إسلام ويب

خلل في التفكيرللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحدث الشيخ عن مقتل الشيخ جميل الرحمن أمير جماعة الدعوة إلى الكتاب والسنة، وذكر أحوال المجاهدين في أفغانستان، كما أنه يحتوي على ذكر صور من الخلل في التفكير، مع بيان حَلِّها وأسباب علاجها.

    1.   

    أفغانستان تودع الشيخ جميل الرحمن

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وحبيبه وخليله وخيرته من خلقه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعــد:

    أحبتي الكرام: سيكون حديثي إليكم بعنوان: (خللٌ في التفكير).

    ولعل الذي دعاني إلى طرح هذا الموضوع، هو ما سمعته من كثير من الإخوان والشباب وغيرهم، تعليقاً على الأحوال والأوضاع التي استجدت في أرض أفغانستان المسلمة، ولا شك أننا جميعاً سمعنا تلك الأخبار المزعجة، التي يأتي في طليعتها اغتيال الشيخ جميل الرحمن رحمه الله تعالى فقد اعتدت عليه يدٌ آثمة، في يومٍ مبارك من أيام الله تعالى، في يوم الجمعة، بالغدر والخيانة، وسددت إلى رأسه رصاصاتٍ أردته قتيلاً، وكان ذلك على يد أحد الشباب العرب، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    تعريف بالشيخ جميل الرحمن وجماعته

    الشيخ جميل الرحمن رحمه الله هو زعيم جماعة الدعوة إلى الكتاب والسنة في أفغانستان، وهي إحدى الجماعات المجاهدة في تلك البلاد، والتي تلتزم بالمنهج السلفي الأصيل، في الأصول والفروع، ولهذه الجماعة نشاطٌ طيب في مجال الدعوة إلى الله تعالى، وتصحيح مفاهيم الناس، ودعوتهم إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، كما أن لها جهداً طيباً مبروراً إن شاء الله في مجال المشاركة في الجهاد، ومقارعة الظالمين، وكانت ولاية كونر، إحدى الولايات الأفغانية تحت حكم هذه الجماعة، وقد أبلت فيها بلاءً طيباً، في نشر العقيدة الصحيحة، ومقاومة البدعة والخرافة، وإزالة آثار المنكرات من الخمور والمخدرات، وقطع الطرق وغيرها، واستتباب الأمن.

    وإن فقد رجلٍ في منـزلة الشيخ جميل الرحمن، مما يؤسف كل مسلم عرفه وجلس إليه، وعرف قدر الرجل، فنقول تعليقاً على ذلك، بقلوب نرجو الله تعالى أن تكون قلوباً مؤمنةً صابرةً محتسبة، نقول لكل مجروح: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجلٍ مسمى.

    ونقول وفاءً ببعض حق هذا الرجل: اللهم ارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين.

    اللهم افسح له في قبره، ونور له فيه، اللهم اقبله في الشهداء يا حي يا قيوم، اللهم اخلف للمسلمين خيراً منه، اللهم اجعله في جناتٍ ونهر في مقعد صدقٍ عند ملكٍ مقتدر.

    أما ذلك القاتل فإنه باء بشر وخيبة، فإنه بعد أن أجهز على الشيخ هم بالهرب، فحين رأى أنه مأخوذٌُ رجع إلى نفسه فقتلها، نسأل الله حسن الخاتمة، والسلامة والمعافاة من أسباب سخطه وعقابه، وإنه لأمرٌ يؤرق الضمير ويقلق القلب ويحز في النفس، ويثير الأحزان والأشجان والمشاعر، أن يحدث أمرٌ كهذا.

    ولستُ بقاتلٍ رجلاً يُصلي     على سلطان آخر من قريشٍ

    أأقتل مُسلماً في غير جرمٍ     فليس بنافعي ما عشتُ عيشي

    له سلطانه وعليَّ إثمي     معاذ الله من سفهٍ وَطيشِ

    إن هذا الحدث يؤكد أنه يأتي في فترة حرجة من تاريخ الجهاد الأفغاني، خاصةً أنه كان هذا الحدث في فترة كاد أن ينفذ فيها صبر الكثيرين، وهم يتطلعون إلى الأخبار في إسقاط كابول، والمدن الكبرى التي لا زالت تحت هيمنة الكفر الشيوعي في أفغانستان.

    كما أنه يأتي في ظل صراعٍ عسكريٍ دامي حول ولاية كونر، نقلته وكالات الأنباء والصحافة، شرقيها وغربيها، عربيها وأعجميها، وذهب ضحية ذلك الصراع عشرات وربما مئات النفوس، فإنا لله وإنا إليه راجعوان.

    خاتمة حسنة

    إنني إذ أبشر محبي الشيخ رحمه الله بهذه الخاتمة الحسنة، وهي أننا نرجو الله تعالى له أن يكون شهيداً في سبيله، وقد مات في يوم الجمعة، وقد جاءت بعض الآثار في فضل الموت في ليلة الجمعة ويومها، في مقابل النهاية اليائسة لذلك القاتل، وقد جاء في الصحيحين من حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: {كان فيمن كان قبلكم رجلٌ كان به جرحٌ فجزع، فأخذ سكيناً فحز بها يده، فلم يرقأ الدم حتى مات، فقال الله عز وجل: عبدي بادرني بنفسه حرمت عليه الجنة} وأما لسان حاله، وهو يسدد تلك الضربات إلى رأس الشيخ، فهو كذلك الذي قتل رجلاً من خيرة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وهو محمد بن طلحة، الذي كان يسمى بـالسجاد، فلما ذكره بالله عز وجل، سدد إليه السهم وقتله وهو يقول:

    وأشعث قوامٍ بآيات ربه     قليل الأذى فيما يرى الناس مُسلمِ

    شككت إليه بالسهام قميصه     فخر صريعاً لليدين وللفم

    على غير شيءٍ غير أن ليس تابعاً     فلاناً ومن لا يتبع الحق يندمِ

    يذكرني "حم" والرمح شاجرٌ     فهّلا تلا "حم" قبل التقدمِ

    إنني مع ذلك كله -أيها الأحبة- ومع هذه الأخبار المؤلمة التي أرقت قلوب المؤمنين، وجعلتهم لا يهنئون بعيشهم إلا أننا -مع ذلك كله- نبقى متفائلين بحمد الله، واثقين بنصره، مدركين حسن العاقبة للمؤمنين المجاهدين، طال الزمن أم قصر، فإننا على يقينٍ من ربنا عز وجل لا شك عندنا فيه.

    ومما يؤكد هذا التفاؤل أن وفوداً كثيرةً من الإخوان العرب ومن غيرهم، قد سعت للصلح بين الحزب الإسلامي بقيادة حكمتيار، والذي يحاصر كونر ويحتل أكثرها، وبين جماعة الدعوة إلى الكتاب والسنة التي كان يتزعمها الشيخ جميل الرحمن، رحمه الله تعالى.

    وهذه الوفود قبل بها كل الأطراف، وبدأت تمارس مهماتها، وانتهت إلى توقف إطلاق النار نهائياً أو بشكل تقريبي، وكذلك اتفقت على حل المشكلات والقضايا المتنازع عليها، عن طريق الحوار والمفاوضة والمجالس المشتركة، وهذا هو الأصل، فإنني أعتقد أنه ليس من مصلحة المسلمين أن يتعاملوا مع من يخالفهم من خلال السلاح والقوة، وليس من المصلحة -في كل حال وفي هذه الظروف بشكلٍ خاص- أن تعود سهام المسلمين إلى صدورهم، كما أنه ليس من الاحترام أن تتعامل مع من تخالفه بالتهم التي تلصقها به، كما نجد الكثيرين ممن يقولون: هؤلاء عملاء لهذه الجهة أو لتلك الجهة، أو أنه بثهم الاستعمار أو بثهم الشرق أو الغرب.

    فليس من المصلحة أن نتعامل بأساليب الاتهامات المتبادلة، ولا أن يتم التعامل عن طريق استخدام القوة في حل المشكلات، فأمام المسلمين آفاق واسعة للحوار والأخذ والعطاء، والاتفاق على القضايا المختلف فيها، كما أن أمام المسلمين ميادين واسعة لقتال عدوهم، ويكفي أن المسلمين محاصرون في كل بلادٍ يرفعون فيها راية القتال والجهاد، وأن عدوهم أقوى منهم وأكثر عدداً وعدة، وأنه مدعومٌ من قوى شرقية وغربية، فجديرٌ بالمسلمين أن يتناسوا كل ما يمكن تناسيه من الخلافات، أو يؤجلوا ما يمكن تأجيله، وعلى أقل تقدير -إن لم يكن بينهم تناصرٌ وتعاملٌ- فلا أقل من أن يكون بينهم تنسيقٌ يحقن الدماء، ويوجه أفواه البندقيات والمدافع إلى صدور الأعداء.

    الترهيب من قتل المؤمن

    إنها مأساة، نسأل الله تعالى أن يكفي المسلم شرها ويطفئها، وإن العدو ليفرح بمثل هذه الأخبار التي ينـزعج لها كل مسلم ومسلمة، وإنني أُحَذِّر نفسي وإخواني في كل مكان، من التهاون بالدماء -دماء المسلمين- فإن الله عز وجل يقول في محكم تنـزيله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً [النساء:93] وهذا وعيدٌ شديد، فجزاؤه جهنم خالداً فيها، وفي الحديث المتفق عليه عن ابن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء}.

    وفي حديث أبي بكرة المتفق عليه -أيضاً- يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: {أيها الناس! أي شهرٍ هذا؟

    أي يومٍ هذا؟

    أي بلدٍ هذا؟

    ثم قال عليه الصلاة والسلام: إن دماءكم، وأعراضكم وأموالكم، عليكم حرامٌ كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟

    فلا ترجعوا بعدي ضلالاً -وفي رواية: كفاراً- يضرب بعضكم رقاب بعض}.

    وفي الصحيح -أيضاً- من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه في سرية إلى الحرقات من جهينة، فكان رجلٌ يقتل في المسلمين ويضرب، ولا يدع شاذه ولا فاذة إلا عرض لها، فلما رفع عليه أحد المسلمين السيف لاذ بشجرة وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فرفع عليه أسامة السيف فقتله، فلما جاءوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أخبروه، فدعاه وقال له: {يا أسامة أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟!

    قال: يا رسول الله! إنما قالها تعوذاً. خوفاً من السيف، قال: فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟!

    قال: استغفر لي يا رسول الله، قال: كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟!

    فما زال يكررها، يقول أسامة: حتى تمنيتُ أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ}.

    دم المسلم غالي عند الله عز وجل، وإنها لكارثة كبرى أن يتهاون الناس في دماء المسلمين، على سبيل التأويل، وعلى سبيل التمحل، وعلى سبيل الإغراق في بعض الأفكار وبعض التصورات، ونحن نعلم أن دماء المسلمين استحلت في أماكن كثيرة، وفي بلادٍ كثيرة، وعبر قرون من التاريخ.

    استحلت عن طريق التأويل، أي أن يقتله وهو يعتقد أنه بذلك يخدم الإسلام، وأنه يزيل عقبة من طريق الدعوة إلى الله، ومن طريق انتصار المسلمين وتغلبهم على عدوهم، لكن ينبغي للإنسان أن يضبط نفسه برادع الخوف والوجل من الله عز وجل، أن يوقف بين يدي الله تعالى موقفاً صعباً، فيسأل فيه عن محجمة دم أراقها بغير حق، فلا يكون عنده جوابٌ حينئذٍ.

    واجبنا نحو أفغانستان

    أحبتي الكرام: أسئلة كثيرة وكثيرة تدور حول قضية أفغانستان، وما موقفنا؟

    وماذا نصنع؟

    وما الذي جرى؟

    وما الذي حدث؟

    تساؤلات لا يأتي عليها الحصر، وأصدقكم القول منذ البداية أنه لن يكون موضوع حديثي هو الكلام عن قضية أفغانستان، وإن كانت هذه القضية تحتاج ليس إلى درس أو محاضرة أو جلسة فقط وقد سبق أن أشرت في أكثر من مناسبة، إلى أن قضية أفغانستان قضية كبرى في واقع المسلمين، وإذا عددت القضايا الكبرى التي شغلت المسلمين عبر سنين طويلة، فإن قضية أفغانستان تأتي في مقدمتها، مع مجموعة من القضايا الأخرى، كقضية فلسطين أو غيرها من القضايا المهمة.

    ومن حق هذه القضية الكبيرة علينا؛ أن نعطيها بعض وقتنا وبعض جهدنا، وتفكيرنا، وأن تنعقد المؤتمرات والجلسات والندوات لمعالجة هذه القضية، والبحث في كل ما يتعلق بها من قريبٍ أو بعيد، ألا تعتقدون -أيها الأحبة- أن قضية بُذِلَ في سبيلها ما يزيد على مليون وخمسمائة ألف ممن نرجو الله تعالى أن يكونوا شهداء في سبيله، ألا تستحق منا أن ندرسها؟!

    قضية بذل في سبيلها مليارات الأموال، التي تعادل ميزانيات دول بأكملها! ألا تستحق أن ندرسها، ونستفيد منها العبر والدروس، ونعتبرها معلماً في تاريخ الدعوة وفي تاريخ الجهاد؟

    أقل حق لهؤلاء القتلى الذين نرجو الله تعالى أن يكونوا شهداء، ولهذه الأموال الهائلة، الطائلة، ولهذه الجهود والدموع والدماء والعرق والسهر، والزمن الطويل الذي بذلناه، والتشريد والتطريد والهجرة، أقل حق لهذه التضحيات الجسيمة التي بذلناه نحن المسلمين؛ هو أن نعقد جلسات ودروس ومحاضرات، بل ومؤتمرات وحلقات للنقاش؛ لنأخذ الدروس والعبر، ونستفيد ونستلهم من هذه المواقف الكبيرة لحاضرنا ومستقبلنا هذا أقل حقٍ لهذه الجهود الكبيرة علينا، أما إذا تجاهلنا ذلك وتعامينا عنه، فمعناه أننا لم نقدر هذه القضية حق قدرها.

    كيفية التعامل مع القضايا الإسلامية

    إنني لن أعالج هذا الموضوع في هذه الجلسة أبداً، ولكن الشيء الذي سأعالجه هو: طريقة تعاملنا نحن المسلمين، الذين نعتبر متعاطفين مع القضايا الإسلامية، نعتبر متعاطفين مع قضية أفغانستان، ومع قضية فلسطين، ومع قضية المسلمين في الفلبين، أو قضية المسلمين في أي بلدٍ إسلامي ترفع للإسلام فيه راية، ويقام للإسلام فيه دعوة، ويواجه المسلمون فيه عدواً، سواء كان يهودياً أو نصرانياً، أو شيوعياً، أو علمانياً، أو أي لونٍ كان.

    طريقة معالجتنا نحن المتعاطفين مع قضايا المسلمين، تحتاج إلى معالجة إلى مراجعة، لدينا في الواقع خلل كبير، يتطلب النظر والمراجعة، كيف نستطيع خدمة قضايانا الإسلامية؟

    أفغانستان وغير أفغانستان، كيف نستطيع أن نخدمها بالطريقة الصحيحة التي تجعلنا نكسب ثقة الناس الذين نتحدث معهم ونخاطبهم، وتجعلنا نستطيع أن نربط الناس بهذه القضايا الإسلامية ربطاً صحيحاً؟

    ليس ربطاً مؤقتاً أو عارضاً أو عاطفياً سرعان ما ينفك وينتهي، من أدنى خبر يمكن أن ينتشر أو ينتقل أو يشاع، وإنما هو ربطٌ صحيح دقيق معتدل منصف، لا تؤثر فيه العوادي والمؤثرات القريبة والبعيدة، ولا يستطيع أحد أن يقسم عرى هذا الترابط.

    ولا شك -أيها الأحبة- أنه من السهل على أي إنسان أن يتكلم عن قضية أفغانستان أو عن غير قضية أفغانستان، يتكلم -كما يقال- كثيرٌ من الناس عن قضية أفغانستان من خلال بروج عاجية، ومن وراء مكاتب فخمة -هكذا يحدث- يتكلمون تحت المكيفات، وفي الأجواء الآمنة، والأمر كما كان يقول المتنبي:

    وسير الروم خلف ظهرك رومٌ     فانظر على أي جانبيك تميلُ

    ما الذي حوله تدار المنايا     فالذي حوله تدار الشمولُ

    أمامك عدو وخلفك عدو، وعن يمينك عدو، وعن يسارك عدو، هذا وضع إخواننا المجاهدين، لا أقول في أفغانستان، بل في كل مكان، وسواء كان جهادهم بالسيف والسنان، أو كان جهادهم بالقلم والبيان، أو كان جهادهم بأي وسيلة من وسائل الجهاد، وليس الذي يواجه العدو ويكون في نحره وفي مواجهته في الميدان، كالذي ينام ملء جفنيه، ويكبر الوسادة، ويبدأ ينتقد ويقول: وهذا صواب وهذا خطأ.

    وإنني لأعلم ناساً من الناس، وأرجو الله تعالى أن لا نكون منهم، هم على الآرائك متكئون، وللشاي والقهوة يشربون، ولأخطاء إخوانهم المسلمين يتسقطون، وعن زلاتهم يبحثون، ولعيوبهم يتصيدون، فإذا وقعوا عليها فإنهم يسرون بها ويفرحون، ويغدون بها ويروحون، ويشيرون بها ويلوحون، وكأنما عثروا على كنـزٍ ثمين، أو على نصرٍ مبين!!

    فهذه مصيبة كبرى، أن ينفصل المسلم القاعد عن المسلم المجاهد، ولكن هذا لا يمنعني أبداً -أيها الإخوة- أن أؤكد على قضية مقابل هذا، وهي أن الإنسان البعيد، متى ما كان معك بعواطفه وقبله وعقله وإخلاصه وصدقه، فهو -في كثير من الأحيان- قد يكون أقدر ممن يواجه المشكلة على النظر الصحيح، والتفكير المعتدل المتزن البعيد عن العواطف، فإن زمام العواطف إذا انفلت -أحياناً- عطل العقل وأبطل مفعوله، فأصبح الإنسان يتحرك بعاطفة وانفعال وجو مشحون متوتر لا يمكنه من التفكير الهادئ، لأنه يخضع لردود فعل وأوضاع وأحوال ومشكلات، ومصائب يواجهها أولاً بأول، لكن الإنسان البعيد الذي لا يوجد هذا التأثر في نفسه، يستطيع أن يستخدم عقله -في كثير من الأحيان- بصورة أصح وأجدر وأجدى.

    ولذلك أقول: لا مانع أبداً أن يكون من المسلمين من يقاتل، ومنهم من يفكر لهؤلاء المقاتلين، ولا أقول: يفكر بالنيابة عنهم! لا، ولكنهم يفكرون معاً، بمعنى: أنه إذا لم تستطع أن تكون مقاتلاً بسيفك، أو بقلمك، أو بلسانك، أو بمالك، فلا أقل من أن تكون مقاتلاً بعقلك وفكرك، فترسم الطريق للناس، وتبين الوجهة السليمة، وتبين الصواب، وتحاول أن تصحح، تحاول أن توجه، تبذل ما تستطيع ولو بمشاركتك الذهنية والفكرية، وهذه القضية ليست سهلة، فأعتقد أن الذي يستطيع أن يخطط للمسلمين، لا يقل أهمية عمن يستطيع أن ينفذ، بل إن الذين يستطيعون أن ينفذوا كثيرون جداً، ولكن الذين يستطيعون أن يرسموا الطريق ويرسموا الخطة، هم أقل من القليل.

    1.   

    قضية غياب العقلية الموضوعية التحليلية المعتدلة

    من أهم مشكلاتنا -أيها الأحبة- أستطيع أن أضعها تحت عنوانٍ كبير:

    إن أهم مشكلة أستطيع أن أقول: إن معظم الكلام الذي سيدور حولها الآن -على الأقل في هذا الدرس- من أهم المشكلات عند المسلمين: غياب العقلية الموضوعية التحليلية المعتدلة.

    وأضرب لك نماذج مبسطة تدل على ما أقصده بالضبط. في موضوع غياب العقلية الموضوعية.

    فقدان التوسط والاعتدال

    إن كثيراً من المسلمين لا يعرفون التوسط والقسط في الأمور، ليس عندهم أنصاف الحلول -كما يقال- عندهم إما أبيض وإما أسود، إما صح وإما خطأ، فإذا أعجبوا بشيء أعطوه (100%)، وإذا عزفوا عنه أعطوه صفراً.

    لو فرضنا -مثلاً- أن واحداً قرأ كتاباً فأعجبه هذا الكتاب، وصار يتكلم عنه في كل مجال وفي كل ميدان، ويقول: هذا الكتاب الذي ما أُلّف قبله ولا بعده مثله، هذا الكتاب فيه وفيه، هذا الكتاب الفتح المبين، هذا الذي يجب أن لا يخلو منه بيت.

    ثم أصبح يضفي على هذا الكتاب من الألقاب والأوصاف والمدائح مالا يجدر بكتابٍ من وضع البشر مهما كان، وحين يقرؤه غيره قد يجد في الكتاب نواحي إيجابية، ولكن يجد فيه نواحي سلبية، أو -على أقل تقدير- قد يخرج بانطباع أن ذلك بالغ في الثناء على هذا الكتاب، وأعطاه أكبر مما يستحق.

    ثم تأتي لآخر ربما في نفس الكتاب أو في غيره، يقرأ الكتاب فيأتي ويقول: هذا الكتاب لا يساوي شروة نقير، ولا يستحق أن يُشترى ولو بفلسٍ واحد، هذا الكتاب لا يساوي ثمن الحبر الذي كتب فيه، ولا قيمة الطباعة، ولا قيمة الورق. ثم يهون من شأن هذا الكتاب، حتى يُنفِّر الناس عنه!

    فليس عندنا وسط، لأن نقول: هذا الكتاب جيد ومفيد، وفيه جوانب طيبة، وهي كذا وكذا وبالمقابل فيه جوانب سلبية وهي كذا وكذا ويمكن للمسلم أن يقرأ الكتاب، فيستفيد من الجوانب الإيجابية ويحذر الجوانب السلبية. هذا الأمر قليل عند المسلمين، بل الكثير إما أن يثني فيبالغ، أو أن يحطم هذا الجهد فيبالغ.

    وهذا الكلام الذي أقوله في كتاب يمكن أن تقوله في شخص، فمن الناس من يُعِّظم شخصاً حتى يعتبره مجدد القرن، وحجة الزمان، وفريد العصر، ووحيد الدهر، وحجة الله على عباده، وأنه الذي لا يأتي الزمان بمثله أبداً، ويبدأ يضفي على هذا ما لا يحق له أن يقوله فيه. وقد يأتي إنسان آخر لنفس الشخص، فيضع من قدره، حتى تشك هل بقي أصل التوحيد عند هذا الإنسان؟

    هل هو من أهل القبلة والملة؟!

    لأنه أفرط في ذمه والقدح فيه وتقبيحه والوقيعة فيه.

    فليس عندنا إنصاف حلول، ولا يمكن أن نقول: فلان رجل فاضل، وفيه خير وصلاح، واستقامة، وهو مجتهد، ولكن أخطأ في مسائل اجتهد فيها وما حالفه الصواب، أو أنه عليه نقائص وهي كذا وكذا. ما أقل ما نعرف هذا! تجد أننا إما أن نرفع الشخص فوق قدره، أو أن ننـزله دون قدره ومنـزلته. وما يقال في كتابٍ معين أو في شخصٍ معين؛ يمكن أن يقال في أي شيءٍ آخر، في شريط مثلاً، أو في نشاط إسلامي معين، أياً كان هذا النشاط، سواء كان دعوياً أو علمياً، أو جهادياً، أو في أي منهج من مناهج الدعوة، وفي جماعة من الجماعات، فتجد أن كثيراً من الناس إما أن يغلو أو يُفرط، ويضع من صفات المدح ما لا يليق، أو يُفرط ويسرف، فيضع من النقائص والعيوب ما لا يليق أيضاً.

    وما أحوج المسلمين إلى النظرة المعتدلة، التي يأمر الله تعالى بها! فالله عز وجل يأمر بالعدل والإحسان، قال الله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا [المائدة:8] والله عز وجل لما ذكر الخمر قال: يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا [البقرة:219] والأمر هذا واضح، حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما ذكر ملك الحبشة لأصحابه، وهو ملك كافر آنذاك، قال:: {اذهبوا إلى الحبشة فإن فيها ملكاً لا يظلم عنده أحد} لم يمنعه كون هذا الملك ملك الحبشة كافراً آنذاك، وأسلم بعد، أن يذكر أن هذا الرجل عنده عدل وإنصاف، ويحمي المظلومين، ولا يسمح بإيصال الظلم إليهم.

    فهذه هي السنة الشرعية الواجبة، أن تعدل في حق الشخص، والجماعة، والكتاب، والشريط، والنشاط الدعوي، والقريب والبعيد، وتحرص قدر المستطاع، ألا تأخذك العزة بالإثم، وألا تحب فتسرف في المدح، أو تبغض فتسرف في القبح والذم، بل أن تكون وسطاً معتدلاً، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ [النساء:135]

    اجعل قلبك يا حبيبي متألهاً للحق، تعشق الحق حيثما كان، ولا تتعصب لغيره، وتقبل على كل شيء شاهداً من كتاب الله تعالى أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحب الناس إليك لا مانع أن تقول: فيه عيب وهو كذلك، وأبغض الناس إليك لا مانع أن تقول: عنده حسنة وهو كذلك.

    إذاً: المسلمون -في كثير من الأحيان- ما عندهم توسط أو تفصيل، ما عندهم إلا أبيض أو أسود صح أو خطأ، ليل أو نهار، (100%) أو صفر، أما التوسط فهو قليل، فإذا أقبلوا على شيء أقبلوا عليه بكليتهم، وإذا أعرضوا عنه أعرضوا عنه بكليتهم، فتعاملهم مع الأشياء نستطيع أن نصفه -في بعض الأحيان- بأنه تعامل عاطفي، ليس تعاملاً بالشرع وبالعقل، وبالحكمة، بل هو تعامل بالعاطفة، وحتى من الناحية العاطفية هو تعامل غير سليم، فأنت تجد -مثلاً- الإنسان الذي يبالغ في الحب، غالباً ما ينتقض الأمر إلى أن يبالغ في البغض، وفي حديث علي رضي الله عنه، الذي جاء مرفوعاً وموقوفاً، عند الترمذي، أنه رضي الله عنه كان يقول: [[أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما، عسى أن يكون حبيبك يوماً ما]] وهذه حكمة أمسك عليها، الحكم إذا كان معتدلاً -موجود ولكنه باعتدال، وبدون إسراف- فإنه يستمر ويدوم ويثمر، لكن إذا كان حباً جارفاً مسرفاً فإنه يتحول إلى بغضاء، وهذا معروف فإنك تجد العاطفة -كما يقال- متقلبة، فإذا كان الإنسان ممن إذا أحب أسرف، تجد أنه ممن إذا أبغض أسرف، وتجد أن هذا الحب قد يتحول في كثير من الأحيان إلى بغضاء.

    قضية أفغانستان بين الغلو والتفريط

    على سبيل المثال: القضية التي نعالجها نحن قضية أفغانستان.

    جاء يوم من الأيام بعض الإخوة المتحمسين والغيورين، الذين بذلوا وضحوا وجاهدوا، وكانوا يتكلمون على قضية أفغانستان، وقالوا: هي فرض عينٍ على كسل مسلم أن يذهب إلى أفغانستان، ليقاتل هناك، فرض عين، صراحةً هناك صعوبة، أن أقول: إن الجهاد فرض عين، وحتى إن هؤلاء الإخوة كانوا يقولون: سئلتُ في عدد من المحاضرات وكنت أقول: إن هذا الأمر أعتبره أن فيه شيئاً من التسرع، وعدم الدقة في الحكم.

    كيف يكون فرض عين على كل إنسان أن يخرج إلى أفغانستان؟!

    هذا غير صحيح، هناك فرق بين أن تحرض للذهاب إلى الجهاد، وتُحرض الناس على ذلك، وتدعوهم لأن يذهبوا ولو لبعض الوقت، وأن يحيوا في نفوسهم القوة والشجاعة والحماس، وأن يتخلصوا من حب الدنيا، ومن أسر الهوى، ومن الخوف، ومن معاني الذل. وبين أن تصدر حكماً شرعياً أن كل مسلم لم يذهب إلى أفغانستان فهو آمن.

    هذا صعب جداً؛ أن تلزم الناس شرعاً بأن يهاجروا إلى أفغانستان، ما معنى ذلك؟

    دعك من الحكم الشرعي، وقضية فرض عين، معناه: أننا اختزلنا كل قضايا الأمة، ومشاكلها ومصائبها، والصعوبات التي تواجهها، فاختزلناها في قضية واحدة هي قضية أفغانستان، وفي مشكلة واحدة هي مشكلة أفغانستان.

    مع أن الواقع يشهد بأن الأمة تعيش من الهموم والمشاكل والصعوبات وأنواع التخلف العلمي والاقتصادي والتقني، بل وقبل ذلك كله، التخلف العقدي والشرعي والسلوكي والأخلاقي، فهي تعاني من ألوان التخلف، شيئاً كثيراً جداً، يتطلب جهوداً جبارة لنقل الأمة عنه وإخراجها منه، فليس صحيحاً أنك تختصر قضايا الأمة كلها في قضية واحدة. هذه القضية يجب أن تعطيها حقها، وهي -كما قلت في البداية- من أبرز القضايا، ومن يؤرخ لتاريخ المسلمين المعاصر، لو تجاهل قضية أفغانستان يعتبر خاطئاً، لكن هناك فرق بين كونها قضية كبرى وبين كونها هي القضية الوحيدة، هي قضية كبرى ولكنها ليست هي القضية الوحيدة، بل ثم عشرات القضايا يجب أن تكون في أذهاننا ونحن نتعامل مع قضية أفغانستان، أو قضية فلسطين، أو قضية أرتيريا، أو قضية الفلبين أو غيرها.

    إذاً: ليس صحيحاً أن نصادر كل القضايا، ونقول: بقي شيء واحد هو أفغانستان، نبدأ منها، وننتهي عندها، لا، لأنه ليس صحيحاً أن نجعل كل مكاسبنا في أفغانستان، كما يقال في المثل: "أن تجعل البيض كله في سلة واحدة"، هب أن العدو -وهو عدو كاسر شرس متآمر، يملك من القوة ما يملك- هب أن العدو أدرك أن قضية أفغانستان قضية حساسة، وأن المسلمين مستميتون في الانتصار لها، فحشد قواه الشرقية والغربية، وأجلب بخيله ورجله، وقاوم المسلمين، وأبطأ النصر عليهم في بلدٍ معين كـأفغانستان.

    هل صحيح أن نجعل الأمور كلها مربوطة بهذه القضية؟

    أم أننا يجب أن نجاهد في كافة الميادين وعلى كافة الأصعدة، ونعتبر أن قضية أفغانستان هي إحدى القضايا، وإحدى المكاسب، لكن لدينا قضايا أخرى ومكاسب أخرى، وينبغي أن نحافظ على الجميع جنباً إلى جنب.

    أما في مقابل هذا الأمر الذي يقول: فرض عين. قد تجد الطرف الآخر الذي يعتبر قضية أفغانستان، ليست في عداد القضايا المهمة عنده، فمن الناس -أصلاً- من لم يلقِ لها بالاً، وعلى مدى اثنتي عشرة سنة، كان المسلمون يسهرون الليالي، ويبذلون الدماء والدموع والأموال، ويبذلون فلذات أكبادهم على ميادين الجهاد، ومع ذلك وُجِدَ -ولا زال من المسلمين- من لا تعنيه هذه القضية في قليل ولا كثير، وكأنه ليس منها في قبيلٍ ولا كثير، وهذا أمر يصعب فهمه وتصديقه.

    حقيقة القضية الأفغانية

    أنا قد أقدر إنساناً يهتم بهذه القضية، ولكنه يُفكر فيها بطريقة مختلفة، ليس شرطاً أن يوافقني على تفكيري وأسلوبي، لكن المهم هو أن يهتم بالقضية، أما كونه ينام ملء جفنيه وكأن الأمر لا يعنيه، هذا ليس بصحيح. إذا لم تعنيك أمور المسلمين، فأنت لم تحقق قول الرسول عليه الصلاة والسلام، في الحديث الصحيح: {مثل المسلمين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم، كمثل الجسد الواحد} وقال: {كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً} فنحن لم نحقق هذه المفاهيم النبوية الصحيحة، إذا لم نهتم بهذه القضية.

    والنظرة المعتدلة، هي أن ننظر إلى أصل القضية الأفغانية، على أنها قضية شعب مؤمن، يثور في وجه الشيوعية التي تسلطت عليه، وابتزت أرضه وماله ودينه وعرضه بالحديد والنار، وتسلطت على رقاب المسلمين وأموالهم، ومزقتهم شر ممزق، وكانت -بلا شك- تريد مسخ أفغانستان، وإخراجها من عالم الإسلام إلى غير رجعة، وجعلها جزءاً من الدول الشيوعية الكافرة، فقام الشعب الأفغاني في وجه هذه المؤامرة، الشيوعية الماركسية، وضحى وصمم وبذل، وتميز عن كثير من الشعوب الإسلامية، التي أسلمت قيادتها طواعية ومن غير مقاومة.

    فإننا نجد كثيراً من بلاد الإسلام قد مسخت فعلاً، فلا تجد فيها من آثار الإسلام إلا رسوماً دارسة ضعيفة، ومسخ فيها الإسلام في الواقع -وقد رأينا هذا- مسخت حتى آثار الإسلام الظاهرة، ولم يبقَ إلا صوت الأذان وهو صوتٌ خافت، أو آثار تجدها هنا أو هناك، وهي آثار تظهر على استحياء في كثير من البلدان الإسلامية، ومع ذلك لم يظهر أهل تلك البلاد أي مقاومة لعدوهم، بل سلموا له واستسلموا، وخسروا الكثير دون أن يحتفظوا بكرامتهم، فقد سيموا بألوان الخف والهوان، ولم يحتفظوا حتى بكرامتهم وإنسانيتهم، فضلاً عن تدينهم وصلاحهم وثباتهم وشجاعتهم وإسلامهم.

    كانت الشيوعية يوم هيمنت على أفغانستان، لا زالت تحتفظ بقوتها، فرفع المسلمون هناك راية الجهاد، وأحيوا هذه الشعيرة العظيمة، التي أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنها: {لا تزال قائمة إلى قيام الساعة} وأن الراية لا تسقط أبداً، كما قال عليه الصلاة والسلام: {الخيل معقودُ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الأجر والمغنم} قال الإمام أحمد: فقه هذا الحديث: أن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة.

    إذاً: الخيل المقصود به آلة الجهاد، فالجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: {الخيل معقودُ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الأجر والمغنم} وأحاديث أخرى كثيرة تثبت دوام الجهاد وبقاءه، منها الإشارة إلى الطائفة المنصورة، التي أخبر عليه الصلاة والسلام أنها لا تزال باقية إلى قيام الساعة، لا يضرها من خذلها ولا من خالفها، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس.

    إن الغريب في الأمر -أيها الإخوة- أن كثيراً من الدول التي كانت تحت القبضة الشيوعية -القبضة الحديدية- انعتق كثيرٌ منها، وتحررت بثورات شعبية -كما هو معروف- إلا أفغانستان، فإنها لا تزال تئن تحت مطارق الشيوعيين، سواء كان الروس خرجوا من أفغانستان وبقي دعمهم المادي، أو كان الروس لم يخرجوا، ولكنهم استخفوا، وصاروا يديرون الأمور من وراء الكواليس، وهذا يؤكد قضية وهي: قضية التواطؤ العالمي ضد الإسلام، وهو تواطؤ يزداد يوماً بعد يوم، خاصة في ظل الظروف الحاضرة، التي أصبح الغرب والشرق يتخوفون فيها من بروز القوة الأصولية الإسلامية، كما سوف أشير إلى بعض التقارير المهمة في هذا بعد قليل.

    إذاً: النقطة الأولى -أيها الأحبة- أنه يجب أن نحرص على أن نكون معتدلين في أحكامنا، لا يوجد داعي لأن نقول: إن القضية فرض عين، ويجب أن نصادر كل القضايا ونبقي هذه القضية الواحدة، ولا أن نقول: إنها لا شيء، وإن المسلمين يجب أن ينسوا هذه القضية ويسقطوها من حسابهم.

    بل ينبغي أن توضع القضية في إطارها الصحيح، وتقدر بقدرها، وأن تذكر الإيجابيات الكبيرة التي من أهمها: إحياء شعائر الجهاد، وتحريض المسلمين على القوة، وإدراك أن المسلمين باستطاعتهم أن يتغلبوا على عدوهم، حتى ولو كان قوة عظمى من القوى الدولية كـروسيا الشيوعية، التي كانت قوية في ذلك الوقت، وقبل أن يصيبها داء التفكك والانهيار، وفضلاً عن أن الله تعالى اتخذ من المؤمنين شهداء، وتربى المسلمون. وتلقوا دروساً كبيرة في هذا المجال، والأمر -كما ذكرت قبل قليل- يحتاج إلى مؤتمرات ومجالس ودراسات، سواء كانت مكتوبة أم مقروءة.

    1.   

    التنصل من المسئولية

    هناك جانب آخر من الخلل في التفكير عند المسلمين وهو: قضية التنصل من المسئولية وإلقاء التبعة على الآخرين، فالمسلم في هذا الوقت كسول، يحب ألا يتنصل من المسئوليات، ويلقي بالتبعية على غيره، وقد ذكرت في بعض المناسبات مثلاً صينياً يقول: -والواقع أن هذا المثل يجب أن يكون عربياً في الظرف الحاضر-: (المشكلات التي نعانيها الآن من صنع الأجيال السابقة، وسوف تحل بواسطة الأجيال اللاحقة).

    أما نحن فصرنا خارج الأقواس، ليس لنا دور في صناعة هذه المشكلات، ولن يكون لنا دور في حلها، وهذا هروب غريب من مواجهة المشكلات التي نعانيها، فنتنصل كثيراً من المسئولية، ونلقي بالتبعة على الآخرين.

    فتجد أي فرد منا لا شعورياً، لو يرى منكراً في الشارع، ما يخاطب نفسه ويقول: كيف أزيل هذا المنكر؟

    مجرد أن يرى المنكر ينطلق بصورة عفوية ويقول: أين فلان؟

    أين جهاز الهيئات؟

    أين المشايخ؟

    أين العلماء والدعاة؟

    وأنت ما هو دورك؟

    هل الإسلام نـزل لغيرك!! أنت واحد من المسلمين، وكان يجب أن تشعر أنك مسئول مثلما غيرك مسئول، وبدلاً من أن تقول: أين فلان وعلان؟

    وما دور الجهة الفلانية؟

    وما دور العالم الفلاني؟

    ينبغي أن توجه السؤال إلى نفسك: ما دوري أنا؟

    وماذا فعلت أنا؟

    لا بد أن يكون تفكيرك تفكيراً علمياً عملياً، تفكيراً إيجابياً، وليس سلبياً همك أن تخرج من المسئولية، وتلقي بالتبعة على غيرك.

    الدين يا أخي! ليس لفئة معينة، الدين للجميع، والقرآن نـزل للجميع، وخاطب الناس كلهم قال الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:104] بل قال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ [البقرة:21] فأنت من الناس وأنت -إن شاء الله- من الذين آمنوا، ويجب أن تقوم بدورك.

    إلقاء المسئولية على الحكام

    أحياناً نلقي بالمسئولية على الحكام، ولا شك أن الحكام يتحملون مسئولية، وليست كمسئولية الأفراد العاديين أو مسئولية الشعوب، وكما قال الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر المتفق عليه: {كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته}.

    ودور الحاكم الذي الأمة كلها معلقة في رقبته، ليس كدور الفرد العادي، هذا مما لا يشك فيه أحد ولا يختلف، لكن ننسى -أيضاً- أن الأفراد يتحملون دوراً كبيراً، حتى فيما يفعله العالم. أو الحاكم، ولما ذكر الله تعالى قصة فرعون وطغيانه، واستبداده قال: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ * فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف:54-55].

    إذاً: القضية أتت من قِبل الفرد أصلاً، زالت إنسانيته وكرامته وقوته ورجولته فاستخفه فرعون وأطاعه لأنه كان من الفاسقين.

    ويقول الله عز وجل: وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام:129] أي: نجعل بعضهم على بعض أولياء بسبب أعمالهم، وليس من العدل أن يتصور مسلم أن الله تعالى يُسلط على أمة صالحة مستقيمة مجاهدة, آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر، يسلط عليها ظالماً يسومها سوء العذاب، كما أنه لا يتصور أن يأتي حاكم كـعمر بن الخطاب، أو عمر بن عبد العزيز لأمة فيها من المشاكل والعيوب والمآخذ ما فيها، ولو جاءها ربما كانت هي أول من يقوم ضده ويقتله، كما قال أحد الشعراء:

    قم يا صلاح الدين قم      كم مرةٍ في العام تندبونه!

    حتى اشتكى مرقده      من حوله العفونة

    وإنه لو قام حقاً      بينكم فسوف تقتلونه

    فينبغي أن ندرك الترابط بين جميع طبقات الأمة، حاكمها وعالمها وداعيتها وفردها والرجل والمرأة، والمتعلم والمعلم، فالجميع مترابطون، ومن الصعب أن تتصور أن هناك في فئةً صالحةً والباقي فاسدة أو العكس، بل إن الأمر مرتبط بعضه ببعض.

    الإلقاء بالمسئولية على العدو

    وأحياناً يبلغ بنا حد التنصل من المسئولية -وهذا أمر مضحك- إلى أن نلقي بالمسئولية على عدونا!!! ألا نضحك لو قيل لنا: شخص خرج من المعركة مهزوماً فقيل له: لماذا انهزمت؟

    قال: كنتُ أتصور أن العدو ما يملك هذه القوة، ففوجئت أنه يملك قوة، ولم يراع ظروفي ولا راعى إمكانياتي الضعيفة، فهجم عليَّ هجمة شرسة، وكانت النتيجة أني انهزمت!!

    أو كما كان أحدهم يقول: كنا نتصور أن العدو يأتينا من الشمال، فجاءنا من الجنوب، فسخر منه بعض الشعراء، وقال له:

    كان على عدوك      لو درى أدب القتالِ

    أن يستشيركَ في العبور      من اليمينِ أو الشمالِ

    المفروض على العدو أن يستشيرك، ما يقطع أمراً دونك! عدوك ماذا تنتظر منه يا أخي؟!

    هو -أصلاً- عدو وأنت تقاومه، فماذا تنتظر من عدوك، إلا أنه سوف يستفرغ كل ما في وسعه في مقاومتك.

    فهمٌ غير صحيح أننا نلقي مسئوليتنا على عدونا، عدونا شرس وقوي، وعدونا -مع ذلك- بعيد النظر قوي التخطيط، ومع أنه قوي وبعيد النظر، وقوي التخطيط، مع هذا كله فإنه موحد الصف مجموع الكلمة، وأنا أقرأ عليكم الآن تقريراً نشر بعنوان: المسلمون قادمون؛ حتى تدركوا حجم العدو.

    تقرير إخباري تحت عنوان: المسلمون قادمون

    هذا التقرير نشر في مجلة أمريكية اسمها "ناشيونال بريفيو وأنا أقرأ عليكم الآن من ترجمة المقال، وهو مقال فيه جوانب تسر المسلم بلا شك، ولكن فيه جوانب تكشف عن حجم العداوة، التي واجهها المسلمون في كل مكان، في أفغانستان، وفي كل بلاد الإسلام:

    يقول: كاتب المقال واسمه دانيال بايبس: إن الغربيين يعتقدون الآن أن الإسلام اليوم يهددهم أكثر من أي شيء آخر، ولذلك بدءوا يرددون اليوم شعار: "المسلمون قادمون"، بدل شعارهم القديم: "السوفيت قادمون"، وأخذوا يوجهون أعداءهم نحو العالم الإسلامي والشرق الأوسط حيث يتركز المسلمون.

    ويعود بايبس بالذاكرة إلى حوالي ستمائة وخمسين سنة مضت، وبالذات إلى عام (1354م)، عندما عبر الجيش العثماني لأول مرة مضيق الجردينل، إلى القارة الأوروبية، فيقول: منذ ذلك التاريخ، وحتى إيقاف تقدم الجيش العثماني على أبواب فيينا عاصمة النمسا الفترة التي استغرقت ثلاثمائة وخمسة وعشرين سنة، انصبت جميع المحاولات الغربية على السبل الكفيلة بإيقاف تقدم المسلمين نحو أوروبا.

    لأن أوروبا نفسها كانت مهددة تحت جحافل الجيوش الإسلامية الجرارة. يقول: إن خطر الإسلام الكبير على الغرب كان يتمثل حتى الأمس بالتهديدات العسكرية، أما اليوم فإن القوة الإسلامية تحولت إلى حركة فكرية وثقافية، تهدد أسس وقواعد الفكر والعقيدة الغربية.

    إذاً: الإسلام يخيفهم حتى حين يكون عقيدة فقط، أو كما يقول: حركة فكرية وثقافية. ثم يشير إلى زوال الصراع مع المعسكر الشرقي، الذي هو المعسكر الشيوعي -والمقال هذا كتب قبل تهاوي، وتساقط الجمهوريات السوفيتية- يشير إلى تقاسم النفوذ في العالم، ويقول: لم يعد قائماً الآن تهديد وخطر المعسكر الشرقي بالنسبة للغرب، لقد زال هذا الخطر، واليوم تعتبر الأصولية الإسلامية خطراً على الغرب، وهي في نموٍ وتصاعدٍ يوماً بعد يوم، وتشكل خطراً يهدد الغرب بشكل أكثر تعقيداً من خطر الحرب الباردة بين القوتين.

    ثم يدعو إلى التصدي للإسلام قائلاً: إن الغرب الذي أزال خطر الشيوعية وخطر الاتحاد السوفيتي، لا بد أن يُفِّكر بجدية في هذا الخطر الجديد، ويجب عليه أن يعتبر الاتحاد السوفيتي أكبر حليفٍ له ومتعاون معه، في مواجهة الأصولية الإسلامية.

    إذاً: حلف عالمي دولي، مع أنَّ كل قوة في ذاتها تملك من الإمكانيات ما تملك، لكن مع ذلك يقول: يجب أن يعتبر الاتحاد السوفيتي أكبر حليفٍ له ومتعاونٍ معه، في مواجهة الأصولية الإسلامية.

    ثم تكلم بعد ذلك عن إمكانية احتواء المسلمين من الناحية الفكرية، إمكانية صهر المسلمين في الحضارة الغربية، فيقول: إن المسلمين يقاومون بشدة أي محاولة لصهرهم في أي شيءٍ آخر غير الإسلام، فالباكستانيون -مثلاً- في بريطانيا، والجزائريون في فرنسا، والأتراك في ألمانيا، يحاولون تبديل تلك المجتمعات إلى دول إسلامية، في الوقت الذي كان ينتظر أن يذوب هؤلاء في المجتمعات الغربية التي يعيشون فيها.

    وفعلاً هناك فرى بأكملها تحولت إلى قرى إسلامية. وقد حدثني أحد الإخوة وهو ثقة، عن قرية بأكملها في ألمانيا تحولت إلى قرية إسلامية، حتى يقول: إنها قرية على منهج الكتاب والسنة، إلى حد أنه يقول: جاءت امرأة مرة بعد صلاة الجمعة إلى الإمام، أو الداعية الخطيب، فقالت له: إنها مسلمة وزجها كافر ورفض الإسلام، فقال: لا بد أن تفارقه، فقالت: هناك صعوبات وعندي أطفال.

    وقال: لا، وتكلم بقوة. فيقول بعد ذلك قلتُ له: لماذا لم تتلطف معها، وتأتيها بهدوء؟

    قال لي: نحن لا نريد المسلم الضعيف، لا نريد إلا المسلم القوي الذي لديه الاستعداد للتضحية في سبيل دينه بكل شيء.

    ثم يشير الكاتب في مقاله إلى مسألة التوازن غير المتكافئ بين المسلمين والنصارى، فيقول: العائلة الواحدة في العالم الإسلامي لديها ستة أطفال، بينما العائلة الغربية لديها طفلان فقط، وهذه مسألة تشكل في المستقبل تهديداً آخر للغرب.

    ويقول أيضاً: إن الألف سنة الأخيرة مضت في حروب مختلفة بين النصرانية والإسلام، ويعتقد هو أن القرن الحادي والعشرين ميلادي، سميضي بهذا الشكل أيضاً، ثم يضيف: إن الغرب سيزول حتماً بهتافاتٍ تأتي من مهود أطفال المسلمين.

    ونحن نقول: قال الله عز وجل: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ [الأنفال:19] يقول: إن الغرب سيزول حتماً بهتافاتٍ تأتي من مهود أطفال المسلمين.

    ثم يختم المقال: إن عالم الغرب، وإن كان يتمتع اليوم بقدرة مادية لا نظير لها، إلا أن هذه القدرة لا تستيطع أن تحفظ الغرب في مواجهة الآهات المظلومة للمسلمين، إن الغرب يائس... إلى آخر المقال.

    المقصود من هذا المقال: الإشارة إلى أن القوى العالمية كلها، شرقيها وغربيها، تتحالف ضد الإسلام، وتعتبر أن أخطر شيء يواجهها الآن هو ما يسمى بالأصولية الإسلامية، ولذلك نحن نواجه عدواً شرساً قوياً موحد الصف، وهذا لا شك فيه ولا غرابة في ذلك، إنما ينبغي أن ندرك نحن حجم هذا العدو، وأن نواجهه بالوسائل المكافئة وما نواجهه من عدونا ليس مستغرباً، وينبغي ألا نحمل عدونا مسئولية ما ينـزل بنا، لا يمكن أن نقول: ما نـزل بنا من مصيبة مسئوليته تقع على عدونا. لماذا ما تحقق لك ما تريد؟

    قال: العدو هو السبب. هذا أمر طبيعي، أتريد من العدو أن يسلمك الحصون؟

    فينبغي أن ندرك. ومن المسلم به أن هذا يجعل الإنسان يكون بعيد النظرة، ولا ينتظر نصراً يقطفه بين يومٍ وليلة، أو في أسبوعٍ أو شهر، وأن القضية تحتاج إلى طول نفس، لكن ينبغي أن تقدر قوة العدو، وأن لا تحمل مسئولية ما أصابك عدوك.

    ناحية أخرى: حتى ونحن نتكلم عن عدونا وإمكانيات عدونا. وتحالف عدونا، هناك سؤال لا بد أن نطرحه على أنفسنا: نحن ما درونا في التأثر بعدونا؟

    ما دورنا في التأثر بالأقوال التي يقولها، والأفعال التي يفعلها عدونا؟

    بل وتسهيل مهمة هذا العدو أحياناً، وأحياناً قد نكفي عدونا بعضنا البعض، وقد لا يحتاج عدونا إلى سلاح في بعض الأحيان، فبعضنا يؤذي بعضاً، ويعارض بعضنا بعضاً، ويسقط بعضنا بعضاً، ويقتل بعضنا بعضاً، فماذا يصنع عدونا أكثر من هذا أحياناً؟!

    فالعدو غاية ما يريد أن يقتل المسلم، والمسلم قد يقتل أخاه أحياناً! غاية ما يريد العدو أن يحطم الرموز الإسلامية، والمسلم قد يُحطِّم رمزاً إسلامياً أيضاً! والخلافات قد تستشري وتتحول إلى نوع من الهم الذي يغرق الإنسان فلا هم له إلا فلان، ومحاولة إسقاطه بكل وسيلة، وبذلك نكفي عدونا أنفسنا، ولا يحتاج إلى أن يبذل الجهد لأننا بتناقضنا نحن، وبالمشاكل الموجودة فيما بيننا، أصبحنا كما تقول القاعدة: تعارضا فتساقطا. أسقط بعضنا بعضاً، وعدونا أصبح مشغولاً بالحصول على المزيد من المكاسب، والمزيد من التقدم، والمزيد من الأمور التي لم يكن ليحصل عليها لو كان يواجه قوة صحيحة.

    الاحتجاج بأن الابتلاء سنة ماضية

    من صور التنصل: إننا كثيراً ما نتعلق بقضية المحنة، كم أصيب المسلمون!

    كم شردوا!!

    كم قتلوا!!

    كم سجنوا!!

    كم عانوا من الآلام والمصائب والنكبات، ما الله به عليم!!

    ونحن دائماً وأبداً نضرب على وتر واحد، وتقول: إن الابتلاء والامتحان سنة الله في خلقه.

    نعم هذا صحيح، لكن لماذا لا نتصور أنه كما قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه في معركة أحد: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:165].

    المحنة أحياناً قد تكون قضاءً وقدراً لرفع الدرجات، وقد تكون -أحياناً- بسبب فعلنا نحن المسلمين، ومهما كان المسلمون من الصلاح والاستقامة والتجرد، والقوة والدين، والعلم، والوعي، لن يكونوا في درجة أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبقيادة محمد نفسه صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك قيل لهم في محكم التنـزيل: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165].

    هذا درس لكل مسلم، أنه لا يجوز أبداً أن تقول: القضية قضية ابتلاء وامتحان، وتغفل عن التفكير في دورك أنت في هذا الابتلاء والامتحان، وأنه قد يكون بسبب أخطاء، أو زلات، أو سقطات، أو تسرع، أو تعجل، أو عدم دراسة للأمور، أو عدم تقدير للمواقف، جرَّت إلى مثل هذا الأمر، ومع ذلك إذا وقعت ونـزلت فلا داعي لأن يتشفى بعضنا ببعض، ونقول: هذا يستحق ما نـزل به كذا.

    وكأن الواحد يتشفى بإخوانه، بل لا بد أن يحزن لحزنهم، ويألم للمصيبة التي نـزلت بهم، ويسعى لإخراجهم وإنقاذهم مما نـزل بهم من مصيبة، أياً كانت هذه المصيبة، بغض النظر عن ما هي المصيبة، وفي نفس الوقت يأخذ من ذلك الدرس والعبرة.

    نحن نؤمن به كقضاء وقدر وقع لا محالة، والاحتجاج بالقضاء والقدر بعد وقوع الشيء لا مانع منه، لكن ما يمنع -أبداً- أن الإنسان يأخذ درساً وعبرة من هذا الأمر الذي وقع، وهذا نفس الكلام فيما ذكره أهل العلم في الاحتجاج بالقضاء والقدر على المصائب. فلو أن إنساناً وقع في معصية، سواء زنى أو سرق أو قتل، كونه يقول: هذا قضاء وقدر. بعد ما وقعت المعصية، نقول: هذا صحيح أنه قضاء وقدر، لكن كونه قضاء وقدر لا يمنع من أنه إذا وقع هذا الإنسان في معصية تتطلب تبعات أن يتحمل هذه التبعات، مثل كونه قتل فيقتص منه، أو كونه سرق فيقام عليه الحد، أو كونه ظلم أحداً، فيعيد المظلمة لصاحبها، هذا لا يمنع وإن كان وقع الأمر -أصلاً- بقضاء الله وقدره، كما أن وقوع الأمر بقضاء الله وقدره، لا يمنع من أن الإنسان يتوب إلى الله تعالى من الذنب الذي فعله، ويستغفر الله ويراجع نفسه ويصحح سيرته، ولو كان ذلك كله بقضاء الله تعالى وقدره.

    إذاً: لا يجوز أن نقول: القضية ابتلاء وامتحان ونصبر، مع أنه يجب أن نقول: هذا امتحان ونصبر إلا أنه ينبغي أن ندرك، ما هو دورنا في المحنة. والمحنة قد تكون أمراً إلهياً محضاً لا يد لنا فيه، فنقول: سلمنا وقد تكون بسبب فعلٍ منا، فنراجع فعلنا هل فيه خطأ أو ليس فيه خطأ.

    الاحتجاج بأن الأخطاء طبيعية

    ومن صور التنصل من المسئولية ومن الأخطاء أننا دائماً نقول: الأخطاء طبيعية، وليس هناك أحد معصوم. وهذه ليست هي المشكلة، نحن الآن لا نتناقش في العصمة، نحن متفقون على أنه ليس هناك أحد معصوم، ومتفقون على أن الأخطاء طبيعية، والأمم كلها -أصلاً- فيها سلبيات، فنحن ندرك سلبيات إخواننا المسلمين، لكن الأمم الأخرى فيها من السلبيات ما الله به عليم، وكم من أمم تحملت من السلبيات شيئاً كثيراً! ولو قرأت تاريخ أي أمة كالنصارى، أو اليهود، أو الشيوعيين، أو أي أمة بدون استثناء، سواء كانت أمة من الأمم الدينية، أو من الأمم العرقية؛ تجد فيها سلبيات وأخطاء ومشاكل وأمور صعبة.

    ولا شك أنه لا يقارن بها ما يقع في تاريخ المسلمين وواقعهم، هذا صحيح، ونحن لا نشك فيه، وليس معنى وجود السلبيات، أنه يجب أن نتوقف، أبداً، لكن معناه: أننا ينبغي ألا نتوقف عند مجرد قضية أن الأخطاء طبيعية.

    لابد أن نحدد ما هي الأخطاء، وكيف حصلت، ومن المسؤول عنها، وما سبيل الخروج منها، وما سبيل العلاج، وما أشبه ذلك، ويكون ذلك كله برفق ورويّة وحكمة، وإنصاف الباحث عن الحقيقة، وليس المتشفي الذي يبحث عن الخطأ والزلة حتى يتعلق بها لحاجة في نفسه أو في قلبه والعياذ بالله، فهناك فرق بين المشفق الذي يبحث الباحث عن الخطأ ليعالجه، فهو كالطبيب الذي يبحث عن المرض والألم، وبين الإنسان المغرض الذي هو كالعدو، يبحث عن الخطأ حتى يتشفى ويتهم، ويسب، وحتى يجد فرصته في التعليق والقيل والقال والكلام الذي لا طائل تحته.

    التهرب من القيام ببعض الأعمال

    من صور التنصل أيضاً: التهرب عن بعض الأعمال التي ربما ادعاها الإنسان في وقتٍ من الأوقات أي: أن الإنسان قد يدَّعي شيئاً ما ثم يتنصل منه، مثل ما يذكر في الطرائف والنكت: أنّ أحد الخلفاء جيء له بشيء فأعجبه هذا الشيء، فقال: من الذي فعل هذا؟

    فسكتوا، فقام الخليفة وقال: إني سوف أعطيه جائزة. فقام إنسان وقال: أنا الذي فعلتها. فقال: اجلدوه مائة جلدة. فقاموا وجلدوا هذا الإنسان مائة جلدة، فلما انتهوا قال: اجلدوا فلاناً لأنه هو الذي فعلها على سبيل الحقيقة. فلما كان يتصور أن هناك جائزة قام يدعي، لكن لما عرف أنه لا توجد جائزة إلا العقوبة، قال: على الأقل أشركوا معي الفاعل الحقيقي لهذا الأمر فهذه مشكلة.

    وقد تجد كتاباً من الكتب، يؤلف الكتاب ولا يذكر عليه اسم المؤلف، إنما يذكر اسم رمزي، لأنه خائف أصلاً -وهذا حصل أكثر من مرة- ما استطاع أن ينشر الكتاب باسمه الصحيح، لأنه خائف أن تقدم على هذا الكتاب، حمله شرسة، وهجوم كاسح، وقد يعاقب صاحبه، إذا انتشر الكتاب ولم يذكر اسمه، فلما رأى الكتاب راج وانتشر، وطبعت منه مئات الآلوف من النسخ، وكتبت عنه الصحف وأشادوا به، قام وادعاه وقال: أنا الذي ألفت الكتاب. فهذا نوع من التهرب والتنصل من مسئولية عمل قام به الإنسان، يدل على ضعف الشجاعة.

    أذكر أنه في بعض البلاد الإسلامية، كان هناك نوع من مقاومة الأعداء في ذلك البلد، فلما كانت القضية أن توقع الانتصار بين عشية وضحاها، كان هناك أطراف عديدة كل واحد يقول: أنا الذي بدأت أنا الذي بدأت. فلما رأو أن الأمر آل إلى عاقبة غير محمودة ولا مرضية، أصبح كل إنسان يلقي بالتبعة والمسئولية على الأطراف الأخرى، ويحاول أن يتخلص هو أو يتنصل منها، ويقول: الذي بدأ أو الذي جر إلى هذا الأمر هو فلان أو علان.

    على سبيل المثال: هذا المثال الذي ضربته: إعلان الجهاد في بلد معين, وإعلان الجهاد أنا أعتبره قراراً تاريخياً ليس بالأمر السهل، إذاً: كيف يتم هذا الأمر؟

    من هو الذي بدأ هذه القضية، حتى تتحدد المسئوليات بشكل واضح؟

    هذه القضية تحتاج إلى نظر وتأمل، بمعنى أنه ينبغي على المسلمين أن يدرسوا أمورهم، ولا يتخذوا قرارتهم إلا بدقة متناهية، وبصورة جماعية مدروسة، لئلا تؤول القضية إلى تبرم وتنصل من المسئولية، كما ذكرت لكم في بلد ما، لما كان الجهاد في أوله، وكانوا يتوقعون نصراً سريعاً صار كل إنسان يدعي، فلما رأوا أن الأمور انتهت، أصبح كل إنسان يتنصل ويلقي بالمسئولية على غيره، هذا ليس بجيد.

    1.   

    صور من الخلل في التفكير

    أنا حين أتكلم عن هذا الخلل في التفكير، صراحة أقول: إن الخلل في التفكير عندنا من القمة إلى القاعدة، على كافة المستويات، تجده في كل فرد، سواءً كان فرداً ذا مسئولية خاصة، علمية أو رسمية، أو مسئولية دعوية، أو حتى تأتي إلى المدرس في الفصل، أو إلى الأب في البيت، تجد الأخطاء نفسها موجودة، فنحن نتربى على هذه الأخطاء، ونتعامل معها بصورة عفوية، ولذلك لعل طرق هذا الموضوع يساهم في تصحيح التفكير عندنا.

    تضخيم الإنجازات

    من الخلل في التفكير: أننا أحياناً نبالغ في تضخيم الإنجازات، ونبالغ في تهوين الأخطاء، أحياناً الأخطاء نهونها ونقول: هذه أشياء عادية، وأمور بسيطة تم تعليقها، وانتهى الموضوع، محاولة أن أنهى الخطأ بأي شكل.

    أما الإنجازات فنعظمها وننفخ فيها، حتى نعطيها أكبر من الحجم الطبيعي.

    يقول: يا أخي! حتى لا نـزعزع ثقة الناس بهذا العمل الذي قمنا به. أو يقول: حتى لا نعطي العدو فرصة، لأن ينفذ من خلال هذا العمل أو ذاك.

    وعلى سبيل المثال فيما يتعلق بالجوانب الرسمية؛ إن كان يسوغ ذكر، مثال لها: العرب في عام (73) فيما يسمى حرب رمضان، حققوا نصراً جزئياً، هذا النصر بالغوا في وصفه وتضخيمه، حتى اعتبر كأنه فتح الفتوح والنصر المبين، الذي أشبع كل رغبة الشعوب وحقق إراداتها، وجعلها تصل إلى ما كانت تصبو إليه، فنحن بالغنا في هذا النصر الجزئي وفي تضخيمه، وأعطيناه أكبر من حجمه، هو قد يكون نصراً، لكنه نصر جزئي.

    وفي المقابل الحروب السابقة، كحرب (67) و(56) و(48) هذه الأشياء تمر مرور الكرام، ونحاول ألا نقول: إنها هزائم، بل بالعكس -أحياناً- قد تتحول إلى انتصارات ولو كانت هزائم، ولو قتل منا اثنا عشر ألفاً أو عشرون ألفاً، ولو تحطمت الطائرات، المهم أنه انتصار، لماذا؟

    لأن بقاء الحزب -كما يقال في بعض البلاد- بقاء الحزب الحاكم نفسه يعتبر نصراً، لأنه هو الحزب التقدمي الذي كانت إسرائيل تسعى للإطاحة به مثلاً، فهذا نصر بحد ذاته.

    فنحاول أن نصور للناس دائماً على أن الهزائم انتصارات، أو يخفف من وقع هذه الهزائم على النفوس، والواقع أننا ينبغي أن نضع الأخطاء، ونضع الإنجازات في وضعها الطبيعي. وليست القضية أننا نبالغ في الإنجازات وتضخيمها، وتهوين الأخطاء، بل قد نفتعل ونختلق إنجازات ليس لها وجود أصلاً -كما ذكرت قبل قليل- ونعتبرها نوعاً من النصر المبين.

    مثال آخر: القضية الأفغانية فنحن دائماً نتكلم عن المكاسب. وينبغي أن نتحدث عنها، وهذا لا شك فيه، ومنها: انتصارات، وتحرير جزء كبير من أراضي أفغانستان، واستمرار الجهاد على مدى هذه المدة الطويلة، يقاوم قوة من القوى العظمى لفترة من الفترات، ثم يقاوم إحدى الحكومات المدعومة في فترة أخرى، وأيضاً اتخذ الله منا شهداء، نرجو الله تعالى أن يتقبلهم، وأن يغفر لنا ولهم، ويثبت من بعدهم ومن وراءهم، واستفاد المسلمون دروساً كثيرة.

    هذه المكاسب للجهاد الأفغاني، لكن ينبغي أن تكون المكاسب معقولة، فلا يأتي واحد ويقول: الصحوة الإسلامية كلها من مكاسب الجهاد الأفغاني. لا، بل أنا أستطيع أن أقول العكس: إن الجهاد الأفغاني هو أثر من آثار الصحوة الإسلامية وجزءُ منها، والصحوة أكبر من بلد معين وأكبر من حركة جهادية، الصحوة صحوة علمية، وشرعية، وسلوكية وأخلاقية، واقتصادية، وفي كافة المجالات، وفي كل البلاد، ولذلك فإنها أوسع من ذلك.

    هناك حركة جهادية أخرى في غير أفغانستان، قد يكون بعضها قبل أفغانستان، كالجهاد في الفلبين مثلاً، وبعضها معه، وبعضها بعده أيضاً، والحركات الجهادية التي جاءت بعد أفغانستان، من المتوقع بل ربما من المؤكد أن للجهاد في أفغانستان دور في تحريك الجهاد في تلك البلاد ودعمه، هذا لا شك فيه.

    قضية سقوط الشيوعية -مثلاً- سقوط الشيوعية أكبر من أن نقول: إن سبب سقوط الشيوعية هو الجهاد في أفغانستان. صحيح أن أفغانستان من الأسباب، ويكفي أن الروس أدانوا التدخل في أفغانستان، وتلقوا في ذلك درساً ليس بالبسيط، وكان تدخلهم مسماراً في سقوط نفس الشيوعية، لكن سقوط الشيوعية أمر قبل الجهاد الأفغاني وبعده، بمعنى: أن سقوط الشيوعية أمر محتمُ، لأنها مخالفة للسنن الكونية وللنواميس، ومخالفة للفطرة وللحق، ولذلك كان لابد أن تسقط بهذا السبب أو بغيره من أسباب أخرى كثيرة، وقد سقطت الشيوعية في أنحاء كثيرة من العالم بسبب الكساد الاقتصادي، والإفلاس العقائدي، وبسبب عجزها عن صهر القوميات، وعن تلبية نداء الفطرة، وبسبب المشاكل التي واجهتها والتي كانت قضيةأفغانستان أحدها.

    ففرق بين أن أقول: إنّ الجهاد في أفغانستان سبب من أسباب سقوط الشيوعية، وبين أن أعزو سقوط الشيوعية -كما سمعتُ هذا بنفسي عن مسئول كبير جداً في دولة أفغانستان المؤقتة- أن سقوط الشيوعية كان سببه الجهاد في أفغانستان.

    كذلك الحركات الإسلامية والشعبية، وحركات الإنقاذ والدعوة في كل البلاد، لـأفغانستان دورُ عليها، ولها هي دورٌ في أفغانستان أيضاً، فالمسألة مسألة تأثير متبادل بين هذه الحركات الجهادية والحركات الدعوية في أنحاء العالم الإسلامي، وإن كنتُ أعتقد أن أفغانستان بجهادها المستمر المستميت؛ سببٌ أصيل في كثيرٍ من هذه الحركات، وتحصيل هذه النتائج وإنجاز بعضها، ولكن ثمة أسباب أخرى كثيرة، وثمة قوى أخرى متظافرة.

    ادعاء حصول الكرامات

    مثلٌ آخر في قضية الانجازات وتضخيمها، أو ادعاء إنجازات معينة؛ كان كثير من الإخوان يبالغون في الكلام عن كرامات الجهاد الأفغاني، فلا تجلس مجلساً إلا وتسمع رائحة المسك، والذي تبسم بعد ما قتل، وشيء من هذا القبيل، حتى ألفت في ذلك مؤلفات خاصة.

    من جهة نحن نؤمن بالكرامات ونعتقد بحصولها، وأن الله على كل شيء قدير، فهو يجري الآيات والمعجزات للأنبياء، ويجري الكرامات لأتباعهم، وأعتقد أن من الممكن أن تحصل كرامات للإخوة في أفغانستان؛ لأن منهم عدداً غير قليل يقاتلون في سبيل الله، نحسبهم كذلك والله حسيبهم. ولا نـزكي على الله أحداً، وهم يواجهون عدواً طاغياً، ويحتاجون إلى تأييد من رب العالمين جلا وعلا، ولهذا فلا غرابة أن تحصل الكرامات، لكن كون الكرامات صارت قضية نبدأ بها ونعيد، ونتكلم عنها صباح مساء، ما الذي حصل؟

    الذي حصل أننا بهذا العمل أوجدنا في نفوس كثير من الشباب، أن الذين يقاتلون في أفغانستان هم ملائكة، أو -على الأقل- بمنـزلة الصحابة، فأعطيناهم صورة خيالية مثالية عن الواقع، فصار الشاب يذهب إلى هناك، وهو مشحون، يتوقع أنه سوف يلقى أبا بكر وعمر، فلما يذهب يجد السلبيات؛ وذلك لأن الجهاد الأفغاني جهاد شعب بأكمله، وبكل ما فيه من متناقضات موجودة في كل الشعوب الإسلامية بلا استثناء، فالشعب الأفغاني كله يجاهد، ولذلك من الطبيعي جداً أن فيه عيوباً على كافة الأصعدة، على الصعيد العقائدي، والتعبدي والعلمي والعملي، على الصعيد الفكري...إلخ.

    هذا طبيعي؛ لأن الشعب الأفغاني بكل فئاته وقبائله وأطرافه دخلوا في الجهاد، وما أتصور أنه عندما يدخل الجهاد بقدرة قادر تتحول سلبياته إلى إيجابيات، ونقائصه إلى كمالات، هذا مخالف للفطرة والسنن الكونية، أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ما حصل لهم كل هذا فضلاً عن غيرهم، ولذلك عندما يذهب الشاب بعقلية مملوءة بالكرامات والكلام حولها، ما إن يذهب حتى يجد بعض السلبيات، -أحياناً- يرجع منتكساً بزاوية قدرها مائة وثمانون درجة، بدلاً ما كان بالأمس الجهاد قد ملأ قلبه وعقله وحياته، أصبح بعضهم ربما يرجع بصورة عكسية تماماً، حتى أن منهم من يرجع يتهجم على الجهاد، ويتكلم عليه ويسقطه من حسابه.

    هذه ردة فعل، وهي نتيجة خطأٍ سابق، والخطأ السابق هو أننا أعطينا الأمر أكبر من حجمه، وبالغنا في تصوير الواقع، وفي سرد الإيجابيات والإنجازات وغيرها؛ فارتسمت ونقشت في عقل هذا الشاب، خاصةً وأن الشباب دائماً يفكرون تفكيراً مثالياً عاطفياً -كما أسلفت- فلما يأتي إلى الواقع يصطدم بأقل سلبية ولو كانت سلبية قابلة للاحتمال كالمعاصي مثلاً، فكم الطبيعي أن توجد المعاصي، لكن لو رأى معصية كأن يرى إنساناً مسبلاً أو حالق لحيته؛ رجع بصورة منتكسة، وقال: هذا كذا وهذا كذا، وسمعنا كذا ورأينا كذا.

    وقد سمعت من الشباب من يستنكر ويهول في استنكار قضايا هنا ما تصل إلى حدٍ أن تكون معصية أصلاً، فضلاً عن أن تكون أكثر من ذلك.

    إذاً: من أخطائنا نحن في التفكير: أننا نبالغ في تضخيم الإنجازات وتهوين الأخطاء، وهذا يأتي بنتيجة عكسية أحياناً، فبعد حين نجد أن هناك ردة فعل، لا توجد إنجازات، وتتحول القضية -في نظر البعض ممن يعيشون ردود فعل خاطئة- تتحول القضية في نظرهم إلى مجموعة من الأخطاء المتراكمة.

    حجب الحقائق عن الأمة

    من عيوبنا في التفكير:حجب الحقائق عن الأمة بشتى الحجب حقيقة نحن غير واثقين بالأمة التي نحن جزءٌ منها، أنا أقول: هذا على كافة الأصعدة، الحقائق محجوبة عن الأمة، حقائق الأمور الرسمية ولأمور العلمية ولأمور الدعوية والجهادية، في كثير من الأمو تحجب عن الأمة،لماذا؟!

    كأن الأمة ليست على مستوى إدراك الأوضاع والحقائق، والمشاركة في التفكير، فهناك من يفكر بالنيابة عنك، وهناك من يتصرف بالنيابة عنك، وهناك من يوقع بالنيابة عنك، وهناك من يعمل كل شيء، ما بقي إلا من يأكل ويشرب بالنيابة عنك. صودرت الأمة صراحةً، لماذا صودرت؟

    لأنها حُجبت عنها كثير من الحقائق، حتى من طلبة العلم -أحياناً- من يحجب الحقائق عن الأمة.

    ومع الأسف، كان يمكن هذا في بعض الأحيان، إذا كان من المصلحة أن بعض الأمور تحجب، لكن المشكلة اليوم أن أجهزة الإعلام العالمية أصبحت تدخل كل بيت وكل عقل، فما تحجبه أنت يوصله غيرك، فأصبحت لم تفلح في حجب هذه الحقائق عن الأمة، ولكنه لم تتكلم أنت في حين تكلم غيرك، تكلم الخصوم والأعداء والمتسرعون، ولكنك أنت لم تتكلم لأنك ترى أنه لا يوجد داعي للحديث عن هذه الأمور، وينبغي ألا يتحدث بها الناس مثلاً، سواءً كانت قضايا علمية أو عملية أو دعوية أو غير ذلك.

    وبالتالي أصبحت الأمة تفاجأ -في كثير من الأحيان- أنها تكتشف بنفسها هذه الأخطاء، وهذه الحقائق، ويصبح تغييبها وسترها أمراً ليس في الإمكان، لأنه سيكون هنا إحباط معين، وتزعزع ثقة الأمة بدعاة الإسلام ورجال الإسلام؛ لأنها شعرت أنهم غير صادقين فيما كانوا يقولون، أو أنهم كتموا عنها الحقائق وحجبوها، وغيبوا الأمة فترة من الفترات، والواقع أننا ينبغي أن نخاطب الأمة.

    أنا أقول: إلى متى سنظل نخاف على هذه الأمة؟

    إذا صدر -مثلاً- كتاب، ناقش في قضية من القضايا، قلنا: لا يوجد لهذا داعي لأن هذا يفتح أبواباً على الناس إذا تكلم شخص، قلنا: لا يوجد داعي هذا يفتح أبواباً على الناس. إلى متى تظل الأبواب مغلقة؟

    وإلى متى نظل نحجر على هذه الأمة؟

    لا نريدها أن تعلم بشيء ولا أن تطلع على شيء، مع أنها تتعلم وتطلع، أقل الناس اليوم من يقرأ في جريدة، ويسمع في الإذاعات، ويسمع في المجالس، ويطلع على أشياء كثيرة. بقي فقط دعاة الإسلام، وعلماؤه، والمخلصون، هم الذين -في كثير من الأحيان- يؤثرون عدم الحديث، ولذلك لم يظهر لهم صوتٌ وصورة صحيحة.

    إذاً لا داعي لأن نحجر على هذه الأمة ونفقد الثقة بها، فالأمة -إن شاء الله- ستنضج متى ما أعطيناها الثقة، عندك كتاب ترى نشرة للأمة، وفيه خير، انشر هذا الكتاب، وأنا عندي رد على هذا الكتاب ليس هناك مانع، أن أنشر الرد، ودع الأمة تقرأ الكتاب وتقرأ الرد على هذا الكتاب، وتحكم وتصل إلى الحقائق، وإذا أخطأ واحد ما أخطأ عشرة، ولا يصح إلا الصحيح، ويحق الله الحق، ويبطل الباطل. فلا يوجد داعي أننا نظل دائماً وأبداً في خوفٍ شديد، وفي رعبٍ على هذه الأمة، لا ينبغي هذا، بل ينبغي أن نعطي الأمة بعض الثقة، ونحاول أن نجر الأمة إلى المشاركة في إحقاق الحق، وإبطال الباطل، وأهل التفكير يشاركون معنا، حتى يكونوا في الصورة، إن حصل خطأ أدركوه وإن حصل صواب أيضاً أدركوه، أما كونهم يفاجئون بالخطأ وهم ما علموا به، ما الذي سوف يحصل؟

    يحصل أنهم سوف يلقون بالأئمة، ويقولون: أنتم قلتم، وأنتم فعلتم، وأنتم..إلخ. لماذا؟

    لأنه لم يكن عندهم خبر سابق، لكن عندما يكونو مشاركين معك في التفكير، يكونون -كما يقال- في الصورة معك، وبالتالي لا يفاجئون بشيء.

    الخوف من النقد والتصحيح

    من مشاكلنا في التفكير وأخطائنا: الخوف من النقد والتصحيح.

    وهذا إن شاء الله سوف أخصص له درساً، لأنه موضوع مهم جداً. فنحن -في كثير من الأحيان- نعتبر أن الذي ينتقدنا أو يصحح لنا، أنه قد خذلنا أو تحامل علينا، قد يكون أخطأ في أسلوب النقد، أو في أسلوب التصحيح والتوجيه، لكن لا بأس أن يتحمل الأنسان مرارة الدواء. وإن أمكن أن يكون التصحيح بأسلوبٍ حسن حكيم ولطيف؛ فهذا ما نتمناه، وإذا ما أمكن فلا بد يأتي إنسان يقومني بأسلوبٍ جاف، أحب إليَّ من إنسان يسكت على أخطائي، ويتلطف معي، ويمدحني ويثني عليَّ بما ليس فيّ، فإن صديقك من صدقك.

    والحقيقة أن الذين يخذلون الأمة ويخذلونك، هم الذين يرونك على خطأ فيقرونك عليه ويسكتون، أو يؤيدونك، ويعتبرونه صواباً.

    ومع الأسف الشديد أن في عقول كثير منا -كما قلت قبل قليل- أننا نتنصل من الأخطاء، انظروا: هل أنتم تعرفون أني أقصد نفسي وأقصدكم أنتم؟

    أم تتصورون أنني أتكلم عن أناس خارج الإطار؟

    إذاً: تصورتم أنني أتكلم عن أناس خارج الإطار، معناه أن عندنا تنصلاً، حتى هذه الأشياء ما نشعر أننا نحن المخاطبون بها، نشعر أن المخاطب بها غيرنا، لأننا نلقي باللآئمة على الآخرين، فنحن -أحياناً- علامة الصداقة عندنا أن الإنسان كلما فعلنا شيئاً، قال: أحسنت أحسنت بارك الله فيك، هذا هو الصديق.

    وعلامة العداوة لنا؛ أن إنساناً إذا فعلنا بعض شيئاً، أو قلنا كلاماً قال لنا: أخطأتم أخطأتم. فإننا نقول: هذا عدولنا، هذا ليس صحيحاً، قد يقول لك الصديق الحميم المحب: أخطأت؛ لأنه يخاف عليك، وقد يقول لك العدو الشرس، الكاشر، على عداوته: أصبت. لأنه يريدك أن تمعن في الخطأ ولا يريد أن تتفطن له وأن تتجاوزه، قد يصدق كلام العدو، وقد يكذب كلام الصديق!

    سرعة التعلق بالشائعات

    من أخطائنا في التفكير: سرعة التعلق بالشائعات -في التفكير والعمل- وعدم التثبت من الأخبار والحقائق والأحوال. لماذا لا نتثبت في الأخبار وفي الحقائق وفي كل الأمور؟

    القضية دائماً يكون لها أطراف، والله تعالى يأمر بالعدل، وأنت مسئول بين يدي رب العالمين، لا تقل كلمة إلا وقد وزنتها، خاصة وأنك أشبه ما تكون بالحكم بين أطراف، فحاول ألاّ تظلم أحداً، ولو لم تكن تحبه أو ترتاح إليه، لكن حاول ألا تظلم أحداً، فإن الظلم مذموم، والله تعالى يقول في الحديث القدسي: {يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا}.

    لماذا تنتشر الشائعات ونتعلق بها؟!

    لأسباب: أحياناً بسبب عدم التجرد، بل بتأثر الإنسان بظروفه وعلاقاته وصداقاته، وما أشبه ذلك، بل ربما بتأثر الإنسان بنظراته العقلية والنفسية، وقد يتحدث الإنسان -أحياناً- بصدق وحراراة وانفعال، لا تشك في أنه يتكلم من قلبٍ صادق، ومع ذلك قد لا يقول الحقيقة كاملة، لأنه يتكلم من طرف واحد أو ينظر من زاوية واحدة. والإنسان ينبغي أن يحرص -قدر المستطاع- على أن يزن بالقسطاس المستقيم، هذا الذي أمرنا الله تعالى به.

    وأحياناً تنتج الشائعات بسبب عدم التفريق بين الأماني والتطلعات، وبين الواقع الذي نعيشه. فهناك شيء تتمناه أنت وهناك شيء هو الواقع، فلا تخلط بين ما تتمنى أن يكون، وبين ما هو كائن فعلاً.

    مثلاً: في تحليل الأحداث؛ تجد كثيراً منا متفائلين دائماً وأبداً، كلما حللنا حدثاً نغرق في التفاؤل، فلماذا نغرق في التفائل؟

    ينبغي أن نكون متفائلين لكن بدرجة معتدلة. ودائماً أسمع هذه الكلمة: الأمور على ما يرام الأوضاع تبشر بالخير! لا يوجد داعي للمبالغة -أيها الأحبة- ينبغي أن نكون معتدلين في تحليل الأحداث، أو حتى في رسم المستقبل، فلا نبالغ في التفاؤل بشكل يجعل الأمور فيما بعد تنتكس، ويقول الناس: إنّ هؤلاء أعطونا وعوداً ما لها رصيد، هؤلاء كانوا يبيعون ويذرعون في الهوى، ويبنون قصور، الآمال على أكوام من الرمال. فالأمنيات لا ينبغي أن تتحول إلى وعود، وحقائق، وأخبار، ولا ينبغي أن نعد الناس بشيء، ونحن غير واثقين من إنجازه تحقيقه.

    العفوية والبساطة

    من عيوبنا أيضاً في التفكير: العفوية والبساطة أحياناً، وأخذ الأمور -كما يقال- بالبركة.

    مثلاً: عدم تقدير المواقف السياسية الدولية. هذا كثير ما يصاب به المسلمون، ويكون نتيجة لذلك أخطاء في مواقفهم وفي تصرفاتهم، وفي أعمالهم، أياً كانت هذه الأعمال، بسبب عدم قدرتهم على إدراك حساسية المواقف ودراستها بشكلٍ جيد، والمفروض أن الإنسان يعرف الجو الذي يتحرك فيه.

    وأيضاً: عدم تقدير قوة العدو، حتى أني أسمع من بعض الشباب. من يقول: المسلم إذا وجد أي قوة يقاتل بها عدوه؛ لأن الله يقول: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60] فإذا أعددنا ما استطعنا الباقي على رب العالمين.

    إذاً: لماذا عقد الفقهاء باب الصلح وباب الهدنة مع العدو؟

    وتكلموا في هذا، وأنه قد يعقد الصلح مع العدو لأسبابٍ معينة، بسبب عجز المسلم عن قتاله، صلح لفترة محدودة أو في ظرف محدود، فلماذا تكلم الفقهاء في هذا؟

    أما كونك تقول: كل إنسان ملك أدنى قدرٍ من القوة كان بإمكانه أن يواجه عدوه. هذا ليس بصحيح، بل ينبغي أن تقدر قوة عدوك، وقد تصل إلى نتيجة أنه لا يمكن مواجهة العدو، والمسلمون بـمكة قد قيل لهم: كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [النساء:77].

    وفي أفغانستان قد نستطيع أن نقول: لنا قوة تواجه قوة عدونا وتكافئ قوة العدو، أو تقرب منها بحيث نستطيع أن نقاومه. لكن قد يكون في بلادٍ أخرى لا يملك المسلمون هذه القوة، فهل يمكن أن يقوموا بقرارٍ كذلك القرار بدون دراسة؟

    هذا ليس بصحيح.

    أيضاً من العفوية والبساطة: عدم تقدير قوة العدو. قد تجد أن العدو يملك قوى لا تستطيع أن تواجهها أو تكافئها، ودراسة هذه الأمور ووضعها في موضعها لابد منه، فنحن أيضاً -وهذا ضمن عفويتنا وبساطتنا- مسرفون في كثير من الأحيان في تقدير قيمة القوة البدنية والعسكرية، وشدة الاعتقاد بما يسميه المعاصرون الحل العسكري، نتصور أن الكلاشينكوف -كما يقال- تحل جميع المشكلات، وهذه مشكلة وخطأ كبير، وخلل كبير في التفكير.

    حاجتنا إلى الإمكانيات

    الساحة الإسلامية اليوم تكاد أن تخلو من الإمكانيات العلمية والعملية والدعوية، والمسلمون أمامهم مضمار طويل جداً، يحتاجون إلى أن يجندوا فيه من الإمكانيات والأعداد والكوادر الهائلة في كل مجال؛ حتى يصلوا إلى المستوى الذي يكونون جديرين فيه بنصر الله عز وجل لهم، وأقول: المسلمون الآن غير مؤهلين في الواقع لأن يقوموا بحضارة على مستوى العالم، لأنهم لا يزالون دون هذا المستوى في وضعهم الحاضر، فهم بحاجة إلى وقت وإلى جهود جبارة في كافة المجالات، يحتاجون إلى التربية الإيمانية الصادقة، وإلى تصحيح العقيدة وتصفيتها وترسيخها في النفوس، ويحتاجون إلى بناء العقليات الناضجة المتعقلة، البعيدة عن الاندفاع والهيجان والتقلب والاضطراب، ويحتاجون إلى الاندفاع في كل مجال للبناء والإصلاح والتعمير، يحتاج المسلمون في كل مجال من مجالات الحياة المباحة إلى أعداد كبيرة غفيرة، تجند وتجيش لخدمة الإسلام والمسلمين.

    في المجال الطبي -مثلاً- وفي مجال التقنية والتصنيع، والاقتصاد، وفي مجال الاجتماع، ومن ذلك أيضاً في مجال الإعداد المادي، والقوة المادية، وقبل ذلك كله في المجال الشرعي، وتصحيح عقائد الناس، وتصحيح أخلاقهم وعباداتهم، ودعوتهم إلى الالتزام بالكتاب والسنة، وتصحيح مفاهيمهم بحيث يكون هذا هو الإطار العام، الذي ينطلق منه المسلمون إلى كل مكان.

    فالقضية ليست بالبساطة، وأنك تتصور أنه كما يقول أحدهم:

    أصدقاء الحروف لا تعذلوني     إن تفجرتُ أيها الاصدقاءُ

    كُل أحبابي القدامى نسوني      لا نوار تجيبُ أو عفراءُ

    عندما تبدأ القنابل بالعزفِ      تموتُ القصائدُ العصماءُ

    صحيحٌ أن القصائد العصماء تموت إذا بدأت القنابل، لا نريد من القصيدة العصماء أن تلقيها والناس يتقاتلون، لكن نحتاج إلى الإيمان الصادق، ونحتاج إلى الخبرة، والدراية، ونحتاج إلى ألوانٍ كثيرة من شئون الحياة، ومن العلوم التي يفتقر إليها المسلمون في واقعهم، وينبغي أن ندرك العلل في جسم الإسلام حتى نعرف كيف نخرج، وإلا فسوف نظل ندور في حلقة مفرغة ولا نخرج منها.

    فلابد ألا نسرفإذاً- في تقدير قيمة القوة العسكرية والحل العسكري، وأن نضعه في موضعه الطبيعي، هي جزء من القوة، لكن هناك قوى أخرى كثيرة قبلها ومعها وبعدها نحتاج إليها، هذا الإسراف في تقدير القوة العسكرية مخالف للسنن الإلهية.

    ولا داعي لأن يتعجل الناس، الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه قال الله لهم: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [غافر:77] وفي الآية الأخرى: فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ [الرعد:40] والرسول عليه الصلاة والسلام حينما كان يربي أصحابه، ما رباهم على أن قال لهم: إنكم ستملكون فارس والروم وغيرها، خاصةً في مكة، بل رباهم على أن قال لهم: {تبايعونني على الموت ولكم الجنة قالوا: ربح البيع لا نقيل، ولا نستقيل}.

    هذه هي القضية، إذاً القضية مربوطة بالدار الآخرة، وأن هناك جنةً عرضها السموات والأرض لمن جاهدوا في سبيل الله، وصبروا وقاتلوا وقتلوا، أما قضية أنه في الدنيا يحصل شيئاً أو ما يحصل، أو ينتصر أو ما ينتصر، أو يغلب أو ما يغلب، هذا أمر مرده إلى الله عز وجل، قد يعطى لهذا الجيل أو للجيل الذي بعده، هذا الأمر غيبٌ عند الله عز وجل.

    عود على بدء؛ فإن إيجابيات الجهاد الأفغاني كثيرة، ومع ذلك لا يعني أننا ننكر أن الجهاد الأفغاني -كأي عملٍ إنساني وكأي عمل إسلامي- لا يخلو من سلبيات هنا أو هناك، وينبغي أن تكون الصورة معتدلة في أذهان الناس، حتى لا يقاجئوا بأي وضع جديد يحدث، فيحصل عندهم صدمة، فبدلاً من الحماس الذي كان يقول: يجب ويجب، تحول إلى حماسٍ مضاد، يقول: يحرم ويحرم! فينبغي ألا نعيش ردود فعل دائماً وأبداً ننتقل من النقيض إلى النقيض، هذا سيفقد الناس الثقة بنا، كدعاةٍ للإسلام، وطلبة علم، وسيفقد الناس -أيضاً- الثقة بالجهاد ليس في أفغانستان فقط، بل في كل مكان، وهذا لاشك ليس من مصلحة الجهاد ولا المجاهدين، ولا من مصلحة الإسلام والمسلمين.

    1.   

    تحية شعرية للمجاهدين في أفغانستان

    أختم بهذه الأبيات التي أحيي، ويحيي فيها الشاعر، الجهاد والمجاهدين في أفغانستان:

    لن يطول الظلام يا كابول     الطواغيت كلها ستزولُ

    أنتِ بنتُ الإسلام والشامة الزهـ      ـراء في خده وأنت القبيل

    أنتِ بنتُ الإسلام والمجرم الـ      وغد سرابٌ على ثراك دخيل

    راية الله في سمائك كالنسر      وفرسانه لديك تصولُ

    إنها غضبة العقيدة     فالـ      أرض حنين والمسلمون سيولُ

    لكأني أرى هنالك عمراً     يتهاوى أمامه أرطبيلُ

    وأرى خالداً يهز سراياه     تميلُ الحتوفُ حيث يميلُ

    وجنود الرحمن من كل صوبٍ     فالميادين كلها تهليلُ

    والخيول التي أغارت بـبدر     هي في حومة الصراع الخيولُ

    أطلقيها الله أكبرُحتى      يسقط الرأس منهم والذيولُ

    أطلقيها فإنهم حطب النارِ      وأنت الذراع والإزميلُ

    لا تراعي فإن قدرة ربي     فوق ما يرسم الغواة المغولُ

    كم ذليلٍ طغى وظن أن الريـ      ح تجري كما يشاء الذليلُ

    هؤلاء البغاة سوف يعـ      ودون خزايا وعصفهم مأكولُ

    زبد البحر لن يدوم وإن     عانيت يا أختُ منهم ما يهولُ

    هذه سنة الحياة جراحٌ     فكتويها وقاتلٌ وقتيلُ

    هكذا قدر الإله بأن النـ      صر من عمقِ جرحنا مسلولُ

    يؤلم الجرح إنما نشوة النـ      صر قريباً هي الشفاء العليلُ

    وقبل أن أقرأ الأسئلة، أقول كما قال نبي الله: إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ [هود:88] يعلم الله أنني لم أرد بهذه الكلمات إلا تصحيح الصورة عند المسلمين وتعديلها، والوصول إلى الحق الذي يحبه الله تعالى ويرضاه، والخروج بالمسلمين من بعض مشكلات وأزمات يواجهونها، ودعوتهم إلى تصحيح فكرهم وتصحيح مسارهم، وهو اجتهاد من نفسي بذلته، فإن كان ما قتله حقاً قُبِل، وإن كان خطأ رُدَّ، وإن كان منه حق ومنه خطأ، يقبل الحق ويرد الخطأ، وكل ما قلته -كما ذكرت- ليس إلا اجتهاداً، لم يكن دافعه إلا الأسى والحزن، حينما أرى الأسى والحزن في نفوس الشباب وغيرهم، وهم يسمعون بعض الأخبار التي تتناقلها أجهزة الإعلام، فيتجاوبون مع هذه الأخبار -أحياناً- بصورة غير صحيحة، لماذا؟

    لأنها كانت مفاجئة، وكان المفروض -مع أن المسلم يحزن لها ولا يحبها ولا يتوقعها- لكن يجب ألاَّ تكون مفاجئة، بمعنى أن يكون عندنا صورة معتدلة، طبيعية وواقعية، بحيث أنه إذا حصل شيء يكون مربوطاً بتلك الصورة، فيضعه الإنسان في موضعه الطبيعي، فأن كان خطأ أو أمراً سلبياً، فيجب المسارعة بعلاجه، لكن -أيضاً- لا يتعدى الأمر ذلك.

    1.   

    الأسئلة

    إعطاء الصورة الصحيحة للأمور من البداية

    السؤال: إن هذا الشقاق الذي حصل بين المجاهدين قد يستغله ضعاف النفوس لضرب أي جهادٍ يكون في أي مكان من البلاد في العالم، كفقولهم: انظروا لقد ساعدنا الأفغان، وماذا آل إليه أمرهم، أرجو التنبيه على ذلك.

    الجواب: هو هذا الذي كنت أخشاه؛ أن يقول قائلٌ مثل هذا الكلام، لكن إذا كنا نعطي الناس من البداية الصورة الصحيحة، لأي أمرٍ يقوم، ليست القضية فقط قضية جهاد، أي عمل خيري يراد أن يقام به يعطى الناس الصورة الصحيحة، لا يوجد داعي أن نجعل الدنيا -كما يقال- ورق بلا شوك أمام الناس، ونعطيهم صورة مثالية، فإذا رأى الناس الواقع وجدوا خلاف ما قلنا، فظنوا بنا الظنون، وأساءوا ظنهم بنا، ولم يتجاوبوا معنا مرةً أخرى في نشاطٍ أو جهادٍ ندعو إليه أو نقوم به، إما تبرعات أو أعمال خيرية أو غيرها.

    الحاجة إلى مضاعفة الجهود للقيام بالجهاد والدعوة

    السؤال: اتجاه كثير من الناس إلى الجهاد الأفغاني، وفي المقابل هناك مسلمون يقتلون في أنحاء العالم، ويسجنون ويعذبون، مثل الفلبين وألبانيا وغيرها، فما يقدم لهم شيء، ما هو تعليقكم؟

    الجواب: ينبغي أن يقدم للمسلمين في كل مكان، وينبغي -أيضاً- أن نقوم بجهد كبير في الدعوة، أقول -أيها الأحبة- بوضوحٍ تام: الأموال التي بذلت للإخوة في أفغانستان، ينبغي أن يبذل أضعافها للدعوة إلى الله تعالى في كل مكان، وأن يملك المسلمون جهاز دعوة ضخماً مزوداً بإمكانيات هائلة، بمراكز إسلامية، ومساجد ومدارس ومكتبات ودور نشر وكتب وصحف ومجلات، وسائل إعلام، كلها مجندة للدعوة إلى الله تعالى، سواءً دعوة المسلمين إلى مراجعة دينهم وتصحيح عقائدهم وأخلاقهم وسلوكهم وتفكيرهم، أو إلى دعوة غير المسلمين إلى الدخول في الإسلام، ولو ملكنا ذلك لاستطعنا -بإذن الله- أن نحول جزءاً كبيراً من العالم إلى أناس يدينون بالإسلام، مع أن الأمر الآن يمكن، وكثير من الناس يتطلعون، لكن لا يجدون الأيدي التي تأخذ بهم وتوجههم، وكثير منهم قد لا يجد كتاباً واحداً عن الإسلام إلا كتب مشوهة، والناس الذين قتلوا بـأفغانستان، ويقدرون بما يزيد على مليون ونصف، ونرجو الله تعالى أن يتقبلهم شهداء، وأن يغفر لنا ولهم، وأن يعوض المسلمين عنهم؛ ينبغي أن نجند أضعاف أضعاف هؤلاء، بل أضعاف من يكونون مقاتلين أيضاً، في أفغانستان وفي غير أفغانستان، نجندهم للدعوة إلى الله تعالى وتصحيح المفاهيم، سواءً في عالم المسلمين، أو في عالم الكفر بدعوته إلى الله عز وجل، ينبغي أن ندرك هذه القضية حق إدراكها.

    مقتل الشيخ جميل الرحمن دوافعه وآثاره

    السؤال: ذكرتم مقتل الشيخ جميل الرحمن رحمه الله، وكتبه الله تعالى من الشهداء، ما هي الدوافع لمقتل الشيخ؟

    وهل ترون أن لمقتله آثاراً سلبية على الجهاد هناك؟

    وإذا كانت عندك بعض التفاصيل عن الحادث.

    الجواب: عندي بعض التفاصيل عن الحادث، أما الدوافع فالذي قتله شخص عربي، يكنى بـأبي عبد الله الرومي، وكان مراسلاً لبعض المجلات هناك، ويقول من يعرفونه: إنه يكره الدعوة السلفية وأهلها وأصحابها، وربما كان هذا هو الدافع لقتل الشيخ. أما الأطراف الأخرى، فلا ينبغي أن نتهم أحداً إلاَّ ببينة، وقد قرأتُ بالأمس خبراً عن حكمتيار الذي هو يمثل الحزب الإسلامي، الذي هجم على كونر، يدين فيه مقتل الشيخ جميل الرحمن، ويعتبر أن مثل هذا العمل، يعتبر إساءة للجهاد، خاصة في مثل هذه الظروف التي يمر بها، وخاصة أن قتل الشيخ كان بعدما تم توقيع بعض اتفاقيات الصلح بين الطرفين، بواسطة اللجان التي تدخلت للمصالحة.

    أما بالنسبة للذي حصل بالضبط، أنّ هذا الشاب جاء وقد كان أخفى المسدس، فسأل عن الشيخ فخرج الشيخ، حيث كان في إحدى جلسات المصالحة، فجاء ليعانق هذا الرجل، فأخرج المسدس، وضربه ضربةً في جبينه، وأخرى على جانب رأسه، فأرداه قتيلاً، ثم حاول الفرار، لكن الحراس لما سمعوا إطلاق النار جاءوا فأطلق على بعضهم، ولما رأى أنه مأخوذٌ أطلق النار على نفسه. نسأل الله تعالى السلامة والعافية، وأن يعافينا من سوء الخاتمة، ويختم لنا ولكم بخير، إنا لله وإنا إليه راجعون.

    أما الآثار السلبية، فلا شك أن لمقتل الشيخ آثاراً سلبية، سواءً على الولاية التي كان يقوم عليها، والجماعة التي كان يرأسها، أو على الجهاد بشكل عام، وسيكون لذلك مضاعفات ليست محمودة، وتأويلات وتفسيرات، وكل ما أتمناه أن يكون الحادث فردياً -كما ذكر- وقد قرأت اليوم خبراً في جريدة عكاظ سرني، وأرجو أن يكون الخبر صحيحاً، يقول: أفادت مصادر مطلعة في الحزب الإسلامي، حكمتيار، وفي جماعة الدعوة إلى الكتاب والسنة، التي كان يرأسها الشيخ/ جميل الرحمن -رحمه الله- وقد عين بدله سميع الله أمس، أن مصادر في الطرفين قالوا: إن الحادث فردي، ولا علاقة لأحد من الأطراف به. كما قرأت مقالاً لـسياف، بعث به بخط يده، وذلك قبل مقتل الشيخ جميل الرحمن، ويقول: إنه ليس له علاقة بالهجوم على كونر.

    وأرجو أن يكون هذا الخبر صحيحاً، وأن يجمع الله تعالى شمل المؤمنين المجاهدين، وأن يوحد صفهم وكلمتهم، وأن يكتب لهم النصر المبين.

    نسأل الله تعالى أن يجمعهم على كتابه، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يوفقهم لتدارك أخطائهم وتصحيحها، وتوحيد صفوفهم وجمع كلمتهم، وتوجيه سهامهم وبنادقهم وقواتهم ومدافعهم إلى عدوهم.

    اللهم اغفر لنا أجمعين، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.