إسلام ويب

الرؤى والأحلامللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحدث الشيخ عن داوعي الحديث عن هذا الموضوع، ثم ذكر دلالات الرؤى والأحلام، ثم بين حقيقة الرؤيا عند غير المسلمين وعند المسلمين، وعلى ضوء ذلك شرع في ذكر أقسام الرؤيا كما تدل على ذلك النصوص الشرعية، ثم عرف الرؤيا الصالحة ومنـزلتها، وأن من جملة من يرى الرؤيا الصالحة الأنبياء والصحابة الصالحون وأنه قد يراها غير الصالحين، وذكر بعض الرؤى الواردة عنهم. ثم عدد عوامل صدق الرؤيا، وأنه لا يثبت بالرؤيا حكم شرعي، وأن لها آداباً، وختم بالكلام على تعبير الرؤيا..

    1.   

    مقدمة عن الدروس العامة

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل لـه، ومن يضلل فلا هادي لـه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليماً كثيراً.

    أما بعــد:

    فهذا هو الدرس الأول من (سلسلة الدروس العلمية العامة) التي كنت وعدت بها إخواني من طلاب درس الحديث في مطلع العام الهجري الحالي، أي: قبل نحو ستة أشهر، ثم وعدتهم في المجلس السابق أن نبدأ في هذه الليلة، وهي ليلة الإثنين، السابع عشر من شهر رجب لعام (1410هـ).

    لابد -أيها الإخوة- قبل أن أبدأ بموضوع هذه الأمسية، أن أعطي الإخوة الحضور والمستمعين فكرة عن منهج هذا الدرس.

    ففي الأصل كانت هناك نية لإيجاد درس آخر في (بلوغ المرام) لكن حالت دونه بعض الحوائل، ففكرت في إقامة درس آخر، ثم ترددت ماذا يكون الموضوع الذي أُدرِّس فيه؟

    هل أدرس في التفسير مثلاً؟

    فهناك وقفات وفوائد عظيمة في هذا العلم، أم أُدرِّس في السيرة النبوية؟

    ولا شك أن الناس في أمس الحاجة إلى دروس وعبر من سيرة نبيهم صلى الله عليه وسلم أم أدرس في العقيدة والتوحيد؟

    وهذا هو لُبُّ اللباب وأصلُ الأصول، وقد كثرت الثغرات والانحرافات في هذا الباب، فالناس أيضاً في أمس الحاجة إلى من يبصرهم بحقيقة دينهم وأصل الأصول فيه، ألا وهو موضوع العقيدة الصحيحة، والرد على أهل البدع والأهواء والمِلَل والنِّحَل وغيرهم.

    وبعد طول تفكير؛ رأيت أن من المناسب أن يكون هذا الدرس عاماً ليشمل هذه الأمور جميعها؛ بحيث يكون لدينا فرصة لنتحدث في إحدى الليالي -مثلاً- عن موضوع في العقيدة، ونتحدث في ليلة أخرى عن موضوع في السيرة، وفي ليلة ثالثة: عن موضوع يتعلق بالأخلاق والآداب والسلوك، وفي بعض الليالي عن موضوعات تتعلق بالأحوال الاجتماعية، والتنبيه عن بعض ما يقع الناس فيه، وأحياناً يكون هناك مناسبة تستدعي الحديث عنها، كقدوم موسم من مواسم الطاعة، كاستقبال رمضان أو الحج، أو وجود مناسبة تاريخية معينة، أو حدوث حادث يتطلب التعليق عليه والتوعية بشأنه، فضلاً عن بعض الموضوعات الأخرى التي يناسب طرحها في مثل هذا المجال.

    ولذلك رأيتُ أن يبقى موضوع هذا الدرس عاماً، من ناحية عدم تقييده بفن معين، بل قد أتحدث - أحياناً - عن كتاب من الكتب له أهمية، أو نقد له، أو أتحدث عن ترجمة لبعض رجالات الإسلام الكبار، وبعض الدروس والعبر والفوائد من حياته.. إلى غير ذلك؛ بحيث لا يكون هناك حدود أو قيود في هذا الموضوع.

    هذا من جهة موضوع الدرس، فلن يكون له موضوع خاص، بل سيكون لكل ليلة موضوع خاص، وقد يستدعي الأمر -أحياناً- أن أتحدث ليلتين أو أكثر، على مدى أسبوعين أو أكثر في موضوع واحد؛ لأنه موضوع طويل، ولا يمكن استقصاؤه واستيعابه في درس واحد أو جلسة واحدة، كما هو الحال -تقريباً- بالنسبة لدرس هذه الليلة، فسيتضح لكم أنني لا أستطيع أن أستغرق كل ما ينبغي أن يقال في هذا الموضوع في هذه الأمسية الواحدة.

    إذاً: هو درس علمي عام، وسأحرص -إن شاء الله- على أن يكون تناول الموضوع الذي أريد الحديث عنه -قدر الإمكان- مُيَسراً مُسَهلاً قريباً، يمكن أن يفهمه أي إنسان، بمعنى: ألاَّ يكون هذا الدرس خاصاً بطلاب العلم، كما هو الحال في درس (بلوغ المرام) بل أن يكون الدرس درساً للكافة، مِن الكبار والصغار، والمتعلمين وغير المتعلمين، ومِن الرجال والنساء أيضاًً، ولذلك -إن شاء الله- سيتم إيجاد وترتيب مكان مخصص للنساء، إن لم يكن موجوداً فعلاً الآن، هذا ما يتعلق بموضوع الدرس.

    أما وقته فقد علمتموه جميعاً، فسينعقد بصفة دورية أسبوعية -إن شاء الله- في كل أسبوع، في مساء الأحد، ليلة الإثنين، بعد صلاة المغرب، في هذا المكان، في الجامع الكبير بـبريدة.

    أما فيما يتعلق بـما بين الأذان والإقامة، فسيكون مخصصاً للإجابة على الأسئلة غالباً، باستثناء هذا الليلة؛ لعدم ترتيب مسبق في هذا، وإلاَّ فسيكون هناك ورق تُوَزَّع على الإخوة الحضور أو على من أراد؛ لكتابة الأسئلة، على أن تكون الأسئلة متعلقة بالدرجة الأولى بالموضوع، لا مانع من الأسئلة المهمة وإن لم تكن في الموضوع، لكن في الدرجة الأولى: بالموضوع؛ لأننا سنتناول -كما ذكرتُ- موضوعات كثيرة، فيستحسن أن تكون الأسئلة فرصة لاستكمال الجوانب التي قد لا أكون تطرقت إليها أثناء الحديث.

    هذه مقدمة تتعلق بفكرة هذا الدرس وطبيعته وطريقته، ولا أستغني عن جهودكم في هذا المجال؛ لأن هذا الدرس عام -كما ذكرتُ لكم- فمثلاً: حين يوجد في المجتمع ظاهرة معينة تحتاج إلى الحديث عنها، قد لا أستطيع أن أدرك هذه الظاهرة؛ لأنني - أحياناً - أكون بعيداً عنها، لكن منكم من يدركها، ويحس أنها موضوع يستحق الحديث، فلا مانع من الاقتراح في هذا المجال، بل هو مطلوب.

    1.   

    أهمية موضوع الرؤى والأحلام

    موضوع هذا الليلة هو: الحديث عن (الرؤى والأحلام).

    ولا بد أن يسأل سائل: لماذا تبدأ بهذا الموضوع، موضوع الرؤى والأحلام؟

    فأقول:

    أولاً: ليس البدء بهذا الموضوع مقصـوداً أن نبدأ به دون غيره، كلا! بل من منهج هذا الدرس ألا يلـتزم -كما ذكرتُ- بترتيب معين، بل ينتقل من موضوع إلى موضوع، ولو كانا متباعدَين؛ لدفع الملل والسآمة عن نفوس الإخوة الحضور والمستمعين عموماً.

    ثانياً: أما الحديث عن الرؤى والأحلام، فهو ضروري لأسباب أشير إليها:

    الغلو في الرؤى أو الجفاء عنها

    أولاً: ما ذكره الإمام أحمد رحمه الله: أنه كان يقول في عهده، وقد شُكِي إليه بعض الانحراف في أمور معينة، فقال: "هذا الزمان قَلَّمَا تجد فيه شيئاً مستقيماً".

    أكثر الأشياء مُعْوَجَّة، وإذا كان هذا في عصر الإمام أحمد، فما بالك في عصرنا هذا؟!

    فكل شيء في عصرنا هذا يكاد أن يكون وقع فيه اعوجاج عظيم، ويحتاج إلى تقويم، ففي موضوع الرؤيا -مثلاً- تجد هناك مَن غلا في تقييم الرؤيا ورَفَعَها عن مكانتها، حتى أصبحتَ تجد مَن يَعْتَبر الرؤيا تشريعاً أو ينقص بها شرع الله عز وجل، فقد يحلل الحرام أو يحرم الحلال؛ بناءً على رؤيا رآها، وقد يدَّعي بعضهم عِلْمَ الغيوب التي تفرد الله تعالى بعلمها، والتي لم يطّلع عليها أحداً، بسبب أنه رأى رؤيا أو رئيت له رؤيا، وطالما افتتن الناس -مثلاً- بأن فلاناً رأى أن الساعة تقوم بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة، مجرد رؤيا في المنام، تخدع كثيراً من سذج الناس ودهمائهم، مع أنها مناقضة لصريح القرآن الكريم، قال الله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [لقمان:34] إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا [طه:15] يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا [النازعات:42-45] ومع ذلك فكثيراً ما ينخدع الناس بهذا، وقد تنشره الصحف أحياناً، ويغتر به بعض المسلمين.

    وفي مقابل هؤلاء الذين يعظمون شأن الرؤيا، ويعتبرونها -أحياناً- تشريعاً؛ تجد هناك من يستهينون بالرؤيا ويفرطون في شأنها، حتى أنهم لا يرونها شيئاً، يقللون من قيمتها، بل لا يرون لها قيمة البتة، ويرون أن جميع ما يُتَحَدَّثُ عنه من الرؤى، إنما هو كلام عجائز، وخرافات وأساطير وما أشبه ذلك!

    وهذا هو الآخر انحراف في الطرف الثاني، وهو أقرب ما يكون إلى نظرات الماديين في هذا العصر، الذين لا يؤمنون إلا بالمحسوس، ولذلك ينكرون الغيب، وما يتعلق به من الأمور.

    ارتباط الرؤى بواقع الناس

    ثانياً: أننا نجد أن الرؤيا مرتبطة بواقع الناس، فكثيراً ما يتحدث الناس عن الرؤى والأحلام وخاصةً النساء، وغيرهن على سبيل العموم، كثيراً ما يتحدثون عن الرؤى والأحلام، يقال: رأيت فيما يرى النائم، ورأت فلانة، ورأى فلان، وما أشبه ذلك.

    وعلى سبيل المثال أيضاً: عندما تسمع من بعض المشايخ الذين يسألهم الناس عن أمور دينهم، تجد أن كثيراً من السائلين يسألون عن الأحلام -أحياناً- أكثر مما يسألون عن الحلال والحرام، كثيراً ما يسأل الإنسان عن رؤيا رآها لنفسه، أو لأبيه الذي مات منذ كذا أو أمه التي ماتت منذ كذا، أو قريبه، لكن ربما هذا الإنسان نفسه لا يسأل -أحياناً- عن أمر من أمور الدين الذي يخصه ويتعلق به، وقد يكون بعض ما يسأل عنه من الرؤى والأحلام أضغاث أحلام لا قيمة لها.

    وأذكر أن كثيراً من المغرضين يستغلون ناحية اشتغال الناس بالرؤيا، فينشرون -أحياناً- رؤى باطلة، ولعلكم جميعاً تذكرون الورقة التي وُزِّعت منذ سنين عما يسمى بـ(رؤيا الشيخ أحمد) خادم الكعبة، كما سُمِّيَ في الورقة، وفيها تهاويل وخرافات ومبالغات وأساطير ما أنـزل الله بها من سلطان، وفي نفس الورقة طُلِبَ أن تُكْتَبَ هذه الرؤيا وتوزع، وأن من استهان بها أو أحرقها أو أتلفها فإنه يتعرض للعقوبة العاجلة والآجلة، وهذه الرؤيا كَتَبَ فيها سماحةُ الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رسالة بعنوان: تنبيه هام على كذب الوصية المنسوبة إلى الشيخ أحمد، ووزع الكتاب كثيراً ومراراً، ومع ذلك فإن هذه الوصية نفسها تثور بين حين وآخر، وتنتشر عند الخاصة والعامة، وأخص: أوساط النساء في كثير من الأحيان.

    وقبل فترة ليست بالبعيدة في أواخر الفصل الأول؛ اتصل بي مجموعة غير قليلة من الطالبات، يسألن عن رؤيا يزعمن أنها وُجِدَت، فيقلن: إن إحدى الفتيات كانت مريضة أو شيئاً من هذا القبيل، ورأت في المنام إحدى أمهات المؤمنين، فقالت: إنها مَسَحَتْ عليها، فشُفِيَتْ بإذن الله، ثم قالت لها: اكتبي هذه القصة في ورقة (13) مَرَّة، وأبلغي الناس أن يكتبوها (13) مَرَّة، ومن كتبها فإنه يكون له الأجر والثواب في الدنيا والآخرة، ومن استهان بها فإنه يُعاقَب.

    وانتشرت هذا الأسطورة في أنحاء البلاد، وبدأ بعض النساء يَكْتُبْنَها، خوفاً من العقوبة الدنيوية، أو خوفاً من العقوبة الأخروية، مع أنها أسطورة مكذوبة مختلقة لا أصل لها.

    ونحن لا نشك في أن هذا الأمر مكذوب لأسباب عديدة، سبق أن بينتها في بعض المناسبات، منها على سبيل المثال: إن هذه الرؤيا لا يتعلق بها تشريع ولا حلال ولا حرام، بمعنى: أنه ليس فيها حكم شرعي، حتى يلزم الناس أن يطلعوا عليها ويعرفوها ويكتبوها، فمن أنكر هذه الرؤيا وكذبها، فكيف نقول: إنه آثم أو يتعرض لعقوبة؟!

    التشريع من عند الله تعالى، والله تعالى أنـزل على رسوله صلى الله عليه وسلم: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً [المائدة:3] فقد كَمُلَ الدين، وتمت النعمة، فلم يعد الدين بحاجة إلى من يكمله، بمعنى: أن بعد وفاة الرسول -عليه الصلاة والسلام- لن يَجِدَّ أمرٌ من الأمور يصبح بعد وفاته -عليه الصلاة والسلام- مطلوباً من الناس، أو يصبح بعد وفاته -عليه الصلاة والسلام- منهياً عنه، المنهيُّ عنه عُلِم والمطلوبُ عُلِم، ولم يعد هناك مجال للزيادة أو النقص في الدين.

    كما أننا نعلم أن هذه القصة مسلسلة بالمجهولين والكذابين، فمن التي رأت هذه القصة؟

    ومن الذي روى عنها وأسند عنها هذا الخبر؟

    لا شك أنهم أناس أو نساء مجهولات لا نعرف مَن هُن!

    ثم لنفترض أن هؤلاء النساء نساء موثوقات ودينات وصينات وعابدات و... و... إلخ، فكيف يروِين مثل هذا الأمر الذي لو فُرِضَ أنه صحيح ورأته واحدة في المنام؛ لكنا نجزم ونقطع بأنه من لَعِبِ الشيطانِ على الإنسان؟

    لأن الشيطان قد يأتي للإنسان في المنام فيلعب به ويخادعه، فإذا حدث مثل هذا، فكان الأجدر بالإنسان أن يكتم هذا الأمر ولا يُخبر بِلَعِب وعَبثِ الشيطان به في منامه، أما أن يعلنه على الناس ويبينه ويضـحك به على السذج، فهـذا -لا شك- أنه لا يجوز.

    وأخيراً: أقول في شأن هذه الرؤيا: كونها تطلب أن تُكتب هذه الرؤيا وتُنْشر، وتزعم أن رجلاً كتَبَها فحصل له سعادة ومال وتوفيق، وآخر مزقها ففصل من وظيفته، وثالث أصابه حادث، ورابع تلف ماله بسبب تمزيقها، نسأل: هذه الرؤيا هل تُكْتب على أنها أمر من الأمور الدينية، أم تُكْتب على أنها أمر من الأمور الدنيوية؟

    إن كانت ستكتب على أنها دين، فلا شك أن هذا باطل؛ لأن تعالى يقول في محكم التنـزيل: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16] فالإنسان لو صلَّى -مثلاً- أو صام أو حج يريد الدنيا؛ لكان صومه وصلاته وحجه من الأشياء التي يُعاقَب عليها في الآخرة، وإن كانت عبادات في الأصل، لكنه أراد بها الدنيا قال الله: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا [هود:15] وكذلك يقول الله تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [الماعون:4-7].

    إذاً: أنت لو صليتَ -مثلاً والصلاة مشروعة كما هو معلوم- تريد الدنيا، وتريد مدح الناس أو ثناءهم، أو أن يزوجوك، أو أن تحصل على وظيفة من المصلين، لكانت صلاتك وبالاً عليك، وتعذب بها يوم القيامة، وهي عبادة في الأصل، لكن نيتك فيها سيئة، فكيف حين يفعل الإنسان أمراً ليس مشروعاً بنية تحصيل الدنيا؟ هذا لا يكون.

    والأسباب في الوصول إلى الأمور الدنيوية معروفة، فالإنسان -مثلاً- إذا أراد حفظ صحته -بعد توفيق الله- يعمل بالأسباب، مثل: تجنب الإكثار من الطعام والشراب أو الإقلال منه، أو التعرض -مثلاً- للبرد الشديد، أو الحر الشديد، أو غير ذلك من الأسباب التي تجلب لـه -بعد إرادة الله تعالى- المرض.

    فأسباب تحصيل الأمور الدنيوية معروفة، وأسباب تحصيل الأمور الدينية أيضاً معروفة، فهذه الرؤيا ليست من أسباب تحصيل أمور الدنيا، وليست من أسباب تحصيل أمور الدين، وبذلك ثبت أنها باطلة، وأنه يجب التحذير منها، وأن ينتبه لذلك أولياء الأمور، فينبهوا من يطلعون عليه إلى مثل هذا السخف ومثل هذا الهراء.

    إذاً: كثيراً ما يشتغل الناس بالرؤى والأحلام، وكثيراً ما تؤثر في حياتهم، وتجعل بعضَهم يتصرفون تصرفات منافية للشرع.

    بيان شمولية الإسلام

    الأمر الثالث الذي يدعو إلى الحديث في موضوع الرؤيا هو: أن نبين أن للإسلام بياناً وتفصيلاً في كل أمر من الأمور، كما قال الله عز وجل: وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً [الإسراء:12] وقال أيضاً: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل:89] ولذلك جاء في الصحيح: {أن رجلاً من اليهود أو من المشركين قال لـسلمان الفارسي رضي الله عنه: هل علمكم نبيكم كل شيء، حتى الخراءة؟ -يعني: آداب قضاء الحاجة- قال: أجل! أمرنا ألا نستقبل القبلة بغائط ولا بول، وألا نستنجي برجيع ولا عظم، وألا نستنجي بأقل من ثلاث أحجار}.

    فلم يمت النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد بين لأمته البيان الشافي الشامل الكامل في كل أمر من الأمور، دقيقها وجليلها، ومن ذلك: أمر الرؤيا، فقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم أتم بيان، وهذا الهدي النبوي الذي بينه الرسول صلى الله عليه وسلم يقف في مقابلة كلام المنحرفين الذين لم يستنيروا بنور النبوة، فأنت تجد في موضوع الرؤيا -مثلاً- هناك للأطباء في الرؤيا كلام، وللفلاسفة أيضاً كلام، ولعلماء النفس في العصر الحاضر في الرؤيا كلام، حتى أن فرويد، وهو صاحب مدرسة التحليل النفسي -كما يسمونها- لـه نظرية متكاملة في الأحلام، وسيأتي الإشارة إلى بعض الطرائف المضحكة في شأن هؤلاء بعد قليل إن شاء الله.

    إذاً: نحن نبين للناس هدي الإسلام وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ في مقابل ما يُشاع على ألسنة الكثيرين من انحرافات الجاهلية، ولوثات المادية، ومع الأسف الشديد لم يعد الكلام في الرؤيا -الذي يقوله أعداء الإسلام- سراً، فقبل أسابيع كنت أستمع إلى أحد البرامج، فإذا به يتحدث عن الرؤى والأحلام، ويذكر نظريات غربية مادية في شأن الرؤيا، ويعتبر أنها من أحدث ما توصل إليه العلم، وأنها أمور طريفة، مع أن المسلم الواعي لا يملك إلا أن يضحك منها، ويحمد الله على نعمة العقل والإسلام.

    وعلى أي حال فإن منهج الإسلام في موضوع الرؤيا هو منهج الاعتدال، لا إفراط ولا تفريط، ليست الرؤيا وحياً ولا تشريعاً، كما أن الرؤيا ليست عبثاً ولا تخليطاً، بل منها الحق ومنها الباطل، كما سيظهر.

    1.   

    معنى الرؤيا ودلالتها

    النقطة الثانية التي سأشير إليها هي: الحديث عن معنى الرؤيا ودلالاتها.

    أما معنى الرؤيا فهو ما يتخيله الإنسان ويَعْرِض له في منامه. وتُجْمَع على رؤى، ومفردها رؤيا، ويقال: أحلام، ومفردها حُلُم، وسيأتي بيان الفرق بين الرؤيا وبين الحُلُم.

    وأما ما يراه الإنسان عياناً فيُسَمَّى رؤية، بالهاء، فإذا قيل: رؤيا، فمعناها: رؤيا في المنام، وأما إذا قيل: رؤيةٌ، فالمقصود رؤية بالعين المجردة، وقد تُسمى الرؤيا مناماً. هذا فيما يتعلق بتعريفها.

    أما فيما يتعلق بدلالات الرؤيا، فأحب أن أشير إلى عدة نقاط، أعتبر أنها مهمة جداً.

    الدلالة الأولى: أنها تدل على اهتمام صاحبها

    الدلالة الأولى من دلالات الرؤيا: أنها تدل على اهتمام صاحبها.

    فإذا اهتم الإنسان بشـيء فإنه كثيراً ما يراه في منامه، كما أن الواحد إذا اهتم بأمر فإنه يشغله وهو في الصـلاة أحياناً، ويشغله وهو يستمع إلى محاضرة، فكذلك يشغله هذا الأمر وهو في المنام، فيرى رؤى وأحلاماً متعلقة بهذا الأمر الذي شغله في اليقظة.

    ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث سمرة بن جندب المتفق عليه: {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى الفجر التفت إلى أصحابه، وقال لهم: هل رأى أحد منكم رؤيا؟

    فإن رأى أحدهم رؤيا قصها. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: خيرٌ لنا وشرٌّ لأعدائنا} ويؤوِّل هذه الرؤيا.

    إذاً: كونه صلى الله عليه وسلم يسأل أصحابه: { هل رأى أحد منكم رؤيا؟ } دليلٌ على أن أولئك الرجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين كان هم الإسلام يشغل قلوبهم -حتى وهم يتقلبون في فرشهم- كانت قلوبهم مرتبطة بالإسلام، ولذلك انظر أيَّ لون من المرائي كانوا يرونها؟

    وسأشير في نقطة قادمة إلى بعض مرائي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لا بأس أن نسبق الأحداث، وأشير إشارة عابرة إلى شيء منها:

    رؤيا عبد الله بن عمر -مثلاً- كما في الصحيحين يقول: {كنت أنام وأنا أتمنى أن أرى رؤيا، فرأى يوماً من الأيام أنه جاءه رجلان فأخذا بيديه، فذهبا به فوقفا به على النار، قال: وإذا بها رجال قد عرفتهم، وهي مطوية كطي البئر، ولها قرنان، فقلت: أعوذ بالله من النار. فقالا لي: لن تُرَعْ -أي: لا تخف- ثم ذهبا به إلى الجنة، وأعطياه قطعة من حرير، قال: فما أريد مكاناً إلا طارت بي إليه، ثم استيقظ، فأخبر أخته حفصة بهذه الرؤيا، فأخبرت بها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: نِعْم الرجلُ عبد الله بن عمر لو كان يقوم من الليل. فكان عبد الله بن عمر بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلاً} كان كثير الصلاة رضي الله عنه وأرضاه.

    إذاً: هذا ما كان يفكر فيه ابن عمر في يقظته رضي الله عنه وأرضاه، أي: كان موضوع الجنة والنار قد شغل باله، وكان لـه حيز في قلبه وتفكيره في اليقظة، فلما نام رأى رؤيا تتناسب مع هذا الهم الذي كان يشغله في يقظته.

    ومثله مرائي كثيرة حصلت للنبي صلى الله عليه وسلم نفسه، كما في رؤياه في معركة أحد، وكما في رؤيته صلى الله عليه وسلم لـعمر في أحوال عديدة، ومنها: أنـه صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيح: {دخلت الجنة فوجدت فيها قصراً من ذهب، فاقتربت منه فوجدت امرأة تتوضأ، فسألتُ: لمن هذا القصر؟ قالوا: لـعمر قال: فأردتُ أن أدخل، ثم ذكرتُ غَيْرَتك فولَّيتُ مدبراً، قال أبو هريرة: فبكى عمر رضي الله عنه وقال: أوَ عليك أغار يا رسول الله!}

    وقل مثل ذلك في مرائي كثيرة رآها النبي عليه الصلاة والسلام، أو رآها أصحابه الكرام، أو رآها الصالحون، وسوف أشير إليها -إن لم يمكن في هذه الحلقة- ففي الأسبوع القادم الذي وعدتكم بأننا سوف نكمل فيه الحديث عن هذا الموضوع.

    المهم أن الرؤيا أولاً: تدل على اهتمام الرائي بأمر من الأمور، فإذا كان الإنسان مشتغلاً بقضية الإسلام والإيمان، فإنه -غالباً- يرى أموراً تتعلق بهذا الموضوع.

    وقُل مثل ذلك فيمن يكون مشغولاً بغير هذا، مَن يكون مشغولاً بالدنيا أو بالدراسة، أو بأي أمر من الأمور، غالباً ما يرى ما يتناسب مع اهتمامه.

    دلالتها على العجز وعدم التمكن

    الدلالة الثانية من دلالات الرؤيا: هي أنها تدل على نوع من العجز وعدم التمكن.

    كيف ذلك؟

    الإنسان - أحياناً - تُغْلَق أمامَه الأبواب في أمر من الأمور، والوسائل التي يستطيعها بذلها، ثم فوض الأمر بعد ذلك إلى الله، والإنسان بطبيعته ضعيف وعاجز، وهذا من حكمة الله تعالى، ومن علامات النبوة -أيضاً- أن الرؤيا تدل على العجز في الإنسان.

    ولذلك تجد -مثلاً- أن السجين كثيراً ما يرى الرؤيا. لأن السجين أُغْلِقَت أمامَه الأبواب، فهو عاجز لا يستطيع أن يصنع شيئاً، ولذلك غالب بضاعته تتعلق بالرؤيا، وفي القرآن الكريم في سورة يوسف، ذكر الله تعالى ضمن القصة مرائي عدد من المساجين الذين ذكروا ليوسف عليه السلام مرائيهم: قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:36].

    وكثيراً ما يرى المسجونون الأحلام ويتحدثون بها، وأذكر شاعراً كان يقول وهو في السجن، يصف حاله:

    خرجنا من الدنيا ولسنا من أهلها     ولسنا من الأموات فيها ولا الأحيا

    إذا جاءنا السَّجَّان يوماً لحاجة     عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا

    ونفرح بالرؤيا فجُلُّ حديثِنا     إذا نحن أصبحنا الحديثُ عن الرؤيا

    فهي تدل على نوع من العجز، ولعلي أستشهد في هذا بالحديث الذي صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه مسلم وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا تقارب الزمان لم تَكَدْ رؤيا المؤمن تكذب}.

    والمقصود بذلك: أنه في آخر الدنيا، وقبل قيام الساعة، يغلب على رؤيا المؤمن الصدق، حتى لا تكاد تكذب، ولا تكاد تخلف، ولعل من الحِكَم -والله تعالى أعلم- أن المؤمن في آخر الزمان ضعيف مستضعف؛ لأن الإيمان قَلَّ ونَدُرَ أهله، وكَثُر الشرك والفساد والضلال والانحراف والمنكر، فأصبح المؤمن يعتصر قلبه من الأسى والحزن، ثم لا يجد طريقة ينصر فيها الإسلام، ويأمر فيها بالمعروف، وينهى فيها عن المنكر، ويدعو الناس إلى الخير، وحينئذ -مع شدة اهتمامه بقضيته- ينفس الله تبارك وتعالى عن هذا المؤمن بهذه الرؤيا، التي يكون فيها الأنس والسرور والتثبيت والتبشير لهذا المؤمن.

    التطلع إلى المجهول المغيب

    الدلالة الثالثة من دلالات الرؤيا: أن في الرؤيا تطلعا إلى المجهول المغيب عن الإنسان.

    ومن حِكمة الله تعالى أنه غيَّب عن الإنسان أشياءَ كثيرة، عالَم الغيب محجوبٌ عن الإنسان، فالإنسان بطبيعته يتطلَّع إلى المغيَّب عنه، فإن كان مؤمناً فإنه يتطلع بطريقة، وإن كان غير مؤمن فإنه يتطلع بطريقة أخرى.

    خُذ على سبيل المثال: كثيرٌ من الناس يتجهون إلى التعرف على المحجوب عنهم عن طريق الخط في الرمل، والضرب بالحصى، وإتيان الكهان والعرافين والمنجِّمين وغيرهم، الذين يدَّعون علم الغيوب، فيقولون للناس: سيحدث كذا وكذا، وكذا، وهذا من وحي الشياطين إليهم.

    ومثله الخط في الرمل والضرب بالحصى وغيرها. فبعض الشباب -مثلاً- إذا أهمه أمر وأراد أن يعرف نتيجته؛ يسلك طريقة هي طريقة الخط في الرمل؛ لأنهم يهتمون بأمور دنيوية؛ فإن الواحد منهم إذا اهتم بموضوع الرياضة، فالرياضة أصبحت هماً مقلقاً لكثير من الشباب، فهو يهتم لقضية من يفوز في مباراة رياضية، لكن لا يهتم بقضية الإسلام، وقضية انتصار الإسلام، وقضية التنصير الذي يجتاح المسلمين، وقضية احتلال اليهود لبلاد الإسلام، والشيوعيين، والنصارى، هذه قد لا تهمه.

    يهمه أن فريق كذا انتصر على كذا، فإذا أُعْلِنَ عن مباراة حاوَلَ أن يتعرَّفَ على نتيجة المباراة قبل حصولها، كيف؟

    يخط خطوطاً في السبورة أو في الأرض مثلاً هذا يفعله بعض الشباب، يضاهِئون به فِعْل أهل الجاهلية، ويَتْبَعُون به وحيَ الشياطين، فيخطون خطوطاً عشوائية، فيقولون: إن كانت الخطوط فردية، فالنصر حليف فلان، وإن كانت الخطوط زوجية؛ فالنصر حليف فلان، ثم بعدما ينتهون من التخطيط العشوائي يبدءون في العد، فإذا كان فردياً قالوا: المنتصر فلان، وإن كان زوجياً قالوا: المنتصر فلان.

    إذاً: يتعرف الإنسان غير المؤمن أو ضعيف الإيمان، الذي يَتَّبِع الشيطانَ في كثيرٍ من أموره، يتعرف أو يحاول أن يتعرف على ما حُجِب عنه عن طريق الوسائل المحرمة.

    ولعلكم تشاهدون ما يُكْتَب في المجلات والصحف اليوم، وهي تباع في أسواقنا مع الأسف الشديد: حظك هذا الأسبوع، أو ما أشبه ذلك، ويضعون بروجاً معينة، فإذا كنتَ من مواليد برج الثور، أو مواليد برج الحوت، فإنه في هذا اليوم سوف يحصل لك أزمة عاطفية، أو يحصل لك أمور تجارية، ومكاسب تجارية، أو صفقة مربحة، أو يحصل لك كذا وكذا.

    ومع الأسف أن المسلمين يشترون هذه الأشياء بأموالهم، ويتعاطونها فيما بينهم، وينسون هدي نبيهم صلى الله عليه وسلم الذي حذَّر من الكهان والعرافين والمنجمين، وبيَّن أن من صدقهم فإنه كافر بما أنـزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم، ومن أتاهم ولو لم يصدقهم؛ فإنه لا تقبل له صلاة أربعين يوماً، صح ذلك عنه عليه الصلاة والسلام.

    هذا شأن غير المهتدين بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، يتعرفون على المحجوب عنهم بهذه الطريقة.

    أما المهتدي بهدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه يُفْتَح لـه روزنة إلى ما حُجِب عنه -إلى المجهول- عن طريق الرؤيا وما أشبهها، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: {لم يَبْقَ من النبوة إلا المبشرات. قالوا: وما المبشرات يا رسول الله؟

    قال: الرؤيا الصالحة، يراها الرجل، أو تُرى له} وإنما عدَّها النبي صلى الله عليه وسلم من النبوة؛ لأن هذه المبشرات فيها إشعار للمؤمن بأمر خير سيقع، فيكون فيها تبشير له بما سيقع من هذا الخير، وقد يكون فيها تحذير المسلم من شر سيقع؛ ليأخذ أُهْبَتَه واستعداده لـه، فتكون محذرات، وإنما سماها مبشرات على سبيل التغليب، ولأنها بالنسبة إلى غيره تعتبر خيراً له.

    فالمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن هذه الرؤى من المبشرات، كما أنه عليه الصلاة والسلام قال في الحديث المتفق عليه أيضاً: {الرؤيا الصالحة جزءٌ من ستة وأربعين جزءاً من النبوة} وفي لفظ: {الرؤيا الصالحة جزءٌ من سبعين جزءاً من النبوة}.

    وقد أطال أهل العلم في الكلام على معنى كون الرؤيا من النبوة، بما لا أرى ما يدعو إلى الحديث عنه الآن والإطالة في شأنه، لكن من الأشياء المشهورة في هذا الباب: ما ذكره الإمام ابن القيم، وذكره قبله جماعة من العلماء: أن معنى كونها جزءاً من (46) جزءاً من النبوة: أن الرؤيا الصالحة في أول النبوة، مكثت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم مكث ثلاثاً وعشرين سنة نبياً رسولاً عليه الصلاة والسلام فستة أشهر إلى ثلاث وعشرين سنة هي جزء من ستة وأربعين جزءاً.

    وهذا التفسير عليه بعض الاعتراضات والمآخذ، التي من أهمها: إن الحديث جاء في سياق بيان البشارة للمؤمنين بالرؤيا، وعلى هذا التفسير تكون خاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم على أي حال هذا أحد الأقوال في الحديث.

    والأقرب والأظهر عندي -والله تعالى أعلم- أن مقصود الحديث: أن الرؤيا فيها إشعار للمؤمن بخير سيقع ليغتنمه، أو بشر سيقع ليجتنبه ويحذر منه ويتخذ أُهبته واستعداده، فهي من هذا الوجه جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة؛ لأن فيها إخباراً لهذا المؤمن بأمر غيب لم يقع، وإن كان لا يمكن الجزم والقطع بهذه الرؤيا إلا إذا وقعت؛ لأنه قد يخطئ الذي عبَّرها، وقد تكون على خلاف ما ظن أو على خلاف ما توقع.

    المقصود: أن المؤمن فتح الله تعالى لـه هذا الرَّوْزَنَة، لمعرفة بعض الأحداث والأشياء التي وقعت أو ستقع أيضاً، كما أن الرسول عليه الصلاة والسلام علَّم المؤمنين موضوع الاستخارة في الأمور المستقبلية، كما في صحيح البخاري من حديث جابر: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علاَّم الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر -ويسميه باسمه- خير لي في ديني ودنياي، وعاجل أمري وآجله، ومعاشي ومعادي فاقْدِرْه لي ويسره لي، وإن كنت تعلم غير ذلك فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضِّني به} في مقابل أن أهل الجاهلية كانوا يستقسمون بالأزلام -مثلاً- لمعرفة الأحسن من الأمور في ظنهم، وأهل هذا الزمان لهم طرق -أيضاً- تناسبهم في معرفة الأنسب من الأمور، وفعلها أو تركها، مثلما يقولون: قراءة الكف، أو غير ذلك من الوسائل الجاهلية، ففي الإسلام بدل وعوض عن كل أمر يطمح ويتطلع إليه الناس.

    التثبيت للمؤمنين

    الدلالة الرابعة من دلالات الرؤيا: أنها تثبت من الله عز وجل للمؤمنين، ولهذا -أيضاً- سبق أن في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب؛ لأن المؤمن أشد ما يكون حاجة إلى تثبيت الله تعالى له في مثل ذلك العصر الذي قَلَّ فيه المساعدون، وكثر فيه المخالفون والمناوئون.

    الدلالة على نوع من الفراغ

    الدلالة الخامسة من دلالات الرؤيا والانشغال بها: أنها تدل على نوع من الفراغ.

    فإن كون المجتمعات فارغة من الأمور الجادة يجعلها تتجه إلى الحديث عن الأحلام، ولذلك أسلفت لكم قبل قليل، أن في هذا العصر كثر الحديث عن رؤى ومنامات باطلة ومخالفة للشرع، لماذا؟

    لأن الناس عندهم فراغ، ليس لديهم علم شرعي صحيح، وليس لديهم أعمال إسلامية ودينية نافعة، فيشتغلون بهذه الأمور التي لا قيمة لها، ومثل ما تسمعونه وتقرءونه في الكتب عن منامات الصوفية وأحلامهم وأباطيلهم، التي يزعمون أنهم رأوها على فُرُشِهِم، لهذا السبب نفسه، كما أنها تكون في النساء أكثر منها في الرجال، للسبب نفسه أيضاً.

    1.   

    حقيقة الرؤيا

    النقطة الثالثة في هذا العرض: هي تحديد حقيقة الرؤيا.

    ما هي الرؤيا من حيث الحقيقة؟

    هذا سؤال عويص، وفيه طرائف بالنسبة لغير المسلمين.

    حقيقة الرؤيا عند غير المسلمين

    يعجبني في هذا أن الإمام المازري يقول: إن غير الإسلاميين -أي: العلماء من غير المسلمين- لهم في شأن الرؤيا خبط وتخليط كثير وأقوال باطلة، وذلك بسبب أن الرؤيا أمر يتعلق بالروح وبالنفس، والروح لا يعلم حقيقتها إلا الله، قال تعالى: وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً [الإسراء:85] وهؤلاء الفلاسفة والمنحرفون من غير الإسلاميين، حاولوا أن يتوصلوا إلى حقيقتها فضلوا؛ لأنهم إذا كانوا لا يمكن أن يتوصلوا إلى حقيقة الروح والنفس التي هي أصل الرؤيا، فمن باب الأولى لا يمكن أن يتوصلوا إلى حقيقة الفرع وهو الرؤيا.

    على سبيل المثال: هناك رجل ذكره ابن حزم في كتابه الفصل في الملل والنحل، وسماه: صالح قبة، وهو تلميذ النظام، والنظام من شيوخ المعتزلة يقول: إنه يقول: إن من رأى شيئاً في المنام فما رآه فإنه حق كما هو، وضرب: ابن حزم مثالاً يتناسب مع مجتمعه وبيئته، يقول: لو أن إنساناً نائماً في الأندلس، ورأى أنه في الصين في المنام، فإنه يكون حقيقة في الصين، وأن يكون الله اخترعه في تلك اللحظة في الصين!!

    وهذا من الباطل المحال الذي لا يحتاج إلى نقض ولا إلى عرض أيضاً؛ لأنه أمر دون الكذب والباطل ودون المحال أيضاً؛ فلا يحتاج إلى الاشتغال به، وإن كان هناك من قال به مِن سَقَطَةِ الناس وسفهائهم.

    وهناك الأطباء -وأعني بالأطباء: الأطباء من الماديين، أما الأطباء من المسلمين فدينهم الإسلام- وقولهم في هذا الباب كقول غيرهم من علماء الإسلام، لكن أعني: الذين ينظرون نظرة طبية بحتة، يرون أن الأشياء التي يرآها الإنسان في المنام تعود إلى الأخلاط الموجودة فيه، فإذا كان يغلب على الإنسان البلغم -مثلاً- فإنه يرى كثيراً أنه يسبح في الماء، وإذا كان الغالب عليه الصفراء؛ فإنه يرى النيران في المنام، وإذا كان غلب عليه الدم؛ فإنه يرى أشياء فيها فرح وسرور ومتعة أثناء نومه، وهكذا بحسب الأخلاط التي تغلب على مزاج الإنسان، ويرون أن جميع ما يراه الإنسان هو من هذا الباب.

    وأما الفلاسفة، فإنهم يرون أن الرؤيا هي انعكاس لأمور منقوشة في العالم العلوي، فإذا صادفها الإنسان انعكست على نفسه ورآها.

    وهذا كله كلام باطل؛ لأنه ليس عليه دليل، لا من النقل ولا من العقل.

    فالنقل عن المعصوم ما جاء بهذا، ولا قاله الله ولا الرسول عليه الصلاة والسلام.

    والعقل لا يدل على هذا أيضاً، فهذه أمور فوق مستوى أن يدركها العقل.

    إذاً: هو كلام هُراء في هُراء.

    وفي العصر الحاضر وُجِِدَت مدرسة يسمونها مدرسة التحليل النفسي، ويقوم على رأسها يهودي مجرم، هو: فرويد، وهذه المدرسة تفسر الرؤيا تفسيراً معيناً، ولها فيها نظرية متكاملة، يقولون: إن الرؤيا أو الأحلام التي يراها الإنسان ليست مجرد خليط جزافي، وإنما هي أولاً: تأثيرات من أمور ماضية، سواءً في الأيام القريبة أو في التاريخ البعيد لتربية الإنسان، وما واجهه من أحداث، فتظهر على الإنسان أثناء الرؤيا، كما يرون أنها تعبير عن أشياء مكبوتة في النفس. فإذا كان الإنسان جائعاً -مثلاً- في زعمهم فإنه يرى في المنام أنه يأكل، أو عطشاناً فإنه يرى في المنام أنه يشرب، وهكذا بالنسبة لأية رغبة مكبوتة، حتى إنهم يقولون: إذا كان يكره -مثلاً- شخصاً قريباً منه من أقربائه، ولا يستطيع أن ينتقم منه، فإنه قد يرى في المنام أنه يقتل حية -مثلاً- تعبيراً عن هذا الإنسان الذي يريد أن ينتقم منه ولا يستطيع.. إلى غير ذلك مما يقولونه.

    والغريب أن هؤلاء يرون أن مهمة أو وظيفة الرؤيا حراسة النوم، يقولون: إن الإنسان أثناء النوم قد تعرض لـه أصوات أو أشياء مزعجة تمنعه من الاستمرار في النوم، فأحياناً الرؤيا مهمتها أن تحرس الإنسان أثناء النوم، بـحيث يكون منشغلاً فلا يصحو أو ينـزعج، فيقولون: لو أن إنساناً ينام وهو متعب وبحاجة إلى النوم، ويأتي إنسانٌ فيضرب الجرس ويدق عليه الباب، فبدلاً من أن يستيقظ من منامه ويقوم ليفتح الباب؛ يرى في المنام أنه يُضْرَبُ الجرسُ ويُدَقُّ البابُ، وأنه قام وفتح وهو في المنام، فيعفيه هذا العمل من مهمة القيام.

    وآخر متعب لا يريد أن يذهب إلى الدوام، فيرى في المنام أنه قد توضأ واغتسل ولبس ثيابه وذهب إلى الدوام، وهو في الواقع لا يزال يتقلب في فراشه، هذا تفسيرها.

    أذكر لكم أنني سمعتُ -كما قلتُ قبل قليل- أحدهم يتحدث فيقول: إن آخر نظرية في تفسير الأحلام، وآخر صرعة علمية -كما يقولون- أن واحداً يقول: إن الأحلام هذه عبارة عن نفايات المخ، بمعنى: أن المخ أثناء النوم يعيد تنظيم نفسه، فهذه الرؤى التي يراها الإنسان هي نفايات، أي: قمامة المخ يخرجها، فيحصل للإنسان هذه المرائي وهذه الأحلام.

    هذه كلها تصورات أقوام قد ضلوا عن سواء السبيل، ما استناروا بنور الكتاب والسنة؛ ولذلك وجدت عندهم هذه التصورات التي هي بالضرورة نتاج العقل البشري، فالعقل البشري في هذه الأمور إذا لم يستنر بنور الكتاب والسنة فستكون هذه نهايته، يأتي بهذه الأقوال والخرافات المضحكة التي ليس عليها أثارة من علم، لا من علم المعقول ولا المنقول، ولو كانت أموراً تُدْرك بالحس أو بالعقل لكان لنا كلام معهم، لكنها أمور ليست حسية ولا عقلية، فلا سبيل إلى معرفة هذه الأمور إلا عن طريق الوحي والشرع.

    حقيقة الرؤيا في الإسلام

    أما الإسلام فله حكم وبيان في موضوع الرؤيا وتحديدها، وألخص ما يتعلق بهذا الموضوع في أقسام:

    أ- القسم الأول: الحُلُم.

    والمقصود بالحلم: هو ما يصيب الإنسان أثناء المنام من تزيين وتسويل وتـمثيل الشيطان، ولذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، من حديث جماعة من الصحابة في الصحيحين أنه قال: {الرؤيا من الله، والحُلُم من الشيطان}.

    ومثاله: أن يرى الإنسانُ نفسَه في موقع حرج جداً، وأن هلاكه لا بد منه بحال من الأحوال، فهذا حُلُمٌ يريد الشيطانُ أن يخيف به الإنسان.

    مثال آخر: أن يرى الإنسانُ أن رأسَه مقطوع، وهو يَتَدَهْدَهُ ويَتَدَحْرَجُ أمامه مثلاً، وهذا الحلم وقع لأعرابي، كما في صحيح مسلم، من حديث جابر، {فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله! إني رأيتُ أن رأسي قد قُطِع، فهو يَتَدَهْدَهُ أو يَتَدَحْرَجُ أمامي. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا تخبر الناس بتلاعب الشيطان بك في المنام} أي: إن هذه مجرد وساوس وتسويلات وتزيينات من الشيطان، لا ينبغي للإنسان أن يتحدث عنها ولا يخبر الناس بها، بل يعلم أنها من الشيطان، وسيأتي بيان الأدب الواجب في مثل هذا.

    وأيضاً من الأحلام التي هي من الشيطان: أن يرى الإنسانُ في منامه شيئاً يخالف الدين، كأن يرى -مثلاً- أن مَلَكَاً أو نبياً يأمره بارتكاب ما حرم الله، فهذا يكون من الشيطان ولا بد، وأعظم من ذلك أن يرى الإنسان أن ربه يأمره في المنام بارتكاب ما حرم أو بترك ما أوجب.

    وأذكر في هذا المجال قصة حدثت للإمام عبد القادر الجيلاني -رحمه الله- وهو من أئمة أهل السنة، وإن انتحله الصوفية وتَبَنَّوْه، فقد جاء الشيطان إلى الإمام عبد القادر وهو في منامه وأوقد أمامه ناراً عظيمة في المنام، وزين وسَوَّل لـه هذا، ثم ظهر هو في وسط النار، وهو يقول له: يا عبد القادر، يا عبد القادر، أنا ربك، وقد أحللتُ لك ما حرَّمتُ عليك.

    فهذا الرجل الموفق المسدد لم يغتر بل قال: اخسأ يا عدو الله. ثم استيقظ وعلم أن هذا من الشيطان؛ لأنه يعلم أن الله تعالى لا يمكن أن يحلل بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم حراماً، ولا يحرم حلالاً، فقد خُتِمَ الأنبياء بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبه كَمُل الدين وتـمت النعمة، ولم يعد الوحي يتنـزل، وليس لأحد أن يخرج عن شريعة مـحمد صلى الله عليه وسلم كائناً من كان. ومن ادعى أنه يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو مرتد عن الإسلام كما يدعي بعض شيوخ الطرق الصوفية.

    المهم كونه رأى أن هذا الشيطان يدعي الألوهية، والشيطان لا يمنع أن يدعي الألوهية، كما ادعاها فرعون وغيره، ثم يقول لـعبد القادر: إني قد أحللت لك ما حرمت عليك. فعرف أن هذا من لعب الشيطان به في المنام، واستعاذ بالله منه، وقال: اخسأ يا عدو الله. هذا القسم الأول وهو الحُلُم.

    ب- القسم الثاني مما يراه الإنسان في المنام: حديث النفس.

    فالإنسان إذا حدَّث نفسه بشيء، وأطال التفكير فيه، أو تمناه وتمنى حصوله، أو اعتاد مواجهته ومعالجته في الواقع، فكثيراً ما يراه في المنام، فقد تجد الإنسان يرى في المنام ما يتعلق بعمله وشأنه الذي يشتغل به في الدنيا، أو ما يتمنى من الأمور، من كسب أو جهاد أو تجارة أو غيرها، أو الأشياء التي يفكر فيها، وإذا فكر الإنسان -مثلاً- لمدة ربع ساعة قبل النوم بأمر؛ فإنه -غالباً- يرى شيئاً يتعلق بما حدث به نفسه، وهذا لا يُحْمَد ولا يُذَم، بل هو من الأمور العادية.

    جـ- القسم الثالث: ما يكون مِن قِبَل الطبع.

    وهذا لا مانع أن يقع لبعض الناس، فإذا تغير مزاج الإنسان -كما أسلفت- فإنه قد يرى شيئاً يتناسب مع تغير مزاجه، بزيادة البلغم أو زيادة الدم أو ما أشبه ذلك، فيرى أحياناً نيراناً أو يرى سروراً، أو يرى نوراً وضوءاً أو ما أشبه ذلك، بحسب تغير مزاجه، وهذا يحدث إذا مرض الإنسان -مثلاً- أو اعتلت صحته، أو أكثر من الأكل، أو كان شديد العطش، فيحدث له مثل هذا.

    د- القسم الرابع: الرؤيا التي هي من الله تعالى.

    وهذه -لا شك- أشرف الأقسام وأعظمها، وقد ورد فيها عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة} وهذا الحديث عند البخاري، وفي الصحيحين من حديث أبي قتادة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {الرؤيا الصادقة من الله والحُلُم من الشيطان} وأيضاً من حديث أبي سعيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله، وإذا رأى رؤيا يكرهها فإنما هي من الشيطان} والحديث متفق عليه.

    ومن حديث أبي هريرة -كما أسلفت-: { لم يبقَ من النبوة إلا المبشرات } وفي صحيح مسلم: أنه قال: { الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرَى له } وفي حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه، كشف الستر ثم نظر إلى الناس ورأسه معصوب، ثم قال: {لم يبقَ من النبوة إلا المبشرات، الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرَى لـه} والحديث رواه البخاري.

    فهذه الرؤيا التي يكون فيها خير للإنسان، كأن يرى الإنسان فيها بشارة بخير، أو تنبيهاً على أمر سيقع، فيكون فيها خير، وقد يكون فيها تحذيراً أحياناً.

    فمثلاً: قد يرى المؤمن النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، ورؤيا النبي صلى الله عليه وسلم حق، كما سيأتي، لكن ربما يرى النبي عليه الصلاة السلام في المنام وهو مُزْوَرٌّ عنه، ومعرض عنه، فيكون هذا إشارة إلى أنه حصل من هذا المؤمن نوع من التقصير، فيتنبه إليه ويحرص على أن يستدركه، فيكون في ذلك خيراً له، وإن كانت الرؤيا قد تحزنه لما رأى، لكن يكون فيها خيراً له.

    هذا ما أحببت أن أقوله في هذه الليلة.

    وفي الأسبوع القادم -إن شاء الله- سوف نستكمل موضوع الرؤيا، ونذكر بعض مرائي النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والصالحين، وتعبير الرؤيا، وبعض القصص الطريفة في ذلك، والآداب الواجبة للمؤمن إذا رأى رؤيا يحبها أو رأى رؤيا يكرهها، وبعض المتفرقات المتعلقة بموضوع الرؤيا، وبعد صلاة العشاء في الأسبوع القادم -إن شاء الله- نجيب على الأسئلة المتعلقة بهذا الموضوع، والله تبارك وتعالى أعلم.

    وصلى الله وسلم على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    1.   

    الرؤيا الصالحة وفضيلتها

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

    أمـا بعـد:

    فهذا الموضوع الثاني والأخير إن شاء الله في موضوع الرؤى والأحلام، وسأتحدث عن مجموع نقاط تتعلق بموضوع الرؤيا الصالحة، وآدابها وما يتعلق بذلك، وأود أن أشكر الإخوة الذين وافوني ببعض اقتراحاتهم حول موضوعات الدروس.

    فقد اقترح بعض الإخوة أن يكون موضوع الدرس في العقيدة والتوحيد، ولا شك أن العقيدة والتوحيد هما الأصل الذي ينبثق عنه غيره.

    ولكنني أود أن أقول للإخوة: إنني قد خصصت درساً منذ زمن بعيد ولا يزال قائماً في موضوع العقيدة والتوحيد. وقد أنهينا فيه بحمد لله ما يزيد عن ثلثي كتاب التوحيد للشيخ الإمام المجدد: محمد بن عبد الوهاب، حفظاً وشرحاً.

    وكذلك الإخوة الذين يقترحون بأن يكون شرحاً لأحد كتب السنة الأخرى إضافة إلى بلوغ المرام، فإنني أقول لهم: بأننا في أربعة أيام في الأسبوع بعد صلاة الفجر وهي السبت والأحد والثلاثاء والأربعاء، نقرأ ونحفظ ونشرح في مختصر صحيح البخاري للزبيدي ومختصر صحيح مسلم للحافظ المنذري.

    ونعود إلى موضوع الرؤيا الصالحة.

    تعريف الرؤيا الصالحة

    الرؤيا الصالحة: فسرها النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: {الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترُى له} وهي من المبشرات؛ ففيها بشارة وخير ووعد حسن لهذا المؤمن، وقد جاء في القرآن الكريم ما يدل عليها، قال تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [يونس:62-64].

    روى الإمام مالك في موطئه بسند صحيح عن عروة بن الزبير رضي الله عنه أنه فسر قوله تعالى: (لهم البشرى) بالرؤيا الصالحة، فقال: البشرى هي الرؤيا الصالحة، وذلك أخذاً من قول النبي صلى الله عليه وسلم: {إلا المبشرات } ولا شك أن تفسير عروة مما يصدق عليه أنه من التفسير بالمثال، فليس مقصوده رضي الله عنه أن البشرى هي الرؤيا الصالحة، كلا!

    فإن من المعلوم قطعاً أن الرؤيا الصالحة لا تكون في الآخرة إنما تكون في الدنيا، وأما الآخرة فليس فيها نوم كما قال عليه الصلاة والسلام: {النوم أخو الموت} وأهل الجنة لا ينامون، وكذلك أهل النار.

    فالبشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة أعم من الرؤيا الصالحة، لكن الرؤيا الصالحة مثال يفسر البشرى، وإلا فالبشرى أعم من ذلك وأوسع.

    منزلة الرؤيا الصالحة

    جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو متفق عليه: {الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة} جاء هذا المعنى عن أنس بن مالك، وعن عبادة بن الصامت، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهم، وأحاديثهم ثلاثتهم كلها متفق عليها، {الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة} وجاءت في صحيح مسلم عن ابن عمر: {الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءاً من النبوة}.

    وجاء في بعض الألفاظ: {جزء من خمسة وأربعين} وكذلك {تسعة وأربعين} و{خمسين}.

    وقد ذكر الحافظ العراقي في طرح التثريب، أنه ورد في هذا الحديث ثمان روايات أكثرها سبعون، وأقل عدد فيها ستة وعشرون وما بين ذلك ست روايات، والأكثر من الرواة على أن العدد ستة وأربعون.

    فإن ذهبنا مذهب الترجيح رجحنا رواية ستة وأربعين، وإن ذهبنا مذهب التوثيق وهو أولى؛ لأن هناك روايات صحيحة لا نطعن فيها كما ذكر ابن عبد البر وغيره، منها رواية مسلم عن ابن عمر فإنه قال: {الرؤيا الصالحة جزءٌ من سبعين جزءاً من النبوة} فإننا نقول: إنها تتفاوت بحسب الرائي وبحسب الحال.

    هناك رؤيا الإنسان الصالح المستقيم العابد العالم الصدوق، هذه تكون جزءاً من ستة وأربعين، وربما تكون جزءاً من ستة وعشرين، أما الإنسان المخلط -أمثالنا- ممن خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً أو المقصر هو المستور، فقد تكون رؤياه جزءاً من خمسين أو ستين أو سبعين جزءاً من النبوة.

    وقال بعضهم: إنه ليس المقصود العدد، وإنما المقصود الإشارة إلى أن الرؤيا يطلع الإنسان فيها على ما غيب الله عنه، فهي من هذا الوجه تشبه النبوة في بعض أجزائها، وعلى كل حال فإنه لم يقل إنها من الرسالة، إشارة إلى أن الرؤيا لا يعتمد عليها في التشريع كما سبق أن أكدته في الدرس الماضي.

    النبوة: هي العلم بغيب من غيب الله تعالى.

    النبي:- هو من أوحي إليه وأخبر بغيب، والوحي نفسه غيب، فهذا معنى قوله: { جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة }.

    فقد تكلم العلماء وأطالوا في هذا الحديث في كلام لا أرى تحته طائلاً، وخلاصته أن يقال كما قال بعضهم: إن هذا من الأمور التي قد يعلمها العلماء إجمالاً لا تفصيلاً، فإن هناك أموراً يعلمها العلماء جملة وتفصيلاً، كأمور الشرائع، وهناك أمور لا يعلمها العلماء مطلقاً، وهناك أمور يعلمونها جملة ولا يعلمونها تفصيلاً، وهذا الحديث منها، فإنه لم يحدث لأحد من أهل العلم أن اطلع على أجزاء النبوة، ثم قاس الرؤيا إليها أو عد هذه الأجزاء جزءاً جزءاً.

    فنحن نقول: الرؤيا الصالحة جزء من النبوة، وحسن السمت جزءٌُ من النبوة، والهدي الصالح جزء من النبوة كما ورد ذلك في الحديث، وغير ذلك لا نعلمه بل يعلمه الله.

    زمان الرؤيا الصالحة

    هذه الرؤيا الصالحة قد تكون في الليل، وقد تكون في النهار، أما في الليل فكثير، ولعل أكثر الرؤيا الصالحة قد تكون في الليل، ولكنها قد تكون في النهار، خلافاً لما يتوهمه الناس.

    ولذلك جاء في صحيح البخاري من حديث قصة نوم النبي صلى الله عليه وسلم عند أم حرام بنت ملحان: {أن النبي صلى الله عليه وسلم نام عندها، ثم استيقظ وهو يضحك، فقالت له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما يضحكك؟ قال: قوم من أمتي عرضوا علي يركبون ثبج هذا البحر -وثبج البحر بالتحريك هو وسط البحر- غزاة في سبيل الله، ملوكاً على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة، فقالت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت منهم، ثم نام صلى الله عليه وسلم واستيقظ مرة أخرى وهو يضحك، فقالت له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما يضحكك؟ قال: قوم من أمتي عرضوا عليَّ يركبون ثبج هذا البحر ملوكاً على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة، قالت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت من الأولين، وكان زوجها عبادة بن الصامت فذهبت معه في الغزو، فسقطت من راحلتها وماتت رضي الله عنها}.

    فالرؤيا قد تكون بالليل، وقد تكون بالنهار، وقد تكون من رجل، وقد تكون من امرأة، فقوله عليه الصلاة والسلام: {الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له} ليس المقصود الرجل الذكر وإنما هذا على سبيل التغليب بمعنى الإنسان ذكراً كان أو أنثى.

    المرأة قد ترى الرؤيا الصالحة

    ومن الرؤيا الصالحة التي رأتها أنثى ما رواه البخاري وغيره عن أم العلاء الأنصارية رضي الله عنها قالت: {لما هاجر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم اقتسم الأنصار المهاجرين، فطار لنا عثمان بن مظعون -صار في سهمنا ونصيبنا- قالت: فذكرت من صلاته وعبادته وذكره لله عز وجل وصومه، ثم مرض فمرضته، قالت: فلما مات جاء النبي صلى الله عليه وسلم، فكشف عن وجهه وقبله وبكى، فقلت: هنيئاً لك يا أبا السائب الجنة، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله عز وجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أو غير ذلك يا أم العلاء؟!

    إن الله تعالى خلق للجنة أهلاً، خلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً، خلقها وخلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وإني والله وأنا رسول الله لا أدري ما يفعل بي ولا بكم، فقالت: فو الله يا رسول الله لا أزكي بعده أحداً أبداً، ثم حزنت حزناً شديداً رضي الله عنها، قالت: فلما نمت رأيته في المنام، ورأيت له عيناً تجري، فجاءت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وذكرت له ذلك فقال: ذلك عمله} أي هذه العين التي تجري له في المنام هي عمله الصالح.

    إذاً: الرؤيا الصالحة قد تكون من رجل أو امرأة وقد تكون ليلاً أو نهاراً.

    1.   

    الأصناف الذين يرون الرؤيا الصالحة

    والذين يرون الرؤيا الصالحة هم أصناف من الناس:

    الأنبياء

    الصنف الأول: هم الأنبياء؛ وكل رؤيا الأنبياء حق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: {رؤيا الأنبياء حق} فإن الأنبياء لا يقولون من الكلام إلا الصدق، ولذلك لا يرون في المنام إلا الحق، فجميع رؤيا الأنبياء حق بلا استثناء، ولذلك ورد عن جماعة من أنبياء الله ورسله في القرآن مرائي رؤها وكانت حقاً لا شك فيه، لعل من أشهرها وأعرفها رؤيا يوسف عليه السلام التي جاءت في سورة يوسف: إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [يوسف:4].

    فهذا أول السورة، وفي آخر السورة: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نـزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي [يوسف:100].

    رؤياه عليه الصلاة والسلام جاءت حقة كفلق الصبح، وقد جاء عن بعض السلف عند الطبراني والبيهقي كما في رواية عن سلمان الفارسي وسندها صحيح: [[كان بين رؤيا يوسف وبين تعبيرها أربعون سنة]].

    وجاء عن ابن مسعود أنها تسعون سنة أو ثمانون سنة وقيل أقل من ذلك، وذكر بعض السلف أن أمد الرؤيا ينتهي إلى أربعين، أي إذا رأى الإنسان رؤيا فأقصى ما يمكن أن تحدث فيه أربعون سنة، وهذا استنباط من الرواية الواردة عن سلمان الفارسي، لكن ليس عليه دليل من كتاب الله تعالى صريح ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد تتحقق الرؤيا في زمان طويل يزيد على أربعين سنة، وهذه رؤيا يوسف عليه السلام.

    ومنها أيضاً رؤيا إبراهيم عليه السلام، كما قال تعالى: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات:102-105].

    وقد جاء عن السدي عند ابن أبي حاتم في قصة ذبح إبراهيم لابنه إسماعيل قصة طويلة مشهورة أنه ذهب به، فجاء الشيطان إلى أمه فقال: إنه ذهب ليقتله، فأضجعه إبراهيم بعد أن أخبره، فقال له: يا أبت اشدد وثاقي، واجعل وجهي إلى الأرض لئلا تصيبك رقة أو رحمة فتصد عن أمر الله عز وجل، ثم قال: أبعد ثوبك لئلا يصيبه الدم، فتراه أمي فتحزن لذلك، فكان يضع السكين على رقبته، فتتغير وتصبح شفرتها إلى أعلى، ثم بعث إليه الله تعالى بكبش من الجنة، وفدى به إسماعيل عليه السلام.

    وهذه القصة وإن كانت من روايات بني إسرائيل إلا أنها تسير في منوال النص القرآني ليس فيها جديد، لأن من المعلوم أنه ذهب معه وعرض عليه الرؤيا ووافقه على ذلك، بل أمره وقال: يا أبت افعل ما تؤمر، وأسلم لله عز وجل وتله للجبين: أي: جره، وجعل جبهته على الأرض، وبدأ يحاول أن يذبحه، وهنا سمع النداء: يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات:104-105] وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات:107] وجعل الله تعالى عمله ذكراً حسناً في الناس إلى يوم يبعثون، فهذه من رؤيا الأنبياء وهي حق، ولو لم تكن حقاً لما عمل إبراهيم عليه السلام بمقتضاها، فرؤيا الأنبياء حق؛ أي: أنها وحي من عند الله عز وجل.

    وكذلك رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي عليه الصلاة والسلام ثبت في الصحاح عنه مرائي كثيرة جداً، لعلي أسرد شيئاً منها لما فيها من العبرة والعجب؛ ولأن هذه الرؤى التي رأها النبي صلى الله عليه وسلم من شأنها أنها تعود الإنسان على التعبير الحسن للرؤيا، فهي مدرسة يتخرج منها المعبرون.

    فمن ذلك ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {بينما أنا نائم إذ أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي -وهذه إشارة إلى الفتوح التي فتح الله بها على أمته صلى الله عليه وسلم- قال عليه الصلاة والسلام: ثم نظرت في يدي فوجدت فيهما سواران من ذهب فأهمني أمرهما، فأوحي إلي أن انفخهما فنفختهما فطارا، فأولتهما هذين الكذابين اللذين أنا بينهما مسيلمة الكذاب والأسود العنسي، وفي رواية: فأولتهما كذابين يخرجان من بعدي}.

    فأول النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأساور من الذهب التي رآها في المنام في يديه بأنها عبارة عن رجلين يدعيان النبوة في آخر حياته صلى الله عليه وسلم، وهكذا كان، فقد ادعى مسيلمة وهو في اليمامة وتبعه بنو حنيفة، وادعى الأسود بن كعب العنسي -بفتح العين وسكون النون- النبوة، وتغلب على اليمن، وطرد عامل النبي صلى الله عليه وسلم عليها، وكان له شأن عظيم حتى أنه كان يضحك على الناس ويلبس عليهم، ويذكر ابن إسحاق من طرائفه أن كان يسمى ذا الحمار فيقول: إن سبب تسميته بهذا الاسم أنه كان في يومٍ من الأيام يمشي في الشارع فمر به حمار أو قرب منه، فعثر الحمار فسقط على الأرض، فقال: إنه قد خر لي ساجداً فسمي بعد ذلك بذي الحمار.

    وضحك على الناس وتغلب على اليمن زماناً، فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وكان هذا الرجل تزوج امرأة مسلمة بالقوة، فاتفقت مع بعض المسلمين كـفيروز الديلمي، ومعه رجال على أن تفتح لهم سرباً إلى منامه ففعلت، ثم دخلوا عليه فقتلوه، وكان هذا على الراجح بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

    لأن أمر الأسود إنما انتشر وارتفع بعد وفاته عليه الصلاة والسلام.

    وقد قال أهل العلم في تأويل هذه الرؤيا: إن كونهما سوارين من ذهب، والرجل يحرم عليه أن يلبس سواري الذهب هذا دليل على أنه هم يلحقه، وهكذا كان، فقد لحق النبي صلى الله عليه وسلم هم من أمر هذين المتنبئين، وكذلك قالوا: كونهما من ذهب دليل على سرعة ذهابهما، وعلى سرعة زوالهما.

    وأما كونه نفخهما فقد اختلف فيها أهل التعبير، والأقرب -والله تعالى اعلم- أن النفخ هنا إشارة إلى هوان أمرهما، وأن مجرد نفخة من الرسول عليه الصلاة والسلام كافية في القضاء عليهما.

    صحيح أن أمرهما علا وارتفع، وكان لهما خبر عظيم لكن إلى قصر، ما حصل لهم كما حصل في شأن الإسلام الذي لا يزال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها في علو وقوة، فإن أمرهما لا شك يعتبر قصيراً، وكذلك نفخهما إشارة إلى فضيلة أبي بكر رضي الله عنه، وأنه بمنـزلة الروح من الرسول عليه الصلاة والسلام، كما ذكر ذلك ابن القيم في زاد المعاد؛ لأن الذي تولى القضاء على حركات الردة هو أبو بكر الصديق.

    وكذلك من رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم ما رواه البخاري عن أبي هريرة {أنه عليه الصلاة والسلام رأى امرأة عجوزاً ثائرة الرأس قد خرجت من المدينة حتى نـزلت بـمهيعة -أي بـالجحفة- قال: فأولتها بالحمى التي كانت في المدينة، ومعلوم أنه كانت فيها وباء الحمى، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بنقل حماها إلى الجحفة، فاستجاب الله دعاءه} ورأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في المنام على شكل امرأة عجوز ثائرة الرأس.

    كذلك حديث ابن عمر في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {رأيت في المنام رجلاً آدم كأحسن ما أنت راءٍ من أُدم الرجال جعداً، كأن رأسه يقطر ماءً واضعاً يديه على كتفي رجلين وهو يطوف بالكعبة، فقلت: من هذا؟

    فقيل لي: هذا عيسى بن مريم عليه السلام، قال: رأيته، ورأى رجلاً جعداً قططاً أعور كأن عينه اليمنى عنبة طافية، فقلت: من هذا؟

    قيل لي: هذا هو المسيح الدجال} فهذه من رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم.

    وكذلك روى أبو موسى كما في البخاري {أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل بين حرتين قال: فذهب وهلي -أي: ظني- إلى أنها هجر -الأحساء- فإذا هي المدينةهجر فيها نخل- قال النبي صلى الله عليه وسلم: ورأيت كأنني هززت سيفاً فانقطع طرفه، ثم هززته مرة أخرى، فعاد أحسن ما كان، فأولت ذلك بنقص، ثم بالخير الذي آتنا الله به بعد بدر، ورأيت بقراً تذبح فأولتها قتلى في أصحابي} هكذا كان في معركة أحد حيث قتل طائفة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

    ومن رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم -وهي حق- ما رواه البخاري وروى مسلم أوله من حديث سمرة وهو حديث طويل فيه: {أن ملكين أتيا النبي صلى الله عليه وسلم هما جبريل وميكائيل، فقالا له: انطلق، فأتيا به على رجل مضطجع وعنده رجل يضربه بالحجر، فيشق رأسه فيتدهده الحجر، فيأتي الرجل به، فإذا رأس المضطجع قد التأم، فيضربه به مرة أخرى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا؟

    فقالا: انطلق، قال: فانطلقا بي، فإذا برجل مضطجع على جنبه، وعنده رجل قائم بكلوب من حديد فيضعه في شقه، ثم يشقه حتى يبلغ به أذنه، ثم يضعه في منخره فيشقه، ثم يضعه في عينه فيشقها، فإذا انتهى ذهب إلى الشق الآخر، فعاد الأول كما كان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ماهذا؟

    فقالا: انطلق، قال: فانطلقا به فإذا بنهر أحمر كالدم، وإذا به رجل وعند جانب النهر رجل عنده حجارة، فإذا جاء هذا الرجل الذي في النهر يخرج ضربه بالحجر فوضعه في فمه، فعاد إلى وسط النهر، فقلت: ما هذا؟

    فقالا: انطلق، فأتيا بي على شيء مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع، وإذا فيه رجال ونساء عراة، إذا ارتفعت بهم النار ضوضوا وصرخوا، وإذا انحدرت خفت أصواتهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا؟

    قالا: انطلق، ثم ذهبا به حتى أتيا بي على روضة مونقة دخلا فيها، وإذا فيها رجل يقول النبي صلى الله عليه وسلم: هو طويل لا أكاد أرى رأسه من طوله، وعنده صبيان صغار، فقلت: من هذا؟ ومن هؤلاء؟

    فقالا: انطلق، ثم أتيا بي دوحة، فقالا لي: اصعد فصعدت، ثم دخلا مدينة فرأى فيها رجالاً شطرهم كأحسن ما أنت راءٍ من الرجال، وشطرهم الآخر كأقبح ما أنت رآءٍ فقال: ما هؤلاء؟

    قالا: انطلق قال: ثم قالا: ارفع رأسك، فرفعت رأسي فإذا شيء مثل السحابة فيه قصر عظيم، فقالا: هذا قصرك في الجنة، قلت: بارك الله فيكما! دعاني أدخل قصري، قالا: لا! إنه قد بقي لك عمر، فإذا قضيته فإنك ستدخل هذا القصر.

    قال: فقلت: إنكما الليلة مررتما بي على مرائي، فأخبراني بذلك، فقالا: أما الرجل الأول الذي على رأسه يضربه بالحجارة، فهو رجل آتاه الله القرآن، فنام عنه في الليل، ولم يعمل به في النهار.

    وأما الرجل المضطجع والذي عنده رجل يشق فمه بالكلوب، فهو رجل يكذب الكذبة، فتنقل عنه حتى تبلغ الآفاق.

    وأما الذي في وسط النهر الأحمر من دم، فإنه آكل الربا.

    وأما الذين هم في التنور فهم الزناة والزواني يصنع بهم ذلك إلى يوم القيامة.

    وأما الروضة التي دخلتها فهي دار عامة المؤمنين.

    وأما الرجل الذي رأيته فهو إبراهيم عليه السلام، وأما الصبيان فأولاد المؤمنين، كل مولود يولد على الفطرة، فقالوا: يا رسول الله! وأولاد المشركين؟

    قال: وأولاد المشركين، وأما الذين رأيتهم نصفهم كأحسن ما أنت راءٍ ونصفهم كأقبح ما أنت راءٍ فهم رجال خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً} وقد أول الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الرؤيا بتفسيرها السابق، وهي رؤيا طويلة وفيها عبر لا يتسع المجال للحديث عنها.

    ومن مرائيه صلى الله عليه وسلم ما رواه ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {بينا أنا نائم أتيت بقدح فيه لبن، فشربت منه حتى إني لأرى الري يخرج من أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب، فقالوا: يا رسول الله! فما أولته؟ قال: العلم} والحديث متفق عليه.

    ومثله حديث أبي سعيد المتفق عليه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {بينا أنا نائم، إذ عرض الناس عليَّ وعليهم قمص -جمع قميص- منهم من قميصه إلى ثدييه، ومنهم من قميصه إلىحقويه، ومنهم، ومنهم، وإذا على عمر قميص يجره، فقالوا: يا رسول الله! فما أولته؟ قال: الدين} وهذا أيضاً من فضائل أمير المؤمنين عمر.

    ومن ذلك حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: {إني أريتك في المنام مرتين يأتيني بك الملك في سرقة من حرير -قطعة من حرير- فأكشف فإذا أنت! فيقول: هذه زوجتك، فأقول: إن كان هذا من عند الله يمضه، أو إن يكن هذا من عند الله يمضه} وحديث عائشة هذا أيضاً رواه البخاري.

    ومنها: حديث ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {بينا أنا نائم إذا أنا على بئر أنـزع منها، قال: فأعطيت أبا بكر فنـزع ذنوباً أو ذنوبين، وفي نـزعه ضعف والله تعالى يغفر له، ثم أعطاها عمر فنـزع حتى ضرب الناس بعطن، فلم أره عبقرياً يفري فريه} وكان هذا إشارة إلى الخلافة وقصر خلافة أبي بكر وانشغاله بحرب المرتدين وطول خلافة عمر وما فتح الله تعالى على المسلمين، فهذه بعض مرائي النبي صلى الله عليه وسلم.

    رؤيا الصالحين

    ومن الرؤيا الصالحة غير رؤيا الأنبياء رؤيا الصالحين كما سبق، ولعل من أكثر الناس، صلاحاً بعد الأنبياء هم الصحابة، ولذلك لهم مرائي كثيرة حسنة كتبت في كتب السنة أكتفي بذكر ثلاثة نماذج:

    منها: رؤيا عبد الله بن سلام رضي الله عنه -الذي كان يهودياً وأسلم- فقد رأى في المنام أنه يرقى ويجد عروة فيستمسك بها -ضمن رؤيا طويلة- وأنه يرقى جبلاً فكلما أراد أن يرقى خر لأوله، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: أما العروة الوثقى فهي لا إله إلا الله تموت عليها، وأما هذا الجبل فهو الشهادة ولن تبلغها، وهكذا فإنه لم يمت شهيداً رضي الله عنه، ولذلك كانت هذه الرؤيا شهادة له بالموت على الإسلام، وكان الصحابة يشيرون إليه، ويقولون: رجل شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة.

    ومنها: رؤيا عبد الله بن عمر وقد سبقت الإشارة إليها: {رأى أن في يده قطعة من حرير لا يريد مكاناً في الجنة إلا طارت به، ثم خرج فرأى رجلين ملكين معهما مقامع من حديد فذهبا به إلى النار، قال: فإذا هي مطوية كطي البئر، وعليها قرن، وإذا فيها رجال، قد عرفتهم من قريش، فقلت: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، فقال له رجل: لن تراع لن تراع -لا تخاف- فقصها على حفصة فقصتها حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: نعم الرجل عبد الله بن عمر لو كان يقوم من الليل، فكان عبد الله بن عمر لا ينام بعد ذلك من الليل إلا قليلاً}.

    ومن المرائي الحسنة للمؤمنين ما ورد عن عائشة رضي الله عنها فقد ورد في موطأ مالك بسند فيه انقطاع -وإن كان صحيحاً- أنها قالت لأبيها: [[إنني رأيت ثلاثة أقمار وقعت في حجرتي، فسكت ولم يعبر الرؤيا، فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفن في حجرتها، قال لها أبو بكر: هذا أول أقمارك، وكان القمر الثاني أبوها أبو بكر، والثالث عمر، حيث دفنوا جميعاً في حجرتها رضي الله عنها]].

    رؤيا غير الأنبياء والصالحين

    الرؤيا الصالحة يراها الأنبياء، والرؤيا الحق لا شك أنها وحي، ويراها الصالحون كذلك، وكذلك قد يرى الرؤيا الصالحة أناس مستورون -لا يعرفون بصلاح ولا بغير ذلك- ولكن هذا ليس كثيراً وأما الفسقة والكفار فقلما يرون الرؤيا الصالحة، نعم قد يرون رؤيا تأتي كما رأوها، فهذا لا شك أنه يحدث للكافرين ويحدث للفساق من المؤمنين، ولعل من أصح وأصرح أمثلتها، أي: ما ورد في القرآن الكريم في قصة يوسف عليه السلام: وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ [يوسف:43] فهذه الرؤيا رآها الملك وكان كافراً وعبرها له يوسف عليه السلام فكانت رؤيا حق، قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ [يوسف:47-49].

    وكذلك الرجلين اللذين كانا مع يوسف في السجن: قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:36] فأخبرهما: أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ [يوسف:41]. فقد ذكر بعض أهل التفسير أن الآخر كان كاذباً في رؤياه، فلما قال له يوسف: تصلب فتأكل الطير من رأسك، قال: إني كنت كاذباً، فقال يوسف: قضي الأمر الذي كنتم فيه تستفتيان، والله أعلم إن كانت هذه الرواية في كذب الرائي حقاً أو كاذباً فالله تعالى أعلم بذلك.

    ومما يضرب به المثل على إمكانية أن يرى الفاسق أو الكافر الرؤيا وتكون حقاً، يذكرون أن بختنصر رأى في المنام رؤيا فسرها له المعبرون أنه يفقد ملكه، وكذلك كسرى رأى فقدان ملكه على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وكذلك عاتكة عمة الرسول صلى الله عليه وسلم رأت أن حجراً سقط في مكة وطار إلى كل مكان منه شظية، وأول هذا بفتح مكة على يد المؤمنين أو نحو ذلك.

    المهم أن الكافر أو الفاسق يندر أن يرى الرؤيا الحسنة، أما المؤمن الصالح فأكثر رؤياه رؤيا حسنة، وهذا نظيره أن المؤمن أكثر حديثه الصدق، والكافر أكثر حديثه الكذب، ولكن قد يصدق الكاذب، حتى الشيطان قد يصدق أحياناً كما قال صلى الله عليه وسلم: {صدقك وهو كذوب}.

    وكذلك ورد أن الكهان والعرافين والمنجمين قد يخلط الواحد منهم كلمة الحق أو الصدق بتسع وتسعين كذبة، فتكون واحدة صواباً، والباقي كذب، فكذلك رؤياهم قد يكون فيه الحق ولكنه قليل نادر.

    رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم

    ومن الرؤيا الصالحة رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة وأنس وقتادة وأبي سعيد المتفق عليها، أنه صلى الله عليه وسلم قال: {من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي} أو {لا يتكونني} على اختلاف في ألفاظ الحديث.

    فكل من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فهذه بشارة له، فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم، بل الصورة التي رآها في المنام هي صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    لكن لا بد من التنبيه في ذلك على أمور:

    أولها: أن تكون رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على صورته المعروفة، فلا بد أن يكون الرائي يعرف ويعلم صورة صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم الجسدية من خلال قراءته في كتب السنة والسيرة، فيعرف حاله وطوله وشعره وما أشبه ذلك، أما لو رأيت شخصاً في المنام على غير هيئة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يلزم من هذا أن يكون هو الرسول، كما إذا رأيت شخصاً طويلاً بائن الطول أو قصيراً بائن القصر أو نحيفاً بائن النحافة أو سميناً بائن السمن، أو رأيته علىهيئة لا تليق بالنبي صلى الله عليه وسلم كأن يكون عليه أثر معصية أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يكون الرسول عليه الصلاة والسلام، بل يكون الشيطان صور للإنسان صورة في منامه ثم لبس عليه أنه الرسول وليس كذلك.

    كما أن بعض الناس -وهذا يحدث- قد يرون في المنام ويلبس عليهم الشيطان أن هذا ذو الجلال والإكرام وكما سبق أن ذكرت لكم في قصة عبد القادر الجيلاني رحمه الله، وهذا يكون من الباطل غالباً، فالإنسان لا يمكن أن يرى ربه في هذه الدنيا، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث الدجال: {تعلمون أنه أعور يقول: أنا ربكم، واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا} وإن كان بعض أهل العلم قال: إن العبد الصالح يمكن أن يرى ربه في المنام، لكن الحقيقة غير ذلك، والله تعالى أعلم.

    لأننا لا يعلم كيف هو سبحانه إلا هو، ولذلك لا يمكن أن يميز الإنسان إذا رأى في المنام أن يعرف أن من رأى هو الله، أو أن يكون الشيطان لبس عليه، فتحسم مادة هذا الباب أصلاً، فهذا هو الأولى، وفي المسألة خلاف، ونقل عن الإمام أحمد وغيره اختلاف في ذلك والله تعالى أعلم.

    إذن لا بد في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون عالماً عارفاً بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أن لاتقبل ممن ترى في المنام أنه رسول أن يأمرك أو ينهاك عن أمر يخالف الشرع، ولذلك ذكر الشاطبي رحمه الله في الاعتصام أن الكتاني رأى في المنام رجلاً يقول: إنه رسول الله، فقال له: ادع الله ألا يميت قلبي، فقال له: قل كل يوم أربعين مرة: يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت! فقال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى وهو الفقيه الفحل المحقق: أما كون الذكر سبباً لحياة القلب فهذا لا شك فيه، وأما ذكر الله تعالى بالوحدانية فهو من أعظم الأذكار، وكذلك الدعاء يا حي يا قيوم، فكل هذا وارد في الكتاب والسنة، لكن تخصيص أن يقول هذه الكلمة أربعين مرة كل يوم هذا لم يرد في السنة النبوية، ولذلك فالقول بأنه مشروع للكتاني أو لغيره هو أمر باطل لا يمكن أن يقال به.

    ومثله ما ذكره الشاطبي عن ابن رشد وكان قاضياً، أنه جاءه رجلان من العدول الثقات يشهدان على فلان، فلما نام رأى في المنام أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أتى وقال له: لا تقبل شهادة هذين الرجلين فإنهما كاذبان، فلما استيقظ تردد، ثم جزم بقبول شهادتهما ورد هذه الرؤيا؛ لأن الرؤيا لا يثبت بها حكم شرعي كما سبق، ولا مدخل لها في تقرير الأحكام، وسيمر شيء من ذلك لا يخلو من طرافة.

    1.   

    عوامل صدق الرؤيا

    لا بد أن يتحرى الإنسان على أن تكون رؤياه صادقة، ومن ذلك:

    1- أن يحرص أن يكون صادقاً في حديثه، ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً} وهو من حديث أبي هريرة، فكلما كان الإنسان حريصاً على تحري الصدق والبعد عن الكذب أو المبالغة أو التهويل فيما يقول؛ كان هذا أدعى إلى أن يرى في المنام الصدق، وكلما كان الإنسان متوسعاً في الروايات والأخبار وربما مختلقاً للأكاذيب؛ فإنه يكون أبعد عن الصدق في رؤياه.

    2- أن ينام الإنسان على السنة: كأن ينام على جنبه الأيمن متطهراً، ويقرأ الأذكار الواردة والإخلاص والمعوذتين ويمسح بهما رأسه ووجهه وما أقبل من جسمه، وكذلك يقرأ الأدعية الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم: {باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ عبادك الصالحين، اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك، اللهم وجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، وأسلمت نفسي إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنـزلت، وبنبيك الذي أرسلت} كما في صحيح البخاري عن البراء، وغيره من الأذكار الواردة، ثم يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر حتى تغلبه عينه، فإن هذا من الأسباب التي تجعل الإنسان لا يرى في منامه -إن شاء الله- إلا المرائي الحسنة.

    3- اعتدال الإنسان فلا يكون نام على جوع أو شبع أو عطش شديد أو هم شديد، أو ما أشبه ذلك، بل يكون معتدل المزاج خالياً من أسباب الرؤيا الصالحة، كما أسلفت في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب، إذا تقارب الزمان فقيل: إذا اعتدل الليل والنهار، وقيل: قبيل قيام الساعة، وهو الأرجح.

    4- التواطؤ عليها، أي: أن يراها أكثر من إنسان، وهذا حدث كليلة القدر -كما سبق الإشارة إليه- وقال صلى الله عليه وسلم: {أرى رؤياكم قد تواطأت}.

    كذلك كما حدث في رؤيا الأذان، فقد رآها عبد الله بن زيد بن عبد ربه: {رأى الرجل الذي معه ناقوس يحمله قال: تبيعه؟

    قال: ما تصنع به؟

    قال: ننادي به للصلاة، قال: ألا أدلك على ماهو خير لك من ذلك؟

    قال: بلى، قال: تقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ثم ذكر الأذان، ثم استأخر قليلاً، ثم قال: والإقامة أن تقول: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله ثم ذكر الإقامة، فغدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنها لرؤيا حق فألقها على بلال فإنه أندى منك صوتاً، فلما سمعها عمر في بيته خرج يجر إزاره، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: والله يا رسول الله! لقد رأيت الذي رأى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الحمد لله} حَمِدَ الله على تواطؤ رؤيا أصحابه، وأن هذا مما يؤكد صدق هذه الرؤيا.

    عدم ثبوت الحكم الشرعي بالرؤيا

    الرؤيا لا يثبت بها الشرع، وهذه قضية مهمة جداً، فلو أن إنساناً رأى شيئاً في المنام يقول له: فلان عالم فاسأله عن دينك، أو فلان سارق أو زان؛ فأقم الحد عليه فإنه لا عبرة بهذه الرؤيا ولا يلتفت إليها.

    ومن طريف ما يذكر أن شريك بن عبد الله القاضي دخل على المهدي أحد الخلفاء، فلما دخل عليه قال المهدي وقد غضب واشتد غضبه: علي بالسيف والنطع، قال: وما تصنع به يا أمير المؤمنين؟

    قال: أقتلك! قال: ولمَ؟

    قال: إني رأيت في المنام أنك تطأ على بساطي وأنت معرض عني، فسألت أهل التعبير عن ذلك، فقالوا: إنه يظهر لك الموافقة والود، ويبطن لك المخالفة والبغض، فقال شريك بن عبد الله وكان حكيماً: ما أنت بإبراهيم، حتى تكون رؤياك كرؤياه، ولا معبرك بيوسف حتى يكون تعبيره كتعبير يوسف، أفبرؤيا كاذبة تستحل دماء المؤمنين؟!

    فخجل المهدي وسكت، وخرج هذا الرجل من مجلسه، ثم أعرض عنه بعد ذلك.

    وهكذا أنجى الله هذا الرجل بسبب حكمته، وبسبب معرفته أن الرؤيا لا يثبت بها حكم شرعي، ولا تستحل بها دماء ولا أموال ولا أعراض، ولا يثبت بها حلال ولاحرام ولا يلتفت إليها.

    ولذلك أؤكد التحذير من بعض المرائي التي تنتشر في بعض الناس، مثل رؤيا أن الساعة تقوم قريباً، والعلامة على ذلك: افتحي أي مصحف تجدي فيه ورقة ممسوحة أو تجدي فيها شعرة، وقد شاعت هذه في أوساط الطالبات، وكذلك اكتبي هذه الورقة ثلاث عشرة مرة ووزعيها، وإلا فسوف تفقدين شيئاً عزيزاً عليك، فهذه من الأكاذيب والخرافات التي لا تنتشر إلا عند ضعفاء العقول وضعفاء العلم والإيمان.

    آداب الرؤيـا

    أولاً: أن يبتعد الإنسان عن الكذب في رؤياه، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس الذي عند البخاري {من تحلم -ادعى في منامه شيئاً لم يره- كُلِّفَ يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين وليس بفاعل}.

    وكذلك رواه الترمذي من حديث علي وسنده حسن: {من تحلم وادعى رؤيا وهو فيها كاذب، كُلِّف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين، وهو لا يستطيع أن يفعل ذلك}.

    ومثله في التحذير من ذلك، ما رواه البخاري عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: {إن من أفرى الفري -أي من أكذب الكذب- أن يُري الرجل عينيه ما لم تريا}.

    فمن الخطورة أن يكذب الإنسان في رؤياه، وهذا بعض الناس يتساهل فيه، والكذب في الرؤيا كالكذب في اليقظة، الكذب في الرؤيا أقل ما يقال فيه: إنه كالكذب في اليقظة، بل قال بعضهم: إنه أشد من ذلك.

    ثانياً: على الإنسان إذا رأى رؤيا صالحة فيها خير؛ أن يحمد الله تعالى، فيقول: الحمد لله، ويستبشر ويفرح بهذه الرؤيا، ويحدث بها من يحب، كما ورد ذلك في حديث أبي سعيد في صحيح البخاري: {فليحمد الله وليحدث بها} وورد من حديث أبي قتادة: {لا يقصها إلا على وادٍّ -محب- أو ناصح أو عالم}.

    ثالثاً: إذا رأى رؤيا مكروهة؛ فهذه فيها الأدب منها أن يتعوذ من شرها ومن شر الشيطان، ويتفل عن يساره ثلاث مرات، فإن الشيطان يخنس ويبتعد حينئذٍ عن هذا الإنسان، فلا يسيء إليه، وكذلك لا يذكرها لأحد قط، لا محب ولا غيره، لا قريب ولابعيد، فقد نهى الرسول عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم من حديث جابر عن أن يخبر الإنسان بتلعب الشيطان به في المنام: {لما أتاه الأعرابي فقال: يا رسول الله! رأيت في المنام أن رأسي قطع، فهو يتدهد أمامي وأنا ألحق به، فتبسم الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنكر على هذا الأعرابي، ثم صعد المنبر فقال: لا يخبر أحدكم بتلعب الشيطان به في المنام} فلا ينبغي للإنسان أن يذكر الرؤيا السيئة لأحد؛ لئلا يشمت به عدو أو يؤولها أحد، فيكون هذا التأويل هماً في قلب الإنسان، وقد يكون سبباً في وقوعه في بعض ما دلت عليه الرؤيا.

    رابعاً: من أدب من رأى رؤيا لا تسره أن يقوم ويصلي، فقد ورد هذا من حديث أبي هريرة في صحيح مسلم.

    خامساً: من الأدب أن يتحول عن شقه الذي كان نائماً عليه، تفاؤلاً لتحول حاله من سيء إلى حسن، وقد ورد هذا في حديث جابر الذي رواه مسلم.

    1.   

    تعبير أو تفسير الرؤيا

    الإمام مالك قال كما ذكر ذلك ابن عبد البر وغيره -لما قيل له في تأويل الرؤيا: هل يؤولها كل أحد؟

    قال: لا، أيلعب بالنبوة؟

    أي: ما دامت الرؤيا جزءاً من ستة وأربعين جزءاً من النبوة فهل يلعب بها كل أحد؟

    فأنكر على من أوَّل الرؤيا أو فسرها وهو غير عالم، فقيل له: يا إمام! إن بعضهم يؤول الرؤيا على الأمر الحسن، وإن كان لا يعلمها؟

    أي إذا قال له إنسان: رأيت رؤيا فإنه يؤولها على تأويلٍ حسن يطمئن هذا الإنسان، وهو ليس لديه علم، قال: لا يفعل ولا يعبث بالنبوة.

    فلا ينبغي للإنسان أن يُعِّبر أو يفسر الرؤيا إلا إذا كان عنده إلهام وتوفيق من الله ومعرفة بشأن الرؤيا، لأن الرؤيا قد تكون للشيء وعدمه، فقد ورد أن رجلاً جاء إلى أحد الصالحين، فقال له: إني رأيت في المنام أنني أؤذن، قال: إنك سوف تسرق، فتأول قول الله عز وجل: ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ [يوسف:70] ثم جاءه رجل آخر، فقال له: إني رأيت في المنام أني أؤذن، فقال: إنك سوف تحج فتأول قوله تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً [الحج:27].

    لذلك على الإنسان ألاَّ يتسرع في تعبير الرؤيا، بل يعتبر أنها من الدين وأنها من الشرع، والحمد لله! فالله عز وجل جعل لنا سعة في قول: لا أدري، وفي قول: الله أعلم.

    خطورة تعبير الرؤيا

    وقد ورد في الحديث الذي رواه أبو رزين العقيلي وسنده جيد عند أبي داود والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت سقطت} وظاهر الحديث يدل على أن الرؤيا لأول عابر، فإذا عبَّرها الإنسان؛ فإنها قد تقع كما عبرها والله تعالى أعلم.

    وهذا ليس على إطلاقه كما تدل عليه الأحاديث الأخرى لكنه يحدث، وهو ردع للإنسان أن يُعبر الرؤيا إذا لم يكن عالماً بذلك، وليسعه ما وسع رجال الملك حين قال لهم: أفتوني في رؤياي، قالوا: أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين، فليقل الإنسان: وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين، إلا إن كان ممن وفق وألهم وسدد في ذلك فلا بأس.

    أقسام الرؤيا

    الرؤيا قسمـان:

    النـوع الأول: ظاهر جلي: كمن رأى في المنام أنه يأكل شيئاً، فحدث له ذلك في اليقظة، فهذا ظاهر ليس فيه رمز وليس فيه خفاء.

    الـنوع الثاني: رؤيا مرموزة لا يعبرها إلا الحاذقون، وهذه الرؤيا لها قواعد وأصول تخفى على كثير من الناس، ولذلك سبقت عن النبي صلى الله عليه وسلم أمثلة كثيرة، قد لا يستطيع الإنسان أن يتوقعها.

    كذلك عمر رضي الله عنه قال: إنه رأى في المنام أن ديكاً نقره ثلاث نقرات، فأولها بأنه يقتله رجل من العجم، فقتل رضي الله عنه وطعنه أبو لؤلؤة المجوسي ثلاث طعنات، كما هو معروف في السيرة.

    ومن الذين اشتهروا بتأويل الرؤيا ابن سيرين وقد جاء في صحيح البخاري عنه أنه كان يقول: [[إن الرؤيا ثلاث: إما حديث النفس، أو تحزين من الشيطان، أو رؤيا من الله]].

    وهذا ثبت عنه عليه الصلاة والسلام كما سبق، قال ابن سيرين: وكانوا يعجبهم القيد، ويكرهون الغل، ويقولون: القيد ثبات في الدين، وهذا من الأشياء التي يعجب الإنسان منها، فإن السلف رضي الله عنهم كانوا يكرهون الغل، والغل هو القيد الذي يكون في عنق الإنسان في النوم، ولعل كراهيتهم للغل؛ لأنه ورد في القرآن على أنه عقوبة لأهل النار: إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ، فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ [غافر:72] وكذلك قال تعالى عن الكفار: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ [يس:8].

    أما القيد: فيكون في الرجل فيعجبهم القيد، لأن القيد منع الإنسان من المشي إلى الحرام، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن} المؤمن لا يقتل ولا يعتدي على الناس؛ لأن الإيمان قد قيده بذلك؛ فالقيد دليل على الإيمان، أما الغل في الحلق فكانوا يكرهونه ويعتبرونه أمراً ليس بحسن.

    ولكن مع أن ابن سيرين له تأويلات كثيرة، إلا أن هناك كتاباً مشتهراً من تفسير ابن سيرين، تفسيراً للأحلام وتأويل للرؤى، وهذا فيه أشياء كثيرة منسوبة إلى ابن سيرين لا تصح، ولذلك يجب الحذر منه، ومن الخطورة بمكان أن ينتشر هذا الكتاب بين أيدي العامة والرجال والنساء، لأن الكتاب فيه حقائق وأباطيل، ولا تصح نسبته إلى ابن سيرين، فقد يؤول الشيء بالشيء أو بضده، إما رزق أو موت، فإذا رأى الناس هذه الرؤيا أصابته بهم شديد.

    ينبغي التحذير من هذا الكتاب وتبيين أن هذا الكتاب لا يعتمد عليه، وكذلك هناك كتاب آخر للنابلسي فيه أشياء صحيحة وأشياء غير صحيحة، وهناك لبعض الحنابلة وهو أحمد بن عبد الرحمن المقدسي كتاب سماه البدر المنير في تأويل الأحلام ذكره الذهبي، وسوف يأتي الإشارة إلى بعض تأويلات المقدسي.

    وذكر من هذه التأويلات ابن القيم في زاد المعاد المجلد الثالث، ذكر تأويلات المقدسي، وقد التقى به وأخذ عنه وإن كان ابن القيم يقول: لم يتح لي فرصة أن أقرأ عليه تأويل الرؤيا لصغر سني ولتقدم وفاته رحمه الله، وكان يسمى بـالشهاب العابر، لأنه دقيق، حتى يقول: الذهبي لا يدرك شأنه في تفسير الأحلام، لا يشق له غبار في تأويل الرؤى والأحلام، فمن ذلك أن رجلاً رأى في رجله خلخالاً، فقال له: سوف يصيب رجلك داء تتخلخل منه، وهكذا كان.

    وجاءه آخر فقال: إني رأيت في أنفي حلقة من ذهب، ورأيت فيها حباً أحمر جميلاً، فقال له: إنه سوف يصيبك رعاف! وهكذا كان.

    وجاءه آخر فقال له: رأيت في يدي سواراً والناس ينظرون إليه، فقال له: سوف يصيب يدك داء برص أو بهاق أو نحوه، وسوف ينظر الناس إليه.

    وجاءه آخر فقال: رأيت في يدي سواراً ولقد خفيته فلا ينظر إليه الناس، فقال له: سوف تتزوج امرأة حسنة جميلة رقيقة، قال: وهكذا كان.

    وأشار الإمام ابن القيم في الموضع المشار إليه إلى أن الحلية في اليد قد تكون هماً، وقد تكون تزويجاً، وقد تكون بنتاً تولد له أو ما أشبه ذلك.

    فيكون الشيء رمزاً لآخر، مثلاً: الذهب يكون رمزاً للمرأة الصالحة، وقد يكون الرمز باللفظ كما سبق بأن الذهب أوله بعض أهل العلم بالذهاب لسرعة ذهاب شأن الكذابين.

    ومن ذلك ما ورد في صحيح مسلم عن أنس: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {رأيت أنني في دار عقبة بن رافع، وكأنه أُتي لنا بتمر من تمر ابن طاب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فأولته الرفعة لنا في الدنيا والعاقبة لنا في الآخرة، وأن ديننا قد طاب} أخذ الرفعة من اسم رافع، وأخذ العاقبة من عقبة، وأخذ طيب الدين من أنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا أكلوا من تمر يسمى تمر ابن طاب وهو من جيد تمر المدينة. وكما ذكر ذلك عدد من المعبرين.

    1.   

    الأسئلة

    النوم في الجنة

    السؤال: ذكرت أن ليس في الجنة والنار نوم، فما معنى قوله تعالى: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً [الفرقان:24]؟

    الجواب: ليس المعنى أنهم يقيلون فيها؛ فإن النوم أخو الموت كما قال عليه الصلاة والسلام، وأهل الجنة لاينامون فيها، لكن المقصود أن الناس إذا بعثوا من قبورهم وحوسبوا، ذهب أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار, وكأن مقامهم في عرصات القيامة وقت كوقت القيلولة كما ذكر ذلك بعض السلف.

    فالمقصود ذهابهم إلى الجنة في وقت القيلولة، وليس أنهم ينامون في هذا الوقت.

    تعبير الرؤيا

    السؤال: إذا اعتقدت أني رأيت رؤيا فكيف أعرف معناها؟ وهل من اشتُهر بتعبير الرؤيا حالياً؟

    الجواب: إذا تبين لك أن الرؤيا فيها بشارة وخير؛ فهذا دليل على أنها رؤيا حق وخير إن شاء الله، وهناك من يعرفون بتأويل الرؤيا.

    بعض المراجع في الرؤى والأحلام

    السؤال: نرغب أن تذكر في بداية المجلس أو نهايته بعض المراجع المهمة في كل بحث؟

    الجواب: هناك بعض المراجع المهمة في موضوع الرؤيا، فمنها كتاب تعبير الرؤيا في صحيح البخاري، المجلد الثاني عشر من فتح الباري، وقد أطال الحافظ ابن حجر النفس في شرحه، ومنها كتاب طرح التثريب شرح التقريب للعراقي الجزء السابع، ومنها كتاب الاعتصام للشاطبي الجزء الأول، حيث ذكر طرائق أهل البدع في الاستدلال وذكر منها الاحتجاج بالمنامات، ومنها كتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل لـابن حزم في آخر الكتاب الأخير.

    ومنها كتاب جامع الأصول في حرف التاء تعبير الرؤيا، حيث جمع الأحاديث الواردة عن الرسول عليه الصلاة والسلام، ومنها كتاب المنامات لـابن أبي الدنيا، وإن كان كتاباً جمع فيه ما هب ودب من الرؤى والأحلام، وابن أبي الدنيا رحمه الله يجمع روايات، فيها الصحيح، والحسن، والضعيف، وفيها الموضوع الباطل الذي لا أصل له، فينتبه لذلك القارئ.

    ومنها كتاب زاد المعاد لـابن قيم الجوزية في مواضع عديدة من الكتاب حيث ذكر آداب النوم، وآداب الاستيقاظ وكذلك ذكر الرؤى في الجزء الثالث.

    وذكر أحمد بن عبد الرحمن بن نعمة بن سرور المقدسي، صاحب كتاب البدر المنير في تعبير الأحلام.

    الكتاب المنسوب لابن سيرين

    السؤال: ما رأيكم في كتاب ابن سيرين تعطير الأنام في تأويل الأحلام؟

    الجواب: هذا الكتاب لا يصح عن ابن سيرين، ولا يعلم أن الإمام ابن سيرين رحمه الله كتب كتاباً وإن كان من المشهورين في تفسير الرؤى والأحلام.

    ابن تيمية والاسترشاد بالرؤيا

    السؤال: سمعت من أحد العلماء أن شيخ الإسلام ابن تيمية رأى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: عليك بالاستثناء يا أحمد، وذلك حين أشكل عليه حال الذين يقدمون ليصلي عليهم، فهل يكون أخذ منها حكماً شرعياً؟

    الجواب: ذكر ابن القيم رحمه الله أن ابن تيمية رحمه الله تردد فترة في الجنائز التي تقدم ليصلى عليهم وهو يشك في حالهم، ويظهر له من أحوالهم خلاف الاستقامة، فتردد في ذلك فترة، ثم نام فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال له: عليك بالاستثناء يا أحمد.

    والاستثناء المقصود به الدعاء يقول: اللهم إن كان عبدك هذا صالحاً فاغفر له وارحمه وأكرم نـزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد... إلى آخر الدعاء.

    وهذا اجتهاد من الشيخ رحمه الله، وكأنه رأى أن هذا ليس فيه حكم شرعي، رأى أن الرؤيا هذه فيها تنبيه إلى حكم الفاجر، فهي تشبه من بعض الوجوه رؤيا أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي كما في صحيح البخاري جاء إلى ابن عباس فقال له: [[أترى أن أحرم بالحج والعمرة؟! قال: نعم أحرم بالعمرة متمتعاً بها الحج، فجاء إلى بعض الناس فنهوه عن ذلك؛ لأن عمر رضي الله عنه كان ينهى عن التمتع، وكذلك عثمان رضي الله عنه كان ينهى عن متعة الحج، فتابعهم بعض الصحابة ونهوا أبو جمرة عن ذلك، لكنه أطاع ابن عباس وأحرم بالعمرة متمتعاً بها إلى الحج، فلما نام رأى في المنام رجلاً يقول له: حج مبرور وعمرة متقبلة.

    فجاء إلى ابن عباس وأخبره بالرؤيا، فقال له: هديت إلى سنة نبيك! وفرح ابن عباس بالرؤيا، وقال له: أقم عندي حتى أقسم لك من مالي، وأجعلك كأحد أولادي، فأقام عنده وأخذ عنه العلم، وكان يترجم بينه وبين الناس]].

    يحمل كلام ابن تيمية رحمه الله أنه رأى أن هذه الرؤيا ليس فيها حكم شرعي، وإنما كأنها نبهته إلى حكم ظاهر له، خفي عليه ثم انتبه له.

    وإن هذا تفسير لفعله، كان بالنسبة لغيره لا يعتبر هذا دليلاً شرعياً، ولا يجوز للإنسان أن يستثني في الدعاء، بل الراجح أن الإنسان إذا ظهر من حاله أنه مسلم، يؤخذ بظاهره ويدعى له، فإن عرفت بأن هذا الشخص كافر حرم عليك أن تدعو له وإذا شككت في حاله، وعرفت منه أنه فاسق مظهر للفسق كالذين يتركون الصلاة مع الجماعة، ويصرون على تركها أو يؤذون المؤمنين أو يتعاطون الربا عياناً ويحاربون الله ورسوله أو ما أشبه ذلك كالذين يجاهرون بالمعاصي، يغنون مثلاً ينشرون الفساد والفاحشة بين المؤمنين أو تسلطوا على المسلمين وآذوهم في أنفسهم وأموالهم وأرزاقهم، وما أشبه ذلك.

    فمثل هذا أرى أن الأفضل من العالم إذا قدم مثل هؤلاء للصلاة أن ينصرف ولا يصلي عليه، ردعاً لغيره وتعزيراً لغيره من الناس، وهكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وفعل هكذا بعض أصحابه، فالرسول عليه السلام كان إذا قدم إليه رجل عليه دين، قال: صلوا على صاحبكم وتركه، وكذلك ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على الغال الذي غل المتاع، وكذلك ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على قاتل نفسه، كما ورد في صحيح مسلم ولم يصلِّ عليه مع أنه ليس بكافر، فأخذ من هذا أهل العلم أن الإنسان المجاهر بالفسق والمصر على ذنوبه أن الأفضل إذا كانت الظروف مناسبة له وليس هناك فتنة أو ضرر ظاهر أن يبتعد العلماء المرموقون عن الصلاة عليه؛ حتى يكون بذلك زجر وردع له لمن كان على مثل شاكلته.

    من آداب الرؤيا السيئة

    السؤال: قلت: من آداب الرؤيا السيئة أن يقوم يصلي، ثم ذكرت أنه يحول جنبه، وهذا ظاهره التعارض، فما الجمع؟

    الجواب: لا تعارض! بل يفعل هذا وهذا، فإما أن يصلي وإذا رجع إلى فراشه فإنه ينام على جنبه الآخر، أو نقول: يتحول بمجرد أن يستيقظ، ثم بعد قليل يقوم ويصلي.

    أو يقال: إن استطاع أن يقوم ويصلي فعل، وإن لم يستطع فعلى الأقل يتحول من جنب إلى آخر.

    تعلق الروح بالجسد

    السؤال: يقال في علم النفس: إن الإنسان إذا لم تخرج روحه وتتجول، فقيل: إنها تصعد إلى السموات العلى، وقيل: إنها تتجول في الدنيا، وعليه تخرج أو تأتي الأحلام، فما قولكم؟

    الجواب: قولنا هو قول أهل السنة والجماعة، كما ذكروا في كتب الاعتقاد أن تعلق الروح بالجسد على مراتب:

    أقوى وأتم ما يكون تعلق الروح بالجسد في الدار الآخرة، أهل الجنة وأهل النار تتعلق أرواحهم بأجسادهم تعلقاً تاماً ولذلك يكون لأهل الجنة أتم النعيم، ويكون لأهل النار أشد العذاب.

    ثم تعلق الروح بالجسد في الحياة الدنيا في حال اليقظة هذا هو في المرتبة الثانية.

    المرتبة الثالثة: تعلق الروح بالجسد في الدنيا في حال النوم، ثم في المرتبة الرابعة: تعلق الروح بالجسد في حال البرزخ، فإنها تتعلق الروح بالجسد لكنها تحله أو تسكن فيه، فلا يوصف بأنه حي حياة دنيوية مستقرة، بل روحه متعلقة بجسده بكيفية أضعف مما هي عليه في الدنيا، ولذلك لا يدركها الناس.

    أثر قراءة آية الكر سي

    السؤال: هل يمكن للشيطان أن يتمكن من الإنسان وقد قرأ آية الكرسي وقرأ الورد، فإذا رأى شيئاً لا يسره، فهل هذا من الشيطان أم هو غير ذلك؟

    الجواب: نعم آية الكرسي ورد: {من قالها فإنه لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح} لكن هذا فيمن قرأها بحضور قلب، وصفاء نفس، وعمل بمقتضاها، فإن في الآية من المعاني والآثار الشيء العظيم، أما من قرأها بقلب راكد لاهٍ، فإن هذا لايكون له مثل ما للأول، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عمر وأبي هريرة وهو حديث حسن بمجموع طرقه قال: {ادعوا وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يجيب دعاء من دعاه بقلب غافل لاهٍ}.

    فإذا كان الدعاء وهو من أفضل العبادات لا يستجاب من قلب العبد الغافل اللاهي، فكذلك غيره من الأذكار والأدعية إذا غفل الإنسان ولها، ولا شك أنه مأجور على قراءته ليس كمن سكت ولم يقرأ، لكنه ليس كمن قرأ بقلب حاضر ونفس مقبلة على ذكر الله.

    حكم الإخبار بالرؤيا السيئة

    السؤال: إذا رأى الإنسان رؤيا غير طيبة كمن رأى شخصاً يُقتل أو شخصاً يقتله، فهل يخبرهم بهذه الرؤيا أم لا؟

    الجواب: كلا! فإن هذه الرؤيا فيها شر، فعلى الإنسان ألاّ يخبر بها أحداً، كما سبق في الآداب المطلوبة في الرؤيا السيئة، سواء كانت الرؤيا تتعلق به، أو كانت رؤيا تتعلق بغيره، ولكن إن كان في هذه الرؤيا تحذير وتنذير وتخويف، فعليه أن يعرضها على بعض المعبرين؛ لأن بعض الرؤى كما أسلفت يكون فيها إنذار، مثل أن ترى رجلاً وترى النبي صلى الله عليه وسلم وقد أعرض عنه، فإن هذه الرؤيا قد يكون فيها إنذار لهذا الشخص، فلا بأس أن تعرض على بعض المعبرين، ثم يستشار في إخبار صاحب الرؤيا إن كان في ذلك تنبيه على بعض الذنوب التي وقع فيها.

    حديث النبي الذي كان يخط والجواب على وجه الإشكال فيه

    السؤال: لقد تحدثت عن حكم الخط، وأنه في حديث معاوية بن الحكم الطويل أنه: {سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الخط؟

    فقال له عليه الصلاة والسلام: كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك فليعقل} فما حكم الخط في الحديث؟

    الجواب: لا يجوز الخط بالرمل، مثلما يفعله الرمالون والعرافون والمنجمون، لا يجوز لأنه من ادعاء علم الغيب، والله تعالى يقول: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل:65] فلا يجوز للإنسان أن يدعي علم الغيب بسبب من الأسباب أو بوسيلة من الوسائل، لا عن طريق الخط، ولا قراءة الكف، ولا قراءة الفنجان، ولا غير ذلك من الطرق التي يسلكها المشعوذون، الذين يضحكون على الناس ويأخذون أموالهم ويستخفون بعقولهم، أما الحديث فظاهره والله أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { كان نبي من الأنبياء يخط } فيكون هذا طريقة من طرائق الوحي لذلك النبي سواء كان إدريس أو غيره، والوحي له طرق كثيرة تختلف من نبي إلى آخر، وقد ذكر الإمام ابن القيم في طرق الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنها على ثمانية أضرب، منها الرؤيا الصالحة، ومنها الإلهام ومنها ومنها... فيكون هذا نوعاً من الإلهام لذلك النبي، أما غير النبي فليس له شيء من ذلك.

    أما قول النبي عليه السلام: {كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك} فهذا على سبيل التعجيز، كما في القرآن الكريم في مواضع كثيرة: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [فصلت:40] وكما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: {إذا لم تستح فاصنع ما شئت}.

    ليس معناه الإذن للإنسان أن يصنع ما شاء، لكن على سبيل التعجيز وبيان أن الأمر واضح ولا إشكال فيه، فهنا قال: كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك} كأن الحديث يقول للسائل: هل أنت نبي؟ سيقول السائل: كلا! فسوف يقول له: هل تعرف أنت الطريقة التي كان يخط بها ذلك النبي؟ فسوف يقول: لا! فيكون الجواب: إذن لا سبيل لك إلى ذلك.

    أسباب انبعاث حديث النفس

    السؤال: ذكرتم أن الرؤيا من الله وأن الحلم من الشيطان، فمن أي شي يكون النوعان الآخران وهما حديث النفس وما يكون مما يناسب الطبع؟

    الجواب: لعل هذا مما لا يوصف بأنه من الله تعالى ولا من الشيطان، هو من الله تعالى من ناحية أنه خالقه ومقدره بلا شك، لكنه ليس مما يفرح به أو يسر، كذلك ليس هو من الشيطان الذي يحذر به المؤمنين، بل إنه من الأمور العادية، كما أن الإنسان قد يفكر وهو يقظ بأفكار وتخطر له في نفسه خواطر من الأمور المباحة التي لا تحمد ولا تذم، وكذلك له أفكار وخواطر محمودة، مثل الهم بالأعمال الصالحة: إذا هم بحسنة ولم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وفي مقابل ذلك قد يفكر ويخطر في باله خواطر سيئة يلام ويذم ويعاقب عليها، كما إذا هم بالسيئة ولم يمنعه من عملها إلا العجز عنها، فإنه يأثم بذلك ويعاقب عليه كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: {إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله! ما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه}.

    وكما في قوله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج:25] هذا مجرد الإرادة أو الهم الجازم على المعصية يأثم عليه الإنسان إذا كان لم يمنعه من فعله إلا العجز.

    أما إنسان هم بارتكاب الفاحشة وكاد أن يبدأ، ثم اطلع عليه رجل يخافه أو يستحي منه فأقلع، فهذا ما أقلع خوفاً من الله حتى يكتب له حسنة، وإنما أقلع خوفاً من المخلوقين أو لعجزه.

    حكم الكذب في الرؤيا

    السؤال: إذا كذب الرجل أنه رأى في المنام لغرض صحيح، فهل يجوز الكذب في ذلك، مثل أن يقول لشخص لا يصلي في المسجد إني رأيتك تعذب؛ من أجل أن يصلي في المسجد؟

    الجواب: لا يجوز هذا، وليس هذا من طرق الدعوة إلى الله تعالى، بل على الإنسان أن يقول له: إني سمعت الله تعالى يقول في كتابه: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الروم:31] وسمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في سنته: {بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة} ويقول: {العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر} وما أشبه ذلك من النصوص التي تدل على عظمة عقوبة تارك الصلاة، وفي ذلك كفاية في أن يختلق له رؤيا لا أصل لها.

    صاحب الرؤيا الصالحة

    السؤال: هل الذي يرى في المنام رؤيا صالحة، هل يكون صالحاً؟

    الجواب: الرؤيا الصالحة في المنام للرجل الصالح، لكن قد يرى غير الصالحين رؤيا صالحة في المنام، لكن هذا نادر كما سبق، مثل قصة رؤيا الملك كما في سورة يوسف، وكذلك الرجلان صاحبا يوسف كانا مشركين كما هو ظاهر من السير، وكذلك رأيا رؤيا وقعت مثلما رأياها.

    اختلاف تعبير الرؤيا حسب أحوال الذي رآها

    السؤال: ذكرت في معرض الحديث أن رجلاً أتى إلى أحد الصالحين، فقال: إني رأيت أني أؤذن، ففسرها الرجل أنك تسرق، وفسرها للرجل الآخر أنه يحج، فما الفرق بين الرجلين من حيث رؤياهما؟ وما التوفيق بينهما؟

    الجواب: أن الرجل الأول الذي قال له: تسرق ظهر للمعبر من حاله وهيئته أنه رجل أقرب إلى الفسق وخفة اليد، فدل هذا أنه سارق، ولذلك من أصول تعبير الرؤيا أن يكون العابر عنده معرفة بحال الشخص إما ظاهره أو باطنه.

    وأما الآخر فكأن الرجل كان عليه سيماء الصلاح، فرأى أن أذانه يعني الحج {وقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم -كما في حديث ابن عباس وهو حديث صحيح- قال: يا رسول الله! إني رأيت كأن ظلة في السماء تنطف السمن والعسل، والناس تحتها يتوكفون ويأخذون منها، فمقل ومستكثر، ورأيتُ حبلاً موصولاً بين السماء والأرض، فأخذت به يا رسول الله فرفعت، ثم أخذ به بعدك رجل آخر فرفع، ثم أخذ به رجل ثالث فرفع، ثم أخذ به رجل فرفع ثم انقطع، ثم وصل له ثم رفع، فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! دعني أعبر هذه الرؤيا - يريد أبو بكر أن يتعلم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونعم المعلم! ونعم المتعلم! فقال: أما الظلة التي في السماء فهي ما آتانا الله به من الخير.

    أما السمن والعسل الذي تمطره وينـزل منها فهو الوحي والقرآن الذي أكرمنا الله به، وأما كون الناس يأخذون منها فمقل ومستكثر فهؤلاء الناس يأخذون بقدر أوعيتهم وبقدر ما معهم من الدين والعلم، وأما الحبل الذي بين السماء والأرض فهو الحق الذي بعثك الله به، تأخذ به أنت فتعلو، ثم يأخذ به رجل بعدك فيعلو، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو، ثم يأخذ به رجل فينقطع ثم يُوصل له فيعلو، فقال: أبو بكر بأبي أنت وأمي يا رسول الله! أخبرني أصبت أم أخطأت؟

    قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً، فقال: والله يا رسول الله لتخبرنني ما أخطأت؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقسم}.

    وترك الرسول عليه الصلاة والسلام هذه الرؤيا دون أن يعبرها أو يفسرها أو يبين الخطأ من الصواب، وهذا دليل أن الإنسان إذا عبر الرؤيا باجتهاد، وكان أهلاً لذلك من حيث العلم بالشرع والعلم بأحوال الناس، فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر وهو مجتهد، كما فعل أبو بكر.

    مآل الرؤى

    السؤال: هل كل رؤيا حسنة تؤول بالخير، وكل رؤيا شر تؤول شراً؟

    الجواب: هذا معنى الرؤيا الحسنة أنها تؤول إلى خير، وتكون خيراً للإنسان في عاجل أمره أو آجله، والرؤيا السيئة هي ضد ذلك.

    سبحـانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    اللهم صلِّ وسلم على نبيك وعبدك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.