إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه - الخروج من الخلاف مستحب

القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه - الخروج من الخلاف مستحبللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الخروج من الخلاف مستحب حيث كان الخلاف معتبراً، وذلك مما ينشر الألفة والمودة، ولكن الخروج من الخلاف لا يكون إلا إذا لم يؤد إلى ترك سنة أو خرق إجماع.

    1.   

    فضل العلم وأهله

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي النبي صلى الله عليه وسلم, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    إن شرف العلم والعلماء عظيم، ولذلك قال الحسن البصري : لولا العلماء لكان الناس كالبهائم.

    وقال: علي بن أبي طالب رضي عنه وأرضاه مقسماً الناس إلى ثلاثة أقسام: الناس ثلاثة: عالم رباني, وعالم أو متعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع لم يستضيئوا بنور العلم، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح.

    وأيضاً قال ابن مسعود : كن عالماً أو متعلماً أو محباً لأهل العلم، ولا تكن الرابع فتهلك.

    وقد قسم علماؤنا الناس إلى أقسام أربعة:

    القسم الأول: عالم يعلم أنه عالم، فذاك عالم فاسألوه واستفيدوا من علمه، فهو يعلم أنه عالم، وليست ذلك منه مراءاة وحباً للظهور.

    القسم الثاني: عالم لا يعلم أنه عالم، فذاك ناس فذكروه، لتستفيدوا مما عنده.

    القسم الثالث: جاهل يعلم أنه جاهل، فذاك جاهل فعلموه.

    القسم الرابع: جاهل لا يعلم أنه جاهل، فذاك أو سفيه فاتركوه، وهذا الجهل هو الجهل المركب الذي قال فيه بعض الناس:

    قال حمار الحكيم توما لو أنصف الناس كنت أركب

    فإنني جاهل بسيط وصاحبي جهله مركب

    وهو الذي عنده المفاهيم المغلوطة، أو ليس عنده شيء من العلوم، ويدعي أن عنده من العلوم نصيباً، نعوذ بالله من الخذلان.

    1.   

    كيفية الأخذ بالأحوط

    قاعدة الاحتياط هي أنه إذا اجتمع حاضر ومبيح غلب الحاضر على المبيح.

    والاحتياط يذكر في أبواب العبادات كثيراً، فتجد كثيراًمن المفتين من علمائنا ومشايخنا وأصحاب الفضل علينا إذا سألته مسألة قال لك: الأحوط أن تفعل كذا، فنجم عن هذا سؤال، وهو: ما الأحوط، أو كيف أصل إلى الأحوط؟

    أقول: إن الحيطة أو الأحوط إما أن يكون في مجال الطلب أو في مجال النهي:

    فأما الأحوط في مجال الطلب فهو الفعل.

    وأما الأحوط في مجال النهي فهو الترك.

    ومثال ذلك: مسألة الوضوء من أكل لحم الجزور، فإنه قد أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضاً ورد حديث جابر الذي يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتوضأ مما مست النار في آخر الأمرين، وهذا هو الحديث الناسخ على قول الجمهور.

    لكن يحب الوضوء من أكل لحم الجزور عند الحنابلة، والاحتياط هنا في مجال الطلب، فالأحوط هنا أن تتوضأ إذا أكلت من لحم الجزور حتى ولو كنت ترجح قول الجماهير أنه لا وضوء من أكله.

    وأما في مسألة النهي فالترك هو الأحوط، فإذا تردد الأمر بين أن يكون مكروهاً أو محرماً فالترك هو الأحوط.

    1.   

    الخروج من الخلاف مستحب

    أدلة استحباب الخروج من الخلاف

    سنتكلم هنا على قاعدة: (الخروج من الخلاف مستحب)

    إذا نجم خلاف بين العلماء على مسألة من مسائل الدين، سواء كان الخلاف على أن هذا واجب أو مستحب، أو على أن هذا محرم أو مكروه، فهل يكون الخروج من الخلاف مستحباً أو لا؟

    إن هذا الخروج من الخلاف هو الذي ينشر المحبة والتآلف بين العلماء وبين الفقهاء، بل وبين طلبة العلم، فيكون الخروج من الخلاف مستحباً.

    إن هذه القاعدة استقاها بعض العلماء من الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: (لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لهدمت الكعبة ولبنيتها على قواعد إبراهيم).

    فيقولون: النبي صلى الله عليه وسلم أراد نشرا لتآلف بينه وبين أهل مكة في الإسلام؛ حتى لا يفتن أحدهم بهذا الفعل، فلم يفعل ذلك مع أن المستحب للنبي صلى الله عليه وسلم أن تكون الكعبة على قواعد إبراهيم.

    لكن الاستدلال بهذا الحديث فيه بعد، وأولى من ذلك الأحاديث التي وردت عن الصحابة الكرام:

    فعن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه أنه سافر مع عثمان فأتم عثمان الصلاة متأولاً، مع أنه كان له أن يقصر في السفر، ولكنه لما سافر إلى مكة أتم الصلاة، وكان ابن مسعود يرى أن القصر هو السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه أتم الصلاة مع عثمان ، فلما قيل له في ذلك قال: الخلاف شر كله.

    فلم يخالف عثمان بل صلى متماً حتى ينحي الخلاف جانباً، وهذا من ابن مسعود إظهار لقاعدة استحباب الخروج من الخلاف.

    وكذلك فإن الإمام أحمد قعد هذه القاعدة واقعاً، وذلك عندما سئل عن رجل يصلي بالناس إماماً فنزلت من أنفه الدماء، فهل يُصلي خلفه، أو يجب الخروج من الصلاة؟

    وكان الإمام أحمد يرى أن الرعاف مبطل للوضوء، وعليه فيجب على صاحبه أن يخرج من الصلاة، ثم يذهب فيغسل عنه الدم ويتوضأ، وبعد ذلك يستأنف, ولكنهم لما سألوه عن ذلك قال لسائله: أرأيت ابن المسيب ومالكاً إذا صلى تصلي خلفه؟

    قال: نعم.

    فقال أحمد : مالك وابن المسيب يقولان بذلك، وأباح للمصلي أن يصلي خلف من يتبنى هذا المذهب؛ لأن الخلاف شر كله.

    وأيضاً الإمام أحمد جاءه رجل وقال: أرأيت الرجل يقنت في الفجر أصلي خلفه أم لا ؟ قال: يا بني: أرأيت الشافعي إن كان يصلي أتصلي خلفه؟

    قال: نعم.

    قال: إن الشافعي يقول بذلك.

    وهذه دلالة على أن الخلاف المعتبر لا يفسد للود قضية.

    ونذكر هنا قصة تبين مدى تقدير العلماء وطلبة العلم للعلم وأهله: وذلك أن الإمام الشافعي كان إذا رأى بعض تلامذته قد خالفه في مسألة قال له: أما علمت أن الخلاف لا يفسد للود قضية؟

    وأيضاً الإمام الألباني فهو علم من أعلام الشام، بل ومحدث الديار الشامية، رحمة الله عليه من جبل، وحفظ الله من بعده كالشيخ أبي إسحاق وغيره من الذين يسدون مسد الشيخ ويدافعون عن السنة.

    والشيخ الألباني كان شديداً في مسألة الإرسال والقبض بعد الرفع من الركوع، فهو يرى أن السنة هي الإرسال، ويرى وضع اليمنى على اليسرى بعد الرفع من الركوع من البدعة، وهو يتبنى القول بالإرسال، وحصل أن صلى خلف الإمام ابن باز ، والشيخ ابن باز رحمة الله عليه كان يرى أن السنة القبض لا الإرسال، وكل منهما له دليل، وهما لا يتكلمان بالهوى، بل يريدان وجه الله جل في علاه، وكل مجتهد مصيب للأجر.

    والألباني معروف من هو على من يخالفه! ومع ذلك لما صلى خلف الإمام ابن باز كان إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، قبض الألباني مع أنه يرى أن القبض بدعة، ومع ذلك قبض اتباعاً لإمامه، عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) على أن هذه اجتهاد منه ومن الشيخ ابن باز والحق مع واحد من الاثنين، فقال الألباني: الخلاف شر كله، وفعل كما فعل ابن مسعود مع عثمان وأتم الصلاة خلف عثمان رضي الله عنه وأرضاه.

    انقسام الخلاف إلى خلاف تنوع وخلاف تضاد

    الخلاف على نوعين:

    خلاف تنوع، وخلاف تضاد.

    أما خلاف التنوع فهو أيضاً على نوعين:

    خلاف الأولوية, وخلاف الراجح والمرجوح, وسنفصل هذه الأنواع كلاً على حدة.

    1.   

    خلاف التنوع

    معنى خلاف التنوع

    أولاً خلاف التنوع:

    وتعريفه الدقيق: هو ما ينجم عن دليل.

    يعني: أن كل قول من الأقوال له دليل في المسألة، فمثلاً مسألة استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة اختلف العلماء فيها: فبعض العلماء يقول: لا يجوز مطلقاً، وبعض العلماء يقول: إننا نفرق بين البنيان وغير البنيان، وكل له دليل على ما يقول.

    ومثلها كما سبق مسألة الوضوء من أكل لحم الجزور، فالجماهير يرون أنه لا وضوء على من أكل لحم الجزور، والحنابلة يرون أن الوضوء لازم على من أكل لحم الجزور، وكل له دليل، فيكون الخلاف هنا خلاف تنوع؛ لأن كل إنسان منهم معه دليل.

    وهذا الخلاف سنة كونية لا يمكن أن نقطعها بحال من الأحوال, فلا يصح أن يقال: توحدوا على قول واحد، فإن الله تعالى قال: وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ [هود:118] وكان النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقيم الليل يدعو الله جل في علاه: (اللهم اهدني لما اختلف فيه من بإذنك).

    فهو يعلم أن الخلاف وسنة كونية لها حكم عظيمة جداً، والله جل وعلا يفرق بين المختلفين، ولا يسوي إلا بين المتماثلين.

    وهناك عالم يسهر ليله، ويتعب نفسه، ويجتهد في السماع والقراءة والتأمل، ويسافر في البلاد ليسمع المعلومة ويتعلم المسألة، وهناك آخر جالس على سريره، فالفرق بينهما بعيد، والله قد يفاوت بين الناس في هذه المسائل حتى يبين مرتبة الأول من مرتبة الثاني، وفي هذا حكمة عظيمة جداً يجليها لنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه).

    خلاف الأولوية

    وهذا النوع من الخلاف على قسمين: الأول خلاف الأولوية:

    وذلك بأن يصح للإنسان أن يعمل بقول العالمين أو بقول الطائفتين، لكن قول طائفة يكون أولى أو أعظم أجراً من قول الطائفة الأخرى.

    وبالمثال يتضح المقال: فمسألة صلاة الوتر اختلف العلماء في أي أوقاتها أفضل؟ هل في أول الليل، أو نصف الليل، أو ثلث الليل الآخر؟

    فبعض العلماء قال: أول الليل أفضل أوقات الوتر، ويستدلون على ذلك بأحاديث منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (أوصاني خليلي بثلاث وذكر من الثلاث: أن لا ينام حتى يوتر) فقالوا: هذا هو أفضل أوقات الوتر.

    وبعض العلماء يقولون: ثلث الليل الآخر هو أفضل أوقات الوتر، والدلالة على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً).

    وجاء من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما روته عائشة فقالت: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر من أول الليل وأوسط الليل وأوخر الليل).

    والخلاف هنا خلاف أولية، فلك أن تأخذ بالأول أو بالثاني أو بالثالث؛ لأن كل عالم أو كل طائفة لها دليل، والخلاف هنا خلاف في أيها أولى وأعظم أجراً: صلاة الوتر في أول الليل أو وسطه أو آخره؟

    ومثل ذلك ما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى ثمان ركعات، وبعضهم روى أنه كان يصلي ركعتين، وبعضهم قال: بل يصلى أربع ركعات.

    وكل قول له دليل، فقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين وصلى أربعاً، والخلاف إنما هو في صلاة ثمان ركعات صلاها النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة هل كانت تلك صلاة الضحى أم صلاة الفتح؟ حصل هنا خلاف لسنا بصدده الآن.

    إذاً: خلاف التنوع الأولوي: هو أن تعمل بكل قول كيفما شئت، لكن الأعظم في الأجر أن ترتب ذلك العمل على الراجح من الأدلة.

    خلاف الراجح والمرجوح

    أما النوع الثاني من خلاف التنوع فهو: خلاف الراجح والمرجوح:

    وهذا تكون فيه المناصحة، فلا بد أن يكون الحق هنا مع واحد من الاثنين؛ لأن الحق لا يتعدد خلافاً لمن قال بأنه يمكن أن يكون الحق مع كل مفتٍ، فهذا خطأ فاحش، بل الحق واحد عند الله لا يتعدد، كما قال الله تعالى: فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ [يونس:32].

    ولذلك اختلف العلماء في مسائل مهمة جداً، منها مسألة الشرب قائماً، فقد اختلف العلماء في الشرب قائماً، واختلفوا في مسألة استقبال القبلة عند الغائط, واختلفوا في الوضوء من لحم الجزور، اختلفوا في التسمية على الوضوء هل هي واجبة أو ليست واجبة، وهل هي شرط في صحة الوضوء أم ليست شرطاً في صحة الوضوء؟

    فالحق مع واحد من الاثنين، فعلى طالب العلم الأريب الفقيه اللبيب أن يبحث عن القول الذي يلتزم بالدليل، ويصحح الدليل، ويعرف كيف يستنبط الحكم من الدليل.

    فإن كان المرء يعلم كيف يفصل بين القولين فحيا هلاً به، فقد ارتقى مرتبة عالية, وإن لم يستطع أن يفرق بين القولين، فلا بد أن يلتزم بالعالم الذي علم منه أنه يتحرى السنة ويلتزم بها ويطلع كثيراً ولا يكف عن الطلب؛ لأن هذا يكون أوفر حظاً في التوفيق من غيره, فهذا النوع من الخلاف وإن كان خلاف تنوع، لكنه فيه راجح ومرجوح.

    وكذلك مسألة الزواج من المرأة الكبيرة البكر دون ولي، فهل لها أن تزوج نفسها أم لا؟ وهذا الخلاف خلاف معتبر، والخلاف المعتبر لازمه أن يترك المرجوح ويؤخذ الراجح.

    والخلاف المعتبر لا إنكار فيه، وإنما فيه التناصح فقط، والمناظرة تناصح كما وقع بين الشافعي وأحمد في مسألة تكفير تارك الصلاة، وعلماء الشام لا يقولون بتكفير تارك الصلاة، وعلماء الحجاز يقولون بتكفير تارك الصلاة، وهذا الخلاف لا يفسد للود قضية، وهو خلاف معتبر.

    ولما دخل الشافعي على أحمد -إن صحت القصة- فقال له يا أحمد : ماذا تقول في رجل لا يصلي؟ قال: كافر.

    قال كيف يدخل الإسلام، قال: يقول: لا إله إلا الله.

    فقال لــأحمد : أرأيت إن كان يقول لا إله إلا الله! فأخذ أحمد حذاءه وذهب.

    ومعناه أنه قبل كلام الشافعي ، بل لعله خشي أن يصل النقاش إلى الجدال.

    ولم ينكر الشافعي على أحمد ، فـالشافعي هنا يناصح ويناظر الإمام أحمد ، والحق مع واحد من الاثنين, فالخلاف المعتبر فيه المناصحة والمناظرة، وليس فيه الإنكار، وهو لا يفسد للود قضية.

    فإن قيل: أنتم تقولون: إن الحق واحد، وإن الخلاف المعتبر فيه التناصح لا الإنكار، فما دليلكم؟

    فالجواب: قال تعالى: فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ [يونس:32].

    وقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما بعث سرية وقال لأصحابه: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة)، فقال قوم: أمرنا الرسول أن لا نصلي إلا في بني قريظة، وقال قوم: لا والله إنما أمر الرسول أن نحافظ على صلاة العصر فلا يخرج وقتها.

    فصلى أناس في الطريق، وأناس تمسكوا بظاهر أمر النبي وصلوا في بني قريظة، فلما قصوا على النبي صلى الله عليه وسلم القصة أقر الفريقين.

    فهذا دليل على أن الحق متعدد، فهو مع الطائفة التي صلت في بني قريظة، وهو أيضاً مع الطائفة التي صلت قبل أن تصل إلى بني قريظة، ونحن قلنا: إن الحق واحد، فما هو حل الإشكال الظاهر هنا؟

    الجواب على ذلك: أن إقرار النبي هنا لم يكن إقراراً على أن الحق متعدد، بل هو إقرار على أن كل طائفة لها أجر، وهذا هو محل النزاع.

    فإقرار النبي كان على اجتهادهم، فلم ينكر اجتهاد هذه الطائفة ولا تلك الطائفة، وليس فيه إقرار على أن الحق متعدد، بل الحق مع الذين صلوا في بني قريظة؛ لأنهم عملوا بظاهر أمر النبي صلى الله عليه وسلم, وأما الذين اجتهدوا بالاستنباط وقالوا: إن أمر النبي له معنى وحكمة، وهو تعجيل الخروج، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أقرهم على اجتهادهم لا على أن الحق معهم، وكل مجتهد من الطائفتين مصيب للأجر، هذا هو الراجح في الرد على هذا الإيراد.

    إذاً: خلاف تنوع لا يكون فيه الإنكار، بل فيه المناصحة والمناظرة، وهو لا يفسد للود قضية.

    1.   

    خلاف التضاد

    القسم الثاني: خلاف التضاد:

    وهذا لا بد أن يكون فيه الإنكار، وهو الذي لا ينجم عن أدلة، بل يكون مضاداً لقول معه دليل من الكتاب أو من السنة، لكن صاحبه قال به إما تعصباً للمذهب أو تعصباً لشيخ أو تعصباً لإمام.

    والفاصل في ذلك هو ما عبر عنه بعض العلماء بقولهم:

    العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه

    ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وقول كل سفيه

    ومثال هذا الخلاف: الخلاف في مسألة الرمي قبل الزوال:

    والرمي قبل الزوال ليس عليه دليل من كتاب ولا من سنة وانفرد بالقول به عطاء ، أما الأدلة بأسرها فهي تثبت أن السنة هي الرمي بعد الزوال، ولا أدري عن الذين أفتوا بهذه الفتوى من أين أتوا بالأدلة التي تعضد قولهم في ذلك.

    وإن كانوا قد قالوا: إن مقاصد الشريعة توجب القول به؛ حتى لا يموت الناس، قلنا: والله لو أفتيتم بأنه يجوز امتداد وقت الرمي إلى الفجر أو إلى غروب الشمس لقلنا بأنه يمكن أن يكون القول به أوفر حظاً وأقرب إلى الأدلة والآثار من هذه الفتوى التي لا دليل عليها, فإن ابن عمر قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحين الزوال حتى يرمي الجمرة)، ورسول الله كان كما وصفت عائشة : (ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً).

    بعد هذا هل يكون الأيسر على الناس أن يمشوا بعد الفجر فيرمون ويعجلون دون أن يجلسوا في منى ويحدث الرخام الشديد، أو أن ينتظر الناس بعد زوال الشمس فيرمون؟

    الجواب: أن الأيسر في نظرنا أن يكون بعد الفجر قبل الزوال، وسبق أن الرسول يختار الأيسر مراعاة لروح الشريعة ومقاصدها، فما جعل الله حرجاً في الدين، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يسروا ولا تعسروا) وهو قد اختار الأيسر لنا، فهو أرحم الأمة بالأمة، لكن نقول: إنه وإن كان التيسير عندنا الرمي قبل الزوال، لكن الرسول يعلم أن الناس سيأتسون بفعله، فهو الذي يقول: (خذوا عني مناسككم)، فلما ترك النبي صلى الله عليه وسلم الرمي قبل الزوال وفعله بعد الزوال أدركنا أن ذلك هو الأيسر.

    والمراد من هذا أن خلاف التضاد لا يمكن القبول بالقول الثاني الذي لا دليل عليه، ولا بد من رده وإنكاره؛ لأنه مصادم لصريح قول النبي صلى الله عليه وسلم وصريح فعله، أما قوله فإنه قال: (خذوا عني مناسككم)، والأمر يدل على الوجوب، وأما فعله: فإن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بعد الزوال، فخلاف هذا القول هو خلاف تضاد، لا بد فيه من الإنكار.

    وبهذا التقسيم حصرنا قاعدة (الخروج من الخلاف مستحب) وأن ذلك يكون في خلاف التنوع لا في خلاف التضاد.

    1.   

    تطبيقات على مسألة الخروج من الخلاف

    إن أمثلة هذه القاعدة كثيرة جداً نذكر بعضها.

    التسمية قبل الوضوء

    يستحب للمرء أن يسمي الله قبل أن يتوضأ؛ لأنه قد نجم الخلاف بين العلماء ولكل دليله:

    فالحنابلة يقولون بوجوب التسمية عند الوضوء؛ عملاً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه).

    وأما الجماهير فيرون أن التسمية ليست واجبة بل مستحبة.

    فخروجاً من الخلاف نقول: سم الله؛ لأنك ستوافق وترضي الطرفين، فإن سميت قال الإمام أحمد : قد أجرت، وقال الأئمة الثلاثة: قد أجرت, فهما قد اتفقا على الأجر، وافترقا والمعنى.

    فيقول الفقيه: اخرج من الخلاف، وسم الله عند الوضوء؛ لأن الخروج من الخلاف مستحب، فالأجر عند الحنابلة والجمهور حاصل، ولكن الأجر الذي يقصده الحنابلة أعظم من الأجر الذي يقصده الجمهور؛ لأن الأجر الذي يقصده الحنابلة هو الأجر على الواجب، وأما الأجر الذي يقصده الجمهور فهو على مستحب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بأحب إليَّ مما افترضته عليه) فالفرض أحب إلى الله وأعظم أجراً من النفل.

    المضمضة والاستنشاق عند الغسل

    المضمضة والاستنشاق عند الغسل حصل الخلاف فيهما بين العلماء:

    فالأحناف يرون وجوب المضمضة والاستنشاق عند الاغتسال، والجماهير لا يرون ذلك على خلاف بينهم مع الحنابلة.

    فينبغي أن يقال: إذا اغتسلت فمضمض واستنشق لتخرج من الخلاف، فإنك إن لم تفعل ذلك فأنت عند الأحناف لم تغتسل غسلاً يجزئ، وإن كنت عند الجمهور قد اغتسلت غسلاً يجزئ، فالأفضل أن تخرج من الخلاف، فالخروج من الخلاف مستحب، وحينها ستكون باتفاق المختلفين قد اغتسلت غسلاً تؤجر عليه ويجزئ في أداء العبادة.

    مسألة الاستصناع هي: أن تعطي رجلاً مالاً مقابل بناء البيت لك، فهو لا زال يبني الأساس وأنت تعطيه قيمة البناء الذي لم يتم بعد.

    وقد علمنا أن السلم له شروط: منها أن يكون لأجل معلوم، يعني: أن يتفق المتعاقداه على أن تُستَلم الشقة مثلاً بعد سنة، أو بعد سنتين، بوصف معلوم وكيل معلوم، أو وزن معلوم، وأيضاً السلم أن يدفع كل المال مقدماً، فمن اشترى هذه الشقة التي لم تقم بعد وقع في هذا الخلاف.

    أما الأحناف فيرون أن الاستصناع يكون في الشيء الغائب الذي يستصنعه الإنسان، فيرون أنه عقد مستقل ويصح فيه أن تعطي القيمة مقدماً أو أن تؤخر.

    وأما عند الجمهور فلا يصح ذلك إلا بشروط السلم؛ لأنه سلم ناقص الشروط، فبيع الغائب والمعدوم لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تبع ما ليس عندك).

    ولكن وردت الرخصة في السلم؛ السلم، قالوا: فإذا أجزنا الاستصناع فلا بد أن نعامله معاملة السلم بشروطه، فيدفع المال كله مقدماً.

    فيقال للحائر في هذا الخلاف: أرح نفسك من الخلاف، وإذا أرت هذه الشقة فادفع المال كله مقدماً وخذ الضمانات الكفيلة التي تستطيع أن تأخذها عليه، وتكون بذلك قد خرجت من الخلاف؛ لأن الخروج من الخلاف مستحب، فإن فعلت ذلك لا يلومك الأحناف ولا الجمهور، لكنك لو أخذت بقول الأحناف قال الجمهور: العقد باطل.

    الخلاف في طهارة المني

    اتفق الفقهاء جميعاً على أن من غسل منيه من ثوبه فإنه قد فعل حسناً، فليس أحد يقول: لا تغسله، وإنما وقع النزاع في طهارة المني من عدمها، فالأحناف على نجاسة المني, والجماهير على طهارة المني.

    وأنت إذا غسلت الثوب منه تكون قد وافقت الجماهير؛ لأنهم لن يلوموك على الغسل بل يقولون: قد فعلت الأفضل، ولن يلوموك على ذلك والأحناف كذلك، بل سيقولون: قد أتيت بالواجب عليك، فتكون قد خرجت من الخلاف, والخروج من الخلاف مستحب.

    تغطيه وجه المرأة

    اختلف العلماء هل يجب على المرأة تغطيه وجهها أم لا؟

    فالمعاصرون مثلاً من أهل الشام قالوا: ليس بواجب ذلك، ولنعم أهل الشام كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم) فأهل الشام لهم شأن وعلو، وعندما قالوا بذلك أيضاً قالوا: لكن الأفضل أن تغطيه.

    والمعاصرون من أهل الحجاز قالوا: لا يجوز بحال من الأحوال كشف الوجه؛ لأنه عورة، فهذا الخلاف خلاف تنوع.

    وعند هذا تحار السائلة ماذا تفعل، وإخراجها من هذه الحيرة أن يقال لها: الخروج من هذا الخلاف مستحب.

    فإن قالت: كيف أخرج من الخلاف؟

    فيقال لها: الخروج من الخلاف أن تغطي وجهك؛ لأنك لو غطيت وجهك تكونين قد عملت بقول أهل الشام وقول أهل الحجاز؛ لأن أهل الشام يرون أن الحجاب أو النقاب سنة، ومنهم الألباني رحمة الله عليه، فإنه كان يتبنى القول بعدم الوجوب، ولكن بناته كن منتقبات وهو يعلم ذلك ولا يمنع، وعلى قول أهل الحجاز تكونين قد عملت الواجب عليك.

    القصر في السفر

    إذا سافر المرء فعليه أن يقصر الصلاة خروجاً من الخلاف، فإن الأحناف يقولون بالوجوب، والجماهير يرون الاستحباب.

    فالرجل إذا سافر ورأى من يوجبون القصر ومن يستحبونه، ينبغي له أن يقصر؛ لأنه لا يكون قد أخطأ عند الفريقين.

    فهو على قول الأحناف عمل الواجب، وعلى قول الجمهور عملاً مستحباً، فيكون قد خرج من الخلاف، والخروج من الخلاف مستحب.

    حكم الولي في النكاح

    بعض العلماء يرى أن الخلاف في مسألة تزويج المرأة البكر نفسها بولي خلاف تضاد، ونحن لا نداهن بل نكون منصفين، فالحق أن هذا الخلاف خلاف معتبر، وهذا هو الذي قرره ابن رشد في بداية المجتهد، وبين أن من قال بأن المرأة تزوج نفسها له حظ من النظر قوي جداً.

    لكن الأثر يقدم على النظر، فلا بد للمرأة أن تتزوج بولي، لكنا لا نزال نقول فيه: إنه خلاف معتبر.

    ويستحب أن يخرج من هذا الخلاف فلا تزوج المرأة نفسها إلا بوجود الولي؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل).

    1.   

    شروط استحباب الخروج من الخلاف

    هذه الشروط هي ثلاثة شروط:

    الشرط الأول

    الشرط الأول: أن لا نسقط بهذا الخروج سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم.

    ومثال ذلك: رفع اليدين في الصلاة في عدة مواضع: عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع، والرفع منه، وزاد الشافعية موضعاً آخر وهو عند الرفع من التشهد الأول، وهناك قول بالرفع في كل خفض ورفع حتى في السجود، وهذا الذي يتبناه الشيخ الألباني.

    والأحناف يرون أنه لا رفع إلا في تكبيرة الإحرام.

    فلو أخذنا بقاعدة الخروج من الخلاف وفعلنا ما قاله الأحناف فقط سنكون قد أسقطنا سنة الرفع عند كل خفض ورفع على رأي الألباني، فلا يصح أن نقول: إن كل خروج من الخلاف مستحب.

    ومنها لو أن رجلاً سخياً كريماً لا يترك أحداً له حاجة إلا وسد حاجته بالقرض، فلو قلت: لا بد أن أكافئه فأعطيه أكثر من القرض الذي أقرضنيه فهل لك ذلك أم لا؟

    حصل الخلاف بين العلماء في ذلك: فالجماهير يرون جواز ذلك.

    وأما المالكية فيرون جواز أن تعطيه زيادة على قرضه وصفاً لا كماً يعني: لو أعطاك لبناً فشربته، وأردت أن تزيده أكثر، فعند المالكية تعطيه الأكثر وصفاً لا كماً، وذلك بأن تعطيه لبناً ألذ من لبنه.

    أما الجماهير فقالوا بجواز الزيادة في الوصف أو الكم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اقترض بعيراً ورد بعيراً أفضل منه.

    وقال بعض العلماء: لا يجوز أن تعطيه زيادة؛ لأن هذه ذريعة للربا.

    فلو قلنا هنا: الخروج من الخلاف مستحب فإننا سنسقط سنة النبي صلى الله عليه وسلم في أنه كان كريماً جواداً، لكن السنة بشرط وهو أن لا يكون باتفاق مسبق؛ حتى لا يكون قرضاً جر نفعاً فيكون ربا، فلا نقول بعدم جواز الزيادة في رد القرض دون شرط مسبق بحجة أن هناك من يعتبره ربا، وأن الخروج من الخلاف مستحب، بل هنا تنطبق هذه السنة، ولا نطبق القاعدة لأنها ستسقط سنه.

    الشرط الثاني

    الشرط الثاني: عدم مخالفة الإجماع:

    فلا يكون الخروج من الخلاف بأن تأتي بصورة تخرق الإجماع مركباً فيها أقوال المختلفين بحجة مراعاة الخلاف، وقد نقلوا عن ابن سريج أنه أخذ بالأقوال الثلاثة في مسألة مسح الأذن مع الوجه على قول، وعلى القول الآخر أن الأذنان من الرأس؛ للحديث (الأذن من الرأس) على الخلاف في صحته، وعلى قول ثالث أن الأذن عضو مستقل، فأخذ مراعياً هذا القول، وبعد أن انتهى من وضوئه غسل أذنيه غسلاً مستقلاً، فيكون قد غسل الأذن ثلاث مرات، وهذا خلاف الإجماع.

    فالخروج من الخلاف ليس مستحباً هنا لأنه يخرق الإجماع.

    كذلك في مسألة الذهب المحلق إذا قلنا بقول بعض المشايخ الفضلاء بتحريمه، فستخرق اتفاق علماء الأمة على إباحته، فلا يراعي خلاف من قاله، فنحرمه على المرأة.

    وأما مسألة قراءة الفاتحة خلف الإمام فالشافعية والحنابلة يقولون بقراءة الفاتحة خلف الإمام في الجهرية وفي السرية, والأحناف قالوا: لو لم يقرأ في السرية والجهرية فصلاته صحيحة، وأما المالكية ففرقوا بين الجهرية وبين السرية.

    فالخروج من الخلاف في هذه المسألة مستحب؛ وذلك بأن تقرأ الفاتحة في السرية وفي الجهرية؛ لأنك لو فعلت ذلك ما لامك الأحناف في السرية، ولو قرأت في الجهرية لامك المالكية، فحتى لا يلومونك فتقرأها في سكتات الإمام، وتكون بهذا قد خرجت من الخلاف, فهذا الخلاف خلاف معتبر، وهو خلاف تنوع, وفيه تكون المناظرة لوجود راجح فيه ومرجوح.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.