هو بين حالتين: إما أن يصلي شفعاً شفعاً ركعتين أربعاً ستاً ويكتفي بما صلى في أول الليل من الوتر، وإما أن يصلي ركعة توتر له ما تقدم ثم يصلي شفعاً ثم يوتر، وهذا وارد لكن الأول أحسن وهو أن يكتفي بالوتر الأول ولا وتران في ليلة ويصلي شفعاً ولا يعيد الوتر مرة ثانية.

    والأمور التعبدية في رمضان أعظمها قراءة القرآن، فإني أوصي نفسي وإياكم بكثرة قراءة القرآن وأن يأخذ أحدكم مصحفه ويعاشره في هذا الشهر، ويسامره، ويجالسه، ويآنسه، ويختم ختمات كثيرة بتدبر عل الله أن يرفع درجته في عليين، فإنه لن يقرأ الحرف إلا بعشر حسنات إلى أضعاف كثيرة عند الله تبارك وتعالى.

    وكذلك أوصي نفسي وإياكم بكثرة الصدقة في هذا الشهر، أن يبذل أحدكم ويكون له شيء من مال ينفقه ويتصدق به، ويحرص على تفطير الصوام؛ فإن من فطر صائماً؛ فله من الأجر مثل أجر الصائم دون أن ينقص من أجر الصائم شيئاً، والتفطير يحصل بأدنى شيء، بشربة ماء أو بتمرة، فهذا يسمى تفطير، يعني ما يقتضي أن تفطره تمراً، ثم شربة، ثم تدعوه إلى كبسة، ثم تقهويه ثم تشهيه، لا، فيحصل بشربة من ماء إذا ما وجد شيئاً وعلم الله أنك ما وجدت إلا الماء، فأما أن يكون في بيتك ما لذ وطاب وتأتي بالماء تباشر على الناس في المسجد وتقول: أفطرهم فهذا يكتب لك أجر إن شاء الله لكن ليس بتفطير لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] فليعلم ذلك.

    ومنها بارك الله فيكم الذكر: فإني أدعوكم لكثرة الذكر في رمضان من الاستغفار، والتسبيح، والتهليل، وكثرة الصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم، ومراجعة حساب السيئات في الأشهر الماضية؛ عل الله أن يكفرها في هذا الشهر، والتبتل إليه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، ومن أعظم ما يوصى به اجتناب الغيبة، والنميمة، والشتم؛ لأنها حرام في غير رمضان، وفي رمضان أشد وأنكى وأدهى، حتى قال ابن حزم في المحلى: إن شهادة الزور والغيبة والنميمة تفطر الصائم وعليه القضاء فإن هذه أمور محرمة وهي أشد تحريماً في رمضان، وليتق الله وليحفظ لسانه وليستبدل مكان الخبيث من القول بالطيب، فإن الذي يصعد إليه الطيب من القول أو الطيب من الكلمة سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10] قيل: العمل الصالح يرفعه أي: يرفع الكلم الطيب، الضمير يعود إلى الكلم الطيب أي: إليه يصعد الكلم الطيب يعني سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هو الكلم الطيب، والدعوة إلى الله كلم طيب، وقال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم كلم طيب يرفعه العمل الصالح، إذا صاحب عملاً صالحاً رفعه هذا، وقيل: يرفعه يعود الضمير إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، أي أن الله يرفع الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه إليه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وكلا الوجهين فيه وجاهة، ومن جمع بينهما فقد أحسن وأصاب، إذا علم هذا فإن هذا أحسن ما يوصى به.

    وأوصيكم في رمضان كذلك بالاهتمام بصلاة الجماعة، فإن كثيراً من الناس يخلون بها، فصلاة الجماعة من أهم ما يوصى به جماعة المسلمين وحضورها من أول الوقت لتصلي عليك الملائكة في مجلسك.

    وأوصيكم بكثرة الاستغفار، وترك المعاصي ما ظهر منها وما بطن كاستماع اللغو واللهو والغناء الماجن الرخيص، ومطالعة الصور الخليعة التي تغري بالقلب، وتشتت الفكر، وتدعو إلى الفاحشة وتسهل الزنا، نعوذ بالله من ذلك، فأدعو نفسي وإخواني إلى التوبة النصوح ظاهراً وباطناً ليقبل الله منا صيامنا، إنه على ذلك قدير.

    والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    1.   

    الأسئلة

    هنا بعض الأسئلة حول الصيام، نجيب عليها إن شاء الله.

    اختلاف الغروب

    السؤال: تغرب الشمس في المناطق الجبلية قبل المناطق الساحلية فما الحكم؟

    الجواب: لكل بلد غروب، والذي يلزم أهل البلد أنه إذا غربت الشمس عندهم وأقبل الليل وأدبر النهار؛ فعليهم أن يفطروا، وما عليهم أن يبحثوا في المناطق الأخر، لا نقول لمن كان في المناطق الجبلية: اصعد إلى رأس الجبل، وانظر هل ترى الشمس هناك هل غربت أو لا؟ فلسنا مأمورين به، بل إذا غربت لدينا نكتفي، أما أن يذهب بسيارة أو يصعد؛ فإنه قد يجد الشمس في المناطق الساحلية أو في السهلية، لا إذا غربت الشمس فقد أفطر فإنها مثلاً تغرب في الرياض قبلنا بما يقارب ثلث ساعة أو في غيره من المدن ففطرهم لهم وفطرنا لنا، لاختلاف غروب الشمس هنا وهناك، فلكل بلد غروبه وطلوعه ومطالعه.

    التخلف عن صلاة التراويح

    السؤال: ما حكم من لم يصل التراويح مع الجماعة ويقول: ليس علي ذنب بتركها؟

    الجواب: أقول قد لا تكون واجبة، وقد لا يكون عليك ذنب، لكن ألا ترى من شعائر الإسلام أن تقف مع إخوانك المسلمين، وأن تعرف أنك كلما سجدت لله سجدة رفعك بها درجة عنده، وأن تعرف أنك تعين نفسك، أو تعين أهل الخير على نفسك في دخول الجنة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لما قال له رجل: أريد مرافقتك في الجنة فقال: {أعني على نفسك بكثرة السجود}.

    ألا تجد أنك تستمع آيات الله البينات، وأن الله عز وجل قد يأتي في ليلة من الليالي والمسجد مليء بالمصلين، وأنت من ضمنهم، وقد أسرفت على نفسك في الخطايا والذنوب، أو ارتكبت معاصي كبرى، أو أتيت بفاحشة، فقال الله لملائكته: {أشهدكم أني غفرت لمن في هذا المسجد فتقول الملائكة: معهم فلان بن فلان فعل كذا وفعل كذا فيقول: وله غفرت هم القوم لا يشقى بهم جليسهم} ولذلك ندعو في التراويح: وهب المسيئين منا للمحسنين، فقد تكون مسيئاً فيجعلك الله مع المحسنين ويدخلك الله في رحمته.

    ألا ترى أنها قوة للإسلام أن تحضر، وانظر لنفسك، فإن كثيراً من الناس مستعد يبقى في الحفلة السامرة العاهرة الماجنة من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر، تراه يرقص، ويتمايل، ويضرب بأرجله، ويلعلع بصوته، حتى يصحر صوته ويتغير، ثم يرمي بنفسه على الفراش مع صلاة الفجر، لكن نقول: صلِّ التراويح قال: الدين يسر والله غفور رحيم، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ما أحسنك في الأدلة! فقيه عند الحلال، ولكن عند الحرام ما تعرف في الفقه شيئاً، ولذلك يقول ابن مسعود: [[فقهاء لم يعملوا]] يقول: موجود عندهم الفقه لكن ما هناك عمل، فإذا أتى العرضة، والحفلات، واستماع الغناء، والزير، وضرب الزلفة، وما في حكمها، نسي هذه الأدلة جميعاً، ونسي شديد العقاب، ونسي الوقت وقيمته أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:115] ونسي نعمة البصر، والسمع، والقلب، فكيف يصعب عليه أن يقف ساعة مع المسلمين ويشعر بالخمود والهمود في جسمه، لأن القلوب ما عاشت مع لا إله إلا الله وما تحركت بالإيمان.

    وليست المسألة مسألة أجسام، تجد الرجل النحيف ورأيناهم وهم شيوخ في الستين والسبعين والثمانين يقفون بالعصي في التراويح والقيام وترونهم في الحرم، وتجد الشاب المتين الطويل العريض ما يتمنى على الله أن يسلم من صلاة العشاء ثم يركب سيارته، لأن قلب ذاك حي، وجسمه هامد، وجسم هذا حي وقلبه هامد، والمسألة إلى القلب {إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم} فأنا أدعوك إلى صلاة التراويح، ومكاتفة المسلمين، وإعلان التضامن معهم في هذه الشعائر التعبدية.

    ختم القرآن في التراويح

    السؤال: ما حكم ختم القرآن في التراويح؟

    الجواب: ختم القرآن ما علمت فيه حديثاً، وما علمت أنه لا بد للأمة أن يختموا القرآن في رمضان، لكن استنبطوا من مثل حديث ابن عباس في الصحيحين : {أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يلقاه جبريل فيدارسه القرآن} ولكن ما قال فيه يختم عليه القرآن ورد في حديث آخر: { يعرض عليه القرآن عرضاً} وعرض عليه القرآن قبل أن يموت مرتين عليه الصلاة والسلام، فإذا كان الناس يستطيعون أن يسمعوا القرآن جميعه، فالأفيد أن يسمعوه جميعاً، ولكن إذا كان الإمام حسن الصوت، طيب النغمة، وباستطاعته أن يقرأ الآيات ويتدبرها الناس؛ فيكفي من القرآن ما يسر الله عز وجل فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ [المزمل:20] لو لم يقرأ إلا خمسة أجزاء أو ستة أجزاء، والمسألة ليست بالهذرمة والهد، حتى أصبحت طقوس وعادات، ويأتي إمام يلقى إماماً آخر بعد صلاة التراويح يقول: أين وصلتم الليلة في التراويح؟ قال: وصلنا إلى آية كذا وكذا قال: أبشرك نحن زدنا عليكم بعشرين آية، وإذا ختم اتصل به في التلفون قال: ختمنا الليلة وأنتم يبقى عليكم ثلاث ليالي، ليست مباراة، ولا مسابقة، إنما مسألة خشية، واتصال وفهم، وربما الإنسان يقرأ الختمة في رمضان مرة واحدة، لكن يتعقل، ويتدبر، وبعضهم يقرأ عشر ختمات وعشرين ختمة ولكن لا عقل ولا تدبر لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:2] ولم يقل أكثر عملاً.

    أكل العلك في نهار رمضان

    السؤال: ما حكم أكل العلك من اللبان وغيره؟

    الجواب: أما لغير الصائم فيجوز أن تأكل العلك بالإجماع، وأما الصائم لا يجوز له أن يأكل العلك؛ لأنه يدخل في مسمى الطعام، ولأنه قد يتفتت منه شيء، ولأنه يسلي الصائم، وقد يقوم مقام كثير من الأكل، وبعض الناس قد يتسلى بالعلك وهو جائع، فلا يجوز للصائم.

    ترك الصلاة

    السؤال: كنت أترك الصلاة عمداً ولا أحصيها فما الحيلة؟

    الجواب: يوم كنت تترك الصلاة عمداً كانت تلك الحالة -نسأل الله العافية- حالة ردة عن الإسلام، وابن تيمية يرى أن من ترك فرضاً واحداً عامداً فقد كفر في تلك الفترة، وعند الإمام أحمد من حديث أبي أمامة: {من ترك صلاة واحدة عامداً متعمداً فقد كفر} فتركك في تلك الفترة ردة عن الإسلام، وعليك أن تتوب، ولا أعلم أنك تقضي الصلاة على الأقوال الصحيحة بل عليك أن تستغفر، وتتوب، وتصلح، وتكثر من النوافل، أما إعادة الصلاة فلا أعرف في ذلك أصل، ولو أنه قاله بعض أهل العلم، لكن الذي يظهر إن شاء الله والأقرب أنه ليس عليك إعادة، بل تكثر من النوافل وتتوب، وتستغفر؛ لأنك دخلت الآن.

    الإكثار من الضحك والأكل والنوم في شهر رمضان

    السؤال: ما رأيك في كثرة الضحك والأكل والنوم وفي شهر رمضان؟

    الجواب: هي مذموة في رمضان وفي غير رمضان وبعض الناس كما يقول الغزالي: إنهم يصومون النهار، ثم يحتسبون الوجبات التي صاموا عنها فيأكلونها في الليل، فيقول: ذهب سر الصيام، وبعضهم إذا قدم له الإفطار تذكر أنه ما أفطر الصباح، ولا تغدى، ولا تعشى فأنتصف من ظهر هذا الطعام حتى يقول يكفر، وبعضهم يأتي إلى التراويح وهو يسحب سحباً حتى يصلي العشاء وبعضهم ربما يصلي التراويح وهو جالس، فالمقصود على الإنسان أن يخفف قبل صلاة العشاء فإذا صلى التراويح، فله أن يأكل ويتعشى ولا بأس بذلك، وإن أكثر من الأكل فحسن حتى يستعين به على طاعة الله، وتلك نعمة الله عز وجل إذا أوزعها العبد شكرها.

    الأكل والشرب وقت أذان الفجر

    السؤال: إذا أكل الإنسان أو شرب والمؤذن يؤذن لصلاة الفجر فما الحكم؟

    الجواب: هذه المسألة فيها تفصيل: إن رفعت الإناء مثلاً لتشرب فلا تضعه من يدك حتى وأنت تسمع المؤذن حتى تشرب، وإذا رفعت اللقمة وأصبحت في يدك فلا تضعها حتى تأكلها، أما إذا سمعت المؤذن فلا ترفع من جديد، لأن لهذا الحدث حديث عند أبي داود وعند الحاكم بلفظ يشبه: {إذا سمعتم المؤذن وأحدكم إناؤه في يده فلا يضعه حتى يقضي نهمته} أو كما قال صلى الله عليه وسلم، والحديث في سنن أبي داود وصححه الحاكم في المستدرك فهذا هو تفصيل المسألة إن شاء الله.

    ملازمة الإمام في التراويح

    السؤال: هل ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {من قام الإمام في التراويح حتى ينصرف فكأنما قام الليل؟ }

    الجواب: صدق من قال هذا وهو حديث ثابت من حديث أبي ذر : {من قام مع الإمام حتى ينصرف فكأنما قام الليل كله} أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    الصلاة بين السواري

    السؤال: ماحكم الصلاة بين السواري؟

    الجواب: سبق التنبيه أنها مكروهة، وأن الأولى عدم الصلاة بين السواري إلا من شدة زحام للضرورة، وأنا أدعوكم إلى ترك السواري فارغة، لأنها ربما تخللها بعض الفراغ ولا يكمل الصف بين السواري.

    حكم سماع الأغاني ومشاهدة التمثيليات

    السؤال: ما تقول فيمن يستمع الغناء ويشاهد التماثيل في الإذاعة وغيرها ثم يقول: لأنها لو سمح بها تذاع لما كان فيها منكر؟

    الجواب: أقول: ليس كل ما يعرض دليل على أنه حلال أو حرام، بل الحرام ما حرمه الله عز وجل، والحلال ما حلله الله وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ [النحل:116] فالغناء والموسيقى وآلات اللهو حرام، وما ثبت في الحديث الصحيح، وأدلة التشريع من الكتاب والسنة والإجماع، وليس فيها دليل أن فعل هذا حلال ولكن الحلال ما حلله الله والحرام ما حرمه الله وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ [النحل:116].

    سماع القرآن من شريط

    السؤال: هل سماع القرآن بالمسجل يعد بمثابة القراءة؟

    الجواب: القراءة أفضل من سماع القراءة، فقراءتك أنت للقرآن أفضل من أن تستمع من الآخر، إلا في بعض السور؛ إذا خشع قلبك أكثر، فأفضل في حقك أن تستمع، بعض الناس إذا أخذ المصحف نعس وما تدبر وما رق قلبه، لكن إذا سمع القراءة من الذي بجنبه كان له أرق وأحسن، فهو أفضل أن يستمع، واستماعك من المسجل كاستماعك من القارئ الجالس وأنت مأجور على ذلك ويثيبك الله، وربما فتح الله عليك بسماع آية في شريط تستمعها، أو بكلمة، أو بمقالة، أو بموعظة والله عز وجل الفتاح العليم، فأدعوك إلى الإكثار من سماع الخير من قرآن وغيره، وتحرم على أذنيك سماع الباطل ليجعلك الله من المقبولين عنده.

    وفي الختام أتوجه إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن يجعلني وإياكم ممن صام هذا الشهر وقامه إيماناً واحتساباً، وأن يجعلنا من المقبولين، ومن العتقاء في هذا الشهر، وأن يهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، هلال خير ورشد ربنا وربك الله، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.