اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الرؤى والأحلام للشيخ : سلمان العودة


الرؤى والأحلام - (للشيخ : سلمان العودة)
تحدث الشيخ عن داوعي الحديث عن هذا الموضوع، ثم ذكر دلالات الرؤى والأحلام، ثم بين حقيقة الرؤيا عند غير المسلمين وعند المسلمين، وعلى ضوء ذلك شرع في ذكر أقسام الرؤيا كما تدل على ذلك النصوص الشرعية، ثم عرف الرؤيا الصالحة ومنـزلتها، وأن من جملة من يرى الرؤيا الصالحة الأنبياء والصحابة الصالحون وأنه قد يراها غير الصالحين، وذكر بعض الرؤى الواردة عنهم.ثم عدد عوامل صدق الرؤيا، وأنه لا يثبت بالرؤيا حكم شرعي، وأن لها آداباً، وختم بالكلام على تعبير الرؤيا..
مقدمة عن الدروس العامة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل لـه، ومن يضلل فلا هادي لـه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليماً كثيراً.أما بعــد:فهذا هو الدرس الأول من (سلسلة الدروس العلمية العامة) التي كنت وعدت بها إخواني من طلاب درس الحديث في مطلع العام الهجري الحالي، أي: قبل نحو ستة أشهر، ثم وعدتهم في المجلس السابق أن نبدأ في هذه الليلة، وهي ليلة الإثنين، السابع عشر من شهر رجب لعام (1410هـ).لابد -أيها الإخوة- قبل أن أبدأ بموضوع هذه الأمسية، أن أعطي الإخوة الحضور والمستمعين فكرة عن منهج هذا الدرس.ففي الأصل كانت هناك نية لإيجاد درس آخر في (بلوغ المرام) لكن حالت دونه بعض الحوائل، ففكرت في إقامة درس آخر، ثم ترددت ماذا يكون الموضوع الذي أُدرِّس فيه؟ هل أدرس في التفسير مثلاً؟ فهناك وقفات وفوائد عظيمة في هذا العلم، أم أُدرِّس في السيرة النبوية؟ ولا شك أن الناس في أمس الحاجة إلى دروس وعبر من سيرة نبيهم صلى الله عليه وسلم أم أدرس في العقيدة والتوحيد؟ وهذا هو لُبُّ اللباب وأصلُ الأصول، وقد كثرت الثغرات والانحرافات في هذا الباب، فالناس أيضاً في أمس الحاجة إلى من يبصرهم بحقيقة دينهم وأصل الأصول فيه، ألا وهو موضوع العقيدة الصحيحة، والرد على أهل البدع والأهواء والمِلَل والنِّحَل وغيرهم.وبعد طول تفكير؛ رأيت أن من المناسب أن يكون هذا الدرس عاماً ليشمل هذه الأمور جميعها؛ بحيث يكون لدينا فرصة لنتحدث في إحدى الليالي -مثلاً- عن موضوع في العقيدة، ونتحدث في ليلة أخرى عن موضوع في السيرة، وفي ليلة ثالثة: عن موضوع يتعلق بالأخلاق والآداب والسلوك، وفي بعض الليالي عن موضوعات تتعلق بالأحوال الاجتماعية، والتنبيه عن بعض ما يقع الناس فيه، وأحياناً يكون هناك مناسبة تستدعي الحديث عنها، كقدوم موسم من مواسم الطاعة، كاستقبال رمضان أو الحج، أو وجود مناسبة تاريخية معينة، أو حدوث حادث يتطلب التعليق عليه والتوعية بشأنه، فضلاً عن بعض الموضوعات الأخرى التي يناسب طرحها في مثل هذا المجال.ولذلك رأيتُ أن يبقى موضوع هذا الدرس عاماً، من ناحية عدم تقييده بفن معين، بل قد أتحدث - أحياناً - عن كتاب من الكتب له أهمية، أو نقد له، أو أتحدث عن ترجمة لبعض رجالات الإسلام الكبار، وبعض الدروس والعبر والفوائد من حياته.. إلى غير ذلك؛ بحيث لا يكون هناك حدود أو قيود في هذا الموضوع. هذا من جهة موضوع الدرس، فلن يكون له موضوع خاص، بل سيكون لكل ليلة موضوع خاص، وقد يستدعي الأمر -أحياناً- أن أتحدث ليلتين أو أكثر، على مدى أسبوعين أو أكثر في موضوع واحد؛ لأنه موضوع طويل، ولا يمكن استقصاؤه واستيعابه في درس واحد أو جلسة واحدة، كما هو الحال -تقريباً- بالنسبة لدرس هذه الليلة، فسيتضح لكم أنني لا أستطيع أن أستغرق كل ما ينبغي أن يقال في هذا الموضوع في هذه الأمسية الواحدة.إذاً: هو درس علمي عام، وسأحرص -إن شاء الله- على أن يكون تناول الموضوع الذي أريد الحديث عنه -قدر الإمكان- مُيَسراً مُسَهلاً قريباً، يمكن أن يفهمه أي إنسان، بمعنى: ألاَّ يكون هذا الدرس خاصاً بطلاب العلم، كما هو الحال في درس (بلوغ المرام) بل أن يكون الدرس درساً للكافة، مِن الكبار والصغار، والمتعلمين وغير المتعلمين، ومِن الرجال والنساء أيضاًً، ولذلك -إن شاء الله- سيتم إيجاد وترتيب مكان مخصص للنساء، إن لم يكن موجوداً فعلاً الآن، هذا ما يتعلق بموضوع الدرس. أما وقته فقد علمتموه جميعاً، فسينعقد بصفة دورية أسبوعية -إن شاء الله- في كل أسبوع، في مساء الأحد، ليلة الإثنين، بعد صلاة المغرب، في هذا المكان، في الجامع الكبير بـبريدة.أما فيما يتعلق بـما بين الأذان والإقامة، فسيكون مخصصاً للإجابة على الأسئلة غالباً، باستثناء هذا الليلة؛ لعدم ترتيب مسبق في هذا، وإلاَّ فسيكون هناك ورق تُوَزَّع على الإخوة الحضور أو على من أراد؛ لكتابة الأسئلة، على أن تكون الأسئلة متعلقة بالدرجة الأولى بالموضوع، لا مانع من الأسئلة المهمة وإن لم تكن في الموضوع، لكن في الدرجة الأولى: بالموضوع؛ لأننا سنتناول -كما ذكرتُ- موضوعات كثيرة، فيستحسن أن تكون الأسئلة فرصة لاستكمال الجوانب التي قد لا أكون تطرقت إليها أثناء الحديث.هذه مقدمة تتعلق بفكرة هذا الدرس وطبيعته وطريقته، ولا أستغني عن جهودكم في هذا المجال؛ لأن هذا الدرس عام -كما ذكرتُ لكم- فمثلاً: حين يوجد في المجتمع ظاهرة معينة تحتاج إلى الحديث عنها، قد لا أستطيع أن أدرك هذه الظاهرة؛ لأنني - أحياناً - أكون بعيداً عنها، لكن منكم من يدركها، ويحس أنها موضوع يستحق الحديث، فلا مانع من الاقتراح في هذا المجال، بل هو مطلوب.
 

أهمية موضوع الرؤى والأحلام
موضوع هذا الليلة هو: الحديث عن (الرؤى والأحلام).ولا بد أن يسأل سائل: لماذا تبدأ بهذا الموضوع، موضوع الرؤى والأحلام؟فأقول:أولاً: ليس البدء بهذا الموضوع مقصـوداً أن نبدأ به دون غيره، كلا! بل من منهج هذا الدرس ألا يلـتزم -كما ذكرتُ- بترتيب معين، بل ينتقل من موضوع إلى موضوع، ولو كانا متباعدَين؛ لدفع الملل والسآمة عن نفوس الإخوة الحضور والمستمعين عموماً.ثانياً: أما الحديث عن الرؤى والأحلام، فهو ضروري لأسباب أشير إليها:
 بيان شمولية الإسلام
الأمر الثالث الذي يدعو إلى الحديث في موضوع الرؤيا هو: أن نبين أن للإسلام بياناً وتفصيلاً في كل أمر من الأمور، كما قال الله عز وجل: وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً [الإسراء:12] وقال أيضاً: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل:89] ولذلك جاء في الصحيح: {أن رجلاً من اليهود أو من المشركين قال لـسلمان الفارسي رضي الله عنه: هل علمكم نبيكم كل شيء، حتى الخراءة؟ -يعني: آداب قضاء الحاجة- قال: أجل! أمرنا ألا نستقبل القبلة بغائط ولا بول، وألا نستنجي برجيع ولا عظم، وألا نستنجي بأقل من ثلاث أحجار}.فلم يمت النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد بين لأمته البيان الشافي الشامل الكامل في كل أمر من الأمور، دقيقها وجليلها، ومن ذلك: أمر الرؤيا، فقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم أتم بيان، وهذا الهدي النبوي الذي بينه الرسول صلى الله عليه وسلم يقف في مقابلة كلام المنحرفين الذين لم يستنيروا بنور النبوة، فأنت تجد في موضوع الرؤيا -مثلاً- هناك للأطباء في الرؤيا كلام، وللفلاسفة أيضاً كلام، ولعلماء النفس في العصر الحاضر في الرؤيا كلام، حتى أن فرويد، وهو صاحب مدرسة التحليل النفسي -كما يسمونها- لـه نظرية متكاملة في الأحلام، وسيأتي الإشارة إلى بعض الطرائف المضحكة في شأن هؤلاء بعد قليل إن شاء الله.إذاً: نحن نبين للناس هدي الإسلام وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ في مقابل ما يُشاع على ألسنة الكثيرين من انحرافات الجاهلية، ولوثات المادية، ومع الأسف الشديد لم يعد الكلام في الرؤيا -الذي يقوله أعداء الإسلام- سراً، فقبل أسابيع كنت أستمع إلى أحد البرامج، فإذا به يتحدث عن الرؤى والأحلام، ويذكر نظريات غربية مادية في شأن الرؤيا، ويعتبر أنها من أحدث ما توصل إليه العلم، وأنها أمور طريفة، مع أن المسلم الواعي لا يملك إلا أن يضحك منها، ويحمد الله على نعمة العقل والإسلام. وعلى أي حال فإن منهج الإسلام في موضوع الرؤيا هو منهج الاعتدال، لا إفراط ولا تفريط، ليست الرؤيا وحياً ولا تشريعاً، كما أن الرؤيا ليست عبثاً ولا تخليطاً، بل منها الحق ومنها الباطل، كما سيظهر.
معنى الرؤيا ودلالتها
النقطة الثانية التي سأشير إليها هي: الحديث عن معنى الرؤيا ودلالاتها.أما معنى الرؤيا فهو ما يتخيله الإنسان ويَعْرِض له في منامه. وتُجْمَع على رؤى، ومفردها رؤيا، ويقال: أحلام، ومفردها حُلُم، وسيأتي بيان الفرق بين الرؤيا وبين الحُلُم.وأما ما يراه الإنسان عياناً فيُسَمَّى رؤية، بالهاء، فإذا قيل: رؤيا، فمعناها: رؤيا في المنام، وأما إذا قيل: رؤيةٌ، فالمقصود رؤية بالعين المجردة، وقد تُسمى الرؤيا مناماً. هذا فيما يتعلق بتعريفها.أما فيما يتعلق بدلالات الرؤيا، فأحب أن أشير إلى عدة نقاط، أعتبر أنها مهمة جداً.
 الدلالة على نوع من الفراغ
الدلالة الخامسة من دلالات الرؤيا والانشغال بها: أنها تدل على نوع من الفراغ.فإن كون المجتمعات فارغة من الأمور الجادة يجعلها تتجه إلى الحديث عن الأحلام، ولذلك أسلفت لكم قبل قليل، أن في هذا العصر كثر الحديث عن رؤى ومنامات باطلة ومخالفة للشرع، لماذا؟ لأن الناس عندهم فراغ، ليس لديهم علم شرعي صحيح، وليس لديهم أعمال إسلامية ودينية نافعة، فيشتغلون بهذه الأمور التي لا قيمة لها، ومثل ما تسمعونه وتقرءونه في الكتب عن منامات الصوفية وأحلامهم وأباطيلهم، التي يزعمون أنهم رأوها على فُرُشِهِم، لهذا السبب نفسه، كما أنها تكون في النساء أكثر منها في الرجال، للسبب نفسه أيضاً.
حقيقة الرؤيا
النقطة الثالثة في هذا العرض: هي تحديد حقيقة الرؤيا.ما هي الرؤيا من حيث الحقيقة؟ هذا سؤال عويص، وفيه طرائف بالنسبة لغير المسلمين.
 حقيقة الرؤيا في الإسلام
أما الإسلام فله حكم وبيان في موضوع الرؤيا وتحديدها، وألخص ما يتعلق بهذا الموضوع في أقسام:أ- القسم الأول: الحُلُم.والمقصود بالحلم: هو ما يصيب الإنسان أثناء المنام من تزيين وتسويل وتـمثيل الشيطان، ولذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، من حديث جماعة من الصحابة في الصحيحين أنه قال: {الرؤيا من الله، والحُلُم من الشيطان}.ومثاله: أن يرى الإنسانُ نفسَه في موقع حرج جداً، وأن هلاكه لا بد منه بحال من الأحوال، فهذا حُلُمٌ يريد الشيطانُ أن يخيف به الإنسان.مثال آخر: أن يرى الإنسانُ أن رأسَه مقطوع، وهو يَتَدَهْدَهُ ويَتَدَحْرَجُ أمامه مثلاً، وهذا الحلم وقع لأعرابي، كما في صحيح مسلم، من حديث جابر، {فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله! إني رأيتُ أن رأسي قد قُطِع، فهو يَتَدَهْدَهُ أو يَتَدَحْرَجُ أمامي. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا تخبر الناس بتلاعب الشيطان بك في المنام} أي: إن هذه مجرد وساوس وتسويلات وتزيينات من الشيطان، لا ينبغي للإنسان أن يتحدث عنها ولا يخبر الناس بها، بل يعلم أنها من الشيطان، وسيأتي بيان الأدب الواجب في مثل هذا.وأيضاً من الأحلام التي هي من الشيطان: أن يرى الإنسانُ في منامه شيئاً يخالف الدين، كأن يرى -مثلاً- أن مَلَكَاً أو نبياً يأمره بارتكاب ما حرم الله، فهذا يكون من الشيطان ولا بد، وأعظم من ذلك أن يرى الإنسان أن ربه يأمره في المنام بارتكاب ما حرم أو بترك ما أوجب.وأذكر في هذا المجال قصة حدثت للإمام عبد القادر الجيلاني -رحمه الله- وهو من أئمة أهل السنة، وإن انتحله الصوفية وتَبَنَّوْه، فقد جاء الشيطان إلى الإمام عبد القادر وهو في منامه وأوقد أمامه ناراً عظيمة في المنام، وزين وسَوَّل لـه هذا، ثم ظهر هو في وسط النار، وهو يقول له: يا عبد القادر، يا عبد القادر، أنا ربك، وقد أحللتُ لك ما حرَّمتُ عليك. فهذا الرجل الموفق المسدد لم يغتر بل قال: اخسأ يا عدو الله. ثم استيقظ وعلم أن هذا من الشيطان؛ لأنه يعلم أن الله تعالى لا يمكن أن يحلل بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم حراماً، ولا يحرم حلالاً، فقد خُتِمَ الأنبياء بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبه كَمُل الدين وتـمت النعمة، ولم يعد الوحي يتنـزل، وليس لأحد أن يخرج عن شريعة مـحمد صلى الله عليه وسلم كائناً من كان. ومن ادعى أنه يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو مرتد عن الإسلام كما يدعي بعض شيوخ الطرق الصوفية. المهم كونه رأى أن هذا الشيطان يدعي الألوهية، والشيطان لا يمنع أن يدعي الألوهية، كما ادعاها فرعون وغيره، ثم يقول لـعبد القادر: إني قد أحللت لك ما حرمت عليك. فعرف أن هذا من لعب الشيطان به في المنام، واستعاذ بالله منه، وقال: اخسأ يا عدو الله. هذا القسم الأول وهو الحُلُم.ب- القسم الثاني مما يراه الإنسان في المنام: حديث النفس.فالإنسان إذا حدَّث نفسه بشيء، وأطال التفكير فيه، أو تمناه وتمنى حصوله، أو اعتاد مواجهته ومعالجته في الواقع، فكثيراً ما يراه في المنام، فقد تجد الإنسان يرى في المنام ما يتعلق بعمله وشأنه الذي يشتغل به في الدنيا، أو ما يتمنى من الأمور، من كسب أو جهاد أو تجارة أو غيرها، أو الأشياء التي يفكر فيها، وإذا فكر الإنسان -مثلاً- لمدة ربع ساعة قبل النوم بأمر؛ فإنه -غالباً- يرى شيئاً يتعلق بما حدث به نفسه، وهذا لا يُحْمَد ولا يُذَم، بل هو من الأمور العادية.جـ- القسم الثالث: ما يكون مِن قِبَل الطبع.وهذا لا مانع أن يقع لبعض الناس، فإذا تغير مزاج الإنسان -كما أسلفت- فإنه قد يرى شيئاً يتناسب مع تغير مزاجه، بزيادة البلغم أو زيادة الدم أو ما أشبه ذلك، فيرى أحياناً نيراناً أو يرى سروراً، أو يرى نوراً وضوءاً أو ما أشبه ذلك، بحسب تغير مزاجه، وهذا يحدث إذا مرض الإنسان -مثلاً- أو اعتلت صحته، أو أكثر من الأكل، أو كان شديد العطش، فيحدث له مثل هذا.د- القسم الرابع: الرؤيا التي هي من الله تعالى.وهذه -لا شك- أشرف الأقسام وأعظمها، وقد ورد فيها عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة} وهذا الحديث عند البخاري، وفي الصحيحين من حديث أبي قتادة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {الرؤيا الصادقة من الله والحُلُم من الشيطان} وأيضاً من حديث أبي سعيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله، وإذا رأى رؤيا يكرهها فإنما هي من الشيطان} والحديث متفق عليه. ومن حديث أبي هريرة -كما أسلفت-: { لم يبقَ من النبوة إلا المبشرات } وفي صحيح مسلم: أنه قال: { الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرَى له } وفي حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه، كشف الستر ثم نظر إلى الناس ورأسه معصوب، ثم قال: {لم يبقَ من النبوة إلا المبشرات، الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرَى لـه} والحديث رواه البخاري. فهذه الرؤيا التي يكون فيها خير للإنسان، كأن يرى الإنسان فيها بشارة بخير، أو تنبيهاً على أمر سيقع، فيكون فيها خير، وقد يكون فيها تحذيراً أحياناً. فمثلاً: قد يرى المؤمن النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، ورؤيا النبي صلى الله عليه وسلم حق، كما سيأتي، لكن ربما يرى النبي عليه الصلاة السلام في المنام وهو مُزْوَرٌّ عنه، ومعرض عنه، فيكون هذا إشارة إلى أنه حصل من هذا المؤمن نوع من التقصير، فيتنبه إليه ويحرص على أن يستدركه، فيكون في ذلك خيراً له، وإن كانت الرؤيا قد تحزنه لما رأى، لكن يكون فيها خيراً له.هذا ما أحببت أن أقوله في هذه الليلة.وفي الأسبوع القادم -إن شاء الله- سوف نستكمل موضوع الرؤيا، ونذكر بعض مرائي النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والصالحين، وتعبير الرؤيا، وبعض القصص الطريفة في ذلك، والآداب الواجبة للمؤمن إذا رأى رؤيا يحبها أو رأى رؤيا يكرهها، وبعض المتفرقات المتعلقة بموضوع الرؤيا، وبعد صلاة العشاء في الأسبوع القادم -إن شاء الله- نجيب على الأسئلة المتعلقة بهذا الموضوع، والله تبارك وتعالى أعلم.وصلى الله وسلم على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.
الرؤيا الصالحة وفضيلتها
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أمـا بعـد:فهذا الموضوع الثاني والأخير إن شاء الله في موضوع الرؤى والأحلام، وسأتحدث عن مجموع نقاط تتعلق بموضوع الرؤيا الصالحة، وآدابها وما يتعلق بذلك، وأود أن أشكر الإخوة الذين وافوني ببعض اقتراحاتهم حول موضوعات الدروس. فقد اقترح بعض الإخوة أن يكون موضوع الدرس في العقيدة والتوحيد، ولا شك أن العقيدة والتوحيد هما الأصل الذي ينبثق عنه غيره. ولكنني أود أن أقول للإخوة: إنني قد خصصت درساً منذ زمن بعيد ولا يزال قائماً في موضوع العقيدة والتوحيد. وقد أنهينا فيه بحمد لله ما يزيد عن ثلثي كتاب التوحيد للشيخ الإمام المجدد: محمد بن عبد الوهاب، حفظاً وشرحاً. وكذلك الإخوة الذين يقترحون بأن يكون شرحاً لأحد كتب السنة الأخرى إضافة إلى بلوغ المرام، فإنني أقول لهم: بأننا في أربعة أيام في الأسبوع بعد صلاة الفجر وهي السبت والأحد والثلاثاء والأربعاء، نقرأ ونحفظ ونشرح في مختصر صحيح البخاري للزبيدي ومختصر صحيح مسلم للحافظ المنذري. ونعود إلى موضوع الرؤيا الصالحة.
 المرأة قد ترى الرؤيا الصالحة
ومن الرؤيا الصالحة التي رأتها أنثى ما رواه البخاري وغيره عن أم العلاء الأنصارية رضي الله عنها قالت: {لما هاجر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم اقتسم الأنصار المهاجرين، فطار لنا عثمان بن مظعون -صار في سهمنا ونصيبنا- قالت: فذكرت من صلاته وعبادته وذكره لله عز وجل وصومه، ثم مرض فمرضته، قالت: فلما مات جاء النبي صلى الله عليه وسلم، فكشف عن وجهه وقبله وبكى، فقلت: هنيئاً لك يا أبا السائب الجنة، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله عز وجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أو غير ذلك يا أم العلاء؟! إن الله تعالى خلق للجنة أهلاً، خلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً، خلقها وخلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وإني والله وأنا رسول الله لا أدري ما يفعل بي ولا بكم، فقالت: فو الله يا رسول الله لا أزكي بعده أحداً أبداً، ثم حزنت حزناً شديداً رضي الله عنها، قالت: فلما نمت رأيته في المنام، ورأيت له عيناً تجري، فجاءت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وذكرت له ذلك فقال: ذلك عمله} أي هذه العين التي تجري له في المنام هي عمله الصالح.إذاً: الرؤيا الصالحة قد تكون من رجل أو امرأة وقد تكون ليلاً أو نهاراً.
الأصناف الذين يرون الرؤيا الصالحة
والذين يرون الرؤيا الصالحة هم أصناف من الناس:
 رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم
ومن الرؤيا الصالحة رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة وأنس وقتادة وأبي سعيد المتفق عليها، أنه صلى الله عليه وسلم قال: {من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي} أو {لا يتكونني} على اختلاف في ألفاظ الحديث.فكل من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فهذه بشارة له، فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم، بل الصورة التي رآها في المنام هي صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم.لكن لا بد من التنبيه في ذلك على أمور:أولها: أن تكون رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على صورته المعروفة، فلا بد أن يكون الرائي يعرف ويعلم صورة صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم الجسدية من خلال قراءته في كتب السنة والسيرة، فيعرف حاله وطوله وشعره وما أشبه ذلك، أما لو رأيت شخصاً في المنام على غير هيئة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يلزم من هذا أن يكون هو الرسول، كما إذا رأيت شخصاً طويلاً بائن الطول أو قصيراً بائن القصر أو نحيفاً بائن النحافة أو سميناً بائن السمن، أو رأيته علىهيئة لا تليق بالنبي صلى الله عليه وسلم كأن يكون عليه أثر معصية أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يكون الرسول عليه الصلاة والسلام، بل يكون الشيطان صور للإنسان صورة في منامه ثم لبس عليه أنه الرسول وليس كذلك. كما أن بعض الناس -وهذا يحدث- قد يرون في المنام ويلبس عليهم الشيطان أن هذا ذو الجلال والإكرام وكما سبق أن ذكرت لكم في قصة عبد القادر الجيلاني رحمه الله، وهذا يكون من الباطل غالباً، فالإنسان لا يمكن أن يرى ربه في هذه الدنيا، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث الدجال: {تعلمون أنه أعور يقول: أنا ربكم، واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا} وإن كان بعض أهل العلم قال: إن العبد الصالح يمكن أن يرى ربه في المنام، لكن الحقيقة غير ذلك، والله تعالى أعلم. لأننا لا يعلم كيف هو سبحانه إلا هو، ولذلك لا يمكن أن يميز الإنسان إذا رأى في المنام أن يعرف أن من رأى هو الله، أو أن يكون الشيطان لبس عليه، فتحسم مادة هذا الباب أصلاً، فهذا هو الأولى، وفي المسألة خلاف، ونقل عن الإمام أحمد وغيره اختلاف في ذلك والله تعالى أعلم. إذن لا بد في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون عالماً عارفاً بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أن لاتقبل ممن ترى في المنام أنه رسول أن يأمرك أو ينهاك عن أمر يخالف الشرع، ولذلك ذكر الشاطبي رحمه الله في الاعتصام أن الكتاني رأى في المنام رجلاً يقول: إنه رسول الله، فقال له: ادع الله ألا يميت قلبي، فقال له: قل كل يوم أربعين مرة: يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت! فقال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى وهو الفقيه الفحل المحقق: أما كون الذكر سبباً لحياة القلب فهذا لا شك فيه، وأما ذكر الله تعالى بالوحدانية فهو من أعظم الأذكار، وكذلك الدعاء يا حي يا قيوم، فكل هذا وارد في الكتاب والسنة، لكن تخصيص أن يقول هذه الكلمة أربعين مرة كل يوم هذا لم يرد في السنة النبوية، ولذلك فالقول بأنه مشروع للكتاني أو لغيره هو أمر باطل لا يمكن أن يقال به. ومثله ما ذكره الشاطبي عن ابن رشد وكان قاضياً، أنه جاءه رجلان من العدول الثقات يشهدان على فلان، فلما نام رأى في المنام أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أتى وقال له: لا تقبل شهادة هذين الرجلين فإنهما كاذبان، فلما استيقظ تردد، ثم جزم بقبول شهادتهما ورد هذه الرؤيا؛ لأن الرؤيا لا يثبت بها حكم شرعي كما سبق، ولا مدخل لها في تقرير الأحكام، وسيمر شيء من ذلك لا يخلو من طرافة.
عوامل صدق الرؤيا
لا بد أن يتحرى الإنسان على أن تكون رؤياه صادقة، ومن ذلك: 1- أن يحرص أن يكون صادقاً في حديثه، ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً} وهو من حديث أبي هريرة، فكلما كان الإنسان حريصاً على تحري الصدق والبعد عن الكذب أو المبالغة أو التهويل فيما يقول؛ كان هذا أدعى إلى أن يرى في المنام الصدق، وكلما كان الإنسان متوسعاً في الروايات والأخبار وربما مختلقاً للأكاذيب؛ فإنه يكون أبعد عن الصدق في رؤياه. 2- أن ينام الإنسان على السنة: كأن ينام على جنبه الأيمن متطهراً، ويقرأ الأذكار الواردة والإخلاص والمعوذتين ويمسح بهما رأسه ووجهه وما أقبل من جسمه، وكذلك يقرأ الأدعية الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم: {باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ عبادك الصالحين، اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك، اللهم وجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، وأسلمت نفسي إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنـزلت، وبنبيك الذي أرسلت} كما في صحيح البخاري عن البراء، وغيره من الأذكار الواردة، ثم يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر حتى تغلبه عينه، فإن هذا من الأسباب التي تجعل الإنسان لا يرى في منامه -إن شاء الله- إلا المرائي الحسنة.3- اعتدال الإنسان فلا يكون نام على جوع أو شبع أو عطش شديد أو هم شديد، أو ما أشبه ذلك، بل يكون معتدل المزاج خالياً من أسباب الرؤيا الصالحة، كما أسلفت في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب، إذا تقارب الزمان فقيل: إذا اعتدل الليل والنهار، وقيل: قبيل قيام الساعة، وهو الأرجح. 4- التواطؤ عليها، أي: أن يراها أكثر من إنسان، وهذا حدث كليلة القدر -كما سبق الإشارة إليه- وقال صلى الله عليه وسلم: {أرى رؤياكم قد تواطأت}.كذلك كما حدث في رؤيا الأذان، فقد رآها عبد الله بن زيد بن عبد ربه: {رأى الرجل الذي معه ناقوس يحمله قال: تبيعه؟ قال: ما تصنع به؟ قال: ننادي به للصلاة، قال: ألا أدلك على ماهو خير لك من ذلك؟ قال: بلى، قال: تقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ثم ذكر الأذان، ثم استأخر قليلاً، ثم قال: والإقامة أن تقول: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله ثم ذكر الإقامة، فغدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنها لرؤيا حق فألقها على بلال فإنه أندى منك صوتاً، فلما سمعها عمر في بيته خرج يجر إزاره، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: والله يا رسول الله! لقد رأيت الذي رأى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الحمد لله} حَمِدَ الله على تواطؤ رؤيا أصحابه، وأن هذا مما يؤكد صدق هذه الرؤيا.
 آداب الرؤيـا
أولاً: أن يبتعد الإنسان عن الكذب في رؤياه، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس الذي عند البخاري {من تحلم -ادعى في منامه شيئاً لم يره- كُلِّفَ يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين وليس بفاعل}.وكذلك رواه الترمذي من حديث علي وسنده حسن: {من تحلم وادعى رؤيا وهو فيها كاذب، كُلِّف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين، وهو لا يستطيع أن يفعل ذلك}.ومثله في التحذير من ذلك، ما رواه البخاري عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: {إن من أفرى الفري -أي من أكذب الكذب- أن يُري الرجل عينيه ما لم تريا}.فمن الخطورة أن يكذب الإنسان في رؤياه، وهذا بعض الناس يتساهل فيه، والكذب في الرؤيا كالكذب في اليقظة، الكذب في الرؤيا أقل ما يقال فيه: إنه كالكذب في اليقظة، بل قال بعضهم: إنه أشد من ذلك. ثانياً: على الإنسان إذا رأى رؤيا صالحة فيها خير؛ أن يحمد الله تعالى، فيقول: الحمد لله، ويستبشر ويفرح بهذه الرؤيا، ويحدث بها من يحب، كما ورد ذلك في حديث أبي سعيد في صحيح البخاري: {فليحمد الله وليحدث بها} وورد من حديث أبي قتادة: {لا يقصها إلا على وادٍّ -محب- أو ناصح أو عالم}.ثالثاً: إذا رأى رؤيا مكروهة؛ فهذه فيها الأدب منها أن يتعوذ من شرها ومن شر الشيطان، ويتفل عن يساره ثلاث مرات، فإن الشيطان يخنس ويبتعد حينئذٍ عن هذا الإنسان، فلا يسيء إليه، وكذلك لا يذكرها لأحد قط، لا محب ولا غيره، لا قريب ولابعيد، فقد نهى الرسول عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم من حديث جابر عن أن يخبر الإنسان بتلعب الشيطان به في المنام: {لما أتاه الأعرابي فقال: يا رسول الله! رأيت في المنام أن رأسي قطع، فهو يتدهد أمامي وأنا ألحق به، فتبسم الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنكر على هذا الأعرابي، ثم صعد المنبر فقال: لا يخبر أحدكم بتلعب الشيطان به في المنام} فلا ينبغي للإنسان أن يذكر الرؤيا السيئة لأحد؛ لئلا يشمت به عدو أو يؤولها أحد، فيكون هذا التأويل هماً في قلب الإنسان، وقد يكون سبباً في وقوعه في بعض ما دلت عليه الرؤيا.رابعاً: من أدب من رأى رؤيا لا تسره أن يقوم ويصلي، فقد ورد هذا من حديث أبي هريرة في صحيح مسلم.خامساً: من الأدب أن يتحول عن شقه الذي كان نائماً عليه، تفاؤلاً لتحول حاله من سيء إلى حسن، وقد ورد هذا في حديث جابر الذي رواه مسلم.
تعبير أو تفسير الرؤيا
الإمام مالك قال كما ذكر ذلك ابن عبد البر وغيره -لما قيل له في تأويل الرؤيا: هل يؤولها كل أحد؟ قال: لا، أيلعب بالنبوة؟ أي: ما دامت الرؤيا جزءاً من ستة وأربعين جزءاً من النبوة فهل يلعب بها كل أحد؟ فأنكر على من أوَّل الرؤيا أو فسرها وهو غير عالم، فقيل له: يا إمام! إن بعضهم يؤول الرؤيا على الأمر الحسن، وإن كان لا يعلمها؟ أي إذا قال له إنسان: رأيت رؤيا فإنه يؤولها على تأويلٍ حسن يطمئن هذا الإنسان، وهو ليس لديه علم، قال: لا يفعل ولا يعبث بالنبوة.فلا ينبغي للإنسان أن يُعِّبر أو يفسر الرؤيا إلا إذا كان عنده إلهام وتوفيق من الله ومعرفة بشأن الرؤيا، لأن الرؤيا قد تكون للشيء وعدمه، فقد ورد أن رجلاً جاء إلى أحد الصالحين، فقال له: إني رأيت في المنام أنني أؤذن، قال: إنك سوف تسرق، فتأول قول الله عز وجل: ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ [يوسف:70] ثم جاءه رجل آخر، فقال له: إني رأيت في المنام أني أؤذن، فقال: إنك سوف تحج فتأول قوله تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً [الحج:27].لذلك على الإنسان ألاَّ يتسرع في تعبير الرؤيا، بل يعتبر أنها من الدين وأنها من الشرع، والحمد لله! فالله عز وجل جعل لنا سعة في قول: لا أدري، وفي قول: الله أعلم.
 أقسام الرؤيا
الرؤيا قسمـان: النـوع الأول: ظاهر جلي: كمن رأى في المنام أنه يأكل شيئاً، فحدث له ذلك في اليقظة، فهذا ظاهر ليس فيه رمز وليس فيه خفاء. الـنوع الثاني: رؤيا مرموزة لا يعبرها إلا الحاذقون، وهذه الرؤيا لها قواعد وأصول تخفى على كثير من الناس، ولذلك سبقت عن النبي صلى الله عليه وسلم أمثلة كثيرة، قد لا يستطيع الإنسان أن يتوقعها. كذلك عمر رضي الله عنه قال: إنه رأى في المنام أن ديكاً نقره ثلاث نقرات، فأولها بأنه يقتله رجل من العجم، فقتل رضي الله عنه وطعنه أبو لؤلؤة المجوسي ثلاث طعنات، كما هو معروف في السيرة. ومن الذين اشتهروا بتأويل الرؤيا ابن سيرين وقد جاء في صحيح البخاري عنه أنه كان يقول: [[إن الرؤيا ثلاث: إما حديث النفس، أو تحزين من الشيطان، أو رؤيا من الله]].وهذا ثبت عنه عليه الصلاة والسلام كما سبق، قال ابن سيرين: وكانوا يعجبهم القيد، ويكرهون الغل، ويقولون: القيد ثبات في الدين، وهذا من الأشياء التي يعجب الإنسان منها، فإن السلف رضي الله عنهم كانوا يكرهون الغل، والغل هو القيد الذي يكون في عنق الإنسان في النوم، ولعل كراهيتهم للغل؛ لأنه ورد في القرآن على أنه عقوبة لأهل النار: إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ، فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ [غافر:72] وكذلك قال تعالى عن الكفار: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ [يس:8].أما القيد: فيكون في الرجل فيعجبهم القيد، لأن القيد منع الإنسان من المشي إلى الحرام، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن} المؤمن لا يقتل ولا يعتدي على الناس؛ لأن الإيمان قد قيده بذلك؛ فالقيد دليل على الإيمان، أما الغل في الحلق فكانوا يكرهونه ويعتبرونه أمراً ليس بحسن. ولكن مع أن ابن سيرين له تأويلات كثيرة، إلا أن هناك كتاباً مشتهراً من تفسير ابن سيرين، تفسيراً للأحلام وتأويل للرؤى، وهذا فيه أشياء كثيرة منسوبة إلى ابن سيرين لا تصح، ولذلك يجب الحذر منه، ومن الخطورة بمكان أن ينتشر هذا الكتاب بين أيدي العامة والرجال والنساء، لأن الكتاب فيه حقائق وأباطيل، ولا تصح نسبته إلى ابن سيرين، فقد يؤول الشيء بالشيء أو بضده، إما رزق أو موت، فإذا رأى الناس هذه الرؤيا أصابته بهم شديد. ينبغي التحذير من هذا الكتاب وتبيين أن هذا الكتاب لا يعتمد عليه، وكذلك هناك كتاب آخر للنابلسي فيه أشياء صحيحة وأشياء غير صحيحة، وهناك لبعض الحنابلة وهو أحمد بن عبد الرحمن المقدسي كتاب سماه البدر المنير في تأويل الأحلام ذكره الذهبي، وسوف يأتي الإشارة إلى بعض تأويلات المقدسي. وذكر من هذه التأويلات ابن القيم في زاد المعاد المجلد الثالث، ذكر تأويلات المقدسي، وقد التقى به وأخذ عنه وإن كان ابن القيم يقول: لم يتح لي فرصة أن أقرأ عليه تأويل الرؤيا لصغر سني ولتقدم وفاته رحمه الله، وكان يسمى بـالشهاب العابر، لأنه دقيق، حتى يقول: الذهبي لا يدرك شأنه في تفسير الأحلام، لا يشق له غبار في تأويل الرؤى والأحلام، فمن ذلك أن رجلاً رأى في رجله خلخالاً، فقال له: سوف يصيب رجلك داء تتخلخل منه، وهكذا كان. وجاءه آخر فقال: إني رأيت في أنفي حلقة من ذهب، ورأيت فيها حباً أحمر جميلاً، فقال له: إنه سوف يصيبك رعاف! وهكذا كان.وجاءه آخر فقال له: رأيت في يدي سواراً والناس ينظرون إليه، فقال له: سوف يصيب يدك داء برص أو بهاق أو نحوه، وسوف ينظر الناس إليه.وجاءه آخر فقال: رأيت في يدي سواراً ولقد خفيته فلا ينظر إليه الناس، فقال له: سوف تتزوج امرأة حسنة جميلة رقيقة، قال: وهكذا كان.وأشار الإمام ابن القيم في الموضع المشار إليه إلى أن الحلية في اليد قد تكون هماً، وقد تكون تزويجاً، وقد تكون بنتاً تولد له أو ما أشبه ذلك. فيكون الشيء رمزاً لآخر، مثلاً: الذهب يكون رمزاً للمرأة الصالحة، وقد يكون الرمز باللفظ كما سبق بأن الذهب أوله بعض أهل العلم بالذهاب لسرعة ذهاب شأن الكذابين.ومن ذلك ما ورد في صحيح مسلم عن أنس: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {رأيت أنني في دار عقبة بن رافع، وكأنه أُتي لنا بتمر من تمر ابن طاب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فأولته الرفعة لنا في الدنيا والعاقبة لنا في الآخرة، وأن ديننا قد طاب} أخذ الرفعة من اسم رافع، وأخذ العاقبة من عقبة، وأخذ طيب الدين من أنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا أكلوا من تمر يسمى تمر ابن طاب وهو من جيد تمر المدينة. وكما ذكر ذلك عدد من المعبرين.
الأسئلة

  مآل الرؤى
السؤال: هل كل رؤيا حسنة تؤول بالخير، وكل رؤيا شر تؤول شراً؟الجواب: هذا معنى الرؤيا الحسنة أنها تؤول إلى خير، وتكون خيراً للإنسان في عاجل أمره أو آجله، والرؤيا السيئة هي ضد ذلك.سبحـانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك. اللهم صلِّ وسلم على نبيك وعبدك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الرؤى والأحلام للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net